-
وتعد ضبة جمرة من جمرات العرب التي أشرت إليها، وتقع منازلها في اليمامة، وفي خلال الحرب التي وقعت بين عبس وذبيان دخلت عبس أرض ضبة، ولكنها اضطرت إلى مغادرتها بعد النزاع الذي حدث بين عبس و ضبة. وجاورت بني عامر بن صعصعة. وفي يوم "جبلة"، وهو من الأيام المشهورة التي وقعت بعد يوم رحرحان بعام، ويصادف ذلك عام مولد النبي على رواية. أو قبل مولده بسبع عشرة سنة على رواية أخرى. كانت ضبة مع ذبيان وتميم وأسد والرباب وفزارة في مهاجمة بني عامر بن صعصعة. وبالرغم من كثرة هذه القبائل، تمكنت بنو عامر من الظفر به ومن إلحاق الهزيمة بتميم وبمن ضامها. والى مشورة قيس بن زهير العبسي يعود الفضل في انتصار بني عامر. وفي رواية إن لقيطا استنجد أيضا بالنعمان بن المنذر، فأنجده بأخيه لأمه حسان ابن وبرة الكلبي، وبصاحب هجر وهو الجون الكندي، فأنجده بابنيه معاوية وعمرو وغزا بني عامر. وقد أصيب تميم ومن كان معها من القبائل بخسائر، وبوقوع عدد من الزعماء أسرى في أيدي بني عامر، فقتل في هذا اليوم لقيط بن زرارة، وأسر حاجب بن زرارة، أسره فو الرقيبة، وأسر سنان بن أبي حارثة المري وجزت ناصيته، وأطلق إمعانا في امتهانه، وأسر عمرو بن عدس وجزت ناصيته كذلك ثم أخلي سبيله. وقتل معاوية بن الجون، ومنقذ بن طريف الأسدي، ومالك بن ربعي بن جندل. وبعد حز الناصية بعد الأسر خاصة مع اشد درجات الامتهان، و لا سيما جز نواصي السادة والرؤساء.
وفي يوم النسار، لحقت ضبة وعدي بأسد وطيء و غطفان في غزوهم لي بني عامر، وقد ألحقوا خسائر فادحة ببني عامر، وهذا مما غاظ تميما، فجعلها تلحق طيئا وغطفان وحلفائهم من ضبة وعدي يوم الفجار، حتى قتلت من طيء أكثر مما قتلت طيء يوم النسار.
(1/2348)
ومن ذرية عبد مناة بن أد: تيم، وعدي، وعوف، وثور، وأشيب. وهؤلاء هم الرياب، لأنهم تحالفوا مع بني عمهم ضبة على بني عمهم تميم بن مر، فغمسوا أيديهم في رب. ومن بني عوف بن عبد مناة بنو عكل. و من بني عمرو بن أد: مزينة، نسبوا إلى أمهم مزينة بنت كلب بن وبرة. وتقع ديار الرباب بالدهناء في جوار بني تميم.
ومن ولد أد بن طابخة مر بن أد فولد مر تميما وثعلبة، وهو ظاعنة، وبكر بن مر، وهو الشعراء، ومحارب بن مر، وهو صوفة. ومن النساء برة أم "النضر، وملك وملكان بني كنانة. وهي أيضا أم أسد بن خزيمة، وهند ابنة مر وقد ولدت بكرا وتغلب وعنز بني وائل بن قاسط، وتكمة بنت مر وقد ولدت غطفان بن سعد، وسليما و سلامان بن منصور، وجديلة نجت مر وفد ولدت فهما وعدوان، واليها ينسبون، وعاتكة بنت مر. وهي والدة عذرة ابن سعد و إخوته.
و أما صوفة، فانهم كانوا يجيزون بالحاج. وقد انقرضوا عن آخرهم في الجاهلية، فورث ذلك آل صفوان بن شجنة "سجنة" "شحمة"، من بني سعد بن زيد مناة بن تميم. ومن هؤلاء على رواية كان عامر بن احيمر السعدي الذي حصل على بردي محوق من النعمان بن المنشر في مجلس مفاخر حضرته وفود العرب عقد بحضره النعمان بن المنذر في الحيرة. وقد بز عامر هذا الحاضرين في الفخر وفي الانتساب على الطريقة المألوفة. ولما سأله النعمان: بم أنت أعز العرب? قال: العز والعدد من العرب في معد، ثم في نزار، ثم في تميم، ثم في سعد، ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا من العرب فلينافرني? فلما لم ينافره أحد، ذهب بالبردين.
(1/2349)
وتميم من القبائل العربية الكبيرة المعروفة، وقد نعتهم ابن حزم بقوله:"وهم قاعدة من أكبر قواعد العرب". وتعد في مقابل قيس وربيعة، وهي الممثلة لمجموعة مضر في بعض الأحيان. وهي أقرب جغرافيا وتاريخيا إلى قيس وربيعة منها إلى كنانة. ومعارفنا عن تأريخها مستمدة مثل معارفنا عن القبائل الأخرى المماثلة من الروايات المدونة في كتب الأخباريين.
ويزعم الأخباريون إن جد هذه القبيلة مدفون في موضع "مران"، وهم يروون قصصا عنه وعن ميلاد أولاده من هذا النوع الذي ألفنا وروده عن الأخباريين.
ولا نستطيع في الوقت الحاضر إن نرتقي بتأريخ تميم عن القرن السادس للميلاد، فليست لدينا موارد تأريخية يعتمد عليها ترفع تأريخ هذه القبيلة إلى ما قبل ذلك، ولا يعني هذا إننا ننكر إن يكون لها تأريخ قديم، إذ يجوز إن يكون لها عهد اقدم من هذا العهد الذي نتحدث عنه. ولكننا لا تملك الان نصوصا جاهلية أو موارد إسلامية يطمأن إليها، ترجع تأريخ تميم إلى ما قبل هذا القرن.
أما في القرن السادس، فقد كانت تيم قبيلة بارزة ظاهرة، بطونها منتشرة في العربية الشرقية، وفي نجد وفي العراق، وفي أنحاء مختلفة من جزيرة العرب، مجاورة لقبائل معروفة مثل أسد وغطفان و بني عبد القيس وتغلب، متصلة بها. ومن بني دارم من تميم كان المنذر بن ساوى حاكم البحرين والذي أسلم في أيام الرسول.
و كانت لتميم صلات متينة بملوك الحيرة، وكان من عادتهم جعل الردافة في بطن من بطونهم، وهو بطن بني يربوع. وقد ثار هذا البطن وهاج، لما حولت الردافة إلى بطن آخر من بطون تميم، هو بطن بني دارم، ولم يقبلوا إلا برجوعها إليهم، لما كان للردافة من مكانة ومنزلة في ذلك الوقت.
(1/2350)
ونجد في كتاب الأخباريين أسماء أيام عديدة وقعت بين تميم وغيرها من القبائل، خاصة قبائل بكر بن وائل، كما نجد إشارات إلى حروب وقعت بينهم وبين بعض ملوك الحيرة. وقد أشرت إلى القصص الذي يرويه أهل الأخبار عن غزو "سابور ذي الأكتاف" لجزيرة العرب والى ما زعموه من تنكيله بالقبائل وانتزاعه أكتافهم، ومن هذه القبائل قبيلة تميم. ويذكر الأخباريون أيضا إن "كسرى برويز" . "كسرى أبرويز" "Khusrawparwez"، كتب إلى عامله على هجر، وهو "المكعبر"، إن ينتقم من تميم، لتعرضها لقافلة كانت محملة بالتجارات وبالهدايا مرسله إليه، فقتل المكعبر بالمشقر عددا كبيرا منهم.
ولتميم صلات متينة برجال مكة، وقد كان لرجالهم ذكر وخبر في سوق "عكاظ". فنهم كان حكام الموسم. كما تولوا القيام ببعض مناسك الحج. وقد صاهرهم بعض رجاك مكة.
ويظهر من بعض روايات الأخباريين إن تميما وبقية القبائل المنتمية إلى "أد" كانت تتعبد ل "شمس". وكان لشمس بيت "تعبده بنو أد كلها: ضبة، وتميم، وعدي، و عكل،. وثور. وكان سدنته من بني أوس بن مخاشن بن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم، فكسره هند بن أبي هالة بن أسيد بن الحلاحل بن أوس بن مخاشن". وعبدت طائفة من تميم "الدبران" من النجوم، ولهم قصة عن هذه النجوم.
وكاد بعض تميم على النصرانية، ومنهم عدي بن زيد العبادي، كما كان بعض منهم من دان بالمجوسية، وبن هؤلاء زرارة بن عدس التميمي و ابنه حاجب ابن زرارة والأقرع بن حابس.
وفي شواهد كتب النحو والصرف أمثلة عديدة من لهجة تميم، وهي تشير إلى وجود فوارق ومميزات في تلك اللهجة تميزها عن اللهجة التي نزل بها القرآن الكريم. وقد أخرجت هذه القبيلة عددا من الشعراء في الجاهلية والإسلام. وللاستشهاد بلهجة تميم، ولوجود عدد من الشعراء الذين يبدون من كبار الشعراء عند علماء الشعر، أهمية كبيرة ولا شك في دراسة اللهجات العربية، وعلاقاتها بلهجة القرآن الكريم.
(1/2351)
وقد أدى تعدد بطون تميم وانتشارها إلى نشوب حروب بينها، والى تكتلها كتلا وتكوين أحلاف بينها، كالحلف الذي كان بين بني يربوع و بني نهشل. وقد نسب لأبي اليقظان النسابة كتاب في أحلاف تميم اسمه: "كتاب حلف تميم بعضها بعضا".
وبطون تميم عديدة، تفرعت على رأي النسابين من الحارث، وعمرو، وزيد مناة أولاد تميم. ومن ولد عمرو: العنبر، والهجيم، وأسيد، ومالك، والحارث و قليب. والحرماز، وكعب على رواية أخرى. ومن بطون بني كعب بنو فهد. وقد عرف نسل الحارث بالحبطات. ومن بطون بني مالك إبن عمرو بن تميم: مازن، والحرماز، وغيلان، وغسان. ومن بني أسيد ابن عمرو بن تميم بنو كاهل، ومنهم أوس بن حجر الشاعر الجاهلي المعروف، وكان شاعر مضر حتى أسقطه زهير، وبنو شريف ومنهم أكثم بن صيفي من حكماء العرب في الجاهلية، وحنظلة بن رجعة، ابن أخي اكثم. و قد كتب للنبي الوحي. ومن بني مالك بن زيد مناة بن تميم البراجم،. وبنو دارم، ومن بني حنظلة بنو يربوع، ومن بني يربوع بنو ثعلبة، ومن بني الحارث بن يربوع بنو سليط، ومن نسل مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم: بنو فقيم، وبنو نهشل، و بنو مجاشع، وفي بني رياح بن يربوع كانت ردافة قبل الإسلام، ومن بني العنبر بن يربوع كانت سجاح.
وذكر "البلاذري" أن "بكر بن وائل" أغارت على "بني عمرو بن تميم" يوم "الصليب"، ومعها ناس من الاساورة، فهزمتهم بنو عمرو وقتلت "طريفا" رأس الأساورة ا، وذكر إن "بكرا" كانت تحت يد كسرى وفارس، فكانوا يقوونهم ويجهزونهم. وكان يشرف عليهم عامل "عين التمر". ويظهر إن "بني عمرو"، كانوا قد اعتدوا على "عير كسرى"، فجهز "بكر بن وائل" عليهم.
(1/2352)
أما بنو قمعة بن الياس، فهم من نسل عامر بن قمعة، واسم قمعة عمير. وقد ولد عامر أفصى وربيعة وهي لحي فولد لحي عامر بن لحي، وولد عامر ابن لحي عمرا وهو عمرو بن لحي، نسب إلى جده، فعرف بعمرو بن لحي. وهو على قول الأخباريين أول من غير دين إسماعيل ودعا العرب إلى عبادة الأوثان.
و أشهر بطون قمعة أسلم، و خزاعة في رأي بعض النسابين. ولم يشر إلى عقب يذكر لقمعة بعض آخر من علماء الأنساب أما اسلم، فهم بنو أفصى ابن عامر بن قمعة، و أما خزاعة، فهم بنو عمرو بن عامر بن لحي وهو ربيعة. وقد كانت مواطن خزاعة في أنحاء مكة في مر الظهران وما يليه. وكانوا حلفاء لقريش. ودخلوا في عام الخديبية في عهد رسول الله، وقد ذهب بعض النسابين كما أشرت سابقا إلى ذلك إن خزاعة من غسان، و إنها من نسل حارثة بن عمرو "عامر" مزيقياء، و إنها أقامت بمر الظهران حين سارت غسان إلى الشام، وتخزعوا عنهم، فسموا خزاعة. والى نسبة خزاعة إلى غسان ذهب نسابوا خزاعة.
ومن صلب عمرو بن لحي، أي خزاعة، بنو سلول بن كعب بن عمرو بن عامر بن لحي، ومنهم قيمر "قمر"، ومطرود ومازن وسعد و حليل، وحبشية وهم بطن، وهو حاجب الكعبة. ووالد حبي التي تزوجها قصي بن كلاب. ومن نسل حليل أبو غبشان. واسمه المحترش، باع الكعبة بزق خمر من قصي ابن كلاب. ومن ولد حبشية بن كعب بن عمرو بن عامر بن لحي: حرام، و غاضرة. ومن نسل بني عوف بن عمرو بن عامر بن لحي: جفنة "بنو جهينة"، وهم عباد بالحرة. ومن نسل سعد بن عمرو بن لحي بنو المصطلق، ومن بني افصى بن عامر بن قمعة بن عامر بن قمعة: بنو اسلم، و سلامان و هوازن، وبنو ملكان بن افصى بن عامر بن قمعة وبنو مالك بن افصى.
وقد تحدثت سابقا عن رأي نسابي اليمن في خزاعة، وعدها من جماعة قحطان. ونظرا لعد بعض النسابين إياها من عدنان تحدثت عنها في هذا الباب.
(1/2353)
أما فرع مدركة، فيتكون من اصلين: خزبمة، وهذيل. وأمهما سلمى بنت أسد بن ربيعة بن نزار. و أضاف بعض النسابين ولدا آخر أليهما اسمه غالب بن مدركة، دخل نسله في بني الهون بن خزيمة بن مدركة.
أما ولد خزيمة، فهم كنانة وأمه عوانة بنت قيس بن عيلان، وأسد، و أسدة، و الهون، وأمهم برة بنت مر بن أد بن طابخة. اخت تميم بن مر، ويرى بعض النسابين إن جذاما ولخما وعاملة هم نسل أسدة، ولكنهم انتسبوا في اليمن، فقالوا جذام بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن يشجب بن مالك بن زيد بن كهلان، وأن هذا الانتساب كان لعوامل سياسة كما حدث لقبائل أخرى، خاصة في أيام الأمويين.
وكانت منازل كنانة عند ظهور الإسلام في أطراف مكة بين هذيل وأسد بن خزيمة، وكان لها أثر مهم في تأريخ مكة على ما يفهم من روايات الأخباريين. وقد ساعدت قريشا، وقريش من كنانة في نزاعها على رئاسة مكة مع خزاعة، ولها مع خزاعة جملة وقائع، كما كان لها أثر خطير في حروب الفجار.
وتتألف كنانة من بطون عديدة، هي: النضر، والنضير، ومالك، وملكان، وعامر، وعمرو، والحارث، وعروان "عزوان"، وسعد، و عوف، وغنم، و مخرمة، و جرول. وفي رواية لابن الكلبي إن جميع هؤلاء الأبناء هم من أم واحدة هي برة بنت مر، أخت تميم بن مر، وهي أم أسد و أسدة والهون أبناء خزيمة في رواية أخرى. أما أم عبد مناة بن كنانة، وذلك في رواية من جعله ابنا لكنانة، فهي بنت هنئ بن بلي بن قضاعة. وهذا السبب نسبت إلى قضاعة عند بعض النسابين.
(1/2354)
ومن بطون عبد مناة بن كنانة: بكر، وعامر، ومرة، وغفار. وهي بطون. ومن بكر: ليث، والدئل وأمهما أم خارجة البجلية، وضمرة، وعريج. ومق ليث بن بكر: عامر و جندع، وسعد. ومن الدؤل أبو الأسود الدؤلي. ومن بني مرة بن عبد مناة: بنو مدلج، وقد اشتهروا بالقيافة. ومن بطون مالك بن كنانة،: ربيعة بن مكدم، فارس بني كنانة، و بنو، فراس بن تميم، وبنو فقيم، وهم الذين كانوا ينسأون الشهور في الجاهلية، ثم ابطل ذلك في الإسلام.
ومن نسل الهون: عضل، وديش، والقارة. وبنو يينع "يتتع". "يثيع"، بن مليح بن الهون. وهم، وبطنان من خزاعة هما: الحيا والمصطلق، حلفاء لبني الحارث بن عبد مناة بن كنانة. ويقال لهم جميعا الأحابيش، أحابيش قريش، لأن قريشا حالفت بني الحارث بن عبد مناة على بكر بن عبد مناة، فهم وأحلافهم حلفاء قريش.
أما نسل أسد بن خزيمة، فهم: دودان، وكاهل، وعمرو، وصعب، وحملة. ويقال لبني عمرو بنو نعامة. وجعل بعض النسابين بني النعامة، من نسل عبد الله بن صعب بن أسد، وهم: بنو جعدة، وبنو البحر بن عبد الله ابن مرة بن عبد الله بن صعب بن أسد. وحصر بعض النسابين بطون أسد ابن خزيمة في كاهل، وفقعس، والقعين، و دودان.
ومن نسل عمرو بن أسد بن خزيمة: القليب، ومعرض واسمه سعد، والهالك، ومن نسل كاهل بن أسد بن خزيمة مازن بن كاهل، ومنهم علياء ابن حارثة بن هلال الشاعر قاتل حجر بن عمرو الكندي والد الشاعر امرئ القيس.
(1/2355)
وولد دودان بن أسد: ثعلبة، وغنما. فولد غنم بن دودان كبيرا، وعامرا، ومالكا. ومن بني غنم بنو جحش. ومن بني ثعلبة بن دودان الشاعر عبيد بن الأبرص، والكميت الشاعر. ومن بني سعد بن مالك بن ثعلبة ابن دودان عمرو بن مسعود الذي يقال إن النعمان بنى عليه الغري. ومن بني الحارث بن ثعلبة بن دودان: قعين، ووالبة، وسعد، و من بني قعين عامر ابن عبد الله بن طريف بن مالك بن نصر بن قعن، صاحب لواء بني أسد في الجاهلين. ومن بني عمرو بن قعين بن الحارث بن ثعلبة بن دودان، طليعة ابن خويلد بن نوفل الذي ادعى النبوة. وأشهر بطون بني ثعلبة: بنو غاضرة، وبنو مالك، وبنو والبة، وبنو نصر بن قعين، وبنو الصيداء، وبنو فقعس، وبنو دبير.
أما ولد هذيل بن مدركة، فهم: سعد، ولحيان. وولد لحيان طابخة، ودابغة. ومن طانحة أبو قلابة الحارث بن صعصعة الشاعر. ومن سعد بن هذيل: الشاعر أبو كبير الهذلي، وحوية. وقيل إن الحطيأة منهم. ومنهم خناعة وهم بطن، ورهم، وتميم، والحارث، ومعاوية، و عوف. ومن سعد هذيل: عبد الله بن مسعود، والمؤرخ المسعودي. وقد اشتهرت هذيل بكثرة من نبغ فيها من الشعراء، حيث بلغ عددهم نيفا وسبعين شاعرا. ومن بطون هذيل الأخرى: بنو دهمان، وبنو عادية، وبنو صاهلة، وبنو ظاعنة، وبنو مخزوم، وبنو قريم، وبنو قرد بن معاوية.
(1/2356)
وتعد هذيل من القبائل العربية الكبيرة التي كانت في القرن السادس للميلاد، أما منازلهم في هذا الوقت، ففي سراة هذيل بين مكة والمدينة وفي جوار بني سليم وكنانة، وهي مثل أكبر القبائل الأخرى لا نعرف من تأريخها قبل الإسلام شيئا يذكر. ويذكر الأخباريون إنها كانت في جملة القبائل التي أرادت الدفاع عن مكة حينما عزم أيرهة على احتلالها. وكانت تتعبد للصنم سواع بنغمان، وسدنته بنو صاهلة من هذيل، وتعبدت له بنو كنانة وبنو مزينة وبنو عمرو بن قيس عيلان كذلك. وله معبد آخر بموضع "رهاط"، كما تعبدت للصنم "متاة" ومعبده بقديد.
إن ما ذكرته في هذين الفصلين، هو خلاصة آراء علماء الأنساب في أنساب القبائل. وهي آراء لا نستطيع إن نذهب مذهبهم في إنها جاهلية قديمة، وإنها على هذه الصيغة كانت معروفة قبل الإسلام، وإن قالوا إنهم توارثوها عن الجاهلين، ونقلوها عن المشتغلين بالنسب في الإسلام والجاهلية كابرا عن كابر، ولا نستطيع أيضا إن نزعم إنها تمثل أنساب القبائل على نحو ما دونت وصنفت في الديوان بأمر الخليفة عمر بن الخطاب. فلم نجد في أقدم ما انتهى إلينا من كتب النسب إشارة تفيد إن ما قصوه علينا وما ذكروه في النسب، منتزع من سجلات ديوان الخليفة. ثم إننا رأينا أمثلة عديدة، لتنقل نسب القبائل في أيام الأمويين بين قحطان وعدنان لأسباب سياسية وعوامل ترجع إلى هذا التعصب المزري الذي انتشر في ذلك العصر، حتى جزأ العرب إلى قيس ويمن.
(1/2357)
وهذه الخصومة السياسية العنيفة التي جزأت العرب ويا للأسف إلى جزءين، و أسالت السماء بين الفريقين، صارت سببا لتثبيت أنساب القبائل وضمها في مجموعتين: إما إلى قحطان، و أما إلى عدنان، ولا وسط بين الكتلتين. وقد صادف هذا التحزب عصر بدء التدوين، فكان النسب "لأهميته عند القبائل والناس وفي الحياة السياسية في ذلك العهد" في طليعة الأمور التي شملتها حركة التدوين، فبدلا من إن يعتمد النسابون على الذاكرة والرواية سطروا تلك الروايات في الأوراق، وضبطوا أنساب القبائل التي عاشت قبيل الإسلام وفي صدر الإسلام بهذا التدوين.
وقد أحدث عدم ضبط قواعد الخط في صدر الإسلام، وعدم استعمال النقط في أول العهد بالتدوين بعض المشكلات للمتأخرين في ضبط الأعلام. فاختلاف النقط يحدث كما هو معروف اختلافا في ضبط الأسماء، وهذا ما حدث فعلا. و إنك لتجد في كتب الأنساب المطبوعة والمحفوظة أمثلة عديدة من هذا القبيل. كذلك أدى إهمال في النسابين ذكر الآباء أو الأجداد إلى حدوث شيء من الارتباك في ضبط الأنساب. يضاف إلى هذا تشابه أسماء بعض القبائل والبطون في قحطان وعدنان.
(1/2358)
وقد أشار الهمداني إلى العصبية التي كان لها أثر خطير في وضع الأنساب في عهد معاوية وغيره في الشام وفي العراق، ثم إلى تقصير نسابي العراق والشام في عدة آباء كهلان وحمير، ليضاهوا بذلك على حد تعبير الهمداني عدة الآباء من ولد إسماعيل، وذكر انه كانت عند أهل اليمن مثل حمير وهمدان والمرانيين وغيرهم زبر مدونة فيها أنسابهم، يتناقلها الناس، وهي تختلف عن الأنساب التي يتداولها أهل النسب في العراق والحجاز والشام بعض الاختلاف، وان بعضا من أنساب عرب الحجاز دخل في أنساب الناس من أهل اليمن، وذلك على رأيه لأسباب، منها: فتك "بخت نصر" بأقيال اليمن في عهد أسعد تبع، وفي أيام حسان بن أسعد وتخريبه حصونهم، وقتل حسان لجديس التي أفنت طسما. وفي هذا الحديث على علاته ما فيه من اعتراف صريح باضطراب النسابين في ضبط الأنساب.
ولا يخلو بعض هذه الأنساب من تحامل العصبية التي كانت في نفوس القبائل والبطون، إذ خلقت هذه مثالب لصقتها بآباء القبائل المتباغضة وأجدادها حفظت على مرور الأيام، ولازمت من قيلت فيهم، ليس من الصعب الوقوف عليها ومعرفتها كما هو الحال في نسب ثقيف مثلا. وتجد أوجدت قسوة الحجاج بن يوسف، وهو من ثقيف، ذلك القصص الذي قيل في جد ثقيف ولا شك.
وقد أشرت فيما سبق إلى أثر التوراة وأثر نفر من أهل الكتاب ممن ادعوا العلم بكتب الأولين في النسابين والإخباريين ووضعهم أسس النسب، وإرجاعها إلى قحطان و عدنان، وبناء نسب القبائل على هذين الأساسين. وقد وجدنا "يقطان" في التوراة أبا لشبا وحضرموت وبقية إخوتهما، وهم من العرب الساكنين في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية. ويقطان هو قحطان. ثم وجدنا الإشماعيليين في التوراة كذلك، والإشماعيليون هم الاسماعيليون أبناء إسماعيل جد العرب العدنانيين. ووجدنا نابت وقدار في التوراة كذلك وعند النسابين أيضا، ونابت هو "نبابوت".
(1/2359)
أما الذي يتجلى لنا من استعراض كل هذه الأنساب ودراستها، سواء أكانت قحطانية أم عدنانية، فهو إن الحياة السياسية للقبائل كانت حياة كتل، وهي حياة اقتضتها ضرورات الحياة للدفاع عن النفس والمصالح، كما هو شأن الدول في كل زمان، حيث تعقد بينها المحالفات. فالحلف بين القبائل، هو كالحلف بين الدول يكل ما للحلف من معنى. وقد رأينا. نماذج من تلك الكبل الضخمة أشرت إليها في أثناء كلامي على القبائل. ويخيل إلي إن فكرة رجوع العرب إلى قحطان و عدنان، فكرة تثبتت في الإسلام، ساعد في ترسيخها وتثبيتها تلك العصبية التي أشرت إليها، وتلك النظرية التي انتزعها ابن الكلبي وأضرابه من التوراة ومن أهل الكتاب بخصوص يقطان وقيدار.
(1/2360)
وفي الذي يذهب إليه أهل الأخبار والأنساب من ادعاء وجود خلاف بن القحطانيين والعدنانيين، شيء من الصحة، لا سبيل إلى نكرانه، غير انه ليس على النحو الذي ذهبوا إليه. والكتابات الجاهلية التي تحدثت عنها سابقا، وأسماء الأشخاص والأصنام، شواهد على وجود هذا الاختلاف. ولكنه ليس اختلافا بالمعنى الذي ذهب إليه الأخباريون فبين العرب الذين يطلق الأخباريون عليهم "القحطانيين" اختلاف في اللهجة وفي الأسماء لا يقل عن الاختلاف بين القحطانيين و العدنانيين. كذلك نجد مثل هذا الاختلاف بين العدنانيين أنفسهم. وقد وجدنا نص النمارة لامرئ القيس، وهو أصل قحطاني على حد تعبير الأخباريين وأهل الأنساب، بلهجة قريبة من لهجة القرآن الكريم بعيدة عن لهجات أهل اليمن. بلهجة نستطيع إن نقول إنها من الأم التي ولدت عربية القرآن الكريم. كذلك نجد النصوص الأخرى قريبة من هذه العربية، مع إنها لأناس يجب عدهم من قحطان إن سرنا مع النسابين في مذهبهم في تقسيم العرب إلى قحطانيين وعدنانيين. ثم إن الأخباريين لم يشيروا إلى وجوب فروق في اللسان بين القحطانيين والعدنانيين، وإنما جعلوهم يتكلمون بعربية واحدة هي عربية القرآن الكريم، ونسبوا إليهم أصناما مشتركة. وشعراء الجاهلية هم في عرفهم من قحطان و عدنان. ولهذا قالوا عن اللهجات العربية الجنوبية التي ظلت حية في اليمن وفي حضرموت إنها نمير فصيحة و إنها ليست بعربية، وان لسان حمير ليس بلساننا، إلى غير ذلك مما أشرت إليه في أجزاء الكتاب السابقة مأخوذة من أقوال العلماء.
(1/2361)
وقد ذكرت في كتابي: تأريخ العرب قبل الإسلام، في أثناء كلامي على النبط ما كان من وجود أداة "ال" المستعملة في عربية القرآن الكريم، في كتاباتهم، وأشرت إلى استعمالهم أسماء استعملتها قريش وغيرهم من العرب العدنانيين. وهي أسماء لم نعثر عليها في الكتابات العربية الجنوبية حتى ألان، كما أشرت إلى مشاركتهم العرب الشماليين في أسماء الآلهة التي تعبدوا لها، وأوردت آراء بعض المستشرقين في أصلهم، وفي انهم عرب مثل العرب الآخرين.
وهذه الملاحظات أهمية كبيرة في اصل الحديث عن العرب الشماليين، وفي النواحي التي يختلفون فيها عن العرب القحطانيين. كما أن لنص النمارة ولتأريخ "بروكوبيوس" أهمية خطيرة كذلك في هذا الموضوع لإشارتهما لأول مرة إلى "معد". فقد وردت كلمة "معدو" أي معد في السطر الثالث من النص، ووردت كلمة "نزرو" أي "نزار" في السطر الثاني منه. يضاف إلى ذلك ورود أسماء قبائل أخرى هي "الأسدين"، أي قبيلة أسد، ومذحج.
أما تأريخ "بروكوبيوس"، فقد وضع "Maddeni" أي معدا في الأقسام الشمالية من الحجاز، وقد ذكر هذا المؤرخ إن القيصر "يوسطنيان" طلب من "السميفع أشوع" "Esimiphaius" أن يوافق على تعيين سيد قبيلة اسمه "قيس Kaisua" "Gaisus" رئيسا على "معد". وقد ذكرت إن هذا يدل ضمنا على خضوع معد لحمير، ولو كان خضوعا بالاسم. ولوجود معد في هذا الزمن، أي في القرن السادس للميلاد، في أرض كانت مأهولة بالنبط أهمية كبيرة ولا شك.
كما أشرت إلى ورود كلمة "مضر" في نص يماني: والى اشتراكها في حرب خاضتها سبأ وحمير ورحبة وكست و مضر وثعلبة. وهي حرب يظهر إنها كانت واسعة من الحروب التي وقعت قبيل الإسلام. ومضر في هذا النص قبيلة من هذه القبائل التي اشتركت في الحرب، وليس اسما عاما لقبائل كثيرة، أي على نحو ما يذهب إليه الأخباريون.
(1/2362)
فيتبين من هذه النصوص إن معدا و نزارا ومضر كانت قبائل تقيم في الأقسام الشمالية من جزيرة العرب وفي العربية الغربية. وقد لاحظنا إن نص النمارة قد فرق بين معد ونزار، ولم يشر إلى وجود رابطة بين القبيلتين، بمعنى إن كلا من نزار ومعد كلن قبيلة مستقلة، في حين يضع النسابون نسبا بينهما ويربطون بين القبيلتين. والظاهر إن هذا الارتباط الذي ذهب إليه الأخباريون وأهل الأنساب إنما حدث في صدر الإسلام، بعد تثبيت القبائل في الديوان.
وفي أثناء كلام الأخباريين على تأريخ الحيرة، ذكروا إن معدا كانت خاضعة لها، وأن ملوكها كانوا يحكمون معدا. ذكروهم في جملة من كان قد خضع لحكم أولئك الملوك. والذي يستنتج من كلامهم أن معدا كانوا بادين، أي أعرابا، وأنهم كانوا يقطنون مناطق كانت في نفوذ ملوك الحيرة. فهل قصد الأخباريون معدا الذين كانوا يسكنون في أعالي الحجاز كما ذكر ذلك "بروكوبيوس" أم قصدوا جماعات منهم هاجرت إلى بادية الشام، وخضعوا لحكم أهل الحيرة? و يلاحظ إن الإخباريين يتوسعون أحيانا في ملك ملوك الحيرة فيبلغون به البحرين والحجاز.
أما كيف تطورت هذه الأنساب، وكيف توزعت، وكيف حصرت في جدين ومن قام بذلك، وأمثال هذا? فليس من السهل إيجاد جواب لأمثال هذه الأسئلة ما دمنا لا تملك الأسباب التي تهيء لنا العلم الكافي للإجابة عنها.
الفصل السابع و الأربعون
الناس منازل و درجات
وأهل الجاهلية مثل غيرهم من شعوب ذلك الزمن: أحرار و عبيد، يستوي في ذلك الأعرابي وأهل المدر. والحر نقيض العبد، والحرة نقيض الأمة. والحر هو الذي يتصرف بأموره كما يشاء. و أما العبد فلا، فأمره بيد مالكه، فلا يجوز له إن يفعل شيئا من غير رضا سيده ومالك رقبته. و يعبر عن الحر بلفظة "حرم" في المسند، فيقال: "حرم"، أي "حر". والجمع "أحرر"، أي "أحرار".
(1/2363)
والجاهليون وان بدوا "دمقراطيين" شعبيين، لا فرق عندهم بين حر وعبد، كبير أو صغير. يخاطب الفقير ملكه أو سيد قبيلته بلهجة بسيطة تنم عن "دمقراطية" عميقة أصيلة. إلا انهم في الواقع طبقيون يعاملون الناس حسب منازلهم و درجاتهم، ويعملون بمبدأ عدم التكافؤ بين الناس. وآية ذلك عرف جلوس الناس في مجالس الملوك والمجتمعات، وعرفي تقديم الطعام أو الشراب مبتدئين بالملك ثم بمن يجلس على جانبه الأيمن باعتبار انه أشرف القوم ثم بالجالس على الجانب الأيسر من الملك، على ترتيب الناس في درجات جلوسهم أو حسب إشارة الملك إلى السافي أو مقدم الطعام. ثم في نظرتهم إلى "الحق" و إلى الأعراف الاجتماعية كالأخذ بالثأر والزواج. فلهم في الأخذ بالثأر مبدأ مقرر معروف. هو إن القتيل إذا كان شريفا في قومه، وكان قاتله وضيعا صعلوكا، أو عبدا فلا يقبل أهل القتيل ب "القود"، بل بعرف تكافؤ الدم. فعندهم إن دم القتيل الشريف، لا يغسل إلا بدم شريف مثله ومن أهل مكانته، ومعنى هذا إن قتل القاتل لا يكفي، بل لا بد لأهل القتيل في هذه الحالة من البحث عن شريف من قوم القاتل يكون مكافئا للقتيل في المنزلة والمكانة حتى يقتل به، فيغسل عندئذ بقتله دمه. وينام الثأر. وقد يكون المقتول وهو ما يحدث في الغالب بريئا ولا علاقة له بالقتيل ولا القاتل. ولكن العرف القائم على نظرية التكافؤ بين الطبقات، لا يفهم براءة بريء، وحق قتل القاتل وحده، بل يدين بعقيدة إن الدم لا يغسل إلا بدم مواز له، فلا بد من قتل شريف بشريف إذن حتى ينام أهل القتيل.
(1/2364)
والى ما تقدم من الإسراف في القتل وقتل البريء بدم مقتول، أشير في القرآن الكريم: )ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق. ومن قتل مظلوما، فقد جعلنا لوليه سلطانا، فلا يسرف في القتل(. "وذلك إن أهل الجاهلية، كانوا يفعلون ذلك، إذا قتل رجل رجلا عمد ولي القتيل إلى الشريف من قبيلة القاتل فقتله بوليه، وترك القاتل، فنهى الله عز وجل عن ذلك عباده، وقال لرسوله، عليه السلام، قتل غير القائل بالمقتول معصية وسرف، فلا تقتل به غير قاتله. وان قتلت القاتل بالمقتول، فلا تمثل به".
وعلى هذه النظرية الطبيعية بنوا تقييم أثمان الديات، أي ثمن الدم. فدية الملوك في الجاهلية أعلى ما دفع ثمنا عن دم. إذ جعلت دية الملك ألفا من الإبل، شرفت لذلك بدية الملك. تليها في الثمن ديات الأشراف وسادات القوم حسب الشرف والمنزلة حتى تصل إلى ديات المغمورين المطمورين فتكون أقلها ثمنا. إذ تبلغ خمسا من الإبل، وقد تنقص في ذلك. وعلى هذه النظرية القائمة على "الفوقية" و "التحتية"، قدرت فدية الأسرى أيضا. ففدية الملوك الذين يقعون في أسر آسر ألف من الإبل، وعرفت ب "فدية الملوك" وفدية من هم دونهم أقل حتى تصل إلى أبخس ثمن، وهي فدية سواد الناس. ولهذا حرص الأسير الشريف الذي لا يعرفه آسره على اخفاء شخصيته وعلى التظاهر بالإملاق وبأنه من المغمورين ليجنب نفسه دفع فدية عالية قد يفرضها آسره عليه، فتوجعه ولؤلمه.
(1/2365)
ومن هذه النظرة أيضا ولد اعتقاد أهل الجاهلية إن دم الرئيس يشفي من عضة الكلب الكلب. فإذا كلب إنسان أتوا رجلا شريفا فيقطر لهم من دم إصبعه فيسقون المكلوب فيبرأ. أو يسقونه من دم ملك فيشفى. جاء في المثل: دماء الملوك شفاء الكلب. ودماء الملوك أشفى من الكلب. قال أهل الأخبار عن الكلب: "وأجمعت العرب إن دواءه قطرة من دم ملك يخلط بماء فيسقاه"، فيشفى بذلك من الكلب. ولو لم يكن للجاهليين رأي خاص في الملوك والأشراف، وفي وجود تفوق لهم على سواد الناس، لما اعتقدوا هذا الاعتقاد في اشفاء دماء الملوك والأشراف لمن يصاب بالكلب. وبعدم شفاء دم غيرهم لهؤلاء المرضى.
(1/2366)
ومن هذه النظرة أيضا، تولد امتناعهم من تزويج بنات الأشراف والأسر من رجال هم دون البنت في المنزلة. وهو عرف يراعونه ويحافظون عليه إلى يومنا هذا. ويزدرون من شأن الخارج على "التكافؤ" بين البنت والولد في الزواج. وقد يرفضون تزويج رجل ثري مكتنز للمال، من امرأة فقيرة شريفة الأصل، إذا كان الرجل من أصل ذابل، كأن يكون أبوه أوجده "صانعا" أو "خضارا"، لأن الأصل في نظر العرب فوق المال. والشريفة يجب ألا تزوج إلا من شريف مثلها، مراعاة منهم لمبدأ نقاوة الأصل وانجاب الأولاد النجباء. و من هذه النظرة امتنع العرب من تزويج بناتهم من الأعاجم حتى لو كان ذلك الأعجمي ملكا. وقد رأينا كيف إن "النعمان بن المنذر"، رد طلب "كسرى" لما طلب منه تزويجه إحدى بناته من أحد أبنائه. وشق ذلك عليه حتى انه لم يمالك من ضبط نفسه، ففال للرسول: أما في عين السواد وفارس ما تبغون حاجتكم. ومراده من لفظة "عين" البقر. ومن اغتنام "زيد بن عدي بن زيد العبادي" هذه الفرصة، وكان هو الذي اقترح على "كسرى" إن يزوج أحد ولده من بنات النعمان، فقال لكسرى: "قد كنت أخبرتك بضنهم بنسائهم على غيرهم، وان ذلك من شقائهم واختيارهم الجوع والعري على الشبع والرياشر، واختيارهم السموم والرياح على طيب أرنجك هذه حتى انهم ليسمونها السجن". ومن قوله له: "أيها الملك: إن شر شيء في العرب وفي النعمان انهم يتكرمون عن العجم". فكان ما كان من غضب "كسرى" على النعمان ومن القضاء عليه على النحو الذي تحدثت عنه.
وقد جعل بعض العلماء تخوف العرب من القهر. عليهم و من طمع غير الأكفاء في بناتهم، في جملة العوامل التي حملتهم على وأد البنات. "قال قتادة: كان مضر وخزاعة يدفنون البنات أحياء، وأشدهم في هذا تميم. زعموا خوف القهر عليهم، وطمع غير الأكفاء فيهن". ومن شروط الكفاءة في الزواج عند الجاهليين، التكافؤ في النسب والحسب والمكانة وفي الأصل.
(1/2367)
وسبب امتناع العربي من تزويج ابنته إلى أعجمي، هو تكرم العرب عن الأعاجم واستعلاؤهم جمليهم. ونظرتهم إلى الأعاجم على انهم دونهم في المنزلة والكرامة. لذلك رأوا إن تزويج بنت عربية إلى علج أعجمي، خسة ما بعدها خسة ودناءة ما وراءها دناءة. حتى وان كان العربي فقيرا لا يملك شيئا. بل اعابوا العربي الذي يتزوج اعجمية بسبب النسل، واستصغروا شأن المولود من أب عربي ومن أم أعجمية. فهو وان كان عربيا في عرف العرب من اجل إن النسب إلى الأب، ولكنه أعجمي من ناحية الأم، فهو دون الأصيل في المرتبة.
وفي غنى العربية بالمصطلحات الكثيرة التي تطلق على السادة والأشراف وعلى الفقراء. و المعدمين التربين وعلى الطبقات الأخرى، دلالة ليس فوقها دلالة على وجود هذه النظرة الطبقية عندهم، وعلى نظرتهم إلى أنفسهم على انهم منازل ودرجات، وانهم غير متكافئين. وان القيادة في المجتمع يجب إن تكون للبيوت.
ثم إن الأحرار على منازل ودرجات. وهم متفاوتون من حيث الشرف والمال. ويظهر التفاوت بين أهل المدر أكثر مما يظهر بين أهل الوبر، ذلك لأن الأعرابي فخور بنفسه، يرى انه "شريف" مثل غيره نبيل وان قل ماله وشح. ثم إن التفاوت بين الطبقات لا يمكن إن يظهر في البادية ظهوره بين الضواحي والقرى، لأن طبيعة البادية لا تساعد على ظهور ذلك التباين، حتى إن عبيد الأعراب لم يكونوا يكونون طبقة خاصة مضطهدة، ينطر إليها نظرة أهل القرى بازدراء، بل كانوا يعدون في البادية كأعضاء من أعضاء الأسرة.
(1/2368)
والتباين الطبقي هو على ما أوضح ما يكون في اليمن، لأن الطبيعة قد حبت أرض اليمن خيرات وجوا لم تحب المناطق الأخرى من جزيرة العلاب مثلها، فكانت نتيجة ذلك ظهور الاقطاع فيها، واشتدت الحاجة إلى شراء الرقيق واستجلابه لإستغلال التربة واستثمار خيرات الأرض وتشغيله في المهن الوضيعة، وظهر في اليمن أغنياء ومتوسطو حال وفقراء معدمون، أي طبقات اجتماعية كونت ذلك المجتمع بشكل واضح لا نراه في المجتمعات العربية الأخرى، أشير اليهم في الكتابات.
رجال الدين
ورجال الدين طبقة في رأس طبقات المجتمع مكانة ومنزلة، ولها امتيازات خاصة، لأنها ألسنة الآلهة الناطقة على هذه الأرض، والآمرة والناهية باسمها، وهي تقرب الناس إلى الالهة، وتحرم وتحلل. وقد رأينا إن أوائل حكام العربية الجنوبية هم "مكربون"، أي رجال دين. ولرجال الدين أملاك وأموال، ولهم على الناس حقوق، يأخذونها منهم، كما تأخذ الحكومة حقها من الشعب. وهم طبقة كبيرة ذات قوة وسلطان مصالحها مع مصالح الحكام بالرغم من الانفصام الذي وقع فيما بين الدولة والمعبد، وإبعاد "المكرب" عن الحكم، وحصر حق الحكم في الملك وحده، وحصر حق ادارة المعبد، في رجال الدين وحدهم وذلك لأن مصالح الملك ومصالح رجال الدين متشابهة، وكل جهة من الجهتين بها حاجة إلى مساعدة الجهه الأخرى.
وكثيرا ما نقرأ في كتابات معين: إن ال "شوع" أو ال "رشو" الفلاني قدم قربانا إلى آلهة معين، أو بنى معبدا، أو أقام بناء، أو عمل عملا تقدمة لآلهة معين. ولفظتا "شوع" و "رشو" تعنيان الكاهن والسادن، أي منزلهة دينية ذات مركز سام، وهي أعلى درجات الكهنوت في العربية الجنوبية.
السادة والأشراف
ويعبر عن السادة و الأشراف بتعابر التعظيم والتفخيم، ومنها لفظة " أبعل" "ابعل"، أي سيد ورئيس. وهي لفظة استعملت للالهة كذلك. استعملت بمعنى رب وإله. فورد "ود بعل... " و " عشتر بعل..." وهكذا. وقد استعملت في النصوص القديمة خاصة.
(1/2369)
ويقال للسادة "أسود " "اسواد" في العربية الجنوبية، وهم السادة الأشراف. وتقابل اللفظة لفظة "سادات، في عربيتنا. وهم سادة القوم وأشرافهم وأصحاب المنزلة والمكانة في المجتمع.
ويعد أعضاء الأسرة المالكة في طليعة السادات، وهم في السيادة على حسب قربهم أو بعدهم من الملك، ويقدمون على هذا الأساس عند حضورهم إلى الملك وفي المواسم الرسمية. ولهم أرضون يستغلونها، ورقيق يخدمهم.
ويعبر عن وجيه القوم وذي المنزلة والمكانة بلفظة "كهثم" "كهث" وعكسها الوضيع والخامل و الصغير والحقير، فقد ورد: "كل انسم كهثم وقطم"، ومعناها: "كل إنسان: كبير وصغير" أو "كل إنسان وجيه ووضيع". وتطلق لفظة "القطين" وهي " قطنم" و "قطن" في لغة المسند، على الخدم والأتباع والإماء في لغة القرآن الكريم. فهي إذن في نفس المعنى المراد من اللفظة في لغة المسند. وقد ذكر علماء اللغة إن القطين أتباع الملك ومماليكه.
ويقابل أهل الوجاهة والمنزلة في المجتمع، من يطلق عليهم " ص غ رم" "صغرم"، أي صغير ويراد بها سواد الناس، ممن لا وجاهة لهم ولا مركز لدى الحكومة والمجتمع، كما في هذه الجملة: "كبرم فاوصغرم"، ومعناها: "كبير أو صغير".
وفي الدرجات العليا من درجات المجتمع، الأقيال وهم إقطاعيون كبار، لهم أرضون واسعة وسلطان، وقد يجد "القول" القيل قوة في نفسه ومنعة، فينازع الملوك على الملك، ويأخذ الحكم بيده.
وترد في الموارد الإسلامية درجة أخرى تذكر عادة مع الأقيال، هي درجة "ذو" وتجمع أذواء. ويظهر إنها من الدرجات الإقطاعية التي صار لها شأن في العهود المتأخرة القريبة من الإسلام. ويراد بها أصحاب الأرضيين ورؤساء الإقطاعيات، كما تطلق على رؤساء القبائل. وقد أخذت من "ذ" التي ترد في المسند، ومعناها "ذو" في عربيتنا وهي بمعنى "صاحب" في العربيات الجنوبية.
الوجوه
(1/2370)
وسادة القوم هم وجوه المجتمع وسادات القبائل وقادة الجيوش. من "مقتوين" ومن أمراء حرب، ومن المقربين إلى الملوك وكبار موظفي الدولة. وهم أنفسهم من الطبقات العالية في الغالب.وقد ورثوا منازلهم إرثا ؛ ولهم أرضون وثراء وقصور يقيمون فيها، وبيوت مشيدة، وخدم يخدمونهم، وقد حصلنا على أسماء عدد منهم من الكتابات.
والتجارة من أشرف ما يشتغل به إنسان عند قريش وعند غيرهم من العرب. وقد اشتغل بها أكثر أشراف مكة، إذ كانوا تجارا يتاجرون مع اليمن ومع بلاد الشام والعراق. وقد كانت الحرفة الوحيدة المربحة في جزيرة العرب. فالزراعة لا تدر عليهم ربحا كبيرا، لعدم توفر الماء الكافي لزراعة أرضين واسعة تأتي لأصحابها بغلات واسعة وبأموال طائلة، والصناعة غير متيسرة، لذلك عافوها وعابوها، ولم تكن لديهم وسيلة مربحة أخرى غير التجارة.
ومن الألفاظ الدالة على الوجاهة والمكانة عند العرب الجنوبيين، لفظة "قرمن"، أي " القرم". وهي في هذا المعنى في عربيتنا كذلك، فيقال للسيد قرم. والقرم من الرجال السيد المعظم و "المقرم"، هو أيضا السيد المعظم.
المحاربون
ويكون المحاربون طبقة خاصة بهم، وهم أناس احترفوا، الخدمة العسكرية وعاشوا عليها، وقد أشير إليهم في الكتابات وعرفوا ب " قسم" "قسد" "ق س د". وقد ذكروا بعد أصحاب الأرض في إحدى الكتابات، وقبل "التجار" "مكر" و " الكيالين " " سلا " في كتابة أخرى. وقد أشار، إليهم "سترابو " إذ جعلهم في الطبقة الأولى من طبقات المجتمع في "العربية السعيدة". وكان قد قسم هذا المجتمع ثلاث طبقات: المحاربين، والمزارعين، وأصحاب الحرف اليدوية.
(1/2371)
ويظهر من دراسة بعض النصوص التي وردت فيها كلمة "قسون"، إن "القسود"، كونوا طبقة كبيرة خاصة في دولة سبأ، كانت منزلتها دون منزلة الأشراف و أصحاب الإقطاع وفوق رقيق الارض، المسمون ب "ادومت"، التابعين للأرض و الذين يباعون معها عند بيع الأرض. وكانوا يستغلون الأرض التي تعلم لهم لاستغلالها في مقابل أداء الخدمة العسكرية والاشتراك في القتال عند وقوعه، فهم عساكر وفلاحون في آن واحد. ويشبه حالهم حال العساكر الذين منحهم الخلفاء الراشدون ارضين زراعية لاستغلالها في مقابل هرعهم إلى القتال مع المحاربين عند توجيه الدعوة لهم. وهو نظام كان عند الساسانيين والبيزنطيين.
وقد كان الأشراف وأصحاب الإقطاع يستأجرون من لا ارض له، بإعطائه أرضا لاستغلالها في مقابل الدفاع عنهم والقتال دونهم. ولذلك كان لكل إقطاعي "قسود" أستطيع تسميتهم بالفلاحين المحاربين. يحاربون معه ويدافعون عنه. و إذا مات سيدهم، صارت السيادة إلى من ينتقل الإرث إليه.
ويعرف المحارب ب "اسدم" "اسد" في العربيات الجنوبية، أي جندي وعسكري في اصطلاحنا اليوم. وهم أحرار وعبيد. ووردت في بعض الكتابات جملة "اسد املكن" "اسد املكان"، أي "جنود الملك" و "جنود الملوك" وذلك تعبيرا عن جماعة اختصت بالخدمة في جيش الملك. وقد أشير إليهم في كتابة بمناسبة إنشاء طريق.
ويلحق هذه الطبقة طبقة ال "اتمت" ويراد بها الجنود المرتزقة: أو ما يعبر عنه ب "العساكر" في الزمن الحاضر، وقد كون "العساكر" أو "عساكر السلطان" كما عرفوا في بعض البلاد الإسلامية في أيام الخلافة طبقة خاصة، اعتمدت على سلطانها وقوتها، فلم تحفل بأحد وأخذت تعتدي على الآهلين. وقد كانوا خليطا من الأحرار ومن الرقيق. اعتمد عليهم الحكام في الدفاع عنهم وفي القضاء على خصومهم، فعاشوا على خدمة سادتهم، وقد صارت حرفتهم وراثية، فابن ال "اتمت"، ينتسب إلى الخدمة في المعسكر أيضا حين بلوغه سن الخدمة ويعيش، في خدمة سيده.
(1/2372)
التجار وتوابعهم
ويكون "التجار" طبقة خاصة من طبقات المجتمع العربي الجنوبي. ويقال لهم "مكر" في لغة المسند. وقد كانوا يتاجرون في البر والبحر، ولهم قوافل وطبقات دنيا من رقيق وخدم تؤدي الواجبات التي يريدها سادكم منهم. وكان لهذه الطبقة شأن خطر في تأريخ العربية الجنوبية في القديم، وأثر بليغ في اقتصاد للبلاد، وتزويد الحكومة بمصدر كبير من مصادر دخلها وهو الضرائب التي كانت تدفعها إليها.
وقد تعرض علماء العربية للفظة "المكر"، فقالوا: إن من معانيها السوق، وفيها يقع المكر والخداع. وان "الماكر" العير تحمل الزبيب، والتمكر احتكار الحبوب في البيوت. ولهذه المعاني صلة مباشرة بالتجارة وبالاتجار في البر والبحر.
وفي العربية طبقة عرفت ب "سلا"، تعاطت تجارة الملح، كانت تبيعه وتستورده وتصدره وتقوم بنقله من مواضعه إلى الأسواق. وقد شبه "رودوكناكس" هذه الطبقة ب "الكواليان " في الوقت الحاضر.
الطبقات الدنيا
ومن الطبقات الدنيا عند العرب الجنوبيين: ال "ادم". وال "صغرم" "الصغر" "الصغار"، و الأجراء "اجرم"، و المتربون "غبر"، و ال "ومي" "امي".
الادم
وترد في كتابات المسند كلمة هي "ادم" و "ادومت". وتقابل لفظتي "ادم" و "ادومت" و "آدمي" و "أوادم" في العراق، بمعنى خادم وخدم. ووردت في صورة: " اديمت" "ا دي م ت" و "ادوم" في الكتابات القتبانية المتأخرة. وتؤدي معنى التبعية. وأعني بالتبعية الاعتراف بسيادة رئيس على مرؤوس. فقد كان أصحاب الأرض يؤجرون الأرض لمن لا ارض لهم، ومن لا مال لهم، فيقيمون فيها يشتغلون لأصحابها، ويكونون تبعا لهم. ويعبرون عن هذه التبعية بتلك اللفظة المعبرة عنها. فهم في هذه الحالة إذن مزارعون يعيشون من كراء الأرض.
(1/2373)
وقد وردت هذه اللفظة بهذا المعنى، خاصة في النصوص المتعلقة بقبيلة "سخيم". وهي ذات أملاك واسعة وأرضين خصبة، وأجرتها لمن لا ارض له من المتوافدين عليها من الأماكن الأخرى، لتستغل هذه الأرضين وتعيش عليها، معترفة بذلك إنها في حماية هذه القبيلة وفي خدمتها.
وهي فضلا عن ذلك تعبر عن التبعية بكل أشكالها، فتعبر عن الانتماء إلى شخص أو قبيلة كذلك، بمعنى إن "الادم" تابع لذلك الشخص أو القبيلة، منتم إليه. ولذلك يذكر ال "ادم" اسم سيده الذي ينتمي إليه ومحتمي به، كأن يذكر اسمه أو اسم القبيلة التي ينتمي إليها. وقد يعبر باللفظة عن معنى "تابع" و "خادم" بالمعنى المجازي أيضا، في مثل مصطلح "ادم ملكن" أي "خادم الملك" و "عبد الملك" و " آدم الملك". وذلك تعبيرا عن الاحترام للملك وعن الإقرار بتبعية الشخص المذكور له، وبإخلاصه له إخلاص العبد لسيده، وان كنا نجد إن للملك حاشية كبيرة هي حاشية "ادم" حقيقية، أي طبقة لا تملك أرضا ولا ملكا، ومعاشها من خدمة الملك، حيث يتولى القصر الإنفاق عليها، كما كانت للأسرة الكبيرة جماعات من ال "ادم" تخدمها وتؤدي لها مختلف الأعمال.
فال "ادم" إذن وفي الغالب، تعبير عن جماعة من الناس كانوا أحرارا، إلا انهم لم يكونوا من المتمكنين في حياتهم من حيازة أرض أو ملك، لذلك جعلوا أنفسهم في خدمة غيرهم، بأن كروا الأرضين من أصحابها، لاستغلالها في مقابل حق معلوم، أو اتفقوا مع ثري على أداء عمل له في مقابل أجر يقدمونه إليه. وهم طبقة واسعة العدد. وهي لذلك أرقى منزلة وأحسن حالا من حال العبيد المملوكين، والرقيق المشترى من الأسواق.
(1/2374)
وقد فسر بعض الباحثين كلمة "ادوم" "ادوام" و "اديمت"، و " ادومت"، بمعنى عمال الأرض، أو طبقة واطئة من المزارعين الذين لا يملكون أرضا، أحوالهم ضعيفة، لأن ما ينتجونه لا يكفي لإعاشتهم. وذكروا إن كلمة "ضعيف" المستعملة في العربية الجنوبية تعبر عن ذلك المعنى المراد من تلك الكلمات.
وقد ورد في بعض النصوص لفظ "ا ج ر م" بمعنى "أجير" و "أجراء"، وهم الأشخاص الذين يشتغلون بأجور يدفعها لهم أصحاب الأرضين أو أصحاب المال أو أصحاب العمل. وقد كانوا طبقة من الطبقات الدنيا، بدليل ذكرهم في هذه الجملة: "كل معنم حرم واجرم"، "كل معينى حر وأجير"، أي كل فرد من أبناء معين حر وأجير، بتعبير أوضح. والأجراء هم أكثر حرية من العبيد، لأنهم يشتغلون بأجر وبعقود يتفقون عليها. فإذا انتهى العقد، أو حصل خلاف، جاز للأجير الانتقال إلى موضع آخر، أو إلى صاحب محل آخر للعمل لديه، على حين لا يجوز للعبد فعل ذلك، لأنه ملك يمين. والأجراء أناس أحرار، يستطيعون التنقل والتصرف بحرية، ولكنهم فقراء معدمون لا بملكون شيئا، وعيشتهم من العمل الذي يقومون به لغيرهم مقابل الأجر الذي يقدمه رب العمل لهم.
وقد يكون الأجر الذي يدفع عن عمل مقطوع، وقد يكون عن أمد يحدد كأن يكون أجر يوم واحد أو أيام، فإذا تم النهار دفع الآجر للأجير. وقد يكون الأجر لموسم كامل، كموسم زرع. وقد كان الأجراء يشتغلون في الزراعة خاصة كحرث الأرض وزرعها أو حصاد الزرع أو قطف الثمر. ولضعف هذه الطبقة، وعدم تمكنها من أخذ حقها بالقوة، كان بعض من يؤجرهم يأكل حقوقهم، ولا يدفع أجورهم، أو يأكل قسما منها. و نجد هذه الطبقة في العراق حيث أشير إليها في شريعة "حمورابي"، كما نجدها في أماكن أخرى من العالم، وما زال العامل يستخدم في مقابل أجور يومية للقيام بمختلف الأعمال.
(1/2375)
وقد ورد في الكتابات القتبانية ذكر جماعتين: جماعة عرفت ب "غبر"، وجماعة عبر عنها ب "ومي"، أو "امي". و "الغبر" في عربية القرآن الكريم هم الفقراء والصعاليك، وفي العربية كلمة أخرى تؤدي هذا المعنى هي لفظة "غبراء الناس"، أي فقرائهم، ومنه قيل للمحاويج بنو غبراء، كأنهم نسبوا إلى الأرض والتراب. وبنو غبراء الفقراء. و أما "الغرباء"، فهم الصعاليك. فالغبر، إذن هم "طبقة من الطبقات البائسة الدنيا التي كانت في قتبان وفي غير قتبان، طبقة من الفقراء والصعاليك، لا تملك شيئا، ليس لها في حياتها غير البؤس والتعاسة لأنها ولدت بائسة تاعسة فعاشت في تعاستها هذه في هذا العالم على صدقات الناس وعلى ما يحصلون عليه بالسرقة أو بالاستجداء و بالقيام بالخدمات والأعمال المتعبة في سبيل الحصول على ما يقوتهم إلى يوم خلاصهم من هذا العالم بالوفاة.
وبمعنى المحاويج والصعاليك فسر بيت "طرفة بن العبد"، بقوله: رأيت بني غبراء لا ينكرونني ولا أهل هذاك الطراف الممدد
وعرفت "بنو غبراء" ب "المدقعين" للصوقهم بالدقعاء، وهي الأرض. كأنهم لا حائل بينهم وبينها، و "الدوقعة الفقر والذل" و "جوع أدقع وديقوع شديد".
و أما "الومي" "امي?" فطبقة من الطبقات الدنيا كذلك، من هذه الطبقات العاملة البائسة التاعسة التي لا تحصل على عيشها إلا بشق الأنفس. ولعلها الطبقة التي يقال لها "شفلوت" في العربية الجنوبية في هذه الأيام. ويجوز إن تكون للكلمة صلة بلفظة "امي" في عربيتنا التي تعني الجاهل والشخص الذي لا يقرأ ولا يكتب.
وفي العربية لفظة "الحشم"، قبل إنها تعني المماليك والأتباع، مماليك كانوا أو أحرارا. وورد إن الحشم الأحرار، والقطين: المماليك.
رؤوس وأذناب
(1/2376)
ونجد التفاوت الاجتماعي في ذروته عند العرب الجنوبيين كما بينت ذلك من إيرادي للمصطلحات الاجتماعية المتقدمة. ويقع هذا التفاوت في الدولة وفي المجتمع عند الحضر وعند "اعربن" الأعراب. ويقع بين القبائل كما يقع في القبيلة الواحدة. فالقبائل أيضا منازل ودرجات. وعلى رأس القبائل القبيلة التي ينتسب لها المكربون أو الملوك. مثل "معين" و "سبأ" و "قتبان" و "حضرموت" و "أوسان". ولهذا ذكرت مع الآلهة والحكام ونسبت إليها الحكومات. ثم ذكر بعدها القبائل الأخرى التي هي أقل أهمية منها. أما في القبيلة الواحدة، فنجد تفاوتا بين أبنائها، وقد رتبوا وصنفوا في درجات ومنازل. أعلاها عند السبئيين مثلا أعضاء ال "مزود" و "حسود?"، أصحاب المشورة والرأي والذين يستشيرهم الملوك، وهم طبقة ممتازة كانت فوق القانون، ذات امتيازات خاصة. يليها أصحاب الأملاك والأرض والمال المسمون ب "مسحنين" في السبئية، و ب "طبنن" في القتبانية. ثم تليها طبقات أخرى تتدنى حتى تصل إلى أشفل، وهي طبقة "الادومت" "ادم": طبقة "الاوادم" أي الخدم.
ويعد المقربون إلى الملوك من أشراف الناس ومن أصحاب الحظوة والجاه. وهذا شيء طبيعي، بالنسبة لكل مكان وزمان، فالذي يصل إلى الملك أو الحاكم لا بد وان يكون من ذوي الجاه والمنزلة والمكانة. وقد عرف من اختص بالملوك ب "أصفياء الملوك" وب "أحباء الملك" وب "ندماء الملوك"، وهم من الخاصة بالطبع. و يعبر عنهم ب "مودد ملكن" في العربيات الجنوبية.
(1/2377)
وأدنى الطبقات منزلة في المجتمع ؛ هي طبقة العبيد، هي طبقة تقوم بالخدمة وبسائر الأعمال التي يأنف الإنسان الحر من ممارستها. وقد يكون معظم أفرادها من الزنوج المستوردين من إفريقية. و أما الباقون فمن الرقيق الأبيض المستورد من أسواق العراق ومن أسواق بلاد الشام.، قد كان العبيد ملكا يباع ويشترى بيع الأموال المتقولة، ويتصرف صاحب العبد به تصرفه بملكه الخاص، ولم يخول القانون العبد حق إبداء رأيه في مستقبله في أي حال من الأحوال، لأنه ملك، وبضاعة مملوكة، وكالماشية، وان كان إنسانا حيا له ما لكل إنسان من روح و إدراك وشعور.
ويعرف العبد بلفظة "عبدم" في الكتابات العربية الجنوبية، أي "عبد". وبلفظة "عبدن"، أي "العبد". وتشمل كل العبيد، مهما اختلفت ألوان بشرتهم. وترد هذه اللفظة في عربية القرآن الكريم كذلك، وفي سائر اللهجات العربية الأخرى مثل اللهجة "اللحيانية"؛ كما ترد في لغة بني إدم "عبدو" وفي اللغة العبرانية. وتستعمل اللفظة للتعبير أيضا عن العبودية المعنوية، مثل نسبة. عبودية الإنسان إلى الآلهة أو للملوك أو الكبار وللأشراف والسادات.
وتؤدي لفظة "قن" معنى عبد ؛ أما "قنت" "قنيت" "قنية"، فتؤدي معنى عبدة. وردت بهذا المعنى في الكتابات الصفوية. وتعبر عن طبقة العبيد التي كانت منتشرة في كل أنحاء جزيرة العرب، وفي كل، أنحاء العالم إذ ذاك. إذ كانت القوانين الحكومية والقوانين الدولية تعد الاتجار ببيع الرقيق تجارة مشروعة وتعد العبد ملك يمين لصاحبه، متى ابق جاز لصاحبه ومالكه قتله. وهو ملك مثل أي ملك، وحق الملكية حق مقدس مصون.
(1/2378)
و "القن" في عربية القرآن: العبد الذي ملك هو وأبواه. وعرف انه العبد الذي ولد عندك، ولا يستطع إن يخرج عنك. وورد "لم نكن عبيد قن، انما كنا عبيد مملكة". وقيل: عبد قن الذي كان أبوه مملوكا لمواليه، فإذا لم يكن كذلك فهو عبد مملكة. فالقن إذن هو عبد بالولادة، وقد ورثه سيده ؛ فهو عبد عبد، أو عبد عبيد.
و "القي المملوك، فهو في ملك سيده.وقد اقتني وصار في مقتنيات مالكه، فهو من طبقة المملوكين. ومن هذه الطبقة المملوكة جماعة عرفت ب "رب ملكن" "ربب ملكن" "ربيب الملوك" "ربيب الملك"، بمعنى "عبد الملك" و "عبيد الملك".
أبناء الحبش والأبناء
وقد تولد من استيلاء الحبش على اليمن جيل جديد تعرب وكون، طبقة خاصة من طبقات مجتمع الين. وقد تكون هذا الجيل من عنصرين: حبش ولدوا في اليمن من أبوين حبشيين، ثم بقوا في اليمن وعاش أبناؤهم فيها، وحبش تزوجوا من اليمن، فنشأ لهم نسل فيه دماء الحبش ودماء أهل اليمن. وقد عاش الجيلان في اليمن وتعربا و نسيا أصلهما وصارا يتكلمان العربية و اعتداها لغتهما، ولكن ملامحهما الافريقية، أو الملامح المختلطة دساسة، لم تتمكن من الاختفاء عن الجيلين، بل بقيت تنطق بأصلهما وبصلتهما القديمة بالأرض السوداء.
(1/2379)
وعرف الجيل الذي ظهر في اليمن من تزوج الفرس في العرب ب "الأبناء"، وغلب عليهم الاسم لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم. وقد كتب إليهم النبي يدعوهم إلى الإسلام. وقد ساعدوا المسلمين ودافعوا عن الإسلام وقاوموا الردة، ومنهم وهب بات منبه بن سيج بن ذكبار، و طاووس، وذادويه، وفيروز الديلمي. وقد قيل عنهم: الأبناء قوم من العجم سكنوا اليمن، وهم الذين أرسلهم كسرى مع سيف بن ذي يزن لما جاء يستنجده على الحبشة فنصرره وملكوا اليمن وتديروها وتزوجوا في العرب ؛ فقيل لأولادهم الأبناء، وغلب عليهم هذا الاسم لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم. وذكر أنهم عرفوا ب "أبناوي" في لغة "بني سعد" و "بنوي" في لغة بعض العرب.
ويظهر من بعض الأخبار إن العرب توسعت في مفهوم الأبناء فأطلقتها على كل الفرس الذين اجتذبتهم الحروب إلى جزيرة العرب.
وءإف "الأبناء " بتسمية أخرى أيضا هي "بنو الأحرار". أما الذين ولدوا من آباء فرس وأمهات عربيات فقد عرفوا في الكوفة بالأحامرة، و في البصرة بالأساورة، و في جزيرة العرب بالخضارمة، وفي الشام بالجراجمة.
وقد ذهبت بعض كتب التواريخ التي ألفها أهل اليمن، "إن أبناء اليمن يتسبون إلى "هرمز" الفارسي الذي أرسله كسرى مع سيف بن ذي يزن. فاستوطن اليمن. وأولد ثلاثة، بهلوان و دادوان وبانيان؛ فأعقب بهلوان بهلول. و الدادويون يسعوان، ومنهم بنو المتمير بصنعاء وصعدة وجراف الطاهر ونحر البون. والدادويون خوارج. ومنهم غزا كراذمار وهم خلق كثير".
وعرف العربي المولود من أمة ب "الهجين". وهو معيب. وقيل هو ابن الأمة الراعية ما لم تحصن، فإذا حصنت فليس الولد بهجين. أو "من أبوة في من أمه". "قال المبرد: قيل لولد العربي من غير العربية هجين، لأن الغالب على أولاد العرب الأدمة. وكانت تسمى العجم الحمراء ورقاب المزاود، لغلبة البياض على ألوانهم".
(1/2380)
أما طبقات المجتمع الحضري بالنسبة إلى العرب الآخرين وأسماؤها، فلا ذكر لها في النصوص الجاهلية، و إنما ذكرت في الموارد الإسلامية، وأكثره مما يخص عرب الحجاز؛ لأن اكثر ما ورد عن الجاهلية القريبة من الإسلام هو مما يخص موطن الإسلام. فكل اعتمادنا فيه على هذه الموارد الإسلامية.
وفي العربية ألفاظ عديدة تعبر عن منازل الناس في الشرف والسيادة. هي في الواقع من النعوت التي أطلقها الناس على الأشراف مبالغة في مدحهم وتفخيمهم وأشراف القوم هم سادتهم من أرباب البيوت. ونجد في الموارد الإسلامية ذكر "أشراف قريش". وهم كبار قريش وسادتها وأصحاب البيوت فيها. كما نجد تعبيرا يدل على الرئاسة والزعامة هو "رحى القوم"، يقال لسيد القوم الذي يصدرون عن رأيه وينتهون إلى أمره.
وقد عير السودان في الجاهلية وفي الإسلام. عيروا بسوادهم وبملامح أجسامهم وبطريقة تكلمهم. هذا حسان يهجو أحدهم بقوله: وأمك سوداء نوبية كأن أناملها الحنظب
و "الخلاس" الولد بين أبوين أبيض وأسود، ابيض وسوداء أو اسود وبيضاء. فهو المضرب. وقال بعض علماء اللغة: تقول العرب للغلام إذا كانت أمه سوداء وأبوه عربيا آدم فجاءت بولد بن لونيهما غلام خلاسية والأنثى خلاسية قال الجاحظ: "ورأينا الخلاسي من الناس، وهو الذي يتخلق بين الحبشي والبيضاء، والعادة من هذا التركيب انه يخرج اعظم من أبويه وأقوى من أصليه ومثمريه. ورأينا البيسري من الناس، وهو الذي يخلق من منن البيض والهند، لا يخرج ذلك النتاج على مقدار ضخم الأبوين قوتهما، ولكنه يجيء أحسن وأملح"..
وقد شابت السنة هؤلاء "طمطمانية"، أي عجمة. قال عنترة: تأوي له قلص النعام كما أوت خرق يمانية لأعجم طمطم
السادات
وسادة القوم إشرافهم ورؤساؤهم، وذكر إن السيد الذي فاق غيره بالعقل والمال والدفع والنفع، المعطي ماله في حقوقه المعين بنفسه. وذكر إن السيد: الحليم لا يغلبه غضبه.
(1/2381)
والسيادة منزلة ودرجة، ولا تأتي أحدا إلا باعتراف قومه له بسيادته عليهم وبتنصيبهم له سيدا عليهم. وكانوا إذا سودوا شخصا عصبوه، والتعصيب التسويد، وهذا كانوا يسمون السيد المطاع معصبا. وذكر إن العصابة العمامة. وكانت عمائم سادة العرب هي العمائم الحمر.
وتعد الأسر الحاكمة التي ينشأ فيها عدد كبير من الملوك والحكام أسرا عريقة في الشرف، وينظر إليها نظرة تقدير واحترام، لأنهم ورثوا المجد عن آبائهم أبا بعد أب. وينطبق ذلك على سادات القبائل الذين يرثون سيادتهم قبائلهم أبا عن جد، فانهم يفتخرون بذلك على غيرهم، لأنهم ليسوا من أولئك الذين انتزعوا السيادة فصاروا سادة، على حين كان آباؤهم أو أجدادهم من الخاملين.
وقصد سادات القبائل وبعض الشعراء الكبار الملوك، ورحلوا إليهم من منازلهم، وتقربوا إليهم، وتوسطوا لديهم لبعض الناس. وقد عرف هؤلاء ب "الرحال". ولهذا نجد في الكتب، إنها إذا تعرضت لمثل هؤلاء قالت عنهم انهم من "الرحال". فقد عرف "عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب" ب "عروة الرحال"، "و إنما سمي الرحال لنحلته إلى الملوك". كما عرفوا ب "زوار الملوك"، ومنهم "أبو زيد الطائي".
(1/2382)
وأشراف الناس، هم الذين نالوا الشرف والسؤدد بين قومهم، فسادوهم. والسيد هو الرئيس، ويطلق على الرب والمالك والشريف والفاضل والكريم وعلى من ساد قومه، مثل سادات القبائل. وقد نعت رسول الله "سعد بن معاذ" ب "سيد الأنصار". وتقول العرب "هذا سيدنا" و "فلان سيدنا"، أي رئيسنا والذي نعظمه. وتقول "ساد قومه"، أي صار سيدهم ورئيسهم. ونعت "قيس بن عدي" ب "سيد قريش". وكان يوم وفاة "سعد بن معاذ" بالمدينة يوما مشهودا. حتى حضر الرسول جنازته وكبر عليه تسعا، كما كبر على حمزة، تعظيما لشأنه. وشهد دفنه. وكان من عادة أهل مكة في الجاهلية انه إذا مات لهم سيد كبير أغلقوا أسواقهم أعظاما لموته، وتعبيرا عن تقديرهم له. فغلق الأسواق عند الجاهلين عند وفاة رجل خطير من إمارات التقدير والتعظيم.
ومن إمارات تكريم الميت الشريف، تجمع الناس عند بيته، احتفالا به لنقله
إلى موضع دفنه. و إذا كان الميت خطر الشأن كان الجمع اكبر. وهو يتناسب في كثرته مع مكانة ودرجة الميت في المجتمع. وقد ذكر انهم كانوا يقولون للرجل الشريف يقتل: "العقيرة".
والسادات هم الرؤوس، رؤوس الناس. أما من دونهم فأذناب. وعرفوا ب "أذناب الناس و ذنباتهم"، أي اتباعهم وسفلتهم، والاتباع دون الرؤساء. يقال: جاء فلان بذنبه، أي اتباعه. قال الحطيئة يمدح قوما: قوم هم الرأس والأذناب غيرهم ومن يسوي بأنف الناقة الذنيا
والسادات "مصابيح الظلام" ومشاعله، بنورهم يهتدي الفقراء و أصحاب الحاجة والفاقة، فينالون منهم ما يخفف عن كربهم وفقرهم. يطعمون الناس في الحضر والسفر، فهم سادة الناس وملاذهم حين تغلق كل الأبواب. بأوجه الأذناب التاعسين البائسين.
(1/2383)
ويقال لأشراف قوم و للبارزبن منهم وجوه القوم ووجهاء القوم، فورد "وكان من وجوه القرشين"، و "كان من وجوه قريش". و أما "سروات" مثل "سروات الانصار" و "سروات قريش"، ففي هذا المعنى أيضا، وجوه الأنصار وأشرافهم ووجوه قريش وأشرافهم. و "السري"، هو الرئيس. وتعني كلمة "النواصي" خيار العرب وأشرافهم. فيقال هو ناصية قومه، وهو من ناصيتهم ونواصيهم. و "النصية" من القوم الخيار الأشراف.
ويعرف الأشراف المعرقون ب "النجوم"، و واحدهم "نجم". وقد أشار إليهم "حسان" في شعره، فذكر إن الذين يحملون "اللواء" أي "لواء الحرب"، هم النجوم. ويقال لسادة الناس "الجحاجح" كذلك،. ويقال لهم: "العرى"، وهم سادات الناس الذين يعتصم بهم الضعفاء، ويعيشون بعرفهم. شبهوا بعرى الشجر العاصمة الماشية في الجدب.
و أما لفظة "رب" التي تعني بعلا أيضا، وإلها، والتي تعبر عن معنى "إله" في الزمن الحاضر؛ فقد أطلقت في لغة المسند على السيد والشريف، لتعبر عن معاني التفخيم والاحترام، وأطلقت في معنى "إله" أيضا في النصوص المتأخرة في الغالب، وهي من الألفاظ السامية القديمة.التي وردت في معظم لغات السامين.
وقد وردت في عربيتنا بمعنى المالك والسيد والمدبر، وأطلقت بمعنى الملك كذلك. وقد كان أهل الجاهلية يطلقونها على الملك، قال الحارث بن حلزة: وهو الرب والشهيد على يو م الحيارين والبلاء بلاء
هنا وللسن أهمية. كبيرة عند العرب، لأن الإنسان إذا ما تقدم في السن ازدادت حكمته و تجاربه في الحياة ورجح عقله. لذلك يكون مرجعا لمن هو دونه في للعمر، وملاذا في المشورات، ويعبر عنهم ب "ذوي الأسنان". وهم الطبقة الذكية الفطنة المجربة من ذوي المكانة في الناس بالطبع. ولهذا نجد القبائل تتمسك بأخذ الرأي والمشورة من ساداتها المسنين ومن حكمائها المعمرين، لأنهم عركوا الحياة وخبروها وعرفوا ما فيها من مر وحلو. لذلك جعلوهم في الطبقات العليا من الناس.
(1/2384)
و "الرب" الرئيس والمرجع ومن تكون إليه الطاعة. والأرباب، هم السادات "قال المنذر يوما لخالد، وهم على الشراب، يا خالد، من ربك? فقال خالد: عمرو بن مسعود ربي وربك. فأمسك عليهما". و "المنذر" هو المنذر الأكبر اللخمي، وخالد، هو خالد بن نضلة. ولهذا كان يقول العبد لسيده: ربي. وتقول حاشية السيد والملك لسيدها وملكها: ربنا.
قال الحارث بن حلزة: ربنا وابننا وأفضل من يم شي ومن دون ما لديه الثناء
وقال لبيد حين ذكر حذيفة بن بدر: وأهلكن يوما رب كندة وابنه ورب معد بين خبت و عرعر
و "الخطر" الأشراف من الرجال العظيمو القدر والمنزلة. والخطير الواحد. ويقال للرجل الشريف، هو عظيم الخطر. وقوم خطرون: قوم أشراف، ويقال "العبقري" للكامل والسيد من الرجال. وهو سيد القوم وكبيرهم والذي ليس فوقه شيء والشديد القوي.
وقد عرف سادة قريش ووجوهها ب "خضراء قريش". ولما صعد الرسول "الصفا"، عام الفتح، وجاءت الأنصار فأطافوا بالصفا وجاء "أبو سفيان"، فقال: "يا رسول الله أبيدت خضراء قريش! لا قريش بعد اليوم". يقصد نخبة قريش وخاصتها، في مقابل "أوباش قريش"، الذين قال عنهم الرسول للأنصار: يا معشر الأنصار! هل ترون أوباش قريش.
والأخضر عند العرب الأسود. و قد افتخر "الفضل بن عباس بن عتبة اللهبي" بلونه، إذ قال:
وأنا الأخضر من يعرفني أخضر الجلدة في بيت العرب
يقول: أنا خالص لأن ألوان العرب السمرة، وأنه عربي محض لأن العرب تصف ألوانها بالسواد، وتصف ألوان العجم بالحمرة، والخضرة عند العرب السواد. وورد "خضر غسان"، و "خضر محارب". قال الشاعر: إن الخضارمة الخضر الذين غدوا أهل البريص ثمان منهم الحكم
والخضارمة جمع خضرم، وهو السيد الحمول.
ويقال لمن هم دون الأشراف وفوق الطبقات الدنيا، "أوساط الناس"، و "الأوساط"، و "اللهازم". يقال هو من لهازم القبيلة، أي من أوساطها لا اشرافها.
المستضعفون من الناس
(1/2385)
والمستضعفون من الناس، كثيرون، وقد نظر إليهم مجتمعهم نظرة ازدراء واستهجان، و اعتدهم من الطبقات الدنيا. إما لفقرهم وضيق ذات يدهم، ومنهم الفقراء والصعاليك والمحتاجون وأبناء السبيل، و أما لطيشهم وخروجهم من مجتمعهم، ومنهم الطريد والضال والخليع، و أما لانشغالهم بحرف يدوية، وهي حرف لا تليق بالرجل الكريم، ولا سيما الحرف الدنيا مثل الحلاقة والحجامة والحمالة وأمثالها، و أما من ناحية أصلهم، مثل إن يكونوا عبيدا أو عبيدا مملوكين.
ولاستصغارهم شأن الحرف اليدوية، لم يقبل عليها الأحرار و أبناء البيوت، إلا من اضطرته الفاقة و وجد إلا سبيل له إلى العيش إلا بالاشتغال بها، فانصرف إليها صاغرا. وهذا كان اكبر أصحاب الأعمال اليدوية من الرقيق والأعاجم واليهود. و إذا أخذنا بروايات أهل الأخبار نجد إن عدد أصحاب الحرف اليدوية كان قليلا جدا، فلم يكن في مكة مثلا أحد من النجارين البارعين على ما يفهم من رواياتهم كروايتهم عن إعادة بناء الكعبة قبل النبوة بخمس سنين، أو كانوا قلة يعدون عدا. وكذلك يقال عن بقية الحرف، و يقال مثل ذلك عن يثرب. ولا استبعد إن تكون في روايات أهل الأخبار مبالغات، ولكننا لا نستطيع نكران ازدراء العرب للحرف والصناعات.
وكانوا يعيرون من يتزوج من ابنة صائغ أو حداد أو نجار، ويعرون نسله، ولا سيما إذا كان من بيت رفيع. وقد وجد أعداء "النعمان بن المنذر" آخر ملوك الحيرة وحساده في أمه "سلمى" التي قيل إنها ابنة قين أو صائغ يهودي، سببا قويا من أسباب استهزائهم به والاستصغار لشأنه. أما الحرفي، أي الذي يشتغل بالحرف اليدوية، فلم يكن من السهل عليه التزوج من بنات الأحرار، لما قد تتعرض له أسر البنات من تعيير وسبة وإهانة بين الناس، بتزويجهم ابنة حرة لشخص وضيع مستصغر.
(1/2386)
وأدنى المتعيشين بالحرف منزلة، الحلاقون والحجامون والحمالون، ثم أولئك الذين يعيشون على تلهية الناس، مثل سائس قرد، وهو الشخص الذي يربي القردة ويعلمها القيام ببعض الألعاب لتسلية المتفرجين وإضحاكهم في مقابل صدقة يقدمونها لقردته وله، ومثل أناس آخرون يربون حيوانات أخرى للغرض نفسه، أو يتخذون لهم مهنة إضحاك الناس عليهم لدر عطفهم والجود عليهم، ومثل المخنثون والمغنون المطربون.
وقد عرف المعدمون المتربون، وهم الدين لا يملكون شيئا ب "بني غبراء"، للزقهم بغبراء الأرض، ويقال لهم " الصعاليك" أيضا، وقد ذكرت قبل قليل ورود لفظة "غبر" في الكتابات القتبانية، وان لها صلة ب "غبراء الناس" وب "بني غبراء" في عربيتنا. وقد تكون لهذا المصطلح صلة بمصطلح اختلف علماء التوراة في المراد منه، هو مصطلح "عم ه - ارز"، أي "ناس الأرض" "أهل الأرض"، فقد ذهب بعض العلماء إلى إنها تعني طبقة وضيعة من سواد الناس، أو "الفلاحين" الذين يعيشون على استغلال الأرض.
ونعت الخادم الذي يخدم بطعام بطنه "بالعضروط"، وهو الصعلوك، والعضاريط الصعاليك. وتعهد إلى العضروط مختلف الخدمات، مثل العناية بالراحلة وأداء أي عمل آخر يقوم به في قابل طعام بطنه. و يقال للعضروط: اللعموظ، وهو الذي يخدم بطنه. و "العضارط" الأجراء.
و "الخول" العبيد والخدم، ويقال: القوم خول فلان، أي أتباعه؛ وهم حشم الرجل وأتباعه. ويقع على العبد والأمة فهم إذن الأتباع المغلوبون على أمرهم الخاضعون لحكم المتحكمين في رقابهم من السادة.
(1/2387)
والمملوك خلاف الحر، والرقيق: المملوك واحد وجمع. والرقيق العبد. ورق صار في عبودية. والعبد: المملوك خلاف الحر. ونجد لعلماء اللغة تفاسير كثيرة لمعنى "العبد"، والرقيق، وفي مدى حرية كل واحد منها. وقد استعملت لفظة "العبد" للدلالة على معان مجازية، ومعان حقيقية. فقد قصد بها الخضوع والتذلل، ولهذا نهي عن استعمالها بهذا المعنى في الإسلام، فورد: "لا يقل أحدكم لمملوكه عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي". وقصد بها أيضا العبودية الحقيقية.
ولفظة "عبد" و "العبد" لفظة عامة في الأصل، وقد وردت بهذا المعنى في أكثر اللغات السامية، فاستعملت في معان مجازية وفي معان حقيقية، ولم تكن تعني شخصا مملوكا بالمعنى الحقيقي من لفظة "مملوك" بالضرورة. وطالما نقرأ في كتب أهل الأخبار جملا، مثل: "ومن هو?إنما هو عبد من عبيدي"، و "أنت عبد من عبيدي"، وذلك تعبيرا عن ازدراء شخص لشخص آخر، واستصغارا لشأنه، لأنه جعله في منزلة خدمه وعبيده.
واستعملوا لفظة: "عبد" و "العبد" بالمعنى الحقيقي الخاص بالعبودية، وقصدوا بها "مملوكا"، فقالوا: "كان عبدا روميا"، وقالوا: "كان عبدا حبشيا"، فقصدوا بها "مملوكا" كائنا ما كان لونه، أو جنسه والظاهر إن المتأخرين قد غلبوا استعمالها على العبيد والسود، فأطلقوها عليهم من غير ذكر صفتهم، وعنوا بها الرقيق الأسود حسب.
وقد ذكر بعض علماء اللغة إن "العبد" إذا ملك ولم يملك أبواه، أو الذي سبي، ولم يملك أبواه. وقالوا: هم عبيد مملكة، وهو إن يغلب عليهم ويستعبدوا وهم أحرار. وفي الحديث: "إن الأشعث بن قيس خادم أهل نجران إلى عمر في رقابهم، وكان قد استعبدهم في الجاهلية، فلما أسلموا، أبوا عليه، فقالوا: يا أمر المؤمنين إنا إنما كنا عبيد مملكة ولم نكن عبيد قن. أي إن يغلب عليهم فيستعبدهم وهم في الأصل أحرار.
(1/2388)
وذكر علماء للعربية إن القن: العبد الذي ملك هو و أبواه، ران العبد القن الذي ولد عندك ولا يستطيع إن يخرج عنك. وعبد قن خالص العبودة. فالقن إذن، هو العبد المملوك، الذي تنقل إليه العبودية عن أبيه. وقد أسلفت إن هذه اللفظة وردت في لغة المسند، و إنها كانت تعني هذا المعنى عندهم أيضا. ويشبه العبد القن، العبد الذي يقال له "CERF" عند الرومان. و لا القين": العبد والجمع قيان.
ويعبر عن العبد بلفظة "مولى" أيضا، ويراد نجها المعتق كذلك. وتؤدي معاني اجتماعية أخرى ذكرها علماء اللغة منها: الحليف، والعقيد، والرب والمالك، والسيد. ويتبن معناها من الاستعمال. وقد كان بمكة وسائر الأمكنة الأخرى من جزيرة العرب عدد كبير من الموالي.
والعبيد هم حاصل الحروب. فإذا وقع إنسان أسيرا في غزو أو حرب صار ملكا لآسره، إن شاء من عليه ففك رقبته، وان شاء ملكه فصار عبدا له. يحتفظ به لنفسه إن أراد، أو أن يهديه لغيره فيصير في ملك من أهدي له، أو إن يبيعه، فيقبض ثمنه، فتنتقل ملكية العبد إلى شاريه. فالسباء هو مصدر مهم من مصادر الرقيق.
ومورد آخر أمد الجاهليين بالعبيد، هو التجارة: تجارة العبيد. وقد اختص بها قوم عرفوا بالنخاسين. يأتون بالرقيق من مختلف الأماكن ويبيعونه. وكانت تجارة رابحة.
ومن العبيد، قوم كانوا مدينون فلم يتمكنوا من سداد ديونهم فبيعوا رقيقا. ومنهم من صار رقيقا لعدم تمكنه من دفع مال يجب عليه تأديته. كالذي روي من تقامر أبي لهب و العاص بن هشام، على إن من قمر صار عبدا لصاحبه، فقمره أبو لهب فاسترقه واسترعاه ابله.
(1/2389)
ويكون عدد ما بملكه الإنسان من الرقيق إمارة علي الغنى والمنزلة والجاه والقوة. هم قوة لأنهم عدة لسيدهم في القتال وفي الدفاع عنه حتى وان كرهوه. وهم خدم له يؤدون له كل ما يطليه منهم من أعمال، ولا يخلو منهم بيت. وذكر إن بعض السادات كان يملك المئات من العبيد فلما وفد "ذو الكلاع ملك حمير" على أبي بكر "ومعه ألف عبد دون من كان معه من عشيرته وعليه التاج، وما وصفنا من البرود و الحلل".
وكان كثير من ملاك الرقيق ذوو قلوب غلاط، لا يرحمون عبيدهم ولا يرفقون بهم. و إذا شهد العبد غزوا أو حربا وغنم فلا يعطى حقه له. ويؤخذ سهمه ويعطى إلى سيده. ولم يكونوا يثقون بأمانة رقيقهم لذلك حقد العبيد على سادتهم، وانضموا إلى أعدائهم إن وجدوا فرصة مؤاتية لهم أملا منهم بإصلاح الحال. ولما حاصر الرسول الطائف نادى مناديه: "أيما عبد نزل فهو حر وولاؤه لله ورسوله" فنزل جمع منهم وأسلموا وصاروا أحرارا.
ويذكر علماء اللغة طبقة سموها "القطن"، وهم في عرفهم تباع الملك ومماليكه، والخدم والأتباع. وقالوا أيضا: إن القطين تبع الرجل، ومماليكه، وخدمه.
ويقال للرعية من الناس "السوقة" سموا بذلك لأن الملوك يسوقونهم فينساقون لهم. و أما "سواد الناس"، فعامتهم.
وكل من ذكرت من الطبقات الدنيا هم " سوقة" أو "عوام"، و "سواد".
ويقال للأخلاط والسفلة من الناس: الأوباش. وهم مثل الأوشاب. و أما الأشابة فأخلاط الناس تجتمع من كل أوب و التأشب التجمع. ويقال: أوباش من الناس و أوشاب. وهم الضروب المتفرقون.
ويذكر علماء اللغة إن أهل اليمن يطلقون على المستضعفين من الناس "مستخمرون". و "المستخمرون" هم الجيران الضعفاء. من "اخمره الشيء"، بمعنى أعطاه إياه أو ملكه بلغة اليمن.
ويقال لأوغاد الناس و أرذالهم "الطغام" و "الطغامة". وذكر إن "طغامة" و "دغامة" الأحمق. وورد "باطاسة الأحلام"، بمعنى من لا عقل له ولا معرفة، وقبل: هم أوغاد الناس و أسافلهم.
(1/2390)
وعرف أوغاد الناس ب "أولاد درزة". وذكر إن أولاد درزة: السفلة والسقاط والغوغاء من الناس، كذلك أولاد ترنى. و "أولاد درزة" أيضا الخياطون. ويقال: أولاد درزة هم الحاكة، وهم من أسافل الناس، كما صرح به المفسرون في قوله تعالى: واتبعك الأرذلون. وابن درزة الدعي، أو ابن أمة تساعي، فجاءت به من المساعاة ولا يعرف له أب.
أهل الوبر
ما ذكرته عن المجتمع يتناول الحضر، أما المجتمع البدوي، أي مجتمع الأعراب، مجتمع ساذج ليس في تكوينه تعقيد ولا تعدد طبقات. صقلت البادية أهلها، وبسطت لهم أسلوب الحياة، وقلصت من الفروق الطبقية، فلا تجد فيها ما نجده عند الحضر من اختلاف كبير في منازل الناس.
وكل ما هنالك من طبقات: سادات القبائل، وهم رؤساء القبيلة وأشرافها، وأحدهم "سيد القبيلة" أو رئيسا القبيلة. ثم أشراف العشائر و متفرعاتها. ولهم اموال، ورقيق يخدمونهم. أما سواد القبيلة، فهم منتشرون في أرض القبيلة على هيأة مجتمعات صغيرة متفرقة مبعثرة، لضيق العيش الذي لا يساعد على تجمع أفراد القبيلة تجمعا كبيرا في محل واحد، تظهر فيه الحرف وتتنوع الأعمال التي تكون ضرورية لمجتمع مع الحضر.
ولسادات القبائل المال، وهي: الإبل. يشربون من ألبانها، ويأكلون لحومها، وهم الذين في استطاعتهم الذهاب إلى القرى والمدن ومواطن الحضارة للعيش فيها زمنا، ولشراء ما يجدون في أسواقها مما يحتاجون إليه من سلع.
وللتمتع بمناظر الحضارة. ولزيارة الملوك والحكام. والساكن منهم على مقربة من الحضر، يخالطهم وقد يشتري له ملكا يعيش فيه بينهم. فإذا جاء الربيع، وحمد وقت البادية عاد إلى وطنه، ليرعى ماله، ولينظر في شؤون قبيلته.
(1/2391)
وقد استخدم الأعراب "العبيد" أيضا، ولكنهم لم يكثروا من استخدامه استخدام أهل الحضر له، لعدم وجود حاجة كبيرة عندهم إليه. وقد كان عبيد الأعراب اكثر حرية وأحسن حالا من عبيد أهل الحضر، ذلك لأن البادية لا تعرف الأعمال المرهقة، ولا الحرف الكثيرة التي فرضتها الحضارة على أهل الحضارة، لذلك صارت الأعمال التي يقوم بها عبيد الأعراب اقل بكثير من الأعمال التي يقوم بها عبيد أهل القرى، وصار العبد في البادية الصق بصاحبه من مثيله في القرية، حتى صار وكأنه جزء من أهل البيت التي اشتراه أو ورثه.
بيوت العرب
لقد تبين لنا مما تقدم إن العرب وان بدوا وكأنهم سواسية كأسنان المشط، الكل متساوون في المعاملة لا فرق عندهم بين غني وفقير، كل معتز بنفسه فخور بفعاله، إلا انهم مع ذلك وفي الواقع طبقيون، لكل طبقة عرف وتقاليد، فبيوتهم تتفاوت عندهم في الشرف والمكانة، هناك بيوت اشتهرت في القبيلة وحافظت على فعالها ومكانتها، وكانت تتفاخر وتتباهى على غيرها فلا تزوج أحدا من أبنائها أو بناتها إلا لمن كلن كفؤا لها.
وقد تحدث أهل الأخبار والأنساب عن بيوت برزت في القبائل وتفوقت على غيرها في ناحية من نواحي الفضل والفخر. فذكر ابن الكلبي: مثلا إن العدد من تميم في بني سعد، والبيت في بني دارم، والفرسان في بني يربوع، والبيت من قيس في غطفان، ثم في بني فزارة، والعدد في بني عامر، والفرسان في بني سليم، والعدد من ربيعة في بكر، والبيت والفرسان في شيبان.
وكان يقال: إذا كنت من تميم ففاخر بحنظلة، وكاثر بسعد، وحارب بعمرو، وإذا كنت من قيس ففاخر بغطفان، وكاثر بهوازن، وحارب بسليم، وإذا كنت من بكر ففاخر بشيبان، وكاثر بشيبان، وحارب بشيبان.
(1/2392)
وقد اشتهرت ثلاثة بيوت شهرة خاصة في الجاهلية القريبة من الإسلام، وهي: بيت بني زرارة، وهم من "بني عبد الله بن دارم" في تميم، وبيت "بني بندر"، وهم من "بني فزارة" من "بني قيس"، وبيت "ذي الجدين"، وهم من "بني شيبان" من "بكر بن وائل".
وجعل "أبو عبيدة" بيوت العرب ثلاثة: فبيت قيس في الجاهلية بنو فزارة، ومركزه بنو بدر، وبيت ربيعة بنو شيبان، ومركزه ذو الجدين، وبيت تميم بنو عبد الله ابن دارم، ومركزه بنو زرارة. وذكر انه قال: ليس في العرب أربعة اخوة انجب ولا أعد ولا اكثر فرسانا من بني ثعلبة بن عكابة. وكان يقال له الأغر والحصن. وبنوه: شيبان و قيس وذهل و تيم الله. وفارس غطفان الربيع بن زياد العبسي، و فاتكها الحارث بن ظالم، وحكمها هرم بن قطبة، و جوادها هرم بن سنان المري ؛ وشاعرها النابغة الذبياني. وفارس بني تميم عتيب بن الحرث بن شهاب أحد بني يربوع. وفارس عمرو بن تميم طريف بن تميم العنبري. وفارس دارم عمرو بن عدس، وفارس سعد فدكي بن المنقري، وفارس الرباب زيد الفوارس ابن حصين الضبي، وفارس قيس، عامر بن الطفيل، وفارس ربيعة بسطام ابن قيس.
وقال أبو عمرو بن العلاء: بيت بني سعد إلى الزبرقان بن بدر من بني بهذلة بن عوف بن كعب بن سعد، وبيت بني ضبة بنو ضرار بن عمرو الرديم، وبيت بني عدي بن عبد مناة آل شهاب من بني ملكان، وبيت التيم آل النعمان ابن جساس.
وزعم "ابن الكلبي" إن آل حصن الفزاريين، وآل الجد بن الشيبانيين، وآل عبد المدان الحارثيين. هم أعلى بيوت العرب. ويقال: بيت تميم في بني حنظلة، أي شرفها. فهذه البيوت هي البيوت البارزة المسلم لها بالسيادة والشرف عند الجاهليين على رأي "ابن الكلبي".
(1/2393)
وذكر "الجمحي": إن الفروسية في اليمن في بني زبيد بن عمرو بن معديكرب. وان شاعر اليمن امرؤ القيس، وأن بيتها في كندة: في الأشعث ابن قيس. لا يختلف في هذا و إنما اختلف في نزار. وقال اخباري: كان بيت قيس في آل عمرو بن الظوب العدواني، ثم في غني. في آل عمرو بن يربوع، ثم تحول إلى بني بدر. فجاء الإسلام وهو فيهم. وقال الاخفش: فرعا قريش هاشم وعبد شمس. وفرط غطفان بدر بن عمرو بن لوذان وسيار بن عمرو بن جابر. وفرعا حنظلة رياح و ثعلبة ابنا يربوع. وفرعا ربيعة بن عامر بن صعصعة جعفر وأبو يكو ابنا كلاب. وفرعا قضاعة عذرة والحرث بن سعد.
وقد ذكر "الجاحظ" إن هناك قبائل في شطرها خير كثير، وفي الشطر الآخر شرف وضعة. "فمن القبائل المتقادمة التي في شطرها خير كثير، وفي الشطر الآخر شرف وضعة، مثل قبائل غطفان وقيس عيلان، ومثل فزارة ومرة، وئعلبة، ومثل عبس، وعبد الله بن غطفان، ثم غني و باهلة، واليعسوب و الطفاوة . فالشرف والخطر في عبس وذبيان، والمبتلى والمللقى والمحروم والمظلوم، مثل باهلة وغني. ومن هذا الضرب تميم بن مر، وثور وعكل، وتميم ومزينة. ففي عكل وتجم ومزينة من الشرف والفضل ما ليس في ثور".
وذكر "الجاحظ" إن بعض الناس تكبروا على غيرهم، لما وجدوا لأنفسهم من الجاه والثراء والمكانة، ومنهم: بنو مخزوم، وبنو أمية، وبنو جعفر بن كلاب، وبنو زرارة بن عدس. فلم يكونوا كبني هاشم في تواضعهم، وفي إنصافهم لمن دونهم.
الشرف
(1/2394)
و للشرف مقام كبير عند العرب. وإذا دخل شريف قوم في مجتمع جلس في المقام اللائق به. ويلعب هذا المقام دورا كبيرا في مجالس الملوك وفي مجالس سادات القبائل وفي أندية الحضر. وإذا لم يأخذ الشريف مكانه، كأن يجلس في مجلس هو دون مجلسه اللائق بمقامه بالنسبة إلى الحاضرين، عد ذلك إهانة له، ومعاملة سيئة متعمدة. قد تأتي بأوخم النتائج إذا كان الشريف من أصحاب الحول والطول. ولهذا كان الملوك خاصة وسادات القبائل يراعون حرمة المكان، و يعينون للقادم مكانه، بأسلوب لطيف لا يثير مشاعر الجالسين ولا يشعرهم بأنهم قصدوا إهانتهم إن طلبوا من القادم التقدم على الحاضرين، والجلوس على مقربة منهم. وذلك على حسب مكانته ومنزلته، و الغالب أن ينص على المكان الذي سيجلس به.
والشرف في العرف الجاهلي، هو الحسب بالآباء. والشرف والمجد عندهم لا يكونان إلا بالآباء. أما الحسب والكرم فيكونان، وان لم يكن له آباء لهم شرف. ولهذا حرصوا على استمرار الشرف في الأسر الشريفة، وعلى إمدادها بالحيوية والنشاط حتى يبقى الشرف متألقا لامعا فيها. ومن ذلك الزواج المكافئ والفعال الحميدة والمحافظة على سجايا الأسرة الطية، والأعراف المثالية، والتمسك بالنسب. وعدم تلويثه بدم من هو دونهم في الشرف، ورعاية ذلك النسب وحفطه، فيكون نسب كل شريف بيتنا واضحا ظاهرا للناس.
ومن الشرف: التخلق بالأخلاق الحميدة، وعمل الأمور المحببة المفيدة التي تخلد الذكر لصاحبها وتجعل الناس يلهجون باسمه من ذلك.
العرض
(1/2395)
والعرض في معنى الشرف، ويتجلى في مظاهر متنوعة يراد بها صيانة السمعة وطرد سوء الظن وما يخدش شرف الإنسان من سوء أو مكروه. وهو لا يكتفي بالدفاع عن عرضه، بل يلزم نفسه ايضا بالدفاع عن عرض قبيلته وعن عرض من يدخل في جواره أو في حلفه، لأن أعراضهم عرضه. فهو يلزم نفسه بلوازم كثيرة ثقيلة، يحاول مهما كلفه الأمر الوفاء بها خشية العار. وهو في لمجل الوفاء بالتزامات العرض يفعل ما يشاء، ويدخل في ذلك القتل والعنف في سبيل الدفاع عن الالتزامات التي ألزم نفسه بها في سبيل حماية العرض.
وإذا ممس عرض امرئ بأذى هاج وأهاج من هو من ذوي دمه ولحمه، للاقتصاص ممن دنس عرضه. وهو لا يهدأ حتى يأخذ بثأره ممن داس على عرضه. فثأر العرض مثل ثأر القتل، لا يهدأ صاحبه ولا يهجع إلا إذا اخذ بثأره ممن تجاوز على عرضه. والغالب في عقوبة هذا الثار الذبح. أي بقطع الرأس. عن الجسد يذبح حتى في حالة إذا كان قد توفي من طعنة بخنجر يقضي عليه، فانه يذبحه عندئذ. ويكون هذا غسلا للعار الذي ألحقه ذلك المتجاسر بعرض القائل.
المروءة
وتتمثل المثل الجاهلية العليا في "المروءة"، وقد فسرت المروءة بأنها كمال الرجولية. ومن المروءة: الحلم، والصبر، والعفو عند المقدرة، وقرى الضيف، واغاثة الملهوف، ونصرة الجار، وحماية الضعيف. فإذا تمثلت أمثال هذه السجابا في رجل، كان كاملا، عظيم الشأن في قومه. والمروءة عند الجاهلين كالدين عند المسلم.
وقد ورد إن المروءة إلا تفعل في السر أمرا وأنت تستحي إن تفعله جهرا فهي أقصى ما تكون من أخلاق في الرجل الكامل الشجاع. وقد اقرها الإسلام في جملة ما اقره من فضائل الجاهلية، ورد: الدين، المروءة، ولا دين إلا بالمروءة.
والشهامة هي من صفات السيد الشريف النبيل. و الشهم، هو السيد النجد، الذي إذا دعي أتجد، وإذا طلب أجاب.
الكملة
(1/2396)
وتحدث أهل الأخبار عن جماعة من الجاهليين قالوا انهم عرفوا بين قومهم بالكملة. منهم "بنو زباد العبسيون"، وهم أنس الحفاظ، ويقال له أيضا أنس، الفوارس، وعمارة الوهاب، و ربيع الكامل، وقيس الجواد وقيل: ربيع الحفاظ، وعمارة الوهاب، وأنس الفوارس، أمهم فاطمة بنت الخرشب الأنمارية.
وكان "للربيع بن زياد العبسي" المعروف بالكامل، ممن ينادم الملك النعمان، ويكثر عنده، ويتقدم على من سواه. وينزله في قبة يضربها له. حتى أفسد "لبيد" الشاعر، وكان إذ ذاك غلاما ما كان بينهما من ود في خبر ترويه كتب الأدب والأخبار.
وعرف قوم ب "الأكابر"، قيل هم: شيبان، وعامر، وجليحة، والحارث بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل.
والإنسان الكامل عند الجاهلين وفي أول الإسلام، هو الذي يكتب بالعربية، ومحسن الغوم والرمي. وقد لقب رجال عديدون بهذا اللقب، منهم: "أوس ابن خولي"، وهو من المخضرمين. قال "ابن سعد" عنه: "وكان أوس ابن خولي من الكملة،. وكان الكامل عندهم في الجاهلية وأول الإسلام الذي يكتب بالعربية ويحسن العوم والرمي".
من الخصال الحميدة
ومن الخصال الحميدة عند العرب: النخوة. والنخوة في اللغة الافتخار والتعظم، والنخوة الكبر والعظمة. ومن صفات العرب إنها كانت تتنحى من الدنايا أي تستنكف
الكرم
(1/2397)
ومن الأعراف عرف إكرام الضيف، وتقديم حق الضيافة له مهما كانت درجة تلك الضيافة ومنزلة المضيف. يقدم له ما يقدر عليه وما يتسع حاله له. والضيافة درس من الدروس التي لقنتها الطبيعة للإنسان أيضا. لقنته إن الإنسان مهما كان فقيرا، عليه إن يقدم ما عنده لمن يأتيه من ضيف قريب أو غريب ليضيفه، إنقاذا لحياته من قحط البادية ومن شحها. فليس في البادية ملجأ يلجأ الفرد إليه غير الخيام المضروبة هنا وهناك، ملاجئ مهما قبل فيها، لكنها قوارب النجاة أو جزر صغيرة في محيط واسع شاسع. لا يطمع الإنسان منها إلا في الاستراحة وإمضاء أمور سفره إلى الموضع الذي يريده، و إذا امتنع صاحب الخيمة عن أداء حق الضيافة، عرض حياة ضيفه للخطر، وعرض حياته نفسه إلى ذلك الخطر، فلا بد إن تنزل به في يوم ما حاجة ما، ولا بد إن يقطع البادية مرارا في حياته بحثا عن رزق، فإذا بخل ولم يضيف غيره، لم يستضيفه الآخرون فيقع في ضنك قد يكون به هلاكه وهلاك من معه.
والعرف إن الضيافة ثلاثة أيام و ثلاث ليال، فاذا انتهت المدة، سقط حق الضيافة من رقبة "المضيف" إلا إذا جددها، وزاد عليها. ويعبر عن منزلة. الضيف عند المضيف بجمل و تعابير تعبر عن ترحيب المضيف بضيفه، مثل جملة: "بيتي بيتك"، وعلى الضيف بالطبع إن يتأدب بأدب الضيافة، فيصون حرمة بيت مضيفه، فلا يسرق منه، ولا ينظر إلى العائلة بسوء وألا يقوم بأي عمل يخل بعرف الضيافة.
ونظرا إلى ما للمعابد من حرمات، اعتبر الوافدون عليها لزيارتها والتقرب. لأصنامها ضيوفا لها، وعدوا الذين يعتدون عليهم خارجين عن العرف مارقين، بالنسبة لمجتمعهم. فمن كان يفد إلى مكة يقال له "ضيف الله"، وقيل للحجاج "ضيوف الكعبة"، فلا يجوز الاعتداء عليهم، ومن وقع اعتداء عليه، يجد حتما من ببن أهل مكة من يدافع عنه.
(1/2398)
والجود، وهو السخاء صفحة أخرى من صفحات الكرم. وهو إن يمطر الرجل غيره بمعروفه، وان يجود على غيره بما هو عنده. وقد بالغ بعضهم بجوده حتى ضرب به المثل. ومن هؤلاء حاتم الطائي. وهو "حاتم بن عبد الله ابن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي بن أحزم" من قبيلة طيء.
وقد ضرب به المثل في الجود والسخاء، فقيل "أجود من حاتم"، ورووا عنه قصصا كثيرا في الجود والسخاء، يرينا إن الجود فيه سجية، نبت فيه،مذ كان صغيرا، فقد روي انه اختلف مع والده، وهو صغير، لأنه فرق إبله وغنمه وكان يرعى بها على قوم مروا به، فيهم: عبيد بن الأبرص، وبشر ابن أبي خازم، والنابغة الذبياني، فطرده أبوه، وقال له: إذن لا أساكنك بعدها أبدا ولا آويك، فقال حاتم: إذن لا أبالي.
ويذكر: انه كان إذا أبل شهر رجب نحر في كل يوم عشرة من الإبل، وأطعم الناس ؛ وانه كان يقول لغلامه يسار، إذا اشتد، البرد وكلب الشتاء: أوقد نارا في بقاع من الأرض: لينظر إليها من أضل الطريق ليلا فيقصد نحوه. وكان يوقد نار القرى، ليقصدها من يريد الضيافة من الناس. وذكروا انه كانت لحاتم قدور عظام بفنائه لا تنزل عن الأثافي، إلى غير ذلك من أخبار في كرمه وسخائه.
يذكر عنه انه قسم ماله بضع عشرة مرة؛ وانه مر في سفر له على بني عنزة ولهم أسير في القد، فاستغاث به، ولم يحضره فكاكه، ففاداه وخلاه، وأقام مقامه في القد حتى أدي فداؤه. ورووا انه ذبح فرسه، ووزع لحمها على جيرانه، لأن امرأة كانت جارة له جاءت إليه مستغيثة به، تقول له: أتيتك من صبية يتعاوون من الجوع ولم يكن لديه ما يعطيها، فذبح فرسه، مع انه و عائلته كانوا جياعا مثل صبيتها، فلما مانعت زوجته في ذبح فرسه، قال لها: إن هذا للؤم إن تأكلوا وأهل الحي جياع.
وينسب أهل الأخبار إليه شعرا، في جملته قصيدة تتعلق بالكرم وبمكارم الأخلاق وبالحكم، وقد جمعوا من شعره ديوانا، وذكروا انه من الشعر البليغ الجيد.
(1/2399)
وضرب المثل بجود " كعب بن مامة الإيادي". ويذكر أهل الأخبار انه هلك بسبب جوده، فقد مات عطشا، لأنه أعطى الماء غيره، فمات هو من العطش. وقد فضله "الجاحظ" ورجحه على "حاتم للطائي" في الجود. ذلك لأن حاتما كان يجود على غيره بماله، أما "كعب"، فقد بذل النفس حتى أعطبه الكرم، وبذل المجهود في المال، فساوى حاتما من هذا الوجه و باينه ببذل المهجة. فهو على رأيه فوقه في الكرم بمنازل و درجات. وذكر إن من عادة "كعب بن مامة" انه إذا جاوره رجل قام له بكل ما يصلحه وعياله، وحماه ممن يريد وان هلك له بعبر أو شاة أو عبد أخلف عليه، وان مات وداه، فجاوره "أبو دواد الإيادي"، الشاعر، فكان يفعل به ذلك ويزيد في بره، فصارت العرب إذا حمدت جارا بحسن جواره، قالوا: كجار أبي دواد. وقد افتخرت به إياد. وعد من مفاخرها. وذكر "عبد الملك بن مروان" إيادا، فقال: هم أخطب الناس لمكان قس، و أسخى الناس لمكان كعب، ولشعر الناس لمكان أبي دواد، و أنكح الناس لمكان ابن الغز.
و "أوس بن حارثة بن لأم الطائي". يذكرون إن "النعمان بن المنذر" حباه حلة نفيسة بحضور وفود العرب من كل حي، وكانوا قد اجتمعوا عنده، فقال لهم: "إني ملبس هذه الحلة أكرمكم" فألبسه النعمان الحلة. ويذكرون انه تمكن من الشاعر "بشر بن أبي خازم"، وكان "أوس" قد نذر لئن ظفر به ليحرقنه، لأنه أسرف في هجائه، حتى تجاسر فهجا أمه "سعدى". فلما ظفر به، أشارت "سعدى" على "أوس" بأن يمن على بشر، فخلى سبيله وأكرمه وأحسن كسوته وحمله على نجيبه وحباه، فصار "بشر" يمدحه، ويذكر أهل الأخبار، إن أوسا وحاتما وفدا على "عمرو بن هند"، فأراد امتحانهما، والوقوف على رأي أحدهما في الآخر، فما انتقص واحد منهما الآخر. فقال عمرو: والله ما أدري أيكما أفضل! وما منكما إلا سيد كريم.
(1/2400)
و "هرم بن سنان المري"، من أجواد الجاهلية أيضا. وهو سيد غطفان. وكان والده سيد غطفان كذلك. وقد مدحه الشاعر زهير بن أبي سلمى في أبيات لا يزال الناس يحفظونها ويذكرونها عن هرم وقد كان هرم أعطاه مالا كثيرا. من خيل وإبل وثياب وغير ذلك مما أغناه، وفيه ورد المثل: "أجود من هرم". وقد أدركت بنت له أيام عمر فسألها عن أبيها وعن صلته بزهير.
قال "أبو عبيدة": "أجواد العرب ثلاثة: كعب بن مامة، وحاتم الطائي، وكلاهما ضرب به المثل، وهرم بن سنان صاحب زهير".
وقد ضرب المثل بجود "عبد الله بن حبيب العنبري" فقيل: "أقرى من آكل الخبز". ذكر انه سمي آكل الخبز، لأنه كان لا يأكل التمر ولا يرغب في اللبن. وأكل الخبز ممدوح عند العرب. وهو عندهم من علامات الغنى والمال. وعرف "ثور بن شحمة العنبري" بالجود كذلك، وقد كان قومه "بنو العنبر" إذا افتخروا، قالوا: "منا آكل الخبز، ومنا مجير الطير". وقد عرف "ثور بن شحمة" ب "مجير الطير" لأنه كان يشفق على الطيور فيطعمها و يشبعها لجوده وكرمه.
واشتهر "عبد الله بن جدعان" برده كذلك، وقد كان يسمى ب "حاسي الذهب"، لأنه كان يشرب في إناء من الذهب، وقيل: "أقرى من حاسي الذهب". وكان يجود على "أمية برت أبي الصلت"، ويقري أهل مكة ومن يأتي إليها، وله جفنة كبيرة يأكل منها الناس، ويصنع لهم "الفالوذج"، ولم يكن معروفا قبله بمكة، فما كان بالعراق، أكله و استذوقه، وجاء منه بطباخ ليطبخ له "الفالوذج". وهو من "بني تيم". وكان ممن حرم الخمر على نفسه بعد إن كان بها مغرى، لما رأى فيها من ضرر و إسفاف يلحق بشاربها. وذكر انه لما كبر وهرم، أراد قومه إن يمنعوه من تبذير ماله، ولاموه في العطاء، فكان يدعو الرجل، فإذا دنا منه، لطمه لطمة خفيفة، ثم يقول له: قم فانشد لطمتك واطلب ديتها، فإذا فعل، أعطته بنو تيم من مال أبن جدعان. وقد ضرب المثل بفالوذج ابن جدعان في أطايب الأطعمة.
(1/2401)
وقد عد في "مطعمي قريش"، وهم سادات قريش وأشرافها ممن كان يطعم الناس ويفتح بيته للضيوف، ولا يمنع جائعا من دخول داره. كهاشم بن عبد مناف. وكانت له جفان يأكل منها القائم والراكب، إذا وقع في إحداها صبي غرق. فجرى بها المثل في العظم.
وللتعبير عن إسراف الأجواد في جودهم، وفي قراهم الضيوف، نعت أحدهم ب "مطعم الطير" كناية عن كرمهم، وعن كثرة طعامهم المهيأ، حتى كانت الطيور تشارك الضيوف في أكل الزاد، وهو كثير. وقد نعت "حسان ابن ثابت" عمه "خالد بن زيد" المعروف ب "ابن هند"، وهو من "بني النجار"، ب "مطعم الطير"، كناية عن انه كان ينحر الإبل للأضياف، فيأكل منها الناس والطير. ونعتت "ليلى بنت الخطيم بن عدي بن عمرو"، وهي أخت الشاعر "قيس بن الخطيم" أباها بأنه "مطعم الطير ومباري الريح"، و ذلك أمام الرسول.
ومن الأجواد من كان يجود في أوقات الشدة والحاجة بصورة خاصة، في مثل حلول الجدب. وقد عرف نفر من العرب ب "مطاعيم الريح"، وذلك لأنهم كانوا يطعمون إذا هبت ريح الصبا، لأنها لا تهب إلا في جدب، فمدحوا. ومن هؤلاء: "كنانة بن عبد يا ليل الثقفي". عم أبي محجن. وزعم "ابن الأعرابي" إن "مطاعم الريح"، هم أربعة. منهم: كنانة ابن عبد يا ليل الثقفي المذكور و "لبيد بن ربيعة".
ويقال للرجل الذي بهتز للمعروف والعطية "الأريحي"، وهو السحي. و "الأريحية" السخاء.
(1/2402)
وقد ضرب المضل بجماعة من الجاهليين عرفوا بجودهم وكرمهم، حفظ العرب ذكرهم لجودهم، وما زالوا يحتفظونه حتى اليوم، يتذاكرونه ويروونه في كتاباتهم وفي أنديتهم وفي كلامهم. من هؤلاء ثلاثة سموا "زاد الراكب" و "أزواد الركب"، لأنهم كانوا إذا سافروا مع قوم لم يتزودوا معهم. كانوا من أهل مكة هم: أبو عمرو بن امية. "مسافر بن أبي عمرو بن أمية"، وأبو أمية بن المغيرة المخزومي، و الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى "زمعة بن الأسود بن المطلب". وقد ضرب بهم المثل، فقيل: أقرى من زاد الراكب.
وقد كان "عبد الله بن أبي أمية"، المعروف ب "زاد الركب" شديد الحلاف على المسلمين، ثم خرج مهاجرا من مكة يريد النبي، فلقيه ب "الصلوب" فوق العرج، فأعرض عنه رسول الله، ثم عفى عنه.
وفي معنى "زاد الركب" معنى "جفنة الركب"، و الجفنة: الرجل الكريم. قيل له: "جفنة الركب"، لأنه كان مطعاما يضع جفنته ويطعم الناس فيها، ومن يكون معه في ترحاله. فسمي باسمها.
وكانت العرب تقول: السفر ميزان القوم، كأنه يزنهم بأوزانهم ويفصح عن مقاديرهم في الكرم واللؤم. إذ يتبين الكريم من اللئيم في سفره. فاللئام إذا ما سافروا ضجروا، لخوفهم من تقديم ما عندهم إلى من هم دونهم من فقير ومحتاج، أما الكريم، فإنه لا يبالي في سفره فيعطي وينفق ويساعد من يسافر معه بما يجود به عليهم. فهو على عكس اللئيم فرح بسفره هذا مستبشر.
(1/2403)
وزعم الأخباريون إن "سويد بن هرمي بن عامر الجمحي"، كان أول من وضع الأرائك وسقى اللبن والعسل بمكة. ومعنى هذا انه أول من وضع الأرائك لراحة الناس في الجاهلية، ولعلهم قصدوا أرائك وضعت، في الحرم لجلوس الناس عليها. كما ذكروا إن "أبا أمية بن المغيرة المخزومي" و "أبا وادعة بن ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم" وكانا يسقيان العسل بمكة، بعد سويد بن هرمي. وقد كان "عدي بن نوفل" يسقي الحجيج اللبن والعسل على ما ذكره أهل الأخبار. وقد عدت السقاية من مفاخر قريش.
وقد كان من عادة الأجواد إيقاد النار في الظلام ليراها الغريب والمحتاج، الجائع من مسافة بعيدة فيفد إليها، فيجد له من يقريه ويقدم له ما يحتاج إليه من طعام. ويقال لها "نار القرى" و "نار الضيافة". وهي نار توقد لاستدلال الأضياف بها على المنزل. وكانوا يوقدونها على الأماكن المرتفعة، لتكون أشهر. حتى زعم إن منهم من كان يوقدها بالمندلي الرطب، ليهتدي إليها العميان، بشم رائحة الطيب التي تفوح منها عند الاحتراق. وهي من أجل الأعمال عند العرب. وقد ذكرت في الشعر الجاهلي.
ويعد الشتاء محكا للأجواد ولكرام الأنفس. فالشتاء عدو الفقير، يؤلمه ببرده ويوجه بفقره ويضيف آلاما على آلامه. فخيمته الممزقة البالية، لا تقيه من رياح ولا من مطر ولا من برد. والصيد يختفي ويقل، و الأعشاب تزول، فلا بحد الفقير أمامه سوى ما ادخره من قوت فيعيش عليه. فإذا أكله أو كان قليلا، فليس أمامه من ملجأ سوى الاستجارة بأهل الجود والسخاء. ممن كان إذا جاء الشتاء ادنوا إليهم الناس و أطعموهم، فيقتلون بذلك جوع الشتاء. ولهذا عرف الواحد منهم ب "قاتل الشتاء".
وغاية الجود إن يجود الإنسان بأعز ماله لغبره، يقال: "انه لمنحار بوائكها، أي ينحر سمان الإبل"، وهو للمبالغة، يوصف للجود. فهو ليس من أولئك الذين يبخلون بمالهم العزيز، فينحرون الهزيل من الإبل، حرصا على العزيز، بل يقدم أقصى ما عنده لضيوفه.
(1/2404)
ويعد العرب "إقراء الضيف" و "الرفادة": "رفادة الحج" في جملة "ارث إبراهيم و إسماعيل. ويدخل أهل الأخبار في جملة هذا الإرث: تعظيم الحرم ومنعه من البغي فيه وقمع الظالم ومنع المظلوم. فالكرم إذن من للسنن القديمة الموروثة عن سنة إبراهيم على أهل الأخبار.
ولا يعد الكريم كريما إذا وهب ماله في سبيل غرض. فمن وهب المال لجلب نفع أو دفع ضرر أو خلاص من ذم فليس بكريم.
وبقال للعطية الجزيلة "الدسيعة". ويقال للجواد، هو ضخم الدسيعة، أي كثير العطية. وقيل هي المائدة الكريمة والجفنة على سببل المجاز، لما عرف به الأجواد من تقدم الطعام للأضياف. ويقال للجواد المعطاء السيد الحمول: "الخضرم"، تشبيها بالبحر الخضرم وهو الكثير الماء.
وقد يعبر عن غاية الجود بقولهم: "هو جبان الكلب"، أي نهاية في الكرم وكثرته، لأنه لكثرة تردد الضيفان إليه يأنس كلبه فلا يهر أبدا. قال حسان ابن ثابت: يغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون من السواد المقبل
ومن الجود والكرم: الرفادة. والرفد: العطاء و إعانة المحتاج. ومن ذلك ما فعلته قريش من "الرفادة"، حيث اتفقت إن بخرج كل إنسان مالا بقدر طاقته، يشترون به للحاج الجزر والطعام والزبيب للنبيذ، فيجمعون من ذلك مالا عظيما، فلا يزالون يطعمون الناس حتى تنقضي أيام موسم الحج. وذكر إن "هاشم بن عبد مناف"، كان أول من قام بالرفادة، و أول من هشم الثريد، وقد سمي هاشما لهشمه الثريد.
وذكر علماء اللغة إن السخاء مراتب ثلاث: سحاء وجود و إيثار. فالسخاء إعطاء الأقل و إمساك الأكثر. والجود إعطاء الأكثر و إمساك الأقل، و الإيثار إعطاء الكل من غير إمساك. وهو اشرف درجات الكرم.
ويعبر عن السخاء ب "الندى". ويقال "هو الذي الكف"، إذا كان سخيا. و "طلحة الندى"، أي السخي الكريم.
من شيم السادة
(1/2405)
ويعد حمل أثقال الديات من شيم السادة، إذ لم يكن من الممكن للأسر الفقيرة دفع دية القتلى حين توزع في العشرة أو القبيلة؛ لذلك يحملها السادة عن الضعفاء. وقد فدح "حسان بن ثابت" "حكيم بن حزام بن خويلد"، فكان مما مدحه به انه "انه حمال أثقال الديات".
وممن حمل الدماء ودفع اثمان دياتها: "عمرو بن عصم"، الذي حمل الدماء التي كانت بين "بني سدوس" و "بني عنزة" في الجاهلية، وهرم بن سنان، والحارث بن عوف، إذ تحمل ديات قتلى الحرب التي وقعت بين عبس وذبيان.
كما يعد حمل ثقل المولودة التي يراد و أدها من الشيم ومن الأعمال الحميدة التي يحمد القائم بها عليها. وقد ذكر أهل الأخبار أسماء جماعة دفعوا مالا لآباء كانوا قد هموا بوأد بناتهم لإملاقهم ولضعف حالهم، أبقوا بذلك على حياتهن. وهو عمل بقدر حقا، لأنه عن حس إنساني ودافع خيري نبيل.
فك الأسر
ومن شيم الرجال المن على الأسرى بفك رقابهم و إعطائهم حريتهم. وقد أبت مروؤة بعض السادات إلا إن يقوموا بفك أسر الأسرى وإعتاق رقبتهم، ولو بشراء أسرهم بثمن. وقد ذكر العلماء أسماء رجال منهم عاشوا في الجاهلية عرفوا بعدم رضاهم عن الأسر، فكانوا يدفعون مالا في مقابل فك رقبتهم. من هؤلاء "سعد بن مشمت بن المخيل"، وهو من رجال "بني المخيل" في الجاهلية. وكمان إلى إن لا يرى أسيرا إلا أفتكه.
(1/2406)
ومن شيم الرجال العفو عند المقدرة والحلم والصفح عن المسيء، وكان من عاداتهم في غفران الذنب، حفر بئر، ثم ينادي من يريد غفران الذنب والعفو عن المذنب: اشهدوا أني جعلت ذنبه في هذه البئر ثم يرد فيها ترابها، وبذلك يغفر الذنب. وقد ضرب العرب المثل بحلم "قيس بن عاصم"، و ب "الأحنف ابن قيس" و "قيس بن عاصم"، هو من بني منقر من تميم. وكان ممن حرم الخمر في الجاهلية، وذكر انه كان أول من واد، لأنه خشني إن يخلف على بناته من هو غير كف لهن. وكان قد وأد ثماني بنات، ووفد في وفد "بني تميم" على الرسول فأسلم. وقد قال له للرسول لما دنا منه: "هذا سيد أهل الوبر".
و أما "الأحنف بن قيس"، فهو تميمي كذلك. أدرك النبي ولم يجتمع به. وكان يضرب بحلمه المثل وله قصص مع الخلفاء. وسكن البصرة، وبها مات سنة سبع وستين.
وقد رجح الجاحظ "الاحنف" على كل من عرف عند العرب واشتهر بينهم بالحلم، حتى رجحه على لقمان ولقيم وقيس بن عاصم ومعاوية بن أبي سفيان. وله قصص مع معاوية. ونسبوا له حكما وشعرا. وذكر انه هو القائل: "لا تزال العرب بخير ما لبست. العمائم، و تقلدت السيوف، وركبت الخيل، ولم تأخذها حمية الأوغاد. قيل: وما حمية الأوغاد? قال: إن يروا الحلم ذلا، والتواهب ضيما"". وقيل للأحنف بن قيس: بماذا سدت? فقال: بثلاث، بذل الندى، وكف الأذى، ونصر المولى. وقال: إنما تعلمت. الحلم من قيس بن عاصم: أتي بقاتل.ابنه فقال: رعبتم الفتى. وأقبل جمليه فقال: يا بني لقد نقصت عددك، و أوهنت ركنك، وفتت، في عضدك، وأشمت عدوك، وأسأت بقوملك، خلوا سبيله، وما حل حبوته، ولا تغير وجهه.
وللعرب كلمة تقولها عند طلب العفو والحلم وفي مواطن الغضب والتشاجر هي: "إذا ملكت فاسجح"، يقصد بها طلب العفو و الحلم عند ثوران الغضب. ولهم كلمات أخرى كثيرة في الحث على التحلي بالحلم و الصبر.
(1/2407)
ومن خصال السادة: النخوة. وقد عرف بها العرب حتى ضرب بها المثل، فقيل: نخوة العرب، وورد: "لؤم النبيط و نخوة العرب". وهم ينتخون لمن ينتخيهم مع ترفع وتعزز، فإذا نخى شخص، فعلى من انتخى إجابة داعي النخوة و إلا عد جبانا وصار سبة للناس.
ولا يعني إن ما ذكرته كان بحب إن يتوفر حتما في رجل ليستحق إن يكون سيدا. فقد رمي بعض الرؤساء بالبخل وبشدة الحرص و بإمساك يدهم، و وصف بعض السادات بالظلم وبالقسوة، ومع ذلك، فقد حكموا قبيلتهم وساد بعضهم وهم شبان، والعادة عند العرب إن الرئاسة للمسن، و إنما الذي ذكرته يمثل رأي ذوي الرأي في الرئيس المثالي الذي يعرف كيف يحكم قومه وكيف يوجه قبيلته. وهي ليست بالضرورة مؤهلات وصفات يجب إن تكون لازمة في الرجل الذي سيسود قومه، لقد ذكرت إن السيادة بالوراثة، وأن هذه الخلال إذا تحلى بها إنسان آخر من رجال القبيلة عد أيضا سيدا من ساداتها، بمعنى انه صار شريفا مقدما فيها ووجها من وجوهها. تماما كما يكون لمدينة ما رئيس مدينة، يحكها بصفة رسمية، ويكون لها في الوقت نفسه وجهاء وأشراف قد يكون من بينهم من هو اكثر ذكرا وأعلى مكانة وأشرف منزلة من رئيس المدينة، ولكنه مع ذلك لا يمثل المدينة في الحفلات والمجتمعات، لأنه ليس برئيسها العامل المعين. وهكذا هو شأن تلك الخصال، خصال مثالية قد تتوفر في رئيس القبيلة، وقد لا تتوفر فيه، بل تتوفر في غيره من أبناء القبيلة ومن رؤساء فروعها، ليكون لهم السيادة و الشرف فيها ويشار إليهم على انهم سادة القبيلة، ولكنهم لا يعنون بذلك رئاسة فعلية، و إنما رئاسة شرف ومكانة وتقدير في مجتمع. ومن هنا نجد أهل الأخبار يذكرون أسماء جملة سادات، على انهم سادات قبيلة واحدة وفي وقت واحد، فهم في الواقع سادات مجتمع وفروع قبيلة.
المدح والهجاء
(1/2408)
وللمدح وللهجاء شأن كبير عند الجاهليين إذ كان الجاهليون يقيمون وزنا كبيرا للقيم المعنوية. فرب مدح يخلد الممدوح ويبقي ذكره، ورب هجاء يغض من شأن المهجو ويحط من اسمه ونحن هذا اليوم نقرأ ما ورد عنهم من المدح، ونسمع أسماء الممسوحين وما حصلوا عليه من جاه وفخر بين الناس، ونقرأ ما ورد في ذم أناس وما قيل فيهم من ذم و قذع. ولولا الأهمية التي أعطاها الماضون للمدح وللهجاء لما بقي الذم والمديح حتى اليوم.
ومن أسباب المدح سخاء الممدوح أو شهامته ونجدته وشجاعته وعفته وحلمه وصبره وتضحيته وما إلى ذلك من صفات وخلال حميدة. فكان إذا جاءه ضيف يعرفه أو لا يعرفه قدم إليه واجب الضيافة، وبالغ في إكرامه وان كان فقيرا لا يملك شيئا. ويقسمه على نفسه وعلى أهله، لأن الضيافة حق وواجب، و على من يقصد الضيافة أداء هذا الواجب.
وقد كان الملوك يهبون على المدح ويثيبون المادح على قدر ما جاء في مدحهم لهم من تفن في المدح ومن إطراء زائد ومبالغة في المدح. ولما دخل "النابغة الذبياني" على "النعمان بن المنذر"، وحياه بتحية الملوك، ثم مضى مسترسلا في مدحه، تهلل وجه النعمان سرورا، وأمر إن يقدم له الدر، و "كسي أثواب الرضى. وكانت جبات أطواقها الذهب بقصب الزمرد. ثم قال النعمان: هكذا فليمدح الملوك". وفي كتب الأدب والأخبار أشعار قيل عن كل شعر منها "إنها أمدح بيت قالته العرب". وفيها مبالغات وغلو في المدح، تجعل الممدوح شمس والملوك كواكب، إذا طلعت لم يبد منهن كوكب. وأمثال ذلك.
(1/2409)
و هذا الشعر وشعر الفخر وأمثالهما، يجب إن يكونا موضوعين لدراسات نفسية، لأنهما يمثلان أعمق الأحاسيس النفسية للعرب، ويتحدثان عن المواطن الرقيقة عند العرب، التي تهتز أوتارها بسرعة عند سماعها هذا النوع من المدح. والنواحي العاطفية التي يمكن منها التأثير في العرب. ونحن لا نستطيع بالطبع، إن نأخذ هذا الفخر أو ذاك المدح على انهما يمثلان الواقع و يمثلان الممدوح تمام التمثيل. أو انهما تعبير عن نفس صادقة مخلصة في كل ما قالته أو نظمته. فنحن نعلم إن من الشعراء من يمدح للعطاء ويهجو إذا حرم منه وان الممدوح إذا قطع عطاءه عن الشاعر، كف الشاعر عن مدحه، وربما انقلب عليه فيغسل كل ما قاله في مدحه له، بشعر يشتمه فيه بأبشع أنواع الشتم وأمضه. فشعر مثل هذا، وان كنا نرويه ونتحدث عنه ونحفظه، ولكنا نرويه ونستلذ بروايته، لأنه لذيذ من ناحية الأدب، ولأنه شعر قديم يمثل ضربا من ضروب الحياة في ذلك الوقت.
وقد يمدح الشخص بنعته بنعوت مشرفة، مثل "فلان أبيض أ و "قوم بيض"، و "البيض المناجيد" وهم لا يريدون من اللفظة بياض البشرة، و إنما يريدون المدح بالكرم ونقاء العرض من الدنس والعيوب. وقد ينعت قوم بالخضرة، ويريدون بذلك إن المنعوتين قوم عرب خلص. والأخضر بمعنى الأسود، والعرب تسمى. الأسود أخضر، يريدون بذلك سواد الجلد، والمراد بسواد الجلد انهم عرب خلص.
و يمدح المحافظون على الوفاء بالعهد والمتمسكون بالود، والمحامون على عوراتهم الذابون عنها. ويعبر عنهم ب "أهل الحفاظ".
التفاخر
(1/2410)
والتفاخر، وهو التعاظم، من أهم مظاهر الحياة الاجتماعية عند أهل الجاهلية وفي الكتب العربية أمثلة كثيرة من تفاخر الجاهليين بعضهم على بعض، وتباهيهم بالأشياء الخارجة عن الإنسان و التمدح بالخصال. وتكون المفاخر بالآباء والأجساد، وبالسيادة والشرت، وبالكثرة، و بالحسب والنسب، حتى انهم انطلقوا في بعض الأوقات إلى القبور فكانوا يشيرون إلى القبر بعد القبر، و يقولون: فيكم مثل فلان ومثل فلان? وفي ذلك نزلت الآية: )ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر، كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون(. فذكر إن حيين من قريش، بني عدنان و بني سهم، تكاثروا بالسيادة والأشراف، فقال كل، حي بهم: )ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر(. وقيل: إن قبيلتين من قبائل الأنصار، تفاخروا وتكاثروا، فقالت إحداهما: فيكم مثل فلان وفلان? وقال الآخرون مثل ذلك. تفاخروا بالأحياء، ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور، فجعلت إحدى الطائفتين تقول: فيكم مثل فلان يشيرون إلى القبر، وقال الآخرون مثل ذلك. فأنزلت: "ألهاكم التكاثر".
وتقع المفاخرات بحضور محكمين في الغالب، أو طرف ثالث محزم، وعلى الطرفين قبول الحكم و إطاعته، وسماع رأي الطرف الثالث في حجج وأقوال المتخاصمين المتفاخرين. وتكون المفاخرة بإظهار كل طرف ما عنده من خصال يفاخر بها، ومن مناقب يستأثر بها، ومن مجد يرى انه انفرد به دون خصمه، ثم يذكر ما امتاز به على خصمه، بكلام منثور ومنظوم، منسق منمق، وما قام به من أعمال فريدة، وما حصل عليه في حروبه مع الناس. وبعد إن يفرغ المتفاخرون من إلقاء ما عندهم من حجج وبيان، ينظر المحكمون في الحجج التي استمعوا إليها، ليبدوا حكمهم بموجبها ويكون حكمهم أصعب شيء يواجهونه، لما يتركه من أثر في نفوس المتخاصمين، ولما سيكون له من تأثير في مكانة من سيخسر المفاخرة.
(1/2411)
ويقال للمفاخرة "المنافرة" و "المنافرة" المحاكمة في الحسب، وان يفتخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه، ثم يحكما بينهما رجلا، كفعل "علقمة بن علاثة" مع "عامر بن طفيل" حين تنافرا إلى "هرم بن قطبة الفزاري"، و فيهما يقول الأعشى بمدح "عامر بن الطفيل" و يحمل على "علقمة ابن علاثة": قد قلت شعري فمضى فيكما واعترف المنفور للنافر
وقد نافر "أنيس" أخو "أبي ذر الغفاري" شاعرا على شعره، إذ كان يرى انه أجود منه شعرا. وتكون المنافرة في كل شيء، يرى إنسان انه يفوق به غيره، كالمنعة والعز والجاه والكرم وما شاكل ذلك من خصال. قال "ابن سيده": "وكأنما جاءت المنافرة في أول ما استعملت انهم كانوا يسألون الحاكم: أبنا أعز نفرا?".
و "النفار" إن يتنافروا إلى حاكم يحكم بينهم. و "النفورة" الحكومة.
وورد "يوم نفورة": أي يوم حكومة، حكم فيه بالنفار.
ومن ا لمفاخرات، مفاخرة وفود ربيعة ومضر ابني نزار عند النعمان بن المنذر. فكان فيمن قدم عليه من وفود ربيعة "بسطام بن قيس" و "الحوفزان بن شريك". و فيمن قدم عليه من وفد مضر من قيس بن عيلان "عامر بن مالك" وعامر بن الطفيل. ومن تميم قيس بن عاصم، والأقرع بن حابس. ومفاخرة "آل حذيفة بن بدر" و "آل الأشعث بن قيس الكندي" عند كسرى. وهم من أعرق الأسر في أيامهم، وأشرفها. وقد عجب "كسرى" بذكائهم وبحدة أذهانهم. ومفاخرات أخرى مدونة في الكتب.
ومن مفاخرات أهل الجاهلية، منافرة "عامر بن الطفيل" مع "علقمة بن، علاثة" المذكورة، ومنافرة "بني فزارة". و "بني هلال"، ومنافرة "الفقعسي" و "ضمرة"، و منافرة "جربر البجلي" و "خالد بن أرطاة الكلبي" ، ومنافرة "القعقاع بن زرارة بن عدس" و "خالد بن مالك ابن ربعي بن سلم بن جندل بن نهشل" ومنافرة "هاشم بن عبد مناف" و "أمية بن عبد شمس".
(1/2412)
"ومن المنافرات، منافرة "عامر بن أحيمر" عند "المنذر بن امرئ القيس ابن ماء السماء". فقد ذكر إن "المنذر" أخرج بردين يوما يبلو الوفود، وقال: ليقم أعز العرب قبيلة، فليأخذهما. فقام "عامر بن أحيمر" فأخذهما وائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر، فقال له المنذر: أ أنت أعز العرب قبيلة? فقال: العز والعدد في معد، ثم في نزار، ثم في مضر، ثم في خنذف، ثم في تميم، ثم في سعد، ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا فلينافرني، قسكت الناس، فقال المنذر: هذه عشيرتك كما تزعم، فكيف أنت في أهل بيتك وفي نفسك? فقال: أنا أبو عشرة، وأخو عشرة و خال عشرة، وعم عشرة، و أما أنا في نفسي، فشاهد العز شاهدي، ثم وضع قدمه على الأرض، فقال: من أزالها عن مكانها، فله مئة من الإبل. فلم يقم إليه أحد من الحاضرين، ففاز بالبردين، وعرف ب "ذي البردين".
وطالما كانت تؤدي هذه المفاخرات إلى وقوع حروب وسفك دماء، ولذلك أبطلها الإسلام، ونهى عنها? وعدها من شعار الجاهلية.
والمساجلة في معنى المفاخرة، بأن يصنع مثل صنيعه في جري أو سقي. وتساجلوا بمعنى تفاخروا. ذكروا إن أصل المساجلة: إن يستقي ساقيان، فيخرج كل منهما في سجله ع مثل ما يخرج الآخر ج فأيهما نكل فقد غلب، فضربته العرب مثلا للمفاخرة، فإذا قيل فلان يساجل فلانا فمعناه انه يخرج من الشرف مثل.ما يخرجه الآخر، فأيهما نكل فقد غلب.
وتعرف "المفاخرة" ب "المباهاة" أيضا. فيقال: تباهوا إذا تفاخروا. ، و أما إذا صايحه، فيقال هاباه. وذلك بأن يذكر كل متباه مناقبه ومناقب قومه، يتفاخر بها على خصمه. وطالما أدت المباهاة إلى وقوع خصومات ومعارك.
(1/2413)
ومن مفاخر العرب التفاخر بمن برز عندهم في عمل فذ وفي عمل خصال كريمة، أو قام بفعل استحق الإعجاب. فكانت القبائل تتفاخر بذكر أسماء هؤلآء، وتحفظ أسماءهم للتباهي بهم، كما تفعل الدول في التباهي برجالها. ومن مفاخرهم: الفروسية، فعد "الحوفزان" مثلا وهو "الحوفزان بن شريك" فارس بكر بن وائل.
وافتخروا ب "الأصم عمرو بن قيس"، ولقب عند المتفاخرين به ب "صاحب رؤوس بني تميم"، وافتخروا ب "مفروق بن عمرو" "حاضن الأيتام" والظاهر انه كان يحن على الأيتام ويعطف عليهم، لذلك لقب بهذا اللقب، وافتخر ب "سنان بن مفروق"، الذي عرف ب "ضامن الدمن". كما افتخر ب "عمران بن مرة" لأنه أسر "يزيد بن الصعق" مرتين.
الخيلاء
وقد عرف بعض الجاهليين بالخيلاء والزهو والتغطرس. وقد اعتبرها الإسلام من سمات أهل الجاهلية. وقد اشتهر "سماك بن خرشة الأنصاري" بمشية خاصة به، فيها تبختر و خيلاء؛ حتى عرفت ب "مشية أبي دجانة". والتبختر هي مشية العجب والخيلاء. و كانت من مشية بعض المغرورين المترفين من أصحاب الجاه والمال.
الهجاء
والهجاء عكس المدح، وهو ذم الشخص والانتقاص منه و شتمه. و قد نبغ فيه بعض الشعراء، وتخصص به، ويجب إن نقف منه موقف الحذر الشديد، لما للعواطف والهوى من أثر فيه. وقد يهجو شخص شخصا أو قوما لسبب تافه، أو بسبب حادث وقع له لا يستوجب صدور ذلك الهجاء منه. وهناك أشخاص جبلوا على ازدراء الناس وشتمهم والانتقاص منهم، فهجوا أكثرهم، بل بلغ بهم الهجاء حدا حملهم على هجو أقاربهم وأهلهم، بل أنفسهم في بعضن الأحيان.
ويستحق الهجاء من اتصف بسوء الخصال، واتسم بأخلاق الأرذال، والأنذال، وجعل اللؤم جلبايه وشعاره، والبخل وطامر ودثاره. وقد حفظ الرواة بعض الأشعار التي قيل إنها كانت من أهجى أشعار العرب في الجاهلية وفي الإسلام. وذكر إن من شعر الهجاء المر القاسي قول الأعشى: تبيتون في المشتى ملاء بطونكم وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا
(1/2414)
-
الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام
وقوله في الزبرقان بن بدر: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وقول الطرماح:
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا و لو سلكت طرق المكارم ضلت
إلى غير ذلك من شعر، يجب إن نأخذه بحذر. وان نعالجه دائما على انه يمثل العواطف الشخصية والانفعالات النفسية، والتهيج الآني. وان شعرا من هذا القبيل لا يمكن إن يحمل محمل الصدق، وان نقول عنه انه يعبر عن الواقع. بل نأخذه كما سبق إن فكرت عن شعر المديح على انه تعبير عن نوع من أنواع الأدب في ذلك الوقت. وعلى انه باب بحب إن يدرس من الوجهة النفسية، لأنه يفيد في الوقوف على النفسية العربية و العقلية الجاهلية في ذلك الوقت.
ولم يكن الهجاؤون يراعون الصدق في كلامهم، وكيف يراعونه وهم يريدون هجو خصومهم والإساءة إليهم والى سمعتهم بأية طريقة ووسيلة كانت، حتى وان علموا إن سامعي الهجاء لا يصدقونه. ومن هذا القبيل رمي بعض القبائل أو الأسر بأنها من أصل أعجمي، وفي كتب الأخبار أمثلة عديدة على ذلك، وقد يكون ذلك بسبب وجود دم أعجمي من أم أو من أب بعيد أو قريب، وقد لا يكون أي أثر من ذلك. شتم "عمرو بن الأشم" "قيس بن عاصم"، فقال له ولقومه: إن تبغضونا، فإن الروم أصلكم والروم لا تملك البغضاء للعرب
وقد عير "حسان بن ثابت" "بني المغيرة" وسبهم بأنهم عبيد قيون، أبوهم قين لدى كيره" جاثم. يأخذون "الاهالة"، وهو الدهن الذي يستخرج من اللحم، ويبيعونه من الدباغين. فما ذكره فيهم هو من أعمال العجم والصعاليك، لا العرب الأصلاء و الأقحاح.
(1/2415)
وذكر إن "الوليد" المعروف ب "الوليد بن المغيرة" لم يكن عربيا، و إنما كان عبدا روميا، وكان اسمه "ديم"، واسم أبيه. "صقعب"، فرغب فيه "المغيرة"، فادعاه، والحق صقعبا بالشام، فاشتاق إليه، فصوره في الحائط. وقد هجاه "حسان بن ثابت"، فقال له إن والدك "صقعبا" كان قينا، و أما أمك فهي "حباشة"، وهي عبدة سوداء. وقد تباهيت إذ صرت غنيا، و إنما صرت ثريا بكلبتك هذه، وهي آلة من آلات الحدادين، يشير بذلك إلى انه كان حدادا، يعرف ضرب النصال، وحسن الرقع للبرم. وهي القدور. ويظهر من شعر حسان ومن شرح الشراح إن "الوليد" كان مصهورا ماهرا متمكنا من فنه، حتى صور اباه، إن صح هذا الادعاء من " حسان".
ولحسان بن ثابت هجاء شديد لثقيف، قال في بعضه خلوا "معدا" ولا تنتسبوا إليها، واتركوا "خندفا"، فما لكم من ولادة فيها، وذلك على عاداته وعادة الشعراء والناس عند هجاء قوم، حيث يرمونهم بكل قبيح، ويجردونهم من كل مكرمة، إلا انه لم يصرح في شعره بأنهم من ثمود، إذ كانوا وقت هجاء "حسان" إياهم من "قيس". وقد نسبهم بعضهم إلى "الفهود بن بني جائر بن إرم، اخوة ثمود"، ونسبهم آخرون إلى "وحاظة" بن حمير ؛ وقال آخرون إن "ثقيفا"، هو عبد كل ذلك نكاية بثقيف.
وذكر أهل الأخبار إن "الازرق"، وهو غلام رومي في الأصل كان للحارث ابن كلدة الثقفي. وقد ادعى نسله إن "الأزرق" هو ابن "عمرو بن الحارث ابن ابي شمر الضاني"، فهم من غسان. وذكر انهم ادعوا في أول آمرهم انهم من تغلب، ثم من بني عكب؛ ثم أفسدتهم خزاعة، ودعوهم إلى اليمن، وزينوا لهم ذلك، وقالوا: انتم لا يغسل عنكم ذكر الروم إلا إن تدعوا إنكم من غسان. فانتموا إلى غسان بعد.
(1/2416)
وقد عيرت العرب وسبت من كان ذا أصل خامل، كأن يكون قينا، والقين العبد والحداد. ولعلها جمعت هذا المعنى من الرابط بين الحرفة والمنزلة، فقد كلبن القيون من العبيد. وقد عير "حسان بن ثابت" "بني عوف بن عوف" بأنهم منتسبون إلى قريش، ولكن نسبهم ليس منهم، بل من جذع قين لئيم العروق عرقوب والده اصهب. فرماهم بأنهم ليسوا من قريش، ولا من العرب، بل من الروم، ووالدهم اصهب به حمرة، وليست الصهبة من لون العرب. وقال لهم: ولذا أردتم الانتساب إلى العرب، فانتسبوا إلى "تغلب"، انهم شر جيل، وليس لكم غيرهم مذهب. ويبعث قول "حسان" هذا في "تغلب" على الظن بان أقواما من الغرباء دخلوا في تغلب، وصاروا منهم. ولعله قصد إن من تنصر، دخل في تغلب، حتى دخل فيهم من ليس من العرب بسبب نصرانيته، حتى دخل فيهم قوم أصلهم من الروم.
و عير ب "أولاد درزة م، ويراد بهم الغوغاء. وبنو درز: الخياطون و الحاكة، والعرب تقول للدعي: هو ابن درزة وابن ترني. وذلك إذا كان ابن أمة تساعي، فجامت به من المساعاة، ولا يعرف له أب، وقال: هؤلاء أولاد درزة وأولاد فرتني. للسفلة و السقاط.
والسب: الشتم، والسباب: الشتائم والمشاتمة. و أما "السبة" فالعار. و كانوا يتشاتمون جماعات و فرادى، و يعير بعضهم بعضا وقد يقذعون في السب، ولا سيما في الأمور إلى تتغلب فيها العواطف، على العقل.
ومن شتائم الجاهليين وسبابهم "عضضت بأير ابيك"، ويا ابن الزانية، ويا ابن الفاعلة، و "يا عاض اير أبيه، و "يا مصفر أسته"، و "يا ابن ملقى ارحل الركبان".
(1/2417)
و عيرت العرب بالبخل. و البخل هو على نقيض الكرم. وقد ذم بعض الجاهلين لبخلهم ولحرصهم الشديد على مالهم وعدم مساعدتهم للفقراء. و المحتاجين. وقد انتخبوا من بينهم رجلا زعم انه ابخل الناس في الجاهلية اسمه "مادر"، "بخل مادر" و "ابخل من مادر". وهو رجل من "بني هلال بن عامر". ذكر انه كان إذا أتى ماء روي وأروى، ملأه مدرا ضنا على غيره بوروده. وانه بلغ من بخله انه سقى ابيه، فبقي في الحوض ماء قليل، فسلح فيه ومدر الحوض بالسلح، أي لطخه. وورد في الأمثال: "ألأم من مادر".
وعيرت بالغدر. قال بشر: رضيعة صفح بالجباه ملمة لها بلق فوق الرؤوس مشهر
وصفح رجل من "بني كلب برت وبرة"، جاور قوما من "بني عامر"، فقتلوه غدرا. يقول غدرتكم ب "زيد بن ضباء الاسدي"، اخت غدرتكم بصفح الكلبي.
و عيرت من ينكر الصنيع الجميل و الفعل الحميد، فينسى احسان من احسن له. وعيرت من لا يفي، ولا سيما من أكل الخبز والملح، وهما من موجبات الوفاء، فقالوا: "ملحه على ركبتيه"، في عدم الوفاء.
وإذا سبت العرب أحد الموالي، قالت: يا ابن حمراء العجان، أي يا ابن الأمة. كلمة تقولها في السب والذم. والعرب تسمي الموالي: الحمراء. وكانوا يعيرون "الأتاوي"، و هو الغريب في غير موطنه، ولا يعدلون أحدا من الأتاويين باصحاب المحلات. قال الشاعر: لا تعدلن اتاويين قد نزلوا وسط الفلاة باصحاب المحلات
وقالت امرأة من الكفار، وهي تحرض الأوس والخزرج، حين نزل فيهم النبي: أطعتم أتاوي من غيركم ظلا من مراد ولا مذحج
أرادت إن تؤلب وتذكي العصبية.
وكانوا إذا أرادوا الاستهزاء برجل جاهل سفيه، قالوا له: هذا من اشد سباب العرب، أي إن يقول الرجل لصاحبه إذا استجهله يا حليم! أي أنت عند نفسك حليم وعند الناس سفيه.
(1/2418)
ويعير الإنسان بأبويه، أو بأحدهما، إذا كان بهما أو بأحدهما مثلبة ومنقصة يؤاخذ عليها، كان يكون ابن أمة أو ابن سبي بيع في السوق. وقد رأينا انهم كانوا يزدرون الهجين، ولا ينظرون إليه نظرتهم إلى إنسان صريح، كما كانوا يزدرون من أمه أو أبوه من أصحاب الحرف. و قد عير "النعمان بن المنذر" لأن أمه "سلمى" كانت ابنة قين، على زعم بعض الرواة. وكانوا إذا شتموا ابن امة، قالوا له: يا ابن آستها.
وقد كان للجاهليين أعراف في إهانات الناس، من مثل سب الشخص على ما ذكرت، وتحريض الأطفال على العبث بمن يريدون اهانته، ورميه بالحجارة والركض خلفه، وبأمثال ذلك، أو بتحريض السفهاء على التحرش بالشخص، أو تحريض النسوة بسبه، وبالإقذاع في كلامهم معه، وبما شاكل ذلك من وسائل دنيئة لا تنم على قدرة المحرض ولا على جرأة عنده، فيعمد إلى أمثال هذه الأمور.
و أما المقتدرون المتمكنون، فكانوا إذا أرادوا إهانة إنسان أهانوه بأسلوب يدل على قدرة المهين وتمكنه من مهانه وازدرائه، فكان أحدهم إذا تمكن من عدوه، عد إلى إهانته بنتف لحيته. و نتف اللحية من الإهانات الشديدة عند العرب، لأن اللحية من سيماء الرجولة، فإذا نتفت عد نتفها انتقاصا من شأن ذلك الرجل، وازدراء شديدا به.
وما يقال عن الإهانة التي توجه إلى الرجل بنتف لحيته، ينطبق كذلك على
"جز الناصية". فجز الناصية من وسائل التحقير والازدراء، و فيه دلالة على ازدراء من جز الناصية بمن جزت ناصيته، بعد إن تمكن منه. وقد كان في إمكانه استرقاقه، أو المن عليه بفك أسره، أو بفك رقبته بفدية، ولكنه لم يفعل كل ذلك، ولم يطمح في الفدية إمعانا في ازدراء خصمه بإفهام الناس إن ذلك الشخصر لا يساوي شيئا، وان المتمكن ارفع من إن يقبل فدية عن رجل وضيع خامل.
(1/2419)
وكانوا إذا ذكروا خصومهم، تمنوا لهم الشر والأذى، واستعملوا جملا فيها هذه المعاني. مثل: أخس الله حظه، وأبعده الله وقبحه، أو رضيع اللؤم، أو ابعد الله دار فلان، وأوقد نارا في أثره، وقد يذكرونهم بهزء وسخرية. ويكثر ذلك عند أهل القرار.
ومن معاني الشتم لفظة "لحى"، الي تعتي "شتم". يقال "لحى الله فلانا"، أي قبحه ولعنه. و "الملاحاة" المنازعة وفي المثل من لاحاك، فقد عاداك.
وكان من دعاء بعضهم على بعض قولهم: "حبنا و قدادا". والحبن الاستسقاء، والقداد، وجع في البطن.
وكان إذا دعا الرجل على صاحبه، يقول: قطع الله مطاك. فيقول الآخر: بسلا بسلا، أي آمين آمين. وكان يحلف الرجل ثم يقول بسل، أي: آمين. وكان "عمر" يقول في دعائه: آمين وبسلا، أي إيجابا و تحقيقا. وهي في معنى الويل، يقال: بسلا له أي ويلا له.
وكانوا إذا ما أرادوا التكنية عن الكذاب، قالوا: "أبو بنات عبر". و "بنات عبر" الكذب والباطل.
الخسة و الدناءة
والخسة والدنامة، والخسيس الدنيء والحقير. والدنيئة النقيصة. والسنية الخصلة المذمومة. وهي من المثالب التي تكون في الإنسان. فيزدرى من شأنه ومحتقر بين قومه. ومنها الحسد واللؤم وعدم احترام العرض. والعرب، تتنخى من الدنايا و تستنكف منها.
والحسد من الصفات السيئة التي كرهها العرب. وقد كان الحسد إذ ذاك كثيرا، بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية وانتشار الفقر. فكان الفقير يحسد غيره على ما عنده، مهما كان ما عنده قليلا، لأنه لا يملك حتى هذا القليل. وقد بحث "الجاحظ" في الحشد، ووضع رسالة فيه دعاها: كتاب فصل ما بين العداوة والحسد. والحسد عنه شيء مألوف يقع لكل طبقة ولكل إنسان. ومن أسبابه: حب الرياسة، ووجود النعمة، و أمور أخرى ذكرها و تحدث عنها. كما تكلم عن مظهر الحسد و أشكاله عند الجاهلين والإسلاميين، وقد جعله فوق العداوة، لأن العداوة تزول بزوال أسبابها، أما الحسد، فإنه دائم باق.
(1/2420)
و "الج بن"، من الصفات التي يعير "الجبان" بها. وهو الذي لا يحب القتال ولا يستعمل سيفه. ولما كانت الحياة عند للعرب حياة قتال صارت الشجاعة في الإنسان صفة من صفات التكريم والتعظيم والتقدير، عكس "الجبن"، وينظر الناس إلى "الجبان" نظرتهم إلى النساء، بل هو عندهم دونهن شأنا. لأن المرأة ولدت وفي طبعها اللين والاستسلام، أما الرجل فقد خلق للعراك والقتال، وقد حفظ أهل الأخبار قصصا عن الجبناء وعن، تحايلهم في سبيل تخليص أنفسهم من القتال ومن استعمال السيف. وقد اتهموا بتهم منها: انهم كانوا ينتابهم "الضراط" عند شعوبى هم بخوف و بأصوات السيوف. حتى، استخفت النساء بهم من أجل ذلك. قيل في المثل: أجبن من المنزوف ضرطا. ومن ذلك إن نسوة من العرب لم يكن لهن رجل، فتزوجت إحداهن رجلا كان ينام الصبحة، فإذا أتينه بصبوح، قلن قم فاصطبح، فيقول: لو نبهتني لعادية، فلما رأين ذلك. قال بعضهن لبعض: إن صاحبنا لشجاع، فتعالين حتى نجربه، فأتينه كما يأتينه، فأيقظنه. فقال: لو لعادية نبهتني. فقلن هذه نواصي الخيل. فجعل يقول: الخيل الخيل و يضرط ، حتى مات. إلى غير ذلك من قصص يروج الأخباريون.
الشرف و الخمول في قبائل العرب
(1/2421)
و القبائل كالأفراد والأسر، فيها النابه المذكور المهاب، وفيها الخامل الهزيل الضعيف الذي لا ينظر إليه نظرة تقدير وتبجيل. والقبيل الكثير الذرء والفرسان والحكماء و الأجواد والشعراء، و كثير السادات في العشائر، وكثير الرؤساء في الأرحاء، هو القبيل المقدر المعظم، ذو الشأن بين القبائل. وقد تقع أحداث وعوامل، تؤدي إلى خمول القبيل والى انفصام وحدته، و إلى طمع غيره فيه، فيهزل عندئذ ويخمل، ويأخذ مكانه من هو أقوى منه. وقد ذكر "الجاحظ"، إن القبيل الذرء و العدد، والذي لا يكون فيه خير كثير ولا شر كثير، يخمل و يدخل في غمار المرب، ويغرق في معظم الناس، وصار من المغمورين ومن المنسيين، وسلم من ضروب الهجاء ومن أكثر ذلك؛ و سلم من إن يضرب به المثل في قلة ونذالة إذا لم يكن شر، وكان محلهم من القلوب محل من لا يغيظ الشعراء، ولا يحسدهم الأكفاء... و إذا تقادم الميلاد ولم يكن الذرء وكان فيهم خير كثير وشر كثير، ومثالب ومناقب، لم يسلموا من إن يهجوا ويضرب بهم المثل... وقد يكون القوم حلولا مع بني أعمامهم، فإذا رأوا فضلهم عليهم حسدوهم، وان تركوا شيئا من أنصافهم اشتد ذلك عليهم، وتعاظموا بأكثر من قدره، فدعاهم ذلك إلى الخروج منهم إلى أعدائهم. فإذا صاروا إلى آخرين نهكوهم وحملوا عليهم، فوق الذي كانوا فيبه من بني أعمامهم، حتى يدعوهم ذلك إلى الندم على مفارقتهم، فلا يستطيعون الرجوع، حمية واتقاء، ومخافة إن يعودوا لهم إلى شيء مما كانوا عليه، و إلى المقام في حلفائهم الذين يرون من احتقارهم، ومن شدة الصولة عليهم".
(1/2422)
وقد ذكر "الجاحظ"، إن مما تبتلى به القبائل فيصيبها الخمول: الشعر و نبوغ الأقارب أو المنافسين. فالشعر عند العرب يرفع من قدر الناس ويحط من درجاتهم. فقد يقال بيت واحد يربطه الشاعر في قوم ليس لهم جاه، فيرفع من شأنهم، وفد يقال بيت واحد في قوم لهم النباهة والعدد والفعال، فيغض من مكانتهم، ويكون سبة لهم. ولأمر ما بكت العرب بالدموع الغزار من وقع الهجاء، كما بكى مخارق بن شهاب، وكما بكى علقمة بن علاثة، وكما بكى عبد الله بن جدعان، والبلية الأخرى: إن يكون القبيل متقادم الميلاد، قليل الذرء قليل السيادة، وتهيأ إن يصير في ولد أخوتهم الشرف الكامل والعدد التام، فيستبين لمكانهم منهم من قلتهم وضعفهم لكل من رآهم أو سمع بهم، أضعاف الذي هم عليه لو لم يكونوا ابتلوا بشرف أخوتهم.
و من شؤم الأخوة إن شرفهم ضعة إخوتهم، ومن يمن الأولاد إن شرفهم شرف من قبلهم من آبائهم ومن بعدهم من أولادهم. ولذلك كانت القبائل تفخر بنبوغ الشعراء بها، لأنهم لسانها الذاب عنها، وسيفها المصلت على رقاب الأعداء. وتتباهى بما يقوم به ساداتها من فعال حميدة وأعمال مجيدة ترفع رأس أبناء القبيلة بين الناس.
ولأهمية الشعراء عند الجاهليين، قال بعض العلماء: كلاب الحي شعراؤهم، وهم الذين ينبحون دونهم، ويحمون أعراضهم. وفي هذا المعنى جاء قول عمرو بن كلثوم: وقد هرت كلاب الحي منا و شذبنا قتادة من يلينا
الإسلام والجاهلية
(1/2423)
وقد أبطل الإسلام كل سمة من سمات الجاهلية وعلامة من العلامات التي كانت تعد من صميم حياة الجاهليين. وفي جملتها المثل الأعرابية والحياة البدوية، فاعتبر الأعرابية بعد الإسلام ردة ر ونهى عن الهجرة من المدن إلى البوادي، فكان الأعرابي إذا دخل في الإسلام، لزم الحضارة، وكلف بواجب الجهاد في سبيل نشر الإسلام، لما في التبدي والأعرابية من ابتعاد عن الجماعة وترك للواجب الملقى على المواطن في الدفاع عن الإسلام وفي العمل على إنهاض المجتمع والإنتاج. في سبيل الخير العام. لذلك لام الناس "أبا ذر الغفاري"، حين لجأ إلى "الربذة" فأقام، بها وتعزب بذلك عن الجماعة.
وفي جملة ما حاربه الإسلام من أمور الجاهلية الأصنام والأوثان، فطمست وأزيلت معالمها، بل غير أمورا أقل منها شأنا وخطبا، مثل: خضرمة النوق. وكان أهل الجاهلية يخضرمون نعمهم، فل جاء الإسلام أمروا إن يخضرموا من غير الموضع الذي تخضرم منه أهل الجاهلية. وذلك منعا من التشبه بالجاهليين، و إبعادا للمسلمين عن تذكر أيام ما قبل الإسلام. ونهى عن تسنيم القبور وعن لبس بعض الملابس، وعن أمور أخرى، لأنها كانت من صميم أعمال الجاهليين.
وحارب الإسلام، للعصبية التي كانت من أهم سمات الجاهلية، و التي بقيت مع ذلك كامنة في نفوس الناس. عصبية القبائل وعصبية القرى والمواضع. من ذلك ما كان بين يمن و أهل مكة من نزاع، تحول إلى نزاع قحطان وعدنان. فعير أهل مكة اليمن بأنهم قيون، و أجابهم أهل اليمن بكلام غليظ شديد. هذا "أمية بن خلف" يهجو حسان بن ثابت بقوله: أليس أبوك فينا كان قينا لدى القينات، فسلا في الحفاظ
يمانيا يظل يشد كيرا وينفخ دائبا لهب الشواظ
وهذا "حسان" يجيبه ويرد عليه في شعر مطلعه: أتاني عن أمية زور قول وما هو في المغيب بذي حفاظ
(1/2424)
وطالما ظهرت هذه العصبية في أيام الرسول، بتنازع الأنصار وقريش وتفاخرهم بعضهم على بعض. وذكر إن في جملة أسباب تحريم الخمر، إن رجلا من الأنصار صنع طعاما، فدعا جمعا من الأنصار وقريش، وشربوا الخمر حتى انتشوا، فتفاخرت الأنصار وقريش، فقالت الأنصار: نحن أفضل منكم. وقالت قريش نحن أفضل منكم، و تخاصموا، فبلغ ذلك الرسول، فنزل الأمر بتحريم الخمر.
وفي جملة ما نهى الإسلام عنه "دعوى الجاهلية" من التفاخر بالأحساب والأنساب والتباهي بالمال والبنين والأموات، و تحريم بعض الطعام والشراب والعادات الاجتماعية والأوضاع الاقتصادية على نحو ما رأينا فيما تقدم، وما سنراه فيما بعد.
قد ترك المسلمون أمورا كثيرة أخرى مما كان مستعملا في الجاهلية، فمن ذلك تسميتهم للخراج إتاوة، و كقولهم للرشوة ولما يأخذه السلطان: الحملان والمكس. و كما تركوا: أنعم صباحا، وأنعم ظلاما، وصاروا، يقولون: كيف أصبحتم? وكيف أمسيتم? كما تركوا إن يقولوا للملك أو السيد المطاع: أبيت اللعن، وتركوا إن يقول العبد لسيده: ربي وان تقول حاشية الملك و السيد للملك وللسيد: ربنا. وكما تركوا إن يقولوا لقوام الملوك السدنة، وقالوا: الحجبة. كما تركوا أشياء أخرى مثل المرباع والنشيطة و الصفايا، إلى غير ذلك، مما كان مستعملا في الجاهلية. فكره لذلك استعماله في الإسلام.
الفصل الثامن و الأربعون
الحياة اليومية
(1/2425)
لا نستطيع إن نتصور وجود حياة يومية صاخبة أو متغيرة عند أهل الوبر، فحياة البادية في غاية البساطة ساذجة إلى أقصى حد من السذاجة. تذهب وتأتي على وتيرة واحدة ونمط واحد. فليس للرجل في البادية من عمل سوى رعي الإبل والإشراف عليها. وهو عمل لا يستوجب مجهودا ولا يتطلب بذل طاقة، لذلك يعهد به إلى الأحداث في الغالب، أما الرجال، فليس لهم عمل مهم يذكر. لذلك يقضون معظم وقتهم جلوسا بغير عمل، أو في التحدث بعضهم إلى بعض. وحياة على هذا النحو تجعل الإنسان على الكسل والخمول. فصار الأعرابي خاملا كسولا على صحة جسمه وتوقد ذهنه وذكائه. يحسن الكلام و يجيد تنميق الحديث ويتلاعب في كلامه وفي أيجاد معان وحيل ومخارج له، ويسترسل في الخيال وفي التصور وفي شعوره الذي سبكه وصاغه في كلام موزون منظوم مقفى، وفي كلام مسترسل غير مقفى، وفي كل حرفة لسانية، أو تعبير عن شعور ذاتي صاحب والبطولة وما شاكل ذلك مما لا يحتاج إلى مجهود و عمل. أما النواحي العملية من الحياة، من نواحي التي تحتاج إلى جهد وعمل، فقد ترك أمرها لغيره، بل ازدراها وازدرى شأن من يعمل بها، واحتقر الحرف والصناعات، لأنها من عمل الأعاجم والعبيد. ورأى إن من العار إن يصاهر أهل الصناعات والحرف والزراعة، لأنهم دونه في المنزلة بكثير. وهو غير ملوم على نظرته هذه إلى العمل البدوي المجهد، فالإنسان عدو ما جهل معظم لما يكون عنده؛ كاره لما لا يملكه ويكون عند غيره. فقد حرمته الطبيعة من كل ما يحمله على بذل الجهد للاشتغال في صناعة أو حرفة أو زراعة، ولم تهيئ له البذور والمواد اللازمة لاقامتها، لذلك جهلها فحاربها وازدراها وازدرى شأن من يشتغل بها. كما سأتحدث عن ذلك في المواضع المناسبة لهذا البحث.
(1/2426)
والبادية ارضون واسعة شاسعة جرداء في اغلب أيام السنة، خلا مواسم نزول الغيث وهي قليلة، وقد تنحبس. إذا أمطرت السماء ظهر "الربيع"، فتفرح الأرض وتكسى بخضرة تتخلها أوراد وأزهار وشقائق، ويضحك عندئذ وجهها، بعد يبوس و عبوس، ضحكا يفهم الإنسان الحضري عندئذ سر تعلق الأعرابي بباديته. ففي البادية على ما فيها من شقاء وجفاف و يبوسة؛ سحر ينسي الإنسان صعوبة الحياة، وحلاوة تنسيه مرارة الأيام القاسية التي يعيشها البدوي في باديته. بعيدا عن الحضر وعن المجتمع المتكثف في مستوطنة أو قرية أو مدينة، بل بعيدا حتى عن أبناء عشيرته فمن طبيعة الصحراء إن قلبها لا يتقبل المجتمعات الكبيرة، بل يفضل المجتمعات الصغيرة المتناثرة. فصارت البيوت فيها متباعدة منتشرة هنا وهناك انتشار النجوم في السماء. كل بيت مسؤول عن حماية نفسه وعن وقاية أفراده من أذى الإنسان والحيوان، وعن حماية جاره وذوي رحمه وأبناء عشيرته. لأنه إن لم يفعل ذلك، لم بجد من يدافع عنه أيام الشدة والعناء، حتى صار الجار عنده بمنزلة الأهل والدار.
وحياة من هذا النوع هي حياة لا بد وأن تصير بسيطة جدا ساذجة إلى أقصى حدود السذاجة. أحاديثها اليومية تكرار واعادة، و أحاسيسها نسخة لأحاسيس اليوم الماضي و الأيام السابقة. وافق التفكير فيها محدود ضيق إذ لا مجال فيها للفكر إن يتفتق وأن يتفتح ويتوسع. ومن هنا طبعت الحياة العقلية والاجتماعية بطابع الفطرة والبساطة. وهي لا يمكن إلا إن تكون كذلك. وكيف تريد منها إن تكون غير ذلك، ومحيطها وظروفها هي على هذا النحو من الحدود والقيود!
(1/2427)
وفي وسع الرجل بفضل ما أوتي من قوة ومن يسطة في الجسم، قطع المسافات لزيارة الأقارب والجيران، لقتل الوقت بالكلام معهم، أو للتحدث عن غزو سابق أو عن شؤون سيد القبيلة أو عن أشراف العشيرة أو للخروج إلى صيد لاصطياد ما قد بحده من حيوان مسكين، حتم عليه سوء طالعه إن يولد في هذه الأرض الفقرة، فهو مثل الإنسان تائه بهذه الحياة في هذه البادية الواسعة المكشوفة الشحيحة، يشكو إلى خالقه من ظلم طبيعة أنبتته في هذه الأرض الفقيرة، على حين زرعت غيره في غابات كثيفة ذات ظروف حياتية غنية، فيها من المأكول أشكال و ألون. يينما هو لا يكاد يجد أمامه شيئا، حتى إذا اشتد عوده. واستوى، وقع في قبضة أناس جائعين، لا يقل جوعهم عن جوعه، فلا يخرج من قبضتهم أبدا. يتلذذون في أكله شواء، ويتحدثون عن صيدهم ويفتخرون به. وقد يكون الصيد ظبيا أو ضبا أو يربوعا. ويفخرون بصيدهم لأنهم محرومون من اللحم، وكل ما تقع عليه عين المحروم من الأكل، هو أكل لذيذ دسم في نطر المحروم.
(1/2428)
أما الأطفال فهم أطفال أينما وجدوا. لا يعرفون من أسرار الحياة وعنائها وشقائها شيئا. همهم اللعب، يلعب الذكور مع الإناث، الأخوة مع الأخوات، فهم أطفال البيوت. وقد يلعب معهم أطفال جيرانهم، إذا كانت البيوت متقاربة. يلعبون ألعابا، هي من نتاج طبيعة أرضهم و محيطهم. لا يعبأون بحر ولا برد، ولا بريح أو بأشعة شمس محرقة وما الذي يفعلونه تجاه طبيعة قوية قهارة لم. تعطهم إمكانيات بناء بيوت من مدر يأوون إليها لحماية أنفسهم من أشعة الشمس لهم على الأقل. و إنما مكنت آباءهم من صنع بيوت من وبر أو صوف أو شعر معز قد تقيهم من الأشعة بعض الوقاية، بأن تمنحهم شيئا من ظل. ولكنها عاجزة عن حمايتهم من البرد ومن الحر ومن الغيث إذا نزل عليهم مدرارا. لا سيما إذا طال عهد هذه البيوت ولعب بها العمر، وصارت مهلهة بالية، ذات جيوب وشقوق كالغراببل، تعبث بها الرياح ساخرة من جهل هذا الإنسان القانع الراضي بحياته هذه على ما فيها من شظف وعسر و فقر، بينما هناك مجال واسع له لتحسين حاله، لو حرك نفسه واستخدم عقله وذراعه لتسخير الطبيعة في خدمته، لتحسين وضعه والترفيه عن نفسه ولو إلى حد.
الرجل
(1/2429)
والرجل بحكم تفوق بنيته على بنية المرأة، وبفضل قوة عضلاته ومقاومته للطبيعة و للأخطار سيد الأسرة و "رب العائلة" و "بعل المراة"، أي سيدها. منح نفسه حقوقا لم يعطها للنساء. وبنى مفاهيم العدل والحق على أساس إن العدل هو القوة، فاغتصب حق المرأة و البنت والولد والرجل العاجز لقوته ولأنه مقاتل، أما غيره من المذكورين فعاجز عن القتال، فحرمهم من الحقوق. ومنها حقوق الإرث، وأباح لنفسه حق الاستمتاع بملاذ الحياة، وفي جملتها الاستمتاع بالنساء وبالخمور وببقية الأطايب. فله إن يتزوج ما يتمكن من النساء، وجعل بيده حق الطلاق، وجوز لنفسه الاتصال بأية امرأة شاء وان كان متزوجا، وله إن يتسرى ما يشاء، وله غير ذلك من امتيازات وحقوق، بسبب قوته وتفوقه على الجنس الآخر وعلى المستضعفين من المخلوقات، لأن الحق للمخلوق القوي، ولا حق عند القوي لإنسان ضعيف.
اللحية
(1/2430)
ومن الرجولة الشجاعة والأقدام وعدم المبالاة والمحافظة على مقومات الرجل وما منحته الطبيعة إياه من ملامح ميزته عن المرأة، وأهمها: اللحى. فاللحية عند العرب رمز الرجولة وزينتها وسيماء تكريم الرجل وتقديره. وإهانة اللحية عند العرب وعند الساميين هي من اعظم الإهانات التي لا تغتفر، وتقبيلها عندهم من علامات التقدير والاحترام والاجلال. ويعد نتف اللحية أو جزها أو حلقها إهانة كبيرة تنزل بصاحبها. يفعلها من يريد الازدراء بشأن الملتحي، ويعد عدم الاكتراث بتسوية اللحية من سيماء الحزن أو الغيظ أو المرض أو الارتباك وتضعضع الحال. وفي في التوراة إن في جملة الإهانات التي تلحق بالناس حلق أنصاف لحاهم. ويقسم باللحية، ويعد القسم بها من الإيمان المغلظة. يمسك بها الحالف بيده اليمنى فيحلف في انه لا يكذب أو انه سيفعل، أو-ما شابه ذلك. ولكن العادة إن الحلف بها يكون بإمساكها باليد، وإذا مد غريب يده على لحية رجل اكبر منه في المنزلة وللدرجة وأقسم بها أو استجار بها، وجب على صاحبها الأخذ بقسمه والاهتمام بأمره ومساعدته. وقد يمسك غريب محتاج أو مطارد بلحية سيد قبيلة أو شريف قوم، ويبين له انه في حماه ومنعته، وعلى الرجل بذل الحماية والمنعة له.
والعربي يكرم لحيته، ولا يحلقها، وتكون لحيته مدببة في الغالب على نمط اللحى الفرنسية. ويصرف بعض الوقت لإصلاحها حتى لا تكون متناثرة بشعة، وقد يعير الإنسان بلحيته، فيقال: له لحية تيس. وتنسب عادة إكرام اللحى إلى سنن إبراهيم. وقد تكون اللحية كثة كبيرة منتظمة. ويقال للرجل ذي اللحية الطويلة: "اللحياني" و "رجل لحيان".
(1/2431)
ويحلف العربي بشاربه، فإذا أراد إعطاء عهد أو جوار أو أي عهد آخر واقسم بشاربه، وجب عليه الوفاء بعهده. ومن عادة العرب تخيف الشارب، وقد تحف وتنسب هذه العادة إلى سنن إبراهيم، ومن السنن الأخرى تقليم الأظافر وحلق العانة. وذكر إن الرسول كان يقصى شاربه وأنه قال: قصوا الشوارب وأرخوا اللحى وخالفوا المجوس. وورد انه قال: "خالفوا المشركين ووفرو اللحى وأحفوا الشوارب".
ويعد قص الشارب من "الفطرة". وهي عشرة أو خمسة أمور. يذكرون إنها من سنن "إبراهيم ومن "تبعه من العرب. وفي جملتها الختان.
ويذكر العلماء إن الله ابتلى "إبراهيم" بسنن الفطرة، وهي التي ذكرت في للقرآن في قوله تعالى: )وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن"، وهي الكلمات العشر: خمس في الرأس، وخمس في الجسد. فأما التي في الرأس فالمضمضة والاستنشاق وقص الشارب والفرق والسواك. وأما التي في الجسد فالاستنجاء وتقليم الأظافر ونتف الإبظ وحلق العانة والختان. فلما جاء. الإسلام، قررها سنة من السنن.
(1/2432)
والعرب من أصحاب الشعور السوداء. وهم مثل غيرهم يفاخرون بشعر رئسهم، ويتركونه ينمو ولا يحلقونه على نهو ما كان يفعل اليهود والمصريون. وكانوا يدهنونه؛ ويمشطونه بالمشط، ويتركونه يتدلى على المنكبين. وقد يضفرونه ضفائر. ومنهم من يضفره ضفيرتين يجعلهما تتدليان على جانبي الوجه. وذكر إن العرب تسمي الخصلة من الشعر أو الضفيرة قرنا. ولهذا عرف "المنذر ابن ماء السماء" جد "النعمان بق المنذر" ب "ذي القرنين" لضفيرتين كانتا في قرني رأسه. والعرب تكني عن العربي بالجعد وعن العجمي بالسبط. والجعد من الشعر خلاف السبط، أو هو القصير منه. وهم يعن بذلك إن سبوطه الشعر هي الغالبة على شعور العجم من الروم والفرس، وجعودة الشعر هي الغالبة. علي شعور العرب. وكانوا إذا. قالوا رجلا جدا عنوا رجلا كريما، كناية عن كونه عربيا سخيا، لأن العرب موصوفون بالجعودة. وقد يقصدون بذلك رجلا بخيلا لئيما، فهو من الأضداد. وذكر إن العرب تقول: رجلا جعدا، إذا كان قصيرا متردد الخلق. وإذا قالت جعد السبوطة، فإنها تريد بذلك المدح، إلا لن يكون مفلفلا كشعر الزنج والنوبة، فهو حينئذ ذم
وكان الرسول يسدل شعره، ثم فرقه. والفرق إن بجعل شعره فرقتين كل فرقة ذؤابة. والسدل إن يسدله من ورائه ولا يجعله فرقتين. وذكر انه كان يضفره غدائر، والغدائر الضفائر،. وكان إذا طال شعره جعله غدائر أربعا. وكان يكثر دهن رأسه ولحيته ويكثر القناع كأن ثوبه ثوب زيات. وكان يحب لترجل، وكان يرجل نفسه تارة وترجله عائشة تارة. وترجيل الشعر تسريحه. وقد تقوم به المرأة. ويكون دلك بالمشط. قال امرىء القيس: كأن دماء الهاديات بنحره عصارة حناء بشيب مرجل
(1/2433)
والعرب عادات بالنسبة إلى شعرهم. فهم إذا غضبوا وأرادوا الأخذ بالثأر، لم يغسلوا شعورهم وتركوا تدهينها حتى يأخذوا بثأرهم. كالذي رووه من قصة امرىء القيس، حينما جاءه خبر مقتل والده. وهم إذا أرادوا إذلال رجل وأهانته كإذلال سيد قبيلة أو شريف قوم سقط أسيرا، وأرادوا الإمعان في إذلاله جزوا ناصيته وتركوه يذهب فذلك عندهم شر إذلال. والناصية مقدم الرأس.
ويستوي الرجل والمرأة في دهن شعر الرأس. ولا زال الأعراب يدهنون شعورهم على الطريقة القديمة. ويستعمل أغنياؤهم الدهون الجيدة المستوردة من الخارج. مثل "الزيت" المطيب بالعطور وبأنواع الطيب، يدهنون به شعورهم ولحاهم في أيام الأفراح بصورة خاصة وفي الأعياد. وكان الرومان واليونان يدهنون الجسم كله بالزيت. ويعد دهن شعر الرأس من علامات الفرح والسرور، وتركه من علامات الغم والحزن. وقد كان الصحابة يطلون شعر رأسهم ولحيتهم بالدهن ليزيلوا شعث رؤوسهم ولحاهم به.
ويضفر شعر الأولاد والبنات ضفائر، تتدلى على جاني الوجه ومؤخرة الرأس. وأما الرجال، فكان منهم من يضفر شعر رأسه ضفيرتين يتركهما تتدليان على جاني وجهه، ومنهم من يضفره جملة ضفائر، قد تبلغ سبعا. وعادة ضفر شعر الرأس سبع ضفائر عابرة معروفة عند غير العرب أيضا. وكان شعر "شمشون" المشهور مضفورا في سبع خصل. ولا زال الأعراب يضفرون شعورهم. ويقال للضفيرة "الذؤابة". والذؤابتان اللتان تسقطان على الصدر. ويقال لهما "غديرتان". وكل عقيصة غديرة: قال امرؤ القيس: غدائره مستشزرات إلى العلى تضل العقاصي في مثنى ومرسل
ولما قدم "ضام بن ثعلبة" من "بني سعد" على الرسول، كان رجلا جلدا أشعر ذا غديرتين. فلما ولى قال رسول الله: إن صدق ذو العقيصتين. ويقال لهما "القرنين" كذلك. والعرب تسمي الخصلة من الشعر القرن. والقرن الذؤابة عامة. ومنه: الروم ذات القرون، لطول ذوائبهم.
(1/2434)
وهم مثل غيرهم من الناس يعتبرون.الشعر الأشيب إكليل مجد الشيخ، والشعر الأبيض رمزا الحكمة والجلالة. وذلك بسبب إن تقدم العمر بالإنسان يكسبه خبرة وحكمة، لما يراه في حياته من تجارب وعظات. لذلك أقاموا للسن وزنا كبيرا في أخذ الرأي وفي التقدم في الدخول وفي الجلوس في المجالس.
ولم يكن شيوخ الجاهلية وشيبها أقل عناية بمظهرهم وبمرآهم من شيوخ هذا اليوم وشيبه، فحاولوا ما قدروا إخفاء شيبهم واطفاء لعب الزمان بشعرهم وبأوجههم بمختلف الوسائل والسبل، ومنها إخفاء الشيب بصبغه وباستعمال الخضاب، وبعضه أسود، كما خضبوا بالعظلم وبالحناء. وصبغوا لحاهم. ولم يهملوا العيون، فاكتحلوا لتظهر براقة مؤثرة. ولا تزال "الوسمة"، وهي خضاب أسود معروف، ويستعملها بعضن الناس اليوم.
وذكر بعض علماء اللغة إن الخضاب، اخفاء الشيب بالحناء.، وإذا كان بغير الحناء قيل: صبغ شعره، ولا يقال. خضبه. وذكر آخر إن أول من خضب بالسواد من العرب "عبد المطلب". وقد تعلمه من أهل اليمن. إذ كان قد زارهم فوجد شيبهم يخضبون شعورهم بالسواد، فأعطوه خضاب، فجاء إلى مكة، وعنه شاع الخضاب بين أهلها.
وقد استعملوا الزعفران في صبغ لحاهم وشعورهم. واستعملوا لون الزعفران في صبغ ثيابهم أيضا. وذلك لغلاء ثمن "الزعفران" الطبيعي. كما استعمل "العصفر" في الصبغ، وهو من نبات ينبت في جزيرة العرب، إذا صبغ الثوب به قيل: عصفر الثوب به. كما استعملوا "الكتم" في تخصيب الشعر. وهو نبت يخلط بالحناء ويخضب بالشعر فيبقى لونه. وقد أشار إليه "أمية بن أبي الصلت" بقوله: وسودت شمسهم إذا طلعت بالجلب هفا كأنه كتم
والمكتومة: دهن من أدهان العرب أحمر، يجعل فيه الزعفران أو الكتم. وطبخوا الكم بالماء واستخرجوا منه مدادا الكتابة.
(1/2435)
ويكون الخضاب بالحناء، كما يكون بالحناء والكتم، كما ذكرت، وقد يكون بالحناء والوسمة. وتجعل الوسمة الشعر أسود فاحما. وكل هذه من النباتات التي تنبت في الحجاز وفي اليمن وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب. وقد استعملوا "السواد" ويكون بالوسمة في الغالب لتسويد شعر الجارية والمرأة الكبيرة والشيخ للغش والتدليس، حتى إذا جاء سيد لشراء جارية ظن أن شعرها على هذه الصورة من السواد، أو جاء رجل يطلب المرأة الكبيرة ظن أنها أصغر من عمرها، أو عرض الرجل الشيخ نفسه الزواج، ظهر أصغر من عمره. ونظرا إلى ما في هذا العمل من غش نهي عنه في الإسلام.
وخوفا من أن يقملوا لبدوا شعر رؤوسهم بالخطمي والصبغ. وقد عرف من يفعل ذلك ب "الملبد". وقيل: إن "الملبد " المحرم، الذي لبد شعره حتى لا يقمل، إذا دخله الغبار بعد العرق. وقد كان القمل قد عشش في آباط كثير من الناس، لا سيما الفقراء والأعراب منهم. وفي شعر رؤوسهم وفي المواضع المشعرة من أجسامهم، نظرا لسوء وضعهم من الناحية الاقتصادية وفقرهم: وعدم تمكنهم من غسل أجسامهم. وقد أشير إلى القمل والتلبيد في الشعر. ذكر أن القمل كان يتهافت من رأس "كعب بن عجوة بن عدي" على وجهه، وكان محرما، فرآه الرسول، فأمره أن يحلق رأسه وأن يطعم فرقا بين ستة مساكين.
وذكر أن التلبيد، أن يأخذ شيئا من خطمى وآس وسدر، وشيئا من صمغ، فيجعله في أصول شعره وعلى رأسه، كي يتلبد شعره ولا يعرق ويدخله الغبار، فيخم ويقمل.
وتطيب الرجال بالطيب، ودهنوا شعورهم بالدهن المطيب. وكانوا يتطيبون إذا ذهبوا إلى زيارة بيت، وفي المجتمعات العامة كالمواسم والأفراح. وللرجال طيب يختلف عن طيب النساء.
وقد يرقن الرجل كما ترقن المرأة بالحناء وبالزعفران. يقال: أرقن الرجل لحيته ورقنها، أي خضبها بالحناء وبالزعفران. قال الشاعر: ومسمعة إذا ما شئت غنت مضمخة الترائب بالرقان
والرقان والرقون الحناء والزعفران.
(1/2436)
ويكثر العرب من حمل "العصا" معهم. إذ هي ضرورة بالنسبة لحياتهم. يستعينون بها في طرد الكلاب عنهم، ورد الحيوانات المتوحشة التي قد تصادفهم، كما يستعملونها في ضرب إبلهم حتى تطيع أوامرهم. حتى أنهم جعلوا العصا رمزا لأمور عديدة. منها الطاعة والجماعة. ومنها "شق العصا" بمعنى مخالفة الجماعة. والعصا الجماعة. ومنها "القى المسافر عصاه"، أي بلغ موضعه وأقام. وضرب مثلا لكل من وافقه شيء فأقام عليه. ومنها "هو لين العصا"، أي رقيق لين حسن السياسة، و "هو ضعيف العصا"، أي قليل ضرب الإبل. و "إن العصا من العصية"، يقال ذلك إذا شبه بأبيه، أي: إن بعض الأمر من بعض.
كما حملوا القضب، وهي من علائم السلطة والقوة والحكم والنفوذ عندهم. وقد ورد في خبر أرسال رسول الله "عباس بن أبي ربيعة المخزومي" إلى "الحارث" و "مسروح" و "نعيم" بني عبد كلال من حمير، انهم كانوا يحملون قضبا معهم. وهي من الأثل:. قضيب ملمع ببياض وصفرة وقضيب ذو غجر وكأنه خيزران، وقضيب أسود بهم كأنه من ساسم. وكان أحدهم إذا جلس وفكر في أمره، أو أراد الإجابة على سؤال يحتاج إلى عمل روية نكسث الأرض بالقضيب الذي يحمله بيده.
المرأة
والمرأة في المحيط البدوي أنشط وأكثر عملا من الرجل؛ فعليها تهيأة الطعام وحلب النياق وغسل الملابس وغزال الصوف والوبر، والعناية بالأطفال وتحضر مادة الوقود، إلى غير ذلك من أعمال لا يقوم بها الرجل، لأنها من عمل المرأة، ولا يليق بالرجل القيام بها.
(1/2437)
ولم نقرأ في كتب أهل الأخبار ما يفيد سيادة النساء على القبائل، في الجاهلية القريبة من الإسلام. ولم نقرأ في المسند ما يفيد بوجود ملكات حكمن اليمن. بينما قرأنا في الكتابات الآشورية وجود ملكات عربيات حكمن قبائل. عربية، كانت تنزل البوادي من بادية الشام. ووقفنا أيضا على حكم الملكة "الزباء". لتدمر وذلك بعد الميلاد. ولكننا نقرأ في أخبار أهل الأخبار أخبار كاهنات، كانت لهن مراكز خطيرة عند القبائل. وكذلك أخبار حاكمات. حكمن فيما بين الناس في الخصومات. وقد كان منهن من يقرأ ويكتب كما سترى فيما بعد.
وللمرأة الشريفة ذات السؤدد حط في المجتمع لا يدانيه حظ المرأة الحرة الفقيرة. فسؤددها حماية لها ودرع يصونها من الغض من منزلتها ومكانتها. وأسرتها قوة لها، تمنع زوجها من إذلالها أو إلحاق أي أذى بها، وهي نفسها فخورة على غيرها لأنها من الأسر الكريمة. والعادة بالطبع أن الأسر الكريمة لا تزوج بناتها الا من أسر كريمة موازية لها في المنزلة والشرف. من ذلك قولهم: "استنكح العقائل، إذا نكح النجيبات".
حال المرأة في الجاهلية
وقد اختلف حال المرأة في الجاهلية عن حالها في الإسلام، بسبب تغير الأحوال وتبدل الظروف. "فلم يكن بين رجال العرب ونسائها حجاب، ولا كانوا يرضون مع سقوط الحجاب بنظرة الفلتة ولا لحظة الخلسة، دون أن يجتمعوا على الحديث والمسامرة، ويزدوجوا في المناسمة والمثافنة، ويسمى المولع بذلك من الرجال الزير، المشتق من الزيارة. وكل ذلك، بأعين الأولياء وحضور الأزواج، لا ينكرون ما ليس بمنكر إذا أمنوا المكر". "فلم يزل الرجال يتحدثون مع النساء، في الجاهلية والإسلام، حتى ضرب الحجاب على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة". "ثم كانت الشرائف من النساء يقعدن الرجال للحديث، ولم يكن النظر من بعضهم إلى بعض عارا في الجاهلية، ولا حراما في الإسلام".
(1/2438)
وما نراه اليوم من، اعتكاف النساء في بيوتهن ومن عدم اختلاطهن بالرجال ومن التشدد في الحجاب وأمثال ذلك، هو بين أهل الحضر خاصة. وقد كان هذا التحفظ معروفا نوعا ما عند أهل الحواضر والقرى في الجاهلية، إلا أن التزمت والنشدد في وجوب ابتعاد الرجل عن المرأة وانفصالهما بعضهما عن بعض إنما نشأ في الإسلام، بسبب تغير الظروف واختلاط العرب بالأعاجم، وظهور حالات جعلت العوائل الكبيرة تحرص على حصر المرأة في بيتها. أما في البادية فإن المرأة لا تزال تشارك الرجل في أعماله وتجالسه وتكلمه ولو كان غريبا عنا، لأن محيط البادية محيط بعيد عن مواطن الريبة والشبهات، وينشأ البنات والأولاد فيه سوية، ويلعبون سوية ويشبون سوية، ولذلك لم تنشأ عندهم القيود والحدود التي تفصل بين المرأة والرجل. وقد كان حال المرأة الأعرابية على هذه. الحال في الجاهلية.
وقد عرفت المرأة بالكيد بين الجاهليين. ونظروا إليها نظرتهم إلى للشيطان، وليست هذه النظرة العربية إلى المرأة هي نظرة خاصة بالجاهلين، بل هي نظرة عامة نجدها عند غيرهم أيضا. بل هي وجهة نظر الرجل بالنسبة للمرأة في كل العالم في ذلك الوقت. وهي نظرة نجدها عند الحضر بدرجة خاصة، لما لمحيط الحضر من خصائص التجمع والتكتل، والتصاق البيوت بعضها ببعض، ولما لهم من حياة اجتماعية واقتصادية وسياسية، وقد تجر المرأة على دس انقها، والاتصال بالغرباء، فنشأ من ثم هذا الرأي بين أهل الحضر أكثر من الأعراب.
وعرفت المرأة عندهم بالمكر والخديعة. إذ كان في وسعها استدراج الرجل والمكر به. وهم يتمثلون بمكر "الزباء".. واستدراجها "جذيمة الأبرش" إليها، ثم فتكها به. على نحو ما ورد من قصص عنها في كتب أهل الأخبار. غير انهم يروون في الوقت نفسه قصة "قصير" معها، وكيف تمكن من الأخذ بثأره منها، في حيلة ومكر ومكيدة، حتى فتك بها في قصة من قصص المكر والخديعة، ضرب بها المثل. و عدت المرأة كالحية في المكر.
(1/2439)
ونظر الرجل إلى رأي المرأة على إن فيه وهنا وضعفا وانه دون رأيه بكثير، وتصور إن مقاييس الحكم عندها، دون مقاييسه في الدقة والضبط، وهذا رأى العرب إن من الحمق الأخذ. برأي المرأة. فكانوا إذا أرادوا ضرب المثل بضعف رأي وخطله قالوا عنه: "رأي النساء" و "رأي نساء" وقالوا: شاوروهن وخالفوهن، لما عرف عن المرأة من تأثر بأحكام العاطفة عندها. حتى ذهب البعض إلى عدم وجود رأي للمرأة، وهذا قالوا: يقال الرجل "الفند" إذا خرف وخف عقله لهرم أو مرض، وقد يستعمل في غير الكبر وأصله في الكبر. ولا يقال "عجوز مفندة، لأنها لم تكن في شبيبتها ذات رأي أبدا فتفند في كبرها. وفي الكشاف: ولذا لم يقل للمرأة مفندة لأنها لا رأي لها حتى يضعف قال شيخنا: ولا وجه لقول السمن انه غريب، فإنه منقول عن أهل اللغة. ثم قال: ولعل وجهه إن لها عقلا وإن كان ناقصا يشتد نقصه بكبر السن".
ويكني العرب عن المرأة ه ب "الدمية". والدمية الصنم. وقيل: الصورة المنقشة: العاج ونحوه وقيل هي الصورة. وقول الشاعر: والبيض يرفلن في الدمى والريط والمذهب المصون
يعني ثيابا فيها تصاوير.
ويقال المرأة البذيئة القليلة الحياء "العنفص". وقال بعض علماء اللغة إنها المرأة القليلة الجسم الكثيرة الحركة. أو، الداعرة الخبيثة. وقبل هي القصيرة المختالة المعجبة. أو المرأة الكثيرة الكلام، وهي المنتنة الريح. وقد ذمت المرأة "النمامة"، والبذيئة التي تشتم الناس وتنطق بالبذاء. والسليطة اللسان التي تتطاول على الناس، ولا تبالي أحدا. وقد كان بعض الناس محرضون أمثال هؤلاء النسوة لإهانة كرام الناس والتحرش بهم، لما يعرفونه من إن في طبع الرجل الكريم عدم الرد على المرأة ردا قبيحا والتعرض لها بسوء.
(1/2440)
وتشائموا من بعض النسوة. وقالوا: "مرأة مشؤومة"، و "عقرى حلقى"، أي عقرها الله وحلقها، بمعنى حلق شعرها أو أصابها بوجع في حلقها، أو أنها تعقر قومها وتحلقهم بشؤمها وتستأصلهم. وقد كانوا يطلقونها إذا تشاءم الزوج أو أهله منها، لاعتقادهم الشديد بالشؤم. وتشاءموا من الفرس الأشقر ومن عتبة الباب، ومن أشياء أخرى سأتحدث عنا في موضوع التفاؤل والتشاؤم عند العرب.
وجمال المرأة في حلاوة العينين، وفي جمال الأنف، والملاحة في الفم. قال الشاعر: خزاعية الأطراف مرية الحشا فزارية العينين طائية الفم
المرأة القبيحة
وذكر بعض علماء اللغة إن العرب تصف ب "السعلاة" العجائز والخيل. وقبل السعالى: النساء الصخابات البذيئات، والمرأة القبيحة الوجه السيئة الخلق. ومن ذلك قول الأعشى: ونساء كأنهن السعالى.
والعرب تكني عن المرأة بالعتبة والنعل والقارورة والبيت والدمية والغل والقيد والريحانة والقوصرة والشاة والنعجة.
وما قلته يمثل الفكرة العامة عن المرأة بين سواد الناس. غير إن هناك نسوة اشتهرن بالعقل والحكمة عند الجاهليين. وكن مرجعا الرجال في أخذ الرأي. حتى إن منهن من تولين أمر الحكومات، وقد سبق إن ذكرت فيما مضى إن قبائل بادية الشام كانت تحت حكم ملكات في أيام الآشوريين. ومنهن الملكات "شمس" و "زبيبة". كما أشرت إلى الملكة "الزباء". ولم يجد العرب قبل الميلاد ولا بعده غضاضة من تعين النساء ملكات عليهم. وقد كن يصاحبن الرجال إلى القتال لإثارة هممهم عند اشتداد المعارك ولمداواة الجرحى، وحمل الماء إلى العطشى من المقاتلين. وقد كانت "رفيدة" تداوي جرحى المسلمين في مسجد الرسول بيثرب. وكانت "زينب" طبيبة "بني أود" تعالج المرضى وحازت على شهرة بين العرب.
(1/2441)
حتى الشعر، برزت به شاعرات. مثل الخنساء، وخرنق، وجليلة، وكبشة أخت عمرو بن معد يكرب، وغيرهن. ومنهن من حكمن بين الشعراء المتنافسين في تفضيل شعر شاعر على شعر شاعر آخر. وكان من بينهن كاتبات ومتاجرات إلى غير ذلك من حقول الأعمال التي تحتاج إلى عقل وذكاء.
زينة المرأة
والمرأة الحضرية أكثر تفننا واعتناء بنفسها من الأعرابية، بسبب اختلاف المحيط والوضع الاقتصادي. ولها من أمور الزينة ما لا تعرفه الأعرابيات، من وسائل تجميل وتحلية جسم وملبس. ولا سيما النساء الغنيات القريبات من مواطن الأعاجم. فقد تأثرن بالأعجميات وأخذن منهن ما راق لهن من ملبس وزينة وطيب وحلية.
والعادة إن المرأة تضفر شعر رأسها ضفائر وغدائر، أما الرجال فيتخذون لهم ضفيرتين، تتدليان على طرفي الوجه إلى المنكبين. ويقال الضفيرة: العقيصة. وذكر ن "العقيصة" الدؤابة. وذكر بعض علماء اللغة إن كل عقيصة غديرة. والغديرتان الذؤابتان تسقطان على الصدر. وقيل الغدائر النساء،وهي المضفورة. والضفائر الرجال. وقبل العقص الفتل، أي فتل الشعر، وهو إن يلوى الشعر حتى يبقى ليه، ثم يرسل. وذكر بعض علماء اللغة إن العقص إن تأخذ المرأة كل خصلة من شعر فتلويها ثم تعقدها حتى يبقى فيها التواء ثم ترسلها، فكل خصله عقيصة. وقد عرف "ضمام بن ثعلبة" أحد بني سعد بن بكر ب "ذي العقيصتين"، وكان أشعر ذا غديرتين. وكان خصل شعره عقيصتين وارخاهما من جانبيه. وهو من الصحابة.
(1/2442)
ويعد شعر المرأة من أثمن الأشياء عندها لذلك تستعز به وتحافظ عليه، وتسعى لإثارته وتنشيطه، وهي لا تحلقه إلا إذا نزلت بها نازلة، مثل موت زوجها أو عزيز آخر عليها، ويعد ذلك غاية في التضحية وفي إظهار حزنها على رجلها الراحل العزيز. فإذا مات عزيز حلقت المرأة شعرها وذرت التراب أو الرماد على رأسها، إظهارا لشدة ألمها وحزنها على ميتها. ويقال لها "الحالقة". وقد لعن الرسول من النساء الحالقة والصالقة والخارقة. والحالقة التي تحلق شعرها في المصيبة. وقد ضرب بها المثل في الشؤم. لأن من عادة الناس في الجاهلية انهم إذا أصيبوا بمصيبة حلقت النساء شعورهن. والى ذاك أشير في شعر الخنساء: ولكني رأيت الصبر مخيرا من النعلين والرأس الحليق
وأصل ذلك إن المرأة كانت إذا أصيب لها كريم حلقت رأسها وأخذت نعلين تضرب بهما رأسها وتعفره. وفي هذا المعنى جاء في الشعر: ألا قومي أولو عقرى وحلقى لما لاقت سلامان بن غنم
ولهذا السبب اعتبرت الحالقة علامة من علامات الشؤم ونذيرا من نذر الفرقة يضرب بها المثل. وفي الحديث: "دب الكم داء الأمم: البغضاء والحالمة". "هي قطيعة الرحم والتظالم والقول السيء".
ويسرح الشعر ب "المشط". وقد عرفه الجاهليون، وهو من آلات التجميل القديمة.. وقد أشير إليه في الحديث. كما أشير إليه في الشعر. ورد قول عبد الرحمن بن حسان: قد كنت أغنى ذي غنى عنكم كما أغنى الرجال عن المشاط الأقرع
وتمشط شعر العرائس "الماشطه"، فتقوم بترجيله وتجميله لخبرتها فيه. ويكون المشط من خشب في الغالب، وقد يعمل من ذهب أو فضة أو من معدن آخر، وقد يتخذ من "العاج".
(1/2443)
وتغسل المرأة رأسها بطين وأشنان وخطمى وتحوه لتنظيفه. وقد تغتسل بالطيب، وذلك بالنسبة للغنيات. وإذا انتهت من غسله استعملت "الغسلة"، وهو ما تجله المرأة في شعرها عند الامتشاط من طيب وورق الآس يطرى بأفاويه من الطيب ويمتشط به. والطين أنواع، يختلف باختلاف طبقات الأرض. واجوده الحر النقي الخالص بعد رسوب الماء، ويستعمل في تنظيف الشعر.
وقد كانت القبائل إذا أرادت الصبر في القتال، والوقوف في الحرب إلى النهابة وحتى النصر، حلقت نساؤها شعورهن، لبث الشجاعة في نفوس المقاتلين وإذكاء نار الشجاعة فيهم. وذكر إن "يوم تحلاق اللمم"، إثما سمي بذلك، لأن شعارهم كان الحلق. وكان لتغلب على بكر بن وائل.
وتجملت المرأة الجاهلية وتزينت على قدر حالا وإمكانها، لتظهر بذلك جمالها وأنوثتها على سنة الطبيعة، وعلى عادة المرأة بل والإنسان: رجلا كان أو امرأة في كل وقت وزمان، من حبه في إظهار الزينة وحسن المظهر. جملت نفسها بالاعتناء بالنظافة وبالثياب وبالحلية، كالخلخال والسوارين والخاتم والقلبين والقلب والفتخة والمسكة والقرطين والقلائد الأخرى، وبالتجميل بالكحل وبالمساحيق التي توضع على الوجه والسمن الذي يدهن به الشعر وخضاب الكف والقدم، وبالوشم وما شاكل ذلك من أمور تجميل وتحلية كانت معروفة في ذلك العهد.
ومن وسائل الزينة: الوشم غرز إبرة ونحوها في عضو حتى يسيل الدم ثم يحشى بنؤور أو بالكحل أو بالنيلج أو نهوها فيزرق أثره أو يخضر. وكانوا يقصدون بذلك التزين فينقشون به غالب أبدانهم، أنواعا من النقوش من صور حيوانات أو نبات أو صور إنسان وكذلك الشفاه، فترى غالب شفاه نسائهم زرقا. والأطفال منهم يوشمون في بعض المحال من وجوههم لقصد الزينة. وكذلك الرجال. وذكر إن الرسول قد نهى عن ذلك في حديث: لعن الله الواشمة. أو لعن الله الواشمة والمستوشمة.
(1/2444)
وكانوا يعتنون بتجميل حواجبهم وإزالة الشعر من وجوههم ب "النماص" وهو "المنقاش". وعرفت مزينة النساء ب "النامصة". وهي مزينة بالنمص. وذكر إن النمص نتف الشعر. وان المشط ينمص الشعر وكذلك المحسة لأن لها أسنانا كأسنان المشط. ويقال إن النماص مختص بإزالة الشعر من الحاجبين ليرققهما أو ليسويهما. وفي الحديث: لعنت النامضة والمتنمصة.
وعنوا بالأسنان فاستعملوا المبرد لبرد ما بين الثنايا والرباعيات، لتجميلها. وقد لعنت المتفلجات في الحديث. والمتفلجات جمع متفلجة التي تفلج ببن الأسنان. وعنوا بتبيض الأسنان باستخدام "المسواك"، وهو ما يدلك الفم. ويكون من عيدان بعض الأشجار ذات الرائحة الطيبة. وقد أشير إليه في الحديث.
ويقص الشعر والظفر بالمقص، أي المقراض وهما مقصان. يقص به الرجل شعره، كما تقص به المرأة. وتتخذ المرأة "القصة" في مقدم رأسها تقص ناصيتها ما عدا جبينها.
وذكر إن من نساء الجاهلية من كن يقمحن لثتهن ب "النوور"، حصاة كإثمد تدق فتسفها اللثة. وكن يتسمن ب "النؤر". وهو دخان الشحم أو دخان الفتيلة، يتخذ كحلا أو وشما، وخصصه بعضهم بالوشم.
ولم تنس المرأة الجاهلية زينتها، فزينت نفسها ب "الحلي" من ذهب وفضة ومعادن أخرى ومن أحجار كريمة وأحجار تلفت النظر وبالعظام أيضا وبالخرز. ومن الحلي "الأساور" المصنوعة من الذهب، بالنسبة إلى المرأة الموسرة، والحلي المطعمة باللؤلؤ. ومن الحلي؛ ما يزين به الرأس والعنق، ومنه ما يزين به الأيدي أو الأرجل. وسأتحدث عنها في القسم الخاص بالحرف، بشيء من التفصيل.
و "الكرم": القلادة. وقيل هي القلادة من الذهب والفضة، وقيل تكون من لؤلؤ أيضا.
(1/2445)
ويضفر شعر رأس الأطفال ذوائب، أي ضفائر تتدلى على رأسه وعلى ناصيته. ومنى كبر الطفل وبلغ سن الرشد، أو شعر برجولته، ضفرت له ذؤابتان، وهي علامة الشباب والرجولة عندهم. وقد كان الساميون يحتفلون بحلق الذوإئب، لأن هذا الحلق معناه إنتهاء مرحلة من الحياة ودخول الطفل مرحلة الرجولة، وهي مرحلة الحياة الصحيحة. وكانوا يرمون الذوائب أمام الأصنام. والعادة انهم يضفرون الأطفال سبع ضفائر. وهي عادة معروفة عند الجاهليين أيضا،، ولا تزال متبعة عند الأعراب وأشباه الحضر. وقد يعلقون حليا على كل ضفيرة، وذلك إمعانا منهم في تدليل الطفل وفي إراءة جماله. فالزينة وتعليق الحلي من مظاهر التدليل والتجميل.
نساء شهيرات
وقد ذكر أهل الأخبار أسماء نساء ذكروا أنهن عشن في الجاهلية. منهن: صحر بنت لقمان بن عاد. وكان أبوها لقمان وأخوها لقيم خرجا مغرين، فأصابا إبلا كثيرة فسبق لقم إلى منزله، وعمدت صحر إلى بعض ما جاء به لقيم، فصنعت منه طعاما يكون معدا لأبيها لقمان إذا قدم، وقد كان لقمان حسد لقيما في تبريزه عليه، فما قسمت صحر إليه الطعام وعلم انه من غنيمة لقيم، لطمها لطمة قضت عليها، فصارت عقوبتها مثلا لكل من لا ذنب له ويعاقب "فقيل: مالي ذنب إلا ذنب صحر"، ولم يكن لي ذنب.
وقد حصلت "الزباء" على شهرة بين العرب، ووضعوا حولها القصص. ذكروا إنها امرأة من العماليق، وأمها من الروم. وكانت تغزو بالجيوش، وهي التي غزت ماردا والأبلق فاستعصيا عليها، فقالت: تمرد مارد وعز الأبلق، فذهبت مثلا. ويروي أهل الأخبار لها أمثلة أخرى. ورموها بالغدر، فقالوا: "قال عدي بن زيد يذكر قصة جذيمة الأبرش لخطبة الزباء: لخطيبي التي غدرت وخانت وهن ذوات غائلة لحينا
أي لخطبة زباء. وهي امرأة غدرت بجذيمة الأبرش حين خطبها فأجابته وخاست بالعهد فقتلته.
(1/2446)
واشتهرت "البسوس" بالبؤس والشؤم حتى قالوا "شؤم البسوس". وهي بنت منقذ التميمية، زارت أختها أم جساس بن مرة ومع البسوس جار لها من جرم، يقال له سعد بن شمس، ومعه ناقة له، فرماها كليب وائل لما رآها في مرعى قد حماه، فأقبلت الناقة إلى صاحبها وهي ترعو وضرعها يشخب لبنا ودما، فلما رأى ما بها انطلق إلى البسوس فأخبرها بالقصة، فقالت: وأذلاه! واغربتاه! وأنشأت تقول أبياتا تسميها العرب أبيات الفناء. فسمعها ابن أختها جساس فثار الدم في رأسه، وخرج معقبا كليبا حتى وجده فطعنه طعنة قضت عليه. ووقعت الحرب بين. بكر وتغلب ودامت أربعون سنة. وسار شؤم البسوس مثلا، ونسبت الحرب إليها لكونها سببها، فقيل: حرب البسوس. وهكذا فسر أهل الأخبار سبب وقوع حرب البسوس.
وقص أهل الأخبار قصة امرأة أخرى، قالوا إن. رغيف خبز لها صار سببا في وقوع شر بين حيين، وأدى إلى وقوع قتلى. حتى قيل: أشأم من رغيف الخولاء. والخولاء خبازة في "بي سعد بن زيد مناة"، فمرت وعلى رأسها كارة خبز، فتناول رجل عن رأسها رغيفا، فاشتكت إلى رجل كان جارا لها، فثار وثار معه قومه إلى الرجل الذي أخذ الرغيف وقومه فقتل بينهم ألف نفس، وسار رغيف الخولاء مثلا في الشيء اليسير يجلب الخطب الكبير.
وذكر أهل الأخبار اسم امرأة أخرى اشتهرت بعطرها، حتى ضرب به المثل، فقيل: "عطر منشم". ولهم أقوال في سبب ضرب هذا المثل. وخلاصتها إن "منشم" امرأة عطارة تبيع الطيب، فكانوا إذا قصدوا حربا غمدوا أيديهم في طيبها، وتحالفوا عليه بأن يستميتوا في الحرب ولا يولوا أو يقتلوا، فكانوا إذا دخلوا الحرب بطيب تلك المرأة يقول الناس: قد دقوا بينهم عطر منشم، فلما كثر هذا القول صار مثلا. فممن تمثل به زهير حيث قال: تداركما عبسا وذبيان بعدما تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم
(1/2447)
واختار أهل الأخبار من بين النساء امرأة جعلوها مثالا للحمق، حتى قالوا: "حمق دغه". وهي دغة بنت منعج. روي لها حماقات كثيرة. وجعلوها مثلا سائرا بين الناس في الحمق.
وضرب المثل ب "أم خارجة" في السرعة، فقال أسرع من نكاح أم خارجة. وهي "عمرة بنت سعد بن عبد الله بن بجيلة". كان يأتيها الخاطب فيقول: خطب، فتقول: نكح. ولدت أم خارجة في نيف وعشرين حيا من آباء. متفرقين، وكانت إذا تزوج منها الرجل فأصبحت عنده كان أمرها إليها، إن شاهت أقامت، وإن شاءت ذهبت، كانت علامة ارتضائها الزوج إن تصنع له طعاما كلما تصبح.
وضربوا المثل ب "عز أم قرفة"، فمن أمثالهم إذا أرادوا العز والمنعة قالوا: انه لأمنع من أم قرفة. وهي بنت "مالك بن حذيفة بن بدر": وكان يحرس بيتها خمسون سيفا بخمسين فارسا، كلهم لها محرم.
كما ضربوا المثل ب "برد العجوز". ولهم قصص في سبب ضربه. وهم متفقون على أن المثل جاهلي، وليس بإسلامي. ذكر بعضهم إن عجوزا دهرية كاهنة من العرب كانت تخبر قومها ببرد يقع في أواخر الشتاء وأوائل الربيع، فيسوء أثره على المواشي، فقالوا: هذا برد العجوز، يعني العجوز الذي أنذرت به. وذكر بعض آخر؛ أن عجوزا كانت بالجاهلية ولها ثمانية بنين فسألتهم إن يزوجوها، وألحت عليهم، فتآمروا بينهم، وقالوا لها: إن كنت تزعمين أنك شابة فابرزي للهواء ثمان ليال، فإننا نزوجك بعدها، فوعدت بذلك، وتعرضت تلك الليلة والزمان شتاء كلب، وبرزت الهواء، وبقيت تفعل ذلك سبع ليال، ثم ماتت في الليلة السابعة. فضرب بها المثل: وقيل برد العجوز.
أهل الحضر
(1/2448)
وما ذكرته يتناول حياة الأعراب، وحياتهم الاجتماعية هي حياة أخرى تختلف عن حياة أهل الحاضرة. ففي حياة الحضر تجمع وتكتل. وإذا تجمع الإنسان وتكتل في موضع وكون جماعة، ظهرت عنده خلال، لا يمكن ظهورها عند الأعراب. تتسع وتكبر كلما بعدت الشقة بين البداوة والحضارة. لذا فان بين حياة أهل الحيرة أو يثرب أو مكة أو المستوطنات الحضرية الأخرى المنتشرة في جزيرة العرب وبين حياة أهل البادية فروقا كبيرة، تختلف في الدرجة والشدة، بدرجة تكاثف السكان في المستوطنة الحضرية، وبدرجة قربها أو بعدها من الاعاجم، وبدرجة. اتصالها بالعالم الخارجي. فالمستوطنات التي تقع على سواحل البحر يكون لها اتصال خاص بالعالم الخارجي، لا يمكن أن يتوفر لأهل البواطن، ويؤدي هذا الاتصال إلى الملاحم في الأفكار والى الاختلاط والامتزاج والى توسع أفق أهل الساحل بالنسبة إلى من وراءهم في الباطن، بسبب هذا الاختلاط في الموقع.
لقد تأثر أهل الحواضر من عرب العراق بأخلاق أهل النبط وغيرهم من أهل العراق، حتى بان ذلك على لسانهم وعلى طراز معاشهم كما بان ذلك على عرب بلاد الشام لاختلاطهم بالروم وبأهل بلاد الشام. فعرفوا عنهم أكل الأعاجم واحبوا غناء الفرس وغناء الروم. ودخل من دخل منهم في النصرانية. وقلد ملوك الحيرة ملوك الفرس في بعض شؤون حياتهم، وتشبه ملوك عرب الشام بملوك الروم، حتى في أمور دينهم حيث اعتنقوا. النصرانية، وجاؤوا إلى قصورهم بقيان يغنين بغناء الروم وبقيان يغنين بغناء الفرس. وزار سادات عرب العراق "المدائن"، ووقفوا على حياتها؛ وعاش سادات عرب الشام بدمشق وبمدن بلاد الشام الأخرى، وجليوا إلى قصورهم وبيوتهم شيئا مما أعجبهم ونال حبهم. فصارت حياتهم من ثم حياة تختلف عن حياة الأعراب من هذه النواحي.
(1/2449)
وكان لأهل قرى العربية الشرقية اتصال دائم بالعراق وبسواحل الهند الغربية، وبإيران وبالتجار الروم، فأخذوا منهم وتأثروا بهم، كالذي يني من الآثار التي عثر عليها ويعثر عليها المنقبون في مواضع العاديات. وتأثر أهل العربية الغربية بأهل بلاد الشام والعراق لما كان لهم من اتصال تجاري دائم بهم. ولما كانوا يجلبونه من هذه البلاد من رقيق. كما كان لهم ولأهل العربية. الجنوبية اتصال بأهل إفريقية، سكان السواحل المقابلة لبلاد العرب، فأثروا فيهم وتأثروا بهم. ومن آيات هذا التأثير الملامح الإفريقية التي ظهرت في العربية الجنوبية بصورة خاصة، لا سيما باستيلاء الأحباش مرارا على السواحل العربية المقابلة لإفريقية، وظهور جيل أخذ من ملامح الجنسين، نتيجة للازدواج الذي صار بين العرب والإفريقيين.
ونجد أثر هذا الاختلاط في اللغة كما نجده في الغناء وفي آلات الطرب. اذ يختلف غناء أهل سواحل جزيرة العرب عن غناء القبائل الساكنة في الباطن، بعيدة بعض البعد عن السواحل وعن التأثر بمؤثرات الأعاجم الذين يقصدون المواني الساحلية الاتجار.
الزواج
والزواج هو من أهم الأفراح في حياة الإنسان؛ وهو ما زال وسيبقى من أهم الأفراح في حياته، لما له من علاقة سعيدة به. ولهذا يحتفل الناس به عادة؛ بإقامة المآدب فيه وبدعوة ذوي القرابة والأصدقاء إليها لمشاركة الزوجين أفراحهما. وقد صنف "روبرتسن سمث" زواج العرب ثلاثة أصناف: زواج يكون في حدود القبيلة فلا يتعداه، ولا يسمح لرجال القبيلة ألا بالزواج من بنات القبيلة نفسها، وهو ما يسمى ب "Endogamous"، وزواج يفرض فيه على الرجل أن يتزوج امرأته من قبيلة أخرى، وهو ما يعرف ب "Exogamous" أي "زواج خارجي". وزواج يجمع الطريقتين المذكورتين، أي الزواج في داخل القبيلة والزواج من خارجهاا.
(1/2450)
ويظهر من دراسة كل ما ورد في كتب أهل الأخبار وفي كتب التفسير والحديث عن الزواج والطلاق عند الجاهليين أن أهل الجاهلية لم يكونوا يسيرون على سنة واحدة في عرف الزواج والطلاق، ولكن كانوا يسيرون على أعراف مختلفة اختلفت باختلاف الأماكن وباختلاف الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية واتصالها بالخارج. وقد وردت إلينا مسميات بعض تلك الأنواع، مثال، "الخدن" و "المتعة" و "البدل" و "الشغار" و "البعولة" وزواج ذوات الرايات وغير ذلك مما ورد وصفه وشرحه، ولكنه لم ينعت باسم معين.
وأنواع الزواج هذه، ليست خاصة بالجاهليين، وإنما هي معروفة عند غيرهم أيضأ، ولا سيما عند الشعوب السامية، وهي مراحل مر بها جميع البشر، ولا يزال الكثير منها قائما في أنحاء متعددة من العالم. وهي في الغالب مرآة صافية الظروف التي يعيش فيها الناس. وبعض هذه الأنواع زناء معيب في عرفنا، غير أننا يجب أن نفكر دائما إن أولئك القوم كانت لهم مقاييس دينية وخلقية خاصة بهم، وهي سليمة صحيحة بالقياس إليهم، وأنهم عاشوا قبل الإسلام وفي ظروف تختلف عن ظروفنا، وأن ما نسميه عيبا لم يكن عيبا بالقياس إلى المراحل التي كانوا فيها والى عرف ذلك العهد.
ويقال الرجل العزب الذي لا زوج له "الخالي"، قال امرؤ القيس: ألم ترني أصبي، على المرء عرسه وامنع عرسي إن يزن بها الخالي
وللرجولة عند العرب أثر بارز، لما، في طبيعة بلادهم من الحر وعدم وجود أمور مسلية لديهم تصرف ذهنهم عن التفكر فيه وتلهيهم بعض الشيء عن العريزة الجنسية. ونجد في الأدب العربي شيئا. كثيرا مما يتعلق بهذا الموضوع. وللغلمة المفرطة صار العربي مزواجا، يتشبب بالنساء ويتغزل، والتشبيب من أمارات الرجولة عند الجاهليين.
(1/2451)
ونجد في القصص المنسوب إلى الجاهليين وفي شعرهم في شيئا كثيرا يتعلق بالحب: حب الرجل المرأة، وليس العكس، ذلك لأن في طبع الرجل التباهي والتفاخر بحبه النساء. أما المرأة فإن في طبعها الخجل الذي بمنعها من إظهار حبها وتعلقها برجل ما، ثم إن المجتمع لا يسمح لها بذلك، وهو يردعها عن أن تبوح بحبها لرجل ما، ويعد ذلك نوعا من الخروج على الآداب العامة وجلب العار إلى البنت والى الأسرة. ويعبر عن النسيب بالنساء، أي يذكرهن في ابتداء القصائد، ب "التشبيب". ويعد ابتداء القصيدة بالتشبيب من العرف الجاهلي، ويقولون إن في ذلك ترقيقا الشعر.
والنسيب في الشعر، التشبب بالمرأة والتغزل بها، وذلك في أول القصيدة، إذا ذكرها في شعره ووصفها بالجمال والصبا، ووصف أعضاء جسمها وغير ذلك. ثم يخرج الشاعر بعد ذلك إلى المديح. ويدخل في النسيب، ووصف مرابع الأحباب ومنازلهم واشتياق المحب إلى لقائهم ووصالهم وغير ذلك.
والغزل في نظر بعض العلماء كالتشبيب والنسيب، كلها بمعنى واحد. وهو وصف الأعضاء الظاهرة من المحبوب، أو ذكر أيام الوصل والهجر أو نحو ذلك. وفرق بعض آخر بينها، بأن جعل التشبيب ذكر صفات المرأة وهو القسم الأول من النسيب، فلا يطلق التشييب على ذكر صفات الناسب ولا على غيره. والتغزل بمعنى النسيب ذكر الغزل. فالغزل غير التغزل، والنسيب والغزل في رأي بعض آخر هو الأفعال والأقوال والأحوال الجارية بين المحب والمحبوب. نفسها. وأما التشبيب فهو الإشادة بذكر المحبوب وصفاته وإشهار ذلك والتصريح به. وأما النسيب فذكر حال الناسب والمنسوب به والأمور الجارية بينهما. وقال بعض: الغزل إنما هو التصابي والاستهتار بمودات النساء. والى غير ذلك من آراء لا صلة لها بهذا الموضوع.
(1/2452)
والعادة أن يتغزل الرجل بامرأة فيجعلها بطلة غزله. يلف ويدور في غزله حولها ويلج ويلهج بذكرها. وقد يذكر اسمها وقد لا يذكره. وهي قد تكون امرأة حقا، رآها الشاعر فأعجب بها، وقد لا تكون امرأة معينة خاصة، وإنما امرأة تخيلها ذهن الشاعر، فصار يتغزل. بها ويلهج بذكرها ويلج في إظهار وصفها وفصاتها وما قالت له وما قال لها إلى غير ذلك. وسبب ذلك هو أذواق أهل ذلك العهد، وعادتهم في وجوب الابتداء بالقصيدة بهذا النوع من المقدمات، حتى يكون شعرا رقيقا مرموقا، وقد أدى تغزل بعض الشعراء بنساء رجال معروفين. أو ببناتهم إلى وقوعهم في مهالك. ومن أمثلة ذلك ما زعم من تغزل "النابغة الذبياني" بالمتجردة زوج الملك. "النعمان بن المنذر"، وما كان من غضب الملك عليه وتهديده له بالقبل، مما اضطر النابغة إلى الهرب إلى الغساسنة أعداء النعمان، ليسلم بريشه من سيد الحيرة وما ورد في قصة الشاعر "طرفة بن العبد".
والطابع العام في هذا الغزل البراءة والعفة ونقاء الألفاظ المؤدبة، لا يتطرق فيه الشاعر إلى ما وراء إظهار الوجد والحب والتلهف إلى زيارة معشوقته له، أو زيارته لها، وذكر الأيام الجميلة وأحلام الحب الصافية الخالصة النقية، وقلما نجد في الشعر الجاهلي إقذاعا وفحشا. فالشاعر متأدب في شعره، يعرف حدوده في الغزل فلا يتجاوزها، لأنه يعلم حقا انه إذا ذكر الفحش في شعره وتعرض بامرأة معينة، فأصابها بسوء قول، فأنها لن تسكت عنه، واذا سكتت هي، فلن يفلت من عقاب أسرتها وآلها له. وقد يكون ذلك العقاب القتل.
(1/2453)
وقد ضرب العرب المثل ببعض الرجال في شدة النكاح وكثرته. ومن هؤلاء "حوثرة" رجل من بني عبد القيس، ضربت به العرب المثل في ذلك فقالت "أنكح من حوثرة"، و "خوات بن جبير الأنصاري"، وكان. يأتي أحياء العرب يتطلب النساء، فإذا سئل عن حاجته قال: قد شرد لي بعير فخرجت في طلبه. وأدرك لم الإسلام، ورأى الرسول، فقال له: ما فعل بعيرك الشرود? فقال: أما منذ قيده الإسلام فلا. وكان يحسن الغناء. وكان إذا رأى النساء لبس حلته وجلس اليهن. وذكر انه "صاحب ذات النحيين".
ويقال: "اغتلم الرجل" إذا هاج من الشهوة، وكذلك الجارية وفي الحديث: " خير النساء الغلمة على زوجها". والغلمة: شهوة الضراب، "وفسره جماعة بالشبق واشتهاء الغلمان". و "الشبق" شدة الغلمة وطلب النكاح، يقال: رجل شبق، وامرأة شبقة. وقد ذكر أهل الأخبار أسماء رجال عرفوا بالشبق والغلمة، ومن هؤلاء "ابن الغز". فذكر إن عبد الملك ابن مروان ذكر إيادا، فقال:" هم أخطب الناس لمكان قس، وأسخى الناس لمكان كعب، وأشعر الناس لمكان أبي دؤاد، وأنكح الناس لمكان ابن الغز".
وفي المثل: "أنكح من ابن الغز"، وهو من بني إياد، واسمه سعد أو عروة أو الحارث بن أشيم. وذكروا أنه كان نكاحا عظيم الأير، زعموا إن عروسه زفت إليه، فأصاب رأس أيره جنبها، فقالت: أتهددني بالركبة.
وقد عرف من يحب محادثة، النساء ومجالستهن ومخالطتهن ب، "الزير"، ومن هنا قيل: "زير نساء". وقد ذكر أهل الأخبار أسماء نفر من المشهورين بذلك.
ويقال لمن لا يأتي النساء عجزا أو لا يريدهن "العنين". كما يقال المرأة التي لا تريد الرجال. ولا تشتهيهم "العنينة" على بعض الآراء. ويقال امرأة مساحقة. وامرأة سحاقة، لمن تشتهي النساء. ويقال إنها لفظة مولدة.
(1/2454)
وقد عرف "التبتل" عند بعض الجاهليين، ممن تأثر بآراء الرهبان. ويراد به ترك النكاح والزهد فيه، ويكون ذلك الرجال كما يكون النساء. وتعرف المرأة المنقطعة عن الرجال ب "البتول". وقد نهى الرسول "عثمان بن مظعون" عن التبتل. وورد في الحديث: "لا رهبانية ولا تبتل في الإسلام". ويقال لمن لم يأت النساء ولم يتزوج "الصارور". و "الصارورة"، المتبتلة، فلم تتزوج ولم تتصل برجل. ومن ذلك: "لا صرورة في الإسلام". و "الصرورة" عند الجاهليين أرفع الناس في مراتب العبادة، وقد أطلقت على الراهب المتعبد، كما جاء ذلك في شعر "ربيعة بن مقروم" الضبي، من مخضرمي الجاهلية والإسلام: لو أنها عرضت لاشمط راهب عبد الإله صرورة متبتل
لدنا لبهجتها وحسن حديثها ولهم من تاموره بتنزل
وقد عيب العازف عن اللهو والنساء، والذي لا يطرب للهو ويبعد عنه. ولا يقرب النساء، ولا يحدثهن ولا يريدهن ولا يلهو. فإن مثل هذا الرجل هو كالحجر الصلد الجلمد، وفيه غفلة. ويقال له "العزهاة".
عدد الزوجات
ومن حق الرجل في الجاهلية إن يتزوج ما يشاء من النساء من غير تحديد ولا حصر. إذ. لم تحدد شرائعهم للرجال عدد ما يتزوجونه من نسائهم. فلما جاء الإسلام، حدد العدد وجوز الرجل إن تكون له أربع زوجات في وقت واحد، ومنعه من تجاوز العدد في حالة الجمع، بمعنى انه لا يسمح له إن يجمع بين خمس زوجات أو أكثر من ذلك في وقت واحد بشرط العدالة بينهن، فإن خاف الزوج ألا يعدل بينهن فواحدة.
ويذكر أهل الأخبار إن أهل الحرم أول من اتخذ الضرائر، والضرائر زوجات الرجل الواحد، وكل منها ضره للأخرى.
(1/2455)
والغاية الأولى من الزواج هي النسل، لذلك قالت العرب: من لا يلد لا ولد.كرهت العاقر وعدتها شؤما. واتخذ العقر من الأسباب الشرعية الطلاق، إذ كان الرجل يأبى البقاء مع امرأة لا تلد. لذلك كان يطلقها في الغالب، لانتفاء الفائدة منها مع أنفاقه عليها، أو يتزوج عليها ليكون له عقب، وعندهم إن المرأة القبيحة الولود، خير من الحسناء العاقر، وان "سوداء ولودا خير من حسناء عاقر". وليست هذه العادة من عادات العرب وحدهم، ولكن.، يشاركهم فيها أكثر الشعوب. الأخرى، ومنها الشعوب السامية.
ولسادات القبائل والأشراف والملوك غرض آخر من الزواج، هو غرض كسب الألفة واجتذاب البعداء، والنصرة، حتى يرجم المنافر مواليا، ويصير العدو مؤالفا، فهو زواج "سياسي". يتزوج الملك أو سيد قبيلة ابنة سيد قبيلة أخرى، فيشد بزواجه هذا من أزر ملكه أو من قوة قبيلته. لا سيما إذا كانت البنت من قبيلة كبيرة. وقد عمل بهذا الزواج كثيرا في الجاهلية، كما عمل به في الإسلام. فقد استفاد معاوية كثيرا من زواجه من قبيلة "كلب"، إذ ساعدته وأيدته. وروعي هذا الزواج في المواضع التي تغلبت عليها الحياة القبلية بصورة، خاصة التغلب على طباع البداوة، القائمة على النفرة من الخضوع لحكم حاكم غريب عنها. وبهذا الزواج تخف هذه النفرة، فتشعر القبيلة إنها من أصهار هذا الحاكم، وعليها واجب مساعدته بحكم عصبية المصاهرة.
وكثرة الاخوة عزة، فمن كثرت اخوته استظهر بهم. فلا يتمكن أحد من النيل منه بسوء، ولا من ابتزاز حق من حقوقه، ولا من الاعتداء عليه.
وحظ الرجل العقيم خير من حظ المرأة العاقر. فهو يتزوج عدة زوجات فإن لم يلدن منه، آمن عندئذ بعقمه. أما المرأة، فنبقى قانعة راضية في بيت الزوجية، إن أراد زوجها ذلك، لأن من الصعب عليها الحصول على زوج آخر إذ طلقت، إذ كان الرجال يفضلون الأبكار على المطلقات، واذا طلقت المرأة العاقر، بقيت بين أهلها من غير زواج في الغالب.
(1/2456)
ويرغب العرب في التزوج بالأبكار، ويفضلون الأبكار الصغار على الأبكار الكبار، والبكارة من الشروط التي يجب توافرها في الزواج، وإذا تبين إن البنت ليست بكرا، عد ذلك نكبة وعير أهلها بها، ولذلك يكون مصيرها القتل تخلصا من عارها. أما الزواج يالثيب، فلا يشترط فيه البكارة لأن المرأة كانت قد تزوجت من قبل، ثم طلقها زوجها أو مات عنها، فهي مما لا يتوافر فيها شروط البكارة، وهو زواج يعزف عنه الشباب ويعير به من يقدم عليه، إذ يتهم بالوهن الجنسي وبالطمع في مال الزوجة، فليس يجمل بالشاب إن يتزوج امرأة أعطت بكارتها غيره. ومن صارت ثيبا من النساء، صار نصيبها الثيب من الرجال في الغالب، وان كانت لا تزال شابة صغيرة السن.
ويكره العرب الجمال البارع، لما محدث عنه من شدة الإدلال، ومن الخوف من محنة الرغبة وبلوى المنازعة وشدة الصبوة وسوء عواقب الفتنة، لكنهم كانوا يراعون حسن الصورة وجمال الجسم وتناسق أعضائه. ولهم صفات ونعوت ذكروا إنها تمثل جمال المرأة، تختلف باختلاف الأذواق، كما إن لهم رأيا في محاسن أخلاق المرأة وفي الخصال التي يجب إن تتحلى بها في معاشرة زوجها وفي العناية ببيتها وفي تربية أولادها. من ذلك إن تكون حريصة على إرضاء زوجها وخدمة أولادها والعناية ببيتها.
وللعرب نعوت رأوا إنها إن وجدت في المرأة عابتها، منها إن تكون بذيئة اللسان، نمامة كذوبا، عابسة قطوبا، كثيرة الانتباه والتدخل، طويلة مهزولة، ظاهرة العيوب، سبابة وثوبة إن ائتمنها زوجها خانته، وان لان لها أهانته، وان أرضاها أغضبته، وان أطاعها عصته، إلى غير ذلك من نعوت رووها عن الجاهليين في ذم المرأة المتخلقة بها. وقد نعتت المرأة التي تلبس درعها مقلوبا، وتكحل إحدى عينيها وتدع الأخرى ب "القرثع"، وهي المرأة الجريئة القليلة الحياء البذيئة الفاحشة.
(1/2457)
ويرغب العرب في الزواج بالنساء الشقراوات البيض البشرة، ورد إن بعض العرب قالوا لبعض الملوك: هل لكم في النساء الزهر، والخيل الشقر، والنوق الحمر.
والعادة إن أمر الزواج بيد الأبوين، وليس البنت معارضة وليها الشرعي في الزواج، غير إن بعض بنات الأسر الشريفة لم يكن يقبلن بالزواج بأحد إلا بموافقتهن، فإلى البنت يكون حق قبول الزوج أو رفضه. كما اشترطت بعض النسوة أنهن إن أصبحن عند زوجهن، كان أمرهن اليهن، إن شئن أقمن معهم، وان شئن تركنهم، أي إن حق الطلاق بيدهن. وذلك لشرفهن وقدرهن. ومن ج هؤلاء "سلى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش"، وهي أم عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف، و "فاطمة بنت الخرشب الأنمارية"، وهي أم الكملة من بني عبس، وهم: الربيع الكامل، وعمارة الوهاب، وقيس الحفاظ، وأنس القوارس، بنو زياد.
ومنهن "عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة"، وهي أم هاشم، وعبد شمس، والمطلب بني عبد مناف. و "السوا بنت الأعيس" من عنزة، وكانت تحت خالد بن جعفر بن كلاب. و "مارية بنت الجعيد بن صنبرة بن الديل بن شن بن أفصى" من لكيز.
وقد اشتهرت "أم خارجة" وهي -"عمرة بنت سعد بن عبد الله بن قداد ابن ثعلبة بن معاوية بن زيد بن الغوث بن أنمار" من بحيلة بأنها كانت قد اشترطت إن يكون طلافها بيدها، فكانت كما يقول أهل الأخبار تتزوج ونطلق. وقد أكثرت من الولد في العرب، وبها ضرب المثل فقيل: "أسرع من نكاح أم خارجة". كان يقال لها: خطب، فتقول: نكح وخارجة ابنها، ولا يعلم ممن هو. وولدت ل "بكر بن عبد مناة": الليث والدول، وعريجا، وهي أم العنبر، والهجيم، وأسيد. وولدت أيضا في "بني القين" من اليمن، قوم يقال لهم: بنو الحرة، وولدت في بهراء. وللعداوات بين القبائل أثر بليغ في اختلاق أمثال هذا القصص، كما لا يخفى.
(1/2458)
وذكر أهل الأخبار أسماء نساء تزوجن ثلاثة أزواج فصاعدا. منهن "مارية بنت الجعيد"، ذكر "ابن حبيب" إنها تزوجت من عشرة رجال. ونسوة أخر ذكر أسماءهن "محمد بن حبيب".
تخفيف غلمة النساء:
وقد أمر بعض الجاهليين بختان النساء الحد من طغيان الشهوة، فإن البظراء تجد من اللذة ما لا تجده المختونة، وفي حديث: يا ابن مقطعة البظور. دعاه بذلك، لأن أمه كانت تختن النساء. والعرب تطلق هذا اللفظ في معرض الذم، وان لم تكن أم من يقال له هذا خاتنة. وذكر إن الرسول قال لأم عطية الخاتنة: "أشميه ولا تنهكبه، فإنه أسرى للوجه، وأحظى عند البعل". كأنه أراد انه ينقص من شهوتها بقدر ما يردها إلى الاعتدال، فإن شهوتها إذا قلت ذهب التمتع، ونقص حب الأزواج، وحب الزوج قيد دون الفجور.
وذكر إن العرب اتخذت بعض الطرق لتضييق فرج المرأة، من ذلك استعمال عجم الزبيب. وذكروا إن نساء ثقيف فعلن ذلك، ويظهر إن أعداء ثقيف في أيام الحجاج قد أشاعوا قصصا من هذا النوع نكاية به. ويقال لذلك التقريب والتفريم.
حق المقدم في الزواج
ويقدم ابن العم على غيره في الزواج، فإذا جاء رجل يريد خطبة ابنة رحل، سئل ابن عمها إن كان لها ابن عم عن رأيه في ابنة عمه، فإن أظهر رغبته في الاقتران بها قدم على غيره، وزوجت منه، وان أظهر انه. غير راغب فيها زوجت من غيره. ذلك لأن ابن العم مقدم على كل أحد في الزواج من ابنة العم، وقد يأبى ابن العم من تزويج ابنة عمه من غيره ويصر على إن تكون له، ولكنه يأبى إن يحده موعدا الزواج منها، ويتركها أمدا طويلا تنتظر حتى يرى رأيه، وقد تأبى ابنة العم الزواج من ابن عمها، ويأبى ابن عمها إلا الزواج منها، فتنشأ من ذلك منازعات وخصومات قد تصل إلى إراقة الدم.
(1/2459)
ومع وجود عرف إن القريب أولى بالبنت من البعيد، فإن العرب تراعي في الغالب إنكاح البعداء والأجانب. يرون إن ذلك أنجب للولد وأبهى للخلقة، وأحفظ لقوة النسل ؛ لأن إنكاح الأهل والأقارب يضر بالمولود ويسمه بالضعف والهزال، ويزعمون إن نقارب الأنساب مدح في الإبل، لأنه إنما يكون في الكرائم يحمل بعضها على بعض حفظا لنوعها، وذم الناس. لأنه فيهم سبب الضعف. وبهذا المعنى ورد الحديث: "اغتربوا ولا تضووا" أي إن تزوج القرائب يوقع الضوى في الولد، والضوى: الضعف والهزال. وقد أوصى "حصن بن حذيفة بن بدر" قومه إن "ينكحوا الكفء الدريب، فإنه عز حادث ". وقال "عمر" مخاطبا آل السائب: "يا بني السائب، أنكم قد أضويتم، فانكحوا في النزائع". أي تزوجوا في البعاد الأنساب، لا في الأقارب، لئلا تضوى أولادكم. والنزائع جمع نزيعة، وهي المرأة التي تزوج في غير عشيرتها. وأضوى: ولد له ولد ضاو أي ضعيف.
وروي إن رجلا قال: بنات العم أصبر والغرائب أنجب، وما ضرب رؤوس الأبطال كابن أعجمية. وقد أدركوا أثر العرق في الولد. قال رجل: لا أتزوج امرأة حتى أنظر إلى ولدي منها، قيل له: كيف ذلك? قال: أنظر إلى أبيها وأمها، فإنها تجر بأحدهما. وقال بعض الشعراء: إذا كنت تبغي أيما بجهالة من الناس فانظر من أبوها وخالها.
فإنهما منها كما هي منهما كقدك نعلا إن أريد مثالها
فإن الذي ترجو من المال عندها سيأتي عليه شؤمها وخبالها
(1/2460)
ويراعى التكافىء في الزواج، فالأشراف لا يتزوجون إلا من طبقة مكافئة لهم، والسواد لا يتجاسرون على خطبة ابنة سيد قبيلة أو ابنة أحد الوجهاء، ويعير السيد الشريف إن تزوج بنتا من سواد الناس، ولا سيما إذا كانت ابنة صائغ أو نجار أو ابنة رجل يشتغل بحرفة من الحرف اليدوية لأنها من حرف العبيد. وقد عير "النعمان بن المنذر" بأمه، لأنها كانت ابنة يهودي صائغ، على ما يزعمه أهل الأخبار. ولم يكن من المستساغ عرفا تزويج ابنة رجل حر من عبد مملوك أو مفكوك الرقبة، ولم يكن من الممكن تزويج البنت الأصيلة الحرة من ابن عبد أو من حفيد عبد، أو من حفيد حفيد عبد، وهكذا لأن سمة العبودية والضعة تلازم الأسر، وان تحررت وحسن حالها وصارت غنية، وما زال هذا المحرف قائما في جزيرة العرب.
ويقدم العرب البيت على الجمال. فللبيات أثر في أخلاق المرأة وفي نجابة الأولاد، وهو أثر دائم. والجمال صورة زائلة. فكانوا يهتمون بالبيت الطيب المنجب، ليكون النسل نجيبا صحيح البنية والعقل لقد علمتهم الطبيعة، وتبين من تجارب الحياة إن لبيت البنت أثرا كبيرا في مستقبل الأسرة وفي نجابة الأولاد وصحة أجسامهم وسلامتهم من المرض. لشاك فضلوا أصالة البيت على جمال المرأة. لما للأصالة من أثر في الوراثة التي تنتقل من الأبوين إلى الأولاد. ونجد هذا المسلك عند غير العرب من الساميين أيضا، ورد في التلمود: "لا تحفل بجمال المرأة. وانظر إلى أسرتها". وروي إن رجلا شاور حكيما في التزوج، فقال له: افعل، وإياك والجمال الفائق، فإنه مرعى أنيق. فقال: ما نهيتني إلا عما أطلب، فقال: أما سمعت قول القائل: ولن تصادف مرعى ممرعا أبدا إلا وجدت به آثار منتجع
وورد في الحديث: "إياكم وخضراء الدمن، قيل: يا رسول الله، وما خضراء الدمن? قال: المرأة الحسناء في منبت السوء". فللمنبت شأن كبير في الزواج وفي أخلاق الولد، فلا قيمة المرأة الحسناء إذا كانت من بيت سوء.
(1/2461)
المناكح الكريمة
وقد روي عن "أكثم بن صيفي" قوله: "المناكح الكريمة مدارج الشرف". ولهذا حرصوا على تطبيق قاعدة التكافؤ في الزواج، واختيار كرائم البنات لكرائم الرجال. وروي إن جملة ما أوصى به "الحارث بن كعب" سيد مذحج قومه إن "تزوجوا الأكفاء، وليستعملن في طيبهن الماء، وتجنبوا الحمقاء. فان ولدها إلى أفن ما يكون، إلا انه لا راحة لقاطع القرابة" وقد عرفت هذه القاعدة قي "الكفاءة في النكاح". وهي إن يكون الزوج مساويا المرأة في حسبها ودينها ونسبها وبيتها وغير ذلك.
والمرأة في نظر العرب وعاء للولد. هذه نظرتهم إليها في الجاهلية وفي الإسلام. قال "عروة بن الزبير": " لعن الله فلانة، ألفت بني فلان بيضا طوالا، فقلبت هم سودا قصارا". وفي هذا المعنى جاء في الشعر: وأول خبث الماء خبث ترابه وأول خبث القوم خبث المناكح
وللأم أثر خطير في الولد. وقد ذكر "الجاحظ" إن العرب تقول: "عرق الخال لا ينام". وان كثيرا من العلماء يزعمون إن عرق الخال أنزع من عرق العم. ومن دلائل ذلك تباهي الناس بأخوالهم، واعتبار الخال بمنزلة الوالد. وقول العرب: "لئيم الخال"، واحتماء الأولاد بأخوالهم ولجوؤهم إليهم أكثر بن لجوئهم إلى أعمامهم. ودعوتهم لهم عند العصبية. وقول العرب "العرق دساس" و " عرق الخال".
(1/2462)
ولكننا لا نستطيع القطع برأي العرب في موضوع "دس العرق". وفي إن أيا هو أكثر أثرا ووضوحا في الولد: عرق الخال، أم عرق العم? فهناك أمثلة في التأريخ الجاهلي تظهر إن من الجاهلين من كان يقدم العم على الخال، ويرى إن العم مقام الوالد. ولما كان الوالد هو الأصل في النسب عند الجاهليين، وهو الولي وصاحب الحق الشرعي الأول في ولده، يكون هذا الحق في إخوته بعد وفاته. كما أننا في إن بعض الأولاد كانوا ينزعون إلى أعمامهم أكثر من نزوعهم إلى أخوالهم. وموضوع نزع العرق عند العرب، اعتباري اصطلاحي بالطبع، يمثل وجهة نظرهم في النسب، ولا يقوم على أسس "بيولوجية" أي من ناحية اثر الدم وانتقال الخصائص الدموية من الوالد، أو من الأم إلى الولد. وهو موضوع علمي، يختلف عن هذه النظرة الاعتبارية، من حيث انه يقوم على الدراسات العلمية، ولا يأخذ بالاعتبارات والآراء المبينة على اعتبارات أهل النسب في خصائص الولد.
والظاهر إن الوئام لم يكن واقعا دائما بين أبناء العم، إذ نجد إن الخصومات طالما كانت تحدث بينهم. ولعل ذلك بسبب ما ألقاه المجتمع على عاتق العم من تبعات أولاد إخوته حين وفاة الأخ، فانه يكون بحسب العرف القبلي الوصي الشرعي على أولاد المتوفى، وله حق في إرثه بحسب قانون "العصبة" عند وفاة الأخ عن بنات ومن غير أبناء، أو لطمع الأعمام في أموال اليتامى، إلى غير ذلك من أمور سببت حدوث خصومات أحيانا بين الأعمام وبن أبناء الاخوة، أو بين أبناء الأعمام. ولعل هذه الخصومات هي الني جعلت "الجاحظ" يتصور إن أبناء العم محسودون.
ونجد العرب يقولون: "عرق فيه أعمامه وأخواله"، فقدموا الأعمام على الأخوال، واعترفوا بأثر عرق الاثنين في الولد، من كرم أو لؤم، إذ يكون دس العرق في اللؤم والكرم.
(1/2463)
ولاحظ العرب إن الأبوين قد يلدان ولدا يكون لونه مغايرا للونهما، فيحدث نزاعا بين الرجل وزوجته في هذه الولادة الغريبة، وتتهم المرأة أحيانا باتصالها برجل غريب جاء منه هذا المولود، إلا إن منهم من أدرك "دس العرق" في هذه الولادة، واحتمال انتقال هذا اللون من آباء أحد الوالدين. وقد اختصم رجل مع زوجته في مولود ولد له، فجاء إلى رسول الله وقال له: إن امرأتي قد ولدت غلاما أسود، فقال له الرسول: "لعل عرقا نزعه". فاعتقاد العرب إن الولد قد ينزعه عرق من الأب. وفي هذا المعنى أيضا قول "ابن الزبير": "لا يمنعكم من تزوج امرأة قصرها، فإن الطويلة تلد القصير، والقصيرة تلد الطويل، وإياكم والمذكرة فإنها لا تنجب". والمذكرة المتشبهة بالذكور.
وقد حرص العرب لما تقدم على التزوج في الأسر الصحيحة السالمة من الأمراض والعيوب، ليكون النسل صحيحا نجيبا. قال أعرابي لصاحب له: "إذا تزوجت امرأة من العرب فأنظر إلى أخوالها، وأعمامها، واخوتها، فإنها لا تخطئ الشبه بواحد منهم".
لبن الأم
وللبن الأم شأن كبير عند العرب، لما يتركه من اثر في طبيعة الولد، ولشلك كانوا يرون إن تكون الأم مرضعة الولد، إلا إذا تعذر ذلك لسبب، فترضه مرضعة قريبة من أهل المولود أو من المرضعات السليمات من المرض، ومن ذوات العرق الطيب. لأن اللين دساس يؤثر في شاربه.
واهم العرب باختيار المرضعات. لما يكون للبان الرضاع من أثر في الرضيع، ولما يكون المرضعة ولبيتها من أثر فيه، كما اهتموا باختيار من يتأبط المولود ويحمله، لتسليته وتلهيته، لما يتركه ذلك من أثر في تربيته وخلقه. وفي حديث عمرو بن العاص: "ما تأبطتني الإماء ولا حملتني البغايا في غبرات المآلي" أراد انه لم تتول الإماء تربيته. وغبرات المآلي: بقايا خرق الحيض.
(1/2464)
وإذا أراد مدح إنسان والثناء عليه، ذكروا مرضعته وصفاء لبنه الذي رضعه، فقالوا: "نعمت المرضعة"، و " نعمت المرضعة مرضعته". وإذا أرادوا ذم إنسان قالوا: "بئست المرضعة مرضعته"، كناية عن إنها هي التي أرضعته، فخرج رضيعها على شاكلتها. وفي الحديث حين ذكر الأمارة، فقال: "نعمت المرضعة وبئست الفاطمة"، ضرب المرضعة مثلا للأمارة وما يوصله إلى صاحبها من الأحلاب، يعني المنافع، والفاطمة مثلا. للموت الذي يهدم عليه لذاته ويقطع منافعها.
وتعد الرضاعة بمنزلة الأخوة بين المتراضعين، ويفتخر ويتعزز الواحد منهم بالآخر، خاصة إذا كان من السادات والأشراف. والعرب تقول: "هذا رضيعك" أي أخوك من، الرضاع ، وتقول: "استرضع في بني فلان". ويصير كأنه واحد من القوم الذين استرضع فيهم. وتكون المراضع بمنزلة الأم للرضيع.
ويبدأ الزواج برغبة يبديها الرجل لوالديه، أو برغبة من والديه، أو من أحدهما تقدم إلى الولد تطلب إليه إن يتزوج، فإن حصلت الموافقة اختيرت له زوجة، وقد يكون الرجل قد اختار خطيبته وعينها، فإذا وافق أهله خطبوها إلى ولي أمرها، وإذا أبوا فعليه إن يختار أخرى زوجا له، وإذا أبى أقل البنت عليه ذلك تركها، وقد يصر على الزواج بها، ويصر أهله أو أهلها على رفضهم ذلك، وقد يزداد الرجل أو البنت إصرارا على الاقتران معا حتى يتحول ذلك إلى هرب من مكانهما إلى مكان آخر. وقد تقع بغضاء بين أهلي الرجل والبنت من وقوع هذا الزواج.
الخطبة
(1/2465)
وغذا استقر الرأي على البنت، يذهب ولي أمر الرجل أو أقرب الناس إليه إلى ولي أمر البنت، كالأب أو الأخ أو العم أو بني عمها أو غيرهم ممن هم أقرب الناس اليها، يخطب البنت بعد إن يكونوا قد مهدوا لذلك وحددوا الصداق. وكان الخاطب إذا. دخل بيت أهل البنت حياهم ومن كان حاضرا بتحية أهل الجاهلية، مثل: انعموا صباحا، أو عموا صباحا، أو أمثال ذلك، فإذا استقر به المقام، تكلم فيما جاء فيه، كأن يقول: نحن اكفاؤكم ونظراؤكم، فإن زوجتمونا فقد أصبنا رغبة واصبتمونا وكنا لصهركم حامدين، وان رددتمونا لعلة نعرفها رجعنا عاذرين. ثم يجيب ولي أمر البنت جواب مناسبا يضمنه الرضى والقبول، وبذلك تكون البنت قد خطبت لذلك الرجل.
ووصف بعض أهل الأخبار طريقة من طرق الخطبة عند بعض الجاهليين، فقال: كان الرجل في الجاهلية يأتي الحي خاطبا، فيقوم في ناديهم، فيقول: خطب، أي جئت خاطبا. فيقال له: بعد الموافقة نكح، أي قد انكحناك إياها، ومن ذلك ما قدمت من خبر أم خارجة إن صح. وذكر إن "نكحا" هي كلمة كانت العرب تتزوج بها.
ويرتدي أهل الخاطب وأهل المخطوبة خير ما عندهم من ملابسهم ويزينون أنفسهم عند مجيء أهل الرجل إلى بيت البنت لخطبتها. وإذا تمت الخطبة ضمخ والد الخطيبة بالعبير وخلق بالطيب ونحير بعير أو أكثر على حسب منزلة أهل البنت. والعادة عند العرب إن ينحروا بعيرا أو شاة في المناسبات المفرحة المبهجة، فلا بد لمثل هذه المناسبات من "ذبيحة" وإسالة دم. ولما خطب النبي "خديجة" واجابته، استأذنت أباها في إن تتزوجه وهو ثمل، فأذن لها في. ذلك، وقال: هو الفحل لا يقرع أنفه. فنحرت بعيرا، وخلقت أباها بالبعير، وكسته بردا أحمرا.
وكان الجاهليون يقولون الإبل تساق في الصداق: النوافج. وكانوا يقولون عند تقديمها: تهنئك النافجة. على إن بعضهم من كان يكره ذلك. وقد بطل هذا القول في الإسلام.
(1/2466)
وتلبس العروس ثوبا يجعل له ذيل تسحبه حنن تمشي. لأنه يكون طويلا، وقد أشير إليه في شعر لامرىء القيس. إذ. قال: لها قلب مثل ذيل العروس تسد به فرجها من دبر
كما أشر إليه في شعر لخداش بن زهر. إذ قال: لها ذنب مثل ذيل الهدي إلى جؤجؤ أيد الزافر
والهدي: العروس التي تهدى إلى زوجها.
واستعملت المرأة الغنية المسك والطيب في تطبيب جسمها وثيابها. حتى كان المسك يفوح من أردانها. قال قيس بن الخطيم: وعمرة من سروات النسا ء تنفح بالمسك أردانها
و "الصداق" هو مهر المرأة، أي ما يدفعه الرجل إلى أهل البنت عند عقد الزواج، ويقال له الصدقة والصدقة والصدقة والصداق. وترادف هذه الكلمة كلمة أخرى هي "مهر"، وهي من المصطلحات الجاهلية كذلك.
وطريقة العرب من جاهليين وإسلاميين في دفع الرجل "المهر" للزوجة، تناقض المألوف عند اليونان والرومان، حيث جرت عادتهم إن تقدم المرأة صداقها إلى زوجها نقودا أو عينا. وهي الطريقة المألوفة عند الغربيين حتى الآن. وكان الرومان يستغربون طريقة الجاهليين هذه في دفع المهر.
ويروي "روبرتسن سمث" إن ترادف معنى "الصداق" و "المهر" إنما حدث في الإسلام. أما في الجاهلية، فقد كان هناك فرق بن مدلول الكلمتين. فان المراد من كلمة الصداق عند الجاهليين هو ما يقدم إلى العروس. أما المهر، فهو ما يقدم إلى الوالدين.
والرجل إما إن يكون من ذوي قرابة البنت وإما إن يكون من الأباعد، أي غريبا عنها. فان كان من ذوي قرابتها، قال لها ولي أمرها إذا حملت إليه: أيسرت وأذكرت ولا انثت، جعل الله منك عددا وعزا وخلدا. أحسني خلقك، وأكرمي زوجك، وليكن طيبك الماء... ومثل ذلك من كلام. وإذا زوجت في غربة قال لها: لا أيسرت، ولا ذكرت، فانك تدنين البعداء، أو تلدين الأعداء. أحسنى خلقك، وتحببي إلى أحمائك، فان لهم عينا ناظرة إليك، وأذنا سامعة اليك، وليكن طيبك الماء.
(1/2467)
وإذا كان العرس أولموا وليمة، ودعوا إليها ذوي قرابة الزوجين وأصدقاءهم. وتتناسب الولائم مع مكانة العريس وأهله، للهو، فإن كان غنيتم كانت وليمته ضخمة، وربما دعوا إليها أهل الطرب، وقدموا فيها المأكولات الشهية والخمور. ويقال الوليمة التي تقام "الملاك" ويقال "الإملاك"، ويقال الطعام الذي يقدم في "الإملاك" "الشندخ " لأنه يقدم الدخول. وإما ما يصنع الدخول بالمرأة، فيقال له: "وليمة " و "وليمة العرس". وكانوا يعدون ولائم العرس من الأمور اللازمة، ويفعل ذلك حتى القفير الضعيف الحال. وقد حث الإسلام عليها، فورد في الحديث إن الرسول قال لعبد الرحمن بن عوف: "أولم ولو بشاة".
وتزف العروس إلى زوجها، ومعها أصدقاؤها وأهلها: وقد يقتن ذلك بضرب الدفوف والغناء. وقد كان الأنصار يعجبهم اللهو، وهذا كانوا يهتبلون هذه المناسبات للهو فيها. ومما كان يقال في زف العروس: أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم
ولولا الذهب الأحمر ما حلت بوادبكم
ولولا الحنطة السمرا ما سمنت عذاريكم
ويقال لليلة التي تزف فيها العروس إلى زوجها ليلة الزفاف. ويعرف موكب الزفاف ب "الزفة" ويزف "العروس" إلى بيته أيضا، فقد كان من عادة ذوي القرابة والأصدقاء إقامة وليمة له، إذا انتهت رافق المدعوون العريس إلى بيته في موكب يغنى فيه ويضرب بالدفوف. وقد يبقى المدعوون إلى الصباح؛ حيث يحيون ليلتهم، وهي ليلة العرس، بالشرب والغناء واللعب.
وتخلق العروس بالعبير وبأنواع الطيب بحسب سعة حالها وأحوال أهلها المعاشية. وذكر إن "العبير" الزعفران وحده عند أهل الجاهلية. وذكر انه أخلاط من الطيب يجمع بالزعفران،، وورد إن العبير غير الزعفران. وقد اشتهر رداء العروس بطيب رائحته، لما فيه من العبير. قال الأعشى: وتبرد برد رداء العرو س في الصيف رقرفت فيه العبيرا
(1/2468)
وتزفت العروس إلى زوجها ليلا: تزف على قدر حال العروسين، وقد تزف في النهار، ويرافق العروس "موكب" موكب من نساء ورجال على الإبل المزينة يسير والنيران بين يدي العروس. وقد توضع الأنماط على هودج العروس وفي بيتها. وقد منع استعمال النيران في الإسلام؛ لما في ذلك من التشبه بالمشركين، كما نهي عن استعمال أنماط الحرير.
وقد تزف العروس في محفة يقال لها "المزفة"، ومعها، أصحاب "الزفة". وذكر إن "الزفة"، الزمرة. "ومنه الحديث: انه صل الله عليه وسلم، قال لبلال حين صنع طعاما في تزويج فاطمة، رضي الله عنها: "أدخل الناس علي زفة زفة" أي: فوجا بعد فوج ؛ وطائفة بعد طائفة.
وفي المثل: "لا عطر بعد عروس" أول من قال ذلك امرأة اسمها: أسماء بنت عبد الله العذرية، واسم زوجها-وكان من بني عمها-"عروس". ثم مات عنها، فتزوجها رجل من قومها أعسر أبخر نحيل دميم، يقال له "نوفل". فما أراد إن يظعن بها، قالت: لو أذنت لي، رثيت ابن عمي، وبكيت عند رمسه? فقال: إفعلي. فقالت: أبكيك يا عرس الأعراس، يا ثعلبا في أهله، وأسدا عند الباس، مع أشياء ليس يعلمها الناس! فقال: وما تلك الأشياء? فقالت: كان من الهمة غير نعاس ويعمل السيف صبيحات الباس. ثم قالت: يا عروس الأغر الأزهر، الطيب الخيم، الكريم المحضر، مع أشياء لا تذكر فقال: وما تلك الأشياء? قالت: كان عيوفا للخنا والمنكر، طيب النهكة غير أبحنر، أيسر غير أعسر. فعرف الرحل إنها تعرض به. فلما رحل بها، قال: ضمي عطرك. وقد نظر إلى قشوة عطرها مطروحة. فقالت: "لا عطر بعد عروس" فذهبت مثلا. أو "لا مخبأ لعطر بعه عروس".
وتحمل العروس معها أدوات زينتها وموادها الأخرى تضعها في قشوة: قفة من خوص يجعل فيها مواضعها للقوارير بحواجز بينها لعطر المرأة وقطنها، قال الشاعر: لها قشوة فيها ملاب وزنبق إذا عزب. أسرى إليها تطيبا
(1/2469)
ويقال البنت العذراء التي لم تقتض "البكر". ويقال ذلك للرجل الذي، لم يقرب امرأة بعد. وزوجها الأول هو الذي يفتض بكارتها. وإذ كانت لسلامة بكارة البنت مكانة عند العرب، كانوا يعرضون دم البكارة على الأقارب، ليكون شهادة على سلامة بكارتها. ويكنى عن البكارة والبنت البكر ب "بنت سعد".
والزواج حادث مهم في حياة الإنسان، ولذلك يعلن عنه بفرح وسرور، ويقال لذلك "بشاشة العرس". يعلن عنه بدعوة "وليمة" تولم لذوي القربى والأحباء والجيران والأصدقاء، تقترن بالغناء وبالضرب على الدفوف أحيانا، وبارتداء ملابس نظيفة مناسبة، أو ملابس مصبوغة بصفرة، والصفرة عند أهل الحجاز في. ذلك العهد علامة العرس والفرح والسرور، كما كانوا يصبغون أيديهم ولحاهم بالزعفران، ويكحلون عيونهم، والكحل عندهم من الزينة أيضا. ويقال الطعام يصنع لعرس: "الوليمة"، وقد ذهب بعض علماء اللغة إلى إن اسم الوليمة مختص بطعام العرس. وقد حث الإسلام عليها. ورد في الحديث قوله لعبد الرحمن بن عوف: أولم ولو بشاة.
ويقابل الزوج على تفضله بالدعوة إلى الوليمة بكلمات فيها خير وشكر وتمنيات الحياة الزوجية الجديدة، ويقال له عند الانتهاء والانصراف: على الطائر الميمون، وبالرفاه والبنين. وقد كره في الإسلام القول: بالرفاه والبنين لأنه من أقوال الجاهلية، ولما فيه من الإشارة إلى بغض البنات، لتخصيص البنين بالذكور، وإحياء سنن الجاهلية.
المال والبنون
(1/2470)
وإذا ولد مولود ذكر، سر أهله بميلاده. والعرب مثل غيرهم من الشعوب القديمة كانوا يفرحون بميلاد ولد ذكر، ويغتمون إذا ولدت لهم أنثى، ويقيمون وليمة لميلاده، وكثرة البنين من المفاخر التي يفتخر بها أهل الجاهلية. إن كثرتهم نعمة وعزة. والبنون والمال زينة الحياة الدنيا. بالبنين يدافع، الرجل عن نفسه وعن بيته، وبهم ينال المال والحق والأخذ بالثأر، فهم الحماية ورأس المال. ونقرأ في أخبار أهل الأخبار افتخار الأباء والأمهات بكثرة ما أنجبوا من أولاد، ولا سيما إذا كان الأولاد حازوا شهرة بالجود بالشجاعة أو بأمثال ذلك، أو سادوا قومهم ورأسوهم. ورد في القرآن: )المال والبنون زينة الحياة الدنيا(. صحيح إن أعالتهم مسألة صعبة عسيرة، ولا سيما إعالة الفقراء أولادهم، غير إن الحياة الاجتماعية في ذلك العهد لم تكن على مستوى عال من المعيشة تطلب مالا يضمن الوالد به عيش أولاده، إنما كانت المعيشة سهلة لا تتطلب حاجات كثيرة، ولم تكن بالناس حاجة شديدة إلى النقود، فما بقوم به المرء من مجهود بدني هو أصيلة كل إنسان، وبه يعيش، وبه يحصل على ما يحتاج إليه من وسائل المعيشة محدودة. فإذا كثر الأولاد، ازدادت وسائل المعيشة، وعاش الوالد عيشة ناعمة طيبة، وحصل بفضلهم على قوة ومنعة.
وقد ذكر أهل الأخبار عددا من الرجال عرفوا ببنين حصلوا على شهرة وذكر، فكانوا يفتخرون بهم بين الناس. من هؤلاء "سعد العشيرة"، قيل له "سعد العشيرة" لأنه كان يركب في عشرة من أولاده الذكور، فكأنه منهم في عشيرة، فصار مثلا للرجل يستكثر بأبنائه وعشيرته ويتعزز بهم. و "الحارث بن سدوس". وكان له واحد وعشرون ولدا ذكرا.
(1/2471)
ويكون الذكور فخرا الأمهات وقوة لهن، ويقال المرأة التي تلد الأولاد الكرماء الأشراف منجبة ومنجاب. "ولم تكن العرب تعد منجبة من لها أقل من ثلاثة بنين أشراف". وتعرف ب "أم البنين" كذلك. ومنهن "أم البنين بنت عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن ضعصعة"، و "عمرو بن عامر، هو "فارس". ولدت "أبا براء" ملاعب الأسنة، و "طفيلا" فارس قرزل و "ربيعة" ربيع المقترين، و "معاوية" معوذ الحكماء، "سلمى" نزال المضيق، بني مالك بن جعفر بن كلاب.
وقد أشار القرآن الكريم إلى نفرة العرب من البنات، وما كان يصاب به الرجل من ضيق صدر ومن هم إذا بلغ إن مولوده أنثى، قال تعالى: )وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم(. ويزداد كربه إذا زاد عدد بناته، وقد يعمدون إلى "الوأد"، أي دفنهن أحياء للتخلص منهن. قيل: " إنهم كانوا يقتلونهن خوف العار". والى ذلك أشار القرآن الكريم: )ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق. نحن نرزقهم وإياكم(، )ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقهم وإياكم(.
وقد افتخرت "بنو عبس" ب "زهير بن جذيمة بن رواحة" العبسي، لأنه كان أبا عشرة، وعم عشرة، وأخا عشرة، وخال عشرة، ورأس غطفان كلها في الجاهلية ولم يجمع على أحد قبله. فكثرة البنين من موجبات الفخر والاعتزاز والتباهي عند الجاهليين.
العقيقة
(1/2472)
وإذا كانت نهاية الإنسان ضد الجاهلين مقترنة بالدم، فإن مبدأ حياته مقترن عندهم بالدم كذلك. لقد كان من عادتهم ذبح شاة عند ميلاد مولود وتلطيخ شيء من دمها برأس المولود، ويقال لهذه الذبيحة "العقيقة"، وهي كلمة جاهلية وردت في الشعر الجاهلي. وتذبح عادة في اليوم السابع من ميلاد المولود. وقد أقر الإسلام ذلك، فوردت الكلمة في الحديث. ويذكر علماء اللغة ان معنى العقيقة هو شعر كل مولود يخرج على رأسه في بطن أمه، وانه قيل الشاة المذبوحة. لذبحها عند الاحتفال بحلق هذا الشعر. وقد كانوا يعيرون من لم تحلق عقيقته، إذ يرون في ذلك منقصة لا تليق بالرجل الكامل.
ويستقبل المولود بدلك جنكه بالتمر المضوغ، أو الحلو مثل عسل النحل، وكل ما لم تمسه نار من الحلو. وكان العبرانيون يفركون المولود بالملح. واستقبال المواليد بمثل هذه الأمور من العادات الشائعة عند كثير من الأمم القديمة، وهي عادات وشعائر دينية أيضا. فإن الشعوب القديمة لم تكن تفرق كثيرا بين العادات والشعائر بخلاف الحال في الزمن الحاضر. ولاستقبال المولود بدلك جسمه بالحلو أو بالملح أو بما شابه ذلك، معنى التفاؤل. فالحلو رمز السعادة والفرح. وإما الملح، فانه عنصر مهم من عناصر الحياة عند الأمم القديمة. والخبز والملح هما رمز الصداقة والمودة حتى اليوم.
ويسلى الأطفال باعطائهم العرائس والتماثيل الصغيرة يلعبون بها ويقضون وقتهم بالتسلي بها وبمكالمتها على نحو ما يفعل أطفال اليوم. كما يتسلون باللعب معا بألعاب خاصة بالصبيان.
الختان
(1/2473)
ويعد الختان من العادات الجاهلية القديمة، والعرب في ذلك كالعبرانيين. وهو أمر لم يرد ذكره في القرآن الكريم، إنما ورد ذكره في الحديث. وترجع الكلمة إلى أصل سامي شمالي قديم. والختان في الأصل نوع من أنواع العبادة الدموية التي كان يقدمها الإنسان إلى أربابه، وتعد أهم جزء من. العبادات في الديانات القديمة. فقطع جزء من البدن وإسالة الدم منه، تضحية ذات شأن خطير في عرف أناس ذلك العهد، كما كان حلق الشعر كله أو جزء منه نوعا من أنواع التقرب إلى الآلهة. والختان في الإسلام معدود من سن الفطرة التي ابتلى الله إبراهيم بها ؛ وهي الكلمات العشر. وفي جملتها الختان.
وقد كان الجاهليون يسمون من لم يختتن: أقلف وأغلف وأغرل، ويعيبونه، ويعدونه ناقصا. وذكر انتشار هذه العادة عند العرب بعض الكتبة "الكلاسيكيين" مثل: "يوسفوس" المؤرخ اليهودي و " أويسبيوس" و "سوزومينوس" "Sozomenius" ويظهر انه كان معروفا عند العرب الجنوبيين وعند الحبشة كذلك. وقد طبق على النوعين الذكور والإناث. وكانت العرب. تزعم إن الغلام إذا ولد في القمراء قسحت قلفته فصار كالمختون؛ قال امرؤ القيس وقد كان دخل مع قيصر الحمام فراه أقلف، على ما يزعمه أهل الأخيار: إني حلفت يمينا غير كاذبة لأنت أقلف إلا ما جنى القمر
وذكر "يوسفوس " إن العرب يختنون أولادهم عند بلوغهم عشرة من سنهم. ومن الضعف قبول خبره، ويظهر من موارد أخرى إن الجاهليين لم يعينوا عمرا معينا الاختتان وأحسب إن هذا الكاتب اعتمد على ما جاء في التوراة عن اختتان إسماعيل وهو في الثالثة عشرة من عمره، أو انه اعتمد على ما سمعه من بعض القبائل الإسماعيلية الساكنة في المناطق الشمالية الغربية من جزيرة العرب، فظن إن الاختتان عند جميع العرب هو في هذه السن.
(1/2474)
وقد ورد في بعض الأخبار إن الروم حاولوا منع العرب من الاختتان. والاختتان من المناسبات المفرحة المبهجة في حياة الأسرة، لهذا كان من عادة العرب يدعون ذوي القرابة والأصدقاء إلى الولائم ويلبسون الأطفال أحسن ما عندهم من لباس ابتهاجا وفرحا بذلك.
الرجولة
واذا بلغ الطفل، صار رجلا، وجاز له حينئذ إن يفعل فعل الرجال. واحتفل أهله بذلك عند الصنم "Oratai"، الذي يقابل الإله "باخوس" "Bacchus" عند اليونان، ويبلغ الاحتفال غايته عند قص الضفائر ورميها أمامه. لأن ذلك معناه عندهم دخول الشاب في مرحلة الرجولة، ودخوله في عبادة هذا الإله.
والبلوغ أدراك الغلام والجارية. وقد كان أهل مكة إذا بلغت عندهم الجارية أخذوها إلى "دار الندوة" فدرعوها بها، علامة على بلوغها.
ومن أمثال العرب: "ولدك من دمى عقبيك"، أي من نفست به، وصير عقبيك ملطخين بالدم، فهو ابنك حقيقة، لا من أخذته وتبنيته وهو من غيرك. والابن الشرعي، من ينسب إلى أبيه بنسب صحيح، وعزي إلى والده. ويقال: انه لحسن العزوة، أي صحيح النسب حسنه.
والعادة. عند اكثر الساميين نسبة الأولاد إلى الآباء. ونجد اكثر أسماء الجاهليين على هذا النحو. وهناك أشخاص عرفوا بأسماء امهاتهم، والاخباريين في تفسيرها آراء، الغالب انهم اشتهروا بأمهاتهم لما كان لأمهاتهم من كفايات وصفات خاصة جعلت لهن صيتا بعيدا طغى على اسم الرجال، فنسب أبناؤهم اليهن لهذا السبب تمييزا عن بقية الأبناء الذين قد يكونون للرجل من زوجة أخرى. ومن هذا القبيل اشتهار "عمرو" ملك الحيرة ب "عمرو بن هند". واشتهار "المنذر"، وهو أحد الملوك ب "المنذر بن ماء السماء" على رأي من جعل "ماء السماء" اسم والدة الملك.
(1/2475)
ولم يكن الجاهليين قواعد ثابتة معينة في تسمية المواليد، ففي بعض الروايات إن الأجداد أو الآباء هم الذين كانوا يقومون بتسمية المولود، وفي روايات أخرى ما يفيد قيام المرأة بهذه المهمة. والذي يتبين من غربلة الروايات إن الرجال هم يسمون الأولاد، فيضعون لهم الأسماء. إما تسمية البنات فكانت في الغالب من اختصاص النساء. وقد يثبت اسم المولود ويحدد في اليوم السابع من مولده، أي في يوم "العقيقة". وتذكر كتب السير إن "عبد المطلب" هو الذي سمى الرسول محمدا، في يوم سابعه، أخذه فدخل به الكعبة، ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها، وفي هذا اليوم عق له على عادة العرب في ذلك العهد. وتذكر أيضا إن قريشا "قالوا لعبد المطلب ما سميت أبنك هذا? قال سميته محمدا".
وتختلف التسميات في جزيرة العرب، كما تختلف معانيها، فالأسماء المشهورة عند العرب الجنوبيين والواردة في نصوص المسند لا ترد في قوائم أسماء الجاهليين الذين كانوا يعيشون قبيل الإسلام في نجد والحجاز. وأسماء اكثر ملوك العرب الجنوبيين ولا سيما الذين عاشوا منهم قبل الإسلام هي أسماء مركبة، ولها صلة بالآلة. إما أسماء الملوك الشماليين فأكثرها مفردة مثل المنذر والنعمان والحارث وعمرو وأمثال ذلك. والأسماء الشمالية المركبة لها صلة بالأصنام، ولكن بأصنام العرب الشماليين، مثل عبد مناة، وعبد العزى، وامرئ القيس، وعبد ود وأه وما أسماء سواد الناس، فتختلف كذلك في العربية الجنوبية عنا في الشمال، وفي المواضع الأخرى من جزيرة العرب. وقد احدث الإسلام تغييرا كبيرا في الإنهاء، فاجتث منها كل ما له صلة بالوثنية وبالأوثان، وجاء بتسميات لم تكن شائعة بين الجاهليين، مثل: محمد وعلي وأمثال ذلك من أسماء لها صلة بالرسول وبالصحابة وبتأريخ الإسلام.
ما كان العرب يسمون به أولادهم
(1/2476)
وقد بحث "الجاحط" في علل التسميات عند العرب وفي أسبابها، فقال: "والعرب إنما كانت تسمى بكلب، وحمار، وحجر، وجعل، وحنظلة، وقرد، على التفاؤل بذلك. وكان الرجل إذا ولد له ذكر خرج يتعرض لزجر الطير والفأل، فان سمع أنسانا يقول حجرا، أو رأى حجرا، سمى ابنه به وتفاءل فيه الشدة والصلابة والبقاء والصبر، وأنه يحطم ما بقي. وكذلك إن سمع أنسانا يقول ذئبا أو رأى ذئبا، تأول فيه الفطنة والخب والمكر والكسب. وان كان حمارا تأول فيه طول العمر والوقاحة والقوة والجلد. وان كان كلبا تأول فيه الحراسة واليقظة وبعد الصوت والكسب وغير ذلك". وجاء بآراء آخرين على هذه التسميات وعلى آرائهم فيه.
وتعرض "الجاحظ" إلى أسماء الحيوان التي تسمى بها الناس. فذكر منها: غراب، وصرد، وفاختة، وحمامة، ويمام، ويمامة، وعقاب، وقطامي، وحجل، و صقر، وصقير، وطاووس، وطويس، وحيقطان، والغرانيق، والغرنوق.
المعمرون
وقد عمر بعض أهل الجاهلية عمرا طويلا، فعدوا من المعمرين في الجاهلية. وروى أهل الأخبار أخبارهم وألف بعضهم كتبا فيهم. فلأبي حاتم السجستاني مؤلف في المعمرين. والعادة عند العرب إن المرء إذا شاخ وكبر بالغوا في تقدير عمره، وزادوا في سني حياته. حتى جعلوا المعمر من عاش فوق المئة عام. ولا يعد المعمر معمرا عندهم إلا إذا عاش مائة وعشرين سنة وصاعدا، وهذا، فلا نستغرب ما يرويه أهل الأخبار عن بعضهم من انهم عاشوا فوق المئة بكثير.
(1/2477)
ومن المعمرين: الحارث بن كعب بن عمرو بن وعلة بن خالد المذحجي. يزعمون انه عاش مائة وستين سنة. ورووا له وصية في الأخلاق والآداب والمواعظ والحكم. بين فيها انه على دين شعيب النبي، وما عليه أحد من العرب غيره، وغير أسد بن خزيمة، وتميم بن مرة. وأنه لم يصافح غادرا، ولم يتعلق بأخلاق فاجر، ولا صبى بابنة عم له ولا كنة. ولا جاءته مومسة. وأوصى أولاده بالتجمع، وبالموت في سبيل العز، وبالحذر من الناس، وبتزوج الأكفاء وبتجنب الزواج من المرأة الحمقاء، لانتقال المقق منهن، إلى من يلدن. وأوصى بوصل الرحم، وبلزوم إطاعة الوالدين، ونبذ الحقد والضغينة.
ومنهم: المستوغر: وهو عمرو بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة. ذكروا انه عاش ثلاثمائة وعشرين، وأدرك الإسلام أو كاد يدرك أوله. ونسبوا له شعرا وحكما.
وحشروا في المعمرين: "دويد بن زيد" من قضاعة. ذكروا انه عاشر أربعمائة سنة وستا وخمسين سنة ونسبوا له وصية فيها: "أوصيكم بالناس شرا، لا ترحموا لهم عبرة، ولا تقيلوا لهم عثرة" إلى آخر ذلك من وصية فيها شدة على الناس وحث لأهله على عدم الرحمة بهم، وألا يرحموا أحدا، والا يهنوا. وهي تمثل وضعا خاصا ورأيا لواضع هذه الوصية ولراويها من أناس زمانه، فيها سوء طن، ووجوب الحذر والاعتماد على النفس: حيث لا ينفع الإنسان في حياته إلا نفسه.
(1/2478)
ومن المعمرين: زهير بن جناب. عاش مائتي سنة وعشرين سنة. وأوقع مائتي وقعة، وكان سيدا مطاعا شريفا في قومه. فيه عشر خصال لم يجتمعن في غيره من أهل زمانه، كان سيد قومه، وشريفهم، وخطيبهم، وشاعرهم، ووافدهم إلى الملوك، وطبيبهم، وحازي قومه، وكان فارس قومه وله البيت فيهم. وقد نسبوا له وصية، على عادتهم في نسبت هم الوصايا إلى المعمرين. ذكروا انه أوصى بنيه فيها بوجوب التجمع ومقاومة النوائب وترك التخاذل والاتكال، وبعدم الغرور في هذه ا الدنيا، فإنما الإنسان في هذه الدنيا غرض، تعاوره الرماة فمقصر دونه، ومجاوز موضعه، وواقع عن يمينه وشماله، ثم لا بد انه مصيبه. ورووا له شعرا وحكما.
وذكر انه كان على عهد "كليب وائل"، ولم يكن في العرب انطق من زهير ولا أوجه منه عند الملوك، وكان لسداد رأيه يسمى كاهنا، ولم تجمع قضاعة لا علية وعلى رزاح بن ربيعة.
واختلف في عمر "ذو الأصبع العدواني" يوم مات. فذكر بعضهم انه عاش مائة وسبعن سنة. واستقل "أبو حاتم السجستاني" هذا المقدار، فجعله ثلاثمائة سنة. وهو من "عدوان". وأحد حكام العرب في الجاهلية. ونسبوا له على عادتهم بالنسبة للمعمرين حكما وشعرا.
ومن المعمرين الذين ذكرهم أهل الأخبار "معد يكرب الحميرني"، من آل ذي رعين، و "الربيع بن ضيع الفزاري". ذكر انه عاش أكثر من مائتي سنة. وانه لما بلغ مائتين وأربعين سنة قال شعرا في ذلك. وقد عاش في الإسلام أيضا وأدرك ألام معاوية.
(1/2479)
وجعلوا عمر "أبو الطحان القبني" مائتي سنة ونسبوا له حكما وشعرا. وأبى "الكلبي" إن يجعل عمر "عبد المسيح بن بقيلة الغساني"، وهو عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيان بن بقيلة، أقل من ثلاثمائة وخمسين سنة. وجاراه في ذلك "أبو مخنف" وآخرون. وذكروا انه عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام فلم يسلم، ومات نصرانيا. وذكروا إن "خالد بن الوليد" لما نزل على الحيرة، وتحصن منه أهلها أرسلوا إليه "عبد المسيح بن بقيلة" ليكلمه فسأله خالد أسئلة عديدة. منها: أعرب أنتم أم نبط? قال عبد المسيح: عرب استنبطنا ونبيط استعربنا. ثم سأله: كم أتى لك? قال: ستون وثلاثمائة سنة. ثم عاد إلى قومه فنصحهم بمصالحة خالد. ورووا له شعرا في دخول المسلمين الحيرة، وكيف صار أمر "آل المنذر"، وقد تحسر فيه على الأيام الماضية، التي ولت حتى آل الأمر بهم إن يؤدوا الخراج. إلى "معد" التي اقتسمتهم علانية كأقسام الجزور، يؤدون لهم الخراج، بعد خراج كسرى وخراج من قريظة والنضير. ثم خلص إلى إن الدهر هو كذلك لا يدوم على حال. فيوم من مساءة ويوم من سرور.
وذكر إن بعض سادات أهل الحيرة خرج إلى ظاهرها يختط دارا، فلما احتفر موضع الأساس، وأمعن في الاحتفار أصاب كهيئة البيت، فدخله فإذا رجل على سرير من رخام، وعند رأسه كتابة: أنا عبد المسيح بن بقيلة.
حلبت السهر أشطره حياتي ونلت من المنى بلغ المزيد.
وكافحت الأمور وكافحتني فلم أحفل بمعضلة كئود
وكدت أنال في الشرف الثريا ولكن لا سبيل إلى الخلود
(1/2480)
وأدخلوا "النابغة الجعدي"، وأسمه "قيس بن عبد الله بن عدس" في المعمرين. ولكنه لم ينل من أهل الأخبار عمرا يستحق الذكر. إذ منحوه أقصر ما يمكن من العمر بالنسبة للمعمرين. وهو عشرون ومائة سنة. وتفضل "أبو حاتم السجستاني" عليه فمنحه مائتي سنة. وأبو حاتم من. الكرماء جدا بالنسبة لمنح الأعمار إلى المعمرين. وقد أدرك الإسلام فأسلم. ومدح الإسلام بشعر. ويذكر انه جاء الرسول وأنشده من شعره.
وذكر "الجاحظ" نقلا عن المتقدمين عليه، انهم "ذكروا انهم وجدوا أطول أعمار الناس في ثلاثة مواضع: أولها سرو حمير، ثم فرغانة، ثم اليمامة، وان في الأعراب لأعمارا أطول، على إن لهم في ذلك كذبا كثيرا".
أصحاب العاهات
والعمى من العاهات المعروفة بين الجاهليين. منهم من ولد أعمى، أو أصيب بالعمى في طفولته، ومنهم من أصابه وهو على كبر. وذكروا إن من أشراف العميان "زهرة بن كلاب" و "عبد المطلب بن هاشم" و "العباس بن عبد المطلب"، وغيرهم.
و "العور" من العاهات التي كان الجاهليون يعيبون من أصيب به. وكانوا يرمون العوران باللؤم والخبث. وقد أصيب به بعضهم في الحروب. "كأبو سفيان" فقد أصيب يوم الطائف بالعور، وأصيب غيره في معارك أخرى.
وأصيب بعض الناس بالبرص. وقد ذكر "السكري" أسماء جماعة من "البرص الأشراف"، ومن هؤلاء: "جذيمة الأبرش"، الملقب ب "الوضاح"، وذكر إن "الوضح" كناية عن "البرص"، وكانت قريش تخاف البرص خشية العدوى. فأخرجت "أبا عزة عمرو بن عبد الله بن عمير بن وهب" عنها، مخافة العدوى، فكان يكون بالليل في شعف الجبال، وبالنهار يستظل في الشجر، وسقي بطنه، فأخذ مدية فوجأ بها في معدته. فسال ذلك الماء، فبرأ يرصه، ورجع إلى مكة.
(1/2481)
ومن العاهات "الفقم"، وهو تقدم الثنايا العليا، فلا تقع على السفلى، إذا ضم الرجل فاه. ثم كثر حتى صار كل معوج أفقم و "العرج"، ومن أشهر "العرجان الأشراف" "الحارث بن أبي شمر الغساني"، و "عبد الله ابن جدعان"، و "الحوفزان بن شريك الشيباني"، و "النابغة الذبياني"، وغيرهم.
ومن المعييات في الإنسان، ألا يكون للرحل شعر في وجهه. ويقال لمن عرى وجهه من الشعر "الكوسج". وذكر انه الذي عرى وجهه من الشعر إلا طاقات في أسفل حنكه، كالأثط والثط. والثط هو القليل شعر اللحية والحاجبين. ويقال: رجل ثط ، وامرأة ثطة الحاجبين. ومن الثط "الحارث بن أبي شمر الغساني"، و "المنذر بن النعمان بن ماء السماء اللخمي"، و "عبد الله ابن جدعان" و "قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري".
حياة الشبان
ومن الشبان من كان يقضي وقته بالشراب، وبمصاحبه القيان، وهم أولاد اليسار والمجان. وكان منهم من يأوي إلى منزل أحدهم فيعكفون على اللهو وافي شرب، لا يعبأون ولا يكترثون ومنهم شباب مكة قبل الإسلام. وكان منهم قوم مستهترون لم يبالوا بحرمة ولا بأحد، حتى إن شبابا من شباب مكة سرق من خزانة الكعبة لينفق مما سرقه على شربه وقيانه. وقد عرف هؤلاء ب "الفتيان". وكانوا يقضون أوقاتهم بالشرب وبلبس الملابس النظيفة، وبالسماع إلى القيان كما عرفوا بالسناء على من حولهم وعلى من يجتمع معهم من الفتيان. وكانوا شجعانا، يخرجون إلى القنص والصيد. وقد أشار أهل الأخبار إلى أسماء بعض هؤلاء الفتنيان.
(1/2482)
وشباب الجاهلية مثل شباب أهل كل زمان، لا يختلفون عنهم بشيء، في تأنق بعض منهم وفي محاولته إظهار شبابه تجاه البنات. فكان شباب القرى والمدن ولا سيما الوضيئون منهم وأهل الجمال يتسكعون في الأسواق وفي مواضع التجمع، بل وحتى في المعابد ليعبثوا في كلامهم مع البنات وليتحدثوا إليهن، شأن أي شاب في هذه الدنيا بالنسبة إلى الشابات. وقد اضطر آباء وأقرباء بعض هؤلاء الشباب على تقريع أبنائهم لتجاسرهم على بنات الحي. حتى منع البعض من الشباب الجميل من التأنق في الملبس حتى لا يلفتوا إليهم أنظار البنات، فيثن فيهم عاطفة الجموح نحو التشبب والحب.
وذكر "محمد بن حبيب" أسماء رجال من مكة كانوا يتعممون مخافة النساء على أنفسهم من جمالهم. ويظهر انهم كانوا يرخون العمائم حتى تنزل على الوجه فتخفي معالمه، ولا يبدو عندئذ شيء من معالم جمال ذلك الشخص. ولم يذكر فيما إذا كانوا قد فعلوا ذلك من أنفسهم ضبطا للنفس من الوقوع في غوى الشيطان، وتحت تأثير سعر العيون، أم انهم أجبروا على ذلك إجبارا، على نحو ما كان يفعله أهل مكة بالنسبة إلى المستهترين من شبابهم، ليكون التعميم أحد الحواجز التي تحول دون سقوط عين المرأة. على الشاب الجميل أو الرجل الجميل. أو انهم فعلوه هم، على انه "موضة" وذي من أزياء الشباب. ومن الرجال الذين ذكر "ابن حبيب" انهم تعمموا مخافة النساء ولم يكونوا من أهل مكة، "امرؤ القيس بن حجر الكندي"، و"قيس بن الخطيم" الأوسي، و "ذو الكلاع الحميري"، و "زيد الخيل بن مهلهل الطائي". ولم يذكر السبب لم في إقحام مثل هذه الأسماء في موضوع التعمم بمكة. هل ذكرهم بمعنى انهم كانوا إذا قدموا مكة تعمموا، خشية الوقوع في هوى النساء، فيجلب عليهم صداعا وصداما مع أهل أولئك النسوة، أو انه ذكرهم بمعنى انهم كانوا يتعممون مثل أهل مكة حذر الوقوع في الحب، فدرج أسماءهم في هذا الموضع لهذه المناسبة.
(1/2483)
-
وقد ذكر "ابن حبيب" إن "الحضر"، وهو أحد من كان يتعمم مخافة الوقوع في حب النساء، لم يكتف بالتعم، بل تبرقع أيضا. ولعله فعل ذلك بتأثر ديني، أخذ ذلك عن الرهبان والمتزمتين بدينهم من أهل الجاهلية الذين حجبوا أنفسهم عن الناس وآووا إلى الغار أو قمم الجبال للتبصر والتأمل والابتعاد عن الملأ، ولا سيما عن النساء.
الفتيان
واعرف شباب أبناء الأغنياء والجاه ب "الفتيان". وأحدهم "فتى". ويراد به الشاب. وقد تطلق على السخي الكرم، وهو من "الفتوة". وكثيرا ما نقرأ في كتب أهل الأخبار جملا" تشير إلى "الفتوة" في الجاهلية، مثل "وهو من فتيان قريش أيضا". يريدون بذلك جماعة من أبناء الأسر عاشت عيشة شباب وعبث، تلهو وتشرب، وتنفق وتعطي، وتغيث، وتتسابق، وتقتل وقتها في اللذة والاستمتاع وفي الأنفاق على الجسد، على نحو ما يفعله أبناء الطبقة المترفة في كل وقت. وقد كانت لها نجدة وشهامة، إذا استنجد بأحدها هب لنجدة المستنجد ودافع عنه.
الأحامرة
والحياة عند بعض الناس: خمر ولحم وخلوق. فهي متع الحياة عندهم. قال الأعشى: إن الأحامرة الثلاثة أهلكت مالي وكنت بها قديما مولعا
الخمر واللحم السمين وأطلي بالزعفران فلن أزال مبقعا
والحياة عند البعض خمر ونساء. واتهمت المرأة بحبها الحلي والطيب. ورد: "أهلك النساء الأحمران. يعنون الذهب والزعفران، أي أهلكهن حب الحلي والطيب". وورد "الأحمران: اللحم والخمر". ويقال للذهب والزعفران: الأصفران، وللماء واللبن الأبيضان، والتمر والماء الأسودان. وفي الحديث: أعطيت الكنزين الأحمر والأبيض. والأحمر الذهب والأبيض الفضة. والذهب كنوز الروم، لأنها الغالب على نقودهم. وقيل أراد العرب والعجم. وقيل: الأحامرة: اللحم والخمر والخلوق. وورد الأحمران: الخمور والبرود.
الخمور
(1/2484)
وفي مجتمع الحياة فيه على وتيرة واحدة، والفراغ فيه أكثر من العمل، ومرافق اللهو والتسلية فيه قليلة أو معدومة، والفقر فيه أكثر من الغنى، وتشغيل الفكر. فيه محدود ضيق-في مجتمع كهذا المجتمع لا بد وان يقبل الناس فيه على قتل فراغهم بالبحث عن شيء ينسيهم فراغهم وفقرهم وشدة حاجتهم، ويلهيهم عن قساوة الطبيعة عليهم، ويبعث فيهم الأمل والطرب والنشوة، والشعور بأنهم سادة ملكوا الدنيا، وان كل واحد منهم هو "رب الخورنق والسدير"، فكان إقبالهم على الخمر شديدا، حتى أفرطوا في شربه وآذى بعضهم نفسه من شدة لا إقباله عليه، فصار آفة من الآفات، حتى ضحى شاربه بمركزه وماله في سبيله، فكان ذلك من عوامل تحريمه في الإسلام.
وقد كان الخمر من متع الحياة الثلاث بالنسبة للشباب. والمتع الثلاث: الخمر والقمار والنساء. فإذا أضيفت الشجاعة إليها صار الفتى من خيرة الفتيان، لذلك كان الشباب يفتخرون إذا جمعوا بين هذه المتع ويتباهون على غيرهم بها. وربما ارتكبوا المعاصي والمخالفات في سيبل الحصول على المال للأنفاق على متعهم هذه وعلى ملذاتهم وملاهيهم في هذه الحيان.
ومن أسماء الخمر: العقار، سميت لمعاقرتها أي لملازمتها السن. والمعاقرة الإدمان ومعاقرة الخمر إدمان شربها. وقيل سميت عقارا لأن أصحابها يعاقرونها أي يلازمونها أو لعقرها شاربها عن المشي، وقيل هي التي لا تلبث إن تسكر.
والسكران نقيض الصاحي. والسكر حالة تعترض بين المرء وعقله. وأكثر ما يستعمل ذلك في الشراب المسكر. و "السكير" الكثير السكر. و "المدمن" هو الملازم للشراب وغيره، لم يقلع عنه، فهو يلازمه ولا يقلع عن شربه أو شرب الخمر.
(1/2485)
وقد أدمن كثير من أهل الجاهلية على شرب الخمر، وهلك قسم منهم بسببها. وقد حذر من ذلك الإسلام فورد: "مدمن الخمر كعابد الوثن"، و "لا يدخل الجنة مدن خمر" وعرف علماء اللغة "الخمر" بما أسكر من عصير العنب ومن عصير كل شيء يسكر. ولما نزل الأمر بتحريم الخمر، كان شرابهم بالمدينة يومئذ الفضيخ، البسر والتمر في الغالب. غير إن الجاهلين كانوا يصنعون الخمر من أي شيء يقع في أيديهم مما يمكن تخميره للحصول على مادة مسكرة منه مثل الحبوب الأعشاب وغير ذلك، بل كان منهم من يخمر اللبن، ولا سيما للبان الإبل، الانتشاء بها. و "النشوة" السكر.
وكان أهل المدينة يسقون ضيوفهم شرابا من الفضيخ. فإذا جاءهم ضيف سقوه منه. كانوا يضعونه في قلال وجرار وهو خليط من بسر وتمر، ومن تمر وزهو. والزهو هو البسر الملون الذي ظهرت فيه الحمرة والصفرة، كما كانوا يصنعونها من خلط الزبيب والتمر أيضا. وكانوا يجلسون مجلسهم، ويسقيهم أحد أبناء صاحب الدار أو خادم من خدمه، من قلال أو كؤوس يدرر بها عليهم قليلا قليلا.
واستخرج أهل اليمن من الشعر شرابا عرف عندهم باسم "المزر". وذكر إن "المزر" نبيذ الذرة والشعير والحنطة والحبوب، وقيل: نبيذ الذرة خاصة. وذكر أبو عبيد إن ابن عمر فسر الأنبذة، فقال: البتع نبيذ العسل، والجعة نبيذ الشعير، والمزر من الذرة، والسكر من التمر، والخمر من العنب. وورد إن أهل اليمن كانوا يتخذون شرابا مسكرا من القمح يستعينون به على برد بلادهم ويتقوون به على عملهم. وقد منعوا عن ذلك في الإسلام حين. نزل الأمر بتحريم الخمور.
ومن الخمور نوع اشتهر في العراق باسم "الخمور الصريفية" نسبت إلى قرية "صريفون" عند "عكبراء" في العراق، وإياها عنى الأعشى بقوله: وتجبى إليه السيلحون ودونها صريفون في أنهارها والخورنق
ووصف الأعشى في شعر آخر الخمر الصريفية فقال: تعاطي الضجيع إذا أقبلت بعيد الرقاد وعند الوسن
(1/2486)
صريفية طيب طعمها لها زبد بين كوب ودن
وذكر بعض العلماء إنها إنما عرفت بصريفية.، لأنها.أخذت من الدن ساعتئذ كاللبن الصريف.
وكانوا يضعون خمرهم في زق يحملونه معهم، فأينما يكون الإنسان يكون خمره معه. وقد كانوا يكثرون من استعماله كما يظهر ذلك من روايات أهل الأخبار مع فقر شاربها وعدم وجود طعام عنده. أما في المدن والقرى والحواضر، فهناك خمارات، جمعت إلى الخمر وسائل المتع الأخرى، يقصدها أهل المكان والغرباء الاستمتاع بها، والترفيه عن خاطرهم. وقد هيأت بعض الخمارات المغنين فيها وجلبوا إلى حاناتهم أنواع الخمور.
وكانت الخمارات منتشرة في كل مكان، ولا سيما على الطرق. حيث ينزل بها المسافرون الاستراحة واستعادة النشاط بعد تعب ونصب. وكان بمكة وبسائر القرى خمارات كذلك. أصحابها نصارى ويهود في الغالب. ومعظمهم من غير العرب، وفدوا من الخارج للتكسب والعيش فامتهنوا مهنة بيع الخمر وإسقائها للناس. وقد عرفت "الخمارة" بالحانوت. يذكر علماء اللغة إن "الحانوت دكان الخمير". وقد أشير إلى بالحانوت في الشعر الجاهلي. وكانت العرب تسمي بيوت الخمارين الحوانيت. وأهل العراق يسمونها المواخير. وورد إن الخليفة "عمر" أحرق بيت "رويشد الثقفي"، وكان حانوتا يعاقر فيه الخمر ويباع. وعرفت "الخمارة" بالدكة أيضا.
وقد يجتمع فتيان من مواضع شتى للشرب، فيقال لهم "الأندرون". يتنادرون فيما بينهم بما شذ وخرج من الجمهور. وذكر إن قول عمرو بن كلثوم: ألا هبي بصحنك فاصبحينا ولا تبقي خمور الأندرينا
هو في هذا المعنى.
(1/2487)
وقد تاجر اليهود بالخمر، وفتحوا لهم الخمارات في الأماكن التي أقاموا بهام من جزيرة العرب، فقصدها الناس للشرب. ومن جملتهم الشاعر الأعشى الذي كان كلفا بشرب الخمر حريصا على تعاطيها، قيل انه عزم على الدخول في الإسلام وأراد الذهاب إلى الرسول لينشده ويعلن أمامه دخوله في الإسلام، ونظم شعرا في مدحه، فأدرك "أبو سفيان" ما في شعر،"الأعشى". في مدح الرسول والإسلام من أثر في تصرفه وفي إضعاف قريش، فلقيه وحادثه وكلمه وجاءه من ناحية نقطة الضعف التي كانت فيه. وهي حبه للخمرة. فهيج أشجانه فيها، وأظهر له كيف. إن الإسلام حرمها على المسلمين، وجعل في شربها الحد، فهو سيحرم من متعته الوحيدة التي بقيت له في حياته إن دخل في الإسلام. وأثار فيه الحنين إليها، ورغبه في الذهاب. إلى قومه والمكوث هناك سنة يشربها، ثم في يرى رأيه بعد ذلك، فإما إن يستمر على شربها، وإما إن يعافها ويدخل في الإسلام، على إن يأخذ مقابل ذلك مائة من الإبل. فأثر كلام "أبو سفيان" فيه، وأخذ الإبل وذهب بها إلى قومه وأقام ب "منفوحة" حتى مات بها قبل الحول.
وذكر "بلينيوس" إن العرب كانوا يصنعون الخمر من النخيل، وذلك كما يفعل سكان الهند. ويقصد بذلك التمور بالطبع. وقد ذكر ذلك من باب التنويه بالأمور الغريبة. فليس استخراج الخمر من التمور مألوفا عند اليونان والرومان ولهذا السبب أشار إليه، ليقف عليه قومه. غير إن العرب كانوا يستخرجون النبيذ من الكروم أيضا، وذلك في الأماكن التي توفرت فيها الكروم، مثل الطائف واليمن. وقد أشار "سترابون" إلى صنع الخمر من التمر.
أما خمور العرب فمن البتع، وهو نبيذ العسل، وهو خمر أهل اليمن. ومن التمر ومن البر والشعير والزبيب. ولأهل اليمن شراب من الشعير، يقال له المزر، أشرت قبل قليل إليه.
(1/2488)
وشرب الجاهليون أشربة استخرجوها من الذرة ومن مواد أخرى. فقد.صنع أهل اليمن "المزر" من الذرة أيضا. فلما أسلم قوم منهم سألوا الرسول عنه. فقال لهم: أله نشوة? فلما قالوا له: نعم، قال: فلا تشربوه.
وانتبذوا في "النقير": أصل النخلة ينقر فينبذ فيه، فيشتد نبيذه. وذكر إن أهل اليمامة كانوا ينقرون. أصل النخلة ثم يشدخون فيها الرطب والبسر ثم يدعونه حتى يهدر ثم يموت، وانتبذوا. في "الختم": الجرار الخضر، وفي "الدباء"، اليقطين، وفي "المزفت" أي ما طلي بالزفت.
ومن الخمور "المقدى". يتخذ من العسل على بعض الروايات. يقال انه من قرية تسمى "المقدة" بالأردن، وقيل هي في طرف حوران قرب أذرعات.
وللخمر أسماء عديدة، ذكرها علماء اللغة. منها ما هي معربة. عربت عن اليونانية، أو الفارسية، أو السريانية، لأنها استوردت من بلاد الشام، أو العراق.
ومن الخمور خمر يقال له: "الاسفنط". وهو المطيب من عصير العنب. وقيل هي خمر فيها أفاويه، أو أعلى الخمر وصفوتها. وذكر إن اللفظة "رومية". قال الأعشى: وكان الخمر العتيق من الا سفنط ممزوجة بماء زلال
باكرتها الأغراب في سنة النو م فتجرى خلال شوك السيال
(1/2489)
واستعمل الجاهليون أواني الشرب المصنوعة من الزجاج والبلور ومن الذهب والفضة، واستعملوا أواني أخرى تتناسب مع منزلة الشارب ومكانته. وقد كان ملوك الحيرة وملوك الغساسنة يشربون بالآنية الغالية، وبعضها منقوش. وكذلك تفنن أغنياء مكة في الشرب، فاستعمل عبد الله بن جدعان الأواني المصنوعة من الذهب في شربه، حتى ضرب به المثل، فقيل: "أقرى من حاسي الذهب"، وعرف ب "حاسي الذهب". وشرب غيره من أصحاب الثراء بأواني غالية استوردوها من الخارج، على حين كان أكثر سكان مكة فقراء لا يملكون شيئا. ولهذا ورد في الحديث النهي عن الشرب بآنية الذهب والفضة. وقد ذكر إن النابغة الذبياني، وهو من شعراء الجاهلية الكبار، كان لا يأكل ويشرب إلا في آنية الذهب والفضة، من عطايا النعمان وأبيه وجده، ولا يستعمل غير ذلك.
وحرم قوم من الجاهلين الخمر على أنفسهم، وأكثرهم ممن يسمون الأحناف، ومنهم من كان يشربها ويقبل عليها، ولكنه وجد نفسه وقد قام بأعمال لم يرتضيها، جعلته يشعر بالخجل منها، فتركها وحرمها على نفسه. ويذكر أهل الأخبار إن أول من حرمها على نفسه وامتنع منها في الجاهلية، هو "الوليد بن المغيرة". وهو رجل ينسب إليه أهل الأخبار جملة أمور، منها انه أول من خلع نعليه لدخول الكعبة في الجاهلية، فخلع الناس نعالهم في الإسلام " وأول من قضى بالقسامة في الجاهلية فأقرها الإسلام، وأول من قطع في السرقة في الجاهلية، فأقرها الإسلام. ويذكرون إن الجاهليين كانوا يقولون: " لاوثوبي الوليد، الخلق منهما والجديد".
(1/2490)
وممن ترك الخمر في الجاهلية "عبد الله بن جدعان"، وسبب تركه لها انه شرب مع أمية بن أبي الصلت الثقفي، فلطم وجه "أمية" بعد إن ثمل، فأصبحت عينه مخضرة فخاف عليها الذهاب، فسأله عبد الله: ما بال عينك? فقال: أنت أصبتها البارحة. قال: وبلغ مني الشراب ما ابلغ معه من جليسي هذا المبلغ، فأعطاه عشرة آلاف درهم، وقال: الخمر علي حرام، لا أذوقها أبدا. وذكر أيضا انه سكر فجعل يساور القمر. فلما اصبح أخبر بذلك، فحرمها. إلى غير ذلك من قصص.
وممن حرمها في الجاهلية، قيس بن عاصم المنقري، وعامر بن الظرب العدواني، وصفوان بن أمية بن محرث الكناني، وعفيف بن معد يكرب الكندي، والاسلوم ابن اليامي من همدان، ومقيس بن عدي السهمي، والعباس بن مرداس السلمي، وسعيد بن ربيعة بن عبد شمس، وورقة بن نوفل، والوليد بن المغيرة، وأبوه أمية بن المغيرة، والحارث بن عبيد المخزومى، وزيد بن عمر. بن نفيل، وعامر ابن جذيم الجمحي، وأبو ذر الغفاري، ويزيد بن جعونة الليثي، وأبو واقد الحارث بن عوف الكناني، وعمرو بن عبسة، وقس بن ساعدة الإيادي، وعبيد ابن الابرص، وزهير بن أبي سلمى المزني، والنابغتان الذبياني والجعدي، وحنظلة الراهب بن أبي عامر، وقبيصة بن اياس الطائي، واياس بن قبيصة بن أبي غفر، وحاتم الطائي، و "سويد بن عدي بن عمرو بن سلسلة الطائي".
وذكر إن ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية: "بشير الثقفي". وكان نذر في الجاهلية إلا يأكل الجزور ولا يشرب الخمر.
(1/2491)
وروي إن "عفيف بن معد يكرب الكندي"، عم الأشعث بن قيس، كان قد طلق الخمر وحرمها على نفسه وحرم معها القمار والزنى، والثلاثة من أهم وسائل التلهي والتمتع بالحياة عند الجاهليين. وكان قيس بن عاصم يأتيه في الجاهلية تاجر خمر فيبتاع منه ولا يزال الخمار في جواره حتى ينفد ما عنده. فشرب قيس ذات يوم فسكر سكرا قبيحا، فجذب ابنته وتناول ثوبها، ورأى القمر فتكلم بشيء ثم نهب ماله ومال الخمار. فلما صحا أخبرته ابنته بما صنع وما قال فآلى لا يذوق الخمر.
وبعض هؤلاء هم من الحنفاء، وبعضهم من السادة الأشراف الذين لم يتذوقوها، أو انهم تعاطوها ثم رأوا ضررها فتركوها وحرموها على أنفسهم. ويظهر إن بعضهم قد حرمها على نفسه وعلى آله أيضا، فذكر مثلا إن الوليد بن المغيرة ضرب فيها ابنه هشاما على شربها، ولعل منهم من كان يستعمل، الحد، وهو الجزاء الذي قرره الإسلام على شاربي الخمر.
وقد أشار أهل الأخبار إلى وقوع حوادث لأكثر من ذكرتهم دفعت بهم إلى تحريم الخمر على أنفسهم، كالذي ذكرته من أمر عبد الله بن جدعان، وكالذي أشار إليه أهل الأخبار من تحرش بعضهم بمحارمهم تحرشا لا يفعله إنسان سوي، أو تخليطهم أثناء سكرهم وقيامهم بأعمال مضحكة صيرتهم سخرية الحاضرين، فلما صحوا وسمعوا بما فعلوا ندموا على ما بدا منهم، وقرروا اجتنابها وتحريمها على أنفسهم منذ ذلك اليوم.
وكان الجاهليون يشتدون على النساء في شرب الخمر حتى لم يحفظ إن امرأة سكرت.
المخدرات
لم اعثر على نص جاهلي جاء فيه ذكر لاستعمال أهل الجاهلية المخدرات، ولم اعثر في أخبار أهل الأخبار على خبر يفيد تعاطي الجاهليين لها. ولكن هذا لا يعني. نفي معرفة عرب الجاهلية بالمخدرات، ويظهر إن إفراطهم في تناول الخمور ووجود الخمور الرخيصة لديهم، وتحضيرهم لها بطرق بدائية رخيصة، ونخدرهم بها، كانت من الأمور التي صرفتهم عن استعمال المخدرات الأخرى التي ربما زاد ثمنها على ثمن الخمر.
(1/2492)
الانتحار بشرب الخمر
وقد قتل بعض الجاهلين أنفسهم بشرب الخمر. صرفا، ذكر "السكري" منهم "عمرو بن كلثوم الثعلبي". وكانت الملوك تبعث إليه بحياته وهو في منزله من غير إن يفد إليها. فلما ساد ابنه الأسود بن عمرو، بعث إليه بعض الملوك بحبائه كما بعث إلى أبيه، فغضت "عمرو" وقال: "ساواني بولدي"، وحلف لا يذوق دسما حتى يموت، وجعل يشرب الخمر على غير صرفا على غير طعام، فلم يزل يشرب حتى مات.
وأهلك "البرح بن مسهر الطائي،" نفسه بشرب الخمر الصرف كذلك، في قصة ذكرها "السكري".
و "زهير بن جناب بن هبل"، هو ممن أتلف نفسه بشرب. الخمر أيضا، لما خالفه ابن أخيه عبد الله بن عليم بن جناب، فانزعج من ذلك وغضب، وأمات نفسه بشرب الخمر. ذكر انه قال في ابن أخيه: "عدو الرجل ابن اخيه، غير انه لا يدع قاتل عمه".
وذكر إن "ابا براء بن مالك بن جعفر"، قتل نفسه بشرب الخمر أيضا، انتحر لمخالفة قومه أمره. فدعا قينتين له، فشرب، وغنتاه، ثم دعا بالشاعر "لبيد"، وطلب منه إن يقول ما يقول فيه من المراثي، فلما أثقله الشراب، اتكأ على سيفه حتى مات.
الاغتيال
الغيلة: هي الخديعة وإيصال الشر أو القتل إلى إنسان من حيث لا يعلم ولا يشعر. وقد كان معروفا بين الجاهليين، شجع على ظهوره وانتشاره بينهم، عرف الأخذ بالثأر، والتنافس الذي كان بينهم على الرئاسة والوجاهة، وقواعد مجتمع ذلك الوقت التي كانت تقيم وزنا كبيرا الكلمة، والمدح والهجاء، ولتقديم شخص على شخص في الجلوس في الجلوس من المجالس، فكانت هذه الأمور وأمثالها تدفع من يتعرض لها على الانتقام ممن أهانه والتربص به وتتبع آثاره حتى يتمكن من قتله أو اغتياله.
وقد اتبع المغتالون أساليب شتى في الاغتيال. منها الطعن بالرمح أو بالخنجر أو بالسكن، ومنها الذبح، والخنق، ومنها اللجوء إلى الحيلة بدس السم في الشراب أو الطعام، إلى غير ذلك من أسباب الغيلة.
(1/2493)
والغيلة غير الفتك. ذكر إن الفتك إن يقتل الرجل الرجل مجاهرة. وهو إن يأتي الرجل صاحبه وهو غار غافل حتى يشد عليه فيقتله، وان لم يكن أعطاه أمانا قبل ذلك، ولكن ينبغي له إن يعلمه ذلك.
قال المخبل السعدي: وإذ فتك النعمان بالناس محرما فمن لي من عوف بن كعب سلاسله
وكان النعمان بعث إلى "بني عوف بن كعب" جيشا في الشهر الحرام، وهم آمنون غارون فقتل فيهم وسبا.
ولمحمد بن حبيب السكري، كتاب ذكر فيه أسماء المغتالين من الأشراف في الجاهلية والإسلام، وأسماء من قتل من الشعراء. بدأ فيه ب "جذيمة الأبرش" الذي غدرت به "الزباء" ملكة "تدمر"، فأجلسته على نطع، وسقته الخمر، ثم أمرت بقطع رواهشه، حتى مات. ثم ثنى ب "حسان بن تبع"، فزعم إن أخاه قتله غيلة وهو نائم على فراشه، طمعا في ملكه، ثم تكلم في "عمليق" ملك طسم، وكانت منازلهم "عذرة" في موضع اليمامة. وذكر في جملة من ذكرهم اسم "عمرو بن مسعود" و "خالد بن نضلة" من بني "أسد". وكانت أسد وغطفان حلفاء لا يدينون ويغرون عليهم، فوفدا سنة من السنين رمعهما "سبرة بن عمير الفقعسي" الشاعر، على "المنذر" الأكبر اللخمي، فكلمهما في أمر دخولهما في طاعته والذب عنه كما ذبت "تميم" و "ربيعة"، فعلم انهم لا يدينون له. فقرر الكيد بهما، فأومأ إلى الساقي فسقاهما سما، فماتا، ثم ندم على ما فعل، فأمر فحفر لهما قبران ودفنا فيهما، وبنى عليهما منارتين، وهما "الغريان" وعقر على كل قبر خمسين فرسا وخمسين بعيرا، وغراهما بدمائهما، وجعل يوم نادمهما يوم نعيم، ويوم دفنهما يوم بؤس.
وقد كان خنق الأشخاص في جملة وسائل الاغتيال والتخلص من الأعداء، وقد ذكر إن الملك "النعمان بن المنذر"، أمر بخنق "عدي بن زيد العبادي"، فمات منه. ويكون الخنق بالضغط الشديد على الرقبة باليد، وباستعمال الحبل أو قطع القماش. ويقال الحبل الذي يخنق به "الخناق".
(1/2494)
وذكر إن "الحكم بن الطفيل"، لما انهزم في نفر من أصحابه يوم "الرقم" "حتى انتهوا إلى ماء يقال له المرورات، فقطع العطش أعناقهم فماتوا، وخنق ابن الطفيل نفسه مخافة المثلة، فقال في ذلك عروة بن الورد: عجبت لهم اذ يخنقون نفوسهم ومقتلهم تحت الوغى كان أعذرا
الصيد
والصيد في جزيرة العرب رغبة وحاجة. رغبة الملوك والرؤساء والأثرياء للأنس والترويح عن النفس، وحاجة عند السواد وهم ققراء في الغالب لا يملكون شيئا، فلحم الصيد نعمة كبرى لهم وغذاء طيب لا يصل إليهم دائما.
إما اصطياد الرؤساء والأثرياء فبالاستعانة بالصقور في الغالب، حتى إذا قبل كنا نتصقر، انصرف الذهن في الحال إلى الصيد، لاستعمال الطيور في الصيد، حيث تدرب تدريبا خاصا وتعلم تعليما متقنا، فإذا رأت الحيوان انقضت عليه، فلا تتركه يستطيع الحركة والهرب إلى إن يصل الصياد إلى الفريسة المسكينة. ويدعى قيم الصقور ومعلمها "الصقار". وتستعل كلاب الصيد كذلك، وهي كلاب سريعة مدربه تدريبا خاصا، فإذا رأت الصقر فوق الفريسة عدت خلفها لتساعد الصقر في القبض على الحيوان فلا يهرب ويولي. ومنها ما تفتش عن مواضع اختفاء الحيوانات، فإذا شعرت بوجود حيوان في كهف أو مغارة تدخل إليها أو تقوم بحركات تضطره إلى الخروج فيصطاده الصياد. وقد تستعمل الخيل كذلك. وهي لم تكن كثيرة في الجاهلية، ولا يملكها إلا المتمكنون.
وقد ذكر الصيد في آيات من القرآن الكريم، مما يدل على أهميته ومكانته في حياة العرب يومئذ. ويقال للصياد القانص كذلك. وأما استثارة الصيد وأخراجه، فيعبر عن ذلك بلفظة "النجش"، والمنجاش والنجاش هو المثير للصيد. ويقال: هبض الكلب إذا حرص على الصيد وقلق نحوه، ويقال أيضا: غربت الكلاب، إذا أمعنت في طلب الصيد.
(1/2495)
وكانت العرب تعيش في الغالب بلحوم الصيد، وكانت خيلهم تسهل عليهم نيل صيدهم، وتعينهم على الوصول إلى غايتهم. فكانت عندهم من اعز الأموال وايمن الأشياء يعتنى بها اعتناء الرجل بنفسه، ولولاها حرم من لذة أكل اللحوم. وكانت إذا إغارتها على صيد، خضبوا تحر السابق بدم ما يمسكونه من الصيد، علامة على كونه السباق الذي لا يدرك في الغارات.
ولأهل الجاهلية عناية خاصة ب "الصقور". يربونا تربية خاصة. وذكر علماء اللغة إن كل شيء يصيد من البزاة والشواهين، صقر. وقد أشير إلى صيد "الصقور" في الحديث.
وقد استعانوا بالكلاب السريعة الجري في الصيد كذلك. وقد عنوا بتربية أنواع ذكية سريعة الجري منها لمطاردة الفريسة، إذا أدركتها نهشتها أو قبضت عليها، فيأتي الصياد، فيأخذها منها.
ويتحايل الصيادون في الاصطياد، فيحفرون حفيرة تلجف من جوانبها، أي يجعل لها نواحي، وتعرف عندهم بالقرموص، وذلك للتمويه على الحيوان. وقد يتخذ الصياد أو أي شخص آخر موضعا فوق أطراف الشجر والنخل خوفا من الأسد، فيقال لذلك "العرزال". وأما " الزبية" فحفرة تحتفر الأسد، وكذلك "الزونة"، و "القترة" حفرة يحتفرها الصائد يكمن فيها حتى لا يشعر به الصيد. وقد يدخن الصائد في قترته لكيلا تجد الوحش ريحه، ويقال لذلك "المدمر". و " الروق" موضع الصائد، و " الدجية" قترة الصائد. وهناك ألفاظ أخرى من هذا القبيل يراد بها الحفر التي يستتر بها الصيادون في الصيد.
(1/2496)
ويستخدم الصيادون جملة أدوات في الاصطياد، منها آلة تسمى "الجرة "، وهي خشبة نحو الذراع يجعل في رأسها كفة وفي وسطها حبل، فإذا نشب فيها. الظبي ناوصها واضطرب، فإذا غلبته استقر فيها. و "الحبالة" الحبل الذي يصاد به. و "الأحبول" حبالة الصائد. وأما " الشرك" فحبائل الصائد والواحدة " شركة" و " المصلاة" شرك ينصب الصيد، و "الكصيصة" حبالة الظبي التي يصاد بها. وهناك آلة تشبه المنجل تشد بحبالة الصائد ليختطف به الظبي يقال لها "الخاطوف". وأما "الرداعة" فمثل البيت تجعل فيه لحمة يصيد الصياد به الضبع والذئب. ويتخذ الصيادون بيتا يبنونه من حجارة، ثم يجعلون على بابه حجرا يقال له السهم. والملسن. يكون على الباب، ويجعلون لحمة السبع في مؤخر البيت فإذا دخل السبع لتناول اللحمة، سقط الحجر على الباب فسدها، وبذلك يحيس، فلا يستطيع الخروج. ويقال لذلك البيت "الرواحة". وأما "الجريئة"، فإنها بمعنى "الرداعة". ولعرقبة الحمير الوحشية تستعل آلة خاصة تشبه الهلال يقال لها "هلال الصيد".
وتستعمل الشباك في الصيد كذلك. تستعمل قي صيد البحر والبر. ويغدف الصياد بالشبكة على الصيد ليأخذه. وأما القصبة التي تصاد بها العصافير، فيقال لها الغاية. والغاية الراية كذلك. وأما "الرأمق" و الرامج " فبمعنى الملواح الذي يصاد به البزاة والصقور، وهو أن يؤتى ببومة فيشد في رجلها شيء أسود، ويخاط عيناها. ويشد في ساقيها خيط طويل، فإذا وقع عليها البازي صاده الصياد من قترته. ويقال إنها لفظة عجمية. وقد تعشى الطيور بالليل بالمنار ليصيدوها، ويعبرون عن ذلك بجملة: قمر القوم الطير.
(1/2497)
و "المفقاس" عودان يشد طرفاهما بخيط، كالذي في وسط الفخ، ثم يلوى أحدهما، ثم يجعل بينهما شيء يشدهما، ثم يوضع فوقهما الشركة، فإذا أصابها شيء، وثبت، ثم أغلقت الشركة في الصيد. والعطوف والعاظوف مصيدة فيها خشبة منعطفة الرأس، والمقلة والقلة عود يجعل في وسطه حبل، ثم يدفن، ويجعل للحبل كفة فيها عيدان، فإذا وطئ الظبي عليها.عضت على أطراف اكارعه. وأما الدواحيل فخشبات على رؤوسها خرق، كأنها طرادات قصار، تركز في الأرض لصيد حمر الوحش. وأما البجة، فإنها "الرداحة". وأما "اللبجة"، فإنها حديدة ذات شعب كأنها كف بأصابعه تنفرج، فيوضع في وسطها لحم ثم يشد إلى وتد، فإذا قبض عليها الذئب، التبجت في خطمه، فقبضت عليه، وصرعته. و "النامرة" مصيدة تربط فيها شاة للذئب.
وقد يستتر. الصياد بحيوان أو غيره ليخفي نفسه عن الصيد، وبقال لذلك "الدريئة"، وبهذا المعنى "الذريعة" و "الرقيبة" و "السيفة"، وإذا استتر الإنسان بالبعير من الصيد فيقال لذلك "المسوق".
وفي جزيرة العرب حيوانات وحشية، وقد قل فيها الأسد الآن. أما في الجاهلية، فقد كان معروفا في مواضع عديدة عرفت عندهم بالمآسد، جمع مأسدة، وقد كانوا يصطادونه بطريقة إسقاطه في حفر تغطى، فإذا سار عليها الأسد سقط فيها، وبطرق أخرى. وهناك الفهود والنسور والضباع والذئاب، وتكثر القردة في المناطق الجبلية وفي النجود، وهي لا تزال موجودة في نجود الحجاز واليمن والعربية الجنوبية.
(1/2498)
ويقال لمأوى الأسد في خيسه: "العريس" "والعريسة". ويصعب صيده وهو في مكمنه، وضرب المثل بذالك فقيل: "كمبتغي الصيد=في عريسة الأسد" وقال طرفة: كليوث وسط عريس الأجم ومن الحيوانات الوحشية المعروفة في جزيرة العرب الحمار الوحشي. ويظهر إن بعض الناس كانوا يأكلونه، بدليل ما ورد في كتب الفقه من النهي عن أكل لحوم الحمر الوحشية. ويذكر علماء اللغة إن الحميريين كانوا يطلقون على الحمار لفظة "العكسوم" و " الكسعوم".
ويكثر الظبي في جزيرة العرب، ويطمع فيه الصيادون. وقد كان الجاهليون يلجأون إلى جحوره فيسدون أبوابها ويحفرون من موضع آخر الوصول إليه، كما كانوا يضربون بحجر على الحجر ليفزع الظبي، فإذا فزع تهيأ القتال، وتهيأ الصياد القبض عليه، ويتحايل عليه فيقبض عليه من ذيله.وهو ما زال كثيرا في مواضع عديدة من جزيرة العرب، وقد استعملت السيارة في الزمن الحاضر في صيده وذلك في باب التجديد في الصيد.
والنعام من الحيوانات المعروفة في جزيرة العرب. وقد ذكر علماء اللغة ألفاظا كثيرة قالوا إن العرب أطلقوها على النعام، على ذكر النعامة وعلى أنثاها وعلى صغار النعام. ومنها "الجعول" ويراد بها ولد النعام، وهي يمانية. وكذلك لأصوات النعام وجماعاتها. وورود هذه الألفاط دليل على كثرة النعام في جزيرة العرب ووقوف العرب عليها.
(1/2499)
وأما أهل السواحل، فقد اضطرتهم طبيعة بلادهم على الاصطياد في البحر، على اصطياد سمكه، للاعتياش عليه ولبيع الفائض منه. أو لتجفيف الزائد منه لأكله وقت الحاجة أو لتقديمه علفا لحيواناتهم. وقد اشتهر سكان الخليج في الجاهلية أيضا بالغوص لاستخراج اللؤلؤ من الصدف الكامن على قاع البحر. وقد كان يؤتيهم ذلك أرباحا طائلة. إما أهل باطن جزيرة العرب والأماكن البعيدة عن السواحل فقد قل علمهم بالسمك، لعدم وجود أنواع منه في البوادي. وعدم إمكان إيصاله طريا إليهم. فقلت أسماء أنواعه في لهجاتهم. بينما نبد له أسماء عديدة في لغات أهل السواحل لوجود أنواع عديدة منه في البحار كانوا يصطادونها. فتكون القسم الغالب، من اللحم عندهم.
وذكر علماء اللغة إن "السمك" الحوت من خلق الماء. وذكر إن الحوت ما عظم من السمك. ومن أنواع سمك البحر: "القرش". وهو من الأسماك العظام.
ومن وسائل صيد السمك "العروك"، خشب يلقى في البحر، يركبون عليه، ويلقون شباكهم، يصيدون السمك. و "العركي" صياد السمك. ولهذا قيل الملاحين عرك، لأنهم يصيدون السمك. "وفي الحديث في كتابه إلى قوم من اليهود: إن عليكم ربع ما أخرجت نخلكم ؛ وربع ما صادت عروككم، وربع المغزل". والعروك هم الذين يصيدون السمك.
(1/2500)
ومن عادة ملوك الحيرة والغساسنة انهم كانوا يتبدون في المواسم الطيبة من السنة، بعد هطول الأمطار واكتساء البادية بسط الربيع، وتعييد الطيور والماشية بالمناسبة السعيدة. كانوا يخرجون إلى البوادي للاستمتاع بالمناظر الجميلة والصيد والقنص، ومن الأماكن التي كان ملوك الحرة يقصدونها منزل "ماوية"، وهو منزل بين مكة والبصرة. ذكر إن الملك "النعمان" كان إذا أراد الاستئناس برؤية حال الربيع والماء، خرج إلى "النجف" والى البادية، فتنصب له ولأصحابه القباب ويمضي أياما هناك يتصيد ويستمتع بمنظر الشقائق ذوات الألوان الأخاذة الجاذبة القلوب، حتى زعم إن "شقائق النعمان" إنما سميت بذلك نسبة إليه. جاء إلى موضع وقد اعتم نبته من أصفر وأحمر وإذا فيه، من هذه الشقائق ما راقه ولم ير مثله، فقال: ما أحسن هذه الشقائق! إحموها! وكان أول من حماها، فسميت شقائق النعمان بذلك.
ويظهر من حديث جرى بين يدي "النعمان" إن من العرب من كان يذم الصياد، ويفضل صاحب الإبل عليه. فقد روي إن "معاوية بن شكل" ذم "حجل بن نضلة" بين يدي النعمان، إذ قال فيه: "انه مقبل النعلين، منتفخ الساقين، قعو الأليتين مشاء بأقراء، قتال ظباء، بياع إماء". فقال له النعمان: "أردت إن تذيمه، فمدحته"، وصفه بأنه صاحب صيد لا صاحب إبل. ولعله قصد بذلك انه كان صيادا محترفا، اتخذ الصيد حرفة له. فقد كان بين الصيادين قوم اتخذوا الصيد لهم حرفة. فإذا اصطادوا باعوا صيدهم، ولم يستفد منه، فهو مثل الجزار، الذي يبيع اللحم ولا يطعم أهله منه، ولذلك نظروا إليه نظرة استصغار.
سباق الخيل
(1/2501)
والتسابق على ظهور الخيل رياضة الأثرياء والفرسان القديمة. وهي لا تزال معروفة، وان كانت قد أخذت تلفظ أنفاسها بسبب أقيال الأثرياء على ركوب السيارات الفخمة التي لفتت أنظارهم وجرتهم إليها، فلم يبق من يمارس تلك الرياضة القديمة إلا أولئك الذين لم تصل السيارات إليهم بكثرة، لوعورة الطرق وامعانهم في البوادي وابتعادهم عن المواطن التي أخذت تغزوها منتجات العرب.
ويذكر أهل الأخبار إن أول من ركب الخيل "إسماعيل"، ولذلك سميت ب "العراب"، وكانت قبل ذلك وحشية كسائر الوحوش. خرج إلى موضع "أجياد"، فنادى بالخيل، فلم يبق علي وجه الأرض فرس بأرض العرب إلا أجابته فأمكنته من نواصيها وتذللت له. ولذلك قال النبي: "اركبوا الخيل فانها ميراث أبيكم إسماعيل".
وراهن أهل الجاهلية على الخيل، فكانوا يخرجون إلى السباق ويقال: مجتمع الناس الرهان، ثم يتراهنون هنالك على الخيل المتجمعة و "السابق" من الخيل، وهو الأول، هو الذي يأخذ الجائزة الأولى، ويتلوه "المصلي" وهو الفائز الثاني. و "الحلبة" الدفعة من الخيل في الرهان خاصة، وقيل: خيل تتجمع للسباق من كل أوب. ومجمع الخيل.
(1/2502)
ويقال للخيل الذي يمد في صدر الخيل عند الإرسال الحلب. والمنصبة الخيل حين تنصب الإرسال. ويقال السابق من الخيل: الأول، والمصلي الثاني الذي يتلوه. وما سوى ذينك يقال له الثالث والرابع وكذلك إلى التاسع ثم السكيت. فما جاء بعد ذلك لا يعتد به. والغسكل الذي يجيء آخر الخيل. وذكر: إن: أسماء خيل الحلبة عشرة لأنهم كانوا يرسلونها عشرة عشرة، وسمي كل واحد منها باسم. فالأول منها السابق. وهو المجلي. لأنه. كان يجلي عن صاحبه، والثاني المصلي لأنه يضع جحفلته على صلا السابق، والثالث المسلي، والرابع والخامس المرتاح، والسادس العاطف، والسابع والمؤمل، والثامن الحظي، والتاسع اللطيم، والعاشر السكيت، والغسكل الذي يجيء آخر الخيل في الحلبة. ويقال للحبل الذي بجعل في صدور الخيل يوم الرهان المقبض والمقوس. وقيل في أسماء خيل الحلبة إن أولها المجلي ثم المصلي ثم المسلي ثم العاطف ثم المرتاح ثم الحظي ثم المؤمل. هذه السبعة لها حظوظ، ثم التي لا حظوظ لها. اللطيم، ثم الوغد، ثم السكيت.
وكانوا يضعون عند نهاية الحد الذي يقررونه السباق قصبة فمن يصل إليها قبل غيره من المتسابقين، يعد السابق لقصبة السبق، ويكون قد أحرز القصب لأن الغاية التي يسبق إليها تذرع بالقصب. وتركز تلك القصبة عند منتهى الغاية، فمن سبق إليها حازها واستحق الخطر.
و "الخطر" الذي يوضع بين أهل السباق، وقيل الذي يوضع في النضال والرهان في الخيل ع فمن سبق أخذه. والسابق إذا تناول القصبة، علم انه قد أحرز الخطر. وكانوا يقلدون السابق من الخيل؛ ولا يقلد من الخيل إلا سابق كريم. ويقولون للسابق من الخبل: المقلد.
(1/2503)
وقد سابق الرسول بين الخيل التي قد ضمرت من موضع "الحفياء" إلى "ثنية الوداع" والمسافة بين الموضعين خمسة أميال أو ستة، وقيل ستة أميال أو سبعة. وسابق بين الخبل التي لم تضمر من "الثنية" إلى مسجد "زريق،" والمسافة ميل أو نحوه. وسابق بين الخيل على حال أتته من اليمن، فأعطى السابق ثلاث حال والمصلي حلتين، والثالث حلة، والرابع دينارا، والخامس درهما، والسادس قصبة. وقد ساهمت خيله في السباق.
وراهن رسول الله على الخيل، وذكر إن أول مسابقة كانت في الإسلام سنة ست من الهجرة. سابق رسول الله بين الخيل، فسبق فرس لأبي بكر فأخذ السبق. والمسابقة مما كان في الجاهلية، فأقرها الإسلام.
وفي الحديث: أحاديث عن الرسول في السبق، منها: لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر، فالخف للإبل، والحافر للخيل، والنصال للرمي وبقية الأحاديث في كتب الحديث والفقه.
ولم يقتصر السباق عند الجاهليين على السباق بين الخيل، بل سابقوا بين الإبل، وجعلوا للسابق خطرا، كما سابقوا بين الكلاب والحمير والحيوانات الأخرى.
ومن سباق أهل الجاهلية والإسلام، السبق بالنصل، أي المراماة بالسهم. وذلك بأن يوضع خطر، ويذكر عدد الرمي والهدف، فمن أصاب الهدف أكثر من غيره نال السبق. وقد عرف نفر من الجاهليين بإصابتهم الهدف، وبقوة رميهم، وجعلوا لقوة الرمي وشدته أو لرخاوته وللمكان من إصابته الهدف درجات هي: الخاضل، والخازق، والخاسق، والحابي، والمارق، والخارم، والمزدلف. والخاضل الذي يقرع الشن ولا يخدشه، والخازق الذي يخدشه ولا يثقبه، والخاسق الذي يثقبه ويثبت فيه، والحابي إن يدني الرامي يده من الأرض فيرميه فيمر على وجه الأرض فيصيب الهدف، والمارق الذي يمرق الشن أي يثقبه وينفذ فيه، والخارم الذي يخرم طرف الشن أي يقطعه، والمزدلف الذي يسقط بقرب الغرض ثم يشتن فيصيب الهدف.
(1/2504)
ومن السباق: المناضلة، وهي المباراة في الرمي: والنضيل هو الذي يرامي ويسابق. والمناضلة المفاخرة والتسابق بالأشعار. وتكون المباراة في الرمي بثلاثة أنواع: مبادرة، ومحاطة، ومناضلة. فالمبادرة إن يشترطا إصابة عشرة من عشرين، فيبتدر أحدهما إلى العشرة فينضل صاحبه، والمحاطة إن يقولا نرمي عشرين رشقا على إن من فضل صاحبه بخمس إصابات فقد نضله، فإذا اشترطا ذلك، ورمى كل واحد منهما عشرين رشقا وأصابا إصابات نظر إن استويا في الإصابة لم يحصل النضل، وان تفاوتا في الإصابة حط الأقل أو الأكثر، فإن بقي لصاحب الأكبر الخمس المشروطة فقد نضل صاحبه، وان بقي له أقل من الخمس المشروطة لم يحصل النضل. والمناضلة إن يشترطا عشرة من عشرين على إن يستوفيا جميعا، فيرميان معا جميع ذلك، فإن أصاب كل واحد منهما عشرة أو فوقها أو دونها لم يحصل النضل، وان أصاب واحد منهما دون العشرة والأخر عشرة فما فوقها، فقد نضل صاحبه.
وللعرب عناية خاصة بالخيل، وما زالوا يعتنون بها إلى اليوم، حتى لقد حفظوا أنسابها حفظهم لأنساب الناس، وألفوا الكتب فيها. ونجد في كتب الأدب واللغة أسماء خيل اشتهرت في الجاهلية. وذكر "ابن النديم" في كتابه "الفهرست" أسماء كتب ألفت في الخيل، ذهب أكثرها، وبقي بعض منها. ونجد في "تاج العروس" أسماء خيل اشتهر أمرها في الجاهلية ذكرت في مواضع متناثرة من أجزاء الكتاب. وذكر معها أسماء أصحابها، كما أشار إلى مؤلفات رجع إليها في هذا الموضوع مثل كتاب الخيل لابن الكلبي، وقد طبع، وكتاب الخيل لأبي عبيدة وقد طبع كذلك، ومؤلفات أخرى لم تطبع حتى الآن.
ولائم العرب
(1/2505)
الوليمة كل طعام يصنع لعرس وغيره ويدعى إليه. وأما الدعوة: فهي أعم من الوليمة،. وأما المأدبة، فكل طعام صنع لدعوة أو عرس. والآدب الداعي إلى الطعام. وولائم العرب ست عشرة وليمة. هي: وليمة العرس، وهي ما يصنع للدخول بالزوجية، و "الملاك" "الأملاك" وهي ما يصنع الخطبة، و "الخرس" وهي طعام يصنع للنفساء لسلامة المرأة من الطلق، وقيل: هي طعام الولادة. و "العقيقة" وهي ما يصنع للطفل بعد ولادته وتختص باليوم السابع، و "الأعذار" وهي،ما يصنع لختان، و "الشندخ" وهي أيضا طعام الأملاك، و "الوكيرة" وهي ما يصنع للبناء يعني السكن المجدد، و "التحفة" وهي ما يصنع للزائر، و "الشندخ" وهي طعام الأملاك كما ذكرت، وما يصنع عند وجود الضالة، و "النقيعة" وهي ما يصنع للقدوم من السفر، وقيل: النقيعة التي يصنعها القادم والتي تصنع له تسمى "التحفة"، و "القرى" وهي ما يصنع للضيف، و "الوضيمة" وهي ما يصنع للميت، أي لأهل المصيبة.
ويقال للدعوة التي تعم دعوتها "الجفلى"، وأما "النقرى" فهي التي تخص دعوتها. قال طرفة: نحن في المشتاة ندعو الجفلى لا ترى الآدب فينا ينتقر
يفتخر بقومه وانهم إذا صنعوا مأدبة دعوا إليها عموما لا خصوصا، وخص أيام الشتاء لأنها أيام الشدة والضيق.
ويقال الطعام المستعجل، وهو الذي يقم للراكب: "العجل" و "العجيل"، وهو من السويق والتمر في الغالب. وإذا أكرم رجل رجلا آخر بتقديم "اللبن" إليه، قيل لذلك الكرم "القمي". ويقال لما يرفع للإنسان من المرق "العفارة". وهنالك أسماء تجدها في كتب اللغة لأنواع المأكول والأطعمة.
الفصل الخمسون
البيوت
ومساكن العرب متباينة مختلفة. منها: البيوت المتنقلة، ومنها.المباني المبنية بالمدر أو الحجر، وهي أبنية أهل الحضر. وهي مختلفة أيضا في طرازها المعماري وفي سعتها ومادتها ويكون اختلافها باختلاف مكانها وباختلاف مكانة صاحبها، ومنزلته من حيث الغنى والفقر.
(1/2506)
والبيت لفظة تطلق على الصغير من البيوت وعلى الكبير منها. وقد جعل "ابن الكلبي" بيوت العرب ستة: قبة من أدم، ومظلة من شعر، وخباء من صوف، وبجاد من وبر، وخيمة من شجر، وقنة من حجر، وسوط من شعر، وهو أصغرها. وذكر بعض علماء اللغة أن الخباء بيت صغير من صوف أو شعر، فإذا كان اكبر من الخباء فهو بيت، ثم مظلة إذا كبرت عن البيت. وهي تسمى ببيتا أيضا إذا كان ضخما مزوقا. وذكر بعض آخر ان الخباء بيت يعمل من وبر أو صوف أو شعر. ويكون على عمودين أو ثلاثة. والبيت يكون على ستة أعمدة إلى تسعه. وذكر ان الخباء هوالبيت كيفما كان.
وذكر علماء اللغة ان البناء المبني، ويراد به أيضا البيت الذي يسكنه الأعراب فى الصحراء. ومنه الطراف والخياء والبناء والقبة والمضرب. والطراف بيت من أدم ليس له كفاء، وهو من بيوت الأعراب ذكر في شعر طرفة بن العبد: رأيت بني غبراء لا ينكرونني ولا أهل هذاك الطراف الممدد
وقد اشتهر "بنو قيدار" بخيمهم المصنوعة من شعر الماعز. وقد أشير اليها في التوراة. وهم رعاة في الغالب يعيشون على الرعي، ولذا اتخذوا ييوتهم من شعر الماعز، فصارت ذات لون أسود. وقد اشتهروا ببراعتهم في الرمي بالقوس. وأصحاب الخيام المصنوعة من شعر الماعز أو من الصوف،هم من الأعراب أصحاب الماشية، الذين يعيشون في مواضع تكثر فيها الأمطار وتكون غير بعيدة عن المدن والقرى ومواضع الماء، ولذلك يعيشون في الغالب على الرعي.
وفي سعة الخيمة دلالة على منزلة صاحبها ومكانته وثراثه. ولذلك يفتخر العزيز منهم بسعة بيته، أي خيمته. وقد تقطع الخيمة بقاطع، يقسمها إلى قسمين: قسم للحريم،أي للنساء والسكن،لا يدخله غريب. وقسم يكون للرجل وللضيوف، يجلسون ويأكلون فيه. ويكون ناديا ومضيفا يخصص للقادمين ولضيوف صاحب ذلك البيت.
(1/2507)
ولسيد القبيلة خيمة كبيرة تكون "مضرب القبيلة"، ومقر السيد الرئيس ونادي القوم. يسمر فيها "رب القبيلة"، ويأوي اليها الضيوف. واليها يلتجيء المحتاج ومن به حاجة إلى الاقراء أو أية حاجة أخرى. ويفتخر سيد القبيلة بمضربه هذا، ويتباهى به على أقرانه، وتفتخر قبيلته به أيضا، لأنه يرفع رأسها بين القبائل. وورد المضرب: الفسطاط العظيم، وهو فسطاط الملك.
وتضرب للسادات الأشراف والأغنياء قبب خاصة تكون من الأدم. فكان لرؤساء القبائل أصحاب العز قباب من أدم، كما كان من عادة ملوك الحيرة ضرب قباب من الأدم لأصحاب الجاه وسادات القبائل الكبار الذين يفدون عليهم. وتعتبر هذه القباب من امارات التعظيم والتفخيم والامتياز والجاه عند الملوك. ولذلك يعامل من تضرب له القبة معاملة خاصة. وتعرف قبة الأدم ب "قبة المبناة" أيضا. وذكر بعض علماء اللغة أن القبة هي البناء من الأدم خاصة. وذكر بعض آخر أن القبة من الخباء بيت صغير مستدير، وهو من بيوت العرب.
وذكر "الطبري" في كلامه عن غزوة الخندق، أن الرسول أدار المعركة "وهو ضارب عليه قبة تركية". ولم يشر إلى -شكل هذه القبة ولا إلى سبب تسميتها بذلك.
وقد اشتهرت "القباب الحمر" المصنوعة من أدم، ياوي اليها أصحاب الجاه واليسار والمشهورون. وقد ذكر أن النابغة الذبياني كان يضرب له بسوق عكاظ قبة حمراء من أدم، فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها. وكان ممن أنشده "حسان بن ثابت". وقد انتقده النابغة بأدب ولطف. وقيل إن بيت الأدم، قبة الملك، يجتمع فيها كل ضرب، ياكلون الطعام.
(1/2508)
ويذكر أهل الأخبار ان العرب تضرب الأخبية لأنفسها، والمضارب لملوكها، والمضارب انما ترتبط بالأوتاد. وذكر ان الخباء هو ما كان من وبر أو صوف ولا يكون من شعر، وهو على عمودين أو ثلاثة، وما فوق ذلك فهو بيت. وقيل: الخباء من شعر أو صوف، وهو دون المظلة. وهو من بيوت الأعراب. وذكر ان "المظلة" الكبير من الأخبية ذات رواق، وربما كانت شقة وشقتين وثلاثا، وربما كان لها كفاء وهو مؤخرها. قال بعض علماء اللغة انها تكون من الشعر، وقال بعض آخر لا تكون إلا من الثياب.
. و "المضرب" الفسطاط العظيم، وهو فسطاط الملك. وقد استعمل للملوك خاصة، ولأصحاب الجاه والعز والمكانة. ولهذا كانوا إذا مدحوا إنسانا وأرادوا 1لإشادة بمكانته وبمنصبه قالوا: "إنه لكرم المضرب شريف المنصب"، وإذا أرادوا ذم إنسان، قالوا: "ما يعرف له مضرب عسلة"، و "لا منبض عسلة"، أي من النسب والمال، يقال ذلك إذا لم يكن له نسب معروف ولا يعرف اعراقه في نسبه. ولما كانت المضارب من بيوت الملوك، وأهل الجاه وهم خيار "الناس ونخبتهم، صارت المضارب كناية عن الجاه والشرف والمال.
و "السرادق"، كل ما أحاط بشيء من حائط أو مضرب أو خباء.وقيل: كل بيت من "كرسف" فهو سرادق. وترد اللفظة في الفارسية بمعنى حائط أو حاجز من نسج غليظ حول خيمة.
وذكر أن "الفسطاط" ضرب من بيوت الشعر. والظاهر أنه البيت الكبير. وورد "الفسطاط العظيم"، وهو "فسطاط الملك". وذكر أن الفسطاط هو مجتمع الناس. وذكر أن الفسطاط ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق وبه سميت المدينة: مدينة الفسطاط. ويظهر أن الكلمة من الألفاظ المعربة عن الفارسية، وهي في هذه اللغة بمعنى "خيمة".
و "الطراف" خباء من أدم يتخذه الأغنياء. و "الطوارف" من الخباء ما رفعت من جوانبه ونواحيه للنظر الى خارج. قال عروة بن الورد: رأيت برني غبراء لا ينكرونني ولا أهل هذاك الطراف الممدد
(1/2509)
يعني ان الفقراء يعرفونني بإعطائي، والأغنياء يعرفونني بفضلي وجلالة قدري.
وتكون بيوت الأعراب المتناثرة، وهي خيامها، منازل القبيلة ومضاربها.
وتحيط خيامها بخيم الرئيس. فتكون من ذلك مستوطنة بدوية. ومنها يتألف مجتمع البوادي. ويرتبط حجم هذه المستوطنات، بسعة ماء المكان وبعدد بيوت القبيلة النازلة به، فإن كان الماء قليلا، قل عدد خيامها، وإن كان غزيرا، كثر عددها. واتسعت رقعة المضارب اتساعا يتناسب مع كفاءة ذلك الماء وما على الأرض من رزق تعيش إبلهم عليه.
بيوت أهل المدر
أما أهل القرى والمدن، اي أهل المدر، وهم المستقرون وشبه المستقرين،
فإنهم يقيمون في بيوت ثابتة أو شبه ثابتة. وهي تتفاوت بالطبع بتفاوت. منازل ودرجات أصحابها. فرب بيت يكون من خيمة أو من أغصان شجر وعيدان وجربد، ويقال له "العنة". وقد قيل إن العنة الخيمة تتخذ من أغصان الشجر. وقيل البيت يعمل من الخشب.ورب بيت يكون من طين، ويسقف بجريد أو باغصان أو بحصير يطين أيضا. ويختلف حجم مثل هذا البيت باختلاف حجم العائلة. وقد يبنى البيت باللبن وهو الغالب، وتكون حالة. أصحابها أحسن من حالة أصحاب بيوت الطين. وكنتيجة لتيسر مواد البناء في العربية الجنوبية، ظهرت مدن لا نجد لها مثيلافي أنحاء أخرى من جزيرة العرب. مدن كبيرة بيوتها ثابتة وبعضها ذو جملة طوابق، تحاط بأسوار عالية وأبراج وحصون يأوي فيها المدافعون.. وقد تمكن المنقبون من التنقيب في بعض خرائبها ومن وضع مخططات لبعض:شعابها أو مخططات عامة مبدئية للمدينة كلها وللسور الذي كان قي يحتضنها.
(1/2510)
والقرية في نظر علماء العربية لفظة يمانية الأصل. يقولون إنها المصر الجامع، وكل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ قرارا. وتقع على المدن وغيرها. ولكن الأغلب أنها أصغر حجما من المدن. وأنها تكون غير مسورة. فإذا أحاط بها "سور" صارت مدبنة. وذلك على نحو ما نفهم من نصوص الجاهليين ومن المتعارف عليه بن الساميين من أن القرية أصغر حجما من المدينة. وأن المدن هي القرى الكبيرة المسورة. وقد فهم علماء العربية هذا المعنى بالنسبة للمدينة أيضا.
إذ قالوا مدينة: الحصن يبنى في اصطمة الأرض. وتقابل "مدنتو" Medinto في لغة بني إرم. وتقابل لفظة "هكر" "هجر" "هجرن" "هكرن" في لغة أهل اليمن. وهي لا تزال مستعملة في العربية الجنوبية لهذا اليوم. وذكر علماء اللغة أن "هجر" هي القرية بلغة حمير.
وورد أن العرب تسمي "القرى" مصانع، واحدتها مصنعة، يقال هو من أهل المصانع، أي القرى. و "المصانع" أيضا المباني من القصور والحصون.
ويطلق العرب على الرجل من أهل القرى مصطلح: "أخضر النواجذ"، يريدون أنه ممن يأكل الكرات والبصل والبقول والخضر. ولا يتناول الأعراب هذه الخضر.
وفي العربية لفظة "الحير" بمعنى شبه الحظيرة والحمى، و "الحيرة" بمعنى المعسكر والمقام، و "الحائر" وهي من مواطن الحضر، أي - من المستوطنات.
قد كانت مستعملة بن الجاهليين. ومثلها "الحاضرة" و "الحضرة" و "الحضر"، وهي المدن والقرى والريف. وهي من مساكن الحضر وأهل القرار.
وتسمى المدن بأسماء. أما القرى والمستوطنات الصغيرة، فقد تسمى بأسماء، وقد تنسب إلى أصحابها المالكين لها أو إلى العشائر أو الأفخاذ أو الأسر النازلة بها. ولا تزال هذه العادة متبعة في مواضع من جزيرة العرب. أما بيوت كبار الناس وأغنيائهم، فتستعمل فيها الحجارة والخشب وغير ذلك من مواد تجعل البناء يدوم أمدا ويعيش مدة طويلة، وبفضل ذلك بقيت اثار بعض منها حتى الان.
(1/2511)
ولا يزال الناس في مواضع من جزيرة العرب، ولا سيما الأماكن المعزولة القصية، يتخذون بيوتا تشبه بيوت العرب قبل الإسلام، وخاصة بيوت سادات القبائل والرؤساء. وبعض ذلك قصور وحصون ذوات جدر وأسوار مرتفعة وتقوم في طرف من الأرض أبراج لها مزارق ومرابيع للدفاع، وأبراج مربعة. وقد تقع البيوت في عدة طبقات تحمى بمختلف وسائل الدفاع. وتستعمل الزينة من أصباغ محلية ومن حجارة طبيعية ذوات ألوان مختلفة. وأعتقد ان هذه الأبنية يجب أن يعنى بدراستها المهندسون المعماريون والآثاريون، فإن دراستها تحل لنا مشكلات كثيرة للفن العربي الجاهلي، وتوصلنا إلى وضع مخططات عن بقايا الأبنية الجاهلية القديمة التي تهدمت غالبيتها،أو اعتدى عليها الإنسان ويا للاسف فاستخدم حجارتها في أبنيته الحديثة، وقضى بذلك على معالمها في الغالب، وتجاوز على حجارتها المكتوبة فحطمها وأبادها، وبذلك ألحق بتأريخ العرب قبل الإسلام ضررا بليغا.
وأعظم شئ في المدن هو هياكلها، أي معابدها المسماة بأسماء الالهة التي بنيت لها، وقصور الملوك وسادات القوم وأشرافهم. فلهؤلاء مال مكنهم من بناء قصور ضخمة ذات جملة طوابق، بنوها بحجارة طبيعية اقتلعت من الصخور، وزخرفوا الوجوه البارزة منها،وأفتن فيها الفنانون على وفق أذواقهم وذوق طبيعة بلادهم، ونشروا الرخام الأبيض والملون وشرحوه ألوانا رقيقة جعلوها في النوافذ بدلا عن الزجاج. فهذه الأماكن اذن هي التي تتحدث لنا عن العمارة عند الجاهليين.
(1/2512)
وقد استعين في بناء بعض المدن بحجارة اقتلعت من مواضع بعيدة بعض البعد عنها في بعض الأحيان. فقد ينيت "قرنو" "معين"، بحجارة جلبت من موضع يبعد عشرين كيلومترا تقريبا من شمال "معين"، من "جبل اللوذ" أو من جنوب "جبل يام". ويرى بعض الباحثين احتمال جلب بعض الصخور اليها من مواضع تبعد ثمانين كيلومترا من المدينة. وبعض هذه الأحجار ثقيل يبلغ طول الواحدة منها خمسة أمتار. وجاءوا ب "المرمر" إلى "شبوة" من موضع "مداث" و "كلوة" على مسافة خمسين كيلومترا من المدينة.
وقد تبين من الدراسات. العامة الأولية التي قام بها الباحثون لخرائب المدن الجاهلية أن بعضها قد بني على شكل مستطيل، ويحيط به سور مستطيل الشكل أيضا ذو أبراج، وبعضها بني على شكل إهليلجي أو قريب منه، وبعضها على شكل دائري. وقد أحيطت بأسوار لحمايتها من غزو الغزاة وللدفاع عن نفسها وللثبات بوجه الأعداء. ولها أبواب تغلق ليلا وتحرس حراسة شديدة حتى لا تفاجأ المدينة بعدو يأخذ على حين غرة، كما تغلق وتسد سدا محكما أيام الحروب.
ويظن أن تخطيط المدن على شكل مستطيل كان هو الشكل الغالب، إذ وجد المنقبون أكثر خرائب المدن قد بني في الأصل على هذا النحو. ف"مأرب" بنيت على شكل مستطيل على رأي بعض من درس آثارها.وكذلك خربة "غربون" في جنوب "المشهد" بوادي ! حجرين" بحضرموت. وذهب بعض من زارها إلى انها كانت مربعة الشكل. وعلى هذا النحو كانت "شبوة" و "حريب" و "يلط" "يليط"، و "قرنو" الني هي معين في الجوف.
ومن المدن الني بنيت على شكل إهليلجي تقريبا مدينه "حاز" "حيزم ". وهي محاطة بسور يتراوح ارتفاعه من ستة أمتار إلى ثمانية أمتار، تخترقه خمسة أبواب. وبنيت مدينة "بيحان النقب" التي تقع على مسافة عشرة أميال الى الشمال من "بيجان" على شكل إهليلجي كذلك.
(1/2513)
وقد تبين أن أكثر المدن اليمانية القديمة قد بني في بطون الأودية على مرتفعات طبيعية، أو صناعية،أي من عمل الإنسان. وقد يكون ذلك بسبب خصب الأودية وتوافر الماء فيها بسهولة، بحفر الابار أو من العيون أو بواسطة بناء السدود.
غير أن هناك مدنأ أقيمت على الهضاب والنجاد وعلى سفوح الجبال، وذلك لتتمتع بحماية طبيعية وليكون من الصعب على الأعداء التغلب عليها. ومن المدن القديمة التي أقيمت في بطون الأودية مدينة "قرنو" "القرن" "معين"، فقد بنيت على تل أقامه المعينيون أنفسهم ارتفاعه خمسة عشر مترا عن سطح أرض الوادي، وذلك لحماية المدينة من طغيان ماء السيول في الوادي في موسم الأمطار.
وتحمي المدن حصون وقلاع، وقد تقام الأسوار وعلى مسافة من المدينة لتشغل العدو وتمنعه من الدنو منها، لتحمي مزارع المدينة وأموالها، وتكون أبنيتها حصينة ذات جدر سميكة فيها منافذ ترمى منها السهام، وفي أعلاها أبراج يرمي منها الرماة الحجارة والسهام على المهاجمين.كما تبنى في المدن نفسها خلف الأسوار، لحماية داخل المدينة من العدو عند تغلبه على الحصون والقلاع الخارجية، وأسوار المدن. وبيوت الملوك والأشراف وسادات المدينة، قلاع وحصون في حد ذاتها، فيها كل وسائل المقاومة والدفاع ومخازن لحفظ مواد الإعاشة، وآبار.
ويكاد يكون لكل مدينة من المدن حصن يقيها ويحميها،وقد اشتهرت وعرفت به. فاحتمت "ظفار" مثلا بحصنها "ذو ريدان"، وأقيمت "شبام سخيم" عند حصن "عر ذو مرمر"، و "شبام اقيان" عند "الوة" "كوكبان"، و "بيحان" عند "ذي ريدان"، و "برج اتوت" على "ميفع ظبيان"، وأنشئت "غيمان" على تل مرتفع يحمي المدينة من المهاجمين. وأقيم "ذو معاهر" ليحمي مدينة "وعلان" ب "ردمان".
(1/2514)
ويظهر من كتابات المسند ومن الاثار ان بعض مدن اليمن كانت مسورة، محيط بها سور للدفاع عنها. ويقال لمثل هذه المدن "هجرن" في العربيات الجنوبية، أي "المدن". مثل "هجرن قرنو"، بمعنى المدينه "قرنو" وهي عاصمة معين. و "هجرن مرب"، أي المدينة مأرب، و "هجرن نجرن" أي المدينة نجران، المدينة الشهيرة عاصمة مخلاف نجران والتي لا يزال اسمها حيا.، معروفا في العربية السعودية في هذا اليوم.
و تختلف أطوال -أسوار المدن وارتفاعاتها بحسب حجم المدن وبحسب مواقعها.
فالمدن الكبيرة تكون أسوارها طويلة يتناسب طولها مع سعتها. والمدن الني تبنى فوق الجبال والهضاب والمحلات الحصينة تكون أسوارها أقل ارتفاعا من أسوار المدن المبنية في السهول. وقد وجد سور مدينة "قرنو" مستطيلا، وطوله زهاء أربع مئة متر، وعرضه زهاء خمسين ومئتي متر، وعلى كل زاوية من زوايا هذا المستطيل الأربع برج لمراقبة الأعداء ولرميهم بالحجارة والسهام وبوسائل الدفاع الأخرى التي كانت ميسورة لهم.
وقد وجدت اسس سور مدينة "حيزم" "حزم"، وهي "حاز"، مبنية بحجر بركاني، أخذ من لابة قريبة من المكان. على حين بنيت أسس أسوار ألمدن الأخرى وجدرها من أحجار تقع مقالعها على مقربة من المدن المسورة، ليكون في الإمكان نقلها بسهولة إلى مواضع البناء.
(1/2515)
وغالب مدن العربية الجنوبية، لها بابان متقابلان، فإذا كان أحدهما في الجدار الشرفي للمدينة كان الثاني في الجدار الغربي. وقد وجد في بعض المدن أربعة أبواب أو خمسة. ف "شبوة" عاصمة حضرموت كان لها خمسة أبواب، يقع الباب الرئيسي في الجهة الشمالية من المدينة. وتؤدي الأبواب إلى أفنية تكون متجمع الناس، تعلن على جدرانها الأوامر الحكومية ليقف عليها الغادي والرائح، ويعلن المعلنون فيها أوامر الحكومة، كما ينادي الدلالون بما عندهم من خبر أو بضاعة. وتكون هذه الساحات أسواقا كذلك، ومواضع لتنفيذ أحكام القتل أو العقوبات الأخرى ليعتبر بها الناس. وهكذا تجد أن أبواب المدن كانت من أهم الأماكن العامة للمدينة في تلك الأيام.
وقد وجد بعض الأبواب، وهي الأبواب الرئيسية، محصنا من الجهتين ببناءين قويين، للدفاع عن الباب، فيهما منافذ ومواضع يرمي منها" المدافعون من يريد اقتحام المدينة. وبين البناءين أو الحصنين باب قوي يغلق في الليل وعند وقوع خطر ما. ويؤدي هذا الباب إلى ساحة تحيط بها غرف ومواضع لإيواء الجنود، ثم تنتهي هذه الساحة بحائط قوي أو سور يخترقه باب آخر يغلق ويفتح ليؤدي إلى المدينة. والغاية من وجود هذا الباب الثاني سد الطريق على الأعداء عند اقتحامهم الباب الاول وتغلبهم على الجواسيس ووصولهم إلى الساحة التي يقيم فيها الجنود، فيقابلهم عندئذ باب ثان يسد عليهم الطريق ولا يمكنهم من دخول المدينة إلا إذا تغلبوا على هذا الباب.
(1/2516)
وقد عني العرب الجنوبيون بزخرفة الابواب وبزخرفة الإطار الذي ترتكز عليه، والجدار الذي يضم الإطار، والأعمدة التي تبنى على جانبي الباب أحيانا وللبناءين المحكمين اللذين يبنيان عند طرفي ابواب المدن والقصور والمعابد لحراستها. وتتصل شوارع المدن والقرى بهذه الساحات. والشوارع الرئيسية مبلطة في الغالب، ولا سيما الشوارع المؤدية إلى قصور الملوك ودور الكبار والحكومة والمعابد،وتؤدي إلى ساحات أمام هذه المواضع المهمة. ويكون تبليط الشوارع عندهم بتغطيتها بصخور عريضة مستطيلة أو مربعة نحتت بأطرافها بحيث يوضع طرف حجر فوق طرف الحجر الذي يليه، فيظهران كأنهما حجر واحد، أو بصقل أطراف الحجر صقلا جيدا ووضعه بجانب حجر مصقول آخر ولصقهما لصقا تاما، حنى يبدو ا كأنهما قطعة واحدة. ويظهر أنهم كانوا يعتنون عناية شديدة تامة بالتبليط. وقد تبين من دراسة بعض قطع شوارع مدينة "غيمان" الياقية من أيام الجاهلية حتى اليوم أن أهل هذه المدينة لم يعتنوا بتبليط شوارعهم عناية أهل المدن الأخرى، كما يتبين من طريقة رصف الحجر ومن وضعه بعضه إلى بعضه ومن دراسة المواد. الني توضع تحت الأحجار وبينها.
(1/2517)
وللمدن حدود، ما كان بعدها عد تابعا للمدينة، وما كان خارجها عد منقطع الصلة بتلك المدينة. وقد ذهب "رودوكناكس" إلى أن لفظة "اود" التي ترد في بعض الكتابات تعني "الحد" كما في هذه الجملة "اود هجرن"، أي "حد المدينة". وعندي ان المراد بها "السدود" وكل شيء يقي شيئا. فإن الأياد في العربية ما أيد به من شئ، واياد كل شيء ما يقوى به من جانبيه، والتراب يجعل حول الحوض وافيء يقوى به أو يمنع ماء المطر. وعلى هذا فإن تفسير "اود" بسداد تحيط بمدينة أوفق في نظري من تفسيرها ب "حد" وحدود. والواقع أن من الصعب علينا في الزمن الحاضر أن نتحدث عن هندسة المدن وتخطيطها وعن طراز أبنيتها وارتفاعها، وعن ساحاتها وأسواقها، لقلة ألتنقيبات الأثرية العلمية واقتصارها على وجه الأرض وفي بقاع قليلة جدا من جزيرة العرب، وانعدامها من أكثر الأنحاء مع وجود آثار كثيرة فيها لا تزال مطمورة تحت الرمال.
ولو تهيأت للجزيرة بعثات أثرية على شاكلة البعثات التي تقصد العراق أو بلاد. الشام أو فلسطين. أو مصر أو غيرها من أماكن، لكان علمنا. بأحوال المدن العربية الجاهلية وبأحوال الجاهليين غزيرا جديدا يختلف عن هذا النزر اليسر الذي نتحدث به عن أحوال العرب قبل الإسلام.
(1/2518)
اما الحجاز، فالظاهر أن الطائف منه، كانت القرية أو المدينة الوحيدة المحاطة بجدار أو حائط، يمكن أن نسميه سورا. وكان يحيط بالمدينة وبه مواضع يتحصن فيها، وفيها تحصمت ثقيف يوم قاومت الرسول في أثناء حصاره لها. وكانت له أبواب أغلقوها عليهم، وامتنع على المسلمين عندئذ الدخول منها، والاقتراب من الجدار. ولما اختفى المسلمون تحت دبابة، ثم زحفوا بها إلى جدار للطائف، أرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف يالنبل،، وقتلوا رجالا من المسلمين. وأما مكة، فيظهر من وصف أهل الأخبار لها أنها لم تكن مسورة. وإنما كانت ذات منافذ وطرق تؤدي إلى داخل المدينة وتمر بالشعاب. وعلى كل شعب حماية حد شعبه من الأطراف عند دنو عدو من مكة. وأما المدينة، فلم يكن لها سور كذلك. ويمكن أن يقال مثل ذلك عن بقية قرى الحجاز.
ولا نجد في وصف أهل الأخبار لقرى أهل الحجاز وبيوتها، ما يفيد بوجود أبنية ضخمة فيها على طراز أبنية اليمن. فلم يتحدث أهل الأخبار- عن وجود قصور فيها تشبه "قصرغمدان" أو "قصر ذو ريدان" أو غير ذلك من القصور. حتى مكة وهي أم القرى لا يشير أهل الأخبار إلى وجود بناء ضخم فيها على طراز أبنية اليمن، ولا وجود بيت كبير فيها على طراز بيوت سراة اليمن.
و "دار الندوة"، وهي دار قصي،مؤسس ملك قريش، لم تكن دارا ضخمة ولا كبيرة على ما يظهر من روايات أهل الأخبار ويظهر أن أهل الأخبار لم يحفلوا كثيرا بالنواحي العمرانية من الجاهلية، لذلك صارت معلوماتنا بسيطة جدا عنها من هذه الناحية. فلا نكاد نعرف شيئا عن بيوت مكة أو غيرها قبل الإسلام. وقد كانت بيوت المتمكنين من الناس وأصحاب اليسر والمال، مشيدة يالحجارة وباللبن. ويذكر علماء اللغة أن كل بيت مربع مسطح، فهو "أجم". ويظهر من شعر ينسب إلى امرىء القيس وتيماء لم يترك بها جذع نخلة ولا أجما إلا مشيدا بجندل
(1/2519)
أن آجام "تيماء"، كانت مشيدة بالجندل. والجندل الحجر، وقيل الصخور، وذكر أنها الصخرة كرأس الإنسان. وقد استعين بتشييد السقوف بجذوع النخل. ويقال للاجام: القصور بلغة أهل الحجاز، وعرفت بالآكام كذلك، وهي بمثابة الحصون، يتحصن بها أوقات الخطر. والقصر عند العرب كل بناء من حجر، وذكر أن اللفظة "قرشية". ووردت لفظة "قصر" و "قصور" في القرآن الكريم. وقد ذهب المفسرون إلى أن معنى "مشيد" في.الاية: )فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة، فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد(، المجصص. والجص بالمدينة يسمى: المشيد. فالقصر، البناء الضخم المبني بالجص والحجارة،، وقد يكون منفردا محصنا، وقد يكون في قرية، مع قصور أخرى، ولكل قصر بئر، يؤخذ منها الماء. وهي ضرورية جدا بالنسبة لبيوت ذلك الوقت.
ويظهر من روايات أهل الأخبار عن البيوت أن في بيوت يثرب بيوت تكونت من طابقين. طابق أرضي وطابق علوي. وكانوا يسكنون الطابقين. ولعلهم كانوا يودعون ماشيتهم ودوابهم الطابق الأرضي، أو مواضع خاصة بها ملحقة بهذا الطابق. وكانت دار "أبو أيوب الأنصاري" التي نزل بها الرسول ذات طابقين نزل الرسول بطابق، وسكن "أبو أيوب" بالطابق الثاني.
وكان سادات القرى قد حلوا مشكلة الدفاع عن أنفسهم وعن مواليهم ببناء أبنية حصينة ذات جدران سميكة قالوا لها الحصون والآطام والواحد هو الأطم. فكان أهل المدينة من الأوس والخزرج يلجأون إلى آطامهم وقت الخطر فيتحصنون بها ويمتنعون، وكذلك كانت ليهود وادي القرى حصون وآطام. بها آبار ومواضع لخزن ذخيرتهم وما عندهم من غال وثمين ودخلوا حصونهم وآطامهم وأغلقوا عليهم الأبواب. وبذلك صارت القرية مجموعة حصون وآطام.
(1/2520)
والأطم القصر وكل حصن بني بالحجارة. وقيل هو كل بيت مربع مسطح. وقد ورد أن "بلالا الحبشي" كان يؤذن على أطم المدينة. وقد اشتهرت بها المدينة. وذكر أن الأطمة الحصن. وأن "الأضبظ بن قربع بن عوف بن كعب ابن سعد بن زيد مناة بن تميم"، بنى أطما باليمن، عرف باسمه: "أطم الأضبط". وكان قد أغار على أهل صنعاء. وأشر في شعر "أوس" إلى "آطام نجران". حيث ذكر أن احد الملوك بث الجنود في الأرض، فأخذوا بقتل أعدائه ما بين بصرى وآطام نجران.
ويظهر من روايات أهل الأخبار أن قرى الحجاز ومدنها كانت شعابا، أي أحياء. تكونت على الطريقة البدوية. وذلك بإقامة كل عشيرة في حي معين من أحياء القرية أو المدينة. وتكون بين الحي عصبية مثل عصبية أفراد القبيلة للقبيلة. وينتمي الحي إلى القبيلة أو العشيرة التي يرجع اليها، ويتعصب لها. ويشعر أن بين أفراد الحي قرابة ورابطة دم. ويعبر عن سكان الحي ب "آل.....". ويكون وجيه الشعب، هو نقيبه وممثله وسيده.
وقد يقال للمنزل أو المحلة "الربع" والجمع "الرباع". وذكر أن "الرباع" المنازل وجماعة الناس. فتتألف كل قرية أو مدينة من رباع.
وقد كانت "الحيرة" على هذه الشاكلة أيضا. فقد كانت مؤلفة من مواضع حصينة بناها سادات المدينة وأشراف الأحياء، عرفت عندهم ب "القصور" والمفرد "قصر". فإذا داهم المدينة خطر دخل أهل الحي قصر سيدهم وشريفهم وتحصنوا به.
الأبراج
(1/2521)
وتؤلف الأبراج والحصون ص فحة من صفحات كتاب الفن المعماري والحربي في التأريخ الجاهلي. فقد بنيت لتؤدي واجب الدفاع والحماية والوقوف بجبروت وتعنت في وجه من يريد الكيد بمن يحتمي وراء تلك الحصون. وطبيعي أن تراعي في تصميمها وبنائها الأغراض التي من أجلها شيدت وبنيت والمكان الذي تقام عليه. ويراعى في جدران الحصون أن تكون سميكة وأن تبنى بمواد متماسكة تماسكا شديدا حنى لا تنهار عند ضرب المهاجمين لها ومحاولتهم تهديمها لايجاد ثغر فيها يهجمون منها، وتنشأ فيها مخازن لخزن الأسلحة، وييسر فيها الماء ومواد المعيشة التي يحتاج اليها المدافعون، وتحدث منافذ في أعالي الأبراج لرمي المهاجمين منها. ويكون سمك الحائط عند القاعدة أكبر من سمكه في أعلاه. وأما الأبواب المؤدية إلى الحصن، فإن الطريق اليها لا يكون مستقيما ممتدا، بل بأخذ اتجاهات مختلفة، ويمر بممرات وقاعات،ليكون في امكان المدافعين الاحتماء بها حين يتمكن المهاجمون من اقتحام الباب الخارجي.
وتقام الأبراج فوق الأسوار والأبواب لحمايتها من المهاجمين. وتكون هندسة بنائها عندئذ متناسبة مع هندسة بناء السور أو أعلى الباب. وقد تنتهي بما يشبه الأسنان والأفاريز، ليتمكن المدافع من إصابة المهاجمين بما عنده من مواد مؤذية فيمنعهم بذلك من اقتحام السور ومن إلحاق أي أذى به. وذكر علماء العربية أن "البرج" بيت بنى على السور والحصن. وقد يسمى بيتا. وذكروا أن برج الحصن ركنه. ولم يذكر أولئك العلماء أصل الكلمة. وهو من الألفاظ المعربة عن اليونانية، إذ هو Pirghos فيها. بمعنى "بناء" وبرج فوق بناء يدافع به المدافعون ولصد المهاجمين من التقدم نحوه.
الطرق
(1/2522)
وتوجد آثار طرق جاهلية في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية مبلطة تبليطا حسنا، وأخرى ممهدة تمهيدا فنيا. وقد انشىء بعضها في أرض جبلية وفي أرضين وعرة، وذلك باستعمال آلات بمهارة في قطع الصخور لانشاء هذه الممرات. وأنشىء بعض إخر في الأودية وفي السهول برفق وعناية وقد كسيت ورصفت بالأحجار رصفا متينا قويأ كالذي يظهر من بقايا هذه الطرق التي لا تزال متماسكة شديدة، تقاوم الأيام بالرغم من طول عمرها ومن عدم اهتمام الناس بها.
ومن الطرق الجاهلية الني وجدها السياح والباحثون، طريق "مبلقة" "مبلقت" في وادي بيحان. الذي يتراوح طوله من ثلاثة أميال إلى أربعة أميال، ويرجع عهده الى حوالي السنة "325" قبل الميلاد في تقدير بعض الباحثين. وهو يؤدي إلى "حريب". وقد رصف وجهه وكسي بصفاح ضخم عريض. ونحت قسم منه طوله زهاء مئة قدم في الصخر نحتا إلى عمق ثلاثين قدما، وذلك اختصارا للمسافة. وهو عمل يقدر بالنسبة ذلك الزمن.
ومن هذه الطرق طريق مدرج عمله الجاهليون في المرتفعات المؤدية إلى "وادي ذنه" على مقربة من مأرب. "مدرج نقيل" "نقيل مدرج". وقد نحت في الصخر وطريق آخر عرضه زهاء أربعة أمتار يقع شمال "معبر"، وطريق اخر يؤدي من هضبة "عقبة" إلى وادى عرمة ثم الى "شبوة". وطريق في جنوب حافة جبل اللوذ، نحت نحتا في الصخر حتى يؤدي بسالكيه من "خربة السود" إلى "كعاب اللوذ". ونجد طرقا نحتت في صخور المرتفعات والهضاب والجبال لتؤدي إلى الحصون "العر" والمحافد والقصور والمدن مثل "عر ذو مرمر" و "عراتوت" "حصن أتوت" في أرحب، و "قصر ريدان" "ذو ريدان" "جبل ريدان في بيحان". واشير في النص Glaser 824 إلى طريق جبلي، عمل على جبل "جحاف" في هضبة "الضالع".
(1/2523)
ومن الطرق الجبلية المسماة "منقل" في المسند، طريق في جبل "عمان" يؤدي إلى "مأرب". وقد ذكر علماء اللغة أن "المنقل الطريق في الجبل". وقد وصفه "هاملتون"، الطريق القديم الذي ربط عدن بالداخل. وهناك طريق معروف مشهور اشتهر باسم "درب الفيل"، ينسب الى "التبع أسعد كامل" في حوالي السنة "400" للميلاد، ومنه بقايا بين "تربة" ومواضع أخرى من أعالي اليمن.
وقد وجدت شوارع المدن وطرقها مبلطة مرصوفة رصفا حسنا في بعض الأحيان بحجارة وضع بعضها فوق بعض، وربطت بينها مادة بناء مثل الجبس، ذات قوة وتماسك كقوة "السمنت" وتماسكه حين يجف. وقد رصف بعضر آخر بحجارة مربعة أو مستطيلة قدت من صخر، وضع بعضها إلى جانب بعض وضعا محكما بحيث بدت وكأنها حجر واحد،ورصف بعض آخر بحجارة هذبت اوجهها وصقلت وجعلت لها حوشي منخفضة، وحواشي بارزة يكون سمكها سمك القسم المنخفض من الحواشي المنخفضة حتى توضع فوقها فتغطيها، فتكون الأحجار متماسكة بذلك كقطعة واحدة. وقد وجد بعض الطرق مكسوا ب "الاسفلت".
وقد ذكر علماء اللغة أن "البلق" الرخام، وحجارة باليمن تضيء ما وراءها كالزجاج. ولم يذكروا أن "مبلقة" بمعنى الطريق الممهد، وقد تبين من فحص البقية الباقية من الطريق القريب من "غيمان"، وعهده أيام ما قبل الإسلام، أن تبليطه ورصفه لم يكونا على جانب كبير من الدقة والعناية. وهو بعرض أربعة أمتار تقريبا، ويؤدي إلى "قصر غيمان". وقد أقيم في موضع منه على سد ارتفاعه خمسة أمتار،وقد حفظ من الجانبين بحدارين.
(1/2524)
ويقال للطرق الضيقة الني يسلكها الإنسان للوصول إلى أعلى البرج أو القلعة "محول" في اللهجة المعينية. وقد تكون مسقوفة، وقد تكون بغير سقف، كما تكون مدرجة أي ذات سلالم،وربما لا تكون كذلك، وقد تؤدي الى ارتفاع، وقد تكون ممرا مستويا يخترقه الإنسان كالدهليز، واتخذ الجاهليون القناطر، والقنطرة لغة في ألجسر، ويراد بها القنطرة المعقودة المعروفة عند الناس. والعرب تسمي كل أزج قنطرة. وقد ورد ذكرها في شعر لطرفة بن العبد. هي تعقد بالحجارة وتشاد بالجص أو بجياد وهو الكلس. ويعبر عليها الناس ووسائط النقل وقد عثر على آثار قناطر في مواضع متعددة من جزيرة العرب،ولا سيما في اليمن وبقية العرببة الجنوبية حيث تكثر الأودية والسيول. وجاء في شعر لطرفة بن العبد"، هذا البيت: كقنطرة الرومي اقسم ربها لتكتفنن حتى تشاد بقرمد
وقد ذكر "الزوزني"، أن صاحب القنطرة وهو رومي، حلف ليحاطن
بها حتى ترفع أو تجصص يالصاروج أو بالاجر. وأن القرمد: الآجر، وقيل هو الصاروج، والشيد الرفع والطلي بالشيد وهو الجص. ولم يذكر الشارح موضع القنطرة المذكورة التي بناها صاحبها وهو رومي فنسبت اليه.
أثاث البيوت
(1/2525)
وليست لدينا صور واضحة دقيقة عن بيوت أغنياء المدن، وعن محتوياتها وعما فيها من أثاث وأدوات. غير أن بعضا منها يجب أن يكون واسعأ كبيرا حوى كل وسائل الراحة المتوفرة بالقياس إلى ذلك العهد. فرجل مثل "عبد الله بن جدعان" كان ثريا ثقيل الثراء، يملك انية من الذهب والفضة، ويشرب يكؤوس غالية، ويأكل أكلات غريبة، ويتفنن في مأكله، وقد استحضر لذلك طباخين من الخارج من العراق مثلا، ليطبخوا له طعاما غريبا عجميا، أقول إن رجلا مثل هذا لا بد أن يكون بيته بيتا كبيرا يتناسب مع ثراء صاحبه وماله وقد بني بناء محكما، وأحصنت جدرانه وارتفعت حتى يكون في مستطاعه التحصن فيه وقت الخطر والمحافظة على نفسه من السراق والطامعين في ماله في الليل والنهار. ولا بد أن يكون بيت عبدالله بن جدعان هذا قد بني من أجنحة متعددة، جناح لسكناه مع نسائه، وجناح لقيانه وخادماته وجناح لخدامه وعبيده، وجناح لاستقبال أصحابه وندمائه وأصحاب الحاجات والأشغال، فقد كان يجلس للاصدقاء يتسامر معهم ويسمع معهم غناء قيانه، وعلى رأسهن "الجرادتان"، وهما قينتاه المختارتان، وكان لهما صوتان شجيان، وقد اشتهرتا بمكة، وخلد ذكرهما حتى الآن، فلا يعقل أن يكون بيته صغيرا أو حقيرا أو بدائيا، إذ لا يتناسب ذلك مع ما يذكره اهل الأخبار وبروونه عن ثرائه وبذخه وعن شربه بآنية من ذهب وفضة، إلى غير ذلك مما يحملنا - لو صدقنا روايات الأخباريين - على أن ببته يجب أن يتناسب مع ثرائه.
(1/2526)
وعاصر ابن جدعان نفر آخر كانوا من أغنياء مكة ومن أصحاب المال والثراء، لهم ذوق في الجمال وحب للشراب، وكان لهم خدم وحشم، ورجال من هذا الطراز لا بد أن تكون بيوتهم حسنة ومن حجارة، وفيها وسائل الراحة، ولها مواضع خاصة بإقامة النساء، وأماكن خاصة باستقبال الضيوف، ومواضع لإقامة الخدم والصيد. والحيوانات التي يرتبطها للركوب، وحجر لحفظ الأطعمة والأشربة بمقادير كافية احتمالا لحالات الطوارئ.
وعرفت الزرابي، وهي "الطنافس"، في بيوت أثرياء الجاهليين وقصور الأمراء. وقد ذكرت "الزرابي" و "النمارق" في القرآن الكريم. وورد أن الزرابي ضرب من الثياب محبر، منسوب إلى موضع، وذكرت "الزرابي" في شعر"حسان".
وعرف عند الجاهيين نوع خاص من الطنافس قيل له "الرحال"، ذكر أنه من طنافس الحيرة. واليه أشار الأعشى بقوله: ومصاب غادية كأن تجارها نشرت عليه برودها ورحالها
وقد استعملت الكراسي والأسرة في بيوت الأغنياء. والكرسي السرير. واما السرير، فهو ما يجلس عليه وينام فوقه أيضا. وقد عبر به عن الملك والنعمة.
والظاهر أن ذلك بسبب كونه من مظاهر الغنى والجاه. و"الخلب" الكرسى قوائمه من حديد.
ويقال للمجلس "الموثب" في لغة "حمير". ويراد بها أسفل الشيء وما يستقر على الأرض. وهي قريبة في المعنى من لفظة "شت" و "اشدو".
(1/2527)
وقد استورد أهل مكة الأواني الغالية والأثاث الراقي من بلاد الشام، لما عرفت به هذه البلاد من التقدم في الصنعة وحسن الذوق، ولقربها من الحجاز، كما استوردوها من العراق " ويمكن معرفة أصولها والأماكن التي وردت منها بدراسة أسماءها. فأكثر أسماء الأشياء المستوردة، هي أسماء معربة. عربت من اصول أعجمية، ويمكن الوقوف على أصلها بدراسة أصولها اللغوية التي جاءت منها. وقد تبنى "دكك" عند باب البيت، يحلس عليها الدرابنة، أي "البوابون"، لمنع الغرباء من الدخول داخل البيت، ولحراسة الدار. وقد أشير اليها في شعر ينسب للمثقب العبدي: فابقي باطلي والجد منها كدكان الدرابنة المطين
أما بيوت الفقراء، فهي كما يظهر من روايات أهل الاخبار، بيوت حقيرة
إن جاز اطلاق لفظة "بيت" و "بيوت" عليها. وهي من طين ومن بيوت شعر، لا تقي من برد ولا من حر.، لذلك فإن الطبقة الفقيرة عاشت عيشة بؤس وشقاء. وليس في مثل هذه البيوت مرافق صحية ولا مغاسل ولا حمامات، فكان اصحابها يقضون حاجاتهم في خارج البيوت. وإذا كان من السهل على الذكور أداء هذا الواجب، فإن ذلك كان من ت أصعب الأشياء بالنسبة للاناث.
وسائل الركوب
وكان السير على الأقدام للوصول إلى المواضع المقصودة هو المألوف عند أكثر الناس، بسبب فقرهم وعدم تمكنهم من امتلاك دابة ركوب. لقد كان أكثرهم يقطع مسافات طويلة مشيا على قدميه في ذهابه الى قبيلته أو للتنقل من مكان إلى مكان. أما المتمكنون منهم، فقد ركبوا الجمال في قطع المسافات البعيدة والأرضين الصحراوية، وركبوا الخيل والبغال والحمر في القرى وفي الأرضين التي لا تغلب عليها الطبيعة الصحراوية.
(1/2528)
ولحماية النفسى أثناء النوم من "البعوض" والحشرات الأخرى استعملوا "الكلل". و "الكلة" ستر رقيق يخاط كالبيت يتوقى به من الحشرات. ومن هذه الحشرات والهوام: البعوض، واكثر ما يكون في بيوت الحضر، حيث تتوفر له وسائل النمو والمعيشة، من أوساخ ورطوبة وماء. وفي المواضع التي يكثر وجود الماء بها مثل خيبر، حيث عرفت بكثرة بعوضها الحامل للبرداء "الملاريا.". و "الناموس"، و "البرغوث" الذي يزعج الإنسان ويقلقه، فلا يجعله يستريح في نومه، ثم الذباب.
آداب المجالس
وللقوم آداب في مجالسهم على الإنسان اتباعها ومراعاتها، من ذلك أن لكل بيت مهما كان حجمه أو مكانته حرمة. وأن على كل إنسان صيانة حرمة بيته وبيت غيره سواء بسواء. لأن بيوت الناس هي في الحرمة سواء. ومن ينتهك حرمة بيت غيره يكون قد قام بإثم كبير وعرض نفسه لانتقام أهل البيت المنتهك منه. وقد يؤدي ذلك إلى وقوع قتال بنداء العصبية وبتجمع أهل البيت للاخذ بثأرهم ممن ثلب حرمة بيتهم وتطاول عليه، ودنس شرفه، بالاساءة اليه. ولن تغفر الاساءة ولا يغسل عارها إلا بالانتقام وبالانتقاص من شأن ذلك الإنسان الذي انتهك حرمة بيت غيره.
ومن حرمة البيت عدم جواز دخوله إلا بإذن من صاحبه. فإن دخل اليه دون إذن، عنف الداخل وأنب، وان ثبت أنه دخله عن غاية وتصميم عد معتديا عليه منتهكا لحرمته. ويكون جزاءه الانتقام منه. وعلى من يريد دخول بيت الاستئذان من أصحابه حتى وإن كان البيت خيمة مهلهلة تذروها الرياح. لأن تلك الخيمة هي بيت ومأوى. ولا ينظر الناس إلى نوع البيت والى جنسه بل إلى أهله، فالبيت بأهله لا يكيفيته،وحرمته من حرمة أصحابه.
(1/2529)
وقد كان بعض الجاهليين يدخلون البيوت كل. غير استئذان، ولا سيما الأعراب. ومنهم من كان يقف عند الباب فين ادي: يا فلان اخرج، أو يا فلان أدخل. ونجد في كتب السير والأخبار أن من الأعراب من كان يقف امام حجر النبي وينادي: أخرج يا محمد ? ولهذا شدد على "الاستئذان" وعلى السلام في الإسلام. ولا يخاطب الرجل الرجل الأكبر منه سنا أو منزلة باسمه، وإنما يخاطبه بكنيته. كأن يقول يا أبا فلان، وتكون الكنية باسم الابن الأكبر، إلا إذا حدث ما يستوجب عدم ذكر اسمه. فيكنى بغيره ممن يختارهم ذلك الرجل. وقد لا يكون ولدا، ولكنه يكنى مع ذلك بكنية يختارها هو، أو تكون متعارفة عن الاسم بين الناس. ولا تزال عادة التكنية مستعملة عند الحضر وعند الأعراب. وقد عرف بعضهم الكنية بي )اسم يطلق على الشخص للتعظيم نحو أبي حفص وأبي حسن، أو علامة عليه(. وتقوم الكنية مقام الاسم فيعرف صاحبها بها كما يعرف باسمه كأبي لهب عرف بكنيته. وأبو فلان كنيته.
التحية
والعادة عند الجاهليين أن يحيى الصديق صديقه إذا رآه. والتحية: السلام.
ومن تحياتهم: حياك الله أو حياك.... ثم يذكر الصنم. وإذا كان اللقاء صباحا قالوا: أنعم صباحا وعم صباحا، أما إذا كانوا جماعة فيقول عندئذ: أنعموا صباحا، وعموا صباحا، وإذا كان الوقت مساء، قال أنعم مساء وعم مساء وأنعموا مساء إذا كانوا جماعة.
والمصافحة معروفة عند الجاهليين. وتكون باليد اليمنى. وقد يتصافحون باليدين. وقد يتعانقون، إذا كانوا قد جاؤوا من سفر أو من فراق. وقد أشير في الحديث إلى المصافحة باليدين عند اللقاء.
(1/2530)
وتكون إجابة الصغير للكبير بتلبية مؤدبة،. فإذا سأل إنسان ذو منزلة إنسانا آخر أقل منزلة منه أجابه بجمل فيها أدب وتقدير مثل لبيك وسعديك. أي لزوما لطاعتك، وأنا مقيم على طاعتك، واجابة لك، وأنا مقيم عندك، واتجاهي اليك وقصدي لك وما شاكل ذلك من معان ذكرها علماء اللغة. ومن هنا قيل لقول الحجاج في الحح: لبيك اللهم لبيك، التلبية، ويجاب ب "نعم" وب "نعم وكرامة". وقد يكون الجواب لطلب عمل عمل. كأن يطلب رجل من رجل آخر عمل عمل، فيقول له: "نعم"، و "نعم وكرامة"، و "نعم عين ونعمة عين"، و "نعام عين"، و "نعيم عين"، و "نعام عين". وتعد لفظة " بلى" من ألفاظ الإجابة كذلك.
ومن آداب البيت الامتناع عن قول الفحش بحضور النساء. وعدم النظر بسوء إلى البنات والنساء، وعدم تركيز النظر عليهن. لأن معنى ذلك توجيه إهانة إلى رب البيت، واظهار أنه إنما قصد من دخول البيت التمتع برؤية النساء. وعليه السيطرة على نفسه وضبطها فلا يسمح لنفسه بإخراج الريح من جوفه، لأن ذلك عند العرب عيب كبير. فالضراط و الفساء إذا وقعا من إنسان بحضرة غرباء عدا من المغامز التي قد يؤاخذونها على الرجل. لا سيما إذا كان الرجل معروفا مشهورا وله حساد.
ومن عاداتهم: تشميت العاطس، لا سيما إذا كان كبيرا ذا جاه. كان يدعى له بطول العمر. وقد أكده الإسلام. فإذا عطس إنسان قال: الحمد لله فيجيبه الحضار ب "يرحمك الله". ويحمد العطاس عند العرب، ما لم يكن من زكام ويذم التثاؤب. وذكر أن كل دعاء بخير فهو تشميت.
ويقال للشاب إذا سعل: عمرا وشبابا. أما إذا كان الساعل شيخا أو رجلا بغيظا، فيقال لهما: وريا وقحابا. وللحبيب إذا سعل: عمرا وشبابا.
وكانت تحيتهم للملك أن يقولوا: أبيت اللعن. وإذا قال أحدهم للآخر: أنعم صباحا، أو أنعم مساء، أو أنعم ظلاما، أجابه صاحبه: نعمت.
ثقال الناس
(1/2531)
ومن الناس من يستثقل ظلهم ويرجى انصرافهم بسرعة. لثقل طبعهم ووجود جفاوة فيهم، أو تلبد في طبعهم يجعلهم لا يدركون طباع الناس. ويقال لأمثال هؤلاء: الثقلاء. وثقال الناس وثقلاؤهم من تكره صحبته ويستثقله الناس. يقال: مجالسة الثقيل تضني الروح. ويقال: هو ثقيل على جلسائه، وما أنت إلا ثقيل الظل بارد النسيم.
ومن الثقلاء من يطيل الجلوس في المجالس: أو يدخلها دون دعوة، أو يتدخل فيما لا يعنيه أو فيما يجهله ليظهر علمه وفهمه. أو يزور صديقا في وقت لاتستحب زيارة أحد فيه، أو يعود مريضا ثم يطيل الجلوس عنده. وكانوا إذا وجدوا من الثقيل بلادة، فلربما أسمعوه كلاما يشعر بتثاقلهم منه، فإذا لم ينتبه أشعروه بصور أخرى تفهمه أنه ثقيل الظل حتى يرحل عن المجلس و "الظريف" على عكس "الثقيل"، يستظرفه الناس ويستملحون كلامه ويحبون مجالسته. وهو البليغ الجيد الكلام، أو هو حسن الوجه والهيئة، كما يكون في اللسان. وقيل الظرف: البزاعه وذكاء القلب. والبزاعة هي الظرافة والملاحة والكياسة.
وقد يدعون بالشر على الأعداء والحساد والثقلاء، فيقولون: رماه الله في الدوقعة، أي في الفقر والذل، و "أخس الله حظه"، و "أبعد الله دار فلان، وأوقد نارا إثره". والمعنى لا رجعه الله ولا رد ه. و "أبعده الله وأسحقه وأوقد نارا إثره".
للصلف
وأما "الصلف"، فالتمدح بما ليس عندك. وقيل مجاوزة قدر الظرف والبراعة فوق ذلك تكبرا. وفي الحديث:آفة الظرف الصلف. وهو الغلو في الظرف والزيادة على المقدار مع تكبر. وهو مكروه ويستثقل صاحبه ويقل أصحابه.
المجالس
(1/2532)
والعادة عندهم أنهم إذا زاروا ملكا أو سيد قبيلة أو عظيما، لبسوا أحسن ما عندهم من لباس، وتزينوا بأجمل زينة يعرفونها ومنها الكحل والترجيل ولبس جبب الحيرة المكففة بالحرير،كالذي فعله سادات نجران يوم وفدوا على الرسول. والتكحل عادة منتشرة عند جميع الجاهليين رجالا ونساء وفي كل جزيرة العرب. كما كانوا يتطيبون بالطيب والعطر.
ومن آدابهم في مجالسهم قيام القاعد للقادم عند قدومه وتوجيهه التحية لهم.
ولا سيما إذا كان القادم شريفا وله منزلة عند قومه ومكانة. فيقف القوم على أرجلهم ويحيون المحيي على تحيته بتحية هي خير منها، هذه سنة كانت معروفة عندهم، ولا تزال. وقد تطرق "الجاحظ" الى هذه القاعدة، ثم قال: "قالوا: ومن الأعاجيب أن الحارث بن كعب لا يقوم لحزم، وحزم لا تقوم لكندة، وكندة لا تقوم للحارث بن كعب". ثم قال: "قالوا: ومثل ذلك من الأعاجيب في الحارث: أن العرب لا تقوم للترك، والترك لا تقوم للروم، والروم لا تقوم للعرب".
وتفرش أرض سيد القبيلة وذوي اليسار من الناس، وكذلك غرف بيوتهم بالفرش، كالبسط، وتوضع الوسد في صدر المجلس ليتكئ عليها الجالسون. وليتوسدوها عند النوم. ويعد تقديم الوسادة إلى الضيف من اماراة التكريم والتقديس بالنسبة لمن قدمت له. ولا تزال هذه العادة متبعة عند الأعراب. ويجلس العرب على الأرض وعلى الحصير والبساط. وقد يجلسون على وسادة وقد يستلقون ويضعون إحدى رجليهم على الأخرى، وقد يتكئون على الوسادة، وربما اتكأوا على اليمين وربما اتكأوا على اليسار. والحصير سقيفة تصنع من بردى وأسل ثم يفترش. سمي بذلك لأنه يلي وجه الأرض. وتصنع الحصر من خوص السعف أبضأ، وتفرش على الأرض. يستعملها أهل القرى والمدن والأرياف، وفي بيوت الفقراء. وذلك لعدم تمكن الفقير من شراء بساط منسوج، ولا سرير يجلس عليه. قال شاعر: فأضحى كالأمير على سرير وأمسى كالأسر على حصير
(1/2533)
وقد عد "السرير من امارات الغنى والرفاه والنعمة، حتى عبروا عنه بالملك. فقالوا: "سرير الملك".
ويقال للحصير المنسوج من القصب "البارية" و "البوري". وقد عرف أهل الحجاز "البارية". وأشير اليها في الحديث.
ويتناول الإنسان عند نهوضه من نومه "الصبوح". ويحي أهله ومن هو حوله بتحية الصباح: عم صباحا وعموا صباحا إذا كانوا جماعة. وهي تحية الجاهلية. و "الصبوح" كل ما أكل أو شرب من اكل أو لبن. وهم يستحبون الجلوس من النوم صباحا، لأن ذلك عندهم أنشط للجسم وأدعى للصحة، ثم إن الغارات تقع في الصباح، وإذا أغاروا صاحوا: يا صباحاه ينذرون الحي أجمع بالنداء العالي، ويسمون الغارة يوم الصباح. ولكن أكثرهم كانوا ينامون الصباح أي نوم الغداة، ويسمون ذلك النوم "الضبحة" ولا ينهضون إلا متأخرين أو بعد حيل وازعاج لهم، لاكراههم على النهوض. وقد كره الإسلام هذه النومة، فجاء النهي عنها في حديث الرسول.
تنظيف الأجسام
ولتنظيف الجسم من الأوساخ والأدران استعملت الحمامات. وذلك عند الحضر بالطبع. أما حمامات البدو، فهي بيوتهم والعراء، يسكبون الماء على أجسامهم ويغتسلون. وقد عرف أهل القرى والمدن الحمامات ولها مساخن تسخن لهم الماء ليغتسلوا بها. وكانوا يستعملون النورة في الحمامات لإزالة الشعر. وإذا خرج أحدهم من الحمام قيل له: طابت حمتك. وذكر أن من أسماء الحمام "الديماس". وزعم بعضهم أن الديماس من الألفاظ المعربة. عربت من لغة الحبشة.
(1/2534)
وكانت الحمامات العامة قليلة العدد وربما لم تكن معروفة، إذ لم تكن شائعة بين الناس في الشرق الأدنى، لأنهم كانوا يستحمون في بيوتهم في الغالب، فجزيرة العرب حارة ومن الممكن الاغتسال في البيوت بكل سهولة. ولم يعرف اليهود الحمامات ألعامة، وإنما تعلموها من الروم والرومان. وكانوا يستحمون في المياه الجارية وفي البيوت. وقد ورد أن الرسول لم يدخل حماما قط، ولم يصح في الحمام حديث. مما يدل على أن الحمام العام لم يكن شائعا في أيامه. فكان الرسول يغسل جسمه في بيته. وإذا وجد الحمام العام فلم يكن الأغنياء وذوو اليسار وأهل البيوت يقصدونه، إذ كانوا يرون أن في تعري الرجل من ملابسه أمام الغرباء زراية ومنقصة، وأن في مخالطة الناس والاغتسال معهم في حمام، مثلبة ودلالة على نقص في البيت. فاستحموا في بيوتهم.
وقد قام السدر في الحجاز مقام الصابون في الاغتسال، فكانوا إذا أرادوا تنظيف أجسامهم استعملوا ورق السدر مع الماء، فيخرج له رغاء ابيض، وذلك بعد طحن الورق أو دقه. وقد جرت العادة بغسل الميت به. وذكر ان الرسول امر قيس بن عاصم بأن يغتسل بالماء والسدر.
وعندما تغتسل المرأة، تغسل رأسها بالخطمي والطين الحر والأشنان ونحوه.
ثم تمشط شعرها. وقد تستعمل المرأة المتمكنة ورق الاس يطرى بأفاويه من الطيب لتمشيط شعرها به.
(1/2535)
ونظرا لقلة وجود الماء في البادية، اقتصدوا في استعماله كثيرا، حتى أنهم لم يكونوا يشربون منه إلا قليلا وعند الضرورة، وذلك خوفا من إلإسراف فيه، فينفذ ويهلكون عطشا، لذلك كان من الطبيعي بالنسبة لهم عدم غسل اجسامهم حتى صار عدم الاستحمام بالماء شبه عادة لهم. وقد ادى ذلك إلى توسخ اجسامهم وظهور رائحة الوسخ منهم. ورد في حديث "عاثشة": "كان الناس يسكنون العالية فيحضرون الجمعة وبهم وسخ، فإذا اصابهم الروح سطعت ارواحهم، فيتأذى به الناس. فأثروا بالغسل". وكان منهم الفقراء من اهل الحضر كذلك، ممن لا يملكون بيتا ولا يجدون لهم مكانا يغسلون اجسادهم فيه. وكان من بينهم عدد من الصحابة الفقراء.
وكانوا إذا ارادوا قضاء الحاجة دخلوا الخلاء". وهو موضع قضاء الحاجة. وتكون في بيوت الحضر. وقد تكون غرفة وقد تكون سترا. ويستنجي بالماء إن وجد وبالحجارة، والنجو ما يخرج من البطن من ريح أو غائظ. وقيل العذرة نفسها. واستنجى مسح النجو أو غسله. وكانوا إذا ذهبوا في سفرهم للحاجة انطلقوا الى موضع يتوارون فيه عن أصحابهم. ليقضوا حاجتهم به. وربما تستروا بالهدف وفي حشائش النخل وبشجر الوادي. ويقال للكنيف المشرف في أعلى السطح المتصل بقناة إلى الأرض "الكرياس". أما إذا كان أسفل فليس بكرياس. وقد تكون للغرف "مراحيض". والكنيف المرحاض كأنه كنف في أستر النواحي.
وكانوا إذا أرادوا أن يبولوا ابتعدوا عن أصحابهم بعض الشيء ثم بالوا.
وأكثر ماس يبولون قعودا. ولكنهم كانوا يبولون وقوفا أيضا، وهو في الأقل. وإذا أرادوا قضاء حاجتهم أو التبول لم يرفعوا ثوبهم بل جعلوه يتدلى حتى يدنو من الأرض، إلا من الأمام حيث يرتفع بعض الشيء، ويبعد من الخلف أو يرفع قليلا حتى لا يتأذى بالعذرة.
ويرى العرب أن ما بين السرة والركبة من الرجل عورة، لذلك يجب ستره.
(1/2536)
والعورة السوأة من الرجل والمرأة. وكانوا يرون ظهورها عارا أي مذمة. لذا حرصوا على انزال ثيابهم إلى الأرض لسترها قدر الامكان، وذلك عند قضاء الحاجة.
الخدم والخصيان
وتحتاج البيوت الكبيرة إلى خدم، لتحضير ما يحتاج البيت اليه من طعام وماء ولتنظيفه وللعناية بدوابه وبما يربط في مرابطه من حيوان. كما يوكل اليهم خدمة الضيوف وتقديم الشراب إلى المتنادمين. وكانوا يستخدمون "الخصي" لخدمة أهل البيت من النساء، لأنهن محرم، ولا تصح خدمة الرجال لمحارم البيت. ونظرا إلى ضرورة استخدام الرجال في بعض أمور البيت، استعاضوا عنهم باستخدام "الخصي" في هذه الأمور. وقد كان "مأبور" القبطي الخصي، الذي قدم مع "مارية القبطية" أم ولد الرسول من مصر يدخل عليها ويجلس في بيتها، وكان خصيا.
الحياة الليلية
(1/2537)
والحياة الليلية حياة هادئة على وتيرة واحدة، ياوي الناس الى بيوتهم. مع غروب الشمس في الغالب، أما وجهاء القوم، فقد كانوا يتسامرون في بيوتهم وفي مضاربهم، وذلك بأن يأتي أصدقاؤهم اليهم فيتحدثون معهم ويتذاكرون الأيام الماضية وما يقع من أحداث إلى ساعات من الليل ثم يعودون إلى بيوتهم. ويكون السمر في الليل خاصة، والسمر الظلمة. ولهذا كانوا يقسمون بالسمر والقمر. أي بالظلمة والقمر. ثم أطلق السمر على السمر عامة في الليل أو في النهار. وقد صار هذا "السمر" أساسا للقصص العربي وللادب العربي والتاريخ الجاهلي. وعلى الرغم من أن طابع السمر، أي القص والتحدث والانصات إلى المسامر، لا يتفق مع الطابع التأريخي، إلا أنه مون المؤرخين مع ذلك بشيء من أخبار أيامها ورجالها في صورة مم ألصور المعروفة عن القص. والعادة أن الذين يبرزون ويظهرون في رواية القصص هم أصحاب الالسنة، اللبقون الذين أوتوا مواهب خاصة، والذين يجيدون معرفة نفسيات من يحيط بهم للاستماع إلى قصصهم. فيحدثون السامعين اليهم بما سمعوه ممن تقدم عليهم أو من يعاصرهم من أخبار وحوادث مسلية طريفة كان الجاهليون إذ ذاك يتشوقون إلى الاستماع اليها. ومن ذلك قصص إلأيام والأبطال الشجعان الذين سأهموا فيها، وقد يكون المتكلم نفسه ممن شهد الأيام وقائل فيها. وهذا النوع من السمر، لا يتقيد بالصدق وبالتعقل، كما أن المستمعين لا يهمهم فيه إذا كان معقولا أو غير معقول.
(1/2538)
وكل ما يهمه منه هو التلذذ بسماع القصص أو الأشعار أو الأخبار وأمور الشجعان أو غير ذلك.ولما كان السمر يكون في كل بيت وفي كل مكان. وهو يتناسب مع عقلية القاص أو المتكلم وعقلية السامع وحالاته النفسية التي يكون عليها عند الإستماع الى السمر، لهذا كان السمر ألوانا وأشكالا، منه ما يتناول أخبار العالم، كما وصلت إلى البادية، ومنه ما يتناول أخبار الملوك وأخبار سادات القبائل،ومنه ما يتناول الشعر والمناسبات التي قيل الشعر فيها، ومنها ما يتناول الجن والأساطير والخرافات وأمثال ذلك من غريب، قد يبهر لب أذكى الناس، ويلهب في السامعين نيران العواطف، فيجعلهم يقبلون على الاستماع اليه بكل قلوبهم. على الاستماع إلى هذا العنصر: عنصر التصنع في القص والإغراب، لأن من طبع الإنسان البحث والتفتيش عن كل شيء غريب عجيب.
ويتخذ الملوك والأشراف وذوو اليسر لهم ندماء، يشربون معهم ويقضون وقتهم بالمنادمة. وهم من المقربين إلى الملوك ومن ضيوفهم الذين تكون لهم عندهم مكانة خاصة، وكان من عادة أهل القرى، اتخاذ الندماء، والغالب أن المنادمة تكون على الشراب. ونجد فى أخبار "مكة" التي يذكرها أهل الأخبار، أسماء جماعة من أشرافها، اختصوا بمنادمة بعضهم بعضا. يبقون في منادمتهم مدة طويلة وقد يقع سوء فهم بينهما، فيترك أحدهم منادمة صاحبه، لينادم غيره.
ويجلس الملك أو سيد القبيلة في صدر المجلس، ودونه بقية الجالسين على حسب المنازل والدرجات وقد عطر نفسه، وتطيب، وتضمخ بالعنبر وبالمسك. والظاهر أنهم كانوا يكثرون من وضع المسك على رؤوسهم حتى كان يبدوا واضحا جليا من مفارقهم. وقد أشير إلى هذه العادة في الشعر والأخبار.
(1/2539)
وكان من عادة سادة العرب استعمال الخلوق والطيب في الدعة وفي جلوسهم مجالس أنسهم، مثل مجالس السماع والغناء. وكان المتمكنون. منهم وعلى رأسهم الملوك يضمخون.أجسادهم ورؤوسهم بالطيب حتى كأنه يقطر منهم. فكانت تفوح منها رائحة الطيب. فضلا عن البخور الذي يتبخر به.
وقد كان الأغنياء والمتمكنون من الناس يشترون العطور ويكثرون من التطيب بها. وقد تباهى "كعب بن الأشرف" بأنه كان يملك أطيب العطور المعروفة عند العرب.
وتكون ملابسهم بالطبع من أحسن الملابس، من الديباج أو من الخز أو من الكتان، وتوشى بالشهب، وتقصب به. وقد تكون للملك دور خاصة بنسيجه، تنسج فيها حلله وما يجود به على ضيوفه وزائريه. ولديه ملابس كثيرة حاضرة، إذ طالما كان يخلع ملابسه التي يرتديها في المجلس ليعطيها إلى حاضر مدحه فأجاد في مدحه، أو لشخص قال كلاما ظريفا استحسنه، ومن يناله هذا ا التكريم يفتخر به بين أقرانه ويتباهى: فهي من المفاخر التي كان يتباهى بها في ذلك الزمان. وعادة الخلع، خلع الحلل والملابس التي يلبسها الملوك على السادة رؤساء القبائل والأشراف، أمارة على التكريم والتقدير، هي عادة معروفة في الجاهلية، وطالما أثارت حسد الرؤساء وتباغضهم، إذ عد خلع الملوك لملابسهم على السيد، تفضلا له وتقديما على غيره من السادة رؤساء القبائل. وكان لهذه الرسوم والعادات الني لا نعيرها اهتماما في زماننا ولا نقيم لها وزنا،أهمية كبيرة في عرف ذلك العهد، وقد عرفت هذه العادة في الإسلام أيضا. وقد كان المسلمون يتباهون بالحصول على خلع من الرسول، خلعها عليهم من ملابسه التي يلبسها، فإن فيها تكريما، وفيها بركة لمن خلعت عليه، لأنها من ملابس الرسول.
(1/2540)
وقد عرفت هذه الحلل والخلع ب "أثواب الرضى"، لأنها لا تعطى إلا تعبيرا عن رضى الملك عن الشخص الذي أعطيت له. وكان جباب أطواقها الذهب بقصب الزمرد. وقد أغدق "النعمان" بها على مادحيه. وكان يقول: "هكذا فليمدح الملوك".
وقد ذكر أهل الأخبار أن أولئك الملوك اتخذوا ندماء من الفرس والروم أيضا، فذكروا مثلا أن الملك النعمان كان له نديمان، يعرف أحدهما ب "النطاسي" وسمه "سرجون"، ويعرف الآخر ب "توفيل"، وكلاهما من الروم. وورد في رواية أخرى: أن أحد النديمين هو "سرجون بن توفل" " "توفيل"، وكان رجلا من أهل الشام تاجرا حريفا للنعمان يبايعه، و كان أديبا حسن الحديث والمنادمة: فاستخفه النعمان. وكان إذا أراد أن يخلو عن شرابه بعث اليه والى "النطاسي"، وهو رومي كذلك متطبب، زهو النديم الآخر له، وكان طبيبا بارعا، ضرب به المثل عند عن العرب لبراعته بالطب.
وفي منادمة النعمان للنطاسي ولابن توفيل، أشير في بيت شعر للشاعر الربيع ابن زياد المعروف بالكامل، وهو: أبرق بأرضك يا نعمان متكئا مع النطاسي يوما وابن توفيلا
(1/2541)
وممن ذكرهم أهل الأخبار من ندماء قريش عبد المطلب بن هاشم. كان نديما لحرب بن أمية حتى تنافرا إلى "نفيل بن عبد العزى". فلما نفر عبد المطلب افترقا. ونادم حرب عبد الله بن جدعان. ونادم حمزة عبد الله بن السائب المخزومي، وكان أبو أحيحة سعيد بن العاص نديما للوليد بن المغيرة المخزومي، - وكان معمر بن حبيب الجمحي نديما لأمية بن خلف بن وهب بن حذافة. وكان عقبة بن أبي معيط نديما لأبي بن خلف. وكان الأسود بن المطلب بن أسد نديما للأسود بن عبد يغوث الزهري. وكانا من أعز قريش في الجاهلية و كانا يطوفان بالبيت متقلديين بسيفين سيفين.وكان أبو طالب نديما لمسافر بن أبي عمرو ابن أمية. فمات مسافر. فنادم أبو طالب بعدر عمرو بن عبد ود بن نضر. وكان عتبة بن ربيعة بن عبد شمس نديما لمطعم بن في عدي بن نوفل بن عبد مناف. وكان أبو سفيان نديما للعباس بن عبد المطلب.وكان ألفاكه بن المغيرة بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم نديما لعوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة. وكان زيد بن عمرو بن نفيل نديما لورقة بن نوفل بن أسد.وكان شيبة بن ربيعة ابن عبد شمس نديما لعثمان بن الحويرث. وكان العاص بن سعيد بن العاص نديما للعاص بن هشام بن المغيرة. وكان يدعيان أحمقي قريش و كان أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب نديما للحارث بن عامر بن نوفل. وكان الولبد بن عتبة ابن ربيعة نديما للعاص بن منبه السهمي. وكان ضرار بن الخطاب بن مرداس الفهري الشاعر نديما لهبيرة بن أبي وهب المخزومي.وكان أبو جهل بن هشام وهو عمرو بن هشام نديما للحكم بن أبي العاص بن أمية. وكان الحارث بن هشام بن المغيرة نديما لحكيم بن حزام بن خويلد بن أسد.وكان العاص بن وائل بن هشام ابن سعيد بن سهم، نديما لهشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أبي جهل. وكان نبيه بن الحجاج بن عامر السهمي نديما للنضر بن الحارث. وكان عمارة بن الوليد بن المغيرة نديما
(1/2542)
لحنظلة بن أبي سفيان بن حرب. وكان الزبير بن عبد المطلب، وهو من فتيان قريش، نديما لمالك بن عميلة بن السباق ابن عبد الدار.وكان الأرقم بن نضلة بن هاشم بن عبد مناف، وهو من فتيان قريش أيضا نديما لسويد بن هرمي بن عامر الجمحي. وكان سويد أول من وضع الأرائك وسقى اللبن والعسل بمكة. وكان الحارث بن حرب بن أمية نديما للحارث ابن عبد المطلب. فلما مات نادم العوام بن خويلد بن أسد. وكان الحارث بن أسد بن عبد العزى نديما لعبد العزى بن عثمان بن عبد الدار. وكان ابو البختري العاص بن هاشم بن الحارث بن أسد نديما لطلحة بن أبي طلحة بن عبد الدار. وكان منبه بن الحجاج السهمي نديما لطعيمة بن عدي بن نوفل بن عبد مناف. وكان ابو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب نديما لعمرو بن العاص بن وائل السهمي، وكان ابو امية بن المغيرة المخزومي نديما لأبي وداعة بن ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم، وكانا يسقيان العسل بمكة بعد سويد بن هرمي.وكان ابو قيس بن عبد مناف نديما لسفيان بن أمية بن عبد شمس. وكان ابو العاص ابن امية نديما لقيس بن عدي بن سهم. وكان يأتي ألخمار وبيده مقرعة. فيعرض عليه خمر، فإن كانت جيدة، وإلا قال له: أجد خمرك، تم يقرع رأسه وينصرف.
وقد يستدعي الملوك في مجالس أنسهم الخاصة من يضحكهم ويسليهم ويجلب لهم البهجة والسرور. من امثال القصاصين الذين يقصون لهم القصص،والمسامرون الذين يسامرون الملوك بأنواع قصص السمر والحكايات المضحكة الغريبة والأمور المثيرة، والمضحكون الذين يأتون يالنكت وبالأفعال المضحكة لإضحاك الملك.
(1/2543)
وقد كان للملك "النعمان بن المنذر" مضحك اسمه "القرقرة"، كان يضحك منه "النعمان"، واسمه "سعد". والقرقرة: نوع من الضحك، اختص يالضحك العالي منه. وقد أدخلوه في المستأكلين والمتطفلين. قالوا سأله أحد الأشخاص يوما: ما رأيناك إلا" وأنت تزيد شحما وتقطر دما. فقال: لأني لا آخذ ولا أعطي، وأخطئ ولا ألام، فأنا طول الدهر مسرور ضاحك.
وقد جاء في شعر للشاعر "لبيد" وصف مجلس للنعمان، وقد وقف فيه "الهبانيق" أي الوصفاء بأيديهم الأباريق ينتظرون إشارة من أحد جلساء النعمان ليصبوا له خمرا طيبة من خمور تلك الأباريق. فإذا طلب منهم ملء كأس ساروا إلى الطالب سيرا فاترا وبتؤدة ليملاؤا له الكأس.
(1/2544)
وكانت لهم عادات وتقاليد في مجالس الشرب وفي مجالس الطعام على نحو ما نفعل اليوم في المآدب الرسمية، فكان من عادة ملوك الغساسنة والمناذرة إجلاس السادة الرؤساء والمقربين اليهم على يمينهم وعلى مقربة منهم، تعظيما لشانهم، ودلالة على مكانة الشخص عندهم. فإذا قدم الشراب أو الطعام، قدم الى الملك اولا، فإذا شرب منه، أو ذاقه، أمر فقدم الشراب أو الطعام إلى من هو في يمينه. وقد اتبعت هذه العادة عند سائر الناس في الولائم والدعوات. فكان "النعمان بن المنذر" مثلا إذا همت الوفود التي تفد اليه يالانصراف، أمر باتخاذ مجلس لهم، يطعمون فيه معه، ويشربون. وكان إذا وضع الشراب سقي النعمان، فمن بدأ به على أثره فهو أفضل الوفد. ويذكر أنه أقام مجلسا ذات يوم ضم فيه من وفود "ربيعة" "بسطام بن قيس" و "الحوفزان بن شريك" البكربان. وفيمن قدم عليه من وفد "مضر" من قيس عيلان: "عامر بن مالك" و "عامر بن الطفيل"، ومن تميم "قيس بن عاصم" و "الاقرع بن حابس"، فلما انتهوا إلى النعمان أكرمهم وحياهم، وأمر "القينة" أن تسقي "بسطام بن قيس"، المعروف ب "ذي الجدين" أولا، ثم تسقي الآخربن. فا"نزعح بقية سادات الوفود من هذه المعاملة التي ااعتبروها إهانة متعمدة ألحقت بهم.
وإلى هذه العادة، عادة تقديم الأيمن، أشير فس شعر عمرو بن كلثوم في هذا البيت صبنت الكأس عنا أم عمرو وكان الكأس مجراها اليمينا
و "الردف"، هو الذي يجلس على يمين الملك في قصور الحيرة فإذا شرب الملك، شرب الردف قبل الناس. وإذا غزا الملك، جلس الردف في مجلسه، وخلفه على الناس حتى يرجع من غزاته. وله المرباع، فهي منزلة كبيرة، ولهذا شرف بالجلوس على يمين الملك، والشراب من بعده. وقد اتخذت هذه المنزلة لإرضاء سادات القبائل وإسكاتهم، ومنعهم بذلك من التحرش بعرب الحيرة. وقد خصصت في "بني يربوع"، وكانوا من القبائل القوية التي تكثر الغارات.
(1/2545)
وقد تأثر رؤساء الحيرة وأصحاب الحل والعقد والجاه منهم، والمتصلون بالحكومة الساسانية، بالعادات والرسوم المتبعة عند الفرس، فإذا هم يحاكونهم في مآكلهم وفي مجالس شربهم وأنسهم، وفي طريقة معيشتهم. جاء ذلك إليهم عن طريق اختلاطهم بهم بالطبع وشدة امتزاجهم بهم، فنرى عدي بن زيد العبادي يذكر "النستق" في شعره.
وقد دخلت على الحسناء كلتها بعد الهدوء تضيء البيت كالصنم
ينصفها نستق تكاد تكرمهم عن النصافة كالغزلان في السلم
و "النستق" الخدم، وهي من الألفاظ المعربية. و"الكلة"، هي الستر الرقيق، ولا تزال تعرف بهذه التسمية في العراق، توضع فوق الفراش وينام تحتها، فتكون كالقبة فةقها، لتمنع البعوض والذباب والحشرات الأخرى من الدخول إلى داخلها ومن ازعاج النائم. وهي "كلتو"Kelto في لغة بني إرم.
وكان المتمكنون من أهل الجاهلية يستعملون "الكلل" للتخلص من البعوض. ينصبونها على سرير المنام وينامون تحتها.
ولا بد في المجالس والأندية التي يقصدها الضيوف أو في البيوت من تكريم الرجل بتقديم طيب إليه أو تجميره. ويكون التجمير بمبخرة فيها نار، يرمى عليها شيء من بخور أو مواد أخرى عطرة لنبعث منها رائحة طيبة تتجه نحو الشخص المراد تكريمه، فيتبخر بها. والتجمير علامة بالطبع من علامات التقدير والتكريم. وهي ما زالت معروفة، وإن أخذت شأن كثير من العادات والتقاليد القديمة بالانقراض. وقد كانوا يجمرون الميت كذلك، إكراما له، وهو تبخيره بالطيب.، لتكون رائحته طيبة. ورد في الحديث: إذا أجمرتم الميت، فجمروه ثلاثا.
(1/2546)
ونظرا إلى شح البادية وفقر الحياة وصعوبتها في تلك الأيام، صار الملوك ملاذا لذوي العسر والحاجات، ولا سيما لأصحاب الألسنة من الشعراء الذين كان للسانهم خطر وأثر في نفوس المجتمع إذ ذاك، فللمديح قيمة وللهجاء أثر في الناس ينتقل بينهم من مكان إلى مكان. فكان هؤلاء يتحايلون ويبحثون عن مختلف المناسبات للوصول إلى الملوك لنيل عطائهم وألطافهم. وكانت مناسبات الشرب والأنس من خيرة المناسبات بالنسبة إليهم، لجو السرور والمرح الذي كان يخيم. فيه على الملوك، فيعطون ويجودون ولا يبالون بما يعطون إذا كان صاحب الحاجة لبقا لطيفا حلو المعشر، يسيطر بلسانه على الملك، وقد يجعله في عداد المقربين إليه.
ولما كانت الدنانير والداراهم، قليلة إذ ذاك، صارت أعطية الملوك لسادات القبائل مالا في الغالب، والمال عندهم: الإبل. ويعطون الأكسية والألبسة والطعام لهم ولسواد الناس من الفقراء المحتاجين الذين يقفون عند أبواب الملك يلتمسون منهم الرحمة والشفقة والانقاذ من الجوع.
والجائزة العطية. فكان الملوك يجيزون من يطلب منهم الجوائز ومنها:"القطوط"، جمع "قط"، وهي الصك بالجائزة والصحيفة للإنسان بصلة يوصل بها. قال اللأعشى: ولا الملك النعمان، يوم لقيته بغبطته، يعطي القطوط ويأفق
(1/2547)
ولسادات القبائل أنديتهم أيضا، يقصدها أشراف القبيلة والناس. وكانوا إذا اجتمعوا تداولوا أمور قبيلتهم وما وقع بين القبائل ونظروا في أيامهم الماضية وقد يتناشدون الأشعار ويتفاخرون. ويذكر علماء اللغة أن "النادي المجلس يندون إليه من حوإليه ولا يسمى ناديا حتى يكون فيه أهله. وإذا تفرقوا لم يكن ناديا. وفي التنزيل العزيز: وتأتون في ناديكم المنكر. قيل كانوا يحذفون الناس في المجالس، فأعلم الله تعالى أن هذا من المنكر وأنه لا يتبغي أن يتعاشروا عليه ولا يجتمعوا على الهزء والتلهي وأن لا يجتمعوا إلا فيما قرب من الله وباعد من سخطه". وقد كان ملا مكة إذا اجتمعوا في نواديهم تذاكروا أمور ساداتها فغض قوم من قوم، وسخر بعض من بعض وروى بعض عن بعض قصصا للغض من شأنهم، شأن المجتمعات الفارغة التي لا لهو فيها يلهي ولا عمل فيها يشغل. فكان هذا شأنهم حتى نزل التنديد بفعلهم في القرآن. كما نزل يندد في أمور أخرى كانت من هذا القبيل، مثل "المشمعة"، العبث والاستهزاء والضحك بالناس والتفكه بهم. "وفي الحديث: من تتبع المشمعة يشمع الله به، أراد من كان شأنه العبث والاستهزاء والضحك بالناس والتفكه بهم جازاه الله جزاء ذلك. وقال الجوهري: أي من عبث بالناس أصاره الله إلى حالة يعبث به فيها".
(1/2548)
وقد لجأ العرب إلى اتخاذ وسائل للتخفيف من شدة وطأة اسر عليهم. إذ أن الجو حار في بلاد العرب بالصيف. وفي جملة ما استخدموه: "المراوح". ورد أن الناس كانوا يستعملونها للترويح عن أنفسهم. وللريح أهمية كبيرة في جزيرة العرب وفي البلاد الحارة. إذ أن وقوفه يزعج الناس ويؤذيهم، فلا غرابة إذا ما اعتبروا الرياح رحمة تغيث الناس وتفرج عن كربهم. وتغنوا بها وسروا بهبوبها سرورا كبيرا. بهبوب الرياح المنعشة المرطبة التي تحمل المزن لهم. فتصيب الأرض وترويها بما تحمله معها من مزن. ولريح الصبا، ذكريات طيبة عند العرب. ولها أثر خالد في الشعر، حتى أنهم كانوا يطعمون عند هبوبها. وهي ريح معروفة تقابل الدبور. سميت بذلك لأنها تستقبل البيت وكأنها تحن اليه، قال ابن الأعرابي مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش.. وتزعم العرب أن الدبور تزعج السحاب وتشخصه في الهواء ثم تسوقه، فإذا علا كشفت عنه واستقبلته الصبا، فوزعته بعضه على بعض حتى يصير كسفا واحدا، والجنوب تلحق روادفه به وتمده من المدد، والشمال تمزق السحاب.
ومن وسائل التلطيف من حدة الحر، رش الأرض بالماء. أي نفح المكان بالماء. ورش الحصر المنسوجة من جريد النخل أو من الحلفاء أو من غيرها بالماء، حتى تبرد فينام الإنسان عليها، أو تعليقها ونضحها بالماء. فيبرد الهواء الذي يمر من مساماتها بعض الشيء. ورش ستر الكرباس والخيش بالماء، ليبرد الهواء الذي يخترق مساماتها، فينعش الجالس أمامها.
وكان الوجوه وأشراف البلد إذا أرادوا الإنشراح شربوا وسمعوا القيان، وكان لأكثرهم قيان امتلكوها للترفيه عنهم بالغناء. و "القينة" الأمة المغنية أو أعم. يذكر علماء اللغة، أن اللفظة من "التقين" التزين، لأنها كانت تزين. وذكر أن القينة الأمة والجارية تخدم حسب،. و "المغنية"هي التي تغني للناس، والتي اتخذت الغناء حرفة لها، تعيش عليها.
(1/2549)
ومنهم من يستدعي اليه أصحاب المجون والنوادر والفكاهات والملح للترفيه عنهم. وقد اشتهر بالمزاح رجل اسمه "نعيمان" وكان من أصحاب رسول الله البدريين. والمجون ألا يبالي الإنسان بما صنع. والماجن عند العرب: الذي يرتكب المقابح المردية والفضائح المخزية، ولا يمضه عذل عاذله ولا تقريع من يقرعه، ولا يبالي قولا وفعلا" لقلة استحيائه.
والمزاح: الدعابة، والمزح نقيض الجد. وليس في طبع العربي ميل إلى المزاح، إذ يراه منقصة بحق الرجل واسفافا يعرضه إلى التهكم والازدراء به. وذكر بعض علماء اللغة أن الدعاية المزاح مع لعب. وقيل يتكلم بما يستملح.
الخصومات
ويقع النزاع بين للناس، يقع بين الأهل كما يقع بين الجيران أو بين الأباعد. وقد يتحول إلى "عراك" والى وقوع معارك. والمشاجرة الخلاف والاشتباك. وقد تكون المشاجرة بسيطة بأن يشاتم ويسابب طرف طرفا آخر. ويعبر عن ذلك باللحاء. ونظرا لجهل الناس في ذلك الوقت، فشا السباب والتشاتم بينهم. بين الرجال والرجال وبين النساء والنساء وبين الجنسين.وإذا طال واشتد تدخل الناس في الأمر لاصلاح ذات البين. وقد تتطور الخصومة البسيطة فتتحول إلى خصومة كبيرة يساهم فيها آل المتخاصمين وأحياؤهم، وقد يقع بسبب ذلك عدد من القتلى. وقد حفظت كتب الأخبار والأدب أسماء معارك وأيام، سقط فيها عدد من القتلى بسبب خصومات تافهة، كان بالامكان غض النظر عنها، لو استعمل أحد الجانبين الحكمة والعقل في معالجة الحادث.
قتل الوقت
وقد أشرت إلى أن "النعمان بن المنذر" كان يستخدم المضحكين،وعلى رأسهم "سعد القرقرة " لإضحاكه. وقد عد في المستأكلين والمتطفلين. وقد استعان السادة والأشراف بالمضحكين أيضا ليقصوا لهم القصص المضحك. والقرقرة الضحك إذا استغرب في. وقد لقب بها سعد هازل النعمان بن المنذر ملك الحيرة. كان يضحك منه. وكان من أهل هجر.
(1/2550)
والمخنثون مادة من مواد التسلية والفكاهة والطرب. وقد خصي بعضهم،وعادة الخصاء عادة قديمة معروفة عند مختلف الشعوب، ذلك لأنهم كانوا يدخلون على النساء في البيوت، فخصوا اتقاء حدوث اتصال بين هؤلاء والنساء. وكان في المدينة على عهد الرسول ثلاثة من المخنثين: هيت، وهرم، وماتع، فسار المثل من بينهم بهيت، فقيل: أخنث من هيت. ومن المخنثين في الإسلام طويس، ويقال له: إنه أول من غنى بالمدينة في الإسلام، ونقر الدف المربع. وكان أخذ طرائف الغناء عن سبي فارس. وقد خصي مع غيره من المخنثين. وكان مألوفا خليعا يضحك كل ثكلى.
وقد عير العرب بالخنث، والخنث من فيه انخناث وتثن. وهو المسترخي. وهو جبان لا يطيق القتال. وتكون المرأة أشجع منه مع أنه رجل. ويقال للجمع "الخناث". قال الشاعر: لعمرك ما الخناث بنو قشير بنسوان يلدن ولا رجال
والمحمقون مادة من مواد التسلية والترويح عن النفس. ومنهم من اتخذ التحمق وسيلة للوصول إلى الملوك والسادات. ومنهم من كان محمقا بطبعه. مثل هؤلاء يكونون وسيلة من وسائل السمر، بما يظهر منهم طبعا أو تصنعا من حمق.وقد عرف "نعامة "، واسمه "بيهس"، بالتحمق، فقيل " أحمق من بيهس". وهو من "بني ظالم بن فزارة ". وذكر أنه أحد الأخوة السبعة الذين قتلوا وترك هو لحمقه. وهو القائل: ألبس لكل حالة لبوسها إما نعيمها واما بوسها
(1/2551)
واشتهرت بمكة امرأة عرفت بالحمق. قيل لها "خرقاء مكة". ذكر أنها كانت إذا أبرمت غزلها نقضته. فاشتهر أمرها حتى ضرب بها المثل. واليها أشير في القرآن في قوله: "ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة". "وقيل المراد امرأة معينة من قريش: ريطة بنت سعد بن تيم. وكانت خرقاء. اتخذت مغزلا قدر ذراع و صنارة مثل اصبع. وهي الحديدة في رأس المغزل وفلكة عظيمة على قدرها. وكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر،ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن". وذكر أن تلك المرأه هي: "ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرة"، وكانت امرأة حمقاء بمكة، وكانت تفعل ذلك. والظاهر أن أهل مكة كانوا يتندرون بذكر حمقها، فضرب القرآن بها المثل لتذكر قريش قومها بها، لئلا يكونوا مثلها في الحمق.
وعرف الجاهليون لونا آخر من ألوان الترويح عن النفس والترفيه عنها، هو التنزه في البساتين وفي مواطن الكلأ والأماكن الجميلة من البادية في أيام الربيع حيث تكتسي ببسط من الخضرة، وحيث تظهر الأزهار البرية، ذات الروائح الزكية. فكان ملوك وأهل الحرة يقضون أياما في المتنزهات القريبة منهم وفي مواطن في البادية يروحون عن أنفسهن ويتلهون بالصيد. وكان أهل يثرب يخرجون إلى "العقيق" متنزههم للتسلية. وهكذا فعل غيرهم من سكان بلاد الشام وجزيرة العرب.
ومن ملوك الحيرة الذين ارتبط اسمهم باسم الأزهار التي تجود بها البوادي أيام الربيع الملك "النعمان بن المنذر". فقد قيل للشقائق التي تنبتها البادية، مثل أرض النجف، "شقائق النعمان". قيل انها دعيت باسمه لأنه جاء إلى موضع وقد اعتم نبته من أصفر وأحمر، وإذا فيه من هذه الشقائق ما راقه ولم ير مثله، فحماها فسميت "شقائق النعمان" بذلك.
(1/2552)
وكان من عادة أهل مكة الذهاب إلى الطائف في أيام القيظ، للتخلص من حر مكة الشديد، لطيب هواء الطائف واعتداله، ولوجود الماء البارد بها الخارج من العيون و الآيار. ولوجود مختلف الأثمار والخضرة بها. وقد كان لأغنياء مكة أملاك بها وبساتين استغلوها. ومنهم من كان يذهب إلى بلاد الشام للاتجار ولتمضية الصيف هناك.
وكان فى جملة ما ابتكره الجاهليون لقطع الوقت " الاغلوطات "، وهي صعاب المسائل، فيطرح سائل ما سؤالا عويصا على المستمعين، ويطلب منهم أن يعملوا فكرهم لحله، وقد ورد في الأخبار أن الرسول نهى عن "الأغلوطات". وقيل "الغلوطات". وهي الكلام الذي يغلط فيه ويغالط به.
وكان تناشد الشعر والتساجل فيه من جملة الأمور التي أمضوا أوقاتهم بها. فكان أحدهم يطارح صاحبا له أو جملة أصحاب له الشعر،وقد يجتمع الأصدقاء حولهم ليروا الفائز من المتبارين. والفائز هو من يبز غيره في الحفظ، إذ يبقى يطارح أصحابه ما يحفظ حتى يعجزهم، فيغلبهم ويكسب الفوز. وقد يكون ذلك برهن يعطى للغالب، وقد يكون بغير رهن. والمساجلة المباراة والمفاخرة في الأصل، بأن يصنع كل من المتبارين صنعه في شيء فمن بقي وبز صاحبه غلبه. وهكذا تكون في الشعر، فمن يثبت يكسب المساجلة.
اللباس
جاء في بعض الأخبار: "كل ما شئت والبس ما شئت ". ولكن الشائع بين الناس "كل ما شئت والبس ما يشتهي الناس"، ذلك لأن اللباس مظهر، وعلى الإنسان أن يظهر في خير مظهر أمام الناس. وقد ورد أن العرب تلبس لكل حالة لبوسها. وينطبق ذلك على السراة وذوي اليسار والثراء بالطبع، أما سواد الناس، فلم يكن من السهل عليهم الحصول على اللباس. إذ كان غاليا مرتفع الثمن بالنسبة لأوضاعهم الاقتصادية. فكانوا يسترون أجسامهم بأسمال بالية وبكل ما يمكن أن يستر الجسم به.
(1/2553)
-
وكسوة العرب، تختلف وتتباين، باختلاف الشخص وباختلاف الجماعة التي ينتسب اليها والمكان الذي يعيش فيه. فللاعراب ألبسة وذوق، ولأهل المدر أذواق وأمزجة في اللباس، تتباين فيما بينها، بتباين المنزلة والمكانة والحرفة. ولذوي اليسار والثراء ألبسة فاخرة، يستوردونها من الخارج في بعض الأحيان، وفيها أناقة وفيها تصنع، وهي من المواد الغالية الثمينة في الغالب، لا يتاح لغير الموسرين الحصول عليها. ثم ان بعض الناس يفضلون لونا يعافه بعض آخر ويتجنبه.
فكان الكاهن لا يلبس المصبغ، والعراف لا يدع تذييل قميصه وسحب ردائه، والحكم لا يفارق الوبر، ولحرائر النساء زي، ولكل مملوك زي، يتساوى في في ذلك لباس الرأس ولباس اليدن.
وقد كان أثرياء مكة ويثرب والقرى والقبائل يلبسون الملابس الفاخرة المصنوعة من الحرير ودقيق الكتان والخز، وغير ذلك من الثياب الغالية الرقيقة، المستوردة من دور النسيج المعروفة في جزيرة العرب ومن خارجها، ويلبسون النعال الجيدة، مثل النعل الحضرمية المشهورة بمكة، ويتعطرون بعطور غالية ثمينة، ويركبون الدواب الحسنة المطهمة مبالغة في التباهي والتظاهر.
وتختلف كسوة الرأس عند العرب باختلاف منزلة الرجل ومكانته ووضعه وحاله. و "العمامة" هي فخرهم وعزهم وأفخر ملبس يضعونه على رؤوسهم. حتى قيل: "عمم الرجل: سود لأن تيجان العرب العمائم، فكما قيل في العجم توج من التاج، قيل في العرب عمم"، "والعرب تقول للرجل إذا سود: قد عمم، وكانوا إذا سودوا رجلا عمموه عمامة حمراء". وورد عن عمر قوله: "العمائم تيجان العرب ". وهي تعد عادة من عادات العرب. خاصة العرب أصحاب الجاه والمكانة والنفوذ من حضر وبادية، فانها تميزهم عن بقية الناس.
(1/2554)
وقد جاء في الخبر: " ان العمائم تيجان العرب". "وكان يقال: اختصت العرب من بين الأمم بأربع: العمائم تيجانها، والدروع حيطانها، والسيوف سيجانها، والشعر ديوانها " وتعد العمامة من لبس الطبقة العالية والمترفة، وذلك لأن الطبقة الفقيرة والعامة لم تتمكن من اقتنائها، وانما تضع على رأسها أغطية أخرى، أخف وزنا وثمنا من العمامة، ولذلك كانوا اذا أرادوا التعبير عن رخاء شخص، قالوا: " أرخى عمامته: أمن وترفه، لأن الرجل انما يرخي عمامته عند الرخاء ".
وجاء في الحديث: انه كان يتعوذ من الحور بعد الكور، أي من النقصان بعد الزيادة. وهو من تكوير العمامة، لأن الكور تكوير العمامة، والحور نقضها، وتكوير العمامة بعد الشد. ففي تكوير العمائم، دلالة على النعمة والرخاء. إذ لم يكن في وسع الفقير شراء قماش يعمم به رأسه على سنة الأغنياء. فكيف به يعمم رأسه بعمامة كبيرة.
ولم يكن تكوير العمامة العلامة الوحيدة الدالة على الغنى والجاه، بل كان الإسراف في اطالة الردن والذيل في الثوب من علائم الغنى والجاه أيضا. فقد كان السادات والأغنياء يطيلون الأردان وأذيال الثياب، حتى تصير تلامس الأرض، للتعبير عن غناهم وكثرة مالهم وانهم لا يبالون بالمال و لا بالثياب فيتركونها تجر الأرض وراءهم من سعة عيشهم. بينما لم يكن في وسع اكساء جسمه حتى بالأسملة.
(1/2555)
وللعمامة منزلة كبيرة عند العرب. فهي تعبر عن شرف الرجل وعن مكانته، فإذا اعتدي عليها أو أهينت، لحق الذل بصاحبها، وطالب بإنصافه وبأخذ حقه. وإذا أهين شخص أو شعر بإهانة لحقت به، ألقى بعمامته على الأرض، ونادى بوجوب انصافه. ويعد اللوذ بعمامة رجل، وذكرها من موجبات الوفاء والانصاف لمن لاذ بها. "واذا قالوا سيد معمم، فإنما يريدون أن كل جناية يجتنيها الجاني في تلك العشيرة، فهي معصوبة برأسه". كما يريدون بذلك السيادة لأن تيجان العرب العمائم، فكما قيل في العجم توج من التاج قيل في العرب عمم. وكانوا إذا سودوا رجلا عمموه عمامة حمراء. وكانت الفرس تتوج ملوكها فيقال له المتوج.
ويدل سيماء العمامة على مكانة حاملها، فلقماش العمامة وللونها ولشكلها العام، أي كيفية تكويرها، دلالة على مكانة صاحبها ومنزلته في المجتمع. فعمامة المترفين المتمكنين هي من أقمشة فاخرة، نسجت بعناية، منها عمائم الديباج والخز، وذكر أن العمائم المهراة، وهي الصفرة، هي لباس سادة العرب. وأن بعض السادة مثل " الزبرقان بن بدر" كانوا يصبغون عمائمهم بصفرة، ويعصفرونها بالعصفر والى ذلك أشار الشاعر بقوله: وأشهد من عوف حلولا كثيرة يحجون سب الزبرقان المعصفرا
والسب: ا لعمامة.
وورد في الحديث " كانت عمائم العرب محنكة " أي طرف منها تحت الحنك. وقد جرت عادة العرب بإرخاء العذبات، وقد يزيدون في ذلك دلالة على الوجاهة و ا لغنى. ويذكر علماء اللغة أن "من أسماء العمامة: العصابة، والمقطعة، والمعجر، والمشوذ، والكوارة ". وقيل إن العصابة والعمامة سواء.
(1/2556)
وقد كان السادات يتفننون في لبس العمامة وفي اختيار ألوانها، فكانوا يختارون لكل مناسبة لونا، فكان بعضهم إذا قاتل لبس عمامة حمراء، ولبس بعضهم عمامة صفراء أو سوداء. يتبع ذلك مزاج لابسها وعمره، ونظر اليها على انها جمال الرجل، ومظهره الذي يضهر به. ورد ان علي بن أبي طالب كان يقول: جمال الرجل في عمته، وجمال المرأة في خفها.
وفي الأمثال: " أجمل من ذي عمامة"، وهو مثل من أمثال مكة، قيل: انهم قالوه لسعيد بن العاص بن أمية، المعروف عندهم ب "ذي العمامة"، وكان في الجاهلية إذا لبس عمامة، لا تلبس قريش عمامة على لونها. وقيل: انه كناية عن السيادة. وذلك لأن العرب تقول: فلان معمم، يريدون ان كل جناية يجنيها الجاني من تلك القبيلة والعشيرة، فهي معصوبة برأسه. والى مثل هذا ذهبوا في تسميتهم سعيد بن العاص، ذا العمامة، وذا العصابة.
وربما جعلوا العمامة لواء، فينزع سيد القوم عمامته، ويعقدها لواء، وفي ذلك معنى التقدير والاحترام، لأنها عمامة سيد القوم، وربما شدوا بها أوساطهم عند التعب والمجهدة.
وما يكون تحت الحنك من العمامة هو "الحنكة ". أما ما أرسل، منها على الظهر نهو الذؤابة. وأما " القفدة " فأعلى العمامة. والعمة العجراء، هي العمة الضخمة. وفي العمامة الكور، وهي الطرائق الني يعصب بها الرأس.
ولطريقة شد العمامة ووضعها على الرأس أسماء، وضعت لكل شدة أو طريقة من طرق وضعها فوق الرأس. ويختلف حجم العمامة وألوانها باختلاف العمر أيضا. فللشباب عمائم تميزهم عن الكهول والشيوخ. كما يختلفون عنهم في اختيار ألوان الألبسة. وذكر ان الرسول كانت له عمامة تسمى السحاب، وكان يلبسها ويلبس تحتها " قلنسوة ". وكان يلبس القلنسوة بغير عمامة ويلبس العمامة بغير قلنسوة. وكان إذا اعتم أرخى عمامته بين كتفيه. ولما دخل مكة، دخلها وعليه عمامة سوداء.
(1/2557)
ووضعت القلنسوة على الرأس كذلك، فورد أن خالد بن الوليد كان يضع قلنسوة على رأسه. وقد لبسها الرسول. وكانت معروفة عند الجاهليين وأشير اليها في الشعر. ولفظة " قلنسوة " من الألفاظ المعربة عن "اللاتينية". عربت من Calantica. ويراد بها ضرب من ملابس الرأس.
وقد كان الجاهليون يوفقون أيضا بين نوع ملابسهم، فكانوا يلبسون مثلا عمامة خز مع جبة خز ومطرف خز. وذلك للتناسق في اللباس.
وجعلوا العمامة شعارا للعرب ورمزا لهم، إذا زال زالت عروبتهم. " قال غيلان بن خرشة للأحنف: يا أبا بحر. ما بقاء ما فيه العرب ? قال: إذا تقلدوا السيوف، وشدوا العمائم، واستجادوا النعال، ولم تأخذهم حمية الأوغاد". وورد "في الخبر، إن العمائم تيجان العرب، فإذا وضعوها وضع الله عزهم". وقيل اختصت العرب: بالعمائم تيجانها وبالدروع وبالسيوف وبالشعر.
وعرفت "المساتق" في الحجاز. وهي فراء طوال الأكمام، واحدتها "مستقة ". وذكر الجواليقي أنها من الألفاظ المعربة عن الفارسية، وأنها "مشته" في لغة الفرس. وروي أن الرسول كان يصلي وعليه مستقة، وأن مستقته من سندس مبطنة بالحرير، أهديت اليه. ذكر أن ملك الروم أهداها اليه.
وأما الجبة، فهي من البسة الموسرين كذلك، لأنها غالية، تكون من خز، وتكون من ديباج ومن أقمشة أخرى. وقد ذكر أن لم الأكيدر أهدى إلى الرسول جبة من ديباج منسوج فيها الذهب. وقد تكون واسعة الكمين، كما تكون ضيقتهما. وقد لبس الرسول في السفر جبة ضيقة الكمين. وذكر أنه قد كانت عند "اسماء بنت أبي يكر" جبة لرسول الله، "طيالسية خسروانية لها لينة ديباج وفرجاها مكفوفان بالديباج. فقالت هذه كانت عند عائشة حتى قبضت، فلما قبضت قبضتها، وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، يلبسها، فنحن نغسلها للمريض نستشفي بها ".
(1/2558)
وتعد الجبب من مقطعات الثياب. فقد اصطلح علماء اللغة على تقسيم الثياب إلى مقطعات و غير مقطعات. والمقطع من الثياب كل ما يفصل ويخاط من قميص وجبات وسراويلات وغيرها، وما لا يقطع منها كالأردية والأزر والمطارف، والرياط التي لم تقطع، وإنما يتعطف بها مرة ويتلفع بها أخرى.
والجبب مثل سائر الثياب، لا تكون بلون واحد. فقد تكون بيضاء، وقد تكون سوداء، وقد تكون حمراء، وقد تكون خضراء، ويختار لابسها اللون الذي يلفت نظره. وقد تكون له جملة جبب بألوان مختلفة، يلبس صاحبها الجبة التي يلائم لونها المناسبة والمكان الذي يذهب اليه.
و "البرنس": قلنسوة طويلة، أو كل ثوب رأسه منه، ملتصق به، دراعة كان أو جبة، أو ممطرا. وكان النساك يلبسونها في صدر الإسلام. واللفظة من الألفاظ المعربة عن اليونانية، عربت من أصل " فيروس" Virros، بمعنى ثوب عريض الكمين، غطاء الرأس ملتصق به، أي هو جزء منه.ويلبس عندهم فوق الثياب.
و "القميص" من الثياب المقطعة. ذكر بعض علماء اللغة انه لا يكون إلا من قطن أو كتان، وأما من الصوف فلا. والظاهر انهم خصصوه بالقطن أو الكتان للغالب. وذكر ان الرسول لبس قميصا من قطن، وكان قصير الطول، قصير الكمين. والظاهر ان هذه الصفة كانت هي الصفة الغالبة على القمصان، ثم طولت فيما بعد ووسعت أكمامها.
و "الخميصة" من الألبسة القديمة. وهي ثياب من خز ثخان سود وحمر ولها أعلام ثخان أيضا. وذكر أن الخميصة كساء أسود مربع له علمان، فإن لم يكن، معلما، فليس بخميصة. وذكر أنها قد تكون من خز أو صوف. والظاهر أنهم كانوا لا يسمون الخميصة خميصة، إلا إذا كانت ذات أعلام. وهي من ألبسة الموسرين.
(1/2559)
و "الرداء"، الوشاح، ويقع على المنكبين ومجتمع العنق. وهو ما يشمر على النصف الأعلى من الجسم لتغطيته، ويكون من قطعة واحدة من القماش، يلف على هذا النصف. قد يكون طويلا واسعا، وقد يكون قصيرا. وقد يلف على الجسم رأسا، وهو الغالب، وقد يلف فوق ألبسة أخرى.
و" الازار" الملحفة، وما يستر أسفل البدن، والرداء ما يستر به أعلاه.
و كلاهما غير مخيط . وقيل الازار ما تحت العاتق والظهر، ولا يكون مخيطا. فهو قطعة قماش، يلف به القسم الأسفل من البدن لستره. يختلف طوله وعرضه حسب رغبة لابسه. ويلبس الإزار مع الرداء في الغالب، وقد تلبس معه ألبسة أخرى.
و "النمرة" شمله فيها خطوط بيض وسود، وبردة مخططة من صوف تلبسها الأعراب. وذكر أن كل شملة مخططة من مآزر الأعراب، فهي نمرة. وجمعها أنمار ونمار. كأنها أخذت من لون النمر، لما فيها من السواد والبياض. وقد لبس النبي النمار. وورد: نبطي في حبوته، أعرابي في نمرته أسد في تامورته.
والمطرف: رداء من خز مربع، له أعلام. وهو من الأردية التي يلبسها الأغنياء وذوو اليسار. وذكر ان المطرف رداء في طرفيه علمان.
ولبس الجاهليون القباء. وقد كان كسرى قد أهدى " الأكيدر" قباء من ديباج منسوج يالذهب. وكان من عادة الأكاسرة أن يكسوا الرؤساء وسادات القبائل أقبية من الديباج للتلطف والإسترضاء.
واكتسبت البرد اليمانية شهرة كبيرة بين الجاهليين،وبقيت شهرتها في الإسلام،وهي ذات ألوان. وفي كتب الأخبار: ان وفد رؤساء مكة حينما ذهبوا الى سيف بن ذي يزن ، لتهنئته، ودخلوا عليه في قصر غمدان، وجدوه متضمخا بالعنبر، يلمع وبيص المسك فى مفرق رأسه، وعليه بردان أخضران قد ائتزر بأحدهما.
واشتهرت برود، " تزيد " عند العرب وضرب بها المثل، كما يضرب ببرود اليمن. وذكر ان العرب تنسب البرود الفاخرة إلى تزيد، ونزعم انها قبيلة للجن.
(1/2560)
ولبس الجاهليون الألبسة الحمراء مثل: المياثر الحمر والألبسة الحمراء البحتة القانية. وذكر ان الرسول نهى عن لبس الألبسة الحمراء الخالصة التي لا يخالط لونها هذا لون آخر. ولم ينه عن لبس الألبسة المخططة بحمرة مع لون آخر، مثل الحلل اليمانية، وهي إزار ورداء، منسوجان بخطوط حمر مع الأسود. كما نهى الرجال من لبس الربط المضرجة بالعصفر، لأنها من لبس الكفار.
ولبس للعرب الثياب المصبغة، وذكر أن ساداتهم كانوا يصبغون ثيابهم بالزعفران.
وان من صبغ ثيابه به "ذو المجاسد". وهو من حكام الجاهلية وفقهائها. وذكر أن العرب كانت مصفقة على توريث البنين دون الأناث، فورث ماله لولده في الجاهلية للذكر مثل حظ الانثيين. فوافق حكم الإسلام. وورد أن ملحفة رسول الله التي يلبس في اهله مورسة حتى انها لتردع على جلده.
وقد كان الأغنياء والشباب يبالغون في ألبستهم، فكان منهم من يشمر ثوبه، ومنهم من يسبله ويتركه يجر الأرض، ومنهم من يبالغ في ردائه خيلاء وتيها وتكبرا. ونظرا إلى ما يتركه من أثر في نفوس الفقراء، والى ما فيه من اسراف وتبذير في استعمال الأقمشة، نهي عن فعل ذلك في الإسلام. وورد النهي عن ذلك في كتب الحديث. وورد النهي عن لبس القمصان ذات الأكمام الواسعة الطوال التي هي كالأخراح، لأنها من جنس الخيلاء.
ويلبس العرب النعال في أرجلهم، ويفضلونها على غيرها من البسة الرجل مثل الخف. وقد ورد ذكرها في شعر النابغة. وتصنع من الجلود المدبوغة، ولا سيما جلود البقر. ويذكر بعض اهل الأخبار أن أول من حذا النعال هو جذيمة الأبرش بن مالك.
وقد ضرب العرب المثل بموضع تجميع الأنعلة في الذلة والهوان. فقيل: هو في صف النعال، لا في صف الرجال. دلالة على أن الرجل من الطبقة الذليلة.
(1/2561)
والخفاف، جمع الخف،هي في منزلة النعل عند العرب. لبسوها في أرجلهم، وشاع استعمالها بين أهل المدر في الحجاز وفي الأمكنة الأخرى. وذكرت في كتب الفقه، في باب الضوء والصلاة، حيث جوز الفقهاء المسح على الخفين.
وورد النهي باستعمال الخفين للمحرم إلا عند عدم النعلين، وذلك يدل على استعمال أهل الحجاز للخفاف قبيل الإسلام.
ومن الخفاف، نوع يقال له "الموزج"، ويذكر بعض علماء اللغة ان اللفظة من الألفاظ المعربة عن الفارسية، وان أصلها "موزه". وهناك نوع آخر يسمى "الموق" ويجمع على "أمواق"، وقد عرف بأنه خف غليظ يلبس فوق الخف. ويظهر من بيت للشاعر المخضرم النمر بن تولب، ان العباديين كانوا يلبسون الأمواق، إذ وصف مشية النعاج بمشي العباديين في الأمواق.
وورد في الأخبار: ان العرب تلهح بذكر النعال، والفرس تلهج بذكر الخفاف.
وورد ان النساء كن يلبسن الخفاف، وقد ورد أن أصحاب رسول الله كانوا ينهون نساءهم عن لبس الحمر والصفر. ويقولون: هو من زينه آل فرعون. ويعني هذا ان نساء الجاهلية كن يلبسن الخفاف الملونة، فوجد المسلمون ان في ذلك تقليدا للأعاجم فأمرهن بنبذ الملون منها.
وقد ضرب العرب المثل بخفي حنين عند اليأس من الحاجة والرجوع بالخيبة. فيقال: رجع بخفي حنين. وكان حنين إسكافا من أهل الحيرة، فساومه أعرابي بخفين، فاختلفا حتى أغضبه الأعرابي، وأراد حنين غيظ الأعرابي، فلما ارتحل أخذ أحد خفيه، فطرحه، ثم ألقى الآخر في مكان آخر، فلما مر الأعرابي بأحدهما قال: ما أشبه هذا الخف بحفي حنين ولو معه الآخر لاخذته، ومضى فلما انتهى إلى الآخر ندم على تركه الأول، فأناخ راحلته ورجع في طلب الأول، وقد كان حنين كمن له، فعمد الى راحلته وما عليها فذهب بها،وأقبل الأعرابي وليس معه إلآ خفان. فقال له قومه: ماذا جئت به من سفرك ? قال جئتكم بخفي حنين فذهبت كلمته مثلا.
(1/2562)
وحيث أني سأتكلم عن ملابس الجاهليين بشئ من الأطناب في أثناء حديثي عن الحرف، لذلك اكتفي بما ذكرته في هذا الموضع عن الملابس، على امل التحدث عنها في ذلك المكان.
ومن عادة اهل "نجد" الاستصباح ب "الداذين". مناور من خشب الأرز ليستصبح بها. وهي بنجد من شجر المظ.
ومصابيح القوم من الفخار، أي الطين المشوي بالنار، يوضع في بطنه زيت الوقود تتصل به فتيلة تولع بالنار، ليستضاء بها، وذلك في الأماكن التي يندر فيها استعمال الحجر. أما في الأماكن الجبلية ذات الحجر،فيستعمل كذلك المصابيح المستعملة من الحجر، وخاصة في بيوت الكبار والموسرين. ويستعملون فها زيت الزيتون. ولا يزال بعض الناس يستعملون هذه "الضواية" في الإنارة،وتعرف ب "المسرجة" كذلك. و "السراج" هو المصباح والنبراس و "القراط" شعلة السراج، و "الذبال" ما يحمل "السراج". ويقال سغم المصباح، أي مده بالزيت. والنسيلة الفتيلة في بعض اللغات. والمشاعل القناديل والزهليق السراج في القنديل.
أما الأعراب، فلم يكونوا يعرفون المصابيح، ومصابيحهم نجوم السماء وضوء القمر يهتدون بها ويستلهمون منها معنى الحياة.
المأكل والمشرب
يختلف أكل العرب عن أكل الأعراب. كما يختلف أكل أهل كل مكان عن أكل أهل مكان آخر من جزيرة العرب. وأكل ألحضر، متنوع نوعا ما بالنسبة إلى مأكول أهل الوبر. لفقرهم ولشح باديتهم. ولذلك صار طعام الأعراب على العموم بسيطا. وقد أثر اختلاف نوع الطعام على هيئة الإنسان ووزن جسمه. فصار جسم الأعرابي نحيفا في الغالب، لبساطة أكله، وقلة المواد النشوية والدهنية فيه.
(1/2563)
ومن عادات العرب أنهم يقلون من الأكل. ويقولون: البطنة تذهب الفطنة، و "البطنه تأفن الفطنة". وكانوا يعيبون الرجل الأكول الجشع. ويرون أن "الأزم"، أي قلة الأكل أفضل دواء لصحة الأبدان. قيل للحارث بن كلدة، طبيب العرب في الجاهلية: ما أفضل الدواء ? قال: الأزم. ولهم في ذلك أمثلة كثيرة في الأزم، وضرر البطنة. رووا بعضا منها على لسان لقمان، ورووا بعضا آخر على ألسنة الحكماء العرب. وهم يعالجون البطنة بالحمية. لأن المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء. وهم يرون أن الشبع والامتلاء يضعف الفطنة. أي الشبعان لا يكون فطنا لبيبا. فللأكل علاقة كبيرة بالفطنة والعقل والذكاء.
وللعرب مصطلحات عديدة في درجات الأكل. أي من حيث كيفية تناول الطعام، ومن حيث الاقبال عليه إلى حد التخمة. ولما كان الاكثار من الأكل معيبا عندهم وضعوا ألفاظا في هؤلاء الذين كانوا يسرفون في الأكل، فإذا دعوا إلى وليمة أسرفوا في الأكل، وأقدموا عليه، وكانهم جاؤوا من سني قحط. وعابوهم، ومدحوا من اعتدل في أكله وتوسط فيه، وأظهر نظافة وأدبا في تعاطيه.
ومن عادات العرب، انهم كانوا يبكرون في الغداء، ويرون أن ذلك أقرب إلى راحة البدن وصحته، ويؤخرون العشاء.
وماكل الأعراب قليلة شحيحة مثل شح البادية، خاصة إذا انحبس المطر وهلك الزرع. فإن رزقه يقل وقد يذهب ما معه من زاد فيهلك خلق من الأعراب من شدة الجوع. قيل لأعرابي ما طعامكم ? قال: "الهبيد، والضباب واليرابيع، والقنافذ والحيات، وربما والله أكلنا القد، واشترينا الجلد، فلا نعلم والله أحدا أخصب منا عيشا ". و "الهبيد ": حب الحنظل، تنقعه الأعراب في الماء اياما، ثم يطبخ ويؤكل. وأما القد، فجلد السخلة. "وفي حديث عمر، رضي الله عنه، كانوا يأكلون القد. يريد جلد السخلة ".
(1/2564)
وكانوا يفصدون عرق الناقة ليخرج الدم منه فيشرب، يفعلونه أيام الجوع. كما كانوا يأخذون ذلك الدم ويسخنونه إلى أن يجمد ويقوى فيطعم به الضيف في شدة الزمان، إذا نزل بهم ضيف فلا يكون عندهم ما يقويه، ويشح أن ينحر المضيف راحلته فيفصدها. و"الفصيد" دم كان يوضع في الجاهلية في معى من فصد عرق البعير ويشوى وكان أهل الجاهلية يأكلونه وتطعمه الضيف في الأزمة.
وأما " الفصيدة "، فتمر يعجن ويشاب بدم. وهو دواء يداوى به الصبيان. ويقال للفصيد "البجة" كذلك. و "البجة" دم الفصيد، يأكلونها في الأزمة. والبج الطعن غير النافذ، فقد كانوا يفصدون عرق البعير ويأخذون الدم يتبلغون به في السنة المجدبة. جاء في الحديث: "إن الله قد أراحكم من الشجة والبجة"، وورد "أراحكم الله من الجبة والسجة ".أي قد أنعم عليكم بالتخلص من مذلة الجاهلية وضيقتها ووسع لكم الرزق وأفاء عليكم الأموال.
وكان أحدهم إذا نال شربة من اللبن الممذوق بالماء، وخمس تميرات صغار، ظن نفسه ملكا، ودب اليه نشاطه. قال الشاعر: إذا ما أصبنا كل يوم مذيقة وخمس تميرات صغار كنائز
فنحن ملوك الأرض خصبا ونعمة ونحن أسود الغاب ضد الهزاهز
وكم متمن عيشنا لا يناله ولو ناله أضحى به حق فائز
وأكل الجراد معروف مشهور عند الأعراب. يأكلونه نيئا، وقد يطبخونه أو يحمصونه ويلقون عليه شيئا من الملح. وقد يأكلونه بالتمر. وبغيره، وهو عندهم طعام لذيذ. ويذكر بعضهم أن الإنسان قد يصاب بالشري من أكله، وقد يشكو من بطنة قد تصيبه.
(1/2565)
وغالب أكل الأعراب لحوم الصيد والسويق والألبان. وكانوا لا يعافون شيئا من المآكل لقلتها عندهم. حتى أنهم كانوا يأكلون كل شيء تقع أيديهم عليه. ولا نجد من كتب أهل الأخبار ما يفيد تحريم العرب لأكل بعض الحيوان. بل نجد أن اغلبهم قد استباحوا أكلها جميعا. مهما كان ذلك الحيوان صغيرا او كبيرا حسن المنظرأو قبيحه، من ذات الأظلاف أو من غيرها. حيا كان أم ميتا. وذلك لفقرهم ولشدة الجوع عندهم. فلما جاء الإسلام حرم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير والمختنقة وحدد الذبح وما يمكن أكله من الحيوان، بسبب ما كان يصيب الناس من أكل لحومها من أضرار.
وقد أكلوا لحوم الحمر الوحشية والحمر الأهلية، فنهى الإسلام عن أكلها لما في ذلك من ضرر. وتمنى أحد الرجاز لو اصطاد ضبا أوسحبلا سمينا، ليفوز بلحمه من شدة الفاقة والحاجة إلى اللحم.
نعم لقد ورد أن بعض القبائل عافت أكل لحوم بعض الحيوانات، أو عابت أكل بعض أجزائها، إلا ان هذا لا يعتبر عاما، كما انه من قبيل العرف والعادة أو مما له علاقة بالعقائد عندهم. فقد ذكر ان قبيلة "جعفى" كانت تحرم أكل "القلب"، إلا ان هذا التحريم هو تحريم خاص بهذه القبيلة. أما القبائل الأخرى فقد كانت تأكله ولا تبالي، لأنه غير حرام عندها.
وفي أيام الشدة وفي الأيام الأخرى أيضا يرسل الأعراب أولادهم لجمع الحنظل، فإذا جمع نقف، لإخراج هبيدة، أي حبه، لطبخه، أو تحميصه لأكله. وقد تفاخر "حسان بن ثابت" بالغساسنة، لأنهم كانوا في بحبوحة من العيش، وليسوا بصعاليك يرسلون ولائدهم لنقف الحنظل. والى ذلك أشار "امرؤ القيس" بقوله: كأني غداة البين حين تحملوا لدى سمرات الحي ناقف حنظل
(1/2566)
وقد كانوا يقاسون من شدة الجوع والفقر في بعض السنين حتى يموت من يموت منهم من الجوع. قيل: " كانوا إذا اشتد بهم الجوع وخافوا أن يموتوا أغلقوا عليهم بابا وجعلوا حظيرة من شجرة يدخلون فيها ليموتوا جوعا"، "ولقي رجل جارية تبكي فقال لها: ما لك ? فقالت نريد أن نعتفد"، "والأعتفاد أن يغلق الرجل بابه على نفسه، فلا يسأل احدا حتى يموت جوعا ". فالاعتفاد انتحار للتخلص من ألم الجوع.
قال بعض المدنيين لبعض الأعراب: أتأكلون الحيات والعقارب والجعلان والخنافس ? فقال: نأكل كل شيء إلا ام حبين. فقال المدني: لتهن أم الحبين العافية. فالفقر كافر، والجوع يدفع الإنسان إلى،اكل كل شيء. والعرب تكني عن الجوع ب "أبي مالك". وتسمي الخبز جابرا وعاصما وعامرا. وقد كنت عنه وعن الإفلاس ب "ابي عمرة".
وهو على فقر اكله وبساطته وجوعه يهزأ بأكل الحضر ويسخر منه، ويرى فيه طعاما صعبا لا يهضم. وأكلا لا يناسب مزاج العرب. إذا أكله آكل اصيب بمرض. وهو محق في ذلك، فرجل ذو معدة فارغة، لا يذوق إلا القليل من الأكل والماء، لا تتمكن معدته من هضم طعام مهما كان بسيطا، فإنه ئقيل بالنسبة إلى معدة الأعرابي، فإذا اقبل على أكل طعام أهل الحضر، وهو طعام غير مألوف عنده أصيب ببطنه تجعله يكره أكل الحضر، وطعام أهل القرى والمدن، ويعجب كيف يأكله أولئك ثم لا يصابون بمكروه. قال أعرابي قدم الحضر فشبع فاتخم: أقول للقوم لما ساءني شبعي ألا سبيل الى أرض بها الجوع
الا حيل إلى ارض يكون بها جوع يصدع منه الرأس ديقوع
(1/2567)
وقد كان الجاهليون يأكلون كل ما وقع تحت أيديهم من حيوان مقتول أو ميت، فنزلت الحرمة عن ذلك في الآية: )حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع. إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقيموا بالأزلام ذلكم فسق(. وذكر أن أهل الجاهلية كانوا بخنقون الشاة وغرها،فإذا ماتت أكلوها. وأنهم كانوا يضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حنى يشلوها فيأكلوها. وذكر أن الموقوذة: هي التي ترمى أو تضرب بحجر أو عصا حتى تموت من غير تذكية. والوقذة شدة الضرب.
وأما المتردية، فهي الي تتردى من العلو إلى الاسفل فتموت، كان ذلك من جبل أو في بئر ونحوه. وسواء تردت بنفسها أو رداها غيرها. وكانت الجاهلية تاكل المتردي، ولم تكن تعتقد ميتة إلا ما مات بالوجع ونحوه دون سبب يعرف. فأما هذه الأسباب، فكانت عندها كالذكاة. فحصر الشرع الذكاة في صفة مخصوصة. وبقيت هذه كلها ميتة. و لذا النطيحة وأكيلة السبع التي فات نفسها بالنطح والأكل. وكانت الجاهلية تأكل النطيحة الميتة كما تأكل الشاة التي يأخذها السبع فتخلص منه، وكذلك إن أكل بعضها.
وقد كان الجاهليون يستحلون أكل المحرمات المذكورة التي حرمت في الإسلام، ويأكلون ما يذكى من الحيوان على الأنصاب للاصنام، وما يذكى على غيرالأنصاب على نحو ما يفعل القصاب. والذكاة في كلام العرب الذبح. فلما جاء الإسلام حدد الذبح، على كل ما أدرك ذكاته من المذكورات وفيه حياة، ولو بعض حياة. فأبطل ذكاة ما خمد نفسه من حيوان. وهو بهذا خالف الجاهليين، إذ لم يشترطوا الشروط الني اشترطها الإسلام في الذبح..
(1/2568)
وللاغنياء والحضر آداب في مآكلهم، تبدأ بغسل الأيدي في الغالب، لازالة ما قد يكون قد علق بها من أتربة وأوساخ، فإذا انتهوا من غسل الأيدي، أكلوا بها. إذ قلما كانوا يستعملون السكاكين و "الملاعق" و "الشوكات" في أكلهم على نحو ما كان يفعله أغنياء العجم.وإذا انتهوا من طعامهم غسلوا.أيديهم كذلك لتنظيفها من الدسم ومن المواد الأخرى التي تكون قد علقت بها من بقايا الطعام. والأكل باليد عادة شائعة بين الشعوب السامية، يرون لها مزايا على الاستعانة بأدوات الأكل في الأكل، حتى صارت في حكم العرف والعادات،بل جعل الأكل باليد من السنن المحببة في الدين.
وتستعمل "الربطة" وهي المنديل و "الفوطة" لمسح اليد وتنشيفها من الماء. وقد استعمل الملوك والأغنياء المناديل المصنوعة من الحرير أو من الكتان، وهي غالية في ثمينة. وذكر بعض علماء اللغة ان الربطة لا تكون إلا بيضاء. والمنديل الذي يمسح به من أثر الماء وغيره. ويظهر أن "الفوطة" و "الفوط" من الألفاظ المعربة، ذكر انها من لغة سندية معربة "بوته". وهي في الأصل ثياب تجلب من السند، غلاظ قصار تكون مآزر، أو هي مآزر مخططة يشتريها الجمالون والأعراب والخدم وسفل الناس، فيأتزرون. ثم استعملت في معنى "منديل" و "مناديل"، يضعها الإنسان على ركبتيه ليقي بها ملابسه عند الطعام.
وقد استخدم الملوك والأغنياء الخدم في تقديم والأطعمة والأشربة، وكما كان يفعل ملوك الفرس والروم وسراتهما، في كسو خدمهم أكسية خاصة نظيفة وإلباسهم "سراببل"، معتملة، كذلك فعل ملوك العرب وسراتهم ولا سيما عرب العراق وبلاد الشام، بخدمهم، وقد قرطوا آذانهم بالنطف أي الأقراط احيانا مبالغة في تزيينهم، حتى يعطى جو المآدب والضيافة لونا شعريا خاصا. فإذا قدم شيئا، وضع المنديل أو الديباجة على كتفه، ووضع تحت صحن الطعام شيئا ثم يقسمه إلى الضيوف.
(1/2569)
ويختلف الحضري عن الأعرابي في طريقة أكله. فإذا تناول الحضري لقمة صغرها وأكلها بأطراف الأسنان، وحاول جهده ألا يملا فمه بلقمة كبيرة، فيبدو الفم منتفخا منها. وهذا ما يخالف مألوف الأعرابي. "قدم أعرابي على ابن عم له بمكة، فقال له: إن هذه بلاد مفضم وليست ببلاد مخضم".والخضم أكل بجميع الفم. والقضم دون ذلك. وقيل الخضم: ملء بالمأكول.
ويعد أكل "اللحوم" من أطايب الحياة، ومن المفاخر التي يتباهى بها الناس على غيرهم، إذ لم يكن في ميسور كل إنسان الحصول على اللحم، ولا سيما "اللحم السمين". وإذا أضيفت اليها الخمور والطيب، والنساء، تمت بذلك مباهج الحياة. وقد عبر عن "الخمور واللحم والطيب"، بالأحامرة الثلاثة. وكانت هذه تستنزف المال، لما ينفق الإنسان في الحصول عليها من ماله. قال الأعشى: إن الأحامرة الثلاثة أهلكت مالي، وكنت بها قديما مولعا
وقال: الخمر واللحم السمين، واطلي بالزعفران، فلن أزال مولعا
وكان من تنصر من العرب يأكلون لحم الخنزبر. يأكلونه أشد الأكل، ويرغبون في لحمه أشد الرغبة. وذكر أن غيرهم كانوا يأكلونه أيضا. وزعم "أن العرب لم تكن تأكل القرود"، وروي انهم كانوا يأكلون كل شيء يقع بين أيديهم لشدة الفاقة والحاجة، ولا سيما الأعراب. فأكلوا دم "الفصيد"، وكانوا يحبونه، ويرون انه يورث القوة.
وورد في ألسنة الناس "أهلك الرجال الأحمران: اللحم والخمر". وورد أيضا "أهلك النساء: الأحمران، الذهب والزعفران". وذلك لما كان الرجال والنساء ينفقونه من مال، للحصول على هذه الأشياء: ورد أيضا: "الأحمران: الطيب والذهب".
(1/2570)
وتسربت إلى أهل الحجاز وسائر جزيرة العرب مأكولات أعجمية أخرى، حافظت بعضها على أصالتها وعلى عجمتها. فذكر إن أهل المدينة، لما نزل فيهم ناس من الفرس في قديم الدهر، علقوا ببعض مأكولاتهم، فسموا السميط "الرزدق" والمصوص المزور، والبطيخ الخريز، ومأكولات أخرى، أدخلها هؤلاء الفرس وأمثالهم بحكم نزولهمء اعما اله س ب قبل الإسلام.
والثريد، هو طعام محبوب مشهور عند العرب. وهو طعام يتكون من فت الخبز وتهشيمه ثم بله بالمرق. والغالب أن يكون بالمرق واللحم. وقد اشتهر "هاشم بن عبد مناف"، بتقديمه الثريد لقومه.
ومن أكلات العرب المعروفة "الحريقة"، وهي أن يذر الدقيق على ماء أو لبن حليب فيحتسى، وهي أغلظ من السخينة يبقى بها صاحب العيال على عياله وقت الشدة. و "الحيسة" وهي تمر وسمن وأقط، وقد أهدت "أم سليم" حيسة إلى الرسول وضعتها في "برمة" في قدر من حجر، وأرسلتها إليه، لمناسبة دخوله "زينب".
وعند العرب أكلات تعير بها من يأكلها، منها "السخينة"، وهي تتخذ من الدقيق، دون العصيدة في الرقة وفوق الحساء، وإنما يأكلونها في شدة الدهر وغلاء السعر وعجف المال. والظاهر أنها كانت أكلة معروفة عند قريش خاصة، وعند العرب أكلات تعر بها من يأكلها، منها "السخينة " لذلك عيرت بها. وقد عيرها "حسان بن ثابت" بها، فدعاها "سخينة"، كما سماها بهذه التسمية كعب.
وقد مازح "معاوية" "الأحنف بن قيس"، فقال: ما الشىء الملفف في البجاد ? قال: هو السمينة يا أمير المؤمنين. وإنما أراد معاوية قول الشاعر: إذا ما مات ميت من تميم فسرك أن يعيش فجىء بزاد
بخبز أو بتمر أو بسمن أو الشيء الملفف في البجاد
تراه يطوف في الافاق حرصا ليأكل رأس لقمان بن عاد
وكان الاحنف من تميم، وإنما أراد الأحنف بالسخينة رمي قوم معاوية بالبخل، لأنهم كانوا يقتصرون عليها عند غلاء السعر حتى صار هذا اللفظ لقبا لقريش.
(1/2571)
والشواء هو الطريقة الشائعة بين الأعراب وأهل الريف في طبخ اللحوم. فهو وطريقته سهلة: توقد نار، ثم يوضع اللحم عليها، ومتى نضج أكل. فكان أهل الوبر إذا اصطادوا أو ذبحوا لضيف، أوقدوا نارا، واشتووا اللحم وأكلوه.
ونجد في قصص أجواد العرب، مثل حاتم، انهم كانوا ينحرون الإبل أو يذبحون فرسا، ثم يوقدون نارا يشوون اللحم عليها. ويدعى الناس إلى الأكل، فإذا فرغوا منه، مشوا أيديهم بكل ما يكون أمامهم، حتى أعراف الجياد.
نجد ذلك في شعر لامرىء القيس: وللعرب أواني استخدموها لتقديم الطعام بها الى الضيوف. منها: الفيخة والصحفة، وهي تشبع الرجل، والمكتلة تشبع الرجلين والثلاثة والقصعة تشبع الأربعة والخمسة، والجفنة تشبع ما زاد على ذلك، والدعيسة وهي أكبر الأواني عندهم. وقيل أكبرها الجفنة التي ورد ذكرها في شعر الشعراء على سبيل الفخر والمدح.
الذبح
والغالب على الجاهلين ذبح الحيوان،لأخذ لحمه، وذلك بقطع الحلقوم بسكين. يفعلون ذلك في الشياه والكباش والتيوس والطيور والدجاج. أما بالنسبة الى السمك وما يستخرج من البحر، فإنهم يتركونه حتى يموت، أو يشقون بطونها وقد يذبحونها أيضا. ويأكلون الميت منه كذلك. واما الإبل، فإنهم ينحرونها، ونحر البعير طعنه في منحره. وكانوا إذا أرادوا نحر البعير عقروه، أي قطعوا أحد قوائمه ثم ينحر، يفعل ذلك به كيلا يشرد عند النحر.
(1/2572)
هذا هو الأصل في الحصول على اللحم، ولكنهم كانوا كما جاء في القرآن الكريم لا يعافون أكل الميتة والمختنقة والمتناطحة، لفقرهم وجوعهم. مع ما كان يلحقهم من ضرر من أكلها بسبب فسادها. ولذلك حرم أكل لحومها في الإسلام. والعادة عند العرب أن من العيب بيع شيء من طعام لمن هو في حاجة اليه. وهم يشعرون بالخجل وبالإهانة إذا طلب معسر طعاما أو شرابا كلبن أو ماء ثم لا يجاب طلبه،أو يطلب عن ذلك ثمنا يقبضه مقابل ما قدم من طعام شراب. لأن القرى واجب على كل عربي،ولا يكون القرى بثمن. فكيف يقف إنسان موقف بخل وإمساك أمام مرمل محتاج.
ويقال لكل ما يؤكل "الطعام" ث فالطعام اسم جامع، وجمعه أطعمة. وأشهر وجبات الطعام عند العرب الغداء والعشاء. فالغداء وقت الغدي، والعشاء وقت العشى. أما الفطور، وهو ما يتناوله الإنسان صباحا، أي عند نهوضه من نومه، فليس له عند غالبية العرب مقام كبير ة كمقام الغداء أو العشاء ولا سيما عند أهل الوبر، وحظه مع ذلك عند أهل المدر أحسن حالا وأكثر مكانة. والطعمة: الدعوة إلى الطعام.
ويعبر عن الطعام ب "الزاد" كذلك. وورد أن الزاد: طعام السفر والحضر. وورد: التزود بمعنى اتخاذ الزاد. وأما "العيش"، فالزاد والطعام في لغة أهل اليمن.
الضيافة والأضياف
وعرف الجاهليون بالقرى، أي اطعام الأضياف. والجود خلة يتفاخر بها العرب ويتسامون، حتى إن بعضهم أوقد نارا ليراها الأضياف فيستدلون بها على المنزل، وتسمى هذه النار: "نار القرى"، أي نار الضيافة. وأفقر رجل عندهم يقوم قدر حاجته وامكانه إكرام من يفد عليه. والبخل سجيه مذمومة يعاب بها، وتكون سبة بين الناس. وهو لؤم، واللؤم قبيح بالعربي.
(1/2573)
ولا يقتصر واجب الضيف على تقديم الطعام لضيفه والترحيب به، بل عليه حمايته والدفاع عنه ما دام في بيته. فإذا اعتدى عليه، كان الاعتداء كأنه وقع على المضيف، وخزي وكسف اسمه بين الناس. بلحق العار به وبأسرته، فلا بد له من حماية ضيفه والدفاع عنه مهما كان شأنه وحاله من ضعف وفقر، فإن كان عاجزا استدعى قومه للدفاع عن اسمه من المعتدين.
وخفرة الجار ثلاث، فإذا انتهى الأجل ومضى اليوم الثالث، انتهت خفرة الجوار، وعلى الضيف الخروج. وفي أثناء الضيافة ونزول الضيف في خفرة مضيفه، يكون في مأمن وفي حمى جاره، فإن وقع عليه شيء، طالب مضيفه بالانتصاف ممن أهان ضيفه، لأنه في ضيافته،وتكون الإهانة كأنها قد لحقت به. وورد في الأخبار ان العرب أصحاب حياض. وانهم كانوا يقرون في الحياض وينفون إلأقذاء عن الماء، وذلك لما للماء من أهمية في جزيرة العرب،فعليه تتوقف حياة الإنسان. ولذلك عدت السقاية في مكة مفخرة من مفاخر قريش. وقد فسرت هذه السقاية بأنها وضع الماء في حياض داخل الحرم ليستقي منها الحاج، والاستقاء مجانا من ماء زمزم للفقراء والمعوزين. وقد يكون هذا هو الأصل من السقاية. غير إن أهل الأخبار يشيرون أيضا إلى نوع. أخر من السقاية كان يليها الهاشميون في مكة وذلك بإسقاء الحاج الزبيب المنبوذ في الماء مجانا لهم. وهو أغلى واثمن من الماء.
وذكر إن "بني أفصى بن نذير بن قسر بن عبقر". وهم من بجيلة، كانوا "لم ينزل بها نازل قط إلا عمدوا إلى ماله فحبسوه ودفعوه إلى رجل يرضون أمانته ومانوه بأموالهم ما أقام بين أظهرهم. فإذا ظعن أدوا إليه ماله ورحلوا معه. فإن مات ودوه، وإن قتل طلبوا بدمه، وإن سلم ألحقوه بمأمنه. وفي ذلك يقول عمرو بن الخثارم:.
ألا من كان مغتربا فإني لغربته على أفصى دليل
يعينون الغني على غناه ويثرو في جوارهم القليل
(1/2574)
وطبيعي أن يكون بينهم من يشذ عن العرف ويخالف المألوف، فيمسك يديه ويبخل. فقد روي أن ناسا سافروا من الأنصار فأرملوا فمروا بحي من العرب فسألوهم القرى فلم يقروهم، وسألوهم الشراء فلم يبيعوهم، فأصابوا منهم وتضبطوا. أي أخذوه على حبس وقهر.
ولائم العرب
وللعرب في المناسبات ولائم يقيمونها يدعون إليها الأقرباء والجيران ومن لهم معرفة بهم، لمشاطرتهم الأنس والفرح في تلك المناسبة. كما كانوا يدعون الناس إلى الطعام في أوقات الأتراح أيضا، وذلك مثل وفاة عزيز، أو مرور أمد على ذكراه، ولهم ولائم أيضا في المناسبات الدينية. والغاية من كل ذلك هو مشاطرة من يدعون أصحاب الدعوة في مشاعرهم والاجتماع بهم. ويذكر علماء اللغة أن "الوليمة" طعام العرس، أو كل طعام صنع لدعوة وغيرها. وقد ع كانت العادة إيلام الولائم في الأعراس، لذلك غلب اسم الوليمة على وليمة الاعراس. وذكر أن الرسول قال لعبد الرحمن بن عوف: أولم ولو بشاة. أي اصنع وليمة. والدعوة اسم لكل طعام دعيت اليه الجماعة. فهي تشمل كل أنواع الطعام والدعوات. وبهذا المعنى ترد لفضة:المأدبة. حيث يدعى الناس الى الطعام لمختلف المناسبات. وهي أعم من الوليمة.
(1/2575)
وتذبح الذبائح في الولائم ولمناسبات اكرام الضيوف. والمفرد "ذبيحة". وان كانت تدل على أنثى، غير أنها قد تكون حيوانا ذكرا. فلا يشترط فيها أن تكون شاة، بل يجوز أن تكون خروفا. وهي لا تختص بحيوان معين، فقد تكون جملا وقد تكون ناقة. ويقال لما يهل للالهة: "ذبائح" كذلك. وتكون الذبائح في مناسبات إكرام الضيف، تبعا لمنزلة الضيف. فإذا كان الضيف ملكا مثلا أو سيد قبيلته بولغ في عدد الذبائح التي تقدم له، إكراما لمنزلته ومكانته. والوليمة هي طعام الإملاك، وقد تطلق على الولائم عامة، ولكن الناس يخصصونها في الغالب بمثل، هذه الحالات. فيقولون وليمة العرس، ووليمة الختان، ونحو ذلك. والدعوة أعم من الوليمة. وأما "الخرس" فطعام الولادة، وقيل: الطعام الذي يصنع للنفساء سلامة المرأة من الطلق. و "العقيقة"، وهي طعام سابع الولادة، و "الاعذار" "العذيرة" الطعام يصنع للختان، و "النقيعة" طعام الإملاك، أي التزويج، وقبل: وما يصنع للقدوم من السفر، وقيل: النقيعة التي يصنعها القادم، والتي تصنع له تسمى التحفة، و "الملاك" ما يصنع للخطبة، ويقال: "الاملاك"، ودعي طعام "الاملاك" ب "الشندخ" كذلك.
وقيل إنما قبل لطعام الإملاك "الشندخ"، لأن الشندخ هو الفرس الذي يتقدم بقية الخيل. وحيث أن طعام الإملاك هو طعام يتقدم العرس،. أي هو طعام الزفاف، أو ما يصنع للخطبة، لذلك قيل له: الشندخ. وذكر بعض العلماء الشندخ: الطعام يجعله الرجل إذا ابتنى دارا أو عمل بيتا، أو قدم من سفر أو وجد ضالته.
وقد أشير الى "النقيعة" على أنها الطعام الذي يصنع للقادم، والناقة التي ينحرها القادم للطعام الذي يتخذه، في شعر ينسب إلى "مهلهل" هو-: إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم ضرب القدار نقيعة القدام
وذكر أن النقيعة كل جزور جزرت للضيافة. ومنه قولهم: الناسم، نقائع الموت.
وذهب بعضهم إلى أن النقيعة طعام الرجل ليلة يملك.
(1/2576)
وورد أيضا أن "المنقع"، طعام المآتم، وأن النقيعة الذبيحة التي تذبح عند الوفاة، والنقع، رفع الصوت وشق الجيب. وهذا المعنى يخالف بالطبع المعنى المتقدم لذلك الطعام.
وإذا قام الإنسان بعمل مفيد جديد، فقد يصنع وليمة لهذه المناسبة. فإذا قام انسان ببناء بيت، أو أي بناء اخر جديد، أو استفاد الرجل شيئا جديدا، يتخذ طعاما يدعو اليه اخوانه وأصدقاءه، ويسمون ذلك: العذار. وذكر أيضأ ان العذار طعام البناء وطعام الختان، وأن تستفيد شيئا جديدا فتتخذ طعاما تدعو اليه اخوانك.
وأما "الوكيرة"، فهي طعام يصنع غد تمام البيت يبنيه الرجل لنفسه، مشتقة من "الوكر"، وهو المأوى والمستقر. وعادتهم عند الانتهاء من بناء بيت، دعوة الأقرباء والاصدقاء إلى وليمة لمشاركة صاحب البيت في أنسه وفرحه بتمام البيت.
و "العقيقة" من الولائم التي يدعى الناس، اليها، لمناسبة المساهمة بفرح أهل مولود، حيما يحلقون شعر رأسه لأول مرة، أي الشعر الذي ولد به. وقد تكون العقيقة في الأسبوع الأول من ولادة المولود. وعندئذ يعلن عن اسم المولود الذي سيعرف به.
والختان من المناسبات المبهجة في حياة الأسر. لذلك يولم الناس ولائم لهذه المناسبة يدعونها "العذيرة"، والجمع الإعذار. والمعذور هو المختن. وقد كان الاختتان معروفا بين الجاهلين. ويقال للعذيرة أيضا: العذار والإعذار والعذير. وكل ذلك في معنى طعام الختان. وفي الحديث: الوليمة في الاعذار حق.وورد في الحديث أيضا: كنا اعذار عام واحد، أي ختنا في عام واحد. وكانوا يختتنون لسن معلومة فيما بين عشر سنين وخمس عشرة.
و "القرى": ما يصنع للضيف، و "المأدبة": كل طعام يصنع لدعوة، و "الآدب" صاحب المأدبة.
وإذا كانت الدعوة عامة مفتوحة للجميع " قيل لها "الجفلى"، أما إذا كانت خاصة يقال لها: "النقرى". وفي هذا المعنى ورد في شعر طرفة: نحن في المشتاة ندعو الجفلى لا نرى الآدب منها ينتقر
(1/2577)
ويقال انتقر الرجل إذا دعا بعضا دون بعض، فكأنه اختارهم واختصهم من بينهم.
ورد أن الجفلى، ويقال لطعامها الجفالة، الوليمة، التي ينادي الداعي فيها جميع القوم، أي كل من حضر إلى الطعام. ولا يستثني أحدا، فكل من حضر يحضر تلك الوليمة عكس النقرى، حيث ينتقر الداعي، أي صاحب الوليمة الأشخاص، بأن يذكر أعيانهم، ولا يدعى غير هؤلاء المنتقرين إلى تلك الوليمة، وهي لذلك مذمومة. يقال نقرت باسمه، أي أسميته بين جماعة.
وقد يقدم طعام يتعلل به قبل الطعام، يعرف عندهم بي "السلفة". وإذا أريد أن يكرم الرجل بطعامه عبر عن ذلك بلفظة "القفي". وأما ما يرفع من المرق للانسان، فيقال له "القفارة"، وذلك دلالة على التكريم والتقدير.
وإذا هل هلال شهر رجب، دعي بعض الناس إلى وليمة يسمونها "العتيرة". ولشهر رجب حرمة ومكانة ومنزلة خاصة في نفوس الجاهلين. وقد كان الجاهليون ينذرون، انهم إذا كثر مالهم، فانهم يذبحون منه، ما يذكرون عدده في هذا الشهر. وكان منهم من يذبح من الإبل حين يبلغ الحد الذي ذكر في النذر، ومنهم من يذبح الشاة. كما كانوا ينذرون بتقديم عتيرة في كل نذر آخر يريدون تحقيقه. فإذا أولموا لذلك وليمة أو وزعوا لحم العتيرة أو طعامها على الناس فعملهم هذا عتيرة. وهناك عتيرة أخرى، هي الذبيحة التي كانت لذبح للأصنام ويصب دمها على رأسها فهذه عتيرة أيضا.
المتطفلون
وقد عاب أهل الجاهلية أهل التطفل ومن يتحين طعام الناس، أو يكثر من السؤال. وقالوا للحريص من الرجال "الفلحس". وقالوا: أسأل من "فلحس"، و "تفلحس الرجل"، إذا تطفل. وذكر أهل الأخبار أن "الفلحس" رجل من بني شيبان، زعموا أنه كان إذا أعطي سهمه من الغنيمة، سأل سهما لامرأته ثم لناقته، وكان يسأل سهما في الجيش. وهو في بيته، فيعطى لعزه وسؤدده، فقالوا: "أسأل من فلحس". وذكر أنه كان حريصا رغيبا وملحفا ملحا، وكل طفيلي، فهو عندهم فلحس.
(1/2578)
والطفيلي الذي يدخل الولائم والمآدب بلا دعوة. وقد نسب التطفل إلى رجل من أهل الكوفة، زعموا ان اسمه "الطفيل بن زلال "، وهو من "بني عبدالله ابن غطفان" " كان يأتي الولائم بلا دعوة، وكان يقول: وددت أن الكوفة مصهرجة، فلا يخفى علي منها شيء. فنسب الطفيليون اليه.
المعاقرة
العقر قطع قوائم الفرس أو الإبل أو الشاة بالسيف، وهو قائم. يقال جمل عقير. بمعنى مقطوع القوائم وكذلك ناقة عقيرة، أي قطعت إحدى قوائمها أو قوائمها. وكان الموسرون منهم يتعاقرون، يفاخر بعضهم بعضا ويتفاضلون في عقر الإبل، ويتبارون في ذلك ليرى أيهم أعقر لها، فيكون له الفضل والفخر على الغير. ومن ذلك معاقرة "غالب بن صعصعة" أبي الفرزدق و "سحيم ابن وثيل الرياحي"، لما تعاقرا ب "صوأر"، موضع من أرفى، "كلب" من طرف السماوق، مسافة يوم وليلة من ا إكوفة مما يلي الشام. نعقر "سحيم" خممسا ثم بدا له، وعقر غالب مائة. ذكر أنهم كانوا يفعلونه رياء وسمعة وتفاخرا، ولا يقصدون به غير ذلك، ولهذا نهي عنه في الإسلام، لأنه لم يقصد به وجه الله. جاء في حديث ابن عباس" لا تأكلوا من تعاقر الإعراب، فإني لا آمن من أن يكون مما أهل به لغير الله. قال ابن الأثير: هو عقرهم الإبل. كان الرجلان يتباريان في الجود والسخاء، فيعقر هذا وهذا حتى يعجز أحدهما الآخر، وكانوا يفعلونه رياء وسمعة وتفاخرا ولا يقصدون به وجه الله تعالى فشبهه.بما ذبح لغير الله. وفي الحديث لا عقر في الإسلام. قال ابن الأثير: كانوا يعقرون الإبل على قبور الموتى أي ينحرونها ويقولون: إن صاحب القبر كان يعقر للاضياف أيام حياته فنكافئه بمثل صنيعه بعد وفاته. وأصل العقر ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف وهو قائم. وفي الحديث لا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكلة، وإنما نهي عنه، لأنه مثلة وتعذيب للحيوان.
مبرات جاهلية
(1/2579)
و كانت للجاهليين مناقب ومبرات ومكرمات،فعلوها في جاهليتهم وقبل إسلامهم. لا ندري إذا كانوا فعلوها عن دين وعقيدة في ثواب تثيبهم الآلهة عليها في هذه الدنيا أو في الدنيا الآخرة، وذلك بالنسبة لمن آمن بوجود عالم ثان، أم أنهم فعلوها عن مروءة وكرم نفس. فمنها "السقاية": سقاية مكة وهي ما كانت قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وذلك في ايام الجاهلية. وكانت تعد- مأثرة من ماثرهم، أو اقامة البيوت في المواسم وعلى الطرق وفي المعابد تتخذ سقاية يستقي منها الناس بلا ثمن. وقد ورد في الحديث: انه كان يستعذب الماء من بيوت السقيا.
ومن مبراتهم قبة عوف بن أبي عمرو بن عوف بن محلم بن ذهل بن شيبان، لا يدخل جائع إلا أشبع، ولا خائف إلا أمن.
ومنها نخل ربيعة بن الأسود اليشكري، وكان جعلها لابن السبيل وكل مقطوع وقره فيها. فلما كانت حجة الوداع، ووضع رسول الله كل دم ومكرمة في الجاهلية إلا السدانة والسقايا، قام ابن ربيعة بن الأسود، فقال: يا رسول الله إن أبي كان وقف نخلا على أبناء السبيل أفهي مكرمة له ? فأمضها. فأمره النبي بإمضائها. وقد مدح أولاده ونسله فنعتهم أحد الشعراء ب "بني مورث الأضياف من آل اسود". وتذكرهم معاوية، فقال: "وددت أن صاحب نخل ربيعة بن أسود مكان الخلافة. لي".
مياه الشرب
ولما كان الجفاف هو الغالب على طبع جزيرة العرب. لذلك قل " الماء فيها، واضطر الناس إلى قطع المئات من الأميال للوصول إلى موضع ماء للتزود به. ولهذا صار عزيزا عندهم ثمينا، فقد تنقذ كمية قليلة منه حياة شخص. وتكثر الحاجة اليه بصورة خاصة في الصيف: حيث تكثر الحرارة، فيشتد العطش، ويظطر الإنسان إلى الاكثار من شرب الماء لكسر حدة ذلك العطش. ولذلك يقترب الناس في مواسم الصيف من مواضع الماء، حتى إذا نفد ما عندهم منه، ذهبوا إلى أقرب ماء اليهم، للتزود به.
(1/2580)
وألذ المياه عند العرب ماء الغيث. أي ماء المطر، فإذا جادت السماء به، سال إلى المواضع المنخفضة وتجمع بها، فيأتي الأعراب اليها للاستقاء منها. ولهم أسماء ومصطلحات عديدة لأنواع المطر ولمواضع تساقطه، نظرا لما لذلك من علاقة بحياتهم، ولما لهم من حاجة شديدة الى الغيث.
والعيون والآبار والحسي، هي من المنابع الأخرى إلتي أمدت العرب بالماء والعين، هي ينبوع الماء الذي ينبع من الأرض. وقد تطلق على موضع تجمع مطر خمسة أو ستة ايام أو أكثر. والبئر، هي القليب. قد تكون بئرا عادية، وهي البئر القديمة التي لا يعلم لها حافر بلا مالك، وقد تكون بئرا يعرف صاحبها وحافرها ومالكها. وقد كان الجاهلون يحفرون الآبار لأنفسهم للاستسقاء منها وللزرع بمائها، كما كانوا يبيعون ماءها لغيرهم. وقد كانت لليهود آبار بالحجاز حصلوا منها على أموال بسبب بيع مائها للمحتاج اليه. وإما "الحسي" " فهي المواضع التي يظهر فيها الماء من جوف الأرض على وجه التربة. ومنها حسي الاحساء وأحساء خرشاف، واحساء "بني وهب" على خمسة اميال من المرتمى، فيه بركة وتسع آبار كبار وصغار بين القرعاء وواقصة على طريق الحاج، واحساء "غنى" وأحساء اليمامة، أحساء جديلة.
ويشرب الأعراب الماء بأيديهم،بأن يمدوا أيديهم في عين الماء أو في مستجمعه ثم يغرفوا منه، فيشربوه وهكذا حتى يرتووا. وقد ينبطح أحدهم على الأرض، ثم يمد فمه إلى الماء فيشرب منه. أما بالنسبة إلى الآبار والقرب ومخازن الماء، فإنهم قد يشربون من أفواه الدلاء أو القرب، وقد يستعملون أواني يشربون بها منها: الغمر، وهو قدح صغير " والقدح والتبن، والصحن والقعب، وغير ذلك من أسماء ذكرها علماء اللغة.
(1/2581)
وقد يتجمع الماء في حفر، فيكون بركا. وذكر ان البركة مثل الحوض يحفر في الأرض لا يجعل له أعضاد فوق صعيد الأرض. وذكر ان العرب يسمون الصهاريج التي سويت بالآجر وصرجت بالنورة في طريق مكة ومناهلها بركا. ورب بركة تكون ألف ذراع وأقل وأكثر. وأما الحياض التي تسوى لماء السماء ولا تطوى بالآجر، فهي الأصناع.
وذكر علماء اللغة ان "الصنع"، مصنعة الماء، وهي خشبة يحبس بها الماءوتمسكه حينا، والجمع "أصناع"، وذكر ان "المصنعة" -كالحوض أو شبه الصهريج يجمع فيها ماء المطر، يحتفرها الناس فيملاونها ماء السماء يشربونها. وورد ان "الحبس" مثل المصنعة.
ولهم في سقي إبلهم عادات. وكانوا يسمون كل سقية حسب يومها. فإذا سقوا الإبل كل يوم، قالوا سقيناها رفها، وإذا اوردوها يوما وتركوها في المرعى يوما، قالوا: سقيناها غبا. وإذا اقاموها في المرعى بعد يوم الشرب يومين ثم أوردوها في اليوم الثالث يقولون: سقيناها ربعا، وهكذا. وتمام ظمأ الإبل قي الغالب ثمانية إيام فإذا أوردوها في اليوم التاسع منه،وهو العاشر من الشرب الأول، قالوا: سقيناها في ربعا بالكسر، إلى غير ذلك مما تجده في كتب اللغة عن هذا الموضوع.
ومن أوعية الماء "المهراس". حجر منقور ضخم لا يقله الرجال ولا يحركونه لثقله، يسع ماء كثيرا. يؤخذ منه الماء للشرب، وللاستعمال، وقد استعمل في الإسلام للوضوء منه.
والحب، معروف عند الجاهلين، يختزن فيه الماء للشرب، يعمله الكواز والفخار. والكوز إناء يشرب به، ذكر أنه يكون بعروة، أما إذا لم تكن به عروة فهو "كوب". وهناك الأباريق واوان أخرى استعملت في الشرب. طرق معالجة الماء
(1/2582)
وللعرب طرق في معالجة المياه المالحة، مثل ماء البحر، وفي معالجة المياه الكدرة. من ذلك أنهم كانوا إذا اضطروا إلى شرب ماء البحر، وضعوه في قدر، وجعلوا فوق القدر قصبات وعليها صوف جديد منفوش، ويوقد تحت القدر حتى يرتفع بخارها إلى الصوف، فإذ كثر عصروه، ولا يزالون على هذا الفعل حتى يجتمع لهم ما يريدون.فيكون ما استخرج من الماء من عصر الصوف ماء عذب، ويبقى في القدر الزعاق.
وربما حفروا على ساحل البحر أو شاطىء مجتمع الماء المالح حفرة، يرشح الماء من الماء المالح اليها، ويحفرون حفرة أخرى على مسافة منها، يرشح اليها الماء من الحفرة الأولى، ثم يحفرون ثالثة، وبذلك يتحايلون على ملوحة الماء، حتى. يعذب، فيكون صالحا للشرب.
ولهم في دفع كدرة الماء حيل. من ذلك أنهم كانوا إذا اضطروا إلى شرب الماء الكدر، ألقوا فيه قطعة من خشب الساج أو جمرا ملهبا يطفأ فيه، أو طينا أو سويق حنطة، فإن كدورته ترسب إلى أسفل. وقد يضعون إناء تحت حب. الماء، لتتجمع قطرات الماء الصافية فيه، يشربون منه ماء صافيا لا كدرة فيه. وربما عرفوا استعمال "الشب" في إزالة كدرة الماء. وهو أنواع، منه شب يماني.
الفصل الحادي والخمسون
فقر وغنى وأفراح ؤأتراح
وبين الجاهليين أناس عرفوا بالغنى وبالثراء وبكثرة المال، كالذي ذكرته عن بعض رجال مكة.. فقد كان بينهم رجال متخمون شبعون، سكنوا بيوتا حسنة، زينوها بأثاث جيد وثر، ولبسوا ملابس الحرير والألبسة الجيدة المستوردة من بلاد الشام واليمن، فأكلوا أكلات الأعاجم وتفننوا في الطبخ، وشربوا بآنية من ذهب وفضة وبلور. وساهموا في قوافل تجارة مكة الجماعية. كما كانت لهم قوافل خاصة بهم، تأتي إليهم بأرباح طيبة. ومنهم من استغل ماله بالربا وبامتلاك الأرض لاستغلالها، كما فعلوا بالطائف، إلى غير ذلك من وسائل اتبعوها في جمع المال.
(1/2583)
وكان منهم أناس ذوو حس وعاطفية، فعطفوا على المحتاج وأطعموا الناس، رقة بحالهم أو طلبا للشهرة والاسم. فهم جماعة محسنة على كل حال وكان بينهم من لم يكن له قلب ولا حس، فلم يعرف محتاجا أو فقيرا ولم يفهم معنى للإحسان على الفقير. فاشتط وأبى وقسى في رباه، ولم يتساهل فيه. ومنهم من أكل أموال اليتامى ومنع الماعون. وإذا باع أنقص في المكيال، ليزيد في ماله. وفي القرآن الكريم آيات في وصف حال هؤلاء الأغنياء، وتقريع لهم وتوبيخ على ما فعلوه: )فذلك الذي يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكن(. أي يدفع اليتيم عن حقه، ويقهره ويظلمه. وانهم كانوا لا بورثون النساء ولا الصغار، ويقولون: "انما يحوز المال من يطعن بالسنان، ويضرب بالحسام".
وكان منهم من يبخل بماله فلا ينفق منه على المحتاجين والمساكين،كان منهم من يعتذر عن بخله وحرصه، فيقول: "أنطعم من لو شاء الله أطعمه " فنزلت هذه الآية: )ولا يحض على طعام ألمسكن( فيهم، "وتوجه الذم اليهم. فيكون معنى الكلام: لا يفعلونه إن قدروا،ولا يحثون عليه إن عسروا.
وكان بين الجاهليين فقراء معدمون مدقعون لم يملكوا من حطام هذه الدنيا شيئا. وكانت حالتهم مزرية مؤلمة. منهم من سأل الموسرين نوال إحسانهم، ومنهم من تحامل على نفسه تكرما وتعففا، فلم يسأل غبا ولم يطلب من الموسرين حاجة، محافظة على كرامته وعلى ماء وجهه،مفضلا الجوع على الشبع بالاستجداء.
حتى ذكر ان منهم من كان يختار الموت على الدنية. والدنية، أن يذهب إلى رجل فيتوسل اليه بأن يجود عليه بمعروف. ومنهم من اعتقد. والاتحفاد أن يغلق الرجل بابه على نفسه، فلا يسأل أحدا حتى يموت جوعا. وكانوا يفعلون ذلك في الجدب. قيل كانوا إذا اشتد بهم الجوع وخافوا أن يموتوا أغلقوا عليهم بابا وجعلوا حظيرة من شجرة يدخلون فيها ليموتوا جوعا.
(1/2584)
وكان بعض تجار مكة إذا أفلسوا أو ساءت حالتهم، خرجوا إلى اليبدية سرا، وأقاموا هناك حتى يهلكوا جوعا. خشية معرة وقوف رجال مكة على حالهم، واشفاقا على أنفسهم من التوسل بالاغنياء لمساعدتهم. فالموت على هذه السورة أسهل عندهم من الإستجداء. روي "عن ابن عباس" في تفسير "لإيلاف قريش"، قوله: "وذلك أن قريشا كانوا إذا أصابت واحدا منهم مخمصة، جرى هو وعياله إلى موضع معروف فضربوا على أنفسهم خباء فماتوا".
وكان منهم من رضي وقنع بالدون من المعيشة، فعاش في فقر مدقع. والدقع الرضا بالدون من المعيشة وسوء احتمال الفقر واللصوق بالأرض من الفقر والجوع، فهم ينامون على التراب ويلتحفون السماء. والدوقعة الفقر والذل، وجوع أدقع وديقوع شديد. وهم مثل "بنو غبراء" في الفقر والحاجة، أولئك الذين توسدوا الغبراء واتخذوا التربة فراشا لهم، لعدم وجود ملجأ لهم يأوون اليه، و لا مكان يحتمون به.
ولم يكن في وسع كثير من الجاهليين الحصول على اللحم لفقرهم فكانوا يأتدمون "الصليب" وهو الودك. زدك العظام. يجمعون العظام ويكسرونها ويطبخونها، ثم يجمعون الودك الذي يخرج منها ليأتدموا به. وقد عرفوا ب "أصحاب الصلب". ولما قدم الرسول مكة "أتاه أصحاب الصلب الذين يجمعون العظام إذا لحب عنها لحمانها فيطبخونها بالماء ويستخرجون ودكها ويأتدومن به "
(1/2585)
ولم يكن في استطاعة الفقراء أكل الخبز لغلائه بالنسبة لهم. لذلك عد أكله من علائم الغنى والمال. وكان الذي يطعم الخبز والتمر يعد من السادة الكرام. وكان أحدهم يفتخر بقوله "خبزت القوم وتمرتهم "، بمعنى أطعمتهم الخبز والتمر. وقد افتخر "بنو العنبر " بسيدهم "عبد الله بن حبيب العنبري "، لأنه كان لا يأكل التمر و لا يرغب في اللبن، بل كان يأكل الخبز. فكانوا إذا افتخروا قالوا: منا آكل الخبز. وكانوا يقولون "أقرى من آكل الخبز " لأنه كان جوادا. وذكر أن "كسرى" حين سأل "هوذة بن علي الحنفي " عن غذائه ببلده، قال له هوذة: الخبز. " فقال كسرى: هذا عقل الخبز لا عقل اللبن والتمر ".
وكان منهم من لا يستطيع شراء الملابس ليلبسها، فيستر جسمه بالأسمال البالية وبالجلود، ويعيش متضورا جوعا. وقد ذكر أن الفقراء من الصحابة كانوا لا يملكون شيئا، ويتضورون جوعا، وينامون في صفة المسجد، يرزقهم الرسول من رزقه، تنبعث منهم روائح كريهة، من عدم الغسيل. ويلعب القمل في شعرهم، ويتنقل على أجسامهم حيث يشاء.
ويظهر أن بعض زعماء مكة قد شعر نخطر ظاهرة انتشار الفقر بمكة، وبما سيتركه الاعتقاد من أثر في مجتمعها، فعمل على معالجة مشكلة الفقر والجوع والتسول، حفظا لمصالح الأغنياء على الأقل. فهم إن تركوا الفقر ينتشرويتفشى، ولم يعملوا على معالجته، تطاول الفقراء منهم على أموال الأغنياء، وقاموا عليهم وأرغموهم على أخذ أموالهم أو على أن يساهموهم فيه. أضف إلى ذلك ما سيحدثه اعتداء الفقراء على أموال الأغنياء من خوف، ومن فزع في نفوس أهل هذه المدينة المتاجرة، لذلك سعوا لاقناع تجار المدينة على إنصاف الفقراء والمحتاجين ومساعدتهم للتخفيف من شدة الجوع والفقر.
(1/2586)
ويظهر ان المخمصة، كانت شديدة، شدة حملت البعض على السطو على أموال الناس وعلى سرقة ما يجدونه أمامهم. ففزع من ذلك أهل مكة، وعمل زعماؤها على التفكير في اتخاذ أقسى العقوبات في حق السارق، فكان أن حكم "الوليد بن المغيرة" بقطع يد السارق، ذكر انه كان أول من حكم بقطع يد السارق فى الجاهلية فصار القطع سنة عندهم.
وكان أن نادى "هاشم"، وهو "عمرو بن عبد مناف" إنصاف الفقراء والمحتاجين وتقديم المعونة لهم، حتى يصير فقيرهم كالكافي، فما ربح الغني أخرج منه نصيبا ليكون للفقراء. وبذلك يخفف من حدة وطأة الفقر في هذه المدينة المتاجرة.
وذكر في تعليل دعوة "هاشم" إلى إنصاف الفقراء ومساعدتهم، انه "كان سيدا في زمانه، وله ابن يقال له: أسد، وكان له ترب من بني مخزوم، يحبه ويلعب معه. فقال له: نحن غدا نعتفد. فدخل أسد على أمه يبكي، وذكر ما قاله تربه.. فأرسلت أم أسد إلى أولئك بشحم ودقيق، فعاشوا به أياما. ثم إن تربه أتاه أيضا، فقال: نحن غدا نعتفد، فدخل أسد على أبيه يبكي، وخبره خبر تربه، فاشتد ذلك على عمرو بن عبد مناف، فقام خطيبا في قريش وكانوا يطيعون أمره، فقال: انكم أحدثتم حدثا تقلون فيه وتكثر العرب، وتذلون وتعز العرب، وأنتم أهل حرم الله جل وعز، وأشرف ولد آدم، والناس لكم تبع، ويكاد هذا الاعتفاد يأتي عليكم. فقالوا: نحن لك تبع. قال: ابتدئوا بهذا الرجل - يعني أبا ترب أسد - فأغنوه عن الاعتفاد، ففعلوا. ثم انه نحر البدن، وذبح الكباش والمعز، ثم هشم الثريد، وأطعم الناس، فسمي هاشما. وفيه قال الشاعر: عمرو الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف
(1/2587)
تم جمع كل بني أب على رحلتين: في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام للتجارات، فما ربح الغني قسمه بينه وبين الفقير، حتى صار فقيرهم كغنيهم، فجاء الإسلام وهم على هذا، فلم يكن في العرب بنو اب أكثر مالا ولا أعز من قريش، وهو قول شاعرهم: والخالطون فقيرهم بغنيهم حتى يصير فقيرهم كالكافي
فلم يزالوا كذلك حتى بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، فقال: "فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع" بصنيع هاشم "وآمنهم من خوف" أن تكثر العرب ويقلوا.
وورد أن "حكيم بن حزام" كان يقاسم ربحه من تجارته الفقراء وأهل الحاجة والمحاويج. وذكر أن قريشأ كانت تتراحم فيما بينها وتتواصل. وأن تفسير " لإيلاف قريش"، هو " لتراحم قريش وتواصلهم". فالإيلاف التراحم والتواصل. وذكر أن قريشا كانوا "يتفحصون عن حال الفقراء ويسدون خلة المحاويج". ويظهر أن هذا إنما حدث بفعل "هاشم" وبتنظيمه وجمعه وبدعوته تلك. فصار أصحاب القلوب الرقيقة يخرجون منذ يومئذ من دخلهم نصيبا يجمعونه ويوحدونه، لينفقوا منه على من به حاجة من أهل مكة ومن الغرباء.
والإيلاف هو التطبيق العملي لدعوة "هاشم" إلى إنصاف الفقراء والمساكين والمحاويج. فبعقد "الإيلاف" وإجماع قريش على تلبية دعوة هاشم بإخراج نصيب من أموالهم يخصص لمساعدة المحتاج، تمكن "هاشم" من تطبيق دعوته تطبيقا عمليا، ومن مساعدة المحتاجين. حتى صار عمله سنة لمن جاء بعده. فحسن حال المحتاجين، ونعش فقراء مكة. يؤيد ذلك ما نجده من قول "ابن حبيب": "أصحاب الإيلاف من قريش الذين رفع الله بهم قريشا ونعش فقراءها".
والرفادة والسقاية، هما من ثمرات دعوة "هاشم"، فالرفادة، هي إقراء ضيوف مكة وإطعام المحتاجين من أهلها. والسقاية إسقاءهم الماء، والنبيذ واللبن.
(1/2588)
فلم تقتصر السقاية على تقديم الماء بلا ثمن إلى العطشان والمحتاج إلى الماء. بل اشتملت على تقديم اللبن والنبيذ بل والعسل كذلك إلى المحتاج بلا ثمن. وقد ذكر أن "سويد بن هرمي بن عامر الجمحي"، كان " أول من وضع الأرائك وسقى اللبن والعسل بمكة". وأن "أبا أمية بن المغيرة المخزومي": المعروف ب "زاد الركب"، و " أبا وادعة بن ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم"، "كانا يسقيان العسل بمكة بعد سويد بن هرمي". وكل هذه الأعمال، هي من الأعمال الخيرية النافعة، التي تدل على نفس طيبة، تسعى للتخفيف عن مصاعب الناس، وعن رغبة في مساعدة الفقراء والمحتاجين. فصار في وسع من يقصد البيت الجلوس على أرائك ليرتاح عليها، كما صار في وسعه الحصول على ماء أوسقاء لبن أو ماء معسل، أي محلى، مجانا إن لم بتمكن من دفع الثمن.
وفي حلف "الفضول" دعوة ل "مواساة أهل الفاقة ممن ورد مكة بفضول أموالهم"، وذلك لمنع الظالمين من أهل مكة من اغتصاب أموال أهل الفاقة والغرياء ممن يرد إلى المدينة وليس لهم من جار ومعين، ومن أهل مكة كذلك.فهو توثيق وتتمة لعمل "هاشم".
ونجد هذه الدعوة الانسانية في مساعدة الجار والفقير في الشعر: في مثل قول الشاعر: يبيتون في المشتى ملاء بطونهم وجاراتهم غرثى يبتن خمائصا
وهو بيت يمثل المثل الجاهلية العليا التي تجسمت في الجوار وفي المروءة والاحسان والحمية وأمثال ذلك.
ونجد مئل هذه النزعة في قول الشاعر: هنالك إن يستحبلوا المأل يخبلوا وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا
على مكثريهم رزق من يعتريهم وعند المقلين السماحة والبذل
وفي قول "الخرنق بنت هفان" ترثي زوجها "عمرو بن مرثد" وابنها "علقمة بن عمرو" وأخويه حسان وشرحبيل، حيث قالت في جمله ما قالته: والخالطين نحيتهم بنضارهم وذوي الغنى منهم بذي الفقر
(1/2589)
والنحيت الدخيل في القوم، والنضار الخالص النسب. فهم قوم كرام، لم يفرقوا بين الدخيل والأصيل، ولا بين الغني والفقير، فنال الدخيل ما عند الأصيل، وشارك ذو الفقر والمدقعة الغني في ماله، وهو أعز شيءعند الإنسان، لأنه أبى أن يستأثر به، وجاره فقير ليس عنده ما يسد حاجته. فمجتمعهم مجتمع "خليط"، و "الخليط: القوم الذين أمرهم واحد"، والمشارك الحقوق. وفي الحديث: الشريك أولى من الخليط. والخليط أولى من الجار. وأراد بالشريك: المشارك في الشيوع.
ونجد فكرة مساعدة الفقير، والاستهانة بالمال بانفاقه على المعوزين، والإنعام به على الفقراء، في أبيات أخرى في مثل: والخالطين غنيهم بفقيرهم والمنعمين على الفقير المرمل
وفي مثل قول الأعشى: وأهان صالح ماله لفقيرها وآسى وأصلح بينها وسعى لها
وقول الشاعر عمرو بن الاطنابة: والخالطين حليفهم بصريحهم والباذلين عطاءهم للسائل
وأرى أن في ورود لفظة "الخالطين" في هذه الأبيات، بمعنى خلط المال، وتخصيص الأغنياء نصيبا من أموالهم للفقراء، دلالة على أن من الجاهليين الأغنياء من كان قد وضع في ماله حقوقا للمحتاجين، بحيث صاروا كالمخالطين لهم في مالهم، وفي منزلة الشركاء لهم في المال. من دون إرغام لهم ولا إكراه، أو طمع في ثواب دنيوي أو في عالم ما بعد الموت. وذلك غاية الجود والكرم.
وفي شعر للنعمان بن عجلان الأنصاري، إشادة بعمل قومه الأنصار، إذ قسموا أموالهم وديارهم بينهم وبين المهاجرين. فيقول: وقلنا لقوم هاجروا: مرحبا لكم وأهلا وسهلا ، قد أمنتم من الفقر
نقاسمكم أموالنا وديارنا كقسمة أيسار الجزور على الشطر
(1/2590)
ويذكرنا شعره هذا الذي افتخر فيه بقومه الأنصار بالمؤاخاة، إذ آخى رسول الله بين المهاجرين والأنصار. بعد مقدمه بخمسة أشهر، وقيل ثمانية أشهر. فكانوا يتوارثون بهذا الإخاء في ابتداء الإسلام إرثا مقدما على القرابة. ثم نسخ التوارث بالمؤاخاة بعد بدر. والمؤاخاة هي "المخالطة" الجاهلية في صورة أخرى.
وقد كان بين الجاهليين من حبس الحبوس،لتكون وقفا على الفقراء والمحتاجين وأبناء السببل. ومنهم من ساعد الفقراء والصعاليك بتقديم الخيل لهم للإغارة بها واكتساب الرزق عن طريق الغارات.كالذي روي عن "الريان بن حويص العبدي" من أنه كان قد جعل فرسه "هراوة" موقوفة على الأعزاب من قومه. فكانوا يغزون عليها ويستفيدون المال ليتزوجوا، فإذا استفاد واحد منهم مالا وأهلا دفعها إلى آخر منهم، فكانوا يتداولونها كذلك، فضربت مثلا، فقيل: أعز من هراوة الأعزاب. وذكر أنها جاءت سابقة طول أربع عشرة سنة، فتصدق بها على العز اب، يتكسبون عليها في السباق الغارات.
ومن تقاليد العرب مساعدة الضال والمنقطع والمعزب، وهو الذي عزب عن أهله في إبله وانقطع عنهم. ومن ذلك ما ورد في الحديث: أنهم كانوا في سفر مع النبي، فسمع مناديا، فقال: انظروا ستجدوه معزيا أو م مكلئا. والتعزب: الابتعاد عن الجماعات بسكنى البادية، وقد نهي عن ذلك في الإسلام. كما أشير إلى ذلك في حديث "ابن الأكوع" لما أقام بالزبذة "أبو ذر الغفاري" قال له الحجاح ارتددت على عقبيك تعزبت.
ومنهم من جعل في ماله صدقة يؤديها إلى الفقراء على وجه القربة الآلهة أو عن دافع انساني أوعن حب للظهور والفخر. ويقال لمن يتصدق على غيره "المتصدق". وهو عمل تطوعي، يقوم به الإنسان اختيارا وتطوعا، لمساعددة المعوز والمحتاج.
(1/2591)
و "ابن السبيل " هو "ابن الطريق"، الذي قطع عليه الطريق، ولا يجد ما يتبلغ به. والضيف المنقطع به، فيجب أن يعطى ما يتبلغ به إلى وطنه. وقد تتعرض السابلة إلى لصوص الطرق، يسلبونهم ما معهم، وقد يأخذون حتى ملابسهم، فيتعرض مثل هؤلاء للهلاك والأخطار، حتى يتهيأ لهم من له شفقة ورحمة فيغيثهم بما يمكن منه، وقد يحملهم معه.
وكان لفقر الكثير منهم، يصعب عليهم دفع ديونهم، ويماطلون في الأداء حتى انهم كانوا إذا رأوا الهلال، قالوا: لا مرحبا بمحل الدين ومقرب الآجال. وذلك لأنهم كانوا يتواعدون في دقع الديون على مطالع القمر.
ومما زاد في فقر بعضهم، شرب الخمر والمقامرة. فكان بعضهم يفني ماله في شرب الخمر، "وكان الرجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله فيقعد حزينا سليبا، ينظر إلى ماله في يدي غيره، فكانت تورث بينهم عداوة وبغضا". فعلوا ذلك أملا في التخلص من ألم الفقر والحرمان باللجوء إلى الخمور لطمس ألم الفقر والذل، والى القمار، أملا في الكسب والربح، فزادوا بذلك فقرهم، وعرضوا أنفسهم الى الخسارة.
الوأد
والوأد من ذيول الفقر. وقد جاء ذكره في الاية: "وإذا الموؤودة سئلت: بأي ذنب قتلت". والوأد على ما يذكر علماء التفسير وأهل الأخبار هو دفن الينات وهن أحياء، وذلك خوفا من العار أو لوجود نقص فيها أو مرض، أو قبح كأن تكون زرقاء أو شيماء أو برشاء أو كسحاء وأمثال ذلك، وهي من الصفات التي كان يتشاءم منها العرب، أو خوفا من الفقر والجوع، أو مخافة العار والحاجة.
(1/2592)
ورجع "القرطبي" أسباب الوأد لخصلتين: "إحداهما، كانوا يقولون إن الملائكة بنات الله، فألحقوا البنات به. الثانية، إما مخافة الحاجة والإملاق وإما خوفا من السبي والإسترقاق". وذكر غيره أن سنين شديدة كانت تنزل بالناس تكون قاسية على أكثرهم، ولا سيما على الفقراء، فيأكلون "العلهز" وهو الوبر بالدم، وذلك من شدة الجوع. فهذا الفقر وهذه الفاقة وذلك الإملاق، كل ذلك حملهم على وأد البنات حذر الوقوع في الغواية، فتلحق السبة بأهل البنت وبعشيرتها وقبيلتها. وذكر أيضا أن من جملة أسباب الوأد وجود نقص في الموؤودة أو مرض أو قبح، كأن تكون زرقاء أو شيماء أو برشاء أو كسحاء وامثال ذلك، وهي من الصفات التي كان يتشاءم منها العرب.
وذكر بعض أهل الأخبار، ان بعض العرب كانوا يتشاءمون من البنت الزرقاء أو الشيماء، أو الكسحاء، فكانوا يئدون من البنات من كانت على هذه الصفة، ويمسكون من لم يكن على هذه الصفة. وذكروا ان والد "سودة بنت زهرة" الكاهنة وهي عمة "وهب"، والد "آمنة" أم الرسول، أرسل بها إلى "الحجون" لوأدها، للصفة المذكورة، ثم تركها في قصة يروونها، وصارت كاهنة شهيرة. فسبب الوأد عند هؤلاء، هو هذه العقيدة القائمة على التشاؤم من البنت الزرقاء والشيماء.
ويذكرون انهم كانوا يحفرون حفرة، فإذا ولدت الحامل بنتا ولم يشأ أهلها الاحتفاظ بها رموا بها في الحفرة، أو انهم كانوا يقولون للأم بأن تهيىء ابنتها للوأد وذلك بتطييبها وتزيينها. فإذا زينت وطيبت، أخذها أبوها إلى حفرة يكون قد احتفرها، فيدفعها فيها، ويهيل عليها التراب حتى تستوي الحفرة بالأرض. وذكر أيضا، ان بعضهم كان يغرقها، أو يقوم بذبحها، ليتخلص بهذه الطرق منها.
(1/2593)
وذكر ان الرجل منهم كان إذا ولدت له بنت، فأراد أن يستحييها ألبسها جبة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية، وإن اراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية فيقول لأمها: طيبيها وزينيها حتى أذهب بها احماتها، وقد حفر لها بئرا في الصحراء فيبلغ بها اليئر، فيقول لها انظري فيها ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب، حتى تستوي البئر بالأرض. وروي عن ابن عباس انه قال: كانت الحامل إذا قربت ولادتها حفرت حفرة فمخضت على رأس تلك الحفرة، فإذا ولدت بنتا رمت بها في الحفرة وردت التراب عليها، وإذا ولدت ولدا حبسته. ومنه قول الراجز: سميتها إذ ولدت: تموت والقبر صهر ضامن زميت
الزميت الوقور.
وفاعل العمل هو "الوائد" والبنت المدفونة وهي حية "الموؤودة"، والعادة "الوأد".
ويرجع بعض أهل الأخبار تأريخ الوأد إلى ايام "النعمان بن المنذر" ملك الحيرة، فيقولون إن "بني تميم" منعوا الملك ضريبة الاتاوة الني كانت عليهم فجرد الملك حملة عليهم كان اكثر رجالها من بني بكر بن وائل، أوقعت بهم وسبت ذراريهم. فلما ارضوا الملك وكلموه في الذراري، " حكم النعمان بأن يجعل الخيار في ذلك إلى النساء، فأية امرأة اختارت زوجها،رد ت عليه، فاختلفن في الخيار. وكانت فيهن بنت لقيس بن عاصم المنقري،فاختارت سابيها على زوجها، فنذر قيس بن عاصم أن يدس كل بنت تولد في التراب، فوأد بضع عشرة بنتا. وبصنيع قيس بن عاصم وايجاده هذه السنة نزل القرآن في ذم، وأد البنات. ورجع بعض الأخباريين الوأد إلى قبيلة ربيعة. زعموا أن بنتا لرئيسها وسيدها وقعت أسيرة في أيدي قبيلة أغارت عليها: فلما عقد الصلح، لم تشأ البنت العودة إلى بيتها، فاختارت بيت آسرها، فغضب رئيس ربيعة لذلك، واستن هذه السنة، وقلدته بقية العرب حتى فشت بين القبائل، وهي رواية قريبة في مضمونها وفي فكرتها من الرواية الأولى. والفرق بين الروايتين هو في تسمية القبيلة والأشخاص.
(1/2594)
وورد أن "قيس بن عاصم" التميمي، جاء إلى النبي، فقال: إني وأدت ثماني بنات في الجاهلية. قال فأعتق عن كل واحدة منهن بدنة. أو: فأعتق عن كل واحدة منهن رقبة.
ويذكر الأخباريون أن "الوأد كان مستعملا في قبائل العرب قاطبة، فكان يستعمله واحد ويتركه عشرة فجاء الإسلام، وقد قل ذلك فيها إلا من بني تميم، فإنهم تزايد فيهم ذلك قبيل الإسلام". وقبيلة كندة وقيس وهذيل وأسد وبكر ابن وائل من القبائل التي عرف فيها الوأد، وخزاعة، وكنانة، ومضر، واشدهم في هذا تميم زعموا خوف القهر عليهم، وطمع غير الاكفاء فيهن. وذكربعض أهل الأخبار ان الوأد كان في تميم، منهم انتقل الى غيرهم. وقيل: إنه كان في تميم، وقيس، وأسد، وهذيل، وبكر بن وائل، وهم من مضر. فهي عادة تفشت في قبائل مضر خاصة. وقيل إنها كانت في غير مضر كذلك. وذكر انها كانت في ربيعة ومضر، اي في العرب الذين تغلبت الأعرابية على حياتهم.
وذكر "عكرمة" في تفسير الآية: "قد خسر الذين قتلوا اولادهم سفها بغير علم"، انها نزلت فيمن يئد البنات من ربيعة ومضر. كان الرجل يشترط على امرأته، ان تستحي جارية وتئد اخرى. فإذا كانت الجارية التي توأد غدا الرجل أو راح من عند امرأته، وقال لها: انت علي كظهر امي إن رجعت اليك ولم تئديها، فتخد لها في الأرض خد ا وترسل إلى نسائها فيجتمعن عندها، ثم يتداولنها حتى إذا ابصرته راجعا دستها في حفرتها ثم سوت عليها التراب".
(1/2595)
اما ان اول من سن الوأد في العرب، هو "قيس بن عاصم المنقري"، للسبب المذكور، فدعوى من الدعاوى المألوفة عن اهل الأخبار، وقصة من القصص الذي كانوا يضعونه احيانا حين يقفون عند امر غريب عليهم، ليس لهم علم به، فكانوا يوجدون قصصا في تفسيره وتعليله، وقفنا على كثير منه. والظاهر ان وأد "قيس" لبنات من بناته، ووجوده في تميم خاصة بعد ان خف عند بقية العرب، حمل اصحاب الأخبار على ارجاع اصله واساسه إلى "قيس"، مع انهم يذ كرون حوادث عن الوأد، مثل ما ذكروه عن "سودة بنت زهرة " الكاهنة، تتقدم في الزمن على "قيس". والوأد عند العرب اقدم منه، وربما يعود الى ما قبل الميلاد. وفي القرآن الكريم: "وإذا بشر احدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به. أيمسكه على هون ام يدسه في التراب ? ألا ساء ما يحكمون". وفي هذه الآية وصف للحالة النفسية التي كانت تعتور الأب عند إخباره بميلاد بنت له، وشرح لبعض الأسباب التي كانت تحمل الآباء على وأد البنات. ويروى إن بعض الجاهلية يتوارى في حالة الطلق، فإن أخبر بذكر ابتهج أو بأنثى حزن، وبقي متواريا ايامأ يدبر ما يصنع أيتركه ويربيه على ذل، ام يدسه في التراب، بأن يئده ويدفنه حيا حتى يموت، ام يهلكه بأمر آخر، بأن يلقيه من شاهق. روي ان رجلا قال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما اجد حلاوة الإسلام منذ اسلمت. وقد كانت لي في الجاهلية بنت وأمرت امرأتي ان تزينها وأخرجتها فلما انتهيت إلى واد بجد القعر ألقيتها، فقالت: يا ابت قتلتني ! فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء. فقال الرسول: ما في الجاهلية فقد هدمه الإسلام، وما في الإسلام يهدمه الأستغفار. وكان بعضهم يغرقها وبعضهم يذبحها.
(1/2596)
وقد ذكر العلماء في تفسيرهم: " وقالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا. وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء، سيجزيهم وصفهم، إنه حكيم عليم. قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم، وحرموا ما رزقهم الله إفتراء على الله. قد ضلوا وماكانوا مهتدين". أن الله " أخبر بخسرانهم لوأدهم البنات وتحريمهم البحيرة وغيرها بعقولهم، فقتلوا أولادهم سفها خوف الإملاق، وحجروا على أنفسهم في أموالهم ولم يخشوا الإملاق، فأبان ذلك عن تناقض رأيهم".
(1/2597)
قال "القرطبي": "إنه كان من العرب من يقتل ولده خشية الإملاق، كما ذكر الله عز وجل في غير هذا الموضع. وكان منهم من يقتله سفها بغيرحجة منهم في قتلهم، وهم ربيعة ومضر، كانوا يقتلون بناتهم لأجل الحمية. ومنهم من يقول: الملائكة بنات الله، فألحقوا البنات بالبنات. وروي أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لا يزال مغتما بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالك تكون محزونا ? فقال: يا رسول الله، إني أذنبت ذنبا في الجاهلية فأخاف ألا يغفره الله لي وإن أسلمت. فقال له: أخبرني عن ذنبك: فقال: يا رسول الله، إني كنت من الذين يقتلون بناتهم، فولدت لي بنت فتشفعت إلي امرأتي ان اتركها فتركتها حتى كبرت وادركت، وصارت من اجمل النساء فخطبوها، فدخلتني الحمية ولم يحتمل قلبي ان ازوجها أو اتركها في الييت بغير زواج.، فقلت للمرأة: إني اريد ان اذهب إلى قبيلة كذا وكذا في زيارة اقربائي فابعثيها معي، فسرت بذلك وزينتها بالثياب والحلي، واخذت علي المواثيق بألا اخونها، فذهبت إلى رأس بئر فنظرت في البئر ففطنت الجارية إني اريد ان ألقيها في البئر فالتزمتني، وجعلت تبكي، وتقول: يا ابت ايش تريد ان تفعل بي ? فرحمتها، ثم نظرت في البئر فدخلت علي الحمية، ثم التزمتني وجعلت تقول: يا ابت لا تضيع امانة أمي ! فجعلت مرة انظر في البئر ومرة انظر اليها فأرحمها حتى غلبنى الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة، وهي تنادي في البئر: يا ابت، قتلتني. فمكثت هناك حتى انقطع صوتها فرجعت. فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه، وقال: لو امرت ان اعاقب احدا بما فعل في الجاهلية لعاقبتك ".
(1/2598)
فالفاقة والحمية واعتقاد بعض منهم ان الملائكة بنات ال له، فيجب إلحاق البنات بالبنات، هي عوامل دفعت بالعرب إلى الوأد. فهي بين عامل اقتصادي نص عليه في القران الكريم، وعامل اجتماعي، هو الحمية، وخشية لحوق العار بالانسان من السبي والغارات وعامل ديني، يرجع إلى رأي في دين. لقد تعرض "قتادة" إلى قوله تعالى: "قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم" فقال: "هذا صنيع أهل الجاهلية كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السباء. والفاقة ويغذو كلبه. وقوله: وحرموا ما رزقهم الله... الآية وهم أهل الجاهلية جعلوا بحيرة وسائبة ووصيلة وحاميا تحكما من الشياطين في أموالهم". ولكن أغلب الوأد هو عن العامل الأول، وهو الخشية من العيلة والفقر والإملاق. وهو ما نص عليه في الآيات المتعلقة بالوأد وبقتل الأولاد. وورد أن الجاهلية كانوا يدفنون البنات وهن أحياء. خصوصا كندة، خوف العار، أو خوف الفقر والإملاق.
ومن النساء من تكون خصبة في ولادة البنات، فيجلب لها هذا الخصب هجر زوجها لها وفراره منها ومن رؤية بناته. يحدثنا الأصمعي أن امرأة ولدت لرجل بنتا سمتها الذلفاء، فكانت هذه البنت سببا في هرب الرجل من البيت، فقالت: ما لأبي الذلفاء لا يأتينا يظل في البيت الذي يلينا?
يحرد أن لانلد البنينا وإنما نأخذ ما يعطينا
ومثل تلك المرأة المسكينة كثير من النساء هجرهن أزواجهن لكثرة ماكن يلدن لهم من البنات، ولسان حالهن يكرر كلمات أم الذلفاء.
وبمكة جبل يقال له " أبو دلامة " كانت قريش تئد فيه البنات. وذكرأن هذا الجبل يطل على "الحجون". وقيل كان الحجون هو الذي يقال له: أبو دلامة.
(1/2599)
وورد في القرآن الكريم ما يشير إلى قتل بعض الجاهليين أولادهم خشية الإملاق وخوف الفقر. وهم الفقراء من بعض قبائل العرب وفيهم نزلت الآيات: "ولا تقتلوا اولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم، إن قتلهم كان خطئا كبيرا". و "كذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم. ولو شاء الله، ما فعلوه، فذرهم وما يفترون". و "قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم، وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله، قد ضلوا، وما كانوا مهتدين". و " قل: تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم، ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا، ولا تقتلوا اولادكم من إملاق، نحن نرزقكم وإياهم". وظاهر لفظ الآيات النهي عن جميع أنواع قتل الأولاد ذكورا كانوا أو اناثا مخافة الفقر والفاقة.
وذكر ان المراد من كلمة "اولادكم" البنات، وان المقصود بذلك الوأد.
أي وأد البنات، لا قتل الأبناء. وذهب بعض العلماء إلى ان المراد بها الأولاد ذكورا كانوا أو اناثا. "فقد كان الرجل في الجاهلية يحلف بالله لئن ولد له كذا وكذا غلاما لينحرن احدهم، كما فعله عبد المطلب حين نذر ذبح ولده عبدالله". فنحن أمام هذه الآيات تجاه موضوعين: وأد البنات وقتل الأولاد الذكور عند الجاهليين. وأد البنات للاسباب المذكورة الواردة في كتب التفسير والحديث، وقتل الأولاد للاسباب المذكورة في تلك الكتب أيضا، وفي كلتا الحالتين نتيجة واحدة، هي القضاء على حياة انسان.
وقتل الأولاد الذكور عند الجاهليين هو أقل استعمالا من وأد البنات بكثير. ويظهر انه كان عن عامل ديني في الأغلب، كما يتبين ذلك من قصة إقدام عبد المطلب على قتل ابنه عبدالله بسبب النذر الذي أخذه على نفسه على ما جاء في روايات اهل الأخبار.
(1/2600)
وهذا العامل هو الذي يفسر ما جاء في التوراة عن اقدام ابراهيم على ذبح ابنه، ويشير الى وجود هذه العادة عند الإسرائيليين. وسبب قلة قتل الأولاد بالقياس إلى وأد البنات أن الولد عنصر مهم في الحياة الاقتصادية وفي الحياة الاجتماعية حيث يكون عدة لوالده ولأهله وعشيرته في الحروب، ثم أن أسره في الحروب لا يعد شائنا مثل أسر البنات. والمرأة بالأسر تكون فريسة للآسرين. والمرأة ليست قادرة كالرجل على اعاشة نفسها وغيرها ولا على الغزو، ولذلك صارت البنت هدفأ للوأد أكثر من الذكر.
وقد تأثر بعض ذوي القلوب الرقيقة من عادة "وأد البنات"، وسعوا لإبطالها. وكان بعض الموسرين منهم يفتدي البنات من القتل بدفع تعويض إلى أهلهن، وأخذهن لتربيتهن. فكان "صعصعة بن ناجية" جد الفرزدق الشاعر المعروف، ومن أشراف تميم، يشتري البنات ويفديهن من القتل كل بنت بناقتين عشراوين وجمل. فجاء الإسلام وعنده ثلاثون موؤودة. وذكر أنه فدى اربعمائة جارية، وقيل ثلاثمائة جارية من الجاهلية حتى مجيء الإسلام. وذكر على لسان الفرزدق أنه قال: "أحيا جدي اثنتين وتسعين موؤودة". وأنه منع الوئيد في الجاهلية فلم يدع تميما تئد وهو يقدر على ذلك. وذكر أنه قال للرسول إنه اشترى "280" موؤودة، دفع عن كل واحدة منهن ناقتين عشراوين وجملا. وأنه كان لا يسمع بموؤودة يراد وأدها، وهو يتمكن من احيائها، الا جاء والدها ففداها، وأنه سأل قومه في ترك الواد، فخفف بذلك منه. وعد ذلك مكرمة ما سبقه اليها أحد من العرب.
والى "صعصعة بن ناجية"، أشار الشاعر "الفرزدق"، مفتخرا به في شعره، إذ قال: وجدي الذي منع الوائدات وأحيا الوئيد فلم يوأد
وله أشعار اخرى في هذا المعنى.
وكان "عمرو بن نفيل" يحيي الموؤودة لأجل الإملاق. يقول للرجل إذا أراد ان يفعل ذلك: لا تفعل ! أنا أكفيك مؤونتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها اليك، وإن شئت كفيتك مؤونتها.
(1/2601)
وذكر "القرطبي" في تفسير الاية: "ويجعلون لله البنات، سبحانه ولهم ما يشتهون. وإذا بشر احدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم" انها "نزلت في خزاعة وكنانة، فإنهم زعموا أن الملائكة بنات الله، فكانوا يقولون ألحقوا البنات بالبنات". فنسب فعلهم الوأد الى هذه العقيدة.
ولست استبعد ما ذكره اهل الأخبار من وجود دافع ديني حمل الجاهيين على قتل الأولاد وعلى الوأد، بأن يكون ذلك من بقايا الشعائر الدينية التي كانت في القديم، وتقديم الضحايا البشرية إلى الآلهة لخير المجتمع وسلامته، وإرضاء الآلهة هي شعيرة من الشعائر الدينية المعروفة. فليس بمستبعد ان الوأد والقتل من بقايا تلك الشعائر، والغريب في الوأد انه يكون بالدفن، بينما العادة في الضحايا التي تقدم إلى الآلهة ان تكون بالذبح أو بالطعن وبأمثال ذلك، كي يسيل الدم من الضحية، والدم هو الغاية من كل ضحية،لأنه الجزء المهم من الضحايا المخصص بالآلهة. وعلى الجملة إن الوأد هو نوع ايضا من القتل، وذبح الأولاد وتقديمهم قرابين إلى الآلهة Infantcide، عبادة معروفة عند امم اخرى كانت تمارسها لترضي بذلك الآلهة وتجيب مطالبها.
وعد من ا الوأد "العز ل"، وهو ان يعتزل الرجل امرأته لئلا تنجب له أولادا. وقد عرف في الإسلام ب "الوأد الخفي" وب "الوأد الأصغر ".
(1/2602)
سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل فقال: ذلك "الوأد الخفي"، وفي حديث آخر "تلك الموؤودة الصغرى". وقد بحث عنه في كتب الفقه والتفسير. وروي ان رسول الله قال في ناس: " لقد هممت ان أنهى عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم في يغيلون اولادهم، ولا يضر اولادهم ذلك في شيئا، ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك إلوأد الخفي وهو الموؤودة سئلت. والغيلة إذا اتيت إمرأة وهي ترضع ولدها، وكذلك إذا حملت امه وهي ترضعه. وقد جعل الحديث "العزل" عن المرأة بمنزلة الوأد إلا انه خفي، لأن من يعزل عن امرأته انما يعزل هربا من الولد. ولذلك سماها الموؤودة الصغرى، لأن وأد البنات الأحياء الموؤودة الكبرى.
ولم ينفرد العرب بقتل الأولاد وبوأد البنات، بل تجد ذلك عند غيرهم من الشعوب كذلك، مثل المصريين واليونان والرومان وشعوب استرالية، أما العوامل التي حملت اؤلمك الشعوب عليها فهي عديدة،.منها عوامل دينية مثل الإعتقاد بحلول الأرواح، ومنها اقتصادية كالخشية من الفقر، ومنها ما يتعلق بالصحة كأن يكون المولود ضعيفا فيقضي عليه الوالدان.
ومن ذيول الفقر وسوء الأوضاع الاقتصادية، انتشار اللصويية والاعتداء على أموال الناس، وابتزازها وقطع الطرق وسلب الناس. وما الذي يفعله الفقير والمحتاج ومن له منعة في الجسم وضعف فى شديد في الجيب لاعاشة نفسه وأهله غير اللجوء الى هذه الطرق في الحصول على لقمة العيش، إن لم يجد له وسيلة كسب أخرى ? واللص، هو السارق. وذكر إن اللفظة من لغة طيء وبعض الأنصار. وتقابل Listis في اليونانية، بمعنى السارق. لذالك ذهب البعض الى أنها من هذا الأصل.
ونظرا لتستر اللص في حرفته، وممارسته لها بتكتم وحذر خوفا من الفضيحة والقبض عليه مارس عمله بالليل في الغالب، حيث يرقد الناس. مارسه بخفة ومهارة، فكنى عنه بكنى منها: "ابن الليل"، و "ابن إلطريق"، لأنه يمارس اللصوصية بالليل وعلى الطرق.
(1/2603)
ويقال لمن يسرق الدراهم بين أصابعه "القفاف". يقال: "قف الصيرفي قفوفا"، بمعنى سرق الدراهم بين أصابعه. وأظن أن هذا الاستعمال استعمال مولد، ولد في الإسلام.
ويعبر عن السطو والاستيلاء عنوة وعن سرقة أموال الناس، بتعابير أخرى في اللغات العربيه الجنوبية، منها "خرط"، بمعنى سرق، و "حلص"، بمعنى سرق ونهب وسلب، وكل ما يؤخذ حيلة وسرقة.
وتعد السرقة عيبا عند العرب،لأنها تكون دون علم صاحب المسروق وبمغافلته. والمغافلة والاستيلاء على شيء من دون علم صاحبه عيب عندهم، وفيه جبن ونذالة. أما الاستيلاء على شيء عنوة وباستخدام القوة، فلا يعد نقصا عندهم ولا شينا ولا يعد سرقة، لأن السالب قد استعمل حق القوة، فأخذه بيده من صاحب المال المسلوب. فليس في عمله جبن ولا غدر ولا خيانة.لذلك فرقوا بين لفظة "سرق" وبين الألفاط الأخرى التي تعني أخذ مال الغير، ولكن من غير تستر ولا تحايل. فقالوا: " السارق عند العرب من جاء مستترا إلى حرز، فأخذ مالا لغيره. فإن أخذه من ظاهر، فهو مختلس ومستلب ومنتهب ومحترس فإن منع ما في يده، فهو غاصب.
ولم تعد "الغارة" سرقة ولا عملا مشينا يلحق الشين والسبة بمن يقوم به. بل افتخر بالغارات وعد المكثر منها "مغوارا". لما فيها من جرأة وشجاعة وإقدام وتكون الغارة بالخيل في الغالب، ولذلك قال علم اللغة: " أغار على القوم غارة وإغارة دفع عليهم الخيل " . وقد عاش قوم على الغارات، كانوا يغيرون على أحياء العرب، ويأخذون ما تقع أيديهم عليه، ومن هؤلاء "عروة بن الورد "، إذ كان يغير بمن معه على أحياء العرب، فيأخذ ما يجده أمامه، ليرزق به نفسه وأصحابه. بعد أن انقطعت بهم سبل المعيشة، وضاقت بهم الدنيا. فاختاروا الغارات والتعرض للقوافل سببا من أسباب المعيشة والرزق. وذكر أهل الأخبار أسماء رجال عاشوا على الغارات وعلى التربص للمسافرين لسلب ما يحملونه معهم من مال ومتاع.
الأفراح
(1/2604)
الأفراح، عامة أو خاصة. فمن الأفراح العامة، الأعياد والمناسبات المماثلة، مثل انتصار في حرب وغزو أو تولي ملك عرشا أو سيد رئاسة قبيلة. ومن الخاصة، الزواج والبرء من مرض، والعود من سفر، وأمثال ذلك.
ولما كان العرب في جاهليتهم قبائل وشيعا وكان الاتصال بينهم صعبا، صارت أعيادهم كثيرة غير متفقة في زمان أو مكان، ذات صفة محلية، لا يشترك فيها كل عرب جزيرة العرب. وهي مرتبطة بالأصنام في الغالب وبالمواسم التجارية التي تتجلى في انعقاد الأسواق.
ولذلك، فأنا حين أتحدث عن اعياد اهل الجاهلية فلن أستطيع أن آتي باسم عيد واحد، أقول إن جميع العرب كانوا يعيدون ويفرحون جميعهم به، لما ذكرته من انقسام الجاهليين الى قبائل وشيع وعدم وجود دين واحد لهم، يجمع شملهم. والدين من اهم العوامل المساعدة لظهور الأعياد وجكمع شمل المؤمنين به للاحتفال بها. ولذلك فأعياد الجاهليين هي اعياد موضعية تعيد قبيلة أو مدينة أو مملكة بعيد، ولا يعرف عنه بقية العرب اي شيء. أما اعياد اليهود والنصارى والعرب فأمرها أمر آخر، لأن اليهودية والنصرانية قد حددتا تأريخا ثابتا للاعياد فيها، فصارت معروفة عند أتباع الديانتين يحتفلون بها في الأجل الموقوت.
وكان الحج إلى مكة من أهم مواسم العرب في الحجاز، وهو عيد، يجتمع فيه الناس من مختلف القبائل ومختلف الأماكن للتقرب إلى الأصنام وللتلاقي في ظروف أمن وسلام لا يحل فيها قتال ولا اعتداء ولا لغو ولا فحش. ويقوم اهل مكة بخدمة الوافدين الضيوف، ضيوف "البيت"، وتمر ايام خالية من غدر واعتدأء وقتل وأخذ بثأر يلبس فيها الناس خير ما عندهم من لباس ويتجلون بأحسن صورة. فإذا انتهت إلأيام عادوا إلى ديارهم.
(1/2605)
وذكر انه كان لأهل "يثرب" يومان يعيدون فيهما، يلعبون فيهما ويستأنسون، هما: النيروز، والمهرجان. فلما قدم الرسول المدينة أبدلهما بيوم الفطر والأضحى. والظاهر ان اليثربيين أخذوا عيديهما المذكورين من الفرس، "النيروز" عيد شهير من اعياد الفرس من اصل "نو" بعنى جديد و "روز" بمعنى يوم، أي أول يوم من السنة الإيرانية الشمسية. وأما "المهرجان"، فإنه عيد من أعياد الفرس كذلك، يعيد به في الشهر السابع من شهورهم الشمسية. وهو شهر "مهر" "مهرمأه"، ويدعى العيد "مهركان". وقد بقي الفرس يحتفلون به في الإسلام، حتى زماننا هذا، وورد ذكره في الأشعأر.
ولم يذكر أهل الأخبار كيف عيد أهل "يثرب" بهذين العيدين اللذين هما من أعياد الفرس. ولا ما هي صلتهم بهما.
وذكر أهل الأخبار عيدا سموه "يوم السبع"، قالوا إنه عيد كان لهم في الجاهلية، يشتغلون فيه بلهوهم وعيدهم من حكل شيء ولم يتحدثوا بشيء مفصل عنه، ولم يذكروا أنه عيد من.
وورد في بيت شعر للنابغة اسم عيد دعاه "السباسب"، وقد ذكر أهل الأخبار أنه كان عيدا لقوم من العرب في الجاهلية وكانوا يحيون فيه بالريحان.
رقاق النعال، طيب حجزاتهم يحيون بالريحان يوم السباسب
وهو في الواقع عيد من أعياد النصارى، كما أشار إلى ذلك أهل، الأخبار. إذ ذكروا أنه "عيد للنصارى ويسمونه يوم " الشعانين" وقد كان هذا ألعيد معروفا في الحجار أيضا، ورد في الحديث " إن الله تعالى أبدلكم بيوم السباسب يوم العيد ". وإذا صح ورود هذا الحديث عن الرسول، كان ذاك دليلا على أن أهل مكة كانوا قد عرفوا هذا العيد وعيدوه وربما كانوا أخذوه عن النصرانية.
(1/2606)
ولم ترد في نصوص المسند إشارات الى أعياد العرب الجنوبيين ولم ترد اشارات إلى الأعياد في النصوص الثمودية أو اللحيانية أو الصفوية. لذلك لا أستطيع أن أتحدث عن العيد عند العرب الجنوبيين أو اللحيانيين أو الصفويين أو قوم ثمود. وقد اشار بعض الكتبة "الكلاسيكيين" إلى تعييد النبط وعرب اعالي الحجاز واحتفائهم فيها بأصنامهم وحجهم إلى معابدهم، إلا انهم لم يسموا تلك الأعياد بأسمائها.
وقد عيد يهود جزيرة العرب بأعيادهم ايضا. وكانوا يحافظون عليها، لأنها في عقيدتهم عمل من الأعمال الدينية. ولم يكونوا يشتغلون فيها، إذ يرون في الخروج عليها خروجا على الدين الذي منعهم من الاشتغال في ايام السبت والأعياد وحتم عليهم وجوب مراعاة حرمة تلك الأيام مراعاة تامة.
ومن اعياد اليهود الني عرفها الجاهليون عيد رأس السنة، وعيد الصوم الكبير"الكبور"، و "عيد المظال" واعياد اخرى.
أما العرب النصارى، فقد عيدوا بأعيادهم الدينية، واحتفلوا بها، وفي المواضع التي كانت فيها جماعة كبيرة منهم كانت احتفالاتهم بها اوضح وأفرح. وفي الحيرة، جيث تفشت النصرانية وانتشرت، كان الناس يتزينون ويتجملون ويلبسون أحسن ما عندهم من حلل في ايام أعيادهم، مثل "عيد السعانين" "عيد الشعانين"، ويحتفلون في البيع والكنائس، والأديرة فرحأ بذكرى العيد، ويخرجون بصلبانهم.
وذكر ان "يوم السعانين" "يوم الشعانين"، هو "يوم السباسب"، العيد الذي مر ذكره، وقد كان من أعياد النصارى. وقد اشتقت كلمة "السعانن" "الشعانين" من العبرانية، أخذت من لفظة "هوشعنا"، التي كان يتهلل بها اليهود أمام المسيح. و "السباسب": الأغصان، يريدون منها سعف النخيل الذي قطعه اليهود يوم استقبلوا المسيح في دخوله أورشليم.
وذكر أن "الهنزمر"، و "الهنزمن" " و "الهيزمن"، -كلها: عيد من أعياد النصارى أو سائر العجم، وهي أعجمية. قال الأعشى: إذا كان هنزمن وروحت مخشما
(1/2607)
واشتهر "عيد الفصح"، وهو عيد فطر النصارى، إذا أفطروا وأكلوا اللحم. وقد أشار اليه الأعشى بقوله: بهم تقرب يوم الفصح ضاحية يرجو الإله بما سدى وما صنعا
وذكر العلماء اسم عيد آخر من أعياد النصارى دعوه "السلاق"، ذكروا أنه مشتق من تسلق المسيح الى السماء. والكلمة من أصل إرمي، هو Souloqoبمعنى صعود. وقصد به عيد صعود المسيح اك ألى السماء.
وللنصارى عيد آخر اسمه "خميس الفصح"، وعرف أيضا ب "خميس العهد".
وقد احتفل به نصارى الحيرة. وذكر علماء اللغة أن للنصارى عيدا من أعيادهم اسمه "دنح"، وتكلمت به العرب. وهو من أصل إرمي هو "دنحو"، بمعنى اشراق وظهور. ويراد به "عيد الغطاس".
وتضاف اليها الأعياد المحلية، التي كان يحتفل فيها بأيام القديسن. فقد كان الغساسنة يحتفلون مثلا في الرصافة بعيد "القديس سرجيوس". وكان لنصارى العراق أعيادهم الخاصة بهم جسب مذاهبهم. يكرسونها تخليدا لذكرى قديسيهم.
وقد اشتهر النصارى بين الجإهليين وفي الإسلام بمحافظتهم على أعيادهم حتى ضربوا المثل بأعياد النصارى. فقال العجاج: واعتاد أرباضا لها آري كما يعود العيد نصراني
والعادة - كما هو شأن كل الأمم - أن يتزين في أيام الأعياد بأحسن اثياب والملابس المفتخرة والحلل المثمنة والبرود المعجبة، وأن يظهر الشبان مقدراتهم وبراعتهم في التسابق على الخيل وفي الألعاب وفي الظهور أمام النساء، ويلعب الصبيان أنواعا من الملاعب، وان يتغنى ويزمر بالدفوف والمزاهر وأمثال ذلك، لتكسب الأيام بهجتها وروعتها. وكان من عادة أشراف الحيرة اللعب على الخيل بالصوالجة، وذللك على طريقة العجم.
وقد يخضب الرجال والنساء أيديههم بالخضاب، ولا سيما "الحناء". ولكن هذا النوع من إظهار القرح والسرور، غالب في الأعراس وفي الختان، حيث تولم الولائم وتقام الأفراح، ويخضب بالحناء.
اللعب في العيد
(1/2608)
ومما كان يتلهى به المعيدون ويتسلون به، الغناء، واللعب بمختلف أنواعه. وفي جملته استخدام السودان للعب بلعبتهم الشهيرة لعبة الدرق والحراب. وقد برع في الغناء نساء ورجال. وذكر ان أهل "يثرب" كانوا اهل طرب وكانوا يحبون الغناء، وانهم استخدموا "الحبش" للضرب على الدف والغناء في ايام آلأعياد. وقد كانوا يلعبون في المسجد بالدرق والحراب ولم بنههم الرسول عن ذلك، لأن اللعب كان في ايام العيد. وقد غنت جاريتان ل "عائشة" بإنشاد العرب بغناء بعاث،كما أذن الرسول للسودان باللعب في مسجده في الحراب والدرق، ونشطهم بقوله: "يا بني أرفدة".
الغناء
وطرب الأعراب، طرب ساذج يتناسب مع طبيعة بيئانهم، وكذلك كان غناؤهم غير معقد ولا متنوع. أما طرب أهل الحضر، فكان أكثر تعقيداوتفننا ولا سيما طرب أهل، الحضر الساكنين في ريف العراق وفي بلاد الشام، وعند أهل اليمن، فاستعملوا آلات طرب متعددة، أخذوا بعضها من ألاعاجم الذين اتصلوا بهم، كما أخذوا من أولئك الأقوام ألوانا من ألوان الغناء وفنونه. هذا الاختلاف لا بد أن يقع،لاختلاف أهل الوبر وأهل المدر في البيئات، وفي الطباع والعادات.
- وللشعر علاقة كبيرة بالغناء. فالغناء هو التغني بالشعر. ولذلك قالوا: تغنى بالشعر، وفلان يتغنى بفلانة إذا صنع فيها شعرا، وله علاقة بالحداء أيضا. قالوا: حدا به، إذا عمل فيه شعرا. فالغناء نغم ووزن ويكون لذلك بكلام موزون. وهو الشعر الذي يناسب نغم الغناء. أما النثر، فلا يناسب طبعه طبع الغناء. ويكون بينهما جفاء. إذ لا يستقيم النثر العربي مع الوزن دائما. لذلك فلا يمكن للمغني أن يغني به. قال "الجاحظ": العرب تقطع الألحان الموزونة وألعجم تمطط الألفاظ فتقبض وتبسط حتى تدخل في الوزن اللحن، نتضع موزونا على غير موزون. وذكر أن الغناء من الصوت ما طرب به.
(1/2609)
وذكر أهل الأخبار أن الجاهليين كانوا يستمعون إلى القيان. وأن فارس كانت تعد الغناء أدبا والروم فلسفة. وأن الملوك العرب كانوا يملكون القيان أيضا. ومنهم أشراف مكة وعلى رأسهم "عبدالله بن جدعان".
وقد عرف غناء أهل البادية ب "غناء الأعراب"، وذلك لاختلافه عن غناء الحضر.
فكان لأهل الحيرة مزاج في الغناء نختلف عن مزاج أهل البادية، بل حتى عن مزاج غيرهم من الحضر، وذلك للظروف الخاصة الني تحيط بهم، مثل اختلاطهم يالفرس، ووجود النصرانية والمؤئرات اليونانية فيما بينهم. وقد كان في كنائس العباديين نصارى الحيرة، تراتيل وترانيم، وهي بالطبع نوع من الغذاء الروحي وقد كان عندهم خمرتبعث على الانشراح واللأنبساط، وأديرة مزدانة بالخضرة والرياحين والأزهار، وفيها ماء طيب وغناء ران وراهبات، فلا عجب إن طرب سكافها وتفننوا في غنائهم وتميزوا به عن بقية الغناء ائعربي، حتى قيل له: غناء أهل الحيرة، وقد ذكر: انه بين الهزج والنصب، وهو إلى النصب أقرب، كما كانت لهم لغة امتازت عن لغات العرب الاخرين غنوا بها، فأكتسب غناؤهم طابعا حيريا خاصا.
ومن مرادفات الغناء "السمود " بلغة حمير. وقيل السمود اللهو وبصورة خاصة الغناء.
وللفقهاء في الإسلام آراء في قراءة القرآن. منهم من جو ز قراءته بالألحان ومنهم من جوز قراءته بالرجيع، وغير ذلك. والترجيع ترديد الصوت في الحلق في قراءة أو غناء أو زمر أو غير ذلك مما يترنم به. وقيل الترجيم هو تقارب ضروب الحركات في الصوت.
وأما "العزف" فالملاهي، واللعب بالمعازف، وهي الدفوف وغيرها مما يضرب. والعازف اللاعب بها والمغني، وعزف الدف صوته. والمعزف، ضرب من الطنابير يتخذه أهل اليمن وغيرهم، ويجعل العود معزوفا.
(1/2610)
ويعبر عن الاستماع إلى الغناء والإنصات لصوت المغني ب "السماع". ويحدث السماع طربا في النفس. وقد صار للكلمة معنى خاص في الإسلام، إذ حولت الى سماع الترانيم الدينية في الغالب، لذللك لم ينظر اليه نظرة الناس إلى الغناء.
وتغنى أهل الجاهلية في كل المناسبات المبهجة، وضربوا على آلات الطرب.ومن هذه المناسبات الزواج والعودة من الأسفار، كما كانوا ينذرون أنه إن تحقق مطلب لهم فإفهم يقيمون مجلس طرب يتغنى فيه: كمناسبة شفاء من مرض أوعودة من حرب.وكان شبان مكة يذهبون الى السمر ويلهون بسماع الغناء وبالضرب على الدفوف والاستماع إلى تزمير المزمار. كما اسعمل الغناء في الغزو، وذلك لتنشيط الغازين وتحريضهم على القتال. ومن هذا القبيل ما يرتجز به الشجعان عند اللقاء في الحرب. واستعمل في الختان وفي العقيقة والولائم.
آلات الطرب
والات الطرب عند العرب ثلاثة: الات ذات أوتار كالعود وآلات نفخ، وآلات ضرب كالصنوج والطبل الدف.
والطرب: الفرح والحزن وهو ضد، أو هو خفة تلحقك سواء تسرك أو تحزنك. فهي تعتري عند شدة الفرح أو الحزن أو الغم. والتطريب التغني. ويقال طرب فلان في غنائه تطريبا إذا رجع صوته وزينه.
والدف من آلات الطرب القديمة المشهورة ويستعمل. للتعبر عن العواطف في الفرح والسرور. وهو معروف عند الساميين ويسمى "توف" "تف" toph عند العبرانيين. وقد ورد ذكره في التوراة. وتنقر به النساء أيضا. وقد كان شائعا عند العرب، ينقرون به في أفراحهم. ولما وصل الرسول إلى يثرب، استقبل بفرح عظيم وبالغناء وبنقر الدفوف. وأكثر ما استعمله العرب في المناسبات المفرحة، كالنكاح. ورافقوا الضرب به أصوات الغناء.
وقدا وردت في الشعر الجاهلي أسماء آلات طرب عرفت في ذلك العهد، فورد في شعر للاعشى: الناي، والبربط، والصنح، وهي آلات عرفت عند الفرس. وقد دعي "الناي" ب "ناي نرم".
والناي نرم وبربط ذي بحة والصنج يبكي شجوه أن يوضعا
(1/2611)
وقد ذكر الجواليقي ان الربط معرب، وهو من ملاهي العجم، شبه بصدر البط. والصدر بالفارسية "بر"، فقيل بربط. وقد ورد في العقد الفريد: "العود الكران. والمز هر أيضا هو العود، وهو البربط". والبربط من آلات الملاهي المشهورة عند الروم.
وعرف الجواليقي "الصنج" فقال: "والصنج الذي تعرفه العرب هو الذي يتخذ من صفر، يضرب أحدهما بالاخر... فأما الصنج ذو الأوتار، فتختص به العجم، وهما معربان. وسموا الأعشى "صناجة العرب" لجودة شعره. وذكر أن اللاعب بالصنج هو "الصناج أ و "الصناجة".
وجاء الأعشى باسم ألة طرب أخرى من ألات الملاهي عند العجم، دعاها "الون": بالجلسان وطيب أردانه بالون يضرب لي يكرالإصبعا
ويظهر من هذا البيت أن الون آلة طرب ذات أوتار،يضرب عليها بالأصابع. وقد ذكر بعض العلماء أن الون: "الصنج الذي يضرب بالأصابع وهو الونج، كلاهما دخيل مشتق من كلام العجم". وعرف بعضهم "الونج" بأنه "المعزف أو العود، فارسي معرب. وأصله بالفارسية و نه. وقد تكلمت به العرب. ومنهم من جعل "الون "" و "الونج" شيئا واحدا.
ويذكر علماء اللغة أن "العرطبة" هي اسم للعود، وقيل: الطبل، وقيل: الطنبور: وقد ورد ذكوها في الحديث مع اسم آلة أخرى من آلات الملاهي، هي "كوبة". ويرى العلماء أن "الكوبة"، الطبل الصغير،وهي "النرد" بلغة اليمن. وذكر أن "المرطبة" طبل الحبشة خاصة.، وان "الكوبة" لبربط وللشطرنج والطبل الصغير.
وذكر أهل الأخبار أن "النضر بن الحارث بن كلدة" كان يغني بالعود. والعود من جملة آلات الطرب القديمة. وهو "عوديت" عند العبرانيين. وقد أشير اليه في جملة آلات الموسيقى المستعملة في أيام داوود، وذلك في المزامير. وذكر أن من أسماء العود "الكران"، وأن "الكرينة" المغنية الضاربة يالعود أو الصنج.
ويعرف الوتر ب "البم"، ويقال هو الوتر الغليظ من أوتار المزهر.
(1/2612)
و "الناي" من ا لات الطرب، ينفخ فيه،يصنع من الخشب ومن القصب. وذكر ان الناي من أسماء "المزمار"، وهو من الات النفخ كذلك. و "القصاب"، وهو الذي ينفخ في القصب الزمار.
وأما "الهيرعة"، فالقصبة، التي يزمر فيها الراعي.
وذكر أن "القنين" طنبور الحبشة. "وفي الحديث: إن الله حرم الخمر والكوبة والقنين". والقنين الضرب بالقنين. وذكر أن الكوبة: الطبل. وأما "الكر"، فهو الطبل، وقيل طبل له وجه واحد. وقيل هو الطبل ذو الرأسين ويقال للطنبور "طبن" كذلك.
المزمار" و "الزمارة": ما يزمر فيه. ويقال للقصبة التي يزمر بها،زمارة.واما "الرباب" فمن الات اللهو كذلك. وقد اشتهر الغناء بالمزمار عند العرب، وأجادوا فيه.
وقد كان الجاهليون مثل غيرهم من الساميين يستخدمون الغناء في عباداتهم، ربما استخدموا معه بعض آلات الطرب. وذلك تعبيرا عن بهجتهم وسرورهم بتعبدهم للالهة وتقربا اليها بهذا الغناء الذي يدخل السرور إلى نفوسها. وقد ذكر المفسرون أن أهل الجاهلية كانوا يطوفون بالبيت يصفرون ويصفقون. وإذا صح قولهم هذا، فإنه يعني استعمال نوع من الطرب في حجهم وطوافهم بالبيت.
وقد تعرض "الجاحظ" لموضوع الغناء العربي وما يختلف به ويمتاز عن غناء الأعاجم، فقال: "العرب تقطع الألحان الموزونة على الأشعار الموزونة، والعجم تمطط الألفاظ قتبضى وتبسط حتى تدخل في وزن اللحن فتضع موزونا على غير موزون ".
واللحن: الغناء. "وفي الحديث: اقرأوا القرآن. بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل العشق ". ويراد به التطريب وترجيع الصوت وتحسين القراءة والشعر والغناء. وقد كان اليهود والنصارى يقرأون كتبهم نحوا من ذللك.
أصول الغناء الجاهلي
(1/2613)
ويرجع الأخبار غناء الجاهلين إلى ثلاثة أوجه: النصب،والسناد،والهزج. فأما النصب، فغناء الركبان وغناء االفتيان والقينات، ويغني به في المراثي كذلك. وقد دعى اسحاق بن ابراهيم الموصلى، الغناء الجنابي نسبة إلى رجل من كلب يقال له: جناب بن عبد الله بن هبل. وهو الذي يقال له "المراثي"، ومنه كان أصل الحداء، وكله يخرج من الطويل في العروض. وأما السناد، فالثقيل ذو الترجيع الكثير النغمات والنبرات. وأما الهزج، فالخفيف الذي يرقص عليه ويمشي بالدف والمزمار فيطرب ويستخف إلحليم.
ويذكر أهل الأخبار ان الأنواع المذكورة كانت غناء العرب، حتى جاء الإسلام وفتحت العراق، وجلب الغناء والرقيق من فارس والروم، فغنوا الغناء المجزأ المؤلف بالفارسية والرومية، وغنوا جميعا بالعيدان وألطنابر والمعازف والمزامير. وذكر أيضا ان الغناء قديم في الفرس والروم، ولم يكن "للعرب قبل ذللك إلا الحداء والنشيد، وكانوا يسمونه "الركباني" "الركبانية". والنشيد رفع الصوت، ومن المجاز الشعر المتناشد بين القوم ينشده بعضهم بعضا.
وذكر "المسعودي" أن غناء العرب النصب، ثلاثة أنجاس: الركباني، والسناد الثقيل، والهزج الخفيف.
(1/2614)
ويرى بعض أهل الأخبار أن أصل الغناء ومعدنه إنما كان في أمهات القرى من بلاد العرب، حيث فشا بها، وانتشر. ومن هذه مكة والمدينة والطائف وخير ووادي القرى ودومة الجندل واليمامة، وهذه القرى مجامع أسواق العرب. ورووا أن أول من غنى في العرب قينتان لعاد، يقال لهما الجرادتان. وههما قينتا "معاوية بن بكر الجرهمي" "معاوية بن بكر العملقي" غنتا لوفد "عاد"بمكة، فشغلوا عن الطواف بالبيت وسؤال الله فما قصدوا، فهلكت عاد وهم سامدون. فلما رأى الجرهمي، وهو معاوية بن بكر، أحد العماليق، ذلك قال: هلك أخوالي "عاد"، ولو قلت لضيوفي شيئا، ظنوا بي البخل، فألقى إلى الجرادتين شعرا يذكر بمحنة "عاد"، فانشدتاه الضيوف. وكان الجرهمي سيد مكة حين وفدت عاد تستقي في قحطها. وكان "قيل ابن عتر" أحد الرؤوس الثلاثة لوفد عاد، حين ذهبوا في القحط إلى مكة يستسقون لقومهم.
وورد أيضا أن الجرادتين كانتا مغنيتين للنعمان. كما ورد ذكر الجرادتين وغناءهما لأبي رغال. وورد أنه كان بمكة في الجاهلية قينتان يقال لهما الجرادتان مشهورتان بحسن الصوت. وقبل إن الجرأدتين كانتا أمتين تتغنيان في الجاهلية وكانتا لعبدالله ابن جدعان.
وقد ذكر "أبو العلاء المعري"، أن العرب تسمي كل قينة جرادة، حملا على أن قينة في الدهر إلأول كانت تدعى الجرادة. واستشهد بهذا البيت: تغنينا احبراد ونحن نشرب=نعل الراح خالطها المشور وذكر بعض العلماء أن "جذيمة الخزاعي بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة ابن عمرو بن عامر"، المعروف ب "المصطلق"، كان من أحسن إلناس صوتا، وقد غنى بعد "الجرادتين" " غنى غناء النصب. وذكر انه أول من غنى في خزاعة. ثم غنى بعده "ربيعة"، وهو "ضبيس بن حزام بن حيشة بن سلول ابن كعب بن عمرو بن عامر" الخزاعي، ثم غنى بعده "زمام بن خطام الكلبي"، وقد ذكره ". الصمة القشيري"، بقوله: دعوت زماما للهوى فأجابني وأي فتى للهو بعد زمام
(1/2615)
وذكر "المسعودي"، أن غناء أهل اليمن بالمعازف وإيقاعها جنس واحد، وغناؤهم جنسان: حنفي، وحميري. والحنفي أحسنهما، فهذا هو غناء أهل اليمن. ورجع بعض أهل الأخبار غناء أهل اليمن إلى "علس بن زيد ذي جدن"، زعموا انه أول من تغنى باليمن. وزعموا أنه كان من ملوك اليمن، لقب بذي جدن، لجمال صوته. فالجدن الصوت عند أهل اليمن.
وذكر ان قريشا لم تكن تعرف من الغناء، إلا النصب، حتى قدم "النضر ابن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي"العراق، فتعلم ضرب العود وغناء العباديين، فقدم مكة، فعلم أهلها، فاتخذوا القيان. ويظهر من غربلة ما ورد في الأخبار عن الغناء، أن المراد به، تلحين ما يراد التغني به وتطريبه، حتى يثير الطرب في نفوس السامعين، لا سيما إذا اقترن بآلة من آلات الطرب. ونادرا ما يكون غناء دون "موسيقى". فالموسيقى تصاحب الغناء. والغناء: تلحين ما يراد التغني به بتقطيعه قطعا موزونة تكون نغمة،يوقع على كل صوت منها بإيقاع يناسبه، فيزيده لذة في السماع.
وذهب "المسعودي" إلى أن أول من اتحذ القيان من العرب، أهل يثرب. أخذوا ذلك من بقايا عاد. بينما يذكر الأخباريون، أن أول من غنى من العرب العاربة الجرادتان، وكانتا قينتين على عهد عاد، لمعاوية بن بكر العمليقي. وفي جملة من قال ذلك "ابن خرداذبه"، الذي اعتمد "المسعودي" عليه في موضوع الغناء، ونقل من كتابه "اللهو والملاهي" بالنص.
والقينة عند علماء اللغة: الأمة المغنية، وذكروا أنها كلمة هذلية. وقال بعض آخر: مغنية كانت أو غير مغنية. وإنما قيل للمغنية قينة، إذا كان الغناء صناعة لها، وذلك من عمل الإماء دون الحرائر. والظاهر أنها من الألفاط المعربة، فالغناء في لغة "بني إرم" هو "قنتو" Qintoوالمغنية "قينة" من الغناء "قنتو".
وذكر أن من أسماء "القينة" "الزمارة" و "الزامرة"، وقيل للمغنى "الزمار"، وذلك من التزمير بالمزمار.
(1/2616)
ويقال للمغنية "الكرينة" أيضا. وقد وردت اللفظة في شعر لبيد: بصبوح صافية وجذب كرينة بموتر تأتاله ايهامها
وذكر أن "الكرينة" المغنية الضارية بالعود أو الصنج، والضاربة ب "الكران".
و "الكران" هو العود.
وذهب أهل الأخبار إلى أن الغناء محدث في العرب، أخذ من "الحداء".
وكان الحداء في العرب قبل الغناء. وكان أول السماع والترجيع في العرب، ثم اشتق الغناء من الحداء. اشتقه "حباب بن عبدالله الكلبي"، فغنى النصب.
وقد أشير الى الغناء النصب في كلام ينسب إلى عبدالله بن عمر بن الخطاب، فذكر أنه قال: مر بنا ابن الخطاب، وأنا وعاصم بن عمر نغني غناء النصب، فقال: أعيدا علي. وورد أن أنس بن مالك سمع أخاه البراء بن مالك يغني، فقال: ما هذا قال: أبيات عربية أنصبها نصبا. مما يدل على أن غناء النصب إنما ورد من هذا المعنى.كذلك أشير الى الحداء في خبر ينسب إلى ابن جريج، قال: سألت عطاء عن قراءة القرآن على ألحان إلغناء والحداء. وقد أخرج هذا الخبر الحداء من الغناء.
وعرف بعض العلماء النصب: أنه غناء الركبان. وعرف أنه "العقيرة"، يقال: رفع عقيرته إذا غنى النصب. وعرف أنه ضرب من أغاني آلعرب. "وفي حديث نائل،مولى عثمان: فقلنا لرباح بن المغترف: لو نصبت لنا نصب العرب أي لو تغنيت، وفي الصحاح: لو غنيت لنا غناء العرب. "وكان رباح بن المغترف يحسن غناء النصب، وهو ضرب من أغاني العرب، شبيه الحداء،وقيل: هو الذي أحكم من النشيد، وأقيم لحنه ووزنه". وعرف النصب: انه ضرب من مغاني العرب أرق من الحداء.
(1/2617)
وقد أشار أهل الأخبار إلى أن العرب كانت "تتغنى بالركياني، إذا ركبت الابل، وإذا جلست في الأفنية وعلى أكثر أحوالها، فلما نزل القرآن أحب النبي، صلى الله عليه وسلم " أن يكون هجيراهم بالقران مكان التغني يالركباني، وأول من فرأ بالألحان عبيد الله بن أبي بكرة، فورثه عند عبيد الله بن عمر، ولذلك يقال قرأت العمري، وأخذ ذلك عنه سعيد العلا ف الإباضي". وذكر أن "عمر" سمع "عبد الرحمن بن عوف" وهو يتغنى وينشد بالركبانية، وهو غناء يحدى به الركاب.
والحداء، هو من أقدم أنواع الغناء عند العرب،يغنى به في الأسفار خاصة، ولا زال على مكانته ومقامه في البادية حتى اليوم. ويتغنى به فى المناسيات المحزنة أيضا لملاءمة نغمته مع الحزن. وقد كان للرسول حادي هو " إلبراء بن مالك بن النضر الأنصاري" وكان حداء للرجال. وكان له حداء آخر، يقال له "أنجشة الحادي" وكان جميل الصوت أسود، وكان يحدو للنساء، نساء النبي، وكان غلاما للرسول. وذكر أن النبي "قال لقوم من بني غفار" سع حاديهم بطريق مكة ليلا، فقال لهم: إن أباكم مضر خرج إلى بعض رعاته فوجدها قد تفرقت، فأخذ عصا فضرب بها كف غلامه، فعدا الغلام في الوادي وهو يصيح: وايداه، وايداه، فسمعت الإبل ذلك فعطفت فقال مضر: لو اشتق مثل هذا لانتفعت به الإبل واجتمعت، فاشتق الحداء".
وذكر بعض أهل الأخبار " أن أول من أخذ في ترجيعه الحداء "مضر بن نزار".
فإنه سقط عن جمل فانكسرت يده، فحملوه وهو يقول: وايداه وايداه،و كان أحسن الله جرما وصوتا، فأصغت الإبل اليه وجدت في السر، فجعلت العرب مثالا لقوله هايدا هايدا سون به الإبل ". وللاخبارين كلام آخر من هذا النوع عن الحداء. يتفق كله في أن هذا النوع من الغناء كان من خصائص غناء مضر.
(1/2618)
وكان "عامر بن سنان الأكوع بن عبد الله بن قشير الأسليمي" المعروف ب "ابن الأكوع، رجلا شاعرا وراجزإ، وكان يحسن الحدإء، فطلب منه أصحاب الرسول أثناء سيرهم الى خيبر أن يحدو بهم. فسمع الرسول حداءه. وهناك أخبار أخرى يفهم منها أن العرب لم تدخل الحداء في الغناء، وإنما ذكرته معه، على أنه باب خاص. والعادة أن يجعل المسافرون معهم حاديا أو جملة حداة يحدون بهم في السفر. وكان أبو هريرة أحد الصحابة المحدثين عن رسول الله، يحدو لركب بسرة بنت غزوان.
والحداء إذن ضرب مخصوص من الغناء، ويكون بالرجز غالبا لأن طبيعة الرجز تلائم هذا النوع من الغناء. ويذكر "المسمعودي" أن الحداء كان في العرب قبل الغناء. وكان أول السماع والترجيع في العرب، ثم اشتق الغناء من الحداء. فالحداء متقدم على الغناء إذن، هو الباب الذي ولج ألعرب منه الى الغناء.
والحداء، هو في الواقع غناء أهل البادية، وفي إرجاع أهل إلأخبار أصله إلى "مضر" أو غيره من الرجال صحة، إذا اضبرنا ان "مضر" أو غيره كناية عن الأعراب. لأن هذا النوع من الغناء مما يتناسب مع لحن البوادي ونغمها الحزينة البسيطة التي تطرب بها طبيعة البداوة نفس الأعراب. ولا زال غناء اهل البادية متأثرا بهذه الضربات من العزف، التي تعزنها البادية للتخفيف عن كآبته.
الطبيعة وللتعبير عن الروح الحزينة التي تحملها هذه الطبيعة من نشوئها ونموها في هذه الفيافي الساحقة الشاسعة التي لا ترى،حدودها العين، والتي ترشق الأوجه برشقات من الرمال، تسد العين، حتى لا تتجاسر فتمد بصرها لتسترق سر هذه المحيطات ذات الأمواج المتفاوتة في الإرتفاع من تموجات الرمال.
(1/2619)
-
وقد تخصص أناس من رجال ونساء بالغناء، واتخذوه حرفة لهم يتكسبون بها. والمغنون المحترفون هم من سواد الناس، ومن الرقيق. لأن من طبع الشريف والحر الابتعاد عنه. وقد احترف هؤلاء الغناء وتعيشوا عليه. فكانوا يدعون إلى إحياء الحفلات في مقابل أجر يدفع لهم. وقد كان من بينهم من يغني بلغته كالرومية والحبشية، ولهذا فلم يكن من المستبعد سماع غناء أجنبي في موضع مثل مكة أو يثرب لوجود رقيق فيه.
وقد تغنى بشعر بعض الشعراء الجاهليين، ومن هؤلاء شعر الشاعر "مرة ابن الرواغ". ويذكر أهل الأخبار ان "امرىء القيس بن حجر"، كان يأمر قيانه أن يغنين بشعره. وان قيان الملوك كن يغنين به أيضا، وقد كان النخاسون في الجاهلية يعلمون المغنيات الشعر، للتغني به.
وقد كان أغنياء مكة والقرى الأخرى يملكون القيان، ومنهم من كان يملك عددا منهن. مثل "عبدالله بن جصدى ان". وكان "لمقيس بن عبد قيس بن قيس بن عدي"، قينتان تغنيان، وكان بيته مألفا لشباب قريش ينفقون عنده ويشربون ويتهاتكون يبقون على ذلك ليالي وأياما.
ومن القيان: " هريرة" اني شبب بها "الأعشى". وهي أمة سوداء،لحسان ابن عمرو بن مرثد. ولها أخت اسمها "خليدة": كانت قينة كذلك. وقد ورد في رواية أخرى، أنهما كانتا قينتين د "بشر بن عمرو بن مرثد"، وكانتا تغنيانه النصب. وقدم بهما اليمامة، لما هرب من "النعان".
وذكر انه كان ل "عائشة" جاريتان تغنيان بغناء بعاث، أي تنشدان ومن أهل الحداء حاد يقال له "أنجشة" أشرت اليه قبل قليل، وكان حسن الصوت. وهو من الصحابة. "وفي الحديث: أن النبي، صلى الله عليه وسلم قال لأنجشة وهو يحدو بالنساء، رفقا بالقوارير.،، وكان أنجشة يحدو بهن ركابهن ويرتجز بنسيب الشعر والرجز وراءهن". وهو من أصل حبشي،يكنى"أبا مارية". وكان يحدو بالنساء، وكان الر اء بن مالك يحدو يالرجال. وربما كان على النصرانية قبل دخوله في الإسلام.
(1/2620)
وكان "البراء بن مالك بن النضر الأنصاري"، حسن الصوت كذلك. وكان يرجز لرسول الله في بعض أسفاره، كما أشرت إلى ذلك قبل قليل. وذكر انه كان حادي الرجال. وكان يتغنى بالشعر.قد شهد المشاهد مع رسول الله إلى بدرا، وله يوم اليمامة أخبار. واستشهد في أيام عصر. وكان من الشجعان. ومما يلفت النظر ان الأخباريين حين يتحدثون عن مجلس طرب وشرب وغناء، يذكرون أن صاحب المجلس أمر قينتين له بأن تغنيا له. أولهم، وذلك في الغالب، ولم يذكروا قينة أو أكثر إلا في الأقل، حتى ليشعر القارىء أن العرف في ذلك الوقت أن تكون للسادة وللاشراف قينتين تغنيان تكونان في البيت بصورة دائمة. فلما اغتاط "أبو براء عامر بن مالك بن جعفر" مما قيل عنه، وأراد الترفيه عن نفسه قبل أن يقتل نفسه "دعا قينيتن له فشرب وغنتاه". وكان "عبدالله ابن جد عان" إذا أراد سماع الغناء "أمر قينتين له تسميان "الجرادتين" بالغناء.
ولا يستبعد استخدام الجاهليين آلات الطرب والغناء في معابدهم وفي أعيادهم. فقد كان الساميون كالعبرانيين يستعملون أنواع آلات الموسيقى في معابدهم وفي أعيادهم تقربا إلى آلهتهم. وقد وصلت الينا أسماء بعض آلات الطرب التي استعملها الجاهليون ولكن معارفنا لا تزال مع ذلك قليلة ضعيفة. وستزيد ولاشك. متى قام الآثاريون بالتنقيب تنقيبا علميا عميقا في مواضع الآثار في مختلف الأنحاء.
(1/2621)
أما العرب في العراق وفي بلاد الشام، فقد تأثروا بالغناء الأعجمي، واستعملوا آلات الطرب المعروفة عند الفرس واليونان، وسمعوا الغناء بالفارسية والرومية واستحسنوه، بل استحسنه أناس من عرب الحجاز أيضا. سمع حسان بن ثابت غناء "رائقة". فلما عاد إلى بيته، تذكر ليلة قصاها في الجاهلية مع "جبلة ابن إلأيهم"، لم ينسها قط، قال: "لقد رأيت عشر قيان: خمس روميات يغنين بالرومية بالبرابط، وخمس يغنين غناء أهل الحيرة وأهداهن إليه اياس بن قبيصة. وكان يقد إليه من يغنيه من العرب من مكة وغيرها. وكان إذا جلس للشرب، فرش تحته الآس والياسمين وأصناف الرياحين، وضرب له العنبر والمسلك في صحاف الفضة والذهب، وأتى بالمسك الصحيح في صحاف الفضة، وأوقد له العود المندى إن كان شاتيا، وإن كان صائفا بطن بالثلج، واتى هو وأصحابه بكساء صيفية ينفصل هو وأصحابه بها في الصيف، وفي الشتاء بفراء الفنك وما أشبهه، ولا والله ما جلست معه يوما قط إلا وخلع علي ثيابه التي عليه في ذلك اليوم وعلى غيري من جلسائه، هذا مع حلم عمن جهل، وضحك وبذل من غير مسألة".
وإذا كان الغناء للطرب بوجه عام، فإن هنالك نوعا آخر من الغناء هو "الترنيم"، وهو تطريب الصوت، ويستخدم في الغالب في التلاوة، أي تلاوة الأدعية والتراتيل الدينية. فقد كان الجاهليون يرتلون أغانيهم الدينية أمام أصنامهم، كما فعل ذلك اليهود والنصارى ويترنمون بها. وتصحب هذه الترانيم آلات موسيقية لتعزف الألحان المناسبة الموافقة لها.
وذكر علماء العربية أن "الرنم" المغنيات المجيدات، والرنم الصوت. والرنيم والترنيم ترجيع الصوت وتطريبه. وعرف "الترجيع" ب "ترديد الصوت في الحلق في قراءة أو غناء أو زمر أو غير ذلك ما يترنم به". وقيل: "الترجيع. هو تقارب ضروب الحركات في الصوت". وقد كان الجاهليون يرجعون الشعر، بأن يقرأونه على الألحان والتطريب والإيقاع ليؤثر في السامعين.
(1/2622)
أما المناسبات المخزنة كالموت والكأبة، فقد كانوا يستعملون فيها نغمات حزينة وهادئة للتخفيف من شدة الحزن والكآبة والألم. وقد كانت لهم في ذلك ألحان وأوزان ونغم.
وأما "الهزج"، فالخفيف الذي يرقص عليه، ويمشي بالدف " والمزمار، فيطرب ويستخف الحليم. وذكر أن الهزج من الأغاني ما فيه ترنم وصوت مطرب، وقيل: هو صوت فيه بحح، صوت دقيق مع ارتفاع. وكل كلام متدارك متقارب في خفة هزج. فهو الخفيف المطرب من الغناء.
وكانت المناسبات المفرحة مثل الزواج تقترن بالعزف والغناء. روي أن رسول الله لما كان غلاما يرعى غنما ومعه غلام من قريش يرعى معه كذاك قال له: "لو أنك أبصرت غنمي حتى أدخل مكة: فأسمر بها كما يسمر الشباب، قال: أفعل. فخرجت أريد ذلك حتى جئت أول دار من ديار مكة، سمعت عزفا بالدفوف والمزامير. فقلت ما هذا ? فقالوا: فلان تزوج فلانة بنت فلان. فجلست أنظر اليهم "، وذكر أن من عادة أهل مكة أن يفعلوا ذلك عند الزواج. وفعل أهل يثرب ذلك أيضا فى مثل هذه المناسبات وفي مناسبات الفرح الأخرى.
الر قص
والرقص وجه آخر من وجوه التسلية والتفريج عن النفس. يرقصون في المناسبات، مثل الأعراس والأفراح الأخرى. وهو في الغالب ارتفاع وانخفاض، وقد يكون ذلك هو الذي حمل علماء اللغة على تفسير الرقص أنه ارتفاع وانخفاض. والراقصون هم من الشباب في الغالب، أما الشيوخ، فكانوا لا يرقصون، لعدم ملاءمة الرقص مع جلال السن.
(1/2623)
وذكر علماء اللغة أن من الرقص نوع يقال له "الدرقلة". وذ كر بعض آخر أن "الدرقلة" الرقص. "قال محمد بن إسحاق: قدم فتية من الحبشة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يدرقلون، أي يرقصون". وقيل: الدرقلة: لعبة للعجم معربة. وهي من الحبشة على بعض اراء علماء اللغة. ونطقت ب" الدركلة" كذلك. وذكروا أن الرسول "مر على أصحاب الدركلة فقال: جدوا يا بني أرفدة حتى يعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فسحة". قيل إن الدركلة ضرب من الرقص ولعبة للعجم معربة.
وقد عرف الحبش بحبهم للرقص. وكان أهل مكة وغيرهم من أهل الحجاز إذا أرادوا الاحتفال بعرس أو ختان أو أية مناسبة مفرحة أخرى أحضروا الحبش للرقص والغناء على طريقتهم الخاصة. وورد في الحديث أنه قال للحبشة دونكم يا بني أرفدة. وقيل هم جنس من الحبشة يرقصون. وقيل "أرفده" لقب لهم.
هو اسم أبيهم الأقدم يعرفون به.
وقد كان الرقص عند الشعوب السامية نوعا من أنواع التعبير عن الفرح والشكر تجاه آلهتهم. ويدخل في جملة الشعائر الدينية. ولا يستبعد أن يكون الجاهليون مثل غيرهم قد رقصوا لآلهتهم في المناسبات الدينية، تعبيرا عن شكرهم للالهة. ولكن معارفنا عن ذلك قليلة جدا، فلا نجد في الكتابات الجاهلية أية إشارة اليه، أما أخبار أهل الأخبار عن الرقص عند الجاهليين، فهي قليلة. ولا استبعد أن يكون السعي بين الصفا والمروة كان رقصا في الأصل فكان الساعون يرقصون ويغنون أغاني دينية، في تمجيد رب البيت والتقرب اليه. كما كانوا يرقصون في المعابد الأخرى.
(1/2624)
ويعد يوم وصول الملوك والأمراء والسادات إلى مكان ما، يوما مشهودا يجلب الفرح والسرور إلى قلوب الناس، ويعطي ذلك اليوم بهجة وسرورا، وكانوا يستقبلون كبار الوافدين عند قدومهم بأصناف اللهو. ويخرج "المقلسون" بالسيوف والريحان وبالدفوف والغناء. ولذلك قيل "القلس" و "التقليس": الضرب بالدف والغناء. و "المقلس": الذي يلعب بين يدي الأمير. ولما قدم "عمر" الشام لقيه المقلسون بالسيوف والريحان. والقلس: الرقص في غناء، وقيل هو الغناء الجيد.
العاب مسلية
وقطع الجاهليون وفتهم ببعض الألعاب المسلية، مثل "النرد" وقد أشير اليه في الحديث ب "النردشير" وب "النرد". وذكر بعض العلماء أن "النرد" هو "الكوبة"، بلغة أهل اليمن. وأشير اليه في حديث اهل الأخبار عن "امرىء القيس الكندي" وعن الناعي الذي أوصل الخبر اليه، فقالوا: "فوجده مع نديم له يشرب الخمر، ويلاعبه بالنرد، فقال له: قتل حجر، فلم يلتفت إلى قوله، وأمسك نديمه، فقال له امرؤ القيس: اضرب، فضرب،. حتى إذا فرغ، قال: ما كنت لأفسد عليك دستلك " والدست مصطلح فارسي، أي ما كنت لأفسد عليك لعبك.
وكان في الجاهلية إذا خاب قدح أحدهم ولم ينل مرامه قبل تم عليه الدست. وقيل الدست: هو دست القمار، كان في اصطلاح الجاهلية. وفلان حسن الدست: شطرنجي حاذق.
واللعب اللهو والتسلية، وهو أنواع. كما ان لكل عمر نوع من اللعب يليق به. و "التلعابة" و "التلعاب" الكثير اللعب، والكثير المزح والمداعبة. و "الشطرنج" لعبة، والنرد لعبة كذلك، وكل ملعوب به فهو لعبة. و "اللعبة" الأحمق الذي يسخر به ويلعا ويطرد عليه.
ويعبر عن اللهو واللعب بلفظة "الديدن"، و "الددن"، و "الدد"، و "الددا"، و "ديد"، و "ديدان"، و "الديدبون". وفي الحديث: "ما أنا من دد ولا الدد مني". أي ما أنا في شيء من اللهو واللعب.وورد لعدي بن زبد آلعبادي: أيها القلب تعلل بددن إن همي في سماع وأذن
(1/2625)
وذكر أن الدد: هو الضرب بالأصابع في اللعب، وأن الديدبون: اللهو.وللاطفال ألعاب تتناسب مع سنهم، منها: "الجماح"، وهي سهيم يلعب به، يجعلون مكان زجه طينا، و "البقيري"، ولعبة "الغراب"، وقد ذكر أن صبيانا كانوا يلعبونها ليلا. و "الكعاب" و "الفيال".، وهي لعبة كانوا يلعبون بها، يجمعون ترابا ويخبئون فيها خبئا، ويقولون لصاحبه في أي الجانبين هو ?.
ومن ألعاب الصبيان لعبة يقال لها "الدخرجاء" و "الدحيريجاء"، وفيها قال الشاعر: عليك الدحيريجاء فاتبع صحابها سيكفيك زين الحرب أروع ماجد
ومن ألعاب الصبيان، لعبة "عظم وضاح." "عظيم وضاح"، أن يأخذ بالليل عظما أبيض، فيرمونه في ظلمة الليل، تم يتفرقون في طلبه، فمن وجده فله القمر. وذكر أن من وجده يركب الفريق الآخر من الموضع الذي وجدوه فيه إلى الموضع الذي رموا به منه. وورد في الحديث أن النبي لعب وهو صغير بعظم وضاح.
و "البقيري": أن يجمع يديه عامحما التراب في الأرض إلى أسفله، ثم يقول لصاحبه: اشته في نفسك، فيصيب ويخطىء. وذكر أنهم يأتون الى موضع قد خبيء لهم فيه شيء، فيضربون بأيديهم بلا حفر يطلبونه.
والخطرة، أن يعملوا مخرافا، ثم يرمى به واحد منهم من خلفه إلى الفريق الاخر، فإن عجزروا عن أخذه رموا به اليهم، فإن أخذوه ركبوهم. وأما " الدارة"، ويقال لها "الخراج"، أن يمسك أحدهم شيئا بيده ويقول لسائرهم. أخرجوا ما في يدي. و "الشحمة"، أنه يمضى واحد من أحد الفريقين بغلام فيتنحون ناحية ثم يقبلون، ويستقبلهم الآخرون، فإن منعوا الغلام حتى يصيروا إلى الموضع الآخر فقد غلبوهم عليه،ويدفع الغلام اليهم، وإن لم يمنعوه ركبوهم، وهذا كله يكون في ليالي الصيف، عن غب ربيع مخصب.
(1/2626)
وسابق الأطفال والشبان بعضهم بعضا. سابقوا على الخيل وسابقوا على الأقدام فكان السابق يفخر على المسبوقين، وربما خاطروا في السباق، فيأخذ السابق، "الخطر"، وهو ما جعلوه رهنا للسابق. وصارعوا. واعتبروا المصارعة رياضة وفخرا. فالقوي يصرع الضعيف. ولهذا كان المصارع الذي لا يصرع يتباهى ويفخر بنفسه على غيره.وقد سابق رسول الله بنفسه على الأقدام. ويقال للمصارعة "المراوغة"، لما فيها من مراوغة الواحد منهما للآخر، للتغلب عليه. وقد صارع النبي "ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب"، فصرعه مرتين.
"وكان شديدا. يحكى أنه كان يقف على جلد بعير لين جديد حين سلخه. فيجذبه من تحته عشرة فيتمزق الجلد ولا يتزحزح هو عن مكانه".
ومن ألعاب الصبيان "الطبن"، وهو خط مستدير يلعب به الصبيان. و "الشعارير" وهي من لعب الصبيان. واما البنات فالتماثيل الصغار التي يلعب وإلمتقامرين على الجزور: الأيسار. وذكر أن اشتقاق "الميسر" إما من اليسر لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير كد ولا تعب، أو من اليسار لأنه سلب يساره.
وقد ألف بعض العلماء كتبا في الميسرة منها كتاب ألفه "ابن قتيبة الدينوري" وكتاب ألفه "الزبيدي" دعاه "نشوة الارتياح في بيان حقيقة الميسر والقداح".
وآراء العلماء متباينة في الميسر وفي المراد منه، وفي طريقته. ويظهر أن قسما ممن كان يلعب الميسر لم يكن يلعبه ابتغاء الكسب، وانما كان يلعبه للتسلية وللترفيه عن الآخرين، وذلك باعطائه ما يكسبه للمحتاجين وللفقراء، ولذلك افتخروا بعملهم هذا وعدوه مفخرة من مفاخر العرب، لأنم كانوا يفعلونه في أيام الشدة وعدم اللبن وايام للشتاء. فيعطون اللحم للمحتاج اليه، إذ عيب من كان يأخذه لنفسه وعد وه عارا، وقد افتخروا به في شعرهم، ومدحوا من يأخذ القداح وعابت من لا ييسر ودعته "البرم"، وذللك لبخله وظنه بماله من أن يذهب إلى غيره، مع أن الناس في حاجة شديدة اليه.
(1/2627)
وإلى لعب الموسرين الأيسار في الشتاء لمساعدة ذوي الحاجة، أشار طرفة في شعره إذ قال: وهم أيسار لقمان إذا أغلت الشتوة أبداء الجزور
وأما القسم الآخر ممن كان ييسر، فكان يبغي الكسب والمال، لذلك كان يقامر بكل ما يملك في سبيل الحصول على المال للمياسرة. روي عن "ابن عباس" أنه "كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله" في سبيل المياسرة. وكان يلجأ إلى الغش والخداع والى السرقة واضاعة العيال، ولأضراره هذه حرمه الإسلام.
وقد ييسرون على الأسرى، فقد وقع "سحيم بن وثيل اليربوعي" في سباء، فضرب عليه بالسهام، فقال في ذلك: أقول لهم بالشعب إذ ييسروني ألم تعلموا أني ابن فارس زهدم
وصفة الميسر: أن القوم كانوا يجتمعون فيشترون الجزور بينهم، فيفصلونها على عشرة أجزاء يؤتى بالحرضة وهو رجل يتأله عندهم لم يأكل لحما" عندهم قط بثمن، ويؤتى بالقداح وهو أحد عشر قدحا، سبعة منها لها حظ إن فازت، وعلى أهلها غرم إن خابت، يقدر ما لها من الحظ إن فازت، وأربعة ينفل بها القداح، لا حظ لها إن فازت ولا غرم عليها ان خابت.
فأما التي لها الحظ: فأولها الفذ في صدره حز واحد، فإن خرج أخذ نصيبا، وإن خاب غرم صاحبه ثمن نصيب، ثم التوأم، له نصيبان ان فاز، وعليه ثمن نصيبين إن خاب، ثم الضريب، وله ثلاثة أنصباء، ثم الحلس وله أربعة، ثم النافس وله خمسة، ثم المسبل، وله ستة، ثم المعلى وله سبعة. والمسبل يسمى: المصفح، والضريب يقال له: الرقيب.
وأما الأربعة التي يفصل بها القداح، فهي: السفيح، والمنيح، والمضعف، وا لوغد.
وقيل: إن للمنيح موضعين: أحدهما لا حظ له، والثاني له حظ فكأنه الذي يمنح الحظ، واستدلوا عابر ذللك بقول عمرو بن قبيصة: بأيديهم مقرومة ومغالق يعود بأرزاق العيال منيحها
فيؤتى بالقداح كلها وقد عرف كل ما اختار من السبعة ولا يكون الأيسار إلا ان الناس كانوا ينظرون إلى "الحرضة" نظرة استصغار وازدراء ويعرف أيضا ب "الضريب".
(1/2628)
ويسمى "الرقيب" ".رابىء الضرباء" يقعد خلف ضارب قداح الميسر يرتبى لهم فيما يخرج من القداح فيخبرهم به ويعتمدون على قوله فيه، ثم يجلس الأيسار حوله دائرين به. ثم يفيض الضريب بالقداح، فإذا نشز منها قدح استسله الحرضة من غير أن ينظر اليه، تم ناوله الرقيب فينظر الرقيب لمن هو فيدفعه إلى صاحبه، فيأخذ من أجزاء الجزور على قدر نصيب القدح منها وذلك هو الفوز.
فإن شاء بعد ذلك أمسك، وإن شاء أعاد السهم على "خطار" آخر، وهو السبق يراهن عليه، وهو ما يوضع بين أهل السباق. واعادة السهم تسمى التثنية. وقد وصفت "القداح" بأنها عيدان من نبع، قد نحتت وملست وجعلت سواء في الطول. وهي عشرة من رواية أخرى غير الرواية التقدمة. هي: الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلى والمنيح والسفيح والوغد. وللاول سهم إن فاز، وفوزه خروجه وعليه عزم سهم إن خاب، وكذلك باقيها على الترتيب فيما له وعليه إلى المعلى، وهو السابع، وله سبعة وعليه سبعة يفرض في كل سم منها بحسب ماله، وعليه حز وتكثر هذه السهام بثلاثة أخر أغفال ليس فيها حزوز ولا لها علامات ليكون ذلك أنفى للتهمة وأبعد من المحاباة. وهي: المنيح وألسفيح والوغد، وتسمى القداح مغالق، لأنها تغلق الرهن إذا ضربوا بها.
وإذا حضرت القداح وحضر الأيسار أخذ كل منهم من القداح على قدره وطافته ورياسته، فمهم من لا يبلغ حاله -أكثر من الفذ فأخذه له، فإن خاب غرم سهما، وإن فاز أخذ سهما " ومنهم من يأخذ المعلى ولا يبالي بالغرم إن خاب وينال النصيب الأوفر ان فاز. ومنهم من يأخذ المعلى وسهما إن لم يحضر من يتمم السهام، فيأخذ ما فضل من القداح، ويقول للايسار قد تممتكم.
(1/2629)
ويقع الغرم أي ثمن الجزور على من لم في يخرج سهمه وهم أربعة: أصحاب الرقيب والحلس والنافس، والمسبل. ولجملة هذه القداح ثمانية عشر سهما، فيجزأ الثمن على ثمانية عشر جزءا. ويلزم كل صاحب قدح من هذه القداح مثل ماكان نصيبه من اللحم لو فاز قدحه، فإن لم يخرج الفذ ولا التوأم وخرج الرقيب أخذ صاحبه ثلاثة أجزاء، ثم ضربوا ثانيه فخرج المعلى، أخذ صاحبه السبعة الأجزاء الباقية، وهي تتمة الجزور، وكانت الغرامة على من لم يخرج قدحه، وهم أصحاب القداح الخمسة التي خابت. وقد ينحرون جزورا اخر لأن في القداح التي خابت نصيبا يزيد علىما بقي من اللحم.وإن فضل من أجزاء اللحم شيء وقد خرجت القداح كلها كانت تلك الفاصلة لأهل الوبد من العشرة، وهم أهل الضعف وسوء الحال.
الأسفار
ومن أيام الفرح والسرور عندهم يوم العودة من السفر ومن حقهم أن يفرحوا به. فقد كان السفر شاقا خطرا في تلك الأيام، ولا سيما إذا طال. فقد يتعرض المسافر فيه للهلاك والموت جوعا أو عطشا، عدا ما يتعرض له من السلب والنهب. لذلك كانوا يحاولون جهدهم أن يسافروا جماعة وقوافل يتعاونون ويشد بعضهم أزر بعض. وكانوا إذا عادوا فرح أهلهم بعودتهم سالمين، وتلقوهم بالبشر والتهنئة، وذبحوا الذبائح ووزعوا لحومها بين الأصدقاء والفقراء، وأولموا الولائم للمهنئين والجيران. وكان أول ما يفعله المسافر إلى مكة عند عودته إلى مدينته الذهاب إلى "البيت" للطواف به ولشكر رب البيت على حمايته له واغداقه نعمته عليه بالعودة سالما.
وقد عثر السياح والمنقبون عن الآثار في جزيرة المعرب على كتابات جاهلية توسل فها أصحابها إلى آلهتهم لترعاهم في سفرهم، وتحفظهم من لصوص الطريق ومن كل شر وسوء. وقد تعهدوا فيها بتقديم نذور لمعابدها بعد عودتهم سالمين غانمين. كما عثر على كتابات فيها حمد وشكر لتلك الالهة لأنها أجابت دعوة أصحاب الكتابات، فحمتهم ورحمتهم في سفرهم ويسرت لهم العودة سالمين.
(1/2630)
وكانوا إذا أرادوا السفر عمدوا إلى فعل الجاهلية في زجر الطير والاستقسام بالأزلام لأختيار الطالع، فإذا خرج سهم "الأمر" فسروه بالأمر بالسفر، وإذا خرج "النهي" "الناهي"، انتهوا عنه.
وكانوا إذا خرجوا إلى الأسفار أوقدوا نارا بينهم وبين المنزل الذي يريدونه، ولم يوقدوا بينهم وبين المنزل الذي خرجوا منه تفاولا بالرجوع اليه. وللمهنئن بسلامة العودة، تعابير خاصة،يتولونا للمسافرين حين السفر وحين العودة. وفي جملة ما كانوا يقولونه للاياب من السفر: "سفر رجيع". وسفر رجيع: مرجوع فيه رارا.
ومن مناسبات الفرح والسرور، الإبلال من مرض والشفاء منه. فالشفاء من المرض عودة إلى الحياة وولادة من جديد، وعمر يضاف إلى عر المريض،. لذلك كان المرضى يتوسلون إلى آلهتهم أن تمن عليهم بالصحة والشفاء والعافية مما ابتلوا به، ويعدونها بتقدم نذر إن أعادت اليهم صحتهم وعافيتهم. وقد حصل المنقبون على ألواح كثيرة كتب فيها شكر وحمد وثناءعلى الآلهة لأنها أجابت دعوة صاحب الكتابة، فعافته من مرضه،ومنت عليه بالصحة والعافية، وأبرأته مما أصيب به من أمراض أو جروح في معارك، فهو يوفي بوعده لها ويقدم لها نذره ويحمدها على نعمتها عليه. وقد يولمون وليمة يقولون لها "البة"، و "البلة" العافية من المرض.
ويعود أهل الجاهلية مرضاهم، للإعراب لهم عن تمنياتهم لهم بالشفاء العاجل والابلال من المرض، كما يعودونهم بعد الشمفاء لتهنئتهم على عودة الصحة اليهم، وشفائهم مما ابتلوا به من مرض. ويقع "العود" من الرجال والنساء. ويقال لمن حسنت حاله بعد الهزال، ولمن شفي من مرض "بل الرجل"، من مرضه، و "بل " من مرضه"، و "أبل".
?مواسم الربيع
(1/2631)
وللربيع مكانة خاصة في نفوس العرب، حتى صار في منزلة العيد عندهم. ففيه يطيب الجو، ويرق الهواء، وتكسى الأرض بأكسية خضراء وببسط منمقة مزركشة، تسحر مناظرها الألباب، تسير عليها الإبل بفخر و،عجاب، تقضم ما تجده فوقها من طعام. فتشبع وتسمن بعد فقر وجوع وضنك. وفيه يكثر مال العرب، ومال العرب إبلهم، وتكثر مواشي الحضر، من غنم ويقر.. وتكون سنة الربيع للعربي سنة يمن وبركة. وسنة انحباس الغيث وانقطاع المطره سنة بؤس وشقاء.
ولا يفرح العربي بشيء فرحه بالغيث وبظهور الربيع، أي موسم اخضرار الأرض واكتسائها ببساط سندسي يبهر العن ويؤثر في النفس فيجعلها فرحة مستبشرة، فيخرج السادات إلى المرابع، يتلذذون هناك بمنظر الربيع وبرؤية أموالهم وهي فرحة مستبشرة ترعى فيه، فيزيد بذلك مالهم ويكثر لبن نوقهم وتنشظ إبلهم في انجاب الولد. ويتوجه سادات القباثل إلى المرابع الجيدة، التي يجود فيها الربيع، وليس في بلاد العرب مربع كالدهناء. ويترك الملوك قصورهم على ما فيها من وسائل الراحة، للذهاب إلى البادية، للاستمتاع بما خلقته الطبيعة هناك، وبما أوجدته من صنعة متقنة وفن عجيب لا بضاهى. يبقون هناك أياما وأسابيع، يجددون فيها عهدهم بألبوادي وبما فيها من هواء صحيح سليم، يعطي الجسم نشاطا، ويبعث فيه "اكسير" الحياة.
البغاء
البغاء الفجور. و "البغي" الأمة فاجرة كانت أو غير فاجرة، والجمع البغايا. والزنا هو الفجور، وهو عيب كبير عند العرب، فلا تقربه الحرة. أما الرجال فلا يرونه عيبا، بل قد يتبجح بعضهم به، لأنه من أمارات الرجولة. وقد كانوا يذهبون اليهن ويتصلون بهن في مقابل أجر، وكن من الإماء، لأن المرء في الحياة لبطنه وفرجه. ومنه المثل: "المرء يسعى لغاريه" أي يكسب لبطنه وفرجه.
(1/2632)
وعرفت "البغي" ب "القحبة". قيل لها قحبة لأنها كانت في الجاهلية تؤذن طلابها بقحابها، وهو سعالها. فقد كانت من عادة "قحبة" الجاهلية أن تسعل أو تتنحنح، تراود بذلك عن نفسها، وتشعر الرجل، انها حاضرة للفجور إن أراد ذلك، فيتفق معها.
و "المسافحة"، المزاناة لأن الماء يصب ضائعا. و "السفاح" أن تقيم امرأة مع رجل على الفجور من غير تزويج صحيح: وفي الحديث: "أوله سفاح واخره نكاح". وهي المرأة تسافح رجلا مدة فيكون بينهما اجتماع على الفجور، ثم يتزوجها بعد ذلك. وكان أهل الجاهلية إذا خطب الرجل المرأة قال: أنكحيني، فإذا أراد الزنا قال: سافحيني.
ويقال للزنا: الفاحشة. والفاحشة الزانية وكل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي وكل ما نهي عنه،وكل خصلة قبيحة فهي فاحشة من الأقوال والأفعال. فاللفظة عامة تتناول الفحش الذي هو إلزنا كما تتناول غيره من الأعمال والخصال القبيحة. ويقال للبغي وللامة " تزنى"، ويقال لابنها "ابن تزنى" و "ابن درزة".
ولما نزلت الآية: )يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لايشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفتريه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف، فبايعهن واستغفر لهن الله، إن الله غفور رحيم(، وفرغ رسول الله من بيعة الرجال بمكة واجتمع اليه نساء من قريش فيهن: "هند بنت عتبة" وأخذن يبايعن الرسول، فلما وصل إلى قوله تعالى: "ولا يزنين"، فقالت: يا رسول الله وهل تزني الحرة?
(1/2633)
وفي القرآن الكريم آيات ذكرت الزنا في الجاهلية، من ذلك آية سورة النور: )الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة،والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين(. قال المفسرون: قدم المهاجرون إلى المدينة وفيهم فقراء ليست لهم أموال، وبالمدينة نساء بغايا مسافحات يكرين أنفسهن، وهن يومئذ أخصب أهل المدينة، فرغب في كسبهن ناس من فقراء المهاجرين،فقالوا: لو إنا تزوجا منهن فعشنا معهن إلى أن يغنينا الله تعالى عنهن. فاستأذنوا النبي صلي الله عليه وسلم، في ذلك، فنزلت هذه الآية وحرم فيها نكاح الزانية صيانة للمؤمنين عن ذلك، وقال عكرمة: نزلت الآية في نساء بغايا متعالمات بمكة والمدينة، وكن كثيرات، ومنهن تسع صواحب رايات، لهن رايات كرايات البيطار يعرفوفها: أم مهدون "أم مهزول" جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، و "أم غليظ" "أم غليظ" جاريه صفوان بن أمية، و "حبة القبطية" "حنة القبطية" جارية العاص بن وائل، و "مرية" جارية مالك بن عميلة. "عمثلة" بن السباق بن عبد الدار، و "حلالة" "جلالة" جارية سهيل بن عمرو، و "أم سويد" جارية عمرو بن عثمان المخزومي، و "شريفة" "سريفة" جارية زمعة بن الأسود، و "قرينة" "فرسة" جارية هشام بن ربيعة بن حبيب بن حذيفة بن جبل بن مالك بن عاصم بن لؤي، و "فرنتا" "قريبا" جارية هلال بن أنس بن جابر بن نمر بن غالب بن فهر. وكانت بريوتهن تسمى في الجاهلية "المواخير" لا يدخل عليهن ولا يأتيهن إلا زان من أهل القبلة أو مشرك من أهل الأوثان، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن ليتخذوهن مأكلة، فأنزل الله تعالى، هذه الاية، ونهى المؤمنين عن ذلك، وحرمه عليهم".
(1/2634)
وورد أن امرأة يقال لها أم مهدون "أم مهزول" كانت تسافح وكانت تشترط للذي يتزوجها أن تكفيه النفقة. وأن رجلا من المسلمين أراد أن يتزوجها، ع فذكر ذلك للنبي، صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: )الزانية لا ينكحها الا زان(. وكان لمرثد صديقة في الجاهلية، يقال لها عناق، وكان مرثد رجلا شديدا، وكان يقال له: دلدل، وكان يأتي مكة فيحمل ضعفة المسلمين إلى رسول الله، صلى الله عليه رسلم فلقي صديقته، فدعته إلى نفسها، فقال: إن الله قد حرم الزنا، فقالت اني تبرز، فخشي أن تشيع عليه، فرجع إلى المدينة فأتى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله كانت لي صديقة في الجاهلية، فهل ترى لي نكاحها قال: فأنزل الله: )الزانية لا ينكحها إلا زان...). وذكر أنهن كن بغايا متعالمات كن في الجاهلية، بغي آل فلان وبغي آل فلان، فأنزل الله: لا الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، وحرم ذلك على المؤمنين " فحكم الله بذلك من أمر الجاهلية على الإسلام. وورد: كان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية التي قد علم ذلك منها، يتخذها مأكلة، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الجهة، فنهوا عن ذلك".
(1/2635)
وفي القرآن الكريم: )ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء، إن أردن تحصنا، لتبتغوا عرض الحياة الدنيا. ومن يكرههن فإن الله من بعد اكراههن غفور رحيم(. قال المفسرون: نزلت في معاذة ومسيكة جاريتي عبد الله بن أبي المنافق، كان يكرهها على الزنا لضريبة يأخذها منها. وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية يؤاجرون إماءهم. فلما جاء الإسلام، قالت معاذة لمسيكة إن هذا الامر الذي نحن فيه لا يخلو من وجهين، فإن يك خيرا فقد اسكثرنا منه، وإن يلك شرا فقد ان لنا أن ندعه. فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مقاتل: ننرلت في ست جوار لعبد الله بن أبي كان يكرههن على الزنا ويأخذ أجورهن، وهن: معاذة، ومسيكة، وأميمة، وعمرة، وأروى، وقتيلة، فجاءت احداهن ذات يوم بدينار، وجاءت أخرى بدونه، فقال لهما: إرجعا فازنيا. فقالتا: والله لا نفعل، قد جاءنا الله بالإسلام وحرم الزنا. فأتيا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وشكتا اليه. فأنزل الله تعالى هذه الآية". وذكر أن رجلا من قريش أسر يوم بدر، وكان عبد الله بن أبي أسره، وكان لعبد الله جارية يقال لها معاذة، فكان القرشي الأسير يراودها عن نفسها، وكانت تمتنع منه لاسلامها. وكان ابن أبي يكرهها على ذلك ويضربها، لأجل أن تحمل من القرشي، فيطلب فداء ولده، فقال الله تعالى ولا تكرهوا فتياتكم...
ويرى بعض علماء اللغة أن "المساعاة" تكون في الحرة وفي الأمة. وذهب بعض آخر إلى أنها تكون في الإماء خاصة بخلاف الزنا والعهر، فإنهما يكونان في الحرة وفي الأمة، وفي الحديث إماء ساعين في الجاهلية. وأتي عمر برجل ساعى أمة، وقيل مساعاة المرأة أن يضرب عليها مالكها ضربية تأديها بالزنا. وفي الحديث،: لا مساعاة في الإسلام، ومن ساعى في الجاهلية فقد لحق بعصبته" والمساءاة الزنا. وذكر ابن فارس أن المساعاة الزنا بالإماء خاصة.
(1/2636)
ولم تكن للمسافحة أجور ثابتة، بل كانت تتوقف على المعاملة والتراضي، وقد تكون نقدا، دنانير أو دراهم، وقد كون عينا مثل برد أو أنسجة أو طعام أو ما شاكل ذلك، لقلة العملة في ذلك العهد.
ويلحق أءل الجاهلية نسب ولد المساعية بها إذا ولدت، ويكون الولد رقيقا لمن يملك رقبة الأم إن شاء جعلهم في ملكه وإن شاء باعهم لأن الأمة وما تملك ملك للمالك. وقد تاجر ملاك الرقيق بأولاد الإماء، وربحوا من هذه التجارة ربحا. فلما جاء الإسلام أبطل المساعاة، ولم يلحق النسب بالأمة، وعفا عما كأن منها في الجاهلية ممن ألحق بها. وفي حديث عمر: انه أتى في نساء أو إماء ساعين في الجاهلية، فأمر بأولادهن أن يقو موا على آبائهم ولايسرقوا. فصاروا أحرارا لاحقي الأنساب بآبائهم الزناة. وقد ورد في الحديث: "الولد للفراش وللعاهر الحجر " وبموجبه سكم الشرع على من ولد من الزنا في الجاهلية وأدرك الإسلام.
ولم يرد في نصوص المسند ذكر للزنا وعقوبة الزاني والزانية عند الجاهلين. وأقصد بالزنا هنا الزنا الذي يكون بين المحصن والمحصنة أو بين المحصن والبكر، أو بين البنت الحرة والرجل العزب أو الذي لم يتزوج، أي الزنا مع غير الإماء.
(1/2637)
أما اتزنا مع الإماء، فلم يكن الجاهليون يعيبون الإنسان عليه كما بينت ذلك. ويظهر من بعض الأخبار الواردة عن الزنا أن من الجاهليين من كان يأخذ الفدية عنه. فقد روي أن رجلا من الأعراب قام فقال: يا رسول الله أنشدك الله إلا ما قضيت بينا بكتاب الله وائذن لي. فقال رسول الله: قل: قال: إن ابني كان عسيفا على هذا "وأشار إلى أعرابي..كان جاسا إلى جانبه" فزنى بامرأته فافتديت منه بمئة شاة وخادم ثم سألت رجالا" من أهل العلم، فأخروني،أن على ابني جلد مئة وتغريب عام. وعلى امرأته الرجم لإحصانها. فقال النبي: والذي نفسي في بيده لأقضين بينكما بكتاب الله جل ذكره: المئة شاة والخادم رد عليك، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام. وأغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها. وقد كان هذا الحادث بعد نزول الأمر بالرجم. فيظهر منه أن من جملة عقوبات الزنا عند الجاهليين كان أخذ فدية،وتغريب.
واختلاف وجهة نظر الجاهليين الى الزنا، هو بسبب اختلاف عاداتهم وعرفهم وتعدد قبائلهم، وعدم وجود دين واحد لهم يخضعون جميعأ لحكمه. فلما جاء الإسلام وجعل الزنا من المحرمات، تغير حكمهم عليه، وصار شرعهم في ذلك هو شرع الإسلام.
و "المواخير"، بيوت أهل الفسق ومجالس الخمارين، ومواضع الريبة.
(1/2638)
والماخور: بيت الريبة ومن يلي ذلك البيت ويقود اليه. واللفظة من الألفاظ المعربة. يرى بعض علماء اللغة أنها معربة عن أصل فارسى "ميخور" "مي خور"، أي شارب الخمر،وذهب بعض آخر إلى أنها من أصل عربي. ولكن الصحيح أنها فارسية معربة. وقد كانت المواخير في الجاهلية موجودة في القرى والمدن وعلى طرق التجارة. حيث يأوي التجار وأصحاب الأسفار للراحة، فيجدون أمامهم تلك المواخير. ذكر عن "ابن عباس" في تفسير قوله تعالى: الزاني لاينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين" انه قال: كانت بيوت تسمى المواخر في الجاهلية، وكانوا يؤاجرون فيها فتياتهن، وكانت ييوتا معلومة للزنا لا يدخل عليهن. ولا ياتيهن إلا زان ".
وكان من الرجال من يتهم أزواجه بالزنا ويرميهن بالفاحشة، لأسباب عديدة، منها الرغبة في التخلص منهن أو انتقاما من أهلهن أو عضلا لهن، فلا يتزوجن ويحبسن في البيوت حتى يتوفاهن الموت، وقد حدثت مثل هذه الحوادث في الإسلام، فنزل الحكم فيها في القرآن الكريم.
صواحب الرايات
وهن البغايا كن ينصبن على ابوابهن رايات تكون علما، فمن أرادهن دخل عليهن، وتفاوض معهن على أجورهن في مقابل دخوله بهن. وذكر أن تلك الرايات كانت رايات حمرا. وروي انه. "كان لبعضهن راية منصوبة في أسواق العرب فيأتيها الناس فيفجرون بها. فأذهب الإسلام في ذلك، وأسقطه فيما أسقط". وقد وجد بعض الناس صعوبة في تقبل حكم الإسلام في تحريم الزنا والخمر.
"وفي حديث علي كرم الله وجهه، لما طلب اليه أهل الطائف أن يكتب لهم الأمان على تحليل الزنا والخمر، فامتنع، قاموا ولهم تغذمر وبربرة" من شدة غضبهم ونفورهم من هذا التحريم.
(1/2639)
وأما اليهود، فقد ساروا على وفق ما جاء في التوراة في أمر الزنا. وهو من الخطايا المنهي عنها في الوصية السابعة من ألوصايا العشر. ويقاص الرجل الذي يضاجع امراة غيره بالموت، وتعاقب المرأة بالعقوبة نفسها. وإذا ضاجع رجل ابنة مخطوبة ولم تصرخ الابنة رجم الاثنان، وإذا صرخت رجم هو فقط. وإذا ضاجع رجل ابنة حرة غير مخطوبة، فوجدا، لزم عليه اعطاء والدها خمسين شاقلا من الفضة، ويلتزم أن يأخذها له امرأة. وإذا كانت الابنة غير حرة، كان يقدم الرجل تقدمة حظيته. وقد نص في سفر "العدد" على طريقة إظهار زنا المرأة المتهمة ومعاقبتها.
ويظهر من كتب السير والحديث أن يهود المدينة في أيام الرسول، كانوا قد تساهلوا في تطبيق أحكام التوراة بشأن الزنا، وابتدعوا طرقا أخرى غير طرق العرف والعادة. فقد روي انه أتى رسول الله بيهودي ويهودية، وقد أحدثا جميعا، أي زنيا. فقال رسول الله لليهود: ما تجدون في كتابكم ? قالوا: إن أحبارنا أحدثوا تحميم الوجه والتجبية. أي الإركاب معكوسا، وقيل أن يحمل الزانيان على حمار مخالفا بين وجهيهما. قال عبد الله بن سلام: ادعهم يا رسول الله يالتوراة، فأتى بها، وقرأ موضع الرجم، فرجما.
وعرفت "القيادة" عند الجاهليين. قالت "عائشة رضي الله عنها: ليست الواصلة بالتي تعنون، وما بأس إذا كانت المرأة زعراء أن تصل شعرها، ولكن الواصلة أن تكون بغيا في شبيبتها، فإذا أسنت وصلته بالقيادة ". والقوادة هي الني تجلب البغايا للرجال، وأما القواد، فالذي يقوم بالقيادة. و "التدييث" القيادة. و "الديوث" القو اد على أهله والذي لا يغار على أهله. وقيل الديوث والديبوب الذي يدخل الرجال على حرمته بحيث يراهم، كأنه لين نفسه على ذلك. وقبل هو الذى تؤتى أهله وهو يعلم.
(1/2640)
وضرب المثل بي "ظلمة" في القيادة. وكانت " صبية في الكتاب، فكانت تضرب دوي الصبيان وأقلامهم، فلما شبت زنت، فلما أسنت قادت، فلما قعست اشترت تيسا تنزيه على العنز". وذكر أنها كانت فاجرة هذلية. فضرب بها المثل فقيل "أقود من ظلمة" و "أفجر من ظلمة".
المخادنة
وهناك نوع آخر من العلاقات يكون بين الرجل والمرأة بغير عقد ولا نكاح يكون الرجل خدنا للمرأة أي صديقا لها، وتكون هي خدنة له، أي صديقة له، ولذلك عبر عن هؤلاء النسوة المتخادنات ب "ذوات اللأخدان" و "متخذات أخدان". جاء ذكر هذه المخادنة في الاية الكريمة
فانكحوهن بإذن أهلهن، وأتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان.( أي أصدقاء على السفاح. وشد ذكر أن ذلك قيل كذلك، لأن الزواني كانت في الجاهلية المعلنات بالزنا والمتخذات الأخدان اللواتي قد حبسن أنفسهن على الخليل والصديق للفجور بها سرا دون إعلان بذلك. وقد ذكر أن متخذات الأخدان ذوات الخليل الواحد. قالوا: كان أهل الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا ويستحلون ما خفي، يقولون: أما ما ظهرمنه فهو لؤم، وأما ما خفي فلا بأس بذلك فأنزل الله تبارك وتعالى: "ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن". فذات الخدن، المرأة ذات الخليل الواحد المستسرة به. وقد يقيم معها وتقيم معه وقد عد صداقة ومودة، لذلك اختلفت وجهة نطر أهل الجاهلية اليه عن وجهة نظرهم إلى الزنا، فلم يعدوه من الزنا الشائن.
المضامدة
والمضامدة قريبة من المخادنة. والضمد أن تخال المرأة ذات الزوج رجلا غير زوجها أو رجلين. والضماد أن تصادق المرأة اثنين أو ثلاثة في القحط لتأكل عند هذا وهذا لتشبع. و "الضمد" الخل.
الشذوذ الجنسي
(1/2641)
والشذوذ الجنسي معروف عند الجاهليين أيضا كما هو عند جميع الأمم منذ القدم، وليس من المعقول استثناء الجاهلينن من ذلك، بدليل ورود النهي عنه والتحذير منه في القرآن الكريم وفي الحديث. ومن الشذوذ الجنسي، الشذوذ المعروف، وهو ذهاب الرجل مع الرجل ومزاولته عمل الجنس معه، أو اتصال المرأة بالمرأة اتصالا جنسيا، أو اتيان الرجل المرأة من دبر، كما كان الحال عند أهل مكة. فقد ذكر أن منهم من كان يأتي النساء من أدبارهن، وقد منع ذلك في الإسلام. وقد عرف إتيان المرأة في دبرها ب "التحميض". ويقال للتفخيذ في الجماع "التحميض" أيضا. وذكروا في تفسير الآية: )نساؤكم حرث لكم(: "انما كان هذا الحي من الأنصار، وهم أهل وثن، مع هذا الحي من يهود، وهم أهل كتاب وكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب ألا يأتوا النساء إلا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحا منكرا، ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات. فلما قدم المهاجرون المدينة، تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك، فأنكرته عليه، وقالت: انما كا نؤتى على حرف ! فاصنع ذلك، وإلا فاجتنبني، حتى شرى -أمرهما فبلغ ذلك النبي، صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: فأتوا حرثكم أنى شئتم، أي مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعني بذلك موضع الولد وذكر أن أهل مكة كانوا يجبون النساء، وكانت الأنصار لا تجبي وتنكر فعل ذلك، وإنما يؤتين على جنوبهن. فوقع خلاف بن أهل مكة ممن تزوج من أهل المدينة وبين من تزوجوا في كيفية إتيانهن، فنزلت الاية في شرح ذلك، وانه يكون على أي شكل كان، ما دام في موضع الحرث. والإجباء: أن تكون المرأة منكبة على وجهها. كهيئة السجود، فيأتيها الرجل على هذه الهيئة. وذكر ان يهود يثرب، كانت تقول: إذا نكح الرجل امرأته
(1/2642)
مجببة جاء الولد أحول،.
وتستعمل لفظة "اللواطة" للتعبير عن إتيان الذكران في أدبارهم وأرى أن هذا المعنى إنما وقع في الإسلام.. أخذ مما جاء في القرآن الكريم عن عمل قوم لوط: )إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين.أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر(، )ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون. أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء، بل أنتم قوم تجهلون(. و )لوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين، انكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء، بل أنتم قوم مسرفون(، فنسب فعل إتيان الرجال بعضهم بعضأ إلى قوم "لوط"، واشتق الفعل من اسمه. ونرى ان الآيات قد استعملت: "لتأتون الرجال"، للتعبر عن هذا الفعل. واستعمل المفسرون هذا التعبير وتعبير "المجامعة" للتعبير عنه. وقد استعمل الجاهليون "لاط" في معان أخرى لا صلة لها بالمعنى المذكور. وفي ذلك دلالة واضحة على أن استعمال "اللواط" إنما وقع في الإسلام. والمأبون الذي تفعل به الفاحشة، وهي الأبنة. ومن المجاز برقع لحيته، أي صار مأبونا، تزيا بزي من لبس البرقع، ومنه قول الشاعر: ألم تر قيسا قيس عيلان برقعت لحاها وباعت نبلها بالمغارل
وذكر "ابن قيم الجوزية" أن هذا الفعل لم يكن معروفا بين العرب ولم يرفع إلى الرسول في أيامه حادث به.
وتعبير "السحاق" و "المساحقة" و "امرأة سحاقة" من التعابير التي انتشرت في الإسلام وقال الأزهري: ومساحقة النساء لفظة مولدة. ومن علماء اللغة من يرجع عهدها إلى الجاهلية، ويجعلها من الألفاظ العربية الأصيلة. واللفظة عربية ولا شك، ولكن استعمالها في المعنى المذكور مجازي، وقول الأزهري إنها مولدة غير صحيح.
(1/2643)
وكان منهم من يضرب جاريته على ظهرها ثم يجامعها. كأنهم كانوا لايشعرون بشهوة الجنس على ما يظهر إلا بعد ضرب الجارية، ويعبرون عن ذلك بقولهم "صلق جاريته"، ويعرف هذا بين الغربيين في العصر الحاضر بالسادية Sadism نسبة إلى "الكونت دي ساد". كناية عن الابتهاج بالقسوة. وعن انحراف جنسي يتلذذ فيه المرء بإنزال أصناف، العذاب بمحبوبه.
ومن الشذوذ أيضا إتيان الحيوان. فقد ذكر أن "بني كليب" كانوا يرمون بإتيان الضأن، وكذلك بنو الأعرج وسليم. وأشجع ترمى بإتيان المعز. ونجد ذلك واضحأ مذكورا في شعر الشعراء كالنجاشي والفرزدق. ورميت "بنو دارم" بإتيان الأتن. وتعرض "الجاحظ" في أثناء حديثه عن زواج الانسى بالجن لهذا الموضوع فقال: ونحن نجد الأعرابي والشاب الشبق، ينيكان الناقة والبقرة والعنز والنعجة، وأجناسا كثيرة، فيفرغون نطفهم في أفواه أرحامها، ولم نر ولا سمعنا على طول الدهر، وكثرة هذا العمل الذي يكون من السفهاء، القح منها شيء من هذه الأجناس،والأجناس على حالهم من لحم ودم، ومن النطف خلقوا. ورميت "بنو فزارة" بإتيان الإبل. رماها بذلك "بنو هلال بن عامر بن صعصمعة بن معاوية بنت بكر بن هوازن" في ملاحاة كانت بين الحيين. والعادة أن القبائل إذا تخاصمت رمت بعضها بعضا بالتهم، وذالك في الجاهلية وفي الإسلام.
فلما رمى "بنو هلال" "بني فزارة" بأكل أير الحمار، وبإتيان الإبل، قالت بنو فزارة: أليس منكم يا بني هلال من قرا في حوضه فسقى إبله، فلما رويت سلح فيه ومدره بخلا أن يشرب من فضله.
الأتراح والأحزان
(1/2644)
وإذ كنت قد تحدثت عن ألأفراح في جياة الإنسان، وما كان يفعله أهل الجاهلية فيها، فلا بد لي من الحديث هنا عن الأتراح والأحزان عندهم، وما كانوا يفعلونه عند نزول مصيبة بهم أو وقوع حادث محزن مفجع لهم، فأقول: يلعب الحزن دورا كبيرا في حياة الشرقيين، بل نستطيع أن نقول إن الحزن أظهر في حياتهم من الفرح وأن المبالغة في إظهاره عندهم هي من المظاهر البارزة في مجتمعاتهم. وطالما يلجأ الحزين إلى المبالغة في حزنه، ليظهر نفسه وكأنه كان أكثر الناس تحملا للمصائب والأهوأل والنكبات: وما قصة "أيوب" الواردة في التوراة إلا نوعا من هذا القصص: قصص الحزن وتحمل الصبر من شدة البلاء.
وفقدان المال بعد ثراء وغنى وجاه والعلل والأسقام التي تنزل بالانسان، والكوارث والموت وأمثال ذلك، هي مما يثير الحزن والأشجان في النفس، فتجعل الإنسان يحزن على ما أصابه ويظهر جزعه أو تحمله للالام أمام الناس، وذلك بمختلف أساليب التعبير عن الحزن الذي نزل بالحزين.
والحزن: الهم. وقيل: خلاف السرور. وقد فر ق بعضهم بين الهم الحزن. وقال بعض علماء اللغة: الحزن: الغم الحاصل لوقوع مكروه أو فوات محبوب في الماضي ويضاده الفرح. وقد سمى رسول الله العام الذي ماتت فيه "خديجة" وعمه "أبو طالب" "عام الحزن"، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، لمآ أصابه فيه من هم وغم.
وللعرب كما لغيرهم من الشعوب مصطلحات وتعابير خاصة، يعبرون بها عن آلامهم وأحزانهم وما يجيش في صدورهم من أحزان. منها تعابير يستخدمها المحزون نفسه تعبيرا عن حزنه وآلامه الشديدة، ومنها تعابير بستعمل ألمحزون في الرد على من يتفضل عليه بمواساته للتخفيف عن آلامه،بأن يدعو لهم ويشكرهم على تكليف أنفسمهم مشقة المجيء اليه لمؤاساته أو مشاركتهم له في حزنه. ومنها تعابير يقولها المؤاسون للشخص المحزون للتخفيف عن مصابه وللترويح عنه ولاظهار حزنهم له ومشاركتهم له في أحزانه.
(1/2645)
كما أن لهم كما لغيرهم علامات وشعارات يظهرونها للناس لإشعارهم بأنهم مصابون بالام وأحزان، وبحلول نكبات وكوارث بهم. وذلك مثل لبس ألبسة خاصة تكون شعارا خاصا بالحزن، وذر الرماد أو التراب على الرأس و الوجه بالطين، وترك الشعر ينمو دون حلق ولا إجراء تعديل فيه أوترك دهنه مدة معينة إظهارا للحزن على ميت، وما إلى ذلك من علامات، هي ضرورية ولازمة جدا، بالنسبة لمحزون أو للمحزونين والمفجوعين ولأصدقائهم، إذ أن اهمالها وتركها هو في نظرهم عيب ومنقصة على المفجوع وعلى أصدقائه وعلى آله على حد سواء. ثم هي تقاليد لا بد من مراعاتها والمحافظه عليها.
ومن ذلك أيضا: النداء. وذلك بإعلان شخص عن المصيبة بصوت عال يسمع حتى يشاركه الناس مصيبته أو ليحصل منهم على ما يرجوه من مساعدة.
مثل واسوء صباحاه: في المصيبة التي تقع في آخر الليل وأول النهار. أو أن يعلن عن وفاة كبير وذلك بأن ينادي بصوت عال في الأحياء وفي الاماكن العامة عن موت ذلك الكبير بعبارات مؤثرة وبصوت رخيم. ليكون ذلك معلوما لأهل المكان، فيتجمعون حول المفجوع ويشاطرونه حزنه ويشتركون في تشييع ألجنازة.
ويعبر عن الكوارث والآفات والمصائب بلفظة "لمت"، في بعض اللهجات العربية الجنوبية، كما في هذه الجملة: "كل لمت لمت "، ومعناها من كل ملمة ألمت، أو من كال نازلة نزلت. وفي هذا المعنى أيضا جملة: "بعد حدثت حدثت"2 أيما بعد حادثة حدثت، أو بعد الحادثة إلتي حدثت، أو بعد الفاجعة التي حدثت.
ويقال لما يصيب الناس من عظيم نوب الدهر: "دواهي الدهر". وإذا نزلت بشخص مصيبة قالوا: "دهته داهية"، وقد يقولون "داهلية دهياء" على سبيل التوكيد والمبالغة. ويقول الشخص: دهيت. وزتمول ما دهاك ? أي ما أصابك.وكل ما أصابك من منكر من وجه المأمن فقد دهاك دهيا.. والدهياء: الداهية من شدائد الأمر.
أخو محافظه، إذا نزلت به دهياء داهية من الأزم
(1/2646)
والاصطلاح الشائع عن هلاك الإنسان وفقده الحياة هو "الموت". وقد وردت هذه اللفظة في لهجات عربية أخرى، مثل اللهجه الصفوية واللحيانية وهنأك ألفاظ أخرى تؤدي معنى الموت والهلاك. مثل الهلاك والمنايا والاحداث والحمام والأجل و الحتف والقدر والمنون وألزمان والسأم والنحب وغير ذلك. وهي مصطلحات جاهلية، بعضها من المصطلحات القديمة، لها معان أوسع من مصطلحات الموت. ولكن ربط بينها وبين هذا المصطلح لما لها من صلة بهلاك الإنسان وبمصيره،فجعلت تؤدي معنى الموت.
وهلك بمعنى مات. معروف عند أهل اللغة. وقد وردت اللفظة بهذا المعنى في نص النمارة الذي يعود تأريخه الى سنة 328 م. وأما المنية، فالموت كذلك في نظر علماء اللغة، لأن المنى القدر والموت قدر علينا. وأما الحتف، فهو الموت أيضا، وجمعه حتوف. وهو معنى مجازي جاهلي متأخر. ورد في المثل: "مات حتف أنفه" 0 اي على فراشه من غير ضرب ولا قتل ولا غرق ولا حرق، وخص الأنف لأنهم كانوا يتخيلون أن روح الرجل تخرج من أنفه، فإن جرح خرجت من جراحته. وهناك مثل آخر يشبهه وهو "مات حتم فيه" لأن الفم مجرى النفس كذلك.
وترادف لفظة "الميت" و "ميت" لنظة "جنز" في ألعربيات الجنوبية. وذكر علماء العربية ان الجنازة الميت، فهي في معنى لفظة "جنز" ا اوارسة في المسند.
وقريب من معنى "مات حتف نفسه"، ماورد في بعض النصوص الصفوية من تعبير "رغم مني"، فإنه يريد ان الشخص لم يمت قتلا، وانما مات رغما منه، مات بمنيته وبأجله.
و يعبر مصطلح "مات بحد السيف" أو "مات صبرا"، عن معنى ان الوفاة لم تكن طبيعية، وانما كانت قتلا، إما بضرب عنقه، وإمها بوسائل أخرى من وسائل، التعذيب، صبر عيها ذلك الشخص حتى مات.
وورد: " الموت الأبيض" و "الموت إلأحمر" 0 الأبيض الفجأة، أي ما يأتي فجأة، ولم يكن قبله مرض يغير لونه. والأحمر الموت بالقتل لأجل الدم.
(1/2647)
والانتحار، أي قتل الإنسان نفسه، معروف عند الشعوب القديمة، ويكون إما بإزهاق الإنسان روحه باستعمال آلة حادة، مثل، سكين أو خنجر وما شابه ذلك، وإما برمي الشخص نفسه من محل مرتفع، أو بإغراق نفسه، أو بإحراق نفسه بنار، وما إلى ذلك. ويعد من الأعمال الشريرة في الأديان. ويعبر في العربية ب "قتل نفسه" عن "الانتحار".
ومن الألفاظ التي تعني الموت: القشم. يقال: قشم الرجل قشعا، أي مات. وأم قشعم، فإنها تعني المنية، كما تعتي الحرب والداهية. والحمام،لأنه قضاء الموت وقدره. و "أم اللهيم": يراد بها "الحمى"، ويكنى بها عن الموت، لانها تلتهم كل أحد. وقيل: هي "المنية"، وكنية الموت، لأنها تلتهم كل أحد.
ويعبر عن الحالات التي يكون فيما المرض قد اشتد بالمريض حتى صار يشرف على الموت بتعابير خاصة مثل: "سكرات الموت" و "الحشرجة" ويراد بها تردد النفس.
ويعبر عن القتل المعجل بالتصص، فيقال مات فلان قصصا، إذ أصابته ضربة أو رمية فمات مكانه. ويقال ضربه فأقصصه، أي قتله في مكانه.
وللدهر والحدثان والزمان والقدرصلات قوية بالموت، إذ تنسب اليها إماتة الإنسان. والدهر على الأخص مسؤول في نظر أهل الجاهلية عن قوارع الزمان وحوادثه التى تنزل بالانسان. انه هو المبيد، وهو المهلك، وهو المفقر، فهو اذن بالنسبة إلى الجاهليين رأس كل بلاء. ولكنهم بدلا من التقرب اليه والتودد له ليبتعد عنهم، وليرأف بحالهم كانوا لا يستطيعون ضبط أعصابهم عند نزول الشدائد بهم، فيسبونه، لذلك ورد ان الرسول نهى عن سب الدهر فقال: "لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر". وجعل الدهر في الإسلام من أسماء الله الحسنى، وذكر انه ورد في الحديث القدسي: " تؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وانما أنا الدهر ".
(1/2648)
والموت في نظر الجاهليين مفارفة الروح للجسد لسبب من الأسباب التي تؤول إلى هلاكه. تخرج الروح من الأنف أو من الفم وذلك في الموت الطبيي وفي موت الفجأة. أما إذا كان الموت بسبب جرح، فإن الروح تخرج على ما ذكره الأخباريون من الجرح. والروح قد تتحول وتصير طائرا يرفرف فوق قبر الميت يسمى "الهامه" في حالة كون الميت قتيلا.
واعتقد بعض الجاهليين ان الموت أجل مثبت وأمر معين محتم، وهو لا يأتي إلا في حينه. فإذ! جاء الأجل كان حذر الإنسان وجبنه غير دافع عنه المنية إذا حلت به. وذكر ان أول من قال ذلك "عمرو بن مامة" في شعره. وفي حديث عامر بن فهيرة: والمرء يأتي حتفه من فوقه
ولحنش بن مالك بيت في الحتوف، إذ يقول: فنفسك احرز فإن الحتو ف ينبان يالمرء في كل واد
وكامة "الروح" من الكمات المعروفة عند الجاهليين. وقد صورتها بعض الأخبار الإسلامية حفظة على الملئثكة " وجعلت لها وجها كوجه الإنسان وجسدا كجسد الملائكة،ولا يمكن رؤيتها كما لا يمكن رؤية الملائكة. بها يعيش الإنسان وبها حياة الانفس. وقد سأل الجاهليون الرسول على ماهية الروح،فنزلت الآية: " يسألونك عن الروح قل: الروج من أمر ربي، وما أوتيتم من العلم الا قليلا". ويذكر المفسرون أن سائليه هم اليهود أو ان اليهود علموا المشركين أن يسألوه عن الروح محاولين بذلك إثارة مشكلة للرسول كانت مهمة في أعين الناس يومئذ، مما يدل على أهمية هذه القضية في ذلك العهد.
(1/2649)
ويظهر من تمحيص الأخبار الواردة عن الموت والقبر وأشباه ذلك أن عقيدة الجاهليين ان الروح متصلة بالجسد ملازمة له في أثناء الحياة، فإذا وقع الموت انفصلت عن الجسد وفارقته. ثم اختلفو فيما بينهم في مصير الروح، فمنهم من تصورها وهي ملازمة "قبر صاحبها لا تفارقه، وكأنها لا تريد أن تفارق الجسد الذي كانت مستقرة فيه". فصارت المقابر موضع تجمع الأرواح، ومنهم من ذهب الى هلاكها بهلاك الجسد أو تحولها أرواحا تسبح في عالم الأرواح. ونجد في حديث "مجاهد" أن "الأرواح على أفنية القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت لا تفارق ذلك". تفسيرا لرأي بعض الجاهلين في مدة بقاء الروح حول القبر. وهناك أحاديث أخرى يظهر منها ان الروح تلازم القبور فلا تفارقهم.
وهندك كلمة أخرى لها صلة وعلاقة متينة بهذه الكلمة. هي لفظة "النفس". وهي من الكلمات الجاهلية القديمة التي وردت في النصوص، معناها الروح والشخص والذات والجسد. وقد ذكر لها علماء اللغة جملة معان استعملت في الأكثر على سبيل المجاز. ولم يفرق بعض هؤلاء بين الروح والنفس. ويظهر من بعض التعابير والجمل التي كان يستعملها الجاهليون مثل "خرجت نفس فلان"و"فاظت نفسه" "فاضت نفسه" أن المراد بالنفس الروح. وقد تصور بعضهم أن النفس الدم، وإنما سمي الدم نفسا لأن النفس تخرج بخروجه. وفي الحديث: " ما ليس له نفس سائلة فإنه لا ينجس الماء إذا مات فيه " لا ولبعضهم آراء في التفريق بين الاثنين نشأت في العهد الإسلامي. ولا سيما من ورود استعمال الكلمتين في معان متعددة في القرآن الكريم وفي الحديث.
(1/2650)
ويعد "المرض" من جملة الآثام التي تنزلها الآلهةبالإنسان، لخروجه على أوامرها ولعدم أداء ما عليه من واجبات وفروض تجاهها، ومنها الحقوق التي فرضتها عليه، وفي رأسها النذور والصدقات والزكاة التي امرت الآلهة بتقديمها إلى معابدها. ولهذا نجد المريض يتوسل بآلهته لكي تصفح عنه وتعفو عن تقصيره تجاهها، وأن تعيد اليه ما اخذته منه من صحة وعافية في مقابل تقدم نذر لها ووفائه يقيامه بكل ما أمرت به من واجبات تجاهها. وفي المتاحف الخاصة والعامة مئات من الكتابات الجاهلية في هذا المعنى، ومئات أخرى،كتبت شكرا وحمدا للالهة، إذ سمعت توسلات عبيدها بأن تمن عليهم بالصحة والعافية، فمنت عليهم ولهذا فإنهم كتبوا كتاباتهم تلك للتعبير عن شكرهم لها، ولمناسبة تقديمهم النذر الذي نذروه لمعابد الالهة.
نعي الميت
وتكون الاعلان عن موت شخص بالبكاء وبالنعي، ويتوقف نعي الميت والبكاء عليه على قدر منزلة الميت ودرجة أهله ومكانتهم الاجتماعية. ويعد نعي الميت و شق الجيوب عليه من وسائل التقدير والإكرام وتبجيل الميت، ولذلك كانوا يوصون قبل موتهم بنعيهم للناس نعيا يليق بهم، ويقوم بذلك ناع أو جملة نعاة. يركب الناعي فرسا ويسير ينعى الميت بذكر اسمه وتمجيد ليسمع بذلك القوم، قائلا: "نعاء فلان..." وترد كلمة "الناعي" و "النعاة" كثيرا في الشعر وفي النثر. وقد كان الجاهليون يستغلون نعى القتلى للتحريض عاى القتال والأخذ بالثأر، ويقال لذلك: "التناعي".
وقد نهى الإسلام عن "نعي الجاهلية"، وذلك لما كانوا يبالغون من النداء بموت الشخص وذكر مآثره ومفاخره ورثاءه رثاء يتجاوز الحد.
(1/2651)
والولولة والنياحه على الميت من النقاليد التي تشدد فيها أهل الجاهلية وكانت عندهم سمة من سمات التقديس. ولهذا كان أهل الجاه والشراف يستأجرون النائحات للنياحة على الميت في بيته وخلف نعشه إلى القبر وفي مأتمهه، ويبالغون في ذلك تبعا لمننرلة المتوفى. وتلك عادة متبعة عند غيرهم أيضا، فقد كان العبرانيون يستاجرون النادبات ليندبن الموتى. كما كان الرومان يتبعون هذه السنة.
وكلمة "الرثاء" من الكلمات الجاهلية وهي تعني بكاء الميت وتعديد محاسنه ونظم الشعر فيه، ويقال للمراة النواحة، والتي ترثي بعلها أو غيره من الأقارب والأعزاء ممن يكرم عندها "الرثاءة" و "الرثاية". وأما "المناحة" فهي إجتماع النساء في مناحة لاظهار حزنه على الميت. ويقال للاجتماع نياحة أيضا. والكلمة من الكلمات الجاهلية كذلك. ويفهم كثير من الناس من كلمة "مأتم" المصيبة واظهار الحزن والنوح والبكاء،وليس هو كذلك، وإنما "المأتم" في عرف أهل اللغة المجتمع يجتمع فيه النساء في حزن أو فرح في خير أو شر، ويطلق على اجتماعات الرجال والنساء.
وفي الشعر الجاهلي أبيات يحث فيها الشعراء أهلهم ويوصونهم بالبكاء وبالنوح عليهم إذا -ماتوا. قصد ذكروا أن طرفة بن ا لعبد خاطب ابنة أخيه بهذا البيت: ???فإن مت فانعيني بما أنا أهله=وشقي علي الجيب يا ابنة معبد وذكروا أن الشاعر حازم بن أبي طرفة الحارث بن قيس الشداخ الكناني، وهو شاعر جاهلي أوصى ابنته لما شعر بدنو أجله بأن تبكي والدها وأن تندبه وتذكر محامده وفعاله، وذلك في هذين البيتين: بنية إن الموت لا بد لاحق بشيخك ماضي الانام المودع
فإن قمت تبكيني فقولي أبوالندى ومأوى رجال بائسين وجوع
أما الشاعر لبيد فقد أوصى ابنته بهذه الوصية لما حضرته الوفاة: تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما وهل أنا إلا من ربيعة أومضر?
فقوما وقولا بالذي تعلمانه ولا تخمشا وجها ولا تحلقا شعر
(1/2652)
وقولا: هو المرء الذي لا صديقه أضاع ولا خان الأمن ولاغدر
وهي وصية فيها تعقل واقتصاد بالنسبة إلى طلبات غيره ممن كان يرى البكاء والنياحة وخمش الوجوه وحلق الشعور وإظهار أكثر ما يمكن من مظاهر الحزن والتوجع والتألم وأمثال ذلك، هي سيماء من سيماء التقدير والتعظيم والاحترام للميت بل للاحياء من اله وأقربائه أيضأ، لأنها دلالة على شدة تألمهم لذهاب فقيدهم، وعلى انهم لا يبالون في الإنفاق في شيء حتى في إيلام أنفسهم وتوجيع أجسامهم وهلاكهم في سبيله، وانهم كرماء لا يبالون في البذل في سبيل من يفتقدونه. وما كان لبيد، ليقنع بهذا المأتم لو كان على رأي أهل ألجاهلية. فمأتمه هذا مأتم بارد لا يليق بمقام رجل جاهلي، ولكنه كان مسلما، دفعه إسلامه على القناعة في مأتمه وعلى الاكتفاء بهذا القليل. فقد ورد في الحديث " إن الميت ليعذب ببكاء أهله " وأن الرسول قال: " ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية "، وانه " بريء من الصالقة والحالقة والشاقة "، وانه قال: "اثنتان في الناس هما بهما كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت" إلى غير ذلك من أحاديث تنهى عن هذه المظاهر، التي هي في نظر الإسلام من سيماء أهل الجاهلية.
ويصحب البكاء شق الجيب وتعفر الرأس بالتراب واجتماع النسوة اياما لندب الميت وذكر مناقبه. تقوم بذلك نادبات ممتهنات أو غيرهن ممن رزقن موهبة القول في مثل هذه الأحوال من أفراد الأسرة أو القبيلة أو الحي أو القرية. وفي بيت ل "طرفة بن العبد" نجده يوصي بنعيه بما يستحقه وبشق الجيب عليه. وقد يمتد نعي الميت ورثاؤه حولا كاملا، وهي مدة عزاء أهل الجاهلية. فإذا انتهى الحول وقد بكوه البكاء الذي استحقه الميت عذر أقرباؤه عن الإستمرار في بكائه إلا في المناسبات. قال لبيد لابنتيه، لما حضرته الوفاة: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
(1/2653)
وتعرف التي ترفع صوتها بالنياحة ب "الصالقة". وأما التي تحلق شعرها عند نزول المصيبة فيقال لها "الحالقة". وأما التي تشق جيبها، فيقال لها "الشاقة". ويقال لتعديد النادبة بأعلى صوتها محاسن الميت النادبة ولعملها الندب. والظاهر أن الندب كان خاصا بالنساء، وإن وردت كلمة "نادب" عند اللغوبين. وقد نهى الإسلام عن "الصلق"، ورد في الحديث: "ليس منا من صلق أو حلق أوخرق ". أي ليس منا من رفع صوته عند الصيبة وعندالموت. ويدخل فيه النوح أيضا. و "السالقة"، هي بمعنى "الصالقة"، وهي لهجة ولا شك من لهجات القبائل، وقد وردت قي رواية أخرى للحديث المذكور أيضا.. ولطم الخدود ونهشها وشق الجيوب وذر التراب أو الرماد أو وضع الطين على الرأس والخدود عادة لا ينفرد بها العرب وحدهم، بل هي موجودة عند غيرهم من الأمم أيضا. وفي التوراة آيات تشير اليها كلها وتعدها من دلائل الحزن والأسى الشديد والتوجع على الميت. وهي كلها مذكورة فيها من البكاء والنحيب على الميت إلى ذر الرماد والتراب أو وضع الطين على الرأس الى شق الجيوب ولطم الصدر والخدود.
وليست عادة استئجار النادبات بعادة خاصة بالعرب الجاهليين،فقد كان العبرانيون يستأجرون النادبات كذلك ليندبن الميت، وقد أشير إلى ذلك في التوراة،ولعلها من العادات السامية القديمة المعروفة عند بقية إلساميين.
ويقال لمد الصوت بالنحيب "النقع" " واما مد اللسان بالولولة ونحوها، فيقال له "اللقلقة".
ويحترم الجاهليون الموت والميت فكانوا يقومون إذا مرت بهم جنازة، ويقولون إذا رأوها: "كنت في أهلك مائتا مرتين". أما أهل الميت وأقرباؤه وأصدقاؤه فكانوا يسيرون أمام الجنازة وخلفها الى المقبرة.
(1/2654)
وتعفر النساء رؤوسهن بالتراب وبالرماد وبالطين ويلطمن خدودهن بأيديهن، كما كن يلطخن رؤوسهن بالطين ويسرن مع الجنازة إظهارللحزن والجزع على الفقيد. وترافقهن النادبات والمولولات، يندبن الميت ويولولن عليه يسرن حافيات مبالغة في إظهار الحزن.
وكانت العرب لا تندب قتلاها ولا تبكي عليها حتى يثأر بها، فإذا قتل قاتل القتيل، بكت عليه وناحت.
ويتبين من حديث "عمرو بن العاص" ان من عادات الجاهليين حمل النار مع إلجنازة تصطحبها اصطحاب النائحة لها، وقد أباح "عمرو" لأهله نحر جزور عند قبره لتوزيع لحمها على المحتاجين، وأن يقيموا حول قبره حتى يستأنس بهم، وينظر ماذا يراجع به رسل ربه. ونجد مثل ذلك في خبر يذكر ان "أبا موسى الأشعري" لما حضره الموت دعا ابنه، فقال: " أنظروا إذا أنا مت فلا تؤذنن بي أحدا ولا يتبعني صوت ولا نار ". ويدل ذلك على ان عادة حمل النار مع الجنازة بقيت زمنا في الإسلام.
ويؤخذ من شعر للأفوه الأودي ان الجاهليين كانوا يغسلون موتاهم قبل دفنهم. وذكر "اليعقوبي"، انه لما مات عبد المطلب "أعظمت قريش موته وغسل بالماء والسدر. وكانت قريش أول من غسل الموتى بالسدر، ولف في حلتين من حلل اليمن قيمتها ألف مثقال ذهب وطرح عليه المسك حتى ستره، وحمل على الأعواد". وسبب ذلك على ما يقوله علماء اللغة أن البوادي لا جنائز لهم، فهم يضمون عودا إلى عود ويحملون الميت عليها الى القبر وذكر انه أراد بقوله: ولقد علمت سوى الذي نبأتني أن السبيل سبيل ذي الأعواد
(1/2655)
لو أغفل الموت احدا لأغفل ذا الأعواد، وأنا ميت مثله. وذو الأعواد الذي قرعت له العصا، "غوي بن سلامة الأسيدي"، أو هو "ربيعة بن مخاشن الأسيدي"، أو هو "سلامة بن غوي" على اختلاف في ذلك. قيل كان له خرج على مضر يؤدونه اليه كل عام فشاخ حتى كان يحمل على سرير يطاف به في مياه العرب فيجبيها. وفي اللسان: قبل هو رجل أسن، فكان يحمل على محفة من عود، أو هو جد لأكثم بن صيفي المختلف في صحيته. وهومن بني أسيد بن عمرو بن تميم. وكان أعز أهل زمانه، فاتخذت له قبة على سرير، ولم يكن يأتي سريره خائف إلا أمن، ولا ذليل إلا عز ولا جائع إلا شبع وهو قول أبي عبيدة. وبه فسر قول الأسود بن يعفر النهشلي.
ويحمل الموتى على "الحرج" أيضا. والحرج خشب يشد بعضه إلى بعض ثم يحمل فيه الموتى.
وللعلماء آراء في الجنازة. ذكر بعض منهم ان الجنازة من الجنز بمعنى الستر، وذكر بعض آخر ان اللفظة من ألفاظ النبط، وتعني جنز في لغتهم الإخفاء، ويقصدون بالنبطية لغة بني إرم. معنى جملة "جنز الميت" عندهم، وضع الميت على السرير وصلاة الكاهن عليه. وذكر بعض العلماء ان الجنازة بالكسر، الميت وبالفتح السرير، وذكر بعض آخر العكس. وذهب فريق آخر إلى ان الجنازة الميت نفسه، لذلك لا تكون جنازة حتى يكون ميت، وإلا، فهو سرير أو نعش. فالجنازة على هذا الرأي، الميت محمولا على سرير أو نعش، أو تابوت في الاصطلاح الحديث. وبهذا المعنى يعبر عن الجنازة في الوقت الحاضر.
وصلاة الجنائز، هي الصلاة التي تقام على جنازة الميت، أي الميت وهو في تابوته، ليرسل إلى القبر، وهي صلاة أقرها الإسلام، وقد أفرد لها باب في كتب الحديث والفقه يعرف ب "كتاب الجنائز".
(1/2656)
والعادة عند أكثر الساميين السير بسرعة في الجنازة. فيسرع المشيعون الذين يسيرون مع الجنازة إلى موضع القبر في مشيهم للوصول بالجنازة بسرعة اليه. وقد أشير إلى هذه العادة في كتب الحديث. والظاهر ان لطبيعة الجو دخل في ظهور هذه العادة.
ويقال لتهيئة الميت ودفنه في القبر "تجهيز الميت". ويقوم الأبناء والأقرباء بوضعه في لحده. وإذا كان الميت عزيزا كريما في قومه سيدا رئيسا اشترك الرؤساء في إدخاله القبر، وقد يتنافسون في نيل هذا الشرف، وقد يؤدي هذا التنافس إلى وقوع الشر بين المتنافسين، لأن تجهيز الميت ووضعه في لحده من علامات تقدير الميت وتعظيمه، ومن دلائل قرب من دخل القبر من الميت واتصالهم الوثيق به.
ويقال للميت عند وضعه في قبره: "لا تبعد"، أي انه وان ذهب عنهم سيكون دائما معهم وفي قلوبهم. ولعل هذا التفكير هو الذي حملهم على إخراج حصته مما كانوا يأكلونه ويشربونه يسمونها بأسم الميت، وعلى زيارة قبور الموتى والجلوس عندهم وضرب الخيام حولها، وعلى مناجاة صاحب القبر بذكر اسمه وتحيته، لأن روح الميت في رأيهم حية لا تموت. ولهذا السبب أيضا كانوا يسقونها بصب شيء من الماء على القبر، كما كانوا ينضحونه بالدم. وبهذا المعنى يفسر ما ورد في الشعر وفي النثر من سقي الغمام للقبر، ونزوله عليه، وما ورد من شرب الخمر على القبر وسكب بعضه عليه. وقد كان العبرانيون يخرجون حصة مما يأكلونه لتكون من نصيب الموتى. ويذكر أهل الأخبار ان الناس كانوا يسكبون الخمر على قبر "الأعشى" ب "منفوحة" اليمامة، وذلك لولعه بها وتقديرا لذكراه.
(1/2657)
ويدفن بعض العرب الميت بملابسه، ويغلى رأسه. ويكفن بعضهم موتاهم ويدفنونهم مكفنين. ويذكر علماء اللغة ان من أسماء الكفن الجنن، واستشهدوا على ذلك ببيت للأعشى. وفي الحديث: "ان ثمود لما استيقنوا بالعذاب تكفنوا بالأنطاع وتحنطوا بالصبر، لئلا يجيفوا وينتنوا. يضعون الحنوط في أكفان الميت".كما وردت كلمة "أكفاني" في بيت لامرىء القيس، مما يدل على معرفة الجاهليين للكفن. وقد كان قدماء العبرانيين يدفنون موتاهم بملابسهم التي كانوا يستعملونها، أي كما كان يفعل قدماء الجاهليين، ثم كفن المتأخرون منهم موتاهم بكفن مكون من قماش أبيض مصنوع على الأكثر من الكتان على هيأة البرد اليماني يلف على جسم الميت، وربطوا الرأس بمناديل، كما ربطوا يدي الميت وقدميه برباط خاص، على النسق الذي أقر في الإسلام.
ويظهر من الأخبار الواردة عن تكفين رسول الله، أن أهل مكة أو الحجاز عامة كانوا يفضلون الأكفان السحولية، وهي أثواب بيض سحولية من كرسف، اي من قطن. وقد نسجت في "سحول"، وهي قرية باليمن منها هذه الثياب. وقد كره الإسلام تكفين الموتى بالمصيغات وغيرها من ثياب الزينة، كما كره التكفين بالحرير، بل حرم بعض العلماء التكفين فيه. وقد كان أغنياء الجاهلية يكفنون موتاهم بالألبسة الغالية، مبالغة منهم في تقديرهم لمنزلة ميتهم عندهم.
وقد ذكر "اليعقوبي"، أن "عبد المطلب" لف في حلتين يمانيتين ثمينتين وكانت البرود اليمانية مفضلة على غيرها في التكفين. وذكر أنه كان من المستحسن عندهم الإحسان في الكفن. ورويت أحاديث في تحسين الكفن. منها:" إذا كفن أحدكم أخاه، فليحسن كفنه".
وذكر أن "التحسيب"، بمعنى التكفين وان لفظة "محسب" بمعنى مكفن. وذكر ايضا التحسيب دفن الميت بالحجارة.
(1/2658)
عند وضع الميت في قبره يقوم من يذكر محاسنه وأعماله، ثم يظهر حزنه وحزن الناس لفراقه، ويقال لذلك "الصلاة". وقد أطلق الإسلام على هذه وعلى الندب والأعمال الأخرى "دعوى الجاهلية"، ونهى عنها.
ويوارى الميت في حفرته ثم يهال التراب عليه. وإذا كان الميت من أصحاب الاسم والجاه فقد يجصص قبره ويبنى عليه، ويكتب على قبره اسم صاحبه وما يناسب المقام. وكثيرا ما نسمع بنحر الإبل أو عقرها على الفور لتبتل بدماء الإبل. ولا سيما إذا كان الهالك من سادات القبائل والأجواد. وإذا حلقت النساء شعورهن حزنا على الميت، وضعن شعورهن على القبر.
وقد اختلف العلماء في سبب عقرهم للابل على القبور، فقال قوم إنما كانوا يفعلون ذلك مكافأة للميت على ما كان يعقره من الإبل في حياته وينحره للأضياف. وقال قوم إنما كانوا يفعلون ذلك اعظاما للميت كما كانوا يذبحون للاصنام. وزعم بعض آخر أنهم انما كانوا يفعلون ذلك، لأن الإبل كانت تأكل عظام الموتى إذا بليت فكأنهم يثأرون لهم فيها. وقيل ان الإبل أنفس اموالهم، فكانوا يريدون بذلك أنها قد هانت عليه لعظم المصيبة، وقد نهى الإسلام ذلك بحديث: " لا عقر في الإسلام ".
وإذا وضع الميت في لحده، أهالوا التراب عليه، وقد ينظم الشعراء شعرا لهذه المناسبة ينشدونه على القبر اظهارا لحزنهم ولحزن الناس على فراقه.
وطريقة دفن الميت هي العادة الشائعة المعروفة بين الجاهليين، غير أن هناك من كان يوصي بحرق جثته وذر رماده في الهواء، أو بدفن الرماد في الأرض، وطريقة حرق الموتى ليست من العادات السامية أي من العادات المنتشرة بين الساميين إذ يرون أنها تنافي حرمة الميت وأحكام الآلهة. وكانوا إذا سبوا شخصا أو أرادوا به سوءا دعوا له بالحرق، أو قالوا له يا ابن المحروق.
(1/2659)
وقد وجد من فحص القبور التي عثر عليها خارج أسوار "مأرب" أن من الموتى من دفن على هيأة انسان نائم أي وضع متمددا في لحده، كما نفعل في موتانا وأن بعضهم لم يدفن على وفق هذه الطريقة، ولكن دفن قائما. وقد عثر في بعض هذه القبور على كتابات قصيرة، كما عثر فيها على رؤوس منحوته دفنت مع الميت، لعلها ترمز إلى رمز ديني، أو عقيدة من عقائدهم في الموت، أو تمثل الميت نفسه لتكون شاهدا عليه.
ولم نعثر على جثث في جزيرة العرب محنطة على طريقة المصريين،والذي نعرفه الآن ان الجاهليين كانوا يضعون الحنوط في أكفان الميت وملابسه ليطيب به جسمه وليحفظه مدة طويلة. ويظهر من التفسير الذي يرويه علء اللغة لجملة "عطر منشم" الواردة في شعر "زهير بن أبي سلمى"، ان "خزاعة" وربما غيرها كانت تشترى "الكافور" لموتاها. وقد كانت قريش تضع الكافور مع الميت، وهي عادة استمرت في الإسلام أيضا.
ويقال: إن منشما امرأة كانت تبيع الحنوط في الجاهلية، فقيل للقوم إذا تحاربوا: دقوا بينهم عطر منشم، يراد طيب الموتى، مما يدل على ان تطييب الميت عادة جاهلة قديمة، ويقال لطيب الموتى الحنوط. وقد طرح المسك على عبد المطلب لتطييبه، "وكل ما يطيب به الميت من ذريرة أو مسك أو عنبر أو كافور هو قصب هندي أو صندل مدقوق، فهو كله حنوط".
(1/2660)
وقيل ان منشما، هي ابنة "الوجيه" العطارة بمكة من حمير، وقيل من همدان، وقيل من خزاعة وقيل من جرهم. وكانت خزاعة وجرهم إذا أرادوا القتال وتطيبوا بطيبها كثرت القتلى فيما بينهم. وذكر انهم كانوا إذا قصدوا الحرب غمسوا أيديهم في طيبها وتحالفوا عليه بأن يستميتوا في الحرب ولا يولوا أو يقتلوا. وقال "الكلبي": " جرهمية. وكانت جرهم إذا خرجت لقتال خزاعة خرجت معهم فطيبتهم فلا يتطيب بطيبها أحد إلا قاتل حتى يقتل أو يجرح. وقيل امرأة كانت صنعت طيبا تطيب به زوجها، ثم انها صادقت رجلا وطيبته بطيبها، فلقيه زوجها فشم ريح طيبها عليه فقتله. فأقتتل الحيان من أجله. قال الكلبي: ومن قال منشم بفتح الشين فهي امرأة كانت تنتجع العرب تبيعهم عطرها فأغار عليها قوم من العرب فأخذوا عطرها، فبلغ ذلك قومها فاستأصلوا كل من شموا عليه ريح عطرها. وقد ضرب بها المثل في الشر، فقالوا: أشأم من عطر منشم".
وورد أن "المنشم" عطر شاق الدق أوشيء يكون في قرون السنبل، يسميه العطارون "روقا". وهو سم سوعة. وقيل: ثمرة سوداء منتنة الريح، أو حب البلسان.
ويجعل الحنوط في مرافق الميت وفي بطنه وفي مربع رجليه ومآبضه ورفغيه وعينيه وأنفه وأذنيه. يجعل يابسا.
(1/2661)
ونظرا لوجود لفظة "حنط" في العربية في المعنى الذي نفهمه من التحنيط، أي حفظ الجسد، ولاستعمال الجاهلين "الحنوط" في تجهيز موتاهم، وهي موإد عطرة ذات رائحة طيبة ولورود اللفظة في العبرانية وفي السريانية "حونطو"، نرى أن نوعا من التحنيط كان معروفا عند الساميين. وان لم يكن بالشكل الذي كان عند المضربين. ولا يستبعد أن يكون اهل الجاهلية قد مارسوا التحنيط ايضا، وذلك بالنسبة إلى أغنيائهم واصحاب الثراء منهم. ويؤيد هذا الاحتمال ما رواه اهل الأخبار من عثور الجاهليين وبعض الإسلامين على جثث عادية كانت محافظة على هيأتها حتى انها تبدو وكأنها دفنت بالأمس، وما رووه من عثورهم على نفائس وأواني وكتابات، إلى جانب تلك الجثث. مما يبعث على الظن بان تلك الجثث كانت محنطة بطريقة ما.
ولم تستعمل التوابيت المصنوعة من الحجارة في نجد والحجاز. أما في يطرا وتدمر فقد اتخذت التوابيت المصنوعة من الحجر والنواويس.
والتابوت، هو الصندوق الذي يوضع فيه الميت. ويصنع من الخشب والحجر. أو من مواد أخرى. وهو "تبا" فى العبرانية. وقد ذكر بعض علماء اللغة، ان "التابوه" لغة في التابوت، والتابوت في الأصل "صندوق من الخشب وقد أشير اليه في القرآن الكريم ".
وقد عرف العرب لفظة أخرى استعملوها في معنى"التابوت" هي لفظه "إران"، ويراد بها صندوق من خشب يوضع الميت فيه. وقد ذكر بعض علماء اللغة ان ان الإران تابوت يضع النصارى فيه أمواتهم ويدفنونه مع الميت. واللفظة عبرانية، وقد وردت جملة "حمل على الإران"، أي حمل في التابوت. وذكر علماء اللغة ان "الإران" الجنازة، وخشب يشد بعضه إلى بعض تحمل فيه الموتى، وسرير الموتى، وتابوت الموتى.
(1/2662)
والعادة ان تذكر مناقب الميت عند قبره في أثناء الاحتفال بدفنه إذا كان عظيما سيدا، وأن يعجل بدفنه في مقبرة القبيلة أو القرية أو في بيته. وقد كان من عادتهم دفن الميت في البيوت أو على مقربة منها. أما الأعراب،فقد كانوا يدفنون موتاهم في المنازل التي يكونون فيها، وإذا كانوا في أثناء رحيلهم دفنوهم على قارعة الطرق ولا سيما على المرتفعات المشرفة عليها.
ويعجل العرب بدفن موتاهم. والتعجيل بدفن الميت من الضرورات التي اقتضتها طبيعة الجو. فجو جزيرة العرب لا يساعد على بقاء جسد الميت مدة طويلة، وإلا تعرض للفساد، ولحق الأذى به ولهذا صار من الاستحباب التعجبل بدفن الميت ليس في العرف حسب، بل من الناحية الدينية كذلك.
ويحلق بعض الجاهليين شعر الرأس كله أو بعضه ويرمونه على القبر. وحلق شعر الرأس أو جز الناصية أو حلقها أو حلق الضفيرتين من التقاليد القديمة. وكانوا يقومون بذلك إكراها وتعظيما لشأن الأرباب، وعند الحج إلى بيوت الآلهة، فيرمون يالشعر أمام الأصنام تعظيما لها وبيانا عن مقدار احترامهم لها حتى ضحوا بأعز رمز لديهم في سبيلها، ولهذا كان لرمي ضفائر شعر الرأس عند القبر أهمية خاصة في نظر الجاهليين.
وكان في روع الأمم القديمة ان الشعر للفرد قوة وحياة، فحلقه أو جز جزء منه، معناه تضحية كبيرة وصلة تربط الميت بالحي.
القبر
ويدفن الموتى عادة في حفر تحفر يقال لها: قبر، وجدث، ومقبر،ووجر، ورمس، وجنن. أما في "بطرا"، وفي بعض المناطق الجبلية والصخرية، فقد نقرت المقابر في الصخور، فصنعت على هيأة حجر وضعت جثث الأموات فيها، كما استعملت المقابر المرتفعة في مدينة "تدمر"، وذلك بتشييد مبان وضعت فيها جثث الموتى في حجر صغيرة تعمل في تلك الأبنية.
(1/2663)
واستعملت الكهوف مقابر كذلك. ففي المناطق الصخرية توجد كهوف طبيعية سكنها الإنسان، واتخذها مقبرة له. وذلك بدفن الأموات فيها وسد بابها. وقد عثر الباحثون والسياح على عدد منها.
والقبر هو التسمية المعروفة الشائعة في أغلب أنحاء جزيرة العرب، وقد وردت في نص النمارة، وجمعها القبور. ذكر علماء اللغة ان "القبر" مدفن الإنسان وان "المقبر" موضع القبر. وأما "المقبرة"، فهي موضع القبور. وقد وردت لفظة "مقبر" و "مقبرت" أي مقبرة، و "مقبرتم " أي "مقبرة" في حالة التنكير في نصوص المسند.
وأما "الجدث" فالقبر، والمجمع أجداث وأجدث، وهو قلة. وورد "الجدف" في بعض الروايات.
.وأما الوجر، فهو كالكهف عند علماء اللغة. فهو يؤدي معنى قبر على سبيل المجاز. وقد ورد في نص مدون بالمسند يعود إلى القرن السادس للميلاد، عثر عليه في العربية الشرقية. وهو شاهد قبر رجل اسمه "ايليا".
ويذكر علماء اللغة، ان الجنن: القبر، سمي بذلك لستره الميت، وأيضا الميت لكونه مستورا فيه، وأيضا "الكفن" لأنه يجن الميت، أي يستره، فالأصل في الكلمة الستر، ويجمع على أجنان.
وقد وردت لفظة "ضرح"، أي "ضريح" بمعنى قبر في اللغة الصفوية. ولكن من الجائز أن تكون قد وردت فيها بالمعنى المفهوم من الكلمة في عربيتنا. كما وردت فيها ألفاظ أخرى بمعنى قبر، مثل: "نفست" أي، "نفس" و "مقل"، بمعنى "مقيل"، أي موطن الراحة ومحلها، و "نيت". ويظهر ان لفظة "نفست" قد أخذت من أصل إرمي هو "نفسا" "نفشا".
وقد وردت لفظة "نفش" و "نفس" في النصوص النبطية واللحيانية والسبئية وفي نصوص دونت بلهجات عربية أخرى. ولعل للفظة "نيت"، علاقة ب "منوت" و "منايا" و "منون"، وهي تعني في الصفوية: المسافر والسفر أي في معنى أدبي لطيف، له صلة بالموت، باعتبار ان الميت مسافر من هذا العالم إلى عالم آخر، وان القبر هو مستقر ذلك السفر.
(1/2664)
ويلحد أهل الحجاز لحدا في القبر لوضع الميت فيه. ويقال للذي يلحد القبر ويضع الميت فيه "اللاحد". ويقال للذي يعمل الضريح "الضارح". وكان من عادة الجاهليين رجم القبور أي وضع أحجار فوقها، وذلك على سبيل التقدير والتعظيم للميت. فإذا زار قريب أو صديق قبر قريب أو صديق له رجمه، أي وضع أحجارا فوقه. والرجام الحجارة. والرجمة أحجار القبر ثم يعبر بها عن القبر وجمعها رجام ورجم. وقد ورد في كتب الحديث ان الرسول قال: لا ترجموا قبري، وان "عبدالله بن مغفل المرني" قال: "لا ترجموا قبري، أي لا تجعلوا عليه الرجم. وأراد بذلك تسوية القبر بالأرض"، وعدم نصب أحجار فوقه ليظهر واضحا شاخصا.
وتؤدي لفظة "رجم" و "رجمت" و "هرجم" أي "الرجم"، معنى قبر أيضا. وترد بكثرة في الكتابات الصفوية. ويراد بها الآحجار التي تكوم فوق قبر. والعادة عندهم أن الشخص الذي يمر على قبر ما، أو يزور قبر قريب له، يضع حجرا او أحجارا فوق القبر، تكريما لصاحبه وتخليدا لذكره، حتى وان لم يعرفه، لأن ذلك من باب احترام الموت والميت. فالرجام اذن، هي قبور غطيت بأحجار.
وقد عثر على عدد من الرجام المكتوب الذي اتخذ شواخص للقبور فيه اسم الميت ودعاء على من يحاول نقل الرجمة من محلها أو على من يحاول تغيير معالم القبر وازللته أو على من يريد انحاذه برا له أو لأحد أفراد أسرته أو يسفن أي أحد فيه. وقد أفادتنا هذ الشه س اهد في معرفة لهجة الفوم وفي بعض الأمور التي لها صلة بالأصنام وبالدين.
وقد استعملت اللحيانية لفظة "قبر" ومنها "هنقبر"، أي "القر"، للتعبير عن القبر، كما استعملت لفظة أخرى هي "مثبر" "م ث ب ر" ومنها "همثبر"، أي "المثبر" في معنى قبر. وللثبور بالطبع صلة بالموت. وتعبر لفظة "كهف" في هذه الهجة عن هذا المعنى أيضا.
(1/2665)
ويقال للقبر المسوى مع الأرض "رمس" فإذا كان مرفوعا عن الأرض فهو قبر مسنم. ويظهر أن الجاهليين كانوا يسنمون قبورهم. وقد ورد في حديث "ابن مغفل": "ارمسوا قبري رمسا". أي سووه بالأرض ولا تجعلوه مسنما. والرمس تراب التر والمر مس موضع القبر.
ووردت لفظة "مقبر" في الكتابات الصفوية، بمعنى "القبر"، أي الموضع الذي يقبر به. وهم يرصفون القبر، ويعبرون عن ذلك بكلمة "ارصف". كما يرجمونها بالرجم ويعتبرون ذلك من امارات التقدير والاحترام.
وعرفت مقابر النصارى ب "الناووس". وقد شلك بعض علماء اللغة في أصلها، فذهب الى احتمال، كونها من أصل أعجمي، وهي من أصل يوناني، ومعناها فيها: حجر منقور لدفن ميت، كما أطلقت على مقبرة النصارى وعلى المعبد والكنيسة،لأن كثيرا ما كان النصارى القدامى يقبرون موتاهم في الكنائس. وقد حارب الإسلام عادة أهل الجاهلية في تسنيم القبور ورفعها عن سطح الأرض، وشدد على ذلك في الحديث، وجعلت القبور المسنمة في حكم الأوثان. ولا بد أن يكون لهذا التشديد سبب، إذ لا يعقل ورود تلك الأحاديث في موضوع طمسها بغير داع ولا أساس. وسبب ذلك هو تقديس أهل الجاهلية لتلك القبور تقديسهم الأوثان وتقربهم اليها، وهو ما لا يتفق ومبادىء التوحيد في الإسلام.
ونهى الإسلام عن تكليل القبور. "أي رفعها تبنى مثل الكلل، وهي الصوامع والقباب التي تبنى على القبور. وقيل: هو ضرب الكلة عليها. وهي ستر مربع يضرب على القبور". وقد كانوا يبنون البيوت والأبنية فوق القبور. وقد نادى الشاعر "لبيد" باني قبر عزيز له بأن يضعف من سمك القبر وأن يرفع الحائط أو السقف، حتى يكون هناك متسع من فضاء فوق القبر. وذكرأنه كانت على قبر " أبي أحيحة" قبة مشرفة.
(1/2666)
وقد ورد في شعر "بشر بن أبي خازم الأسدي" ما يفيد بناء أضرحة فوق القبور، ورفع القبر عن الأرض حتى يكون كسنام الجمل بارزا ظاهرا. وقد عبر عن بناء القبر ورفعه عن الأرض وبناء ضريح عليه ب "ارتفد الضريح" والضريح في تعريف علماء اللغة، الشق في وسط القبر، وقيل القبر كله أو قبر بلا لحد. وذلك لأنهم يجعلون اللحد في جانب القبر.
ويظهر أن يهود الحجاز ونصاراه كانوا قد بالغوا في ضرب القباب والأضرحة على قبور موتاهم وفي تعظيم قبور أحبارهم وقسسهم، حتى تحولت قبورهم إلى اضرحة ومزارات. تزار في المناسبات وقد دفنوهم في المعابد. لذلك نهي عن التشبه بفعلهم في الإسلام. وأشير إلى عملهم هذا في القران الكريم وفي كتب الحديث. وقد وضع اليهود والنصارى شعار اليهود والنصارى على قبورهم لتمتيزها عن مقابر الوثنيين.
ويقال للحائر الذي يحيط بالقر "الودع". وقيل: الودع القبر، أو الحظيرة حوله، أو المدفن يحير به حائر.
وتعرف علامات القبر ومعالم حدوده به "الآيات"، والاية هي العلامة. وقيل للرجمات التي وضعت على القبر إلأحجار والأطباق والصفيح والصفائح والصفاح. ويراد بالصفائح الحجارة العريضة التي توضع على القبر لتغطيته.
وكان منهم من يضع الجريد على إلقبر، ومنهم من يضعه داخل القبر. وقد تغرز الجريدة في القبر فيكون رأسها بارزا فتكون علامة تشير إلى القبر. وذكر إذ رسول الله أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، ثم غرز في كل قبر واحدة. ولا زال الناس يتبعون هذه العادة. وقد استعملوا الأذخر والحشيش في قبورهم كذلك. كانوا يضعون الأذخر في الفرج التي تكون بين اللبنات،ويضعون الحشيش تحت الميت وفوقه.
وعثر في مواضع من جزيرة العرب على مقابر دعاها الباحثون: "تمولي" tamuli لأنها على شكل تلال أو هضاب. وقد اتخذت مدافن. منها "تمولي" البحرين. وسأتحدث عنها في أثناء حديثي عن الفن والعمارة عند الجاهليين.
(1/2667)
وقد عثر المنقبون على مقابر جاهلية عامة، على نحو ما نجده من المقابر العامة في هذا الوقت. وقد نبش عدد منها في الإسلام، لاتخاذها أملاكا أو مساجد، كما حول بعضا منها الى مقابر اسلامية، دفن فيها المسلمون بعد أن أزيلت ونبشت قبور الجاهليين. وأشير اليها في كتب الحديث. ويظهر ان بعضا منها كان ذا أضرحة وقبور مرتفعة عن الأرض.
ولا يدفن في المقابر إلا أفراد العائلة التي تمتلكها، أو من يؤذن بدفنه فيها. ويعد الإذن بدفن غريب في مقبرة خاصة من علامات التقدير والاحترام بالنسبة للمتوفى الغريب. وقد تحجز مناطق من مقبرة عامة لتكون مقبرة خاصة،فلايسمح لأحد بالدفن فيها إلا لمالكها. وقد تسور ويعمل لها باب، وقد يقام ضريح أو بناء ضخم، مع ان المقبرة هي جزء من مقبرة عامة. ولا تزال هذه العادة متبعة وقد تشترى، الأرض ممن يتولى أمر المقبرة العامة. ويحافظ أهل المقابر الخاصة على مقابر أسرهم فيتعهدونها بالرعاية والعناية وبإدامتها على خير وجه. وهي تزار في المناسبات تقربا إلى اصحاب القبور، لئلا تنقطع صلتهم بموتاهم. وورد ان بعضا من الجاهليين كان يضرب قبة على قبر عزيز له مدة سنة"للاستمتاع بقربه وتعليلا للنفس وتخييلا باستصحاب المألوف من الأنس ومكابرة للحسن. كما يتعلل بالوقوف على الأطلال البانية ويخاطب المنازل الخالية".
وتراعى القرابة والمنزلة في دفن الموتى في المقابر فتدفن الزوجة على مقربة من زوجها في الغالب والأبن على مقربة من أبيه "، وهكذا فكانهم يريدون بذلك جمع شمل العائلة، وإعادتها إلى ما كانت عليه يوم كانوا أحياء. وإذا كان المتوفى عظيم وذا مكانة ومنزلة حرص، أقرب الناس اليه من أصحابه على نيل شرف الدفن على مقربة منه عند دنو أجلهم. وقد تتحول أمثال هذه المقابر الى مزارات، خاصة إذا كانت مقابر كهنة وسدنة ورجال دين.
(1/2668)
أما قبور الأعراب والفقراء والسواد، فهي بسيطة، حفرة تحفر في الأرض يوارى فيها الميت، ثم يهال عليه التراب أو الرمال أو الحجارة حسب طبيعة الأرض فتكون قبر ذلك الميت. وقد يسو ى القبر بالأرض فلا تظهر آثاره ولاتبرز معالمه عن معالم القشرة، وقد يرفع التراب بعض الشيء ليكون علامة عليه.وقد توضع عصي أو أحجار فوقه لتكون إشارة تشير إلى مكانه. وليس في إمكان الأعراب النازلين في البوادي البعيدة عن الحضر، فعل غير ذلك، ولا سما إذا كان الموت قد وقع في حين نزول القبيلة في أرض جاءت اليها في الموسم لترعى العشب أو في أثناء تنقل فإنها لا تستطيع أن تصنع قبرا لميتها غير هذا القبر.
ومدة العزاء عند الجاهليين حول، أي سنة لا يترك أهل الميت فيها ذكرى فقيدهم، فيندبونه في أوقات معينة ويبكون عليه عند قدوم قادم اليهم، وينحرون لذكراه ويكرمون من يأتيهم لتعزيتهم. وقد كانت مدة العزاء حول عند العبرانيين أيضا وعند غيرهم من الساميين والشعوب الأخرى، يقوم فيها أبناء الميت أو بناته بتلاوة صلوات خاصة في خلالها عاى الميت ليرحمه الله وليغفر له وليسعد روحه. وتكاد هذه المدة تكون امدا للعزاء ولذكرى الميت عند كل الشعوب إلى هذا اليوم.
وأما مدة المناحة فهي في العادة سبعة أيام. فلما مات "زيد الخيل"، الشاعر الفارس، وهو في طريقه إلى دياره، أقام "قبيصة بن الأسود" المناحة سبعة أيام. ولا تزال هذه المدة مرعية في العراق، حيت تنوح وتبكي النسوة فيها موتاها، ويكون اليوم السابع هو ختام العزاء. أما الرجال، فيقيمون العزاء ثلاثة أيام، ويسمونه "الفاتحة" في الإسلام بالعراق في هذه الأيام. ويجلس أقرباء الميت وأهله عند العبرانيين سبعة أيام في البيت حزنا عليه وتقبلا لتعازي الناس. وقد ورد أن مدة النياحة قد تستمر عند الجاهليين فتكون حولا.
ملابس الحزن
(1/2669)
ويلبس أهل الميت وأقرباؤه ملابس الحزن مدة العزاء أو حولا كاملا. واللونان الأبيض والأسود هما اللونان اللذان تتخذ منهما الملابس في الحزن، فقد لبسوا الملابس البيض، ولبسوا الملابس السود، وما زال اللونان شعاري الحزن حتى الان. فاللون الأبيض هو شعار الحزن في الحجاز والشام، أما الأسود، فهو شعار الحزن في العراق.
وحداد المرأة على زوجها حداد صعب عسير، عليها في هذه المدة الامتناع عن الزينة والطيب امتناعا تاما، ويقال لها في هذه الأثناء "الحادة" لأنها حدت على زوجها: وفي خلال الحداد يمتنع الخطاب من خطبتها والطمع فيها حتى تنتهي منه.
ويفهم من بعض رايات الأخباريين أن من عادة الجاهليين حجز المرأة عند وفاة زوجها في بيت صغير، قد يكون خيمة أو بناء يسمونه "الحفش"، لتقضي فيه مدة العدة. فإذا كانت في هذا البيت، لبست شر ثيابها، وامتنعت عن الطيب وعن تزيين نفسها مدة عام. فإذا انتهت المدة افتضت عدنها "بمس الطيب أو بغيره كقلم الظفر أو نتف الشعر من الوجه أو دلكت جسدها بدابة أو طير، ليكون ذلك خروجا عن العدة. أو كان من عادتهم أن تمسح قبلها بطائر، وتنبذه فلا يكاد يعيش.
وتصف رواية أخرى دخول المرأة الحفش وخروجها منه على هذه الصورة: " كانت إذا توفي زوجها دخلت حفشا ولبست شر ثيابها حتى تمر بها سنة ثم تؤتى بدابة، شاة أو طير فتفتض بها، فقلما تفتض بشيء إلا مات. ثم تخرج فتعطي بعرة ترمى بها...". وجاء: و "كانت لا تغتسل ولا تمس ماء ولا تقلم ظفرا ولا تنتف من وجهها شعرا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر. ثم تفتض بطائر تمسح به قبلها وتنبذه فلا يكاد يعيش ".
(1/2670)
ومن عادات بعض الجاهليين ضرب القباب على قبور موتاهم أياما أو أشهرا قد تبلغ عاما، يقيم فيها نساء الميت أو ذوو قرابته، ليجاوروا الميت، وليستقبلوا فيه من يفد لزيارة القبر. واعتقادهم بإحساس روح الميت بوجودهم هناك وبمجيئهم إلى القبر لمؤانستهم له هو الذى حملهم، ولا شك، على ضرب هذه القباب وعلى مجاراتهم لتلك الأجداث. ومن هذه القباب المؤقتة ظهرت الأضرحة الثابتة ذات القباب السامقة الشامخة، كما أن من المعابد المتنقلة، أي الخيام المقدسة، نشأت المعابد الثابتة عند العبرانيين وعند الجاهليين وعند غيرهم من الشعوب.
ومن عادة الجاهليين إسالة دم الذبائح على القبر أو تضريحه بتلك الدماء. فيعقر على قبور الموتى وعند إهالة التراب على الميت، وقد يعقر على القبر كل عام وفي أثناء المناسبات إذا كان الميت من السادة المشهورين المعروفين يالخصال الحميدة كالشحاعة والكرم. وفي الشعر الجاهلي والأخبار أسماء أناس كانوا من المشاهير في ايامهم، جرت العادة بأن تذبح الذبائح عند قبورهم إكراما لهم. وقد بقيت هذه العادة الجاهلية خالدة حتى اليوم مع إبطال الإسلام لها بحديث: "لا عقر في الإسلام ". وليس من الضروري أن يكون أصحاب العقائر من ذوي قرابة صاحب القبر أو من قبيلته. ومن هذه القبور قبر "ربيعة بن مكدم" من "بني فراس بن غنم بن ماللك بن كنانة". وكان الناس يعقرون على قبره. ويظهر من شعر لحسان بن ثابت قاله لما مر بقبره، أن قبره كان قبرا مبنيا بني من حجارة حرة.
والعادة في العقر، عقر قوائم الدابة، وقاء تعقر الدابة ثم تذبح والغالب ان تكون الدابة جملا أو ناقة، ولبهن بعضهم كان يعقر شاة كذلك، وذلك إذاكان اهل الميت من طبقة ضعيفة، يصعب عليها عقر جمل أو ناقة. وقد ورد النهي عن ذلك في حديث آخر هو: " لا تعقرن شاة أو بعيرا إلا لمأكله".
(1/2671)
وقوم كان يحبسون ناقة الرجل وذلك بأن يشدوا الناقة إلى قبر الرجل، ويعكسو رأسها إلى ذنبها، ويغطو رأسها بولية، وهي البردعة،وتربط برباط وثيق حتى لا تهرب، فإن أفلتت لم ترد عن ماء ولا مرعى، وإذا بقيت على القبر، فإنها تبقى في حفرة لا تعلف فى لا تسقى حتى تموت عطشا وجوعا،ويقال لهذه الناقة السيئة الحظ البلية. ويزعون انهم انما يفعلون ذلك، ليركبها صاحبها في المعاد، ليحشر عليها فلا يحتاج أن يمشي. قال أبو زبيد: كالبلايا رؤوسها في الولايا مانحات السموم حر الخدود
ووجدت في قبور الجاهليين أشياء مما يستعمله الإنسان في حياته مما يدل على أنهم كانوا كغيرهم يدفنون مع الموتى ما يشعرون ان الميت قد يحتاج في حياته الأخرى اليه. أما الأعراب فلا نتصور أنهم كانوا يدفنون مع الموتى أشياء ثمينة لفقرهم وبساطة معيشتهم. وقد عثر في مقابر أهل العربية الجنوبية مثل اليمن وحضرموت على حلي وأحجار نفيسة وأمثال ذلك مما دفنه أهل تلك البلاد مع موتاهم، ليتزبنوا بها في العالم الثاني.
وتؤيد روايات أهل الأخبار عن فتح القبور في الإسلام بحثا عن الغنى والمال، ما ذكرته من احتمال وجود رأي عند عرب ما قبل الإسلام، بأن الميت سيحتاج إلى هذه الأشياء التي دفنت معه، وأنه سيستفيد منها في عالمه الثاني الذي رحل اليه. ولكني لا أستبعد احتمالا اخر، قد يكون أهل الجاهلية قصدوه من دفن الذهب والفضة من حلي أو سبائك أو صفائح مكتوبة مع الميت، هو رغبة أهل الميت في اظهار شعور الود والمحبة نحو ذلك الميت، بدفن تلك النفائس العزيزة معه، لاظهار أنهم لا يبالون بها بعد فقدهم عزيزهم الميت، وأنهم يريدون دفن كنوزه معه، تعففا عنها وإزدراء بها، وقد ورد في بعض الأخبار أن امرأة ماتت، فدفنوها مع متاعها.
(1/2672)
ولصيانة القبر وبقائه على حاله أهميه كبيرة عند الجاهليين، تتجلى في الجمل التي دونوها على شواخص قبورهم، هذه الشواخص التي عثر عليها السياح والباحثون في مواضع متعدة من جزيرة العرب، وهي تطلب إلى الآلهة بأن زنزل الالام والمدراض والعاهات بمن يتجاسر فينقل شاخص القبر من مكانه، أو يكسره ويأخذه ليستعمله، أو ما شاكل ذلك. وجملة "عور لذ عور سفر" أي "عور للذي يعور الشاخص"، أو جملة "وعور دشر وخبل"، أي عمى وجنون "خبل" من الإله "ذو الشرى"، على من يحو ر هذا الشاخصم، ويغيره أو يأخذه ويغيره لغرض ما، وأمثالها، هي من العبارات المألوفة التي نقرأها يكثرة على شواخص القبور.
ومن الطبيعي أن تجد هذه العبارات وعبارات أخرى أشد منها مدونة على تلك الشواخص، راجية من الالهة أن تنزل عقابها على من يحاول التطاول على حرمة القبر بدفن غريب، فيه. ويظهر من هذه العبارات ان من الجاهليين من كان يتطاول على القبور، ولأ سيما القبور المنحوتة والقبور الجيدة المبنية على شكل غرف، وأضرحة، فيدفنون موتاهم فيها، وبذلك تدخل جثث غريبة في تلك القبور،أو يحولوا تلك المقبرة القديمة إلى مقبرة جديدة. وقد يزيلون معالمها تماما، أو يدفنون أمواتا فوق أموات على نحو ما نفعل اليوم في المقابر القديمة المشهورة المقامة حول الأولياء، حيث تتحول المقابر القريبة من الولي الى مقبرة قد ترتفع من كثرة ما يدفن عليها، حتى تكون مرتفعا عن ظاهر الأرض.
وتزار قبور السادات والشثراف، وخاصة قبور كبار سادات القبائل، ويذبح عندها، ويحلف بها، ويلجأ اليها طلبا للأمان والسلامة، فلا يستطيع أحد التحرش بمن التجأ الى صاحب القر ولا ذويه. وقد هجا "بشر بن أبي خازم الأسدي" "أوس بن حارثة" من "آل لأم"، فكان في جملة ما قاله في هجائه: جعلنم قبر حارثة بن لأم الها تحلفون به فجورا
وحارثة بن لأم صاحب القبر، هو أبو أوس المهجو.
(1/2673)
وقد أشار أهل الأخبار إلى قبور سادات جاهلين كان الناس يفدون اليها ويعظمونها، ويلوذون بها، ويطوفون حولها، منها قبر "تميم" بموضع "مر الظهران"، وقبر "عامر بن الطفيل"، وقد وضعوا الأنصاب حول القبر لتكون علامة له، فلا يدخل الساحة التي يكون فيها القبر إلى موضع الأنصاب حيوان أو راكب ولا يهتك حرمتها انسان. كذلك كان الناس يحلقون شعورهم عند مثل هذه القبور، كالذي كانوا يفعلونه عند الأصنام.
وقد حجت قبائل قضاعة إلى قبر كان على مرتفع من الشحر، زعم أنه قبر جد قبائل قضاعة. وكانت أمثال هذه القبور ملاذا يلوذ بها أصحاب الحاجات، كما قصدها الشعراء لانشاد قصائدهم في مدح صاحب القبر والتغني بمجده وبمجد قبيلته. ولها جمى حكمه حكم الحمى الذي يحيط ببيوت الأصنام. ويقسم بهذه القبور وبحق أصحابها، كما يقسم بالأجداد، ويعد هذا النوع من القسم يمينا لا بحوز الكذب فيه، وهو كاليممان المغلظة التي حلف بها الناس ويذكرون فيها الآلهة اسماء الأصنام.
وفي كتب الحديث أن النبي نهى عن الحلف بالآباء والأجداد وبتربهم، لأن ذلك من عمل أهل الجاهلية. وقد كانت قريش تحلف بآبائها وبأجدادها فتقول: أبي أفعل هذا، أو وأبي لا أفعل وحق أبي أو تربة أبي أو وتربه جدك، نحو،ذلك. وهي ايمان من ايمان الجاهلية نهى النبى عنها.
الفصل الثاني والخمسون
الدولة
أقصد بالدولة الشعب والحزب أو الجماعة الحاكمة له في أرضه وتحت سلطانه وفي حيازته وملكه، لذلك لا أشترط في هذه الدولة أن تكون دولة كبيرة كالدولة الرومانية أو اليونانية أو الساسانية، فقد تكون الدولة.حكومة قرية مثل يثرب أو مكة، وقد تكون حكومة قبيلة، وقد تكون أكبر من ذلك وأوسع مثل دولة الحيرة ودولة الغساسنة ودول اليمن. فلا علاقة اذن لكبر أو لصغر الحكومة بمفهوم الدولة في نظري، فكل حكومة جاهلية مستقلة، هي عندي مع شعبها أي التابعين لها دولة صغرت أم كبرت.
(1/2674)
وألشعب في الجاهية وعند الجاهليين، هو القبيلة. فالقبيلة هي أصل الدولة ونواتها، وتقوم على رابطة الدم، أي على فكرة ان القبيلة هي من صلب رجل عاش حقا ومات، وان أفرادها من هنا يرتبطون بينهم برابط الدم،اي ان بينهم قرابة وصلة رحم. أما وطن القبيلة، فالأرض التي نشأت فيها، ثم الأرض التي هي عليها. فمن القبيلة ومن أرضها، تكونت دولتها، وعلى رأسها سيد القبيلة.
هذا بالنسبة إلى اللأعراب، أما بالنسبة إلى الحضر، فإن فكرة الدولة عندهم تختلف باختلاف درجه اولئك الحضر. فالدولة في العربية الجنوبية، تجمع شمل قبائل عديدة كما تضم طوائف وفئات رسمت لها حدود معينة وحددت بحدود وقيود، فلا تتجاوزها. وقد حدد المجتمع مكانتها ومنزلتها بحيث جعل من المجتمع العربي الجنوبي مجتمعا طبقيا. يتمتع فيه الملوك ومن يأتي بعدهم من حكام وأصحاب معبد وأرض بأعلى المنازل، ثم تليهم بقية الطبقات حسب قوتها ومكانتها إلى أن تصل الى سواد الناس، وأقلهم منزلة الرقيق واصحاب الحرف المبتذلة.
وهو نظام بقيت روحه وجذوره قائمة ئي اليمن الى الوقت الحاضر، ولكنه بدأ يجابه بمقاومة روح العصر وتقدم البشرية، فأخذ يتهدم بعض التهدم حسب مواطن الضعف في البناء. وأما في الأماكن الحضرية الأخرى، مثل العربية الشرقية وفي الحجاز، أو نجد، فإن درجة فهم الناس فيها للدولة، اختلف فيها، باختلاف تقدم ذلك المكان في ألحضارة وباتصاله بالعالم الخارجي.
(1/2675)
وبفضل عثور الباحثين على كتابات تعود إلى عهود مختلفة من تأريخ العربية الجنوبية، استطعنا الالمام بعض الالمام بشيء من نظم، الدولة في تلك الارضين. وفي جملتها طرق الحكم فيها ونفوذ رجال، الدين وأصحاب الارض و الحياة ألاقتصادية التي جعلت العربية الجنوبية مجتمعا مكونا من طبقات، يسيره ألحكام ورجال الدين وأصحاب المال والأرض. أما بالنسبة ان المواضع الأخرى، فإن علمنا عن هذه الأمور هو دون علمنا عن العربية الجنوبية بكثير، بسبب عدم عثور الباحثين على كتابات جاهلية فيها، نستطيع أن نستلهم منها وحينا عن الماضي البعيد. ولذلك فعلمنا عنها ضحل،اعتمد أكثره من أخبار اهل الأخبار، وهي فجة أو مصنوعة، أو محرفة حرفها مرور الزمن،أو مدسوسةعمدا من اخباري أراد اظهار علمه للناس،أو من متعصب لقبيلة أراد بدسه الأخبار التفريج عن عاطفة التعصب الكامنة في نفسه.
ويعبر عن سكان القرى والمدن ب"أهل" وب "آل". فيقال "أهل مكة" و "أهل يثرب"، ويراد بهم قطان مكة وسكان يثرب، و "شعب" في التعبير الحديث، على اعتبار أن كل مدينة مستقلة بشؤونها قائمة بإدارة أمورها وهي حكومة ذاتية يدير حكمها سادات المدينة. على نحو ما كان عليه الوضع في القرى الأخرى من الحجاز وفي نواح عديدة من جزيرة العرب. وإذا أصيب احدهم بضيم، أو أراد شيئا يتطلب العون والمساعدة نادى: "يا أهل مكة" أو "يا آل مكة"، فيلبي ساداتها نداءه ويمضون في معالجة أمره، والغريب عن "اهل مكة"، له حق النخوة والاستجارة، فإذا نادى بشعارها حصل على من يدافع عنه ويأخذ حقه ممن ظلمه.
(1/2676)
ويشعر سكان المدن والقرى انهم كالقبيلة من اصل واحد، وأن لهم جدا أعلى، يرجع نسبهم اليه، أو جده إن انتمى اهل المدينة إلى امرأة. وذلك، لاعتقادهم أنهم من قبيلة واحدة في الأصل، هاجرت إلى هذا المكان فسكنت نيه. فمرجع نسب مكة الى "قريش"، ونهاية نسب اهل يثرب من الأوس والخزرج الى "قيلة" جدتهم، وشب أهل الطائف الى ثقيف. فنحن إذن وإن كنا امام مدن وقرى، اي أمام عرب حضر، لكننا في انفسنا امام نظم تقوم على أسس قبلية وعقلية قبلية. فالقرية في الواقع قبيلة مستقرة تمركزت في مكان واحد. وقد تمسكت بنظم تفرع القبيلة وبالعصبية، وبما إلى ذلك من عرف مجتمع أهل البادية. وقد بقيت رابطة النسب وصلة الدم بها قوية. ذلك لأن تلك القرى، وإن جلبت اليها الأجانب والغرباء، غير انها بقيت مجتمعات منعزلة، لأن وسائل الاختلاط لم تكن مهيئة لها في ذلك الوقت، حتى نجبرها على الخروج عن العزلة، والاختلاط بالغير، اختلاطا شديدا على نحو ما يحدث للحضر في الأمكنة المتحضرة الممتزجة بالسكان.
وجد القبيلة، هو مصدر إلهامها، ورابطها الروحي الذي يربط بينها. باسمه تتنادى في الغزوات والحروب، لتبعث حرارة الاندفاع والحماسة في القتال، وبه يدعو للنخوة أبناؤها ومن يلتجئ إلى القبيلة من مولى أو جار، وبقبره يلاذ إن كان له قبر، وباسمه يحلف كما يحلف بأسماء الآلهة.
وللقبائل مصدر إلهام روحي آخر، هو أصنامها. فكان "المقه" صنم سبأ، وكان "ود" صنم "معين"، وكان للقبائل العربية الشمالية التي حاربت الآشوريين أصنام يحملونها معهم في سلم وفي حرب، ويستمدون منها المدد والعون في النزوات والحروب. ويعد سقوط الصنم في أيدي الأعداء نكسة للقبيلة وعارا على أبنائها، لذلك كانوا لا يهدأ لهم بال حتى تعاد اليهم أصنامهم. وكان من اهم ما يدعو القبائل العربية الى التهادن مع الآشوريين رغبتهم في استعادة أصنامهم وضمان عودتها من المنفى والأسر إلى الحرية.
(1/2677)
ولما ظهر الإسلام كانت القبائل ما تزال تحتمي بأصنامها وتدعوها لتنصرها في الحرب،حتى من تحضر منها واستقر، مثل أهل مكة الذين كانوا ينادون: "أعل هبل. أعل هبل" في حربهم مع المسلمين. أما الذين غيروا دينهم وتنكروا لعبادة الأصنام فقد احتموا بشفعاء جدد، أخذوهم من النصرانية الني دخلوا فيها، فكان لهم قديسون يلوذون بهم في أثناء القتال.
ويعبر عن القبيلة بلفظة "شعب" في العربيات الجنوبية. فالقبيلة والشعب إذن لفظان مترادفان على معنى واحد. الشعب بمعنى قبيلة في عربية القرآن الكريم،والقبيلة بمعنى شعب في العربيات الجنوبية. ولكن علماء العربية يفرقون بين اللفظتين، فيجعلون الشعب أكبر من القبيلة. والظاهر ان هذا التفريق قد وقع في الجاهلية القريبة من الإسلام، ونجده في القرآن الكريم في آية الحجرات: )وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم(. فذكر المفسرون ان الشعب أكبر من ألقبيله. غير ان كثيرا من علماء العربية يرون أن الشعب والقبيلة في معنى واحد.
وقد وردت كلمة "شعب" في الكتابات السبئية بمعنى قبيلة كما ذكرت،فورد: "شعب سبا"، بمعنى قبيلة سبأ. وورد "سبا واشعبهمو" بمعنى "سبأ و أشعبهم"،أي السبئيون وقبائلهم، ويراد بقبائلهم القبائل الأخرى الخاضعة لهم.
ويرى بعض الباحثين في العربيات الجنوبية، ان لفظة "شعب" لا تعني عند العرب الجنوبين معنى "قبيلة" بالمعنى المفهوم من اللفظة عندنا، بل تعني جماعة ترتبط بالدولة وبالآلهة: آلهة الدولة ارتباطا ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا. فإذا قلنا شعب سبأ "شعبن سبا"، فإننا لا نقصد القبيلة سبأ، بل أمة سبأ، أو شعب سبأ بالاصطلاح الحديث. أي رابطة مواطنة تجمع شمل جميع المواطنين بالدولة جمعا روحيا وماديا، أي ان أمة سبأ تجمع السبئيين وغيرهم من الغرباء من أتباع حكومة سبأ، الخاضعين لحكم هذه الحكومة، ويدينون بالولاء لها ولأنظمتها ولقوانينها الروحية والمادية.
(1/2678)
ونجد في النصوص العربية الجنوبية إشارات إلى وجود ثلث أو ربع أو نصف قبيلة. فورد: "ثلثن سمعى"، أي "ثلث سمعي". ومعنى هذا ان جزءا من قبيلة ما تعاون مع سكان منطقة ما لاستغلال أرض وللاستفادة من غلاتها،فيذكر عندئذ رقم الجزء الذي نزل في هذا المكان. ولا يعني هذا بالضرورة ثلث أبناء القبيلة أو ربعها أو نصفها أوخمسها على الوجه المفهوم من القبيلة عندنا. بل يعني ذلك توزيع الأعمال والشغل على المجتمعين الذين تجاوزوا ورضوا بالعمل معا حسب الأجزاء المذكورة، التي تمثل نسب اشتراك المشتركين في العمل.
وفي العربيات الجنوبية مصطلح، له صلة بمعنى "المواطنة" والمواطنين بالمعنى الحديث. وهو مصطلح: "خمس" ويجمع على "اخمس" "أخمس"، ويراد به مواطنو مملكة أو إمارة. فهو بمعنى المواطنة أو الرعاية في الاصطلاح الحديث. فكل من يعيش في حكومة ما في اي مكان كان، من قرية أو مدينة، فهو "خمس"، أي مواطن ومن رعايا تلك الحكومة، كما نرى في هذه الفقرة في نص "معيني": "ركل الا لت معنم ويثل وكل الالت ذا خمسم واشعبم"، و معناها: "وكل آلهة معين ويثل وكل آلهة المواطنين والقبائل". ويراد ب "اشعبم" هنا القبائل، أي الأعراب واما "أخمس"، فيظهر أن المراد بها الرعايا الحضر المستقرون. ورد في نص سبئي: "خمسيهو وحميرم"، أي "مواطنو سبأ وحمير".
(1/2679)
وترد لفظة "جوم" "كوم"،في النصوص السبئية القديمة بوجه خاص،مثل هذه الجملة "هوصت كل جوم". ويرى بعض الباحثين أن "هوصت" بمعنى "ملة". و"الملة"، في الإسلام،يراد بها نظام ديني واقتصادي واجتماعي،ارتبط أفراده بمجتمع واحد، برابط الأمور المذكورة. اما لفظة "جوم" "كوم"، فترادف لفظة "قوم" في عربيتنا. وقد يكون القوم عددا صغيرا،وقد يكون كبيرا. ويرتبط القوم برباط متين يربط افراده، هو الإله الذي ينتمي القوم أليه. فورد "جوم غثتر" و "كوم ود"، اي "قوم عثتر" "وقوم ود"". فالقوم إذن جماعة وإخوان في دين، تؤمن بإله يجمع شمل المؤمنين به،ويربط بينهم برباط العقيدة والإيمان به، لا برباط النسب وصلة الرحم والدم.
هذا، ويذكر علماء ا اللغة ان "الملة"، الشريعة والدين، كملة الإسلام والنصرانية واليهودية، وهي في اللغة السنة والطريقة. وقد وردت في خمسة عشرموضعا من القران الكريم. استعملت في ثمانية مواضع منها للتعبير عن دين إبراهيم: "ملة ابراهيم". وللمستشرقين اراء متضاربة في أصل الكلمة.
والمواطنون هم أبناء "القبيلة"، التي هي نواة الحكومة وجرثومتها، والتي بقوتها تكونت تلك الحكومة، والقبائل المتحالفة معها، أو التي خضعت لحكمها فتبعتها، ولهذا تذكر القبيلة ويشار اليها، باعتبار ان الحكومة هي حكومتها في الأصل ثم يشار إلى القبائل الخاضعة لها للدلالة على انها في حكم تلك الحكومة. فقد ورد في الكتابات السبئية "سبا و اشعبهمو"، بمعنى سبأ و القبائل التابعة لها.وورد: "ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابها في المرتفعات وفي التهائم"، وهو لقب ملوك سبأ بعد توسع رقعة سبأ واستيلاء السبئيين على غيرهم وضمهم أرضهم إلى ارض دولتهم. فدون اسم سبأ أولا، باعتبار ان السبئيين هم العنصر الحاكم المكون الأول للدولة، ثم اشارالى من تبعهم و انضم اليهم سلما او حربا.
(1/2680)
وبين "الشعب" وإلهه رابطة مقدسة وصلة متينة لا انفصام لها. وفي استطاعتنا ان نقول ان مجتمعات العرب الجنوبيين كانت مجتمعات دينية ز فالشعب عبيد الاله ن والاله بالنسبة لاتباعه اب غفور رحيم ن شفيق قدير. "الجوم" "الكوم" أي القوم ابناؤه واولاده. فالسبئيون هم ولد "المقة"، أي اولاد المقه، اله سبأ، والمعينيون هم "ولد ود"، وقد خاطبوا الههم "ودا" بعبارة "ود ابم" أي "ود اب" و "ود الاب". وقال القتبانيون عن انفسهم "ولد عم" و "ولد عم"، أي ولد الاله "عم" واولاد الاله "عم". وفي هذه الجمل اجمل تعبير عن وجهة نظر المجتمع الى ربه. ان رب القبيلة، هو الرابط المقدس الذي يربط شملها ويجمع بين ابنائه، وبه يعتصم الناس، واليه يلاذ في الخير وفي الشر. وقد عبر عن هذه الرابطة بلفظة جميلة هي "حبلم" في بعض الكتابات. والحبل يربط ويجمع ويجعل من المتفرق وحدة. وهو مصطلح يذكرنا بالآية الكريمة: "واعتصموا بحبل الله "، وبالآية "أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس". فلفظة "ولد" اذن بمعنى قوم وابناء صنم أو موضع. فهي في معنى أبناء في اصطلاحنا الحديث، تستعمل قبل اسم الصنم أو الموضع أو القبيلة، لتدل على معنى المواطنة. ولا يشترط فيها أن تكون مواطنة نسب أي صلة رحم وقرابة دم، بل مواطنة دينيه ورابطة سياسية واجتماعية واقتصادية.
والإله حامي شعبه والذاب عنه، والمؤيد له في السلم وفي الحرب. لذلك نعت بى "شيمم" "ش ي م م" أي "شيم"، وتعني اللفظة معنى حام وحافظ ومدافع. وتجد الناس وهم ينعتون آلهتهم بهذا النعت في كتاباتهم طالبين منهم العون لشفائهم من أمراضهم ولحمايتهم من الأسوأ.
(1/2681)
وفي جملة "اهل عثتر" وامثالها التي ترد في مختلف كتابات المسند، تعبير عن هذه الرابطة المتينة الني تربط القوم بإلههم. تعبير عن صلة ملة عثتر بربهما. الجاعة المؤمنة بالإله عثتر. وتعبير عن جماعات انتمت الى الهة اخرى، وقالت عن نفسها: "اهل". ويشبه هدا التعبير تعبير "اهل الله" الوارد في الإسلام ويراد بهم المؤمنون بالله المنقطعون له وحده العابدون القانتون الزاهدون.
وهكذا نجد شعوب حكومات العربية الجنوبية، مؤلفة من وحدات سياسية دينية. لكل وحدة رابطة روحية تربط أفرادها، جعلت "المؤمنين إخوة"، في عقيدتهم وفي تمسكهم واعتقادهم بإله قبيلتهم الخاص، هو إله القبيلة.
ونحن إذ نقرأ لفظة "شعب" في الكتابات العربية الجنوبيه، يجب ان لا نفهم منها ما نفهمه من لفظة "قبيلة" في نظر الأعراب، وعند العرب الشماليين، اي رابطة دموية تجمع ابناء القبيلة، ترجع بهم إلى جد واحد أعلى. بل يجب علينا ان نفهمهما على وجه آخر. يجب ان نفهمهما بمفهوم "الملة" أو "الأمة" في المصلح الإسلامي، وعلى النحو الذي فهمه المسلمون الأول من مصطلح "امة" و "ملة"، اي رابطة تجمع بين شمل جماعات شعرت بوجود روابط دينية وفكرية واقتصادية واجتماعية بينها، وبوجود إخوة في العقيدة والرأي. على نحو ما نفهمه من آية الحجرات:" إنما المؤمنون إخوة". وذلك كما سبق أن تحدثت عن ذلك قبل قليل.
وترد لفظة "عم" بمعنى شعب في الكتابات النبطية، وترد بهذا إلمعنى في لهجات عربية أخرى. وقد نعت ملوك النبط أنفسهم ب "رحم عمه" "راحم عمه"، أي "رحيم شعبه" أو "راحم شعبه"، بمعنى أنه محب لشعبه رحيم به. وأن ملوك النبط رحماء بشعبهم محبون له.
(1/2682)
والذي يجمع شمل الدولة ويقويها ويأخذ بها إلى الحكم ثلاثة أركان:إله أو آلهة، يدافع أو تدافع عن الحاكم وعن رعيته، وحاكم قد يكون "كاهنا" وقد يكون ملكا، وقد يكون أمرا، وقد يكون سيد قبيلة، واجبه حكم رعيته وارشادهم وقيادتهم في السلم والحرب، ثم رعية طيعة طائعة تدين بالولاء للآلهة وللحكام، ليس لها الاعتراض على "حق الحكم"، لأنه حق إلهي متكرر، ولا اعتراض على قدر الآلهة ومقدراتها: ومن يخالف أوامر السلطان، كان كمن يخالف أمر ربه، عاصيا خارجا عن سواء السبيل، فيجب تأديبه، ولو بالقتل، لأن جزأء من يخرج على أمر الالهة القتل.
ومن سيماء الاخلاص للدولة ذكر أسماء الآلهة التي يتعبد لها إلحكام، اي الالهة الشعب الحاكم، تيمنا بها، وتقربا اليها، وذكر أسماء الحكام في إلكتابات في المناسبات تعبيرا عن ولاء صاحب الكتابة واخلاصه للحاكم. وذكر اسم القبيلة الحاكمة مع اسم القبيلة التي ينتمي اليها صاحب الكتابة، ليكون ذكرها تعبيرا عن الاعتراف بسيادتها عليه وعلى قبيلته.
أصول الحكم
المجتمع العربي الجاهلي: بدو و حضر اهل وبر وأهل مدر يتساوى في ذلك عرب العراق وعرب بلاد الشام وعرب جميع أنحاء جزيرة العرب. وفي كل مجتمع من هذين المجتمعين تكون نظام من أنظمة الحكم يتناسب مع المحيط، لأنه نبات ذلك المحيط، وحاصله، وما ينبت في مكان ينبت وقد اكتسب خصائص التربة وخصائص الجو، وما يحيط بالنبات من مؤثرات طبيعية أو بشرية.
ومن هنا صارت "الرئاسة" قاعدة الحكم عند أهل الوبر، و "الملكية" و "رئاسة القرى والمدن"، أداة الحكم عند أهل المدر.
(1/2683)
ولا ينال الحكم في المجتمعات البدوية وفي المجتمعات الصغيرة التي لم تبلغ مرحلة متقدمة من الحضارة، والتي لم تنل حظا من الغنى والمهارة في العمل وفي كثرة الانتاج وتنويعه، إلا من كان ذا قابلية عالية وذو شخصية قوية، وذو أسرة متجانسة متآلفة متماسكة كثيرة العدد، وذا عشيرة أو قبيلة تندفع في تأييده لمزاياه المذكورة أو لخوفها منه، أضف إلى ذلك العصبية والرغبة في كسب المال عن طريق الاندفاع معه في غزو القبائل الأخرى. فمجتمع من هذا النوع تكون قيادته بيد "سادته"، وقد يفرض أحدهم نفسه على الاخرين، طوعا أو كرها فيكون حكومة تنسب في الغالب اليه، قد يطول أجلها إذا جاء من بعده حكام أكفاء لهم قابلية وشخصية، وقد تموت بموته، لعدم كفاءة من يخلفه، ولأنه كون دولته بشخصيته، وليس عن دوافع أخرى مثل ايمان بعقيدة واخلاص لها، أو وجود وعي مشترك وحس بوجوب التكاتف والتآزر، لتأليف مجتمع متكاتف يعيش فيه المواطنون عيشة مؤاخاة ومواطنيه بالعدل والانصاف، حتى يطول عمر تلك الحكومة، ولما كانت تلك الدولة قد كونت إما عن مصلحة أو عن خوف وقهر أو عن طمع، وقد زالت هذه بموت صاحبها، لذلك يصيبها التفكك وانهيار البناء. ومما يؤيد ذلك ردة من ارتد بعد وفاة الرسول عن الإسلام، فقد كانت حجتهم في ردتهم انهم انما بايعوا الرسول وآمنوا به، ولم يبايعوا غيره. وبوفاته انتهى حكم البيعة، فلن يخضعوا لغيره ولن يدفعوا صدقة ولا زكاة ولن يطيعوا أحدا. ولو لم يؤدبهم "أبو بكر"، بأدب القوة، لما عادوا ثانية إلى الإسلام.
(1/2684)
وللحكم الملكي صلة كبيرة بحياة الاستقرار والاستيطان، فهو لا ينمو ولا يظهر إلا في المجتمعات المستقرة وفي المواضع الغنية بالماء وفي القرى والمدن. فنرى ان حكام قرى فلسطين ومدنها كانوا قلى لقبوا أنفسهم بلقب "ملك" في ايام "ابراهيم" مع انهم لم يكونوا إلا رؤساء قرى أو مدن." قد كان أكثرهم كهنة في الأصل، اي حكاما حكموا رعيتهم باسم الآلهة، فكان لهم الحكم في الدين وفي تدبير امور الرعية من الناحية الدنيوية، ثم عافوا هذا المركز وتركوا المعبد،وخصصوا أنفسهم بالنظر في الأمور الدنيوية.
ولما تقدمت وسائل الحروب وتفنن الإنسان في صنع الأسلحة، وفي استذلال الحيوان وتسخيره لنقل محاربيه وأسلحتهم ومواد اعاشتهم، توسعت سلطة كبار الملوك، وتضخمت حدود ممالكهم، فظهرت الملكيات الكبيرة: ظهرت على أنقاض "ممالك القرى" و "ممالك المدن". حيث حكم التأريخ بتسلط الممالك القوية على الممالك الصغيرة،وبأكل القوي منها الضعيف، لأن الحق للاقوى والبقاء للقوي المكافح المناضل المكالب في هذه الحياة تكالب الكلاب فيما بينها لمجرد شعور كلب قوي بتفوقه على كلب آخر غريب أو كلاب غريبة عنه.
ولعب "المال" دورا خطيرا في ظهور "الملوك الكبار" وفي تكوين "الحكومات الملكية الكبيرة "، ونضيف اليه شخصية صاحب المال والطبيعة التي عاش بها، من برودة وحرارة وتبدل في الضغط الجوي، ومن تربة ومعدن ونبات وماء. فالمال وحده لا يكفي لخلق دول كبرى، وهو لا يدوم إذا لم يقرن بعقل فطن. خلاق يعمل على الإيجاد والتكوين وتسخير الطبيعة في خدمته وخلق قوة تكون سندا له وسدا منيعا يقف حائلا منيعا أمام المعتدين. والاستفادة من المال بتشغيله بحكمة وبعلم، وبإيجاد موارد جديدة تحل محل الموارد القديمة إن نففت.
(1/2685)
-
وقد كان ظهور الحكومات ألملكية الكبيرة في الأرضين الغنية بخيراتها ذات الماء الغزير والجو المساعد على العمل. فوسعت رقعتها وطمعت في غيرها فابتلعتها وقوت نفسها بخيراتها وعبأت كل قواها لخدمتها، وأخذت تكتسح غيرها وتتوسع وكونت الممالك الكبير المشهورة في التأريخ.وقد سمح بعض ملوك الحكومات الكبيرة لملوك الممالك الصغيرة بالاحتفاظ بحمل لقب "ملك"، على أن يكون ذلك مقرونا باعتراف أولئك الملوك بحماية الملوك الكبار لهم،وبوجوب عدم الخروج على طاعتهم وبلزوم الاشتراك معهم في الحروب إن طلب منهم الاشتراك فيها، وبدفع جزية مرضية لهم. فلم تتمكن الحكومات الصغيرة التي عاشت على التجارة والاتجار من العيش بمأمن وسلام، إذ طمعت فيها الدول القوية، فأرسلت اليها من يخيرها بين الاستسلام والطاعة أو الهلاك واحراق الدور وإنزال الدمار. وقد رأينا أمثلة عديدة على ذلك فيما سلف من هذا الكتاب. من ذلك تهديد حكومات العراق لحكومات مدن الخليج،وتهديد الرومان واليونان للنبط. وحملة "أوليوس غالوس" على اليمن، لضم أصدقاء أغنياء إلى انبراطورية الرومان، يؤدون لها الخراج ويقدمون لها ما عندهم من ذهب ابريز، وإلا فالنار والخراب والدمار والقتل. فلا مجال للحكومات الغنية الصغيرة من العيش بأمن وسلام. وليس عندها سوى الإختيار بين أمر من أمرين. فإما دفع جزية ثقيلة ترضي القوي، واما الاستسلام وإنزال النار بها والدمار.
(1/2686)
أما البوادي والأرضين القفرة الفقيرة القليلة الماء، فلا يمكن أن تنبت بها "ممالك" كبيرة،لعدم توفر مستلزمات المعيشة والتجمع الكبير فيها، لهذا صارت حكوماتها حكومات "رئاسات" رئاسة قبيلة أو أحلاف. وقد يحلو للرئيس أن نحتار له "ملك"، لقب لا يعني في الواقع العملي أكثر من سيد قبيلة. وحكومات باطن جزيرة العرب هي من هذا النوع في الأكثر. أما الملكيات فقامت في مواضع الحضارة، حيث التربه الصالحة الخصبة المساعدة على حياة التجمع والاستقرار. ووجود حضر يقبلون بالطاعة والخضوع لحكم حاكم، ومال يجبى من الناس ليستعين به الحاكم على الانفاق على نفسه وعلى جيشه وعلى من ينصبهم لادارة الأمور. قامت تلك الملكيات في العراق وفي بلاد الشام وفي أطراف جزيرة العرب وفي مواضع الماء من نجد كاليمامة. وقد تكلمت عنها في الأجزاء السابقة من هذا الكتاب.
أما الرئاسة، فهى درجات تبدأ برئاسة بيت، وتنتهي برئاسة قبيلة. ولكل رئيس سلطان على أتباعه وحقوق وواجبات. وعليه أيضا حقوق وواجبات يجب أن يوفي بها لأتباعه ومن هم في عنقه ويمينه. والرئيس هو "بعل" و "رب" و "سيد" جماعه والمسؤول الشرعي عن أتباعه، وهو ممثلهم ولسانهم الناطق باسمهم وحاميهم في الملمات.
وقد عرف "هشام بن المغيرة" ب "رب قريش" ونسبت قريش اليه في الجاهلية، فقال الشاعر: أحاديث شاعت من معد وحمير وخبرها الركبان حي هشام
وذلك تعظيما له واحراما لشأنه.
ويعرف رئيس القبيلة ب "سيد القبيلة"، وسادات القبائل هم رؤساء القبائل.
وقد ينعت رجل ب "سيد العرب" وب "سيد مضر" وب "سيد أهل الوبر"، وذلك لتعبير عن سلطانه وعن مكانته وعن حكمه لقبائل كثيرة عديدة. فقد نعت "الأفكل"، وهو "عمرو بن جعيد" ب "سيد ربيعة" لرئاسته على ربيعة. وعرف "حذيقة بن بدر" ب "سيد غطفان"، وكان يقال له: "رب معد".
(1/2687)
وعرف "قيس بن عاصم بن سنان المنقري" ب "سيد أهل الوبر"،- فلما وفد على رسول الله في وفد "تميم"، قال رسول الله: " هذا سيد أهل الوبر". وكان ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية، لأنه سكر فعبث بذي محرم له.
وعرف حاكم "تدمر" ب "رش تذمور"، أي "رأس تدمر" و"رئيس تدمر"، في الكتابات التدمرية القديمة. ثم عرف ب "ملك"، في الكتابات المتأخره المدونة وصار اللقب الرسمي لحكام "تدمر" في ايام "الزباء" فما بعد، إلى احتلال الرومان لتدمر وإلغائهم الحكم التدمري.
ولقب "أذينة" ملك "تدمر" نفسه ب "ملك ملكا" أي "ملك الملوك" أيضا، تشبها مملوك الفرس وبملوك حكموا قبلهم مثل الملوك الأشوريين، واتخذ لنفسه ألقابا يونانية تقليدا للرومان. ولم نعثر في النصوص العربية الجنوبية على لقب "ملك الملوك". ويظهر ان الملوك العرب لم يتلقبوا بهذا اللقب الأعجمي.
المكربون
وترينا أقدم الكتابات العربية ان العربية الجنوبية حكمها قبل الملوك أناس حكموا حكما مزدوجا، أي حكما دينيا ودنيويأ، على نحو ما حدث في العراق وفي مصر وفي أماكن أخرى من الشرق، قبل أن ينتقل الحكم إلى الملوك، ويتحول. الى حكم زمني، ينصرف فيه.الملك إلى الأمور الزمنية لرعيته، تاركا الشؤون الدينية لرجال الدين، حكموا الأرض باسم ألسماء،وحكموا حكم الساسة والحكام،.ونطقوا باسم الآلهة، فحكمهم حكم إلهي مقدس، على أتباعهم ومن يؤمن بهم إطاعتهم، لأنهم ألسنة الآلهة الناطقة على هذه الأرض.
(1/2688)
ويعرف هذا الكاهن الملك ب "مكرب"، أي "مقرب". وقد حصانا من كتابات المسند على أسماء عدد من "المكربين"، غير ان تلك الكتابات خرساء، لم تبح لنا بشئ ما عن أصول حكمهم للمعابد ولإدارة الدولة ولا عن كيفية تلقيهم الأوامر الإلهية التي يطلبون من أتباعهم تنفيذها، هل كانت وهل وحيا من الآلهة، يحملها اليهم ملائكة مقربون، أو إلهاما يتجلى في نفوسهم فينطق به المكربون ويبلغونه للناس،أو صوتا يخرج من رئي أو صنم أو ما شاكل ذلك يسمعه "المكرب" فيفسره للناس على طريقة الكهان ? وليس في نصوص المسند تعليل ما للدوافع والاسباب التي حملت آخر "مكرب" في كل دولة من الدول العربية الجنوبية على تغيير لقبه القديم، الموروث عن ابائه، واتخاذ لقب جديد، لقب "ملك"، وهو لقب يشير إلى الحكم الدنيوي فقط، والى ابتعاد الملك عن الحكم الديني وتركه لغيره. غير اننا نستطيع أن نقول باحتمال تأثر هؤلاء "ألمكربين" بالمظاهر الخارجية اإني كانت عند الدول المعاصرة التي لقبت حكامها بلقب ملك، وهي دول كبيرة ذات جاه وسلطان فأراد أولئك الحكام، حكام حكومات اليمن، التشبه بهم، ومحاكاتهم في المظهر، فغيروا لقبهم، ليظهروا أنفسهم انهم مثلهم، وانهم ليسوا أقل شأنا من أقرانهم الملوك.
ولا يظن أن التغيير الذي حدث فأدى إلى إبدال حكم "المكربين"بحكم الملوك كان تغيرا قسربا، أي نتيجة انقلاب عسكري أو ثورة، ذلك لأننا نعلم أن آخر مكرب من مكربي سبأ كان هو المكرب "كرب ال وتر" "كرب ايل وتر". وقد كان هذا المكرب أول من افتتح العهد الملكي في سبأ، وأول من حمل لقب "ملك وذلك يدل على أنه هو الذي اختار اللقب الجديد، واستبدله بالقب القديم.
(1/2689)
ولم يكن "المكرب" رجل دين بالمعنى المفهوم من الجملة، أي عالما بأمور الدين فقيها بها كرس وقته لها، ومتوليا إمامة الناس في صلواتهم وفي أداء الشعائر الدينية للارباب في معابدها، مقدما القرابين بنفسه اليها، بل يرى بعض الباحثين أنه مجرد منصب له صبغته الدينية، وأنه يشبه منصب "الخليفة" في الإسلام "، حيث كان الخليقة يعد "أمير المؤمنين" ورئيس المسلمين. ولم يكن مع ذلك أعلم المسلمين بأمور الدين ولا أفقههم بالأحكام، وإنما هو "خليفةالله" في أرضه. وكذلك كان المكربون خلفاء الالهة على الأرض.
وقد استتبع انتقال الحكم من "المكربين" إلى الملوك، حدوث تغيير في أصول الحكم. فانقطعت صلة الملك بالمعبد، ولم يعد الرئيس المباشر له ولرجال الدين، وإن بقي الملك حامي الدين والمعبد. لما للمعبد من ارتباط بالدولة ولما للاثنين من مصالح مشتركة مترابطة، إذا اختلت أصاب الأذى الجهتين. وانصرف رئيس المعبد إلى ادارة المعبد وأملاكه الكثيرة الواسعة، والى جباية الضرائب الدينية، أي حقوق الالهة على الناس. وهي حقوق واجبة مفروضة. وانصرف الملك إلى ادارة الدولة، وجباية حقوقه على شعبه. وادارة املاكه الخاصة وأملاك الدولة،.التي هي أملاك الملك أيضا. حيث لم يفرق الملوك بين جيبهم الخاص وبين جيب الدولة. لأن الدولة الملك، والملك الدولة. وبيت المال هو بيت مال واحد، للملك أن يتصرف به كيف شاء.
الملك
وأما "الملك"، فهو الرئيس الأكبر والإنسان الأعلى في مجتمعه. ولفظة "ملك" من الألفاظ العربية القديمة التي ترد في جميع اللهجات العربية، وهي أيضا من الألفاظ التي ترد في أغلب اللغات السامية. وقد تلقب بها ملوك العربية الجنوبية، وتلقب بها ملوك الحيرة وملوك آل غسان وملوك كندة، بل طمع في هذا اللقب أمراء وسادات قبائل،اعجبهم فلقبوا أنفسهم به.
(1/2690)
ولا يعني هذا.ان حكم الملك كان دائما" "حكما شاملا واسعا بالمعنى المفهوم من هذا اللقب،فقد كان سلطان الملك في بعض الأحيان لا يتجاوز سلطان سيد قبيلة، أو سلطان صاحب قرية أو أرض. وعلى ذلك نجد في العربية الجنوبية وفي أنحاء أخرى من جزيرة العرب عشرات من أمثال هؤلاء الملوك يحكمون قبائلهم أو أرضهم بهذه النعوت والصفات المغرية المحببة الى النفوس والقلوب، ذلك لأنهم أحبوا هذا اللقب، فلقبوا أنفسهم به، وصاروا ملوكا، وهم في الواقع سادة قبائل أو أرض صغيرة. ونجد في كتب السير والتواريخ اسماء جملة "ملوك" عاشوا قبل الإسلام وعند ظهوره، لم يكونوا في الواقع سوى سادات "شيوخ" قبائل أو قرى، ولم يكن لهم على من حولهم نفوذ أو سلطان.
ومعنى "ملك"، الرأي والمشورة والنصيحة. و "ملك"، بمعنى قد م رأيا أو نصيحة أو مشورة، وذلك في بعض اللغات السامية. وتعني كلمة "شارو" "شرو"، "الملك" في الأشورية، وهي في معنى "الحكيم" في الأصل، أي في المعنى المقدم. وتعني كلمة "مليخ" "ملخ"، أي "ملك" في العبرانية،الحكيم الذي يقدم رأيا وحكما ومشورة، فهي في معنىCounseller , Adviser الانكليزية إذ كان الملوك بمنزلة الحكماء القضاة في شعوبهم، ثم تخصصت بالحاكم الذي يحكم شعبه على النحو المفهوم من اللفظة عندنا.
وقد وردت لفظة "ملك" في نصوص المسند. وردت على هذه الصورة: "ملكن"، أي "الملك"، و "ملكم"، أي "ملك". ووردت على هذه الصورة: "ملك" في النصوص الثمودية واللحيانية والصصوية. و"ملكو" في النصوص النبطية. أما في النصوص ألعربية الشمالية، فإن أقدم نص وردت فيه هذه اللفضة، هو نص "أم الجمال"،الذي يعود عهده إلى سنة "250" أو "275" بعد الميلاد. وهو شاهد قبر رجل اسمه "نهر بن سلى مرب جذيمة ملك تنوخ" ونص " النمارة " الذى هو شاهد قبر الملك "امرء القيس"،وقد دون سنة"328" للميلاد.
(1/2691)
ولا نعرف في الزمن الحاضر مكانة درجة من يحمل لقب "اخ ملكا" أي "أخي الملك" الوارد في النصوص النبطية. فلسنا ندري أكانت تعني "وصاية" أو "وزارة" أو مقربا من الملك، ام تعني ان حامله من الأسرة المالكة.
ونطلق لفظة "تبع"، والجمع "التبابعة"، على ملوك حمير، بل تطلقها الموارد الإسلامية في بعض الأحيان على كل ملوك اليمن. فهي في معنى "ملك".
ولا يطلقونها على غيرهم، أي على الملوك الآخرين من ملوك العرب. فهي إذن اصطلاح خاص بأولئك الملوك. كما اصطلحوا على تسمية كل من ملك الحبشة "النجاشي"، وكل من ملك الروم "قيصر"، وكل من ملك الفرس "كسرى". وقد ذكر علماء اللغة في تفسيرها: "وتبع كانوا رؤساء، سموا بذلك لاتباع بعضهم بعضا في الرئاسة والسياسة. وقيل تبع ملك يتبعه قومه والجمع التبابعة". وورد في القرآن الكريم: "وقوم تبع" في جملة الأقوام التي كذبت فحق عليها وعيد.
وذكر بعض أهل الأخبار "أن العرب لم تكن تسمي أحدا تبعا حتى يملك
اليمن والشحر وحضرموت، وقيل: حتى يتبعه بنو جشم بن عبد شمس". فإن لم يكن كذلك سمي ملكا، وأول من لقب منهم بذلك "الحارث بن ذي شمر"وهو الرائش. ولم يز ل هذا اللقب ملازما لملوكهم إلى أن زالت مملكتهم بملك الحبش اليمن.
وذكر أن العرب كانت تسمي الملك "الحصير" ئ لك. لأنه محجوب عن الناس، أو لكونه حاصرا، أي مانعا لمن أراد الوصول اليه. قال لبيد.
وقماقم غلب الرقاب كأنهم جن على باب الحصير قيام
والمراد به النعمان بن المنذر. وروي لدى طرف الحصير قيام. أي عند طرف بساط النعمان.
وذكر بعض أهل الأخبار أن "حمير" تسمي الحاكم "الفتاح" بلغتها.
(1/2692)
والعادة ان الملكية وراثية، تنتقل من الآباء إلى الأبناء، ويتولاها الابن الأكبر في الغالب. فإذا حكم هذا وتوفي، انتقلت إلى ابنه الأكبر، وهكذا. وبذلك يحرم إخوته الآخرون، إلا إذا نص الأب الملك على خلاف ذلك، كأن يذكر اسم الذي سيخلفه،أو يعين جملة أبناء أو أشخاص يحكمون من بعده على التوالي، فإذا توفي الابن الأكبر مثلا، انتقل الحكم إلى اخيه الذي يليه، وهكذا إلى نهاية الوصية. وقد يوصي المتوفى لأخيه من بعده، أو لإخوته، بدلا من ابنه أو اولاده، فنظام الحكم اذن نظام وراثي في العادة، ينتقل طبيعة إلى الابن الأكبر للحاكم المتوفى، إلا إذا حدث خلاف ذلك، لوصية يوصيها المتوفى ولرأي يراه، أو لأحوال قاهرة كأن يكون الشخص المتوفى عقيما لا عقب له، فقي مثل هذه الحالة ينتقل الحكم إلى أقرب الناس اليه، بحسب وراثة الدم، أو بحسب رأي الأسرة التي ينتمي اليها المتوفى.فيكون عندئذ لها وللمدنين والوجهاء الرأي والاختيار.
والعادة ان الحكم يكون في الأسر الكبيرة الرفيعة، ينتقل إما من أب إلى ابن على حسب العمر، وإما إلى أخ أو غيره من افراد الأسرة. وقد ينشب خصام بين افراد هذه الأسرة في موضوع تولي العرش، ولا سيما في العهود القديمة، حيث لم يكن العرف قد استقر على ضرورة انتقال الحكم من الأب إلى ابنه الأكبر. فتنقسم الأسرة، وقد يطول انقسامها، عند تكافؤ المتخاصمين واستعانة كل فريق على الاخر بمؤيدين اقوياء، فيدعي حق الحكم له، ويلقب زعيمه بلقب "ملك". وتفتح هذه الخصومات الأبواب لزعماء الأسر الكبيرة الأخرى،لمنافسة الأسر الحاكمة على الحكم، فتدعيه ايضا لنفسها وقد تنجح مدة وقد تنجح في انتزاعه من الأسر الحاكمة وابتزازه لنفسها.
(1/2693)
وقد يقارع تلك الأسر شخص من سواد الناس من المغمورين، وينتزع الحكم من أصحابه، وذلك يفضل كفاية فيه، وقوة شخصية دفعته للتزعم وللطموح. وفي تأريخ الحكم في ألعربية الجنوبية أمثلة عديدة على ذلك. وقد يصر هذا الشخص مؤسس أسرة حاكمة جديدة، إذ ينتقل الحكم منه الى أبنائه أو اعضاء أسرته بعد وفاته، وقد يقتصر الحكم عليه، فإذا توزع وقتل أو مات، قتل حكمه بقتله، ومات اغتصابه له بموته.
وقد أرتنا بعض كتابات المسند أن العرب الجنوبيين، لم يجدوا غضاضة في تلقب أب وابنه أو اب وأبنائه أو أخ وإخوته بلقب "ملك" في وقت واحد، فقد انتهت الينا كتابات عديدة، وفيها أب يحمل لقب ملك، ومعه أبناؤه يحملون هذا اللقب كذلك، كما انتهت الينا كتابات يحمل فيها أخ وإخوته لقب "ملك". وقد يدل ذلك على اشتراك المذكورين في الكتابة اشتراكا فعليا في الحكم، غير ان ذلك لا يعني الحتمية، فقد يجوز أن يكون "الملك" برد لقب يمنح لذلك الشخص أو لأولئك الأشخاص ليشير إلى صلة الشخص أو الأشخاص به، أو إلى منزلته ومنزلتهم بين الناس.
وقد يكون ذلك.للتخفيف عن أعمال الملك بسبب من كثرة عمله أو من عدم تمشه من القيام بأعمال الملك كلها لضعف شخصيته وقابلياته، أو لمرض ألم به، أو لأن الملك أراد بذكرهم معه تدريبهم على أعمال الحكم، حتى يكونوا قد خبروا أمور الملك إذا انتقل الحكم اليهم، مع بقاء الملك الأصل في عرشه ومكانه، يمارس أعماله على نحو ما يريد.
ولم يصل الينا نص ما من العربية الجنوبية يشير إلى وجود امم ملكة على عرش إحدى الحكومات التي تكونت هناك. اما خارج العربية الجنوبية، وخارج جزيرة العرب، فقد وردت في الكتابات الآشورية وفي كتابات غيرها أسماء ملكات عربيات، وكل ذلك دليل على ان العرب الشماليين لم يجدوا ما يمنعهم من تعيين ملكات عليهم، وان ملكات ولين حكومات.
(1/2694)
وقد كان ذلك قبل الإسلام بزمن طويل. أما في الأيام القريبة من الإسلام، فلم نعثر على اسم ملكه حكمت فيها، لا في الكتابات ولا في القصص الذي يرويه الاخباريون عن تلك الأيام.
ولا نعرف في جزيرة العرب نظاما انتخابيا عاما ينتخب الشعب فيه ملكه على النحو الذي نفهمه في الزمن الحاضر، أو على النحو الذي كان معروفا عند الرومان أو اليونان في زمن من الأزمان، انتخابا لأمد محدود معين بسنين أو لأمد طويل يحد حياة الإنسان، فلم يرد نص ما فيه لشيء من ذلك، ولم يرد في قصص الأخبارين ما يشير إلى وجود مثل هذا الانتخاب.
ولا نعرف أيضا ان المزاود وهي المجالس أو طبقة قادة الجيش أو سادة المدن والقبائل كان لها رأي في تعيين الملوك، أو إقرارهم على نحو ما كان يجري في الدولة البيزنطية. ولا نعرف كذلك اكان لأحد حق اقالة الملوك وتنحيتهم عن عرشهم إذا تبين انه غير صالح لتولي الحكم لسبب من الأسباب، فإننا لم نتعرف حتى الآن على نصوص تتحدث عن مثل هذه الأمور. وأما قيام شخص من الأسرة المالكة أو من غيرها بمنافسة الملك أو بالثورة عليه وانتزاع الملك مكنه، فإن ذلك شيء آخر، يعود إلى أستعمال القوة والخروج عن الظاعة، وهما بالطبع من الأمور المخالفة في كل عهد وزمان.
(1/2695)
لقد تحدث "الهمداني" عن طريقة من طرق تعيين المللك عند "حمير"،فقال: "وبأسفل المعافر قصر ذي شمر، ويدخلون في قيالة حمير، وكانت أقوالها تكون في كل عصر ثمانين قيلا من وجوه حمير وكهلان، فإذا حدث بالملك حدث، كانوا الذين يقيمون القائم من بعده ويعقدون له العهد. وكان قيام الملك من قدماء حمير عن إجماع رأي كهلان، وفي الحديث عن رأي اقوال حمير فقط، وكانوا إذا لم يرتضوا بخلف الملك، تراضوا لخيرهم، وأدخلوا مكانه رجلا ممن يلحق بدرجة الأقوال، فيتم الثمانين قيلا، ولم يكن هذا في حمير إلا مرات يسيرة لأن الملك لم ييكن يعدو الرائش، إلا ان يتوفى الملك واولاده صغار، أو يكل، فيفعل ذلك حتى يتدبر في سواه من ال الرإئش.
وما ذكرته عن حكاية "الهمداني" عن كيفية تعيين الملوك في حمير، يؤيد كون الملكية في اليمن ملكية وراثية تنتقل في الأصل بالإرث من الأب الى الابن، إلا في الحالات الطارئة، مثل موت ملك فجأة وأولاده صغار، أو موته وهو عقيم لا خلف له، ولم يوص لأحد بالحكم من بعده، فيكون الرأي لسادات المملكة الذين جعل "الهمداني" عدة مجلسهم ثمانين قيلا، فيختارون للملك من يرون أنه أكفأ الناس للملك، وينصبونه ملكا. وقد رأينا انه نص في حديثه هذا على أن ما ذكره يتناول حالات خاصة، وقد وقع في مرات يسيرة، لأن الملك لم يكن يعدو الإرث المعهود عنهم الذي ينتقل في الأسره المالكة.
(1/2696)
ولعل هذه الظروف الطارئة هي التي حملت الملك على تنصيب ابن له أو ابنين أو أخ له ملكا معه يلقب بلقب الحكم في أثناء حياته، ويذكر ويذكرون بعده في الكتابات. وغايته من هذا النص هو أن الشخص المذكور اسمه بعد اسم الملك، هو الذي يرث الملك بعد وفاة الملك لسبب من الأسباب، فلا يقع حينئذ خلاف ما في تعيين الشخص الذي سيلي الملك. ولعل ذلك كان يحدث عند مرض الملك أو عند تقدمه في السن وشعوره بالعجز والكلال، أو لكونه محاربا فهو يخشى أن يقتل في المعارك، وما أشبه هذا، فكان يحتاط لذلك بالنص على اسم من يليه وتعيينه معه ليعينه في تحمل أعباء الحكم، حتى إذا حدث له حادث يكون قد تدرب على ادارة الملك.
وذكر بعض اهل الأخبار انه لم يكن لملوك اليمن نظام، وانما كان الرئيس منهم يكون ملكا على مخلافه لا يتجاوزه. وإن تجاوز بعضهم عن مخلافه بمسافة يسيرة من غير ان يرث ذلك الملك عن ابائه فلا يرثه أبناؤه عنه، وانما هو شأن شذاذ المتلصصة، يغيرون على النواحي باستغفال اهلها، فإذا قصدهم الطلب لم يكن لهم ثبات. وكذلك كان امر ملوك اليمن، يخرج احدهم من مخلافه بعض الأحيان، ويبدو في الغزو والإغارة، فيصيب ما يمر به، ثم يرجع عنه، عند خوف الطلب، زاحفا إلى مكانه من غير ان يدين "له احد من غير مخلافه بالطاعة أو يؤدي اليه خراجا.
وقد اخذوا وصفهم هذا السلوك من الحالة السياسية التي كانت في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية، ايام تدهور الأوضاع بعد الميلاد، ولا سيما في أوائل القرن السادس للميلاد إلى دخول العربية الجنوبية في الإسلام. فقد استبد الحكام وأصحاب الاقطاع بالمخاليف، ولقبوا أنفسهم بألقاب الملك، وأخذ بعضهم يغير على بعض، ويغزو ارض جاره على طريقة الأعراب.
(1/2697)
والسيادة على القبيلة، هي كالملكية تنتقل إلى مستحقها بالوراثة في الغالب. فإذا توفي سيد قبيلة، انتقلت سيادتها إلى ابنه الأكبر. هذا عامر بن الطفيل، وهو ابن سيد قبيلة، وقد صار سيدها بعد وفاة والده، يفتخر بنفسه، ويذكر انه ورث السيادة من وراثة، اذ أتته من والده، هذا صحيح، وليس في ذلك. من شك، لكن قومه لم يسودوه ولم يعينوه مكان ابيه، لهذا السب، وانما سودوه لأنه كان يحمي حمى قبيلته ويذب عنها،ولأن فيه شروط السيادة وحقوقها، فهو سيد قومه، قبل ان تأتي السيادة اليه من والده: وإني وإن كنت ابن سيد عامر وفارسها المشهور في كل موكب
فما سودتني ني عامر من وراثة أبى الله أن أسمو بأم ولا أب
ولكنني أحمي حماها وأتقي أذاها وأرمي من رماها بمنكب
وهذا "بشامة بن الغدير"، خال "أبي سلمى" والد زهير، يقول في شعر له:- وجدت أبي فيهم وجدي كليهما يطاع ويؤتى أمره وهو محشتبي
فلم أتعمل لمسيادة فيهم ولكن أتتني طائعا غيرمتعب
فهو رئيس ابن رئيس قبيلة،أتته السيادة من أبيه طائعة، لفضل فيه واستحقاق لها، دون ان يعمل وان يركض للحصول عليها. فالسيادة اذن عند العرب، تتبع نظام الارث في الغالب، إلا إذا حدث حادث يجعل أهل بيت السيادة، يعرضون عن الإبن الأكبر الى غيره، كأن يكون الآبن الأكبر معتوها أو سفيها أو ضعيفا، واخوته أو أقرباؤه أقوى منه.
الأمراء
(1/2698)
والأمير ذو الأمر، اي الآمر. وأولو الأمر: الرؤساء واهل العلم. وذكر ان الأمير الملك لنفاذ أمره، والجمع امراء، وهو يأمر إمارة. ولما كان الخليفة في الإسلام اميرا على المسلمين، نعت ب "أمر المؤمنين"، ولم ترد اللفظة في النصوص الجاهلية بمعنى "ملك". ويظهر انها كانت تعني عند اهل الحجاز الرئيس الآمر. وقد ورد في كتب التأريخ ان الأنصار لما اختلفوا مع المهاجرين بعد وفاة الرسول على "الإمارة" واجتمعوا في "سقيفة بني ساعدة" قالوا: " منا أمير ومنكم أمير ". وفي استعمال الأنصار لهذه اللفظة، دلالة على وجودها عند الجاهليين واستعمال اهل الحجاز لها بهذا المعنى في ايام الجاهلية.
(1/2699)
ويظهر من الموارد "البيزنطية" ومن روايات اهل الأخبار، أن الملوك الغساسنة والملوك من "ال نصر"، اي ملوك الحيرة، لم يكونوا ملوكا بالمعنى العلمي الصحيح المفهوم من الكلمة، وإنما كانوا "عمالا"، إذا كاتبهم الروم أو الفرس، لقبوهم ب "عامل". إذ عينوهم عمالا على الأعراب ولم يعينوهم "ملوكا". فلقب "ملك" من الألقاب الخاصة بملوك الروم لم يمنحوه لغيرهم. وكذلك كان الشأن عند الفرس. نعم لقد ذكر المؤرخ "بروكوبيوس" Procopius ان القيصر "يسطنيانوس" Justinianus منح "الحارث بن جبلة" لقب "ملك" ولقب بعض الكتبة اليونان سادات غسان باللقب المذكور. غير ان هذا التلقيب لا يمكن ان يكون دليلا على أن الدولة الييزنطية كانت تطلقه عليهم بصفة رسمية وانه كان لقبهم الرسمي المعترف به عند الدول الأجنبية. ومن هنا شك المستشرق "نولدكه" في صحة رواية "بروكوبيوس" بشأن منح الحارث لقب "ملك"، ذلك لأن لقب "ملك" كان خاصا كما ذكرت بقياصرة البيزنطيين فلا يمنح لغيرهم، ولأن الوثائق الرسمية لم تطلق هذا اللقب عليهم. ثم إن نص ابرهة الشهير الذي تحدثت عنه أثناء حديثي عن "ابرهة"، لم يلقب "المنذر" ولا "الحارث بن جبلة" بلقب "ملك"، بل لم يلقبهما بأي لقب، بما في ذلك لقب عامل. وهذا مما يدل على أن "آل نصر" و "آل غسان" وإن لقبوا أنفسهم بلقب "ملك" أو لقبهم العرب به، إلا ان ذلك التلقيب لم يكن بصفة دولية رسمية، وانما كان بصورة غير رسمية وعلى سبيل التجمل بهذا اللقب
والتشبه بالملوك الأجانب، استعمله الناس من باب التزلف والتقرب إلى اولئك الحكام، أو انهم نظروا اليهم من وجهة نظرهم الخاصة، فدعوهم ملوكا لأنهم كانوا رعيتهم وكانوا هم مالكي رقبتهم. ومن هنا اعترفوا بهم ملوكا، أما الدول الأجنبية فقد اعتبرتهم مجرد عمال وسادات قبائل.
(1/2700)
والذي صح اطلاقه على أمراء الغساسنة، وثبت وجوده في الوثائق الرسمية، هو لقب "بطريق" Patricius، ولقب "عامل" أو رئيس قبيلة Phylarcos=Phylarkos=Phylarchus مقرونا بنعت من النعوت التابعة له، أو مجردا منه، كالذي جاء عن المنذر الذي حكم بعد الحارث بن جبلة "فلابيوس المنذر البطريق الفائق المديح، ورئيس القبيلة"، و "المنذر البطريق الفائق المديح،، وما ورد عن الحارث "الحارث البطريق ورئيس القبيلة".
ولقب "اليطريق" من ألقاب الشرف الضخمة عند الروم، ولذلك لم يكن يمنح إلا لعدد قليل من الخاصة، ولصاحبه امتيازات ومنزلة في الدرلة حتى ان بعض الملوك كانوا يحبذون الحصول على هذا اللقب من القيصر، ويفضلونه على غيره من الألقاب.
ويلاحظ أن بعض كتبة اليونان أطلقوا لقب "ملك" على الأمراء العرب، مثل "ماوية" فقد لقبوها ب "ملكة". ولم يستعملوا كلمة "فيلارك" "فيلارخ" "فيلاركس" "فيلاركوس" التي تعني "العامل" أو "سيد قبيلة". والظاهر انهم نهجوا في ذلك نهج الكتبة "السريان"، فقد لقبوا سادات القبائل العربية بلقب "ملك" على نحو ما نجلد في الشعر العربي. ويظهر ان عرب العراق كانوا قد لقببوا حكام "الحيرة" بلقب "ملك" و "ملوك"، وأن عرب بلاد الشام لقبوا حكامهم الغساسنة بلقب "ملك" كذلك، وذلك على سبيل التفخيم والتعظيم كما ذكرت، وباعتبار انهم حكامهم ومالكو أمرهم. كما لقب من خضع ل "ال آكل المرار " حكامهم من هذه العائلة بلقب "ملك". وكما لقب بعض سادات القبائل أنفسهم بلقب "ملك"، ولم يكونوا ملوكا، بل كانوا سادات قبائل و "أمراء".
(1/2701)
ومما يؤيد أن حكام الحيرة وغسان، لم يكونوا "ملوكا" في نظر الدول الأجنبية بل عمالا، ما نجده من اطلاق أهل الأخبار عليهم لقب "عامل" ولقب "ملك" أيضا. فكانوا إذا تحدثوا عن صلاتهم بالفرس، أو نقلوا من موارد فارسية قالوا لهم "عمالا"، وقالوا عنهم جملا مثل: " كان يلي ذلك من قبل ملوك الفرس من آل نصر... وقدر ولاية كل من ولي منهم. وأمثال ذلك من جمل تشعر أنهم كانوا عمالا وولاة. أما إذا تحدثوا عنهم من ناحية حكمهم للحيرة وللعرب وعن صلاتهم بالشعراء وبمدد حكمهم لقبوهم ب "ملك" وقالوا: "وقد ملك...."، وسبب ذلك أنهم أخذوا أخبارهم من منبعين: منبع اجنبي يوناني وفارسي، وهو منبع وثائقه -مدونة ومورودة من الموارد الرسمية التي تنعتهم ب"عمال". ومنبع عربي يلقبهم ب "ملوك"، استند على العرف العربي أي على ما كان يخاطب به العرب أولئك الملوك، فوقع من ثم هذا الالتباس.
السادات
وسادة القوم أشرافهم ورؤسائهم، وذكر ان السيد الذي فاق غيره بالعقل والمال والدفع والنفع، المعطى ماله في حقوقه المعين بنفسه. وذكر ان السيد الحليم الذي لا يغلبه غضبه.
والسيادة منزلة ودرجة، ولا تأتي أحدا إلا باعتراف قومه له بسيادته عليهم وبتنصيبهم له سيدا عليهم. إذا سودوا شخصا، عصبوه. والتعصيب التسويد. ولهذا كانوا يسمون السيد المطاع معصبا. وذكر ان العصابة العمامة. وكانت عمائم سادة العرب هي العمائم الحمر.
وتعد الأسر الحاكمة التي ينشأ فيها عدد كبير من الملوك والحكام أسرا عريقة في الشرف. وينظر اليها نظرة تقدير واحترام، لأنهم ورثوا المجد عن آبائهم أبا بعد أب.وينطبق ذلك على سادات القبائل الذين يرثون سيادتهم على قبائلهم أبا عن جد، فإنهم يفتخرون بذلك على غيرهم، لأنهم ليسوا من أولئك الذين انتزعوا السيادة فصاروا سادة، على حين كان آباؤهم أو أجدادهم من الخاملين.
(1/2702)
ويعبر عن السادة والأشراف بتعابير التعظيم والتفخيم، ومنها لفظة "ابعل" "أبعل"، أي سيد ورئيس. وهي لفظة استعملت للالهة كذلك. استعملت بمعنى رب وإله. فورد "ود بعل..."، و "عثتر بعل..."، وهكذا. وقد استعملت في النصوص القديمة خاصة.
ويقال للسادة "اسود" "اسواد" في العربية الجنوبية، وهم السادة الأشراف. وتقابل اللفظة لفظة سادات في عربيتنا. وهم سادة القوم وأشرافهم وأصحاب المنزلة والمكانة في المجتمع.
ويعد أعضاء الأسر المالكة في طليعة السادات، وهم في السيادة على حسب قربهم أو بعدهم من الملك، ويقسمون على هذا الأساس عند حضورهم إلى الملك وفي المواسم الرسمية. ولهم أرضون يستغلونها، ورقق يخدمهم.
وكانوا يقولون: "هذا سيدنا"، و "انظروا إلى سيدكم"، و "جاء سيدنا"، تعبيرا عن السيادة والرئاسة. وقد كره الرسول أن يقال له: "أنت سيد قريش"، و "أنت سيدنا"، كما كانوا يدعون رؤساءهم.
علائم الملك
(1/2703)
وللملك علامات ومميزات تميزه عن غيره من الناس. منها "التاج" والعرش والرمح أو الحربة وعربة الملك والحرس الخاص ووجود محل خاص يخصص له في المعبد ونقد يضرب عليه اسمه وشعاره وصورته. و "قصر" له يحكم منه، أو قبة كبيرة يتخذها قرارا له ومجلسا حين يبتدي أو يخرج للصيد إلى غير ذلك من علامات، تكون سيماء للملك، وعلامة فارقة تميزه عن رعيته وعن سواد مملكته. وقد وصلت الينا بعض الاثار التي تشير الى شعار الملوك وعلائمهم ومنها النقود. فلدى العلماء وفي المتاحف العامة والخاصة اليوم، نقود ضربت في العربية الجنوبية، منها نقود معينية وقتبانية وحميرية. وقد ضرب عليها أسماء الملوك أصحابها. ومن ذلك نقد ظهر الملك "اب يثع" "ا ب ي ث ع" "ابيشع" فيه وهو جالس على كرسي، لعله يرمز إلى كرسي العرش. أما رأسه، فهو مكشوف بغير غطاء. مما يدل على أنه لم يستعمل "التاج". ولا نجد التاج على رؤوس يقية الملوك ممن ضربت صورهم على النقود. ولا على التماثيل التي عثر عليها لبعض ملوك أوسان.
ولما كنا لا نملك في الوقت الحاضر، صور ملوك جاهليين، ولا تماثيل كافية أو كتابات تشير إلى شعار الملوك وعلاماتهم ونوع ملابسهم وأمثال ذلك مما يميز الملوك عن الرعية، لذلك صار الحديث في هذا الموضوع من اختصاص الأجيال القادمة، فلعلها تعثر على آثار هي الآن في باطن الأرض، فيها حديث شيق عنه، فتقدمه لهم لنشره للناس.
ومن علامات الملك "العمارة: رقعة مزينة تخاط في المظلة علامة للرياسة.
(1/2704)
و "العمار": ما يضعه الرئيس على رأسه عمارة لرياسته وحفظا لها، ريحانا كان أو عمامة. وكانوا إذا استقبلوا ملكا أو رئيسا، استقبلوه بالريحان، يرفعونه له، وكانوا إذا جلسوا مجالس شربهم، زينوها بالريحان، فإذا دخل عليهم داخل، رفعوا شيئا منة بأيديهم وحيوه به.كما كانوا يضعون أكاليل الريحان على رؤوسهم كما تفعل العجم. وإذا سار الملك بين الناس، استقبلوه برمي الريحان عليه، وبنثر الورود عليهم، تحية للملوك.
وذكر ان من علائم الملك، أن يقال للملك أو السيد المطاع: "أبيت اللعن".
وقد زعموا أن "حذيفة بن بدر" كان يحيى بتحية الملوك ويقال له: أبيت اللعن. وقد ترك ذلك في الإسلام.
مظاهر التتويج
وكان من عادة الملوك الاعلان عن تتويجهم للناس، والاحتفال بيوم التتويج والإفصاح عنه، وعندئذ يتلقب الملك بلقب يختاره لنفسه، يعرف به "هملقب".
وكان من عادة ملوك حضرموت مثلا الاحتفال بحمل اللقب في "محفد أنود" "محفد انودم". وقد انتهت الينا جملة كتابات تشير إلى هذا المحفد. وقد اختتمت بكلمة "هملقب" أي "ليتلقب"، واستعملت فيها بعض التعابير والكلمات التي لها صلة بهذه المناسبة، مثل "متلل"، ومعناها "بين" و "شهر" وأظهر، و "علن"، ومعناها أعلن، ليكون ذلك معروفا بين الناس.
(1/2705)
وقد يدعى إلى هذه الاحتفالات رجال من حكومات أخرى، لمشاركة الملك وحكومته في الأفراح والمسرات، فيأتي رجال من قتبان أو من حضرموت أو من حكومات أخرى أى سبأ مثلا، لتهنئة ملكها وحكومتها، يحملون اليه الهدايا والألطاف التي تقدم في أمثال هذه المناسبات. ولا يستبعد استدعاء مندوبين من خارج العربية الجنوبية لحضور هذه المناسبات، غير أننا لم نظفر، ويا للأسف، بنص يفيد ورود رسل أجانب أو زيارات ملوك إلى اليمن وبقية العربية الجنوبية لهذه المناسبات، ان لمناسبات أخرى مثل الدعوة إلى زيارة العربية الجنوبية ومشاهدتها في الأعياد أو في سائر الأيام، إلا ما رأيناه في عهد "أبرهة" الحبشي.
وقد حافظ ملوك العربية الجنوبية، على اختلاف حكوماتهم، على عادة اتخاذ الألقاب الملكية حين تولي العرش. فالرجل الذي يملك لا بد له من اتخاذ لقب له، يعرف به. وقد بقوا يحافظون على هذه العادة إلى ما بعد الميلاد. ثم أخذوا يتساهلون في حمل هذه الألقاب ولا سيما بعد تدخل الحبش في شؤون العربية الجنوبية ودخول اليهودية والنصرانية اليها. وقد كان فراعنة مصر يتخذون لهم لقبا ملكيا عند توليهم العرش. وتجد هذه العادة، عادة اتخاذ ألقاب ملكية خاصة، عند ملوك آشور وعند غيرهم من الملوك، ليتميزوا بذلك عن أسماء الناس. ولهذه الألقاب صلة بالألهة التي كانوا يعبدون.
(1/2706)
ومعارفنا في "مراسيم التتوييج" مع ذلك ضئيلة جدا، ولا سيما ما يخص العرب الشماليين، فلا نعرف اليوم شيئا يستحق الذكر عن كيفية التتويج وعن المراسيم والحفلات التي كانت. تقام عندهم في هذه المناسبات. ولم نعثر حتى اليوم على نص جاهلي يصف أسلوب التتويج وكيفية اجراء المراسيم الخاصة بالتتويج عند الجاهليين عامة. فلا ندري أكانت تلك المراسيم تتم في المعابد وبرئاسة رجال الدين كما كانت الحال عند الاشورين وعند غيرهم مثلا، حيث يقوم رجل الدين الأكبر بإجراء الطقوس الدينية وبتلاوة الصلوات والأدعية، ثم يقوم بعد ذلك بوضع التاج على راس الملك، وأمام تمثال الإله: "آشور". أم كانت تلك المراسيم تتم في القصور الملكية، ام كانت تجري بسذاجة وبغير تكلف، بأن يأتي، سادات القوم لتهنئة الملك، ثم تقام المآدب.
ويظهر من أخبار أهل الأخبار ان عادة اتخاذ الألقاب الملكية لم تكن معروفة عند ملوك الحيرة والغساسنة وملوك كندة وأمثالهم ممن وعت أسماءهم ذاكرتهم، بدليل ورود أسمائهم ساذجة لا تختلف عن تسميات الناس بشيء ليمس فيها نعوت ولا صلة بالآلهة على نحو ما نجده في العربية الجنوبية عند المعينيين والسبئين والقتبانيين، وغيرهم من حكومات ظهرت هناك.
ولم تصل الينا أخبار في وصف كيفية احتفال ملوك الحيرة أو الغساسنة عند تتويجهم، أو عند وفاة ملوكلهم وكيفية دفنهم، ثم كيفية تنصيب خلفائهم من بعدهم. ولا بد بالطيع من أن تكون تلك الحكومات قد احتفلت في هذه المناسبات،وأن يكون ملوكها قد جلسوا لتقبل التهاني من الهنئين، وأن يكونوا قد أولموا الولائم لكبار الوافدين عليهم. وتجد في أخبار "مكة" أن سادتها مثل "عبد المطلب"، كانوا يقصدون ملوك اليمن عند انتقال العرش اليهم لتهنئتهم ولتقديم التبريكات لهم. ثم يمضون أياما هناك حتى تنتهي ايام التهنئة، فيغدق الملك عليهم بالألطاف والطرف، لمناسبة عودتهم إلى ديارهم. وتكون هذه الألطاف من دواعي الفخر عندهم.
(1/2707)
ولا نعرف شيئا عن رسوم "البيعة" عند الجاهليين. وأعني بالبيعة كيفية مبايعة الملوك عند انتقال الملك اليهم. ولكن المألوف بين العرب ان كبار الناس يبايعون الملوك، بوضع أيديهم اليمنى على يد الملك اليمنى، ثم يبايعونه على الاخلاص له والسمع والطاعة وما شاكل ذلك من جمل وعبارات. وقد يقسمون له بمين الطاعة والولاء. وقد ورد في بيعة الناس لرسول الله يوم فتح مكة،ما قد يشرح لنا اصول بيعة في الحجاز. فقد ذكر ان الناس اجتمعوا، فجلس لهم رسول الله على الصفا وعمر بن الخطاب تحت رسول الله، أسفل من مجلسه يأخذ على الناس. فبايعوا رسول الله على السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا، وكذلك كانت بيعتهم لمن بايع رسول الله من الناس على الإسلام. فلما فرغ رسول الله من بيعة الرجال بايع النساء، واجتمع اليه نساء من نساء قريش، وكانوا قد وضعوا إناء فيه ماء بين يدي رسول الله، فإذا أخذ عليهن العهد وأعطينه غمس يده في الإناء، ثم أخرجها، فغمس النساء أيديهن فيه.وكان بعد ذلك يأخذ عليهن، فإذا أعطينه ما شرط عليهن، قال: اذهبن فقد بايعتكن، لا يزيد على ذلك. وتكون هذه البيعة بغيرماء.
وتكون المبايعة مبايعة السادات والأشراف للملك أو لسيد القبيلة. والمبايعة هي المعاقدة والمعاهدة على الطاعة. وبايعه عليه مبايعة عاهده. كأن كل واحد منهما باع ما عنده لصاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره. ويبدأ أقرب الناس من الملك بمبايعته ثم الأبعد فالأبعد حسب الوجاهة والمكانة. ولا بد وأن يكون للشعراء والخطباء المكان الأول في "البيعة"، فالبيعة هي من المناسبات ألتي يبحث عنها لسن الناس، لإظهار انفسهم وللحصول على نوال وعطايا المبايعن، ولا تحدث هذه المناسبات إلا في الفترات، لهذا كانوا يتلهفون لسماع أخبارها، لعرض ما عندهم من فنون القول، ولنيل ما عند الملوك من الكرم والبذل.
(1/2708)
وكان ملوك الجاهلية يأخذون الوضائع والودائع من السادات والوجوه، لتكون رهائن عندهم بالوفاء بعهود البيعة، لخشيهمم من خيسهم بعهدهم وتنصلهم منه. وقد فعل "الأكاسرة" مثل ذلك بسادات القبائل، فأخذوا "الوضائع" منهم، وجعلوها رهنا عندهم. وقد عرفت ب "وضائع كسرى". ووضائع كسرى: هم الرهائن كان يرتهنهم وينزلهم بعض بلاده، حتى يصيروا بها وضيعة. وهم الشحن والمسالح. وقد بعث رسول الله، إلى وضائع كسرى بهجر، فلم يسلموا، فوضع عليهم الجزية دينارا على كل رجل منهم. وكانت "وضائع كسرى" من أبناء أشراف العجم، ومن خضع لحكمه من عجم وعرب.
التيجان
ويضع الملوك شيئا فوق رؤوسهم، يتوجون به أنفسهم ليميزهم بذلك عن الرعية، يسمى "التاج" في عربيتنا.
ولا نعرف في الزمن الحاضر اسم "التاج" في العربيات الجنوبية. لعدم وروده في نصوص المسند. اما أهل الحيرة والغساسنة وعرب نجد والعربية الشرقية، فقد عرفوه واستعملوه، فورد في نص النمارة من سنة "328 م." حيث ورد "ذو اسر التج" أي "الذي حاز التاج". وهذا النص هو أقدم نص تأريخي مدون وردت فيه هذه الكلمة. وقد وردت الكلمة في الشعر، إذ جاء "تاج آل محرق" وفي أخبار."النعمان" حيث عرف "بذي التاج". وذكر علماء اللغة أن التيجان للملوك.
وقد رصع ملوك الحرة تيجانهم بالأحجار الكريمة على طريقة الفرس. وقد ورد في بيت شعر لمالك بن نويرة اليربوعي ان تاج النعمان بن المنذر كان من الزبرجد والياقوت والذهب.
(1/2709)
ونحن إذا جهلنا اليوم التاج أو أي شعار آخر يشير إلى الملك والحكم كان يصنعه ملوك العربية الجنوبية على رؤوسهم ليكون سمة لهم تميزهم عن الرعية وعمن هم دونهم، فان ذلك لا يعني اننا ننكر وجودا لشعار الملك عندهم، بل إني أرى انه لا بد أن يكون لأولئك الملوك من تاج ومن شعارات أخرى، كانوا يتخذونها لتميزهم عن غيرهم ولتشعرهم بأنهم أصحاب السلطان. وإذا كان لملوك الرومان والروم والحبشة والفرس تيجان، فلم لا يكون لملوك العربية الجنوبية تيجان، وقد كانوا يحاكون ملوك زمانهم في رسوم الملك وأسلوب الحكم ? وفي عربيتنا لفظة أخرى استعملت لتمييز شخص، عن بقبة أناس في المنزلة والدرجات، هي لفظة "الإكليل". فلمن يضع الإكليل على رأسه منزلة رفيعة، إلا انها لا تبلغ درجة "ملك" ولا تؤدي معنى "تاج". فالتاج لا يكون إلا للملوك. وأما "الإكليل" فلمن دونهم. وقد كان شيئا يضعه الشخص فوق مفرق رأسه، قد يعلق به خرز وأحجار وقد لا يعلق. وقد ورد في بعض الأخبار أن "هوذة بن علي الحنفي"، صاحب اليمامة، كان يضع إكليلا على رأسه، واليه أشار الأعشى في شعره: له أكاليل بالياقوت، فصهلها صواغها لا ترى عيبا ولا طبعا
وقد عرف "الإكليل" انه شبهه عصابة مزينة بالجواهر،ويسمى التاج إكليلا. وقيل: إن الإكليل يجعل كالحلقة، ويوضع على أعلى الرأس.
وقد ورد في روايات أخرى ان كسرى أعطى "هوذة" قلنسوة فيها جوهر، فكان يلبسها، فسمي ذا التاج. غير ان أكثر الروايات تعارض في حصول "هوذة" على التاج، وفي بلوغه منزلة ملك. وترى ان تلقيبه ب "ذي التاج" هو على سبيل المجاز، وان الذي كان يضع على رأسه هو إكليل،لا تاج من التيجان.
(1/2710)
وذكر بعض الأخباريين أن التيجان كانت لليمن، وذكر أن غيرهم كانوا يتوجون أنفسهم بخرزات تنظم لهم. ويقال إن الملك كان إذا ملك سنة زيد في تاجه وقلادته خرزة،ليعلم عدد السنن التي ملك فيها. وذلك كالذي ورد في بيت شعر من قصيدة قالها لبيد في رثاء النعمان بن المنذر، وهو قوله:. رعى خرزات الملك عشرين حجة=وعشرين،حتى فاد والشيب شامل وقد ورد في شعر أعشى بكر في هوذة بن علي الحنفي الذي كان يجيز لطيمة كسرى في كل عام: من ير هوذة يسجد غيرمتئب إذا تعصب فوق التاج أو وضعا
له أكاليل بالياقوت فصلها صواغها لاترى عيبا ولا طبعا
ويتبين من ذلك ان هوذة كان من أصحاب التيجان. غير أن بعض العلماء ينكرون وجود التيجان عند غير أهل اليمن، ويقولون كما ورد عن أبي عبيدة عن أبي عمرو: " لم يتتوج معدي قط، وإنما كانت التيجان لليمن. ولما سئل عن هوذة بن علي الحنفي، قال: إنما كانت خرزات تنظم له.
وذكر ان عادة نظم الخرز في عقد يوضع على الرأس، ليكون شعارا للملك والحكم، عادة كانت معروفة في الحجاز. وقد ورد ان "عبد الله بن أبي بن سلول" كان رجلا شريفا في يثرب لا يختلف عليه في شرفه من قومه اثنان، ولم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين غيره،وكان قومه قد نظموا له الخرز ليتوجوه ثم يملكوه عليهم. فما راعه إلا مجيء الإسلام إلى يثرب وقدوم الرسول اليها، فانصرف قومه عنه، فضغن على الإسلام، وراى ان الرسول قد استلبه ملكه.
وورد فى الحديث أن الرسول: "شكا إلى سعد بن عبادة، عبد الله بن أبي، فقال اعف عنه، يا رسول الله، فقد كان اصطلح أهل البحيرة، على أن يعصبوه العصابة. فلما ا جاء الله بالإسلام، شرق لذلك". ويعصبونه: معناه يسودونه ويملكونه، وكانوا يسمون السيد المطاع معصبا، لأنه يعصب بالتاج. وفي ذلك قال عمرو بن كلثوم: وسيد معشر قد عصبوه بتاج الملك،يحمي المحجرينا
(1/2711)
فجعل الملك معصبا أيضا، لأن التاج أحاط لي رأسه كالعصابة التي عصبت برأس لابسها. ويقال: اعصب التاج على رأسه، إذا استكف به، ومنه قول قيس الرقيات: يعتصب التاج فوق مفرقه على جبين كأنه الذهب
ولا تؤدي لفظة "سموط" معنى "تاج"،بل ولا تبلغ في المنزلة منزلة "إكلبل". و "اسمط": الخيط ما دام الخرز أو اللؤلؤ منتظما فيه. وقد استعملت كلمة سموط في مقام التاج، للتعبير عن تاج ملوك الحيرة، غير انني أرى ان ذلك على سبيل التجوز، لا التخصيص. وقد ذكر علماء اللغة ان السمط يشد في العنق والجمع سموط.
ومن مظاهر الملك "السرير"، ويقال له "العرش" كذلك. ويعبر بالسرير عن الملك والنعمة. ويذكر أهل الأخبار ان أول من جلس على السرير من ملوك العرب "جذيمة الأبرش"، وهو أول من وقعت له السمعة من ملوك العرب، وأول من لبس الطوق. وقد أشير في القرآن إلى عرش ملكة سبأ، ويكنى به عن العز والسلطان والمملكة. ولذلك يقال: "عرش فلان" و "عرش الممكة" و "ثل عرشه"، و "أصحاب العروش" أي الملوك.
وذكر أهل الأخبار أن "السرير": الو ثاب. وقيل: السرير الذي لا يبرح الملك عليه، واسم الملك "موثبان". والموثبان بلغة حمير: الملك الذي يقعد، ويلزم السرير. والو ثاب المقاعد. قال أمية بن أبي الصلت: بإذن الله، فإشتدت قواهم على ملكين، وهي لهم وثاب
وقد كان الملوك يلبسون قلائد عرفت ب "قلائد الملك". تكون من الذهب والأحجار الكريمة. وربما كان "السمط" قلادة تنظم من اللؤلؤ والأحجار الكريمة، يتقلدها الملك للزينة ولتكون شعارا للملك.
وذكر علماء اللغة أن كل ما يضعه الملوك والرؤساء على رؤوسهم من تاج أو عمامة أو قلنسوة أو غيره، فهو "عمارة". و "العمارة"، رقعة مزينة نخاط في المظلة علامة الرياسة، وهي "التحية" أيضا.
(1/2712)
ومن عادة الملوك استخدامهم الحراس يمشون معهم إذا ركبوا، دلالة على الملك، ولحراستهم. يمشون معهم، وقد تقلدوا سلاحهم ولبسوا ألبسة خاصة تشعر انهم من حرس السلطان. ويذكر أهل الأخبار ان أول من مشت الرجال معه، وهو راكب، "الأشعث بن قيس الكندي". كانت "بنو عمرو بن معاوية" ملكوه عليهم وتوجوه. وكان من عادة الاشراف والسادات حتى في الإسلام، أن تسير مع ركابهم حاشية يتناسب عدد افرادها مع منزلة الشريف ومكانته وغناه. فكان "كريب بن أبرهة" سيد حمير في زمانه، إذا سار بالشأم خرج وتحت ركابه خمسمائة نفر من حمير يسعون.
القصور
وقد عرفت البيوت التي كان يقطن فيها المكربون وملوك العربية الجنوبية يالقصور، مثل "قصر غندن" أي "قصر غمدان" و "قصر سلحن"، أي "قصر سلحين". ولفظة "قصر" من الألفاظ الواردة في العربيات الجنوبية. وقد أشار علماء اللغة والأخبار إلى "قصور اليمن"، وذلك يدل على اختصاص اليمن بها. وذكر علماء اللغة أن القصر: المنزل، وقيل: كل بيت من حجر. وترد في لغة بني إرم على هذه الصورة: "قصرو".
ويقطن القصور حرم الملوك، أي أزواجه. وقد يكون للملك زوج واحدة، وقد تكون له جملة أزواج، إذ كانت العادة أن يتزوج الملوك بجملة نساء، ليتمتع بهن، وقد يتزوج لعوامل سياسية، فيأخذ الملك ابنة سيد قبيلة كبير، أو ابنة رجل من أصحاب الجاه والسلطان ليقوي مركزه وليحصل على مؤازرة أصحاب البنت له.
وربما لا يكتفي الملك أو سيد القبيلة بالزوجة أو الزوجات، فيضيف اليها أو اليهن عددا من "الجواري" والسراري، ممن وقعن في الأسر وعرفن بالجمال وحسن الذوق، ممن يشتريه من سوق النخاسة، وإذا ولد لهن مولود عد المولود من أبناء الملك أو سيد القبيلة إن قرر الملك أو سيد القبيلة ذلك، ويعامل معاملة أبناء الأسرة المالكة، غير أن الناس لم يكونوا ينكرون عليه نظرتهم إلى ابن ملك ولد من أم من بنات الأسر المالكة أو من أسرة شريفة معروفة.
(1/2713)
ولملوك الحيرة قصور ذكر أهل الأخبار أسماء بعض منها. مثل: الخورنق والسدير، كما كان لملوك الغساسنة قصور في مواضع مختلفة من مملكتهم وقصور في دمشق، يمضون في اياما عند زيارتهم لها، وعند وجود مراجعات لهم مع حكامها من الروم. وقد ذكر أهل الأخبار أسماء بعض القصور التي بناها الغساسنة في مواضع متفرقة من الأرضين التي خضعت لحكمهم، تحدثت عنها في أثناء كلامي على الغساسنة في الجزء الثالث من هذا الكتاب: كما تحدثت عن قصور ملوك الحرة في الجزء نفسه.
وكان للملك "النعمان" قصر بالحيرة عرف ب" القصر الأبيض"، لبياضه، يظهر ان جدرانه كانت مجصصة، فظهرت بيضاء. ويذكر أهل الأخبار ان النعمان، كان عنده دواوين شعر فيها ما مدح به، أو ما مدح به آله. ثم أمر فدفنها في قصره هذا، فلما كان "المختار" قيل، له: إن تحت القصر كنزا فأمر به فحفر، فاستخرج الكنز ثم صار إلى آل مروان أو ما صار منه. وكان هذا القصر دار ملكه ومقره في الحيرة، إذ لم يذكروا له قصرا آخر له فيها.
وكان للاكاسرة القصر الأبيض بالمدائن، ذكر انه كان من العجائب،ولم يزل قائما الى إن نقضه "المكنفي بالله" العباسى في حدود سنة 290 ه.وبنى بشرفاته أساس التاج الذي بدار الخلافة وبأساسه شرفاته. وقد ذكره البحتري.
وذكر "الزبيدي"، اسم قصر دعاه "لحيان"، زعم أنه "قصر النعمان بن المنذر بن ساوى" بالحيرة. فهل، قصد بذلك شخصا آخر من أهك الحيرة أم إنه وهم من أوهام عديدة نجدهم في "تاج العروس" في أمور تأريخية، قد يكون المسؤول عنها نساخ الكتاب في بعض الأحيان.
ونسب بعض، أهل الأخبار إلى "النعمان بن المنذر"، دارا، قالوا لها: "الزوراء".، ذكروا أن "أبا جعفر المنصور" هدمها.
الحكم وأخذ الرأي
ولم يكن الملوك في العربية الجنوبية أو العربية الغربية ملوكا مطلقين لهم سلطان مطلق وحق إلهي في الدولة على نحو ما يريدون، ولكن كانوا ملوكا
(1/2714)
مطلقين لهم سلطان مطلق وحق الهي في ادارة الدولة على نحو ما يريدون ولكن كانوا ملوكا يستشيرون الاقيال والأذواء وسادات القبائل والناس وكبار رجال الدين فيما يريدون عمله، واتخاذ قرار بشأنه. وهو نظام تقدمي فيه شيء من الرأي والمشورة وحكم الشعب."الديمقراطية" بالقياس الى الملوك المطلقين الذين حكموا آشور وبابل ومصر وايران.
أما الطبقات الضعيفة وبقية السواد من السوقة والفلاحين وما شاكلهم، فليس لهم رأي في تسيير الامور، ولا يستشارون في البت في أي شيء حتى في المسائل الصميمة المتعلقة بمصيرهم، ولم يكن عالم ذلك اليوم يحفل بسواد الناس،أي بالغالبية، لأن الرأي لأصحاب الوجاهة والسيادة والسلطان إذ ذاك، وفي كل مكان من أمكنة العالم.
وترينا الكتابات المعينة ان ملوك معين كانوا مقيدين في حالات معينة باخذ رأي "المزود" عند اتخاذ قرار خطير، ولذلك يذكر "المزود" عند صدور التشريعات والقرارات الخطيرة في نص القوانين والقرارات، للتعبير عن موافقته عليها وعلى انها صدرت بعد وقوفه عليها وأخذ الملك رأيه فيها. ويؤخذ رأي المعبد أيضا، فقد ذكر في قرار بشأن الضرائب، وذلك يدل على ان المعبد كان يستشار في المسائل الخطيرة أيضا.
وقد تبين من بعض الكتابات ان ملوك العربية الجنوبية، قد أخذوا برأي الجمعيات وأصحاب الحرف والعمل، حتى لا يبرموا أمرا يظهر بعد تنفيذه انه غير واقعي ولا عملي، وانه سيلقى معارضة من بعض الفئات والطبقات. كما أخذوا برأي المستشارين وأصحاب الرأي من جماعة ال "فقضت" وال"بل"و "طبن" "الطبن"، وهم الملاكون، عند وضع القوانين.
(1/2715)
وقد تبين من النص: Rep. Epigr. 2771 ان ملك معين استشار "المزود" في فرض ضريبة. وتبين من النص: Rep. Epigr. 2774 انه استشاره في فرض ضرائب خصصت بالمعبد. ولكننا نجد في نصوص أخرى، مثل النصر: Rep. Epigr. 3699أن الملك لم يستشر "المزود" حين أصدر أمره في موضوع زواج المعينيين بأهل "ددن" "ددان" "ديدان". ولعله فعل ذلك لأن موضوع الزواج موضوع اداري ولا علاقة له بالسياسة العامة أو بفرض الضرائب أو بالمسائل الداخلية الخطيرة،وهي الأمور التي يأخذ فيها الملك رأي المجلس. كما نجد الملك يصدر قانونا باسم "معن" "معين" أي شعب "معين" دون أن يذكر اسم "المزود".
وقد تبين من بعض الكتابات أن ملوك معين أصدروا تشريعات في أمور لم يأخذوا فيها رأي المزود، لعدم ورود إشارة فيها اليه. فلدينا قرار في تنظيم أمور الزواج بين المعينيين وأهل "ددن" "ت يدان" ة لم يرد فيه ذكر للمزود. ولدينا قرار اخر لم يذكر فيه اسم المزود أيضا، غير أنه يشير إلى أنه صدر باسم شعب معين، مما قد يبعث على الظن بأن الملوك لم يكونوا ملزمين دائما بالرجو إلى رأي إلمزود ووجوب أخذ موافقته في كل قضية، بل في القضايا العامة الخطيره التي تخص مصير الشعب.
ويتبين من الكتابات السبئية أن ملوك سبأ ولا سيما قدماؤهم كانوا يتبعون سنة "معين" في الرجوع إلى رأي المزود في القضايا الخطيرة للدولة واصدار القوانين. فكان الملك إذا أراد اصدار تشريع، أحاله على المزود ليبدي رأيه فيه وفي طليعة هذه المسائل القوانين الخاصة بالأرضين وبالزرع وبحصص الحكومة من الضرائب لما لها من صلة بمصالح رجال المزود. ومتى وافق المزود على القانون أحيل على الملك لتصديقه ولاعلانه.
(1/2716)
وهنالك شبه كبير في موضوع التشريع بين القوانين القتبانية والقوانين السبئية العامة، الصادرة في سبأ، ولا سيما في ايام حكم قدماء الملوك، حتى ذهب بعض الباحثين الى وجود ما يشبه حد الاتفاق بين قوانين إلمملكتين، إلا في القوانين الخاصة التي تتعلق بالتشريعات المحلية للمخاليف والمدن، فانها شرعت على وفق الأحوال الملائمة لتلك الأمكنة.
وقد يشار في التشريعات الى قصور الملوك، مثل "قصر سلحن" "قصر سلحين"،كما أشير اليها في كتابات مختلفة، تتعلق بأخبار الحروب والجباية، وذلك كناية عن مقر الحكم، على نحو ما يستعمل في الزمن الحاضر من قولهم: "صدر من قصرنا العامر" أو "صدر من قصر....". وذلك رمز إلى مقر الحكم وكناية عن الملك الذي يقيم في ذلك القصر. ومن تلك القصور: "قصرغمدن" أي "قصر غمدان" و "قصر وعلن "قصر وعلان" و "قصر ريدن"
أي "قصر ريدان". ومن هذه القصور تصدر الأوامر بالموافقة على القوانين والمراسيم، وفيها يوقع على ما يراد نشره ليكتسب صيغة رسمية مقررة.
??في اخلاق الحكام
ليس لدينا وثائق جاهلية في أخلاق الحكام والصفات التي يجب أن يتصف بها الحاكم، ليتمكن بها من حكم الناس ومن الحكم بينهم. وكل ما لدينا، نتف ومقتبسات في أصول الحكم تنسب إلى الجاهليين، مدونة في المؤلفات الإسلامية، يظهر ان بعضها أخذ من حكم الفرس ومن آداب اليونان في السياسة، فنسب الى الجاهليين، وبعضه اسلامي خالص وضع ليكون وعظا وإرشادا وإشارة هادية إلى الخلفاء والحكام في كيفية حكم الرعية وفي تنبيههم الى واجباتهم وابعادهم عن الظلم والاتعاظ بمصير الحكام الطغاة الماضين حتى لا يكون مصيرهم مصير أولئك الملوك.
(1/2717)
وفي كتاب "تأريخ ملوك العرب الأولية من بني هود وغيرهم"،لأبي سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي، وصايا وعظات في أصول الملك والحكم، نسبها إلى ملوك العرب الماضين قبل الإسلام، دونها للخليفة "المأمون" لتكون له هاديا ومرشدا في كيفية الحكم. وقد استهله بوصية نسبها الى "قحطان بن هود" أوصى بها بنيه أن يتعظوا بما نزل بقوم عاد حين عتوا على ربهم، وعصوا أمر نبيهم، فحثهم على التآلف والتعاضد و التناصر وعلى الطاعة للحكام، ثم حث ابنه "يعرب" كبير أولاده على العمل بسيرته ومنهجه، وان يصل ذوي القربى، وان يحفظ لسانه ويصونه، وان يكون كاظما للغيظ، يقظا من الأعداء، حليما، لأن الذين سادوا لم يسودوا إلا بالعلم،وان يكون كريما، لأن البخل يبعد الأتباع من الحاكم.
وذكر "الأصمعي" ان يعرب أوصى أبناءه بخصال وبما وصاه به أبوه. أوصى بأن يتعلم العلم ويعمل به، وان يترك الحسد وان يتجنب الشر وأهله، وان ينصف الناس، وان يبتعد عن الكبرياء، لأن الكبرياء تبعد قلوب الرجال عن المتكبر، وأوصى بالتواضع، فإنه يقرب المتواضع من الناس ويحببه اليهم، وان يصفح عن المسيء، وان يحسن إلى الجار، ولأن يسوء حال أحدهم، خير له من أن يسوء حال جاره، وان يوصي بالمولى، لأن المولى منكم واليكم، وان يخلص بالاستشارة والنصيحة، وان يتمسك الإنسان باصطناع الرجال.
ونجد في الوصايا التي ذكرها "الأصمعي" وصايا بوجوب التعاضد والتآزر،والابتعاد عن الفرقة، والطاعة من غير خوف، والعدل في الرعية، والتجاوز عن المسيء،والكف عن أذى العشيرة، والأخذ بالرأي لأنه لا بد للملك من يعينه في الرأي والأمر والنهي، ولا بد له من مشير يحمل عنه بعض ما يثقله من ذلك. والملك صانع، فإن قام الصانع حق قيامه على صنعته، استجاد الناس له، فكسب المال والجاه ؛ وان استهان بها، ذهبت الصنعة من يده، وكسب الندم والحرمان.
(1/2718)
واستمر "الأصمعي" يذكر الوصايا التي ذكر أن ملوك العرب الماضين وضعوها في كيفية الحكم حذر الزلل، ولتجنب الوقوع في الخطأ، وهي نثر وشعر، قد تكون من وضعه وصنعته، صنعها للخليفة ليتعظ بها في الحكم على نسق ما كان يفعله ادباء الفرس والهند في وضع الوصايا والمواعظ والقصص على ألسنة الملوك الماضين والحكماء ليتعظ بها الحكام في أثناء حكمهم للناس. ونجد أمثلة كثيرة من هذا النوع دبجت في كتب السياسة والأدب، على ألسنة أرسطو أو الاسكندر أو أكاسرة الفرس.
ونجد في شعر ينسب إلى "لقيط الإيادي"،أن الحاكم الذي يقلد الأمر يجب أن يكون رحب الذراع، مضطلعا بأمر الحرب،لا مترفا ولا إذا عض به مكروه خشع وخضع، يحلب در الدهر،يكون متبعا طورا ومتبعا، مستحصد الرأي لا قحما ولا ضرعا.
وكان الملوك على استبدادهم أحيانا بآرائهم يستشيرون من يرون فيه الأصالة في الرأي،ولا سيما المتقدمون في السن، فقد "كانت العرب تحمد آراء الشيوخ لتقدمها في السن، ولأنها لا تتبع حسناتها بالأذى والمن، ولما مر عليها من التجارب التي عرفت بها عواقب الأمور، حتى كأنها تنظرها عيانا، وطرأ عليها من الحوادث التي أوضحت لها طريق الصواب وبينته تبيانا،ولما منحته من أصالة رأيها، واستفادته بجميل سعيها".
(1/2719)
ويظهر أن الملوك الغساسنة والمناذرة كانوا قد تطبعوا بطباع الروم والفرس، وأخذوا عنهم أبهة الحكم، فحجبوا أنفسهم عن رعيتهم، مخالفين بذلك العرف العربي، وحصروا أنفسهم في قصورهم وفي قبابهم،حتى أن من كان يريد الوصول اليهم من ذوي الحاجات كان عليه أن يقف أياما أمام باب الملك، حتى يأتيه الأذن بالدخول عليه، وهذا ما ازعج الوافدين عليهم. كثيرا، وسبب الى تجاسر الشعراء وذوي الألسنة الحادة عليهم. وكان على أكثر الوافدين التقرب إلى "الحاجب" والتذلل اليه ورشوته ليعجل لهم بالدخول على الملوك، ومنهم من كان يتعهد له بأن يجعل له نصيبا فيما قد يناله من جوائز الملك وهداياه،فيسرع الحاجب عندئذ إلى الملك، لطلب أخذ الأذن منه بدخول ذلك الوافد عليه. وتوصف أخلاق الملوك بالتلون والتغير، لأن الملوك لهم بدوات. حتى تضرب بتلون أخلاقها المثل. فقيل: ويوم كأخلاق الملوك ملون فشمس ودجن ثم طل ووابل
ولهذا حذر أصحاب المكانة والجاه من الوصول اليهم في أيام غضبهم وبؤسهم، خشية صدور شيء منهم قد يزعجهم فيغضبوا عليهم،أو يتفوهوا بعبارات قد تخدش من كرامتهم، وتسبب لهم الألم والأذى. وقد ورد في الحكم: اتقوا غضب الملوك ومد البحر. وقد ضرب المثل، بيومي البؤس والنعيم.
وقد وردت في الكتابات الجاهلية مصطلحات تعبر عن تقدير الناس لملوكهم،مثل مصطلح "أمرهم"، أي "آمرهم" و "أميرهم" أو سيدهم، ونجد الكتابات العربية الجنوبية تطلق لفظة "مراهمو" و "مراسهمو" بمعنى "آمرهم" او"أميرهم" و "سيدهم" على من هو فوقهم، كالملوك أو الأقيال أو السادات، احتراما لهم واعترافا بسيادتهم عليهم.
(1/2720)
أما في كتابات "تدمر"، فقد وردت لفظة "مرن"، أي "سيدنا". وقد أطلقت على الملوك، كما استعملت للأشخاص الكبار من أصحاب السلطان. وتقابل هذه اللفظة كلمة Exarkos في اليونانية، وفي الشعر ذم الحكام وشعر في هجاء السادة، لظلمهم وتنمرهم في حق رعيتهم، حتى ذهب الظن بهم أن كل مطاع يظلم، وان المسود ظالم غشوم.
الراعي والرعية
الراعي هو الوالي، أي الذي يلي أمور قوم ويرعى شؤونهم، فهو بمنزلة الراعي للماشية المرعية. أما القوم فهم الرعية، أي العامة. والملك هو راعي مملكته، وراعي رعيته، وهم من هم دونه، يتبعونه ويخضعون لرأيه وحكمه.
ويعبر عن الرعية بالسوقة كذلك. سموا سوقة لأن الملوك يسوقونهم فينساقون لهم، والسوقة من الناس، من لم يكن ذا سلطان. والسوقة خلاف الملك. قال نهشل بن حري: ولم ترعيني سه سوقة مثل مالك ولا ملكا تجبى اليه مرازبه
وفي البيت المنسوب إلى "بنت النعمان بن المنذر"، وهو: فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا إذا نحن فيهم سوقة نتنصف
تعبير عن فكرة التعالي والترفع التي كانت عند أهل الحكم والملك بالنسبة إلى المحكومين. وفي حديث المرأة الجونية التي أراد النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يدخل بها، فقال لها: هبي لي نفسك، فقالت: هل تهب الملكة نفسها للسوقة ? ما ينم عن هذه الروح.
ويعبر عن السواد الأعظم ب "سواد الناس" وب "سواد القوم " أي عوامهم وكل عدد كثير. وهو مصطلح يقرب معناه من معنى "السوقة". والسواد الأعظم من الناس، هم الجمهور الأعظم والعدد الكثير وهم "الغوغاء" الذين لا يفقهون شيئا من أمور دنياهم وانما هم تبع وغنم يتبعون أي راع. وقد برزت أهميتهم في صدر الإسلام، إذ عرفت الفائدة منهم فيما لو وجهوا توجيها حسنا. قال الخليفة "عمر": " استوصوا بالغوغاء خيرا، فإنهم يطفئون الحريق، ويسدون البثوق ".
(1/2721)
وقد عرف الجاهليون قيمة وأهمية السواد، لأنه الكثرة والرماح التي يعتمد عليها ذوو السؤدد في سؤددهم، والجماعة التي تدافع عن سيدها وتحمي حماه. وقد استطاع "أبو سلمى" ان يعبر عن أهمية العوام وأصحاب الحناجر القوية من غوغاء الناس في جلب السؤدد إلى الأشخاص في هذا الرجز: لا بد للسؤدد من رماح ومن عديد يتقي بالراح
ومن كلاب جمة النباح
وعلى الرعية حق الطاعة، طاعة من بيده الحكم والسلطان. وليس عليها الخروج على أوامره وأحكامه،لأن من حق الراعي تأديب رعيته إذا خرجت عن طاعته. فإذا خرجت الرعية على الملك، حق عليه تأديب رعيته بالصورة التي يراها. ولا يتمكن من الخروج على طاعة السلطان إلا الأشراف وسادات القبائل، ففي استطاعة هؤلاء بما لهم من أتباع ورعية، تنديد الملوك، أو من ينوب عنهم في الحكم. ولهذا كانت لهذه الطبقة مكانة وكلمة عند الملوك.
ولم يكن من السهل على أبناء القبائل تقديم واجب الطاعة للملوك إذا كانوا من غير قبيلتهم، فالملوك الغرباء وإن كانوا عربا مثلهم، لكنهم في نظرهم غرباء عنهم، ومن قبيلة بعيدة عنهم. والعربي بحكم طبيعة ظروفه ومحيطه القبلي، لا يرى الخشوع إلا لمن تربطه به رابطة العصبية. ومعنى هذا أنه لا يخضع إلا لسيد قبيلته، أو لمن يخضع سيد قبيلته لحكمه أو للملك إذا كان من قبيلته.
وسيد القبيلة لا يخضع هو نفسه لأحد إلا إذا أكره على ذلك، إكراها، أو وجد في خضوعه لحكم حاكم آخر منفعة ما تاتيه من هذا الحكم. فإن زالت القوة التي أكرهته على الخضوع لغيره، أو ذهبت المنفعة التي كان يحصل عليها، أعلن انفصاله واستقلاله بشؤون قبيلته أو انضمامه إلى حاكم قوي اخر ليصير حليفا له.
لذا صار تأريخ القبائل صراعا ونزاعا بين قبائل طامعة في قبائل أصغر منها،وقبائل أخرى تريد أن تعيش لوحدها مستقلة بإدارة أمورها، أو منافسة غيرها في حكم قبائل أخرى، لتكوين حكومة كبيرة منها ومن القبائل التي استسلمت لها.
(1/2722)
فالممالك الني تكونت والتي تحدثت عنها، لم تكن إذن ممالك مكونة من مواطنين آمنوا بمبدأ المواطنة واعتقدوا بعقيدة طاعة سلطان الدولة. بل كانت مملكة قبائل اتحدت طوعا أو كرها، وكونت حلفا كبيرا ترأسه ملك. يظل قائما ما دامت هنالك قوة قائمة ومصلحة وفائدة، فإن انتفت المصلحة، عادت طبيعة الأنانية القبلية إلى لعب دورها في الانفصال. وهي عقلية تعرقل وتقاوم تكون الدول الكبرى. ولهذا قاومها الإسلام، لأنه جاء بمبدأ "الجماعة"، وعقيدة "الأمة" و "الملة"، فورد في الحديث: "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات، مات ميتة جاهلية ".
وللشعراء وأهل البيان كلام في أصول سياسة الحكم وادارة أمور الرعية. قال "الجاحظ": " ومتى أحب السيد الجامع، والرئيس الكامل قومه أشد الحب وحاطهم على حسب حبه لهم، كان بغض أعدائهم له على حسب حب قومه له.هذا إذا لم يتوثب اليه ولم يعترض عليه من بني عمه واخوته من قد أطمعته الحال باللحاق به. وحسد الأقارب أشد، وعداوتهم على حسب حسدهم.
وقد قال الأولون: رضا الناس شيء لا ينال.
وقد قيل لبعض العرب: من السيد فيكم قال الذي إذا أقبل هبناه، وإذا أدبر اغتبناه.
وقد قال الأول: بغضاء السوق موصولة بالملوك والسادة وتجري في الحاشية مجرى الملوك.
وليس في الأرض عمل أكد لأهله من سياسة القوم.
(1/2723)
وقد دفعت الروح الفردية والنزعة القبلية سادات القبائل وقادة الجيش على الثورة بملوكهم وبحكامهم، فامتلأ تأريخ الجاهلية بها وبالمكايد والانتفاضات. وقد أثرت أثرا خطيرا في الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وصارت في جملة عوامل تدهور الحضارة في اليمن. ونقرأ في كتابات المسند بعض الألفاظ المعبرة عن الفوضى وعدم الاستقرار بسبب حركات العصيان. منها لفظة "كيد"، وتؤدي معنى ثورة وعصيان. و "ثبر" و "مثبر" بمعنى "ثبور"، ويراد بها ثورة ايضا. و "نزع" وتؤدي معنى ثورة كذلك. و "نقم" وتؤدي معنى "نقمة" وعدم رضى عن الاوضاع. و "قسدت" و "قسد" بمعنى ثورة وثار. فالثورة هي "قسدت" في العربية الجنوبية. و "قرن" وهي في المعنى نفسه. و "تحسبن" بمعنى عنف واستخدام العنف. ولفظة "هرج" بمعنى الفوضى والقتل والهرج. و "مخر" بمعنى مخالفة وقتال.
ونجد في كتابات المسند ألفاظا اخرى، لها صلة. وعلاقة بالأوضاع المذكورة.
مثل لفظة "هبعل" في معنى الاعتراف بسيادة قوم على قوم. وبالتسليم بسيادة الرؤساء بعد ان ثاروا عليهم وحاولوا التخلص منهم. ولفظة "هوبل" في معنى النجاح في المطاردة والتوفيق في القضاء على العصيان، وعودة الأمر إلى ما كان عليه. ولفظة "همسر" بمعنى احبط وكسر. و "هسحت"، بمعنى تحطيم والقضاء على شيء، كحركة عصيان. و "هضرع" بمعنى أخضع و "حلفي بمعنى ضغط واستعمل العنف. و "حف" بمعنى أحاط. و "خرط" بمعنى الاستيلاء على شيء. و"نحت" بمعنى ضرب. و "نكى" في معنى قاسى وكابد من الألم والعذاب. و "نقيذ" بمعنى استولى على مكان وفتحه. و "سبط" بمعنى أحبط وقضى على ثورة. و "سحت" في معنى هزيمة. و "قمع" في المعنى المعروف منها في لهجتنا. و "رتضح" بمعنى ذبح. و "توشع" في معنى هزيمة. و "تشكر" في معنى هزيمة ايضا. فلكل هذه الكلمات ولغيرها مما في معناها صلة بالأوضاع السياسية والعسكرية التي كانت سائدة في ذلك العهد. وهي دليل على سوء الحال.
(1/2724)
تحية الملك
وكانت لملوك الحيرة وملوك الغساسنة وغيرهم من ملوك الجاهلية تحيات تختلف عن تحيات سائر الناس. لأن الملك يحيا بتحية الملك المعروفة للملوك التي يباينون فيها غيرهم..ومن حياتهم: أبيت اللعن، وأسلم وانعم، وانعم صباحا، وعش ألف سنة. "وكانت تحية ملوك العجم نحوا من تحية ملوك العرب، كان يقال لملكهم: زه هزار سال ؛ المعنى: عش سالما ألف عام".
وذكر بعض علماء اللغة أن "أبيت اللعن:كلمة كانت العرب تحيي بها ملوكها في الجاهلية، تقول للملك: أبيت اللعن، معناه أبيت ايها الملك ان تأتي ما تلعن عليه. واللعن: الإبعاد والطرد من الخير". وذكروا ان أول من حيي بتحية الملوك: "أبيت اللعن" و "أنعم صباحا" يعرب بن قحطان. وقد وردت تحية "أبيت اللعن" في شعر للنابغة الذبياني،يعتذر فيه للنعمان بن المنذر: أتاني-أبيت اللعن - انك لمتني=وتلك التي تستك منها المسامع وذكر أيضا ان اول من قيل له ذلك قحطان. وقيل: اول من حيي بها يعرب بن قحطان.
وذكر ان تحية الناس فيما بينهم: "أنعم صباحا" أو "انعم مساء" أو "انعم ظلاما"،و "عموا صباحا" و "عموا مساء"، وذلك حسب المناسبات.
أما إذا حيوا الملك، قالوا له: "انعم صباحا ايها الملك"، لهيبة الملك ولتعظيمه.
وقد ابطل الإسلام تلك التحية: بأن أحل السلام محلها. فلما دنا "عمير بن وهب" من رسول الله قال: "انعموا صباحا"، فقال رسول الله: "قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير؛بالسلام تحية اهل الجنة". وقد صار السلام من العلامات الفارقة بين الشرك والإسلام.
وذكر ان التحية الملك. وفي هذا المعنى قولهم: حياك الله وبياك،أي اعتمدك بالملك. وفي هذا المعنى قول زهير بن جناب الكلبي: ولكل ما نال الفتى قد نلته إلا التحية
أي إلا الملك، وذكر ان المراد بها هنا البقاء، لأنه كان ملكا في قومه.
والتحية في قول "عمرو بن معد يكرب": أسير به إلى النعمان،حتى أنيخ على تحيته بجندي
(1/2725)
تعني ملكه. فالتحية الملك.
ويظهر ان بعض الجاهليين كانوا يحيون بتحية "حياك وبياك"،أو "حياك الله"، أو "حياك الله وبياك". ولا استبعد استعمالهم اسم صنم من الأصنام في موضع "الله" عند عباد ذلك الصنم، كأن يقولون: "حياك هبل"،وقد بقيت هذه التحية إلى الإسلام، ثم صارت: "حياك الله". وقد يخاطبون بها الملوك فيقولون: "حيا الله الملك". وذكر ان تحيات اهل الشام لملوكهم: "يا خير الفتيان".
والمعروف عن العرب أنهم لم يكونوا يسجدون للملوك ولساداتهم كما كان يفعل العجم. غير ان رواية وردت في "كتاب فتوح الشام" للواقدي تذكر ان "الياس"،وهو عم ملك الحيرة وصاحب حرسه، لما أدخل "سعد بن أبي عبيد القاري"، على الملك "النعمان بن المنذر"، "صاح به الحجاب والغلمان قبل الأرض للملك، فلم يلتفت اليهم". وفي هذا الخبر دلالة على ان أهل الحيرة كانوا إذا دخلوا على الملوك سجدوا لهم: كما كان يفعل ذلك غيرهم من الغرباء ممن يدخل على الملوك ولا سيما الفرس. وتتحدث هذه الرواية المنسوبة إلى الواقدي،بأن الملك النعمان، كان له كلام وجدل في موضوع الدين ورسالة الإسلام مع "سعد بن أبي عبيد القاري" رسول "سعد بن أبي وقاص" اليه. وأنه لما طرد الرسول، قال "سعد بن أبي وقاص": سأحمل فيهم حملة عربية ولا أنثني والله عنهم بعسكري
فإما أرى النعمان في القيد موثقا وإما طريحا في الدماء المعفر
(1/2726)
ثم أمر سعد بن أبي وقاص جمعه بالمسير نحو النعمان، فالتقى القعقاع بن عمرو التميمي أو بشر بن ربيعة التميمي بالنعمان في كبكبة من الخيل، فحمل القعقاع أو بشر على الكبكبة أو الكتيبة فمزقها ورمى النعمان بطعنة في صدره، فلما رأت جيوش الحيرة الملك مجندلا، ولت الأبار تريد القادسية نحو جيش الفرس. والذي أجمع عليه المؤرخون واهل الأخبار، ان المنذر كان قد ذهب إلى العالم الثاني قبل الفتح،بزمن على نحو ما تحدثت عنه في الجزء الثالث من هذا الكتاب. وقد ذكرت ما قيل في موته من شعر نظمه شعراء معاصرون له، وما وقع من اصطدام بين العرب والفرس بسبب مطالبة "كسرى" بتركته على ما يذكره أهل الأخبار. لذلك لا يمكن التصديق بهذه الرواية مع وجود ذلك الاجماع، ثم ان فيها معالم الصنعة والتزويق،ولا سيما في موضوع الحوار بين النعمان وبين رسول "سعد" اليه في موضوع الإسلام، مما يحملنا على القول بأن هذا الخبر قد أدخل فيما بعد أيام العرب في المشكلات التي تتعرض لها الدولة، والبت في القضايا المهمة وفي موضوع فرض الضرائب. وقد عرف هذا المجلس في دولة معين ب"مزودن معن" "مزود معين". وكان للسبئيين مجالسهم الخاصة بهم، تنظر في المسائل التي يحتاج ملوك سبأ إلى اخذ الرأي فيها والوقوف على رأي عقلاء الأمة للاستنارة برأيهم عند اتخاذ رأي وإقرار قرار.
(1/2727)
ولا يعني وجود هذه المجالس ان النظام هناك كان نظاما نيابيا انتخابيا، يجتمع الأحرار والوجهاء فينتخبون من يريدون ان يمثلهم أو يتكلم باسمهم انتخابا على النحو المفهوم من الانتخاب في الزمن الحاضر. وإنما كانت عضوية المجالس بالوجاهة والمنزلة والمكانة، وتلك قضايا اعتبارية للعرف فيها الرأي والقرار، وأعضاء المجلس هم اعضاء فيه، لأنهم من رجال الدين أو سادات قبائل أو من كبار الموظفين، أو من اصحاب الأرض والمال، فهم في عرف ذلك اليوم الصفوة والخيرة، وعندهم العقل والرأي والسداد. وعلى هذا النحو من التمثيل تكون المزاود،اي مجالس الأمة.
وقد عرف أعضاء المزود ب "اسود"، اي "أسواد" "اسياد"، بمعنى سادة، وهم بالطبع من علية القوم وسادتهم. وفي ضمن هؤلاء ال "منوت" "منوات".
وكما تطلق الشعوب في الزمن الحاضر نعوت التفخيم والاحترام على مجالسهم التمثيلية، كذلك اطلقت الشعوب الماضية مثل هذه النعوت على مجالسهم. فأطلق العرب الجنوبيون لفظة "منعن" مثلا على المزود، فورد: "مزود منعن" في بعض الكتابات، بمعنى "المزود المنيع". وربما أطلقت اللفظة على العضو في هذا المجلس كذلك. ولكننا لا نعرف ذلك في هذا اليوم معرفة أكيدة، وربما كانوا يطلقون نعوت تفخيم وتعظيم أخرى على أعضاء هذا المجلس.
(1/2728)
وحصلنا من الكتابات على اسم لمجلس يسمما ب "طبنن"، وذلك في الكتابات القتبانية. وقد رأى بعض الباحثين انه مجلس كبار الملاكين. ورأى اخرون انه بمنزلة "المزود" بالنسبة إلى القبيلة، وانه مجلس أصحاب الأملاك،ورؤساء أفخاذ القبيلة المالكين، وانه يأتي بعد "المزود" في الأهمية عند القتبانيين،وانه كان ينظر في المسائل الخاصة بالملك والأرض وفي الضرائب التي تجبى عن الزراعة وفي تأجير الأرض، وما شاكل ذلك من موضوعات تخص الأرض والزرع. ويقول علماء اللغة إن "الطبن"، هو الرجل الفطن الحاذق العالم بكل شيء، ولعلهم أخذوا هذا التفسير من العرب الجنوبيين. في "طبنن"، هو مجلس عقلاء التخوم وحذاقهم والمتكلمين باسم القوم.
ولم يكن لسواد الناس ولا للطبقات الوسطى منهم،رأي ولا تمثيل في "الطبنن" ذلك لأن هذا المجلس هو مجلس كبار الملاكين للارض فقط. وكانوا يشتركون في الي "المزود". ونجد ذكر هذا المجلس، في كتابات يرى بعض الباحثين قبل من أواسط القرن الخامس قبل الميلاد.
ويقابل مجلس الملاكين "طبنن" القتباني مجلس عرف ب "مسخنن" "المسخن" في اللهجة السبئية. وقد أشير اليه في الكتابات السبئية القديمة وفي كتابات عهد "ملوك سبأ وذي ريدان".وأعضاؤه من الوجهاء وكبار الملاكين الذين ورثوا ملكهم من عقار وأرض.
(1/2729)
وترد في الكتابات السبئية لفظة لها علاقة بمجلس يمثل طبقة خاصة في سبأ عرف ب "عهرو" "عهر". ونجد هذا الاسم في الكتابات التي هي من القرنا الثاني قبل الميلاد فما بعده. ويظهر أنه كان مجلس اللأشراف من اهل الحسب والنسب من امثال الأشراف والنبلاء الذين عاشوا في اوروبة في القرون الوسطى. ولا يشترط في الطبقة المسماة بهذه التسمية ان تكون من كبار الملاكين وأصحاب العقار. والى هؤلاء يضاف من يقال لهم "ذ اعذر" "ذو اعذر". وهم طبقة من الاشراف لا يربط بينهم دم، ولا تجمع بينهم وبين القبيلة التي ينزلون بينها أو بين الناس الذين يعيشون بينهم، صلة رحم، ولا يملكون أرضا، وإنما هم حلفاء وجيران، نزلوا بين قوم فصاروا مثلهم، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، يؤدون ما يؤديه حليفهم من القبيلة من واجب وعمل، وعلى حليفهم مراعاتهم لانهم في جواره وفي حلفه.
هؤلاء هم أصحاب الرأي والاستشارة في الحكومات العربية الجنوبية، والمجالس المذكورة تنظر في مصالح المنتمين اليها وكلهم كما رأينا من اصحاب الجاه والسيادة و السلطان.
وإذا أقر "المزود" موضوعا ووافق عليه، رفع القرار إلى الملك لإصدار أمره بتنفيذ ما توصل اليه، وتصدر القرارات بصورة مراسيم تشريعية ملكية تعلن للناس وتبلغ للقبائل لاقرارها وتنفيذها، وقد حفظت الكتابات جملة قرارات من هذا النوع. وتوقع المحاضر في الغالب بلفظة "مثبت" من أصل "ثبت"، وذلك دلالة على الموافقة والتأييد بصحة صدور القرار. وأن اقرار قد ثبت وصار أمرا إلزاميا واجب التنفيذ.
واصطفى الملوك لهم حاشية من ذوي الرأي والعقل والتجربة، جعلوها هيأة استشارية، تقدم الرأي لهم، وقد عرفت ب"فقضت"، وب "بتل ".
(1/2730)
فنحن في اليمن إذن بإزاء نظام يمكن أن نسميه نظام يمكن ان نسميه نظاما تمثيليا،وان لم يكن يمثل رأي الشعب تمثيلا تاما، فلم تكن للاغلبية المكو نة للامة إرادة في اختيار ممثليهم للمجالس، كما هو المفروض والمطلوب من المجالس،فمن هنا لم يكن نظام الحكم في هذه البلاد نظام الحكم في هذه البلاد نظاما تمثيليا صحيحا ولكان تمثيلا من ناحية ضمه أصحاب الرأي والجاه والسلطان في الدولة، لمجالس "المزود" وإبدائها رأيها لحاكم البلاد، ولا سيما في المسائل الكبرى التي يتوقف عليها المصير،مثل إعلان حرب،أو عقد صلح، أو إقرار ضرائب. نظام نستطيع أن نسميه نظام الأخذ بمبدأ استشارة ذوي الرأي والوجاهة والسلطان في المسائل الخطيرة التي تخص الدولة أو المجتمع وحدهم، فهو نظام شوروي بالنسبة لأهل الرأي والمشورة، وهؤلاء وحدهم هم الذين يشاورون في الأمور. أما السواد، فلا رأي له. ومع ذلك، فهو أفضل من الحكم المطلق الذي يكون الملك فيه هو الكل في الكل، يفعل ما يشاء من غير حساب. وهو بالقياس إلى نظم الحكم عند الأشوريين أو البابليين لمن أو الفراعنة، نظام فيه "ديمقراطية" لا نجدها في قواعد حكم الشعوب المذكورة.
ولكن الدنيا لا تدوم على،حال واحد، فأخذ حكم المزاود يتقلص،وصار عدد من يأخذ بالرأي والمشورة من الملوك يقل حتى إذا جاءت الأيام المتأخرة من حكومة سبأ، صار الأمر للاقيال والأذواء وسادات القبائل، واضطر الملوك إلى النزول عن حقهم في الأرضين إلى أصحاب السلطان في مقابل اتفاقيات تحدد الواجبات والحقوق التي يترتب على هؤلاء الأقوياء الذين اغتصبوا الأرض اغتصابا أداؤها للدولة. ويقوم صاحب السلطان الملاك بايجار الأرض لأتباعه من آله أو من أهل قبيلته، مقابل أجر يدفعونه له، وهؤلاء يؤجرونها أيضا لمن هم دونهم في المنزلة والدرجة. فتحولت الملكية بذلك إلى دولة اقطاع، أرباحها وحاصلها وناتجها وقف على طبقة ذوي الجاه والسلطان.
(1/2731)
وفقد "المزود" مكانته، إذ انتزع الأقيال "اقول" منه السلطان، حتى قدموا أسماءهم في النصوص على اسم المزاود. فنجد أقيال "سمعى" "اقول سمعى" يقدمون اسمهم على اسم المزود، دلالة على خطر شأنهم وقوتهم، وعلى أن حكم "المزود" صار في الدرجة الثانية من خطر الشأن في هذه الأيام.
وقد تضاءل حكم "المزود"، بل زال من الوجود منذ القرن الثالث للميلاد فما بعده، فلا نكاد تجد له حكما أو ذكرا في الكتابات، إذ انفرد الملوك والاقطاعيون الكبار بالحكم، وصار رأيهم هو الرأي الحق المقبول، وبيئة ينفرد فيها الأفراد بالحكم، وينتزع فيها من الأشخاص حق التعبير عن الرأي، هي بيئة لا يمكن أن يعمر فيها "المزود" أو أي مجلس كان من قبيله يقوم بالتعبير عن رأي الناس، وإن كان بصورة رمزية شكلية. لذلك نستطيع أن نقول إن العربية الجنوبية فقدت أهم نعمة كانت عندها، نعمة التعبيرعن رأي،والنظم اللامركزية بعد الميلاد. وزاد في تقليص حكم المجالس تدخل الحبش بصورة مستمرة في شؤون العربية الجنوبية، وانتزاعهم الحكم بالقوة من أصحابه الشرعيين وانفراد حكامهم وحدهم بالحكم، ثم اضطرار الملوك والأقيال و الأذواء إلى مقاومة الحبش الغزاة وحشد كل الطاقات البشرية لطرد الحبش من بلادهم، وأحوال مثل هذه لا تسمح بابداء رأي، فكان فيها موت تلك المجالس التي لم تكن كما قلت تمثل الشعب، لأنها لا تمثل السواد الأكبر،وإنما كانت تمثل أصحاب الوجاهة والسلطان ولكن وجود شيء فيه وقوف إزاء الملوك وتحد لسلطانهم إن أرادوا توسيعه، هو مهما كان نوعه خير من لا شيء ومن انفراد الملوك بالأمر دون خوف ولا رهبة من اعتراض، أحد ومن نقد ناقد.
(1/2732)
هذا، ولم نعثر على نص بالمسند، ورد فيه ذكر لعدد أعضاء المزاود أو المجالس التمثيلية الأخرى. أما ما ذكره "الهمداني" من انه كان لحمير مجلس ينظر في أمور الملك واختيار الملك إذا مات الملك ولم يترك من يرثه، وان عدد أعضاء ذلك المجلس ثمانون قيلا، لا ينقص ولا يزيد، وانهم إذا انتخبوا قيلا منهم يكون ملكا عند عدم وجود من يخلف الملك، أو عدم رضائهم عن الملك لسبب من الأسباب، فإنهم كانوا ينتخبون قيلا" جديدا ليكمل العدد المقرر، فإننا لا ندري أكان ذلك حكاية عن وضع الحكم في اليمن قبيل الإسلام، ام كان مجرد رواية من هذه الروايات الواردة عن الجاهلية، مما يرويه أهل الأخبار. وقد نحمل روايته محمل الصدق بالنسبة إلى مجمل الخبر. أما بالنسبة إلى ثبات العدد فأمر لا نستطيع أن نأخذ به ونقطع بصحة ما ورد فيه.
وظهرت في القرن الثاني قبل الميلاد فما بعده ظاهرة جديدة أخرى، قد تدل على ضعف شخصية الملوك، وتقلص سلطانهم، هي ظاهرة ذكر امم ولي العهد مع اسم الملك، وتلقيبه بلقب ملك تماما كما يلقب الملوك. فجاء اسم نهفان مع ابنه "شعرم اوتر" "شعر أوتر"، دلالة على أنهما حكما حكا" مشتركا، وجاء اسم ملك، وجاء اسم ملك وجاء مع اسمه اسم أخيه يحكم معه ويحمل لقب الملك، وجاء اسم ملك ومعه اسم ابنين أو ثلاثة أبناء، يشاركونه في اللقب وفي الحكم، بل ورد اسم ملك ومعه حفدته يحملون لقب الملك.
(1/2733)
وظاهرة أخرى نراها تظهر، فيها دلالة أيضا على تناحر الأسر وتقاتلها على الجاه والحكم والسلطان، تتجلى في حكم أسرتين حكم اسرتين مختلفتين، إحداهما من "حاشد" وأخرى من "بكيل"، وكلتاهما من همدان، وقد حمل كل واحد من رجلي الأسرتين اللقب الرسمي لملوك سبأ. فقد حكم "علهان نهفان" وابنه "شعر أوتر" وهما من "حاشد "، وحكم في الوقت نفسه "فرع ينهب"، وابنه، وهما من "بكيل"، وكان كل واحد منهما بلقب نفسه بألقاب ملوك سبأ. ثم تجد من ذيول هذه الظاهرة منافسة "ظفار" لمأرب، ومبارزة قصر ملوك "ظفار" وهو "ذو ريدان" لقصر ملوك سبأ القديم وهو "سلحن" "سلحين". وفي هذه المنافسة دلالة على تنافس أسرتين على الحكم، كل أسرة تدعي أنها حاكمة سبأ ومالكة مملكة سبأ.
وكان من نتائج هذا التطور ظهور حكم لا أود تسميته ب "حكم لامركزي"، ولكن أرى تسميته: حكما إقطاعيا، أو حكم "أمراء الطوائف"، أو حكم رؤوس الطوائف. فقد صار الأمر والنهي للقيال وللاذواء، وللسادات وقادة الجيش، حتى تكاثر عددهم، وحتى صارت لهم كلمة في اختيار الملوك وفي إسقاطهم. ونجد في الكتابات المتأخرة أسماء عدد كبير من هؤلاء الإقطاعين، دلالة على مكانتها، وخطر شأنها في السياسة العامة، ولم تختف هذه الظاهرة حتى بعد احتلال الحبش لليمن، وحتى بعد طرد الحبش عنها ودخولها في حكم الفرس إلى أيام الإسلام.
(1/2734)
وكان مما قوى سلطان الإقطاعيين الحروب التي أعلنها الملك "شمر يهرعش" على جيرانه. لقد تمكن من توسيع رقعة سبأ ومن إضافة أرضين جديدة واسعة لها، ومن إحاطتها بهالة من العظمة، ولكنه اضطر من ناحية أخرى إلى إرضاء الإقطاعيين الذين ساعدوه وخدموه في حروبه وأدوا له خدمات كجيرة، فوسع سلطانهم، وقوى مركزهم، وصيرهم قوة ذات شأن لها سلطان في الدولة، فأضعف بعمله مركز الحكومة، ووضع من جاء بعده من الملوك في مركز حرج أمام كبار الاقطاعيين الذين أخذوا لم يتدخلون في أمور الدولة، وينافسونها في سلطان. وهكذا زالت معالم. الحكم "الاستشاري" الأقيال، ويحل محله حكم الملوك المستند إلى تأييد عدد من كبار رجال ألاقطاعيين وسادات القبائل، وهو حكم راعى بالطبع مصالح هؤلاء، ولم يهتم بمصالح هؤلاء، ولم يهتم بمصالح سواد الناس، بل حتى مصالح الاقطاعيين الذين لم يكن لهم سلطان كبير، فاصيبوا بضرر بالغ من هذا التغيير الدستوري في أصول الحكم.
وقد كان ملوك العربية الغربية، مثل كل ملوك ألعربية الجنوبية، يأخذون بالرأي ويعملون بمشورة المجالس. ويعرف مجلس الشورى في الكتابات الحيانية ب "هجبل" "الجبل" و "جبل". وقد نعت المجلس بجملة "العالي الشأن" في إحدى الكتابات، تعظيما له، وتقديرا لشأنه. ومما يؤيد أخذ الملوك برأي المجلس "جبل"وهو ورود لفظة "براى"، أي "برأي" في الكتابات، دلالة على أخذ الملوك برأي المجلس.
بل ذهب بعض الباحثين إلى احتمال وجود أحزاب سياسية في مملكة لحيان.غير أننا لم نتمكن من الحصول على كتابات لحيانية فيها شيء عن الحزبية وألاحزاب في ذلك العهد.
(1/2735)
أما أصول الحكم عند "آل لخم"، فإننا لا نملك نصوصا طما لها مدونة، كذلك لا نملك نصوصا فيها شيء عن أصول الحكم عند الغساسنة. ولم يشر أهل الأخبار الى وجود مجالس على نمط "المزود" أو "دار الندوة" عند المناذرة أو الغساسنة، لذلك لا نستطيع أن نتحدث بأي حديث عن الشورى وأخذ الرأي عند اللخميين، أو عند آل غسان.
بل يستنبط من بعض روايات أهل الاخبار، ان ملوك "آل نصر"و "آل غسان" و "آل اكل المرار"،كانوا ملوكا غلب على حكمهم الاستبداد بالرأي، إذ لم يعملوا برأي أحد، ولم يأخذوا بمشورة مستشار إلا إذا كانت المشورة موافقة لهواهم ومن شخص قريب منهم، وله أثر فعلي عليهم. كما يستنبط منها ايضا ان المقربين من الملوك، لم يكونوا مخلصين لهم في تقديم النصيحة، بل كانوا يبتغون من ورائها الحصول على منفعة وفائدة، أو ضررا يلحق بأعدائهم، وبالقبائل المعادية لقبائلهم في كثير من الأحايين. وان بعض الملوك، ولا سيما المتأخرون منهم، كانوا قد تأثروا بآرائهم فعملوا بها،فأوجدت لهم مشكلات خطيرة،كان الملوك في غنى عنها لو انهم كونوا مجالس استشارية، وأخذوا برأيها في تسيير النابه من أمور المملكة.
أما القرى والمدن إن جازت هذه التسمية، شد حكمها وجهاؤها وساداتها رؤساء الشعاب والبيوتات الكبيرة. فإذا حدث حادث في شعب حله رؤساء ذلك الشعب، وإن عرض للقرية او للمدينة عارضا اجتمع سادتها للنظر فيه وحلة، واليهم يكون تسيير أمور القرية أو المدينة. يجتمعون في "نادي" القرية أو المدينة، وهو مجتمعها للنظر في الأمر والبت فيما يرون اتخاذه من قرارات. وقد ورد في القرآن الكريم: " وتأتون في ناديكم المنكر ". والنادي هنا المجلس، ومجتمع القوم، وموضع اتخاذ القرارات والبت في الأمور.
وكان لأهل "تدمر" "مجلس" على غرار مجلس "الشيوخ" في "رومة" مؤلف من سادات المدينة من أصحاب الجاه والسلطان له سلطة من القوانين والتشربع، وله رئيس وكاتب.
دار الندوة
(1/2736)
وقد تحدث اهل الأخبار عن دار قالوا انها كانت بمكة سموها "دار الندوة" ونسبوها إلى جد قريش ومجمعها "قصي،"، قالوا: إن قريشا كانت إذا همت بأمر أو أرادت رأيا، أو قررت اتحاذ قرار، اجتمعت فيها، ونظرت في أمرها واتخذت فيها قرارها. فهي إذن مجلس يشبه "المجالس" التي كانت في مدن اليونان، وقد كونوها لتكون حكومة المدينة المشرفة على شؤونها المدبرة لأمورها الناظرة فيما يقع فيها من خصومات وخلاف.
وذكر بعض اهل الأخبار،انه لم يكن يدخلها من قريش من غير ولد قصي إلا ابن أربعين سنة للمشورة، وكان يدخلها ولد قصي "كلهم اجمعون وحلفاؤهم والظاهر ان هذا كان خاصا بالمشورة وأخذ الرأي. لما كان قد قر في نفوس أكثر الناس من أهمية السن في تقديم الرأي، ومن أن النضوج العقلي يبدأ في الاربعين من العمر. وإذا صحت الرواية، نكون أمام شرط مهم فيمن يحق له حضور دار الندوة، لابداء المشورة و الرأي. لكننا نسمع من رواة الأخبار أيضا، أنهم يذكرون ان قريشا كانت تتساهل في موضوع السن احيانا، فكانت تتساحل في قبول دخول من هو دون الأربعين من العمر إذا كان الشخص سديد الرأي. فقد " تحاكم العرب في الجاهلية في النفورة،وفي غير ذلك من المخايرة والمشاورة، الى أبي جهل ابن هشام في أيام حداثته وفتائه، ولذلك أدخلوه دار الندوة، ودفع مع ذوي الأسنان والحكمة من بين جميع الشبان، ومن بين جميع الفتيان.
ولذلك قال قطبة بن سيار حكيم فزاره حين تنافر اليه عامر بن الطفبل وعلقمة ابن علاثة: عليكم بالحديد الذهن، الحديث السن يعني أبا جهل ".
الملا
(1/2737)
وفي القران الكريم لفظة "ملأ" بمعنى جماعة يجتمعون على رأي. وتعبر هذه الفظه عن الغالبية، أي عن الرأي العام الغالب لمكان ما، أو لجماعة من الجماعات. ومعنى ذلك اتخاذ "أهل الحل والعقد" من الملا رأيا يكون ملزما للآخرين وأهل الرأي والحل والعقد، هم السادة أصحاب الجاه والعقل والسن، ولذلك كانوا يفضلون في أخذ الرأي، اخذ رأي أصحاب العقل والخبرة ،وهم المتقدمون في السن في الغالب،ففي صغر السن طيش وتسرع، والبت في الأمور يحتاج إلى نضج وصر وأناة وحلم. لهذا كان أكثر رجال "دار ألندوة" من البالغين المتقدمين في السن.
وعرف علماء العربية "الملا" أنه الرؤساء والجماعة وأشراف القوم ووجوههم ورؤساؤهم ومقدموهم الذين يرجع إلى قولهم، "يروى أن النبي، صلى الله عليه وسلم، سمع رجلا من الأنصار وقد رجعوا من غزوة بدر، يقول: ما قتلنا إلا عجائز صلعا، فقال عليه السلام: أولئك الملأ من قريش، لو حضر فعالهم، لاحتقرت فعلك " أي: اشراف قريش. فالملأ إنما هم القوم ذوو الشارة والتجمع للادارة.
وورد ان "الملا" التشاور والعطية. ويظهر من المواضع العديدة التي وردت فيها هذه الكلمة في القران الكريم، ان المراد بها في اكثر تلك المواضع، علية القوم من دوي الرأي والمكانة، والأشراف من القوم ووجوههم ورؤساؤهم و مقدموهم الذين يرجع إلى قولهم. وذكر ان "الملأ": التشاور. تشاور الأشراف والجماعة في أمر ما.
فرؤساء مكة إذن، هم حكومتها وحكامها، وليس هناك ملك أو حاكم انفرد بالحكم والسلطان. فالحكم فيها إذن، حكم مدينة، لا حكم ملك أو فرد، وقد كان الحكم في الطائف وفي يثرب وفي نجران، وفي وادي القرى على مثل هذه الطريقة، غير ان الأخباريين لم يتحدثوا عن مجلس يشبه دار الندوة في هذه المدن.
(1/2738)
وفي القرآن الكريم: "فاعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر"، و " أمرهم شورى بين هم ". وفي هاتين الآيتين دلالة على الأخذ بمبدأ المشورة، وان الحكم شورى. وحكم قريش في مكة، هو حكم المشاورة وأخذ الرأي، لهذا كانوا يتشاورون فيما بينهم حينما كانوا يعتزمون اتخاذ قرار تجاه الرسول. وقد بينت ان أصحاب الرأي والمشورة هم "الملا" وعلية القوم ومن عرف بجودة الحكم والفطنة والذكاء.
وكانت القرى الأخرى تستشير ذوي الحل والعقد. وكذلك فعلت القبائل. فقد كان سيد القبيلة يطلب من وجوه قبيلته ابداء رأيهم في القضايا المهمة من أمور الحرب والسلم. وكان سادات القبيلة، يجتمعون للنظر في امر اختيار رئيس، إذا مات رئيس وليس له وريث، أو وقع خلاف فيما بين أعضاء بيت الرئيس على الرئاسة. وقد حث العرب على الأخذ بالرأي والمشورة، حتى لا يقع المرء في الخطأ والتهلكة. والرأي: للنظر والتدبر والتفكير. وقد قدمه العرب على الشجاعة، فجعلوه قبلها، لأن الشجاعة لا تنجح ما لم يكن للشجاع رأي ونظر في كيفية التغلب على خصمه.
المشاورة
وقد كرهت العرب والحكماء مشاورة من اعترته الشواغل، وألمت به النوازل، مع وفور عقله وحزمه، فقال "قس بن ساعدة الإيادي لابنه: لا تشاور مشغولا" وإن كان حازما، ولا جائعا وإن كان فهما، ولا مذعورا وإن كان ناصحا، ولا مهموما وإن كان عاقلا، فالهم يعقل العقل فلايتولد منه رأي ولاتصدق به روية". و "قال الأحنف بن قيس: لا تشاور الجائع حتى يشبع، ولا العطشان حتى يروى، ولا الأسير حتى يطلق، ولا المقل حتى يجد،ولا الراغب حتى ينجح".
وكانت العرب تخمد الأناة في الرأي، واجالة الفكرة فيه وعدم التسرع.
"و كان عامر بن الظرب حكيم العرب يقول: دعوا الرأي يغب حتى يختمر، وإياكم والرأي الفطير".
(1/2739)
واجتمع رو ساء بني سعد إلى أكثم بن صيفي يستشيرونه فيما دهمهم يوم الكلاب، فقال: إن وهن الكبر قد فشا في بدني، وليس معي من حدة الذهن ما أبتدئ به الرأي، ولكن اجتمعوا وقولوا، فإني إذا مر بي الصواب عرفته".
حكم سادات القبائل
وحكم سيد القبيلة حكما يتوقف على شخصيته ومكانته، فإذا كان السيد قويا حازما مهيبا رفع مكانة القبيلة، وصير لها منزلة بين القبائل، وقد يفرض ارادتها على القبائل الأخرى. أما إذا كان ضعيفا فاتر الهمة باردا بليدا، طمع فيه الطامعون، وقد يكون سببا في تشتت كلمة القبيلة وفي تجزئتها وهبوط مكانتها بين القبائل. فالرئيس هو الذي يخلق القبيلة ويعز مكانتها، وهذا هو سر ظهور قبائل كبيرة بصورة مفاجئة، ثم اختفاء أمرها وهبوط منزلتها بعد أمد. وسر ذلك ان الذي يرفع من شأن القبائل أو يخفض من منزلتها هو "سيد القبيلة"،فهو روحها، وهو الذي يمنحها إكسير الحياة.
وليس حكم سيد القبيلة، حكما مطلقا، لا مشورة فيه ولا أخذ رأي، بل الحكم في القبائل حكما مستمدا من رأي وجهاء القبائل وعقلائها وفرسانها وألسنتها المتبينة، فهو حكم "ملأ القبيلة". وقد يكون بيت رئيس القبيلة، هو مجلسها وموضع حكمها. وإذا حدث حادث اجتمع عقلاء القوم في مجلس الرئيس وتباحثوا في الأمر. ويقال لمجلس القبيلة "عهرو" "ع ه ر و" في اللهجة القتبانية، يعقد للنظر فيما يقع للقبيلة من أمر جليل، مثل فرض ضرائب أو زيادتها، أو إعلان حرب، أو ما شاكل ذلك من أمور.
ونجد مثل هذه المجالس عند جميع القبائل. فإذا حدث للقبيلة حادث، تجمع سادتها للتباحث في الأمر، ولاتخاذ ما يرون اتخاذه من رأي. ولما كانت القبيلة منتشرة لا تستقر في واحد، صارت مضارب سادات الأحياء اندية تلك الأحياء، يجتمع فيها وجوه المضرب للسمر وللبت فيما قد يقع بين الحي من خلاف. وبهذه الطريقة يفصل في الخصومات وفي كل ما يحدث للحي من أمر.
(1/2740)
ويروي أهل الأخبار شعرا زعموا أن "لقيطا الإيادي"، قاله في كيفية الحكم وسياسة الرعية، فيه هذه الأبيات: فقلدوا أمركم لله دركم رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا مترفا إن رخاء العيش ساعده ولا إذا عض مكروه به خشعا
ما زال يحلب در الدهر أشطره يكون متبعا طورا ومتبعا
حتى استمرت على شزر مريرته مستحصد الرأي لاقحما و لا ضرعا
حكم الملوك
و تتلخص نظرة الجاهلية بالنسبة إلى حكم الملوك فيما يأتي: الملك مالك والتابع مملوك، واجبه تقديم حقوق الملك للملوك وحق الملك الطاعة وفي ضمن الطاعة: ألإخلاص له، والعمل بما يفرضه على التابع من حقوق وواجبات. وليس للرعية الإمتناع عن دفع ما في عنقها من حقوق لملوكها أو ساداتها: سادات القبائل.
وليس لأحد حق مطالبة ملكه بدفع مال له، لا بصورة ثابتة معينة مقررة، ولا بصور أخرى. إنما الملوك والسادات احرار، لهم ان يعطوا ولهم ان يمسكوا، وما يدخل خزانتهم وما يأتيهم من ربح من تجارة أو مغنم من حروب أو من عشور ومكوس وضرائب اخرى، هو من حقهم وهو من ملكهم الخاص بهم.
وكل ما يعود للحكومة، هو لهم. لنفهم هم الحكومة، والحكومة الرؤساء.
وفي الحديث: " ومأكول حمير من آكلها ؛ المأكول: الرعية، الآكلون الملوك جعلوا أموال الرعية لهم مأكلة، اراد ان عوام اهل اليمن خير من ملوكهم".
و "الآكال: مآكل الملوك. وآكال الملوك: مأكلهم وطعمهم: والأكل: ما يجعله الملوك مأكلة". والمأكولون إذن هم الرعية، يأكلهم ملوكهم، مما يأخذونه منهم من حقوق وبما يفرضونه عليهم من واجبات، والآكلون هم الملوك، لأنهم يأكلون ولا يعطون.
(1/2741)
والحاكم ملك كان أو سيد قبيلة، هو حاصل المحيط الذي نشأ فيه والبيئة التي عاش بين اهلها، لذلك نراه مستبدا إلى اخر حد من جهة، ونراه عطوفا غافرا للذنوب من جهة اخرى. وهو القانون والسلطة التنفيذية والتشريعية ولا راد لحكمه وقضائه، إلا التوسلات والوساطات وشفاعة الشفاع، فإن تأثر بالشفاعة غيررأيه وإن اصر على رأيه فلا راد لحكمه. وحكم هذا شأنه يكون خاضعا لمزاج الحاكم ولدرجة هدوء أعصابه واتزانه، فإن كان الملك عاطفيا منفعلا سريع التاثر، صار عهده عهد مشاكل ومؤامرات يكون قبل الأشخاص فيه من الأمور البسيطة. وما يومي البؤس والنعيم، إلا مثل على عقلية الحكم في ذلك الوقت. وفي حكم كهذا تكثر فيه بالطبع الوشايات والمؤامرات، إذ يستغله الحساد وأصحاب الذكاء في الايقاع بخصومهم، كالذي فعلوه من الايقاع بين النعمان والشاعر النابغة صديقه والمقرب اليه، وكالذي فعلوه من الإيقاع بين "عمرو بن هند" وهو ملك متهور قلق، وبين سادات القبائل مما سبب إلى غزوهم والى استهتار بعض القبائل بحكمه وخروجه على طاعته.
وقتل الأشخاص من أبسط الأمور بالنسبة إلى أولئك الحكام، فإذا أزعجهم شخص أو هجاهم شاعر أو انتقصهم احد،فقد يكون القتل جزاء له في الغالب.
وإذا كان امر الملك يقتل إنسان، قتل، ما لم يشفع له شفيع قوي مؤثر. وإذا كان امر الملك يقتل الشخص في الحال، قتل دون تأخر. ولا راد لحكمه، فهو الحاكم وهو المنفذ للاحكام. ولا اعتبار لمنزلة الشخص الذي سيقتل، والشيء الذي يؤجل الموت أو يبعده عن شخص ما، هو هروبه إلى رجل منافس لهذا الحاكم كاره له، أو له دالة عليه، فينقذ لجوؤه إلى ذلك الشخص رقبته من سيف الجلاد.
(1/2742)
وللملك إحراق من يشاء إذا أراد، والتمثيل بجسم عدوه. وقد رأينا جملة ملوك من ملوك "آل لخم" و "آل غسان" وقد عرفوا "بمحرق" لأنهم حرقوا أعداءهم بالنار. لم يحرقوا بيوتا، بل بشرا، وقد رأينا بعض الروايات،وهي تنسب إلى "المنذر بن ماء السماء" قتل راهبات وقعن في الأسر من غسان ليكن قرابين قربهن إلى العزى. ورأينا امر "عمرو بن هند" بذبج تسعة وتسعين رجلا من تميم على قمة "أوارة"، لأنه حلف يمنيا لينتقمن منهم بقتل مائة رجل منهم، واحراقهم بالنار. فقيل له المحرق. وضرب بفعله المثل في قصة يروونها عن هذا المثل: إن الشقي وافد البراجم.
وقد اشتهر "الجلندي" ملك "عمان" بظلمه، حنى ضرب به المثل. فقيل "أظلم من الجلندي" و "ظلم الجلندي". وقيل انه هو الذي ذكره الله في كتابه، فقال: " وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ".
ويذكر أهل الأخبار ان الملوك إذا ارادت قتل شخص، لبست جلود النمر وجلست تتفرج على من يراد قتله. ويعبر عن ذلك بالتنمر.
اصول التشريع وسن القوانين
لا نملك اليوم نصوصا في أصول التشريع وقواعده عند الجاهليين. إذ لم يعثرعلى نص خاص بهذا الموضوع. غير ان في بعض النصوص اشارات عابرة، يمكن ان نستنبط منها شيئا عن قواعد التشريع عند العرب قبل الإسلام. وفي جملة هذه النصوص بعض النصوص القتبانية، و منها النص الموسوم بGlaster 1606.
(1/2743)
والعرب من الشعوب التي تميل إلى الأخذ بالرأي، واستشارة ذوي إلى رأي والخبرة والسن. فنجد سيد القبيلة يستشير سادات القبيلة ووجوهها في الأمور الخطيرة التي تقع لقبيلته. كما نجد المدن والقرى تستنير برأي أولي الأمر في المشكلات التي تقع لها، لحلها وفقا لما يستقر عليم رأي ساداتها. وفي العربية الجنوبية نجد للقبائل مجالسها كذلك، حيث يجتمع اصحاب الرأي في القبيلة، للنظر فيما يقع لقبيلتهم من امرو وقضايا خطيرة يحب أخذ الرأي فيها. وكان للملوك مستشارون يتشارون في القضايا التي يعرضها الملك عليهم، بالاضافة إلى "المزاود" والمجالس الاخرى.
وقد استشار الملوك اصحاب الأرض من طبقة "طبنن" "الطبن". والمستشارون الذين عرفوا ب "فقضت" و "بتل"، كانوا يجمعونهم لأخذ رأيهم في امور الأرض وفي مسائل اخرى. كما استشاروا كبار رجال المعابد من درجة "رشو" و "شوع". وكان لرأي هؤلاء أهمية كبيرة بالنسبة للملوك، لما كان لهم من نفوذ وكامة في المجتمع.
(1/2744)
ولم يكتف الملوك بأخذ رأي الطبقات المذكورة عند إقرار قانون، بل كانوا يرسلون آرائها ووجهة نظرها إلى مجالس القبائل وإلى سادات ووجوه المدن والقرى والمستوطنات للوقوف عليها ولبيان رأيهم فيها، وذلك في القضايا العامة التي تشمل كل الدولة، مثل تنظيم امور استثمار الارض وفرض الضرائب والقوانين التجارية، لتدرس وتعالج على ضوء مصالح كل المتنفذين من ذوي الرأي والجاه في المملكة، على قدر الامكان، وليكون في الامكان تطبيقها وتنفيذها دون كبير اعتراض. ومتى جاء رأيهم ووقف الملك على كل الاراء واحاط علما بها، عمل برأيه فيها واتخذ قرارا باتا بموجبها. ويعبر عن اتخاذ قراره هذا بلفظة "جزمن" أي "الجزم". جزم الملك برأيه وامضائه لاصدار ذلك القانون، ويأمر عندئذ بتدوينه، ويعبر عن ذلك بجملة "سطرن ذت يدن"، أي "وقد كتب القرار بيده"، كناية انه، امر بتدوينه ونشره، فكأن يده ذاتها قد سطرته، وقد تدون جمل اخرى في هذا المعنى، مثل "تعلمه ذت يدن" و "تعلمه يدن" أي وقعه بيده، بمعنى امضاه وختمه بختمه، وذلك على ما يفعل رؤساء الدول من التوقيع تحت نص القوانين والاوامر،لاكسابها صبغة رسمية. وتذكر بعد اسم الملك بأسماء بعض رجال الحاشية وكبار السادات واعضاء المزاود، ممن يكونون قد ساهموا في اصدار القانون، ولهم قوة تنفيذية في المملكة. على نحو ما نفعل من ذكر اسم رئيس الوزراء والوزراء المختصين ممن لهم علاقة بتنفيذ القانون بعد اسم رئيس الدولة، دلالة على موافقتهم عليها، واقرارهم لها.
(1/2745)
وبعد الانتهاء من موافقة الملك عليه بتثبيت اسمه عليه يدون وتحفظ نسخا منه في خزائن الحكومة للرجوع اليها، ويقرأ القانون على الناس للاطلاع عليه. ثم يكتب على احجار تثبت في جدار الساحات الكبيرة التي يجتمع فيها، لاسيما ساحات ابواب المدن والقرى التي تكون عند المداخل، وهي ساحات الاعلان ويكون القانون بذلك ملزما واجب التنفيذ، وعلى موظفي الحكومة والرعية العمل بما جاء فيه.
وفي حالات سن القوانين التي تخص قبيلة واحدة او مكانا معينا، يجتمع المجلس الاستشاري "المزود" لتلك القبلية او المكان، ثم يتداول في الامر، وقد يحضره الملك بنفسه، وقد يحضره ممثل او ممثلون عنه. واذا اتخذ المجلس قرارا في امر ما، فله الحق بأصداره بأسم الملك، كما ان له الحق بأصداره بأسمه، أي بأسم المجلس الاستشاري الذي اتخذ القرار. واذا صدر بأسم الملك دل ذلك على انه قانون رسمي وافقت الدولة عليه، اما في حالة اغفال الاشارة الى اسم الملك في القرار، فإن ذلك يدل على انه قانون خاص خصص بالموضع الذي أصدر المجلس قراره فيه. وتطبق احكامه عليه وحده.
ومن حق المجالس، اقرار القوانين القديمة وتثبيتها، كما ان لها حق إلغائها
او تعديلها ويصدر قرارها بقانون. ومن حقها ايضا العفو عن المحكوم عليهم، عفوا كليا أو جزئيا. وتنظيم حقوق الارض بقوانين يصدرها عند الحاجة وحسب مقتضيات الأحوال.
(1/2746)
ومن الصعب علينا في الوقت الحاضر تثبيت اسماء الهيئات المشرعة في العربية الجنوبية، أي الهيئات التي كان من حقها سن القوانين ووضع الانظمة. لأننا نجد في نصوص المسند اسماء مؤسسات سنت قوانين ووضعت أنظمة في جباية الضرائب وفي تنظيم معاملات ألبيع والشراء والأرض. مثل" ذو عهرو" "عهرو" في قبيلة "فيشن" "فيشان" من قبائل سبأ و "مسخنن" "مسخنان " في سبأ كذلك. ومؤسسات أخرى لا نعرف الآن من أمرها شيئا يذكر. يظهر أنها كانت مجالس ومؤسسات ذات طابع محلي تشمل صلاحيتها الموضع الذي تكون فيه وكان من حقها تشريع ما ترى ضروريا بالنسبة الى تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لذلك المكان.
ويستنبط من تعدد المجالس و الجمعيات ومن الاعمال التي قامت بها، أن الحكم في العربية الجنوبي قبل الميلاد كان حكما قريبا من الحكم "الديقراطي" الشعبي. وان سلطات الملوك كانت مقيدة ببعض القيود، فلم يكن الملك يصدر أمرا إلا بعد أخذ رأي المجالس المختصة واستشارتها وأخذ موافقتها. والمجالس المذكورة وإن كانت في الواقع مجالس كبار اصحاب الارض وأصحاب الجاه والنفوذ، ولا راي لسواد الناس فيها. وكان للملوك نفوذ عليها و دخل في قراراتها، و لا سيما الملوك الكبار اصحاب الشخصية، إلا ان وجودها على تلك الصورة وعلى هذا النحو من الحكم، هو خير بكثير من عدم وجودها ومن حكم لا يستند على أي مجلس ولا على أية أستشارة او رأي، كما كاذ الوضع عند بعض الشعوب التي حكمها حكام مستبدون، حكموا شعوبهم حكما فرديا تعسفيا،لم يستند على رأي، لا رأي النخبة من الأمة، ولا رأي الشعب.
(1/2747)
ودام الحال على هذا المنوال إلى القرن الثاني للميلاد تقريبا، ثم تبد ل وتغير.فلما جاء القرن الثالث تقلص ظل حكم الأخذ بالشورى والرأي، حتى زال هذا الحكم، واختفى ذكر "المزاود"، ولم نسمع بعد ذلك لها خبرا. ويظهر ان العربية الجنوبية قد سارت على الطريق التي سلكها ملوك اليونان وقياصرة "رومة" من التنكر للحكم "الديمقراطي" والابتعاد عنه، للاخذ بمبدأ حكم "الفرد"، وهيمنة الحاكم الأعلى على كل شيء. فلما بسط ملوك سبأ وذو ريدان وحضرموت سلطانهم على أرضين واسعة، وكونوا لهم جيشا كثير العدد غزوا به امارات و المخاليف،ازداد بذلك ملكهم، واتسع مالهم، وقضوا على من كان له رأي ونفوذ في المجالس حتى زالت المعارضة وصار الأمر بأيديهم، وبأيدي من يرضون عنهم ممن يأتمر بأمرهم. وبزوال قوة أصحاب المجالس، زال حكم الرأي والشورى الذي كان يحد بعض التحديد من سلطان الملوك، ويمنعهم من وضع القوانين من دون أخذ رأيهم، وصار الحكم إلى رأي الملوك وإلى رأي الأقوياء من كبار أصحاب "المخاليف".
ومما ساعد على زوال حكم الأخذ بالمشورة والرأي واستبداد الملوك وكبار رجال الاقطاع بالحكم هو تدفق الأعراب من الحجاز ونجد وسواحل الخليج إلى العربية الجنوبية وازدياد عددهم فيها، ولا سيما بعد انهيار حكم مملكة كندة وارتحالهم من منازلهم إلى العربية الجنوبية، فازداد بذلك نفوذ الأعراب واستغلهم الملوك للقضاء على نفوذ الأعراب الملوك والأذواء وذوي الاقطاع والنفوذ والجاه، حتى صار لهم نفوذ واسع في المملكة، وغدوا فوة اعترف الملوك بها، فأشاروا اليها في لقبهم الرسمي الذي صار على هذا النحو: ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت وأعرابها في الأطواد والتهائم.
(1/2748)
وقد استغل سادة الأعراب حاجة أهل الحكم والمتنافسون عليه اليهم، ببراعة ودهاء. فصاروا يؤيدون من يغدق عليهم بالمال، ومن يفتح لهم المجال للغزو والسلب والنهب ومن يزيد على غيره في اعطاء المال لهم. وأخذوا يتنقلون من جهة إذ أخرى. يعيشون بالأمن في وقت كان الأمن فيه مضطربا قلقا. يهاجمون المدن والقرى والحكومات. وهذا ما أقلق بال الحكومات والرعية، وجعل الناس يخشون على حياتهم ومالهم، ويعيشون بقلق، في ظل حكومات صغيرة عديدة، لا هم لها سوى مخاصمة بعضها بعضا والتناحر، على عادة الحكومات المتنافسة الصغيرة في التكالب فيما بينها تكالب الكلاب.
وقد امتاز هذا العهد بكثرة حروبه وبكثرة ظهور الثورات فيه. وفي محاربة الملوك إلى قضاء معظم أوقات حكمهم في مكافحة تلك الثورات وفي محاربة الاقطاعيين الذين أراد الملوك تقليص نفوذهم.وهذا مما جسر الحبش، على العربية الجنوبية، فدخلوا قوة فاتحة فيها. ووضع مثل هذا لا يساعد على قيام حكم "ديمقراطي" ولو بشكل هزيل. وقد أثرت هذه الحروب والاضطرابات على وضع العربية الجنوبية، فأخرتها كثيرا، وقضت على ما كان فيها من حضارة، وجعلت البلاد بلاد حكومات: حكومات قبائل قرى ومخاليف وعشائر. ولو ان الحكم هو للملوك أو للاحباش أو للفرس. وبقي الحال على هذا المنوال حتى ظهر الإسلام، فقضى الحكم الاجنبي في العربية الجنوبية.
(1/2749)
ولم يتمكن الحبش من حكم العربية الجنوبية كلها. ولم يكن من السهل عليهم حكها لطبيعة ارضها ولتركز الاقطاع فيها، وهو نظام لازم تأريخها من قبل ظهور الحم المركزي المنظم فيها، حتى صار من تراث تلك البلاد المميز لها في التأريخ. لقد اقتصر حكم الحبش في أليمن على مدن رئيسية معينة: كونت منطقة متصلة، أما خارجها فكان الحكم فيها بيد "الأقيال" الذين ركزوا حكمهم وقووه بتآزرهم وتعاونهم. وبقي الحال على هذا المنوال ايام الفرس أيضا. بل استطيع ان أقول إن حكم الفرس كان حكما شكليا، مقتصرا على بعض المواضيع، أما الحكم الواقعي فكان للاقيال. ولا عبرة لما نقرأه في الموارد الإسلامية من استيلاء الفرس على اليمن، لأن هذه المواد تناقض نفسها حين تذكر أسماء الأقيال الذين كانوا يحكمون مقاطعات واسعة في ايام حكم الفرس لليمن، وكان منهم من لقب نفسه بلقب ملك، وكان له القول والفعل في أرضه، ولا سلطان للعامل الفارس عليه.
حكومات مدن
استعلمت لفظة "حكومة" بالمعنى المجازى، فلم يكن للمدن حكومات بالمعنى المفهوم من الحكومة في الزمن الحاضر، أي رئيس مفروض على المدينة بحكم الوراثة أو بحكم القوة، أو رئيس منتخب ينتخبه أبناء المدينة أو ساداتها وأشرافها لأجل معلوم أو لأجل غير معلوم.
ولم يكن لهذه المدن موظفون نيطت بهم أعمال معينة و واجبات محددة عليهم القيام بها، في مقابل أجور تدفع لهم. ولم يكن فيها مؤسسات ثابتة مثل المحاكم والشرطة لضبط الأمن والضرب على أيدي من يخلون بالأمن ويخرجون على أوامر المجتمع وقوانينه ولم يكن فها ما يشبه أعمال الحكومة المعروفة عندنا، لأن مجتمع ذلك العهد يختلف عن مجتمعنا الحديث.
(1/2750)
فمكة مثلا، وقد كانت من أبرز مدن الحجاز في القرن السادس للميلاد، لم تكن ذات حكومة. لم يكن يحكمها ملك ولم يحكمها رئيس، وكذلك كان أمر "يثرب" و "الطائف" وسائر قرى العربية الغربية. لم يكن فها أي شيء من هذه المؤسسات الثابتة التي تكون الحكومة، والتي تتعاون لتدبير أمور الناس.
وكل ما كان في مكة، أسر، يعبر عنها ب" آل" و"بني"، فيقال: "ال عبد المطلب" و"آل عبد شمس" و"آل هاشم"،و"بنو عبد المطلب" و "بنو عبد شمس" و "بنو هاشم" " وهكذا، تستوطن شعابا خصصت بها.
وكل "شعب" لمجتمع قائم بنفسه، له سادته وأشرافه، وهم وجوه الشعب، وأصحاب الحل والعقد في هذا المجتمع.
ويقوم وجوه الشعب بفض ما يحدث بين أبناء الشعب من خلاف، وبالنظر في أمر المخالفين لأعراف الشعب وعاداته، وأحكامهم غير إلزامية ولا تسندها قوة تنفيذية، بل تنفذ حكم الأعراف والأصول المرعية:وحكم وجاهة هؤلاء الرؤساء و مكانتهم عند الشعب.
أما إذا حدث حادث تجاوز مداه حدود "الشعب"، فشمل شعبا آخر أو عدة "شعاب"، فيكون أمر النظر فيه لسادات "الشعاب" التي يعنيها الأمر، فيجتمعون عندئذ للنظر في الامر وللبت فيه بحكمة وبأناة قدر المكان، مراعاة للجوار، واقرارا للسلم. وإذا أخفق المجتمعون في اتخاذ قرار، توسط بينهم وسطاء محايدون لفض ذلك النزاع بالتي هي أحسن.
وقد ينشب خلاف بين الأحياء على أمور تمس المصالح الكبيرة الخاصة يالأسر، فتفعل هذه الأحياء عندئذ ما لم تفعله القبائل، تلجأ الى حلفائها، أو نجدد أحلافها، أو تعقد حلفا جديدا لتدافع به عن مصالحها،كالذي كان من أمر "حلف المطيبين" وما كان من امر "الاحلاف"، أو من "حلف الفضول".
(1/2751)
أما ما يعلق بأمر المدينة كلها، كأمر مكة مثلا، من امور تتعلق بأحوال السلم أو الحرب. فيترك النظر في ذلك الى "الملا" "ملاء مكة" مثلا. وهم وجوه مكة وسادتها من كل الاسر، فيجتمعون في "دار الندوة" او في دور الرؤساء للنظر القضايا والبت فيها، فيبين الرؤساء اراهم ويتناقشون فيها، فأذا اتفقوا على شيئ الزموا انفسهم تنفيذه، وان لم يتفقوا على شيئ وكان النزاع بين المجتمعين حادا حاول كل فريق تأليف جبهة قوية لمقابلة الجبهة المعارضة، ولمنعها من الاعتداء عليها، وقد يعمد المتخاصمون الى مقاطعة بعضهم بعضا، مقاطعة اقتصادية واجتماعية، كالذي حدث من مقاطعة اغلب قريش لال هاشم وال المطلب، بسبب تمسك ابي طالب بابن اخيه الرسول ودفاعه عنه، فما كان من بقية قريش الا ان قررت مقاطعة "ابي طالب" ومن آزروه وانضم اليه.
ونجد في مكة نوعا من التخصص في الامور. والظاهر ان ذلك انما كان عن استئثار بعض الرجال البارزين بعمل من الاعمال، ثم انتقل ذلك منه الى ورثتهم بالارث او بالاتفاق او بالنص، ثم صار سنة اتفق عليها، كالذي ورد من امر "الرفادة" وهي ما كانت تخرجه قريش من اموالها وترفد به منقطع الحاج. وقد عرفت الرفادة انها شيئ كانت قريش تترافد به في الجاهلية، فيخرج كل انسان مالا بقدر طاقته، فيجمعون من ذلك مالا عظيما ايام الموسم، فيشترون به للحاج الجزر والطعام والزبيب للنبيذ، فلا يزالون يطعمون الناس حتى تنقضي ايام موسم الحج. وكانت الرفادة لبني هاشم. وذكر ان اول من قام بالرفادة "هاشم بن عبد مناف" وسمي هاشما لهشمه الثريد.
وكالذي ورد في امر "السقاية"، سقاية الحاج، وقد عرفت انها مأثرة من مآثر قريش في الجاهلية. وهي ما كانت قريش تسقية الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يليها "العباس بن عبد المطلب" في الجاهلية والإسلام.
(1/2752)
وكالذي جاء أمر "السدانة" مع "الحجابة". والسادن: خادم الكعبة وبيت الأصنام. وكانت السدانة في الجاهلية لبني عبد الدار، فأقرها النبي لهم في الإسلام. السدنة هم الذين يتولون فتح باب الكعبة واغلاقها وخدمتها.
وأما "الحجاب" فهم سدنة البيت أيضا. وذكر ان الفرق بين السادن والحاجب ان الحاجب يحجب وأذنه لغيره، والسادن يحجب واذنه لنفسه والحجبة هم حجبة البيت. ورد في آلحديث: " قالت بنو قصي فينا الحجابة، يعنون حجابة الكعبة " وهي سدانتها، وتولي حفظها، وهم الذين بأيديهم مفاتيحها". وكالذي ذكر من أمر "الندوة"، والندوة التجمع والجماعة. و "دار الندوة": دار الجماعه، سميت من النادي. وكانوا إذا حز بهم أمر، ندوا اليها فأجتمعوا للتشاور.
وكالذي روي من أمر "المشورة". وذلك أن رؤساء قريش كانوا إذا أرادوا أمرا استشاروا ذوي الرأي والعقل والحنكة، ومن هؤلاء "يزيد بن زمعة بن ألأسود"، وهو من "بني أسد". فكانوا اذا ارادوا أمرا ذهبوا اليه، وعرضوه عليه. فإن وافقه والاهم عليه وإلا تخير. وكانوا له أعوانآ. وقد أسلم،واستشهد بالطائف.
ومن الاعمال التي كانت في مكة "الاشناق". وهي الديات والمغرم. وكانت لأبي بكر، وهو من "بني تيم" فكان إذا احتمل، شيئا فسأل فيه قريشا صدقوه وأمضوا حمالة من نهض معه. وإن احتملها غيره خذلوه. ويدل حذا على أن تقدير الأشناق لم يكن ثابتا، بل كان يعود الى تقدير صاحب الأشناق. كمايدل أن غيره قد قام به.
ومن أعمال مكة "السفارة" وذلك أن أهل مكة كانوا إذا وقعت بينهم وبين غيرهم حرب بعثوا سفيرا، وإن نافرهم حي لمفاخرة جعوا ا لهم منافرا لينافرهم.
وكانت السفارة والمنافرة في "بني عدي" عند ظهور الإسلام. وكان الذي يتولاها إذ ذاك "عمر بن الخطاب". وذكر أهل الأخبار أن "بني سهم" "الحارث بن قيس" " وكانت ا اليه الحكومة والأموال المحجرة التي سموها لآلهتهم،والتي كانوا يخصصونها من مغانمهم في السلم وفي الحرب.
(1/2753)
-
ومن أعمالهم "الأيسار"، وهي "الأزلام" " وقد ذكر أهل الأخبار أنها كانت في "بني جمح"، ويتولاها منهم "صفوان بن أمية". فكان لايسبق بأمر عام حتى يكون هو الذي تسييره على يديه.
ومن الاعمال الأخرى التي ذكرها أهل الأخبار "العمارة". وكان الذي يتولاهاعند ظهور الإسلام "العباس". وكان ينهى الناس من أن يتكلم احدهم في المسجد الحرام بهجر ولا رفث ولا أن يرفع صوته.
وأشار أهل الأخبار الى ما يسمى ب "حلوان النفر" وقالوا إن العرب لم تكن تملك عليها في الجاهلية أحدا، فإن كانت حرب اقرعوا بين أهل الرياسة، فمن خرجت عليه القرعة أحضروه صغيرا كان أو كبيرا. فلما كان يوم الفجار أقرعوا بين بني هاشم، فخرج منهم العباس، وهو صغير، فأجلسوه على المجن.
وقد كانت سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام وحلوان النفر في بني هاشم. واهتم أهل مكة بأمر الحروب والدفاع عن مدينتهم. ويقتضي ذلك وجود أناس لهم خبرة وتجربة في الحرب، ولهم رأي في أحوالها وأصولها وحيلها وخدعها.
فالحرب خدعة، ولا بد للقائد من اللجوء إلى الخدع والحيل الحربية للتغلب على خصمه. ونطرا لضرورة التهيؤ للحرب في أيام السلم، أوجد أهل مكة بعض الأعمال وعهدوا إلى أصحابها القيام بها. منها القبة والأعنة وخزن الأسلهحة وحمل اللواء والقيادة.
أما "القبة" فإنهم كانوا يضربونها ثم يجمعون اليها ما يجهزون به قريشا. وأما "الأعنة"، فيكون صاحبها على خيل قريش في الحرب. وكانتا إلى "خالد بن إلوليد" وهو من "بني مخزوم" عند ظهور الإسلام.
وذكر ان قريشا كانوا يحفطون الأسلحة عند "عبدالله بن جدعان"، فإذا احتاجوا إلى السلاح وزعه فيهم. فبيتهه مخزن قريش للاسلحة. ويذكر ان القبائل كانت إذا حنضرت المواسم أودعت سلاحها "عبدألله بن جدعان"، فإذا انتهى الموسم وقررت العودة استعودته منه، وذلك لأمانته ولشرفه ولوثوق الناس به.
(1/2754)
ومن الأعمال التي لها علاقة بالحرب: "اللواء". وذكر ان "عثمان بن طلحة" وهو من "بني عبد الدار" كان اليه اللواء والسدانة مع الحجابة، ويقال: والندوة أيضفا. و كانت هذه في "بني عبد الدار". وورد في خبر آخر ان راية "العقاب" وهي راية قريش، كانت عند "أبي سفيان" وهو من "بني أمية". و "العقاب" راية للنبي، كما ورد في الحديث. وذكر ان إلعقأب علم ضخم " يعقد للولاة شبه بالعقاب الطائر.
والقيادة: قيادة جيش مكة. وقد كانت إلى بني أمية في الغالب. ولكن العادة ان يتولى سادات مكه قيادة أحيائهم في القتال. فيقود سيد كل شعب أبناء شعبه ويوجههم حيث يرى في المعركة. أما التنسيق بين خطط المقاتلين لانجاح المعركة فيكون أمره الى من تسلمه قريش قيادتها العامة في الحرب من الرجال المحاربين أصحاب الرأي في الحروب. وكان "حرب بن أمية"قائد قريش في الفجار وفي ذات نكيف.
ويجب ان نضيف الى ما تقدم قيادة قوافل قريش، وقد كان أمر"عير قريش" إلى "أبي سفيان" ضد ظهور الإسلام. و "عير قريش" قافلتها. وقد كانت رئاسة القوافل من الأعمال الهامة في ايام الجاهلية. وعندما تعود القافلة سالمة غانمة يستقبل قائدها استقبال الأبطال. وقد أشير في الكتابات اللحيانية والتدمرية إلى "رئيس القافلة"،على انه من الشخصيات المهمة ا البارزة في تدمر وعند اللحيانيين.
(1/2755)
وكذلك كان أمر قائد قافلة قريش ولا شلك. وورد في الكتابات النبطية لقب آخرغير لقب: "زعيم القافلة" هو "زعيم السوق"، سأتحدث عنه فيما بعد. وذكر ان من أعمال قريش في الجاهلية، عمل يقال له "العمارة". و كان إلى "العباس بن عبد المطلب"، بالاضافة إلى السقإية. وقد خرجت عليه القرعة يوم الفجار، فنصب رئيسا على "بني هاشم". وكان من عادة قريش والعرب - كما يزعم أهل الأخبار - انهم لم يكونوا يملكون أحدا عليهم. فإن كان حرب أقرعوا بين أهل الرئاسة، فمن خرجت عليه ألقرعة أحضروه، صغيرا كان أو كبيرا. فلما خرجت القرعة على العباس،وهو صغير،جاءوا به،فأجلسوه على المجن.
و "العمارة" عمارة البيت. وقد عدت من مفاخر قريش. و قد أشير اليها في القرآن: )أجعلتم سقاية الحج وعمارة المسجد الحرام، كمن آمن بالله واليوم الآخر(. وقد ورد ان ممن تولاها "العباس بن عبد المطلب " و "شيبه بن عثمان ". وذكر ان "المشركين قالوا: عمارة البيت وقيام على السقاية خير ممن آمن وجاهد. وكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل إنهم أهله، وعماره. فذكر الله استكبارهم واعراضهم".
(1/2756)
أما بخصوص نظام الحكم في يثرب، فإنه لا يختلف عن طريقة نظام الحكم في مكة، فلم يكن لأهل يثرب عند ظهور الإسلام رئيس وقد حاول بعض ساداتها من الأوس والخزرج تنصيب أنفسهم ملوكا على المدينة، غير أنهم لم يفلحوا في مسعاهم فلم ينصبوا ملوكا عليها. والظاهر أن للمنافسة الشديدة العنيفة التي كانت بين الأوس والخزرج على الزعامة والرئاسة يدا في عدم تمكين أي أحد من سادة أ يثرب من الانفراد بزعامة المدينة وبالسيادة عليها. وقد يكون لوجود اليهود بيثرب يد في تعميق الخلاف بين "أولاد قيلة"، إذ لم يكن من مصلحتهم اتفأقهم واجماعهم على اختيار رئيس واحد قوي. فالرئيس القوي سيبسط نفوذه همن غير شك على يهود يثرب أيضا، ويستذلهم ويجعلهم أتباعا له. أما في حالة تشتت كلمتهم وتشاحنهم فستكون لليهود إمكانية إثارة فريق على فريق، والاستفادة من سياسة فرق تسد". وبذلك يكون أمرهم ونهيهم في أيديهم بدلا من أن يكون في أيدي "صاحب يثرب".
وقد حاول أهل يثرب من الأوس والخزرج حل " مشكلة الحكم في مدينتهم حلا وسطا، على قاعدة:أن من الأوس أمير ومن الخزرج. أمير. يحكمان حكما مشتركا، أو على التوالي، كأن يحكم سيد الأوس سنة، تم يترك الحكم لسيد الخزرج يحكم السنة التالية " ثم يعود فينسحب ليتولى الحكم سيد الأوس وهكذا، غير أن الحل لم ينجح ايضأ، وبقيت المشكلة: "مشكلة الحكم" مستعصية غير محلولة حتى دخل ألرسول يثرب، فحلها حلا أزعج بعض من كان طامعا في الحكم وكان يرغب ان يكون سيد يثرب.
(1/2757)
هذا ولم نعثر في الأخبار الواردة الينا من يثرب، على خبر يفيد وجود "ناد" في هذه المدينة على شاكلة "دار الندوة" أو نوادي الملا. والظاهر أنه قد كان للنفرة الشديدة الني كانت بين الحيين: الأوس والخزرج يد في عدم ظهور مجلس حكم موحد في هذه المدينة. فبغض كل حي للحي جعل الاتفاق فيما بينهما على تكوين مجلس واحد من "ملا" المدينة أمرا صعبا، على حين كان ذلك ممكنا بالنسبة لأهل مكة، لأنهم كانوا كتلة واحدة، ومصلحتهم في حكم مشترك هي مصلحة عامة. ولم تكن المنافسات عندهم بين الأسر شديدة حادة، لذلك كان من الممكن اجتماع سادات الأسر في مجلس واحد، لا سيما وهم تجار، ومن مصلحة إلتاجر تمشية الأمور وتصريفها بالطرق السلمية، وحلها بغير تعنت ولا تشدد وغطرسة.
وكان أمر "الطائف" في أيدي "ملا المدينة". يديرون شؤونها في أيام السلم والحرب، ولم يرد في الأخبار أن أهل الطائف توجوا رجلا عليهم، فجعلوه ملكا، ولم يرد فيها أيضا انهم رأسوا رئيسا عليهم، بل كانت الرئاسة في عدد من الرؤساء، هم سادات البطون والأحياء. ولكل رئيس كلمته في حيه الذي يقيم فيه.
الفصل الثالث والخمسون
حقوق الملوك وحقوق سادات القبائل
وبعد أن تكلمت على أصول الحكم عند الجاهليين وعلى الأشخاص الذين. كانوا يتولون إدارة الحكم وتصريفها، وجب أن أتكلم على حقوق الملوك وحقوق سادات القبائل على أتباعهم،أي الواجبات التي يجب أن يؤديها الأتباع إلى ساداتهم وحكامهم من طاعة ومن مال، فأقول:
حقوق الملوك
والملك هو السلطة العليا في المملكة وهو الموجه والمدير المدبر لأمورها. وله على أتباعه حقوق، منها: حق التسليم والخضوع والطاعة. فطاعة الملك طاعة واجبة.
وله حق جباية الشعب، أي اخذ الضرائب منه: ضرائب على الزراعة،وضرائب على التجارة، وحق إعلان النفير والحرب، والامتناع عن دفع حقوق الملوك المتفق عليها، والخروج على أمره هو خروج على الحق والقانون.
(1/2758)
هذا وانا نأسف إذ نقول اننا لا نملك كتابات جاهلية تتحدث عن حقوق الملوك وعلم الواجبات التي على الشعب القيام بها تجاههم، فما نتحدث به عن هذا الموضوع مستمد من بعض الأوامر والإرادات التي أصدرها ملوك من العربية الجنوبية، في تنظيم الأعمال وفي كيفية التجارة والاتجار أو في الضرائب التي على التاجر أو المزارع أداوها للملوك، وبعض آخر أخذ من كتب أهل الأخبار والتواريخ وكتب الشعر والنثر، وفيها نتف وردت عرضأ عن بعض حقوق الملوك وسادات القبائل في الجاهلية الملاصقة للاسلام.
والملك هو قائد شعبه إيام السلم وايام الحرب، يرأس جيشه في القتال ويختار من يشاء لقيادة الجيش. وهو القاضي الأعلى والحاكم فيما يقع بينهم من خلاف.
وهو الرئيس الروحي لأمته وكاهنها في الأصل. غير ان الملوك تركوا هذه القيادة الروحية، أي الزعامة الدينية لغيرهم، وهم رؤساء الدين، واحتفظوا بالسلطة الزمنية الني تشمل سلطة القيادة والحكم.
بيت المال
(1/2759)
والملك هو صاحب ارض الدولة والقيم عليها. وله حق منح الأرض لمن يشاء وانتزاعها عمن يشاء، أو تأجيرها لمن يرى. والأرض عند العرب الجنوبيين هي ملك الآلهة، وليس على وجه الأرض ملك لإنسان. غير أن هذا لا يعني ان الأرض ومن عليها ملك لرجال الدين باعتبار انهم ألسنة الآلهة الناطقة على هذه الأرض والممثلون لهم في هذا العالم، فهم وحدهم إذن لهم حق ادارة الأرض واستغلالها، وذلك لأن الملوك سلبوهم هذا الحق واستبدوا به ومارسوه ونصبوا أنفسهم خلفاء على الأرض، وصاروا أوصياء الالهة على أموالها. وهكذا فسرت قاعدة "المال مال الآلهة" تفسيرا يجعل حق الأشراف على "مال الآلهة" في هذه الأرض للملوك ولأصحاب السلطان الفعلي الحاكمين حكما بقانون القوة، أما رجال الدين الذين يجب ان يكونوا هم خلفاء الآلهة على الأرض والمنفذين لأوامرها، فقد خضعوا لحكم الواقع، ورضوا بما حصلوا عليه من حقوق وامتيازات، وساروا إلى جانب الملوك في الغالب، لتشابه المصلحتين، وحصل الترضي على اعطائهم حقوقأ وامتيازات واسعة، واستقلالا في إدارة اموال المعابد، بحيث لا يكون للحكومة اي سلطان عليها، وهي مستثناة من دفع الضرائب التي يجب على سائر الناس دفعها الى الحكومة، فصار المعبد من ثم سلطة ذات ثرأء وسلطان تلي سلطة الحكومة ولها ضرائب يدفعها المؤمنون المتقون.
(1/2760)
والملوك هم من كبار أصحاب الملك في الدولة، فإلى جانب حقهم المتقدم في اعتبارهم خلفاء الالهة على الأرض في ادارة ملكها، نجدهم يمتلكون أرخضا وآسعة وأملاكا شاسعة ويتاجرون باسمهم،فيرسلون القوافل لتجارة. والأرض التي يمتلكها الملوك، هي أرضون خاضعة لهم مباشرة، لأنها ملكهم الخاص. ومعنى ذلك ان منفعتها تكون خاصة بهم. فلا يصرف منها على المصلحة العامة، إلا إذا أراد المك ان يتبرع بذلك رضاء، وله بالطبع أن يهدي منها ما يشاء الى من يشاء، كما يفعل أي مالك، وهو يؤجر ارضه لمن يريد. ويقال لما يدفع له في مقابل ذلك "نحلث".
والأرضون المفتوحة عنوة هي من حق الدولة، تضاف إلى أملاكها وتسجل باسمها وتعد من "بيت المال"، ويكون حق النظر في أمرها والإشراف عليها واستغلالها للملك، لأنه رئيس الدولة وحاكمها، وله الخيار في كيفية التصرف بها. له أن يعطيها للاقيال في مقابل ضريبة حربية يقدمونها له تسمى "ساولت." أو في مقابل ايجار يتفق عليه يقال له "ثوبت"، وله أيضا أن يبيعها متى شاء، ويعبر عن ذلك ب "شامت" أي بيع.
ويراد بضريبة "ساولت" أي الضريبة الحربية، تعهد أصحاب الأرض بتقديم المحاربين إلى الدولة، ويتفق على العدد وعلى وقت التقديم، ويسجل ذلك في عقد الآتفاق. ويقوم أصحاب العقد بالانفاق عليهم وبتقديم كل ما يحتاج المحارب اليه من عدة وسلاح. واالغالب ان يقوم بذلك المحارب نفسه، لأنه رجل مسخر مأمور، فهو من أتباع صاحب الأرض ينتزعه سيده من أرضه، ويرسله إلى الخدمة وقت الحاجة اليه.
(1/2761)
ولما فتح "كرب ايل وتر" ملك سبأ أرض أوسان ودهس،وفتح عنوة كل أرضى"عبدان" ومدنها وقراها وأوديتها وحصونها ومراعيها، صارت كل هذه الأرضين وما عليها من محاربين ومن مدنين أحرار عبيد ملكا لدولة سبأ وسجلت في جملة مقتنياتها. ويلاحظ ان سلطنة العوالق العليا عدت "وادي عبدان" الذي هو في جنوب "نصاب" من "أرض الدولة" أي من أملاك السلطان ومن أرض "بيت المال" ورقبتها بيد "سلطان العوالق".
وبالاضافة إلى الأرضين المفتوحة عنوة،ضم ملوك سبا إلى أملاك الدولة أرضين اشتروها شراء، واشتروا كل ما كان عليها من ناس وحيوان وزرع. فقد كان المشتغلون بالأرض يعدون تابعين لها فيباعون معها وهم ملك لها. وهم طبقة خاصة من طبقات عبيد الأرض.
ولم تتحدث الكتابات عن حقوق الملك وعن مدى صلاحياته في الحكم، ولكننا نستطيع ان نقول قولا عاما إن سلطات الملك كانت كسلطات الملوك الاخرين في الأقطار الأخرى، تتوقف على شخصية الملك وسلطانه وقدرته، فهو ملك ذو سلطان واسع مطلق، أوامره قوانين، وارادته مطاعة، يحد سلطان المتنفذين ويخضعهم لحكمه إن كان الملك صاحب شخصية قوية وعزم،وهو مغلوب على أمره يحكم اسما إن كان ضعيفأ خائر العزم، وتحكم المملكة العناصر القوية صاحبة السلطان من ابناء الأسرة المالكة، أو من سادات القبائل أو رجال الدين، فعلى هذه الأجوال إذن كانت تتوقف سلطات الملك وأعماله في المملكة.
(1/2762)
وللملوك حق يسمى "حق الإحماء". فإذا اعجب الملك بأرض أو بعشب، أعلن حمايته لتلك الأرض، أو لذلك العشب، فلا يسمح عندئذ لأحد بدخول "الحمى" اي المكان المحمي دون اذن الملك أو الشخص المخول من الملك بهذا الحق. ويدخل في هذا الحق حق حماية الحيوان أو النبات. وكان ملوك الحيرة يحمون الأرضين والحيوانات،كالإبل والخيل والكباش،، فتكون لهم، لا يسمحون لغيرهم بالانتفاع منها. ولما وثب "علباء بن ارقم اليشكري" على كبش للنعمان ابن المنذر، كان من أحماه، أي جعله حمى، فذبحه، حمل إلى النعمان، فاعتذر اليه وعفا عنه.
وكان "النعمان بن المنذر" يحمي مواضع عديدة قرب الحيرة وعلى مبعدة منها. ترعى فيها إبله وبهائمه، منها أرض "سحيل". أرض بين الكوفة والشام.
أموال الدولة
ذكرت ان الأرض هي ملك الآلهة في نظر العرب الجنوبيين، وان "المكروبن" والملوك هم خلفاء إلالهة على الأرض، وهم المسؤولون عن الأرض وعن الملك وعن تطبيق أوامر الالهة ونواهيها بن الناس. وهم حماة الملكية. وكل أرض الدولة هي ملك الحاكم من حيث المبدأ،والحاكم هو الذي يقر الملكية ويثبتها لأتباعه ويحافط عليها.
والملكية بصورة عامة، إما أن تكون ملكية الدولة، وإما أن تكون ملكية الملك أو الحكام، أي أملاكهم الخاصة بهم المسجلة باسمهم، وإما ان تكون من أملاك المعابد، من أوقاف وغيرها وإما أن تكون من ملكية أشخاص وهي: أملاك ثابتة، أي غير منقولة، مثل أرض وبئر وحدائق وبساتين، وأموال منقولة مثل: بهائم وأثاث وغير ذلك مما يمكن نقله من مكان إلى مكان.
(1/2763)
وأعني بأرض الدولة، أرض الفتوح. وهي كل أرض تفتتح عنوة، فتعد مالا من أموال الدولة، وتسجل باسم الدولة، كأن تسجل باسم شعب معين أو شعب سبأ، وتقيد عند تسجيلها باسم الهة ذلك الشعب، باعتبار انها هي المالك الحقيقي الشرعي. وتقوم الحكومة بإدارتها وبالاشراف عليها وباستغلالها واستثمارها إما مباشرة، أي بتعينن موظفين لإدارتها، وإما بإعطائها اقطاعا أو كراء إلىغير ذلك من طرق الاستثمار. ويسجل وارد هذه الأملاك باسم الدولة ويدخل في خزانتها، وينفق منه على المشاريع العامة، وفي ضمنها رواتب الموظفين وأجورالمشتغلين في إدارة هذه الأملاك.
ويمكن تسمية أرض الدولة بأرض السلطان أو أرض "ميرى" أو "أرض سنية" في المصطلح الحديث.
ومن أملاك الدولة: الصوافي. وهي الأرضين التي استولي عليها وكانت تابعة لحكومة سابقة. فتكون حقا من حقوق الدولة المنتصرة وغنيمة لها. وتدخل فيها الأملاك واللأرض التي جلا عنها أهلها أوماتوا ولا وارث لها. ففد كان الملوك يستصفون الأرضين التي يستولون عليها بالقوة ويجعلونها ملكا لهم. وهي غير "الصفايا"، أي ما يختاره الرئيس من المغنم ويصطفيه لنفسه قبل القسمة من فرس أو سيف أو غيره.
والصوافي في الإسلام: الأملاك والأرض التي جلا عنها أهلها أو ماتوا ولا وارث لها. والضياع التي يستخلصها السلطان لخاصته. وكانت "صفية" بنت "حيي" من الصفايا، اصطفاها الرسول لنفسه من غنيمة "خيبر".
أموال الملوك
وإلى جانب أموال الدولة، توجد اموال الملوك. وهي اموالهم الخاصة بهم
(1/2764)
والمسجلة بأسمائهم لأنها ملك لهم. يتصرفون بها تصرفا مباشرا، أو يؤجرونها لأتباعهم في مقابل أجر يقال له "نحلت". والعادة ان الذي يستأجرها هم كبار الناس وسادات المجتمع يأخذونها منهم بشروط سهلة، ثم يؤجرونها لمن هم دونهم بشروط صعبة، للاستفادة من الفرق بين سعري الإيجارين. وقد يؤجرالملوك إلى قبيلة، وتكون القبيلة مسؤولة كلها امامه على الأرض. فيذكر في العقد اسم القبيلة المستأجرة باعتبار أنها هي التي أجرت ذلك الملك. إلا أن الغالب هو أن سادات القبائل، هم الذين يتصرفون بالأرض المستأجرة، فيؤجرونها إلى اتباعهم بشروط ثقيلة. ليربحوا من الفرق. ويكونون هم المسؤولين عن تقديم ال "نحلت" أي بدل الإيجار إلى الملوك.
ويحدث في كثير من الأوقات ان كبار الاقطاعيين وكبار سادات القبائل، يستأثرون بأملاك الدولة وبأملاك الملوك، ويتصرفون بها تصرفا اعتباطيا،ولا تتمكن الحكومة من عمل شيء تجاههم لنهم أقوياء، لذلك تضطر الدولة إلى مداراتهم ومسايستهم، بأن تأخذ منهم "نحلت" "نحلة"، أي أجرا رمزيا، يكون بمثابة اعتراف منهم بأن الأرض التي استأثروا بها هي ملك للدولة وللملوك.ويقومون هم باستغلالها وبالتصرف بها كيف يشاؤون. ولا يزال هذا الوضع معروفا حتى اليوم، فقد كان سادات القبائل قد وضعوا أيديهم على أرضين "حكومية" أي "ميري"، وتصرفوا بها وكأنها ارض تملك "طابو" في مقابل اجر رمزى زهيد، ومنهم من استولى عليها وسجلها باسمه، فصارت ملكا صرفا له. بعد بذله مبلغا زهيدا اعتبر ثمنا لتلك الأرض.
الأوقاف
(1/2765)
وقد كانت المعابد اوقاف حبست عليها، ولها موظفون لجياية غلتها، وهي أوقاف قديمة سجلت باسم المعابد منذ كان الكهان "المكربون" يتولون أمور الحكم. وأوقاف كان يحبسها الآغنياء الأتقياء في حياتهم أو بعد وفاتهم على المعابد، قربة إلى الآلهة. وهي معفوة من الضرائب، فلا تدفع للحكومة اي ضريبة. لانها أملاك المعبد. ويدفع المستغلون للاوقاف حق التصرف بالاوقاف إلى المعبد، لأنه هو المالك الشرعي للوقف. كما ساتحدث عن ذلك بالقسم الخاص بالمعبد.
وكان أهل الجاهلية يحبسون السوائب والبحائر والحوامي وما ألشبهها، فلا يعتدي عليها ولا يستغلها احد. فلما جاء الإسلام، نزل القرآن بإحلال ما كانوا محرمون منها وإطلاق ما حبسوا. وعرف ذلك ب "الحبس". وكانوا في الجاهلية يحبسون مال الميت ونسائه. كانوا إذا كرهوا النساء لقبح أو قلة مال حبسوهن عن الأزواج لأن أولياء الميت كانوا اولى بهن عندهم. " وفي حديث ابن عباس: لما نزلت آية الفرائض قال النبي، صلى الله عليه وسلم: لا حبسى بعد سورة النساء، أي لا يوقف مال ولا يزوى عن وارثه "، إشارة إلى ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من حبس مال الميت ونسائه.
وكانوا يحبسون الأرض والنخل والكروم وغير ذلك على أصنامهم، ويجعل بعضهم غلتها على ابناء السبيل.وذكر ان "الحبس"يقع على كل شيء وقفه صاحبه وقفا محرما لا يورث ولا يباع من ارض ونخل وكرم ومستغل.
سمات الملك
وكانوا يسمون إبل الملوك وماشيتهم بسمة خاصة، لتكون علامة على انها من ملك الملوك والدولة. كما كان إلأشخاص يسمون إبلهم وماشيتهم بسمات خاصة بهم، لتكون دلالة على تبعيتها لصاحب "الميسم". والوسم أثر الكي.والميسم: هو الحديدة التي يكوى بها، واسم للالة التي يوسم بها. والأصل في الوسم أن يكون بكي، ثم أطلقوه على كل علامة، مثل قطع في أذن أو قرمة تكون علامة، أو ضروب الصور.وكان الرسول يسم إبل الصدقة بميسم، أي يعلم عليها بالكي.
(1/2766)
ووضعوا الريش علامة وسمة لجمالهم، ليعرف من يراها انها من إبل الملوك، فلا يقترب منها. وكانوا إذا أرادوا تشريف أحد، حملوه على هذه الإبل أو أهدوه منها. "ومن المجاز: أعطاه،اي النعمان النابغة مائة من عصافيره بريشها،. اي بلباسها وأحلاسها. وذلك لأن الرحال لها كالريش أو لأن الملوك كانت إذا حبت حباء جعلوا من أسنمه الإبل ريشا، وقبل ريش قنعامة، ليعرف انه من حباء الملك". وذكر ان الملوك كانوا يضعون الريش في أسنمة الإبل وتغرز فيها، وكانت تجعل الريش علامة لحباء الملك تحميها بذلك وتشرف صاحبها.
وقد عرفت إبل المك "النعمان بن المنذر" بأصالتها وبجودة جنسها وبنجابتها. وذكر ان أكرم فحل كان للعرب من الإبل كان يسمى عصفورا، وتسمى أولاده عصافر النعمان. وكان إذا وهب منها لأحد عد ذلك تقديرا وتعظيما له. حتى كانوا يقولون: "حباه بكذا وكذا من عصافيره"، و "وهب له مائة من عصافره". وذكر ان من فحول إبل "النعمان" الأخرى "داعر" و "شاغر"و "ذو الكبلين".
ولأهمية السمات في ذلك الوقت، وضعوا لها أسماء، ذكرت في كتب اللغة ولأخبار. منها: السطاع، والرقمة، و الخبا ط، والكشا ح، والعلاط، وقيدا لفرس، والشعب، و المشيطفة، والمعفاة، والقرمة، والجرفة، والخطاف،والدلو والمشط، والفرتاج، والثؤثور، والدماغ، والصداع، واللجام،والهلال، والخراش، والعراض، واللحاظ، و التلحيظ، والتحيين، والصقاع،و الدمع.
اتجار الملوك وسادات القبائل
(1/2767)
ولم تكن الموارد المذكورة لتسد حاجة الملوك، وسادات القبائل، لذلك عمدوا إلى موارد أخرى لاستنباط المال منها، فعمدوا إلى التجارة وتربية الأنعام وإلى إقامة بعض المصانع وتنمية أرض التاج وزراعتها لبيع حاصلها وساهموا في البيع والشراء في الاسواق، فكان لهم وكلاء ينقلون أموال الملوك إلى الأسواق لبيعها فيها، ولشراء ما يحتاج اليه الملك من تجارة أخرى يستطيع تصريفها في أسواق أخرى، تكون هذه البضائع عزيزة ثمينه فيها، ولم يكن الاتجار بالأسواق أمرا خاصا بالملوك العرب، وإنما كان ذلك عرفأ متبعا عند غيرهم من الملوك، مثل الأكاسرة والقباصرة وملوك العبرانيين.
فمن ذللث ما روي من انه كان للنعمان بن المنذر وغيره لطائم، عير تحمل الطيب والمسلك وبز التجارة، تذهب إلى الأسواق لبيعها فيها، ولتأتي بتجارة جديدة. وقد ذكر ان "اللطيمة" وعاء الطيب أو سوقه، وقيل كل سوق بحلب اليها غير ما يؤكل من حر الطيب والمتاع غير الميرة: لطيمة. والميرة لما يؤكل. والطأئم هي الأسواق التي تباع فيها العطريات. وفي جملة ما يباع فيها "بالات" المسك، أي اوعية المسك.
ويظهر من نصوص المسند ان الملوك كانوا قد أسسوا دورا للنسيج، يباع ما تنتجه في الأسواق. وقد اشتهرت اليمن بأنسجتها المختلفة المتعددة. فكانت دور النسيج من جملة الموارد التي تأتي بالمال الى أولئك الملوك.
غنائم الحروب
(1/2768)
وللملوك مورد آخر من موارد دخلهم، هو غنائم الحروب. فإن ما يغنمه جيشهم من مال وأشياء ثمينة واسرى يكون ملكا للملوك،وإذا فاض عدد الأسرى عن حاجة الملوك باعوهم في أسواق النخاسة، للاستفادة من ثمن بيعهم. أما إذا قرر الملك الاحتفاظ. بالأسرى، فإنهم يستخدمون في أعمال كثيرة، مثل الخدمة م في الجيش، أو الاشتغال بشق الطرق وانشاء الأبنية والعمل في الأرض، إلى غير ذلك من أعمال يشغلون بها باعتبار انهم رقيق. وقد يهدي منهم الملوك إلى المقربين اليهم، ولا سيما بعد انتهاء الحرب أو الغزو واحصاء الأسرى، فقد يختار الملك لنفسه أجل الأسيرات. وقد يعطيهن هدايا إلى من يشاء من قواد جيشه ومن كبار موظفيه والمقربين البه.
وتشمل غنائم الحرب كل ما يقع في أيدي المنتصر من غنيمة، لا فرق عنده إن كانت من أموال الحكومة الخاسرة أو من أموال سيد القبيلة المغلوب، أو من أموال الأتباع والرعية. فقانونهم في الحرب ان كل ما يقع في أيدي الغالب هو ملك له، ان كانت الغنيمة من أموال الحكومة أو من أموال الرعية فالرعية ملك للملك، وملكها ملك للغالب بحق القوة، وهي نفسها ملك له يتصرف بها كيف يشاء. لذلك تكون غنائم الحروب موردا حسنا بالنسبة للغالب، لا سيما إذا كان المغلوب من أصحاب الثراء والمال ومن الحضر.
وكان الأمير في الجاهلية يأخذ الربع من الغنيمة، وجاء الإسلام فجعله الخمس وجل له مصارف. ومنه قول: عدي بن حاتم الطائي: ربعت في الجاهلية وخمست في الإسلام. أي قدمت الجيش في الحالين.
الاقطاع والاقطاعيون
والاقطاع معروف بين الجاهليين، وخاصة بين أهل العربية الجنوببة. وقد كان اقطاعا للارض لتستغل زراعة، واقطاعا لاستغلال ما فيها من ماء أو معدن مثل الملح. وكان الملوك يقطعون أملاك الدولة لمن شاعوا، كما فعل المعبد ذلك، إذ كان يقطع الأرض المحبوسة باسمه لمن يشاء من الناس.
(1/2769)
وقد كانت العادة في اليمن جارية بإقطاع المعادن والمياه لأصحاب السلطان، كأن يقطع "الملح" لشخص ليستغله، فيشغل من يريد في استخراجه وبيعه. وقد وردت في الكتابات الجاهلية إشارات إلى استغلال معادن الملح، والى إقطاعها الأشخاص يستخرجون الملح منها في مقابل أجر يدفع عن ذلك الإقطاع. وقد بقيت هذه العادة إلى الإسلام، فقد ورد في كتب الحديث: أن "الأبيض بن حمال" استقطع رسول الله ملح مأرب،فأقطعه. ولما ذكر "الأقرع بن حابس" للرسول أنه قد ورد ذلك الملح ورآه، وانه مثل الماء العد بالأرض، من ورده أخذه، وان إقطاعه له يمنع الناس من وروده، فاعتده الرسول صدقة، وجعله مثل الماء العد.
والإقطاع يكون تمليكا وغير تمليك. فإذا كان تمليكا، صار له ليس لأحد حق مزاحمته عليه ولا استثماره، ويكون عندئذ ملكه. وله حق تأجيره. لغيره أو اعطائه في مقابل حق يعينه في الحاصل والناتج.وقد كان الملوك في العربية الجنوبية يقطعون أصحاب الجاه والسلطان وسادات القبائل الإقطاعات،فتولد من هذا الإقطاع كبار أصحاب الأرض، وصار لهم سلطان واسع بحكم ما حصلوا عليه من مال وقوة وجاه. حتى صاروا يتدخلون في شؤون الدولة الداخلية.
وأما الإقطاع الثاني، وهو إقطاع من غير تمليك فإنه إقطاع لأمد قد يحدد بزمن، وقد لا يحدد بزمن، وذلك بشروط تثبت وتحدد في عقد الاتفاق،كأن يتفق على أن يقدم من يقطع له الإقطاع ثلث الحاصل أو الغلة أو الربع أو ما شابه ذلك، أو أن يقدم مبلغا مقطوعا أو عينا يذكر ويثبت مقداره، أو خدمةا معين للدولة أو للمعبد القطاعي صاحب الملك مثل تقديم عدد معين من المحاربين وقت الطلب ومقدار معين من مال أو عين.
(1/2770)
وقد لا يستغل الإقطاعي اقطاعياته، وإنما يقوم بإقطاعها للاقطاعيين الصغار، أو يؤجرها لمن هم دونهم في المكانة ليقوموا هم باستغلال ما استأجروه، وقد يعطيها للفلاحين للاشتغال بها بشروط يتفق عليها معهم. ويكون الإقطاعي قد استفاد من إقطاعه من غير تعب أو جهد.
وفي الكتابات الجاهلية ان سادات القبائل كانوا يملكون اقطاعيات واسعة يديرونها باسم قبائلهم، وقد تزيد اقطاعياتهم عن حاجات القبيلة، لذلك يؤجرونها لقبائل اخرى تكون في حاجة إلى الأرض في مقابل خدمات تؤديها للقبيلة المؤجرة صاحبة الأرض وفي مقابل حقوق عينية تثبت وتعين وتدفع عند حلول الآجال المعينة في العقد. وتعتبر القبيلة التي تستغل الارض نفسها تابعة للقبيلة التي تملك الأرض.
وللفقهاء اراء في الاقطاع في الإسلام، بأنواعه: اقطاع التمليك، واقطاع الإرفاق، واقطاع الموات.
وقد عاش الاقطاعيون على استغلالهم لخيرات الأرضين الواسعة التي امتلكوها، والتي درت عليهم أموالا طائلة، خلقت لهم قوة مهابة في البلاد، صيرت بعضهم حكومة في داخل حكومة. عاشوا في قلاع وقصور حصينة حمتها حصون متينة، لهم أتباعهم وحرسهم، وصارت لهم سطوة لا تقل عن سطوة كبار رجال الدين، بل زادت على سطوتهم فيما بعد الميلاد، حيث صاروا ينافسون الملوك ويتحدون إرادتهم في كثير من الأحايين، مما أقلق الوضع السيامي، وهز صرح الحكومات. وأوجد مجالا لتدخل الأحباش في شؤون اليمن.
حقوق سادات القبائل وامتيازاتها
ولسادات القبائل بحكم منازلهم ومكانتهم في قومهم امتيازات وحقوق، ولهم في مقابلها واجبات عليهم أدبيا تبعة القيام بها لرعيتهم، وهم أفراد القبيلة.
(1/2771)
وفي جملة حقوق سيد القبيلة حق "المرباع" وهو حقه في أخذ ربع الغنائم إذا وقع الغزو. وأخذ "المرباع" هو من أمارات الفخر والجاه والرئاسة عند العرب ولذلك كان يتباهى به من له هذا الحق، ويفتخر أهله بهذا الحق، لأنه من سيماء الرئاسة والشرف. وقد افتخر "الزبرقان بن بدر التميمي" أمام الرسول بأنه من حي كرام، فلا حي يعادلهم منهم الملوك وفيهم يقسم الربع، أي انهم كانوا يأخذون ر الغنيمة خالصا، وهو المرباع. وكان "عدي بن حاتم" ممن يأكل "المرباع". ويروى ان الرسول قال له: "انك لتأكل المرباع وهولا يحل لك في دينك".
وقد عرف سادات القبائل الذين يأخذون المرباع ب "ذوي الاكال"، ولهم مقام عندهم بالطبع، ولهذا منحوا امتيازات في الغنائم، فوقتهم على سائر الناس. وقد ذكرهم "ابن حبيب السكري"، فقال عنهم: "ذوو الآكال من وائل. وهم أشراف كانت ألملوك تقطعهم القطائع. فاما مضر، فكانوا لقاحالا يدينون للملوك إلا بعض تميم ممن كان باليمامة،ما صاقبها. فذوو الآكال: قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن عبدالله ذي الجدين بن عمرو بن الحارث ابن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان. وكان كسرى أطعمه الأبلة وثمانين قرية من قراها، ويزيد بن مسهر بن أصرم بن ثعلبة بن أسعد بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان، والحارث بن وعلة بن المجالد بن يثربي بن الزبان بن الحارث ابن مالك بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة ".
وذوو الاكال، سادة الأحياء الآخذين للمرباع وغيره. قال الأعشى: حولي ذوو الآكال من وائل كالليل من باد ومن حاضر
والمرباع حق قديم نجده عند أكبر القبائل، وظل إلى مجيء الإسلام،لا ينازعها عليه منازع من القبيلة، فكان الحارث بن عبدالله بن بكر بن يشكر المعروفون بالغطاريف ياخذون ربع ما يغنم الأزد جميعا، لأن الرئاسة في اللأزد كانت لهم.
ومن أكل "المرباع" "عامر الضحيان"، وكان سيد "النمر بن قاسط"في الجاهلية وصاحب مرباعهم.
(1/2772)
ومن "المرباع" جاءت "الرباعة"، بمعنى الرئاسة. يقال هو على رباعة قومه، أي سيدهم. ويقال: ما في بني فلان من يضبط رباعته غير فلان، أي أمره وشأنه الذي عليه. ويقال: لا يقيم رباعة القوم غير فلان. و"الرباعة" الحال والطريقة والإستقامة. وفي كتاب الرسول للمهاجرين والأنصار: انهم أمة واحدة على رباعتهم. أي على استقامتهم. وامرهم الذي كانوا عليه.
ولسيد القبيلة حق اخر مفروض على قبيلته، هو حق "الصفايا"، وهو ما يصطفيه الرئيس لنفسه من الغنيمة من فرس وسلاح أو جارية وغير ذلك من الأموال قبل القسمة. وكانت "صفية بنت حيي" في جملة الصفايا التي اصطفاها الرسول لنفسه يوم خيبر، ومنه قيل للضياع التي يستخلصها السلطان لخاصته "الصوافي". وقيل: الصفايا ما يصطفيه الرئيس لنفسه دون أصحابه مثل الفرس، وما لايستقيم أن يقسم على الجيش لقلته،كثرة الجيش. وقيل أيضا الصفى أن يصطفى الرئيس لنفسه بعد الربع شيئأ كالناقة والفرس والجارية.والصفى في الإسلام على تلك الحالة.
ثم له حق "النشيطة"، وهو ما أصاب من الغنيمة قبل أن يصير إلى مجتمع الحي. وقيل: النشيطة من الغنيمة، ما أصاب الرئيس في الطريق قبل أن يصير إلى بيضة القوم. وقيل: ما يغنمه العزاة في الطريق قبل بلوغهم المواضع التي قصدوها، أو ما أنشط من الغنائم ولم يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب.
وأما الفضول، وهو حق آخر من حقوق الرئيس، فهو ما عجز أن يقسم لقلته وما فضل عن القسم فيخصص به، كالبعير والفرس ونحوهما.
وقد أشير إلى حقوق سيد القبيلة المدكورة في هذا البيت من الشعر المنسوب إلى عبد الله بن عنمة الضبي، أو إلى الأفوه الأودي: لك المرباع منا والصفايا وحكمك والنشيطة والفضول
الحمى
(1/2773)
ولسيد القبيلة حق "الحمى"، وهو من أمارات عزه وشرفه وسيادته. فكان إذا مر سيد قبيلة برمضة أعجبته، أو بغدير أعجبه، أعلن حمايته عليها أو عليه إلى حد يعينه ويثبته، فلا يقترب أحد من ذلك الحد، وهو في ذلك مثل الملوك في هذا الحق. ولهذا لم يتمتع بهذا الحق إلا سادات القبائل الكبار أصحاب العز والجاه وكثرة العدد، مثل "كليب وائل" سيد ربيعة، وكانت رئاسة مضر وربيعة له في أيامه، وكان من عزه انه إذا مر بمكان أعجبه كنع كليبا له ثم رمى به هناك، فلا يسمع عواء ذلك الكليب أحد، فيقرب ذلك الموضع. فكان يقال: "أعز من كليب وائل".
وقد تفرد العزيز من سادات القبائل بالحى،وعد وه من أمارات العز والمنعة، فلا يناله إلا كبار سادات القبائل. وذكر ان "كليب وائل كان متغطرسا، حتى كانت غطرسته هذه سبب قتله. والى ظلمه وتعسفه، وأخذه الحمى، أشار "العباس بن مرداس" يقوله: كماكان يبغيها كليب بظلمه من العزحتى طاح وهو قتيلها
على وائل اذ يترك الكلب نابحا وإذ يمنع الأفناء منها حلولها
والحمى الأرض التي تحمى من الناس فلا يرعى فيها إلا بموافقة من حماها. وقد،جعله بعضهم: "موضع فيه كلأ محمى من الناس أن يرعى". وذكروا أنه "كان الشريف من العرب في الجاهلية إذا نزل بلدا في عشيرته استعوى كلبا فحمى لخاصته مدى عواء الكلب لايشركه فيه غيره، فلم يرعه معه أحد.وكان شريك القوم في سأئر المراتع حوله ".
ويظهر من غربلة ما ورد في الآخبار عن "الحمى"، أنه كان على نوعن: حمى دائم أو طويل الأجل، وهو الأرض المخصبة الجيدة المنبتة التي تتوفر فيها المياه، أو تكون المياه فيها قربية من سطح الأرض، فينتقيها كبار سادات القبائل ويجعلونها حمى دائما لهم ولأسرتهم، وقد يحولونه إلى ملك لهم، يتوارث توارث الإرث، ويكون لمن هو من الأسرة التي حمته، أو لمن خصمص الحمى باسمه. ومن هذا القبيل "حمى ضرية"، مرعى لإبل الملوك، ومراعي الملوك الأخرى.
(1/2774)
وحمى آخر، يكون قصير الأجل بالنسبة للحمى الأول. فقد يحمى لموسم وقد يحمى لمواسم فأجله سرتبط بأجل الغيث الذي ينزل عليه. فإذا جاد ووصل الأرض وأنبتها نباتا حسنا وكساها بساطا أخضر، بقي حامي الحمى به، وإد انحبس المطر عنه، وجف كل شيء به، ورفع ذلك البساط عنه، وظهرت عبوسة الرمال والتربة المتهشمة من نحته، فقد يهرب حاميه منه ليفتش عن أرض أخرى يعيش عليها، فيصير الحمى عندئذ بلا حام، إلا إذا عاد الغيث اليه، وعاد صاحبه ليجدد عهده به، وليثبت حق حمايته عليه، وإلا، فقد يصير في حماية شخص آخر قد ينزل به قبله، ويكون لديه من القوة والمنعة ما لا يستطيع أحد من زعزعته عنه.
ولا بد وان نحدد حدود الحمى وان تثبت له أنصاب وعلامات، حتى يكون الناس علي بينة من حسوده فلا يدخلونه. ونجد في الكتب التي دونها الرسول للوفود الي زارته، والتي حمى لها أحمية، حدودا ومعالم دونت أسماؤها فيها، وقد تثبتت مساحتها في بعض الكتب، مما يدل على ان مايرويه أهل الأخبارمن قصة تعيين حدود الحمى بعواء كلب أو بركضة فرس أسطورة من أساطير أهل الأخبار.
(1/2775)
ومن أشهر مواضع الحمى في جزيرة العرب: حمى ضرية. وقد عرف في ايام ملوك كندة ب "الشرف" وهو "كبد نجد"، وكانت به منازل الملوك من بني آكل المرار. ثم عرف ب "ضرية" في وقت لا نستطيع نحديده تماما، ويذكر علماء اللغة ان "ضرية" امرأة سمي الموضع بها، وهو بأرض نجد، وبه يئر. ويظهر ان اسم "ضرية" كان معروفا في ايام ملوك كندة من بني آكل المرار، ولكنه كان اسم موضع من مواضع الشرف، ثم اشتهر، فسمي به هذا الحمى: حمى ضرية. وذكر بعض أهل الأخبار ان "ضرية" أكبر الأحماء، وقد سمي ب "ضرية بنت ربيعة بن نزار.". قال "ابن السكيت": "الشرف كبد نجد و كان من منازل الملوك من بني آكل المرار من كندة. وفي الشرف حمى ضرية وضرية بئر. وفي الشرف الربذة وهي الحمى الأيمن. وفي الحديث ان عمر حمى الشرف والربذة ". ويظهر من هذا الوصف ان "الشرف" أرض واسعة بنجد. منها الربذة وهو الحمى الأيمن لمن يتجه إلى الجنوب فيوجه وجهه نحو البحر العربي ويجعل قفاه إلى العراق وبادية الشام وبلاد الشام، ومنها حمى "ضرية"الشهير.
وذكران أول من حمى "ضرية" في الإسلام "عمر" حماها، لإبل الصدقة وظهر الغزاة، وكان ستة أميال من كل ناحية من نواحي ضرية وضرية في وسطها. و"ضرية" من مياه "الضباب" في الجاهلية، وكانت لذي الجوشن الضبابي، والد شمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين. وورد أنها كانت حمى "كليب بن وائل"، وان في ناحية منه قبره، وكان الناس يقصدونه.
ومن الحمى، حمى فيد. قرب أجأ وسلمى جبلي طيء، على طريق حاج العراق إلى مكة. وذكر أن فيدا فلاة في الأرض بين أسد وطيء في الجاهلية، فلما قدم "زيد الخيل" على رسول الله أقطعه "فيد". وبها قرية "فيد"،سميت ب "فيد بن حام" أول من نزلها. وهي من القرى الجاهلية.
(1/2776)
وقد أشار "ياقوت" إلى أحماء أخرى. منها حمى الربذة وحمى النير وحمى ذو العثرى وحمى النقيع. وذكر أن ب "النير" قبر كليب وائل. وأن الخليفة "عمر" حمى "النقيع" لخيل المجاهدين ولنعم الفيء، فلا يرعاها غيرها.
ولا يعقل أن يكون "كليب وائل" أول من حمى الحمى في الجاهلية. والظاهر ان شطط "كليب" وتعسفه" في الإكثار من الحمى، وشدة منعه الناس الغرياء
من الرعي في احمائه، جعل أهل الأخبار ينسبون مبدأ الإحماء اليه. وقد تكون لفظة "كليب" التي صارت وكأنها اسم كليب مع أنها لقب في الأصل، هي التي أوحت إلى ذهب أهل الأخبار، بابتكار قصة استنباح "كليب" جهروا، ليكون مدى انقطاع سماع نباحه وعوائه نهاية الحمى، أي حدوده. ونجد بعض أهل الأخبار يجعلون حدود الحى المواضع التي تصل اليها الخيل وهي جارية، فتقف عندها من التعب. فيكون الحمى بهذه الطريقة أكبر وأوسع من الحى المحدد بنباح كاب.
وفي أرض "بني أسد" "حزن"، كانت ترعى فيه إبل الملوك. وهو قف غليظ بعيد من المياه، فليس ترعاه الشياه ولا الحمر، وليس فيه دمن ولا روث. اليه أشير في قول الأعشى: ما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليه مسيل هطل
ويتبين من دراسة ما أورده أهل الأخبار عن الحمى، أن الأحماء لم تكن أرضين صغيرة حدودها ضيقة بحدود مدى سماع عواء الكلب، بل انها كانت أكثر من ذلك بكثير. كانت مقاطعة كبيرة تظم آبارا وعيونا وقرى في بعض الأحيان. وقد حصل عليها أصحابها من الحروب والغزو في الأصل. فعندما يغزو سيد قبيلة، قبيلة أخرى، كان يختار لنفسه خيرة الأرضين فيجعلها في حماه. فنشأ الحمى في الأصل هو من الحروب والغزو، أي من الغنائم التي تقع في أيدي المنتصر، ومن الهبات التي يعطيها ملك لأشراف شعبه ولقادته في السلم أو في الحروب، فتحمى لهم ولا يدخلها أحد غيرهم، إذ صار حكمها حكم الملك.
وذكر أن الملوك إذا جاءتها الخرائط بالظفر، غرزت فيها قوادم ريش اسود.
دواوين الدولة
(1/2777)
ولا بد وأن يكون لكل حكومة مهما كان حجمها وشأنها دواوين وسوائر لتنفيذ ما تقرره من أوامر وأحكام، ولجباية ما تفرضه من حقوق على رعينها،ولاحقاق الحق بين الرعية وللدفاع عن حدودها ولضبط الأمن في أرضها، ولا يمكن تصوروجود حكومة، بدون وجود ما ذكرته.
وقد سبق لي أن ذكرت ان قصور الملوك في العربية ألجنوبية كانت موضع حكمهم ومقر عملهم، ولهذا السبب ذكرت أسماؤها في القوانين،لتكنى بذلك عن صدررها بأمر من الملك وبموافقته عليها. والمفروض ان أولئلك الملوك كانوا قد خصصوا جناحا أو أجنحة فيها لجلوسهم مع مستشاريهم وكبار موظفيهم للنظر في شؤون الحكم، أو لاستقبال الرسل والوفود الذين يقصدونهم من الخارح أو من داخل المملكة لمقابلتهم ولعرض ما جاؤوا به من رسائل أو طلبات عليهم، وان هنالك مواضع في يجلس فيها الملوك للاستماع إلى شكاوي الناس وظلاماتهم، ومواضع لجلوس الكتاب وموظفي القصر، ومواضع لخزن السجلات والوثائق. فقصور الملوك، اذن هي بهذا المعنى، دار الحكم الأولى في تلك الحكومات، والمرجع الأول للرعية في علاقتها وصلتها بصاحب المملكة.
ذلك ما كان بالنسبة إلى عواصم الملوك، أما بالنسبة الى بقية أجزاء المملكة، فإن الحكم فيها هو إلى ولاة وعمال ثم إلى من هم دونهم في المنزلة والدرجة.وبيوتهم هي دور حكمهم يجلس العامل أو الوالي أو "الكبير" في جناح من بيته، ليأتيه من يريد مقابلته من موظفين وكتبة ليقصوا عليه ماعندهم من أخبار وطلبات، وليملي عليهم ما يراه من أحكام وأوامر. وفي هذا البيت أيضا يستقبل الضيوف وأعيان البلد وأصحاب الشكاوي والمراجعات. وفيها يقيم مع عائلته. فبيوت الحكام اذن، هي دور اقامة ودور حكم وقضاء بين الناس في ان واحد.
(1/2778)
وأما ما ورد في روايات أهل الأخبار من أن ملوك الحرة كانوا قد اتخذوا قصورهم مكانا للنظر في أمور رعيتهم، ولاستقبال الرسل والوفود، وللاستماع إلى ظلامات الناس وشكاويهم، وانهم كانوا قد أوكلوا أمر ادخال الرعية عليهم إلى حجاب معينين، لا يسمحون لأحد بالدخول على الملك إلا بعد أخذ اذن منه بذلك، فإنه يدل على أن ملوك الحيرة كانوا مثل ملوك العربية الجنوبية ومثل ملوك ذلك الوقت قد اتخذوا بيوتهم دارا للحكم ودارا للاقامة. وان قصر الملك هو أيضا دار الحكم بين الناس، والمشروع للاحكام.
وإذا أخذنا بما ورد في كتب أهل الأخبار من أن "دار الندوة" كانت مرجع
اهل مكة في كل أمر من أمورهم صغر أم كبر، حتى أن "الجارية إذا حاضت أدخلت دار الندوة، ثم شق عليها بعض ولد عبد مناف بن عبد الدار ثم درعها إياه وانقلب بها إلى أهلها فيحجبها. وكان عامر بن هاشم بن عبد ماف عبد الدار يسمى محيضا، جاز لنا القول إن تلك الدار كانت دار حكومة.
اليها يرجع أهل مكة في منازعاتهم وفي خصوماتهم وفي أمور سامهم وحربهم. وأن أبناء قصي كانوا قد وزعوا أعمالها بينهم على نحو ما سطره أهل الأخبار.
(1/2779)
ولفظة "ديوان" من الألفاظ المستعملة في الجاهلية عند عرب العراق، ويذكرعلماء اللغة أنها من الألفاظ المعربة عن الفارسية. وقد كان للفرس دواوين في جملتها ديوان خاص للنظر في أمور العرب، واجبه النظر في صلات "كسرى"مع ملوك الحيرة وسادات القبائل. وليه "زيد" والد "عدي بن زيد العبادي"،فلما توفى "زيد" وليه ابنه من بعده، ثم وليه "زيد بن عدي بن زيد"، بعد مقتل والده على يد "النعمان بن المنذر". ولا أستبعد وجود الدواوين في حكومة الحيرة. فقد كان لها كتاب تولوا أمور ديوان المراسلة بين ملوك الحيرة، والفرس، وأمور المراسلة فيما بين ملوك الحيرة وبين عمالهم على الأرضين التابعة لهم وبينهم وبن سادات القيائل. أما ما ورد في أخبار أهل الأخبار من أن الخليفة "عمر بن الخطاب"، هو أول من أمر بتدوين الدواوين، فإنهم قصدوا بذلك موضوع تأسيس ديوان العطاء وموضوع تدوين الدواوين في الإسلام. مما لا مجال للبحث عنه في هذا المكان. وورد اسم "الديوان" في الحديث. ذكرا".
لم أن الرسول قال: "إن لله حراسا، فحراسه في السماء الملائكة، وحراسه في الأرض الذين يأخذون الديوان ".
صاحب السر
وذكر علماء اللغة ان الملوك كانوا يسرون أمورهم إلى من يثقون به من رجالهم أو المقربين اليهم. وقد عرف صاحب سر الملك ب "الناموس"، وذكر بعضهم ان "الناموس" هو صاحب سر الخير، وان "الجاسوس" هو صاحب سر الشر.
الموظفون
ودون الملك أناس يختلفون في المنزلة والمكانة،عهدت اليهم أمور ادارة الحكومة والشعب. وهم نوعان: موطفون مدنيون، واجبهم النظر في الأمور المدنية.
وموظفون عسكريون، واجبهم إعداد الجيش والدفاع عن حدود الدولة والقضاء ا على الفتن والاضطرابات، وتوسيع رقعة أرض الدولة عند الطلب.
(1/2780)
وإني آسف إذ أقول إن من غير الممكن في الزمن الحاضر تثبيت درجات الوظائف، وتعيين سلالمها من أدنى درجة الى أعلى درجة، لعدم وصول كتابات جاهلية الينا فيها حصر تلك الدرجات وعدها وترتيبها، لهذا سأحاول ترتيبها على حسب ما وصل الينا من شأنها من مختلف الكتابات، وعلى وفق ما ورد من اسماء بعضها في المسند أو في روايات أهل الأخبار، وعلى حسب اجتهاد الياحثين الذين توصلوا اليه باستنادهم إلى المرجعين المذكورين، وإذا سألتني عن المصدر الذي استقيت منه أسماء الوظائف والدرجات النى أذكرها هنا، فإني أقول: لقد حصلت عليها من ورودها في الكتابات التي عثر عليها المنقبون في مواضع من العربية الجنوبية وفي أعالي الحجاز وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب أخذتها من هذه الكتابات، وعينت درجتها ومكانتها بالاستناد إلى المعنى المستنبط من النصوص. وبالقياس أحيانا إلى المفردات الواردة في معاجم اللغة أو في اللغات السامية الأخرى حيث يرد ما يماثلها في تلك اللغات علما لوظائف معروفة، بقيت أسماء بعض منها معروفة أو متداولة إلى يومنا هذا.
ونستطيع أن نقول بالقياس إلى ما هو مألوف في قصور الملوك المعاصرين لملوك الجاهلية أن كبار متولي أمور قصور الملوك وكبار قادة الجيش، كانوا من أقرب الناس إلى الملوك،ومن أكثر الناس تأثيرا فيهم، وذلك بحكم اتصالهم بهم والتصاقهم بالعرش. فكانت لهم كلمة مسموعة عندهم. فهم من الصنف الممتاز من اصناف الموظفين، ولهم أثر خطير في تأريخ تلك الحكومات.
(1/2781)
وتحتلف درجات المشرفين على ما أمور القصور الملكية، فمنهم الحرس الخاص الذي يتولى حراسة القصر، ومنهم الخدم والطباخون، ومنهم من اختص بخدمة الملك وحده، كأن يقوم بتقديم الطعام اليه، ومنهم من اختص بتقديم الشراب اليه، أو يتولى أمر الحجابة له، ومنهم من كان يكتب له، أو يخدم زوجاته وذريته، إلى غير ذلك من أعمال اقتضتها طبيعة تلك القصور وعضمة الملك ومنزلته وقدعرف كل هؤلاء"عبيد الملك"عند بعض الشعوب.
والطبقة المذكورة، وإن كانت من الطبقات الدنيا بالنسبة لطبقات المجتمع، وظيفتها الطبخ وتقديم الأشربة والأطعمة وإلسهر على راحة الملك وضيوفه، إلا أن رهطا منها تمكن مع ذلك من لعب دور كبير في أمور المملكة، وفي مقدرات الناس،بفضل استخدام ذكائهم وقربهم من الملك ووجودهم بحضرته بصورة دائمة، من.التاثير على سيدهم وتوجيهه الوجهة التي يريدونها. كما تمكنوا من الحصول على مكانة كبيرة عند قومهم، باتصالهم بحكم مراكزهم بأعيان الناس. وبنوال جوائزهم وهباتهم، ليفتحوا بذلك لهم الباب للوصول إلى الملك في كل وقت.
ثم بإيصالهم أخبار المجتمع ولا سيما سادته إلى الملك وبأخبارهم هذه صار في امكانهم ابعاد شخص أو تقريبه من الملك، واهلاك شخص أو اسعاده برضاء ملكه عنه.
الكبراء
(1/2782)
وأعلى مناصب الدولة ودرجاتها الإدارية هي درجة "كبير" أي كبير. ويجب أن أكون حذرا جدا في التعبير. فكلمة "كبر" "كبير"، ليست منصبا أو وظيفة أو درجة بالمعنى المفهوم من هذه الألفاظ الاصطلاحية في الزمن الحاضر، ولكنها لفظة عامة قد تعني ممثل ملك على مقاطعة، مثل "كبرددن" أي "كبير"أرض "ديدان" في حكومة "معين" وتقع في أعالي الحجاز، وهي "العلا"، وقد تعني موظفا كبيرا من رجال الملك المقربين اليه، عينه الملك واختاره لتنفيذ أوامره وأحكامه، أو للاشراف على إدارة أملاكه وأمواله وتدبير شؤون قصره، أو لاعداد ما يلزم من اعاشة جيش وتقدم ما يحتاجه اليه. وقد تعني درجة عليا من درجات رجال الدين، أو كبيرا من تناط به شؤون إدارة أملاك المعابد وأموالها. وقد تعني سيد قبيلة، أو رجلا كبيرا عينه الملك منسوبا عنه ليشرف على تصريف أمور الحكم على قبيلته. وقد تعني "الكبير" المسؤول عن تصريف أمور المدن. فقد كان الذي يسير أمور مدينة "تمنع" مثلا مسؤولا درجته درجة "كبر" "كبير" واتضح من بعض الكتابات ان مدينة "ميفعة" "ميفعت" الحضرمية كانت تحت حكم "كبير".
وقد أشير إلى وجود "كبر" "كبير" في سبأ، كان يتولى درجة دينية.
إذ كان من كبار رجال الدين. وورد اسم "كبير" آخر كان عمله ادارة بساتين الملك ومزارعه والإشراف عليها. وورد اسم "كبر" كان عمله الإشراف على أعمال الصرف والانفاق على الجيوش. وورد اسم "كبير" آخر كان يتولى رئاسة قبيلة، فيستنتج من هذه اللأمثلة ان لفظة "كبر" لا يقصد بها درجة معينة من كبار الموظفين، بل أريد بها علية قوم وأعيانهم وكبارهم، ولهذا أطلقت على من ذكرت أعيان سبأ وعلى المنازل الكبيرة التي كان على رأسها كبير من كبراء الناس من رجال دين ومن عسكريين ومن موظفين أو مدنيين غير موظفين.
(1/2783)
والكبراء بالطبع هم من أصحاب الجاه العريض والوجاهة والمنزلة والثراء، وهم كبار الأحرار في الأرض، ولأهميتهم ومكانتهم أرخ الناس حوادثهم وما وقع لهم بأيامهم، وقد حملت الكتابات أسماء طائفة منهم: دلالة على ما كان لهم من اسم وسلطان في ذلك العهد.
ومن أشهر الكبراء، "كبر خلل"، أي كبير خليل. وخليل عشيرة قديمة. و قد ذكر كبيرها في الكتابات السبئية القديمة،كما ذكر في الكتابات المتأخرة كذلك. وقد أرخ بهؤلاء الكبراء عدد من الكتابات السبئية. ويظهر أن "كبر خلل" "كبير خليل" كان كاهنا، أي رجل دين في الأصل، يشرف علب معبد "عثتر ذ ذبن " "عثتر ذو ذبن". ويقدم الذبائح إلى هذا المعبد، ويدعو الالهة لإنزال الغيث، ودعوته الهته لإنزال المطر، هي بمثابة صلاة الاستسقاء.
وقد كان يحكم حضرموت في النصف الأول من القرن السادس للميلاد "كبير"، "كبر حضرموت" وقد ذكر في نص "أبرهة" في جملة من وفد على أبرهة بعد اتمام سد " مأرب".
الاقيان
جمع "قين"، وتتألف طبقتهم من الأمراء ومن ممثلي الملك في المدن، ومن
الموظفين ومن رجال الدين من درجة "رشو". وقد ذهب "ويبر" Weber إلى أن "القين" وال "رشو" هما شىء واحد. أما "هارتمن" Hartmann فيرى أن القين غير الرشو فهو وظيفة دنيوية ومركز حكومي. أما "الرشو" فإنه منزلة دينية، فهو "كاهن" إله ما وتعني رئاسة دينية. وقد يستعمل "قين" لأداء المعنين. أما "رشو"، فإنه لا يستعمل إلا في الأمور الدينية وفي التعبير عن منزلة كهنوتية. وذهب بعض الباحثين إلى ان "القين" "رشو" أيضا، أي رجل دين،ولكنه تخصص بالأمور الادارية والمالية للمعابد. وقد يتولى قيادة الناس في الحروب أيضا.
وقد ورد في نص عثر عليه في "حرم بلقيس" اسم كاهن عرف ب "تبعكرب" "تبع كرب"، كان رجل دين أي "رشو" و "قينا" في الوقت نفسه على "سحر". ويدل ذلك على ان رجل الدين هذا كان يجمع بين سلطتين: سلطة دينية هي درجة "رشو"، وسلطة زمنية هي عرجة "قين".
(1/2784)
وفهم من بعض نصوص المسند ان " القين" كان يساعد الملك في ادارة بعض الاعمال، كما كان ينوب عنه في اداره المدينة أو المعبد. وفهم من نصوص أخرى انه كان يدير أملاك المعابد،وانه كان يتولى قيادة الجيش أو تهيئة ما يحتاج اليه. واستدل من تعداد هذه الأعمال المدونة في النصوص، ان عمل "القين" لم يكن عملا معينا محدودا بحدود وقيود، وانما كان يشمل كل عمل وشغل كان الملك يعهد به إلى أحد الأقيان. أي ان القين لم يكن موظفا يشغل وظيفة معينة محدده، بل كان من كبار رجال الدولة ومن السادات، له مواهب وكفاءات وله قرب وحظوة عند الملك، فإذا احتاج الملك الى انجاز عمل ما، كلف أحد أقيانه القيام به.
والقين دون الكبر في الدرجة، فقد جاء في بعض الكتابات ان الأقيان كانوا يخضعون للكبراء، كما يتبين ذلك من كتابات عثر عليها في "شبام اقيان" "شبم اقين"، ومن كتابات أخرى عثر عليها في "عمران" من "مرثد" من قبيلة"بكيل".
وقد كان الأقيان طبقة خاصة من طبقات أهل الحظوة والنفوذ "الارستقراطية" في الدولة وفي المجتمع، لها رأي مسموع بين الناس وكلمة نافذة عند الملك. وهم من جماعة أصحاب الأملاك والاقطاع، قد يعطون أرضهم لغيرهم لاستغلالها مقابل أجر "اثوبت"، أي كراء. وقد يستغلون أرضهم بأنفسهم، بتشغيل فلاحيهم وخدمهم ورقيقهم بها، فيكون حاصلها لهم، لا ينازعهم فيه منازع.
الأقيال
والأقيال هم طبقة من كبار الإقطاعيين من أصحاب الأرضين الواسعة، ومن رؤساء القبائل كذلك والسادات الكبار. وكانوا يتمتعون بسلطان واسع، ويقال للواحد منهم: "قول" في المسند، و "قيل" في عربيتنا. والجمع "اقول"، أي أقيال.
وقد جاء فيء كتابات المسند ذكر أقيال عديدين، مثل أقيال "سمعي، وأقيال "بكيل" من "ال مرثد". وقد كان على مدينة "صرواح" حاكم درجته درجة قيل. وورد ذكر "اقيال حمير" في "حصن غراب"، وذكر الأقيال في نص "أبرهة"، كما ورد في نصوص عديدة أخرى.
(1/2785)
و "القول" في الأصل المتحدث باسم قوم أو جماعة من فروع قبيلة. كأن يكون رئيس حي أو عشيرة أو ما شاكل ذلك من القبيلة،ثم توسع نفوذه وازداد شأنه حتى صار في منزلة "كبر" كبير، بل حل محله. وعند ظهور الإسلام، كان للاقيال النفوذ الأوسع في العربية الجنوبية، حتى حكموا المخاليف، كالذي يظهر لنا بجلاء من وصف أهل الأخبار لنظام الحكم في اليمن عند ظهور الإسلام.
وقد لقب أكثرهم نفسه بلقب "ملك"، مع أنه دون الملك في الحكم وفي امتلاك الأرض بكثير. بل كان حكم بعضهم أقل من حكم سيد قبيلة.
وذكر علماء اللغة أن "المقول": المقيل بلغة أهل اليمن، وهو دون الملك الأعلى، والجمع "أقوال" و "اقيال". وذكر منهم: أن القيل هو الملك النافذ القول والأمر، وقيل: الأقيال، ملوك اليمن دون الملك الأعظم، واحدهم قيل، يكون ملكا على قومه ومخلافه ومحجره. وقد سمى قيلا لأنه إذا قال قولا نفذ قوله. وعرف أنه الملك من ملوك حمير يقول ما شاء. وقد كتب الرسول إلى "وائل بن حجر" ولقومه: " من محمد رسول الله الى الأقوال العباهلة، وفي رواية الى الأقيال العباهلة ".
وذكر علماء اللغة أن العباهلة، هم الذين أقروا على ملكهم لا يزالون عنه، وعباهلة اليمن ملوكهم الذين أقروا على ملكهم.
ووردت في النصوص السبئية لفظة "قبت"، يظن أفها بمعنى "نائب الملك" "نائب ملك".
وجاء في بعض النصوص المعينية ذكر منصب، عنوانه "حفيه نفس" "ح ف ي ه ن ف س" "حفي نفس" "حافي نفس"،يظهر ان صاحبه كان مكلفا أن يعمل أعمالا خاصة، مثل النظر،في شؤون الماء، أي في توزيعه، وفي الخصومات التي قد تقوض أجله، ومثل القيام بالاشراف على الأبنية والأعمال العامة وافتتاحها باسم الملك.
ويظهر من بعض النصوص المعينية أيضا انه كان يعاون هذا الموظف القضائي موظفان، وضعا تحت إمرته، يقال لمنصبهما "ربقهى معن"، ربما كانا بمثابة كاتبين عنده.
(1/2786)
ويظهر ان حكومة "معين" كانت قد كلفت جماعة أخرى النظر في شؤون الري عرفت ب "اهل طبنتم" وب "اطبنو". وإذا علمنا مما للمياه من شأن في بلاد العرب، عرفنا السبب الذي جعل ملوك "معين" يعتنون عناية خاضة بشؤون الرى حتى جعلوا لها موطفين خاصين واجبهم رعاية هذه الشؤون.
ويرد في الكتايات ذكر منصب، يقال له: "مقتوي"، والجمعع "مقتت".
ويعبر عنه ب "مقتوى ملكن"، أي "مقتوي إلملك". ويظن بعض الباحثين ان المقتوي أو "مقتوي الملك"، هو ضابط كبير، أو هو تعبير عن قائد أو مشاور عسكري، اختصاصه تقديم الرأي ألى الملك في الأمور الحربية وقيادته للجيش، فهو معتمد الملك في هذه الأمور. وقد تؤدي اللفظة معنى"أمير" في العرف الإسلامي في صدر الإسلام. وهو من تشد اليه قيادة الجيش وإدارة الادارة التي توكل اليه وتحدد له حدود "جنده".
وقد أظهرت نصوص المسند وجود "مقتوت" أيضا، أي نساء مقتويات.
وقد فسرها الباحثون ب "كاهنة".
وعرف من يقوم بإدارة وحدة من الوحدات الإدارية ب "سمخض" ومعناها "مدير"، فيكون المعنى: مدير أرض، ويكون واجبه الإشراف على الأرض التي وكل أمر إدارتها اليه، فواجبه إذن هو واجب سياسي وإداري، وأما وظيفته، فيقال لها "سمخضت ارض"، أو "سخضت" "سمخضة"، ومعناها إدارة أرض، أو "إدارة".
ويعنى مصطلح "امنهت" "امنهات" "اهل امنهتن" المعيني، منصبا دينيا مختصا بالإشراف على معامل المعابد،تتولاه امرأة، ويقابل "امنت ذ عثتر" "امنت ذي عثتر" في القتبانية. وقد ورد معه مصطلح "منوت" "منوات" في بعض الكنابات.
ومن الوظائف وظيفة "ملوطن ملك" "ملوطن"، وقد تعني وظيفة إدارية تنظر في شؤون أملاك الملك. وقد ورد ذكرها في النصوص السبئية المتأخرة.
وأما مصطلح "اذن قنى" الذي ورد في أحد النصوص: "اذن قنى ملك حضرمت"، "اذن قنى ملك حضرمرت"فقد يعني المأذون بإدارة مقتنيات الملك وامواله.
(1/2787)
واما "حشرو"، فقد تعني جماعة واجبهم جمع الحشر للدولة. وقد يكون لهذه اللفظة علاقة مع ما ورد في الموارد الإسلامية عن "الحشر" و "الحشور". فقد جاء في الحديث: "إن وفد ثقيف اشترطوا أن لا يعشروا ولا يحشروا"، " أي لا يندبون إلى المغازي ولا تضرب عليهم البعوث، وقيل: لآ يحشرون إلى عامل إلزكاة ليأخذ صدقة أموالهم، بل يأخذها في أماكنهم، ومنه حديث صلح أهل نجران:على أن لا يحشروا، وحديث النساء: لا يعشرون ولايحشرون يعني للغزاة، فإن الغزو لا يجب عليهن ". فالحشر إذن قد يكون موظفا خصحص بحباية الضرائب، أو بجمع الحشور أي الناس الذين يحشرون ويجمعون للحروب أو للقيام بأعمال اجبارية، فهم مثل "السخرة" الذين يجمعون جمعا لأداء أعمال من غير اجر وهو "الحاشر" في لغتنا.
واما الذي يتولى جباية الضرائب والاشراف على الموظفين الذين توكل الجباية اليهم، فيقال له: "نحل"ويقال لوظيفته "نحلت".ويذكر كل علماء اللغة ان "النحلة" بمعنى العطية،وان النحل اعطاؤك الإنسان شيئا بلا استعاضة، وعم به بعضهم جميع أنواع العطاء.ويظهرمن هذا التفسير ان له بعض الصلة بمعنى اللفظة في المسند، وان المراد منها في اللغات العربية الجنوبية أخذ المال من الناس. فقد كان الملوك يعطون الأرض لأتباعهم والمقربين لديمهم ممن يخدمونهم لاستغلالها، وذلك في مقابل دفع تعويض عام، فيقوم هؤلاء باستغلال ما أعطي لهم بأنفسهم، أو بتأجر الأرض قطعا إلى من هم في خدمتهم، فيأخذون الربح لهم،ويقدمون ما اتفق عليه مع الملك إلى خزانته.
ويصرف الموظفون الذين يجمعون حصة الحكومة المخصصه باسم الجيش، من الحبوب ب "ساولت" "س ا و ل ت". وهي ضريبة عسكرية يؤديها المزارعون من الحضر والأعراب إلى الحكومة، لتموين الجيش ببعض مايحتاح اليه من طعام. وتعرف هذه الضريبة العسكرية بتلك التسمية كذلك. فهي ضرببة من ضرائب غلات الأرض.
(1/2788)
ويظهر من بعض الكتابات ان بعض الاقطاعات كانت في ادارة مجلس يتألف من ثمانية أشخاص عرفوا ب "ثمنيتن" أي "الثمانية"، فهم بمثابة مجلس مديري شركة يدير أمور تلك المقاطعة، أو بمثابة مشروع زراعي تعاوني، يتعاون فيه الأشخاص بإدارة ذلك المشروع، وقد تكون هنالك اقطاعات بإدارة أناس يزيد عددهم على هذا العدد أو ينقص عنه.
وقد ذهب "رودوكناكس" Rhodokanakis إلى احتمال وجود طبقة خاصة من الموظفين عرفت ب "ابعل سير"، كانت تحكم إلى جانب الطبقة المثمنة المؤلفة من الأشخاص الثمانية.
وظهر من النصوص القتبانية وجود جماعة من الموظفين نيطت بهم مهمة الإشراف على إدارة المعابد وتمشية شؤون الأوقاف المحبوسة على المعبد. يقال لها "اربى"، والواحد هو "ربي". ومهمته أيضا جمع الأعشار والنذور التي تقسم إلى المعابد. فهم كهيئات "الأوقاف" في البلاد العربية والإسلامية في الوقت الحاضر.
وذكر علماء اللغة "المحاجر"، وقالوا عنهم: إنهم أقيال اليمن، وهم الاحماء،كان لكل واحد منهم حمى لا يرعاه غيره. وأن المحجر ما حول القرية. ويظهر أنهم قصدوا بهم أصحاب الإحماء، أي الإقطاع، الذين استقطعوا الأرضين واستخلصوها لأنفسهم، ولم يسمحوا لأحد بالدخول اليها للرعي أو للاستفادة منها بغير اذن منهم.فهم أصحاب الإقطاع والإحماء. فحجروا بذلك على خيرة الأرضين المحيطة بالقرى، وجعلوها خاصة بهم لا يرعاها غيرهم، لما كان لهم من نفود وسلطان.
هذا ما عرفناه من أصول الحكم عند العرب الجنوبيين. أما بالنسبة إلى العرب الشماليين، فإن معارفنا بنظام الحكم عندهم نزر يسير، لعدم ورود شيء ما عن نظام الحكم في "الحيرة" أو في مملكة الغساسنة في كتابة جاهلية. أما أخبار أهل الأخبار، فإنها قليلة في هذا الموضوع،وهي لا تنص على نظم الحكم عندها نصا، وإنما تشير اليها إشارة، وتومىء إيماء، ولذلك لا تقدم إلينا رأيا واضحا صحيحا في أصمول الحكم عند العرب الشماليين.
(1/2789)
ويظهر من أخبار الأخباريين عن ملوك الحيرة ان أولئك الملوك لم يكونوا مثل لا ملوك اليمن من حيث استشارة المجالس وتوزيع أعمال الحكومة. وطبيعي أن يكون هنالك فرق بين أصول الحكم في العربية الجنوبية، وأصول الحكم في الحيرة، لما بين طبيعتي الحكومتين من اختلاف في نواح عديدة، تجعل وجود الإختلاف في نظم الحكم أمرا لا بد منه. فإدارة الحكم في "الحيرة" متأثرة بالنظم السياسية الساسانية، وظروف البادية والبداوة وهي الغالية على سواد التابعين لملوك الحيرة، ولا يمكن تطبيق ما يطبق في المجتمع الحضري على المجتمع البدوي.
لم وإذا أخذنا "الردافه" على أنها منصب أو منزلة ودرجة خاصة في حكومة "الحيرة"، فإننا نستطبع أن نقول إنها أسمى وظائف تلك الحكومة أو أعلى درجاتها، وأنها من المنازل العليا عند ملوكهم.فقد ذكر أهل الأخبار أن الردف هو الذي يجلس على يمين الملك. فإذا شرب الملك، شرب الردف قبل الناس، وإذا غزا الملك،، قعد الردف في موضعه، وكان خليفته على الناس حتى ينصرف، وإذا عادت كتيبة الملك، أخذ الردف ربع الغنيمة. وكان للردف أن يخلف الملك إذا قام عن مجلس الحكم، فينظر بين الناس بعده. وذكر: ان هناك ردافة أخرى، ولكنها دون الردافة المتقدمة، وهي أن يردف الملك الردف على دابته في صيد أو غيره من مواضع الأنس، ولكن الأولى أنبل.
وقد عرف "عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب" ب "رديف الملوك"، ومعنى هذا انه عاش وخالط عددا من ملوك ايامه،وذكر انه كان رحالا اليهم.
ولذلك عرف ب "عروة الرحال". وذكر ان "ردافة الملوك: كانت من العرب في بني عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع، فورثها بنوهم كابرا عن كابر حتى قام الإسلام، وهي أن يثنى بصاحبها في الشراب، وإن غاب الملك خلفه في المجلس، ويقال: إن أرداف الملوك في الجاهلية بمنزلة الوزراء في الإسلام، والردافة كالوزارة. قال لبيد من قصيدة:
وشهدت أنجية الأفاقة عاليا كعبى وأرداف الملوك شهود
(1/2790)
وكان "سدوس بن شيبان" رديفما، "فكانت له ردافة آكل المرار". وقد كانت الردافة معروفة عند "ملوك كندة" أيضا. وقد رووا أن "أبا حنش عصم بن النعمان التغلبي"، كان رديفا للملك "شرحبيل بن الحارث بن عمرو الملك المقصور بن آكل المرار الكندي". وقد احتفظ بنو سدوس" بهذا الحق: حق ردافة ملوك كندة.
ولا يوجد نظام خاص في "الردافة"، ولكن نظرا لما للردافة من مكانة ومنزلة، جرت العادة ألا تعطى إلا للرجال الذين لهم مكانة عند الناس ولهم عقل وشخصية، وقد تنتقل من ألأب إلى الابن، وقد تنحصر في قبيلة واحدة، فإذا أراد الملك نقلها إلى قبيلة أخرى، ولم يأخذ رأي تلك القبيلة في نقلها منها،زعلت القبيلة وثارت إن كانت قوية ووقع الشر بينها وبين الملك، أو بينها وبين القبيلة الأخرى التي نازلتها على الردافة.
(1/2791)
وللرديف، بحكم اتصاله بالملك وبقربه منه وبتقديمه الرأي له، أثر في توجه الملك وفي اتخاذه القرارات، لا سيما إذا كان الملك ضعيفا فاتر الهمة، ليس له رأي. والرديف بهذا المعنى المستشار والوزير. وقد ذكر أن الردافة بهذا المعنى عرفت في الإسلام أيضا. روي أن "عثمان" كان يدعى "رديفا" في إمارة عمر. وذكرعلماء اللغة أن "الأرداف: الملوك في الجاهلية، والاسم منه الردافة"، وكانت الردافة في الجاهلية لبني يربوع.. خصصها ملوك الحيرة بهم ولم يعطوها لأحد غيرهم، حتى ان كانوا مثل بني يربوع من تميم. ولا بد وأن يكون لهذا التخصيص سبب إذ لا يعقل أن يكون جاء "بني يربوع" عفوا. فهو فضل وتفضيل، وقضية التفضيل والتقديم، قضيه حساسة جدا ويحسب لها ألف حساب عند العرب. لما لها من مس بالمنازل وبكرامة القبائل والسادات، وقد ذهبت أرواح بسبب تقديم ملك سيد قبيلة على سيد آخر في موضع جلوسه منه أن جعله أقرب اليه منه وفي جهته اليمنى لأن في هذا التقديم على عرفهم إيثار لمن قدم وتفضيل له على بقية الحضور. فهل يعقل إذن أن يكون ملوك الحيرة قد أعطوا "الردافة" لبني يربوع عفوا ومن غير أسباب حملتهم على تخصيصها فيهم. لقد حاول بعض ملوكهم تحويلها من أصحابها إلى قوم اخرين، ومنهم قوم مثل " بني يربوع" من تميم. لكنهم هاجوا وماجوا وهددوا. فاضطر أولئلك علىابقاء الحال على ما كان عليه.
(1/2792)
ويمكن اعتبار "الحجابة" وصاحبها "الحاجب" من الدرجات المهمة في "الحيرة" فقد كان "الحاجب" هو الذي يتولى إدخال الناس والاذن لهم بالدخول على الملوك. وكان في إمكانه التعجيل بإدخال من يريد على الملك، وتأخير من ينفر منه من الدخول عليه وربما منعوه من الوصول اليه. لذلك كان الذين يقصدون الملوك يتقربون إليه ويتوددون له ليكون شفيعا لهم عندهم وواسطة في التقرب اليهم. وطالما تعرض الحاجب لذم شاعر وهجائه، إذا أخره عن الدخول على الملوك أو حال بينه وبين الوصول اليه، أو كان سببا في اثارة غضب الملك على الشاعر.
وقد ذكر علماء اللغة انه لما كان الملك محجوبا عن الناس، فلا يصلون اليه إلا بإذن من الحاجب، لذلك حصر، أي حبس عن رعيته، فقيل له الحصير.
وقد كان للنعمان بن المنذر "ملك العرب" حاجب ورد اسمه في شعر للنابغة، هو "عصام بن شهر" من رجال "جرم"، ذكر انه قد كانت له منزلة عند النعمان. حتى انه إذا أراد أن يبعث بألف فارس بعث بعصام، مما يدل على انه كان يوكل اليه أمر قيادة جيشه أيضا. وقد ضرب به المثل، ورد: "ما ورائك يا عصام"، يعنون به إياه. وورد: "كن عصاميا ولا تكن عظاميا يريدون به قوله: نفس عصام سودت عصاما وصيرته ملكا هماما
وعلمته الكر والإقداما
وقوله ولا تكن عظاميا، أي ممن يفتخر بالعظام النخرة".
وقد ورد في أخبار الرسل الذين أوفدهم رسول الله إلى الملوك، ان "شجاع ابن وهب" رسول رسول الله إلى "الحارث بن أبي شمر الغساني" ليدعوه إلى الإسلام، اتصل بحاجبه، وانتظر حتى جاء له الاذن بمقابلته فدخل عليه. وبقيت "الحجابة" من المنازل الرفيعة في مكة وفي الأماكن المقدسة الأخرى.
(1/2793)
فبيد "الحاجب" تكون مفاتيح الكعبة ومفاتيج الخزانة الخاصة بالمعبد وهي درجة ترزق صاحبها رزقا حسنا وربحا ماديا، فضلا عن الربح المعنوي ياعتبار انه صاحب الصنم أو الأصنام وبيده أمر المعبد. لذلك قالت بنو قصي: فينا الحجابة. تفتخر على غيرها. ويظهر من الحديث: "ثلاث من كن فيه من الولاة اضطلع بأمانته وأمره: إذا عدل في حكمه، ولم يحتجب دون غيره، وأقام كتاب الله في القريب والبعيد "، ومن اشتراط "عمر" على كل من كان يعينه عاملا، ألا يتخذ حاجبا، ومن تحذيره لمعاوية وغيره من اتخاذ الحجاب. ان الحجاب، أي احتجاب الحكام في الجاهلية عن الناس وعدم دخول أحد عليهم بغير اذن منه، كان معروفا فاشيا، وان أصحاب الحاجات والمراجعين من الناس كانوأ يلاقون صعوبات جمة في الوصول إلى حكامهم، وقد يقفون اياما ثم يسمح لهم بالدخول عليهم، وقد لا يسمح لهم بذلك. ونظرا لما في ذلك من تعسف بحق الرعية نهى الإسلام عنه، وأمر الحكام بوجوب فتح أبواب بيوتهم للناس ليستمعوا إلى ظلاماتهم وإلى ما هم عليه، من حال.
وفي كتب أهل الأخبار تأييد لهذا الرأي، إذ فيها تذكر إن الشعراء وغيرهم كانوا يقفون أياما بأبواب ملوك الحيرة أو الغساسنة يلتمسون الأذن بالدخول على الملوك، ولا يأذن الحاجب لهم بالدخول عليهم، حتى أضطر البعض منهم على التعهد للحاجب بإعطائه نصيبا ما سيعطيه الملك له إن يسر له أمر الدخول عليه. ومنهم من كان يقدم للحاجب هدية ترضيه حتى يسمح له بالدخول دون إبطاء، مما اضطر بعضا، الشعراء على نظم الأشعار في هجاء الحاجب والملك الذي يراد، الوصول إليه. وتجد مثل هذه الشكاوي عن حجاب ملوك اليمن.
(1/2794)
ويظهر إن ملوك الحيرة كانوا يستوزرون الوزراء ليستشيروهم في الأمور، فقد ورد إن "زرارة بن عدس" كان من عمرو بن هند كالوزير له. وقد وردت كلمة "وزير" في القران الكريم بمعنى المؤازر الذي يشد أزر صاحبه فيحمل عنه ما حمله من الأثقال، والذي يلتجئ الأمير إلى رأيه وتدبيره، فهو ملجأ له ومفزع. وجاء في حديث "السقيفة": "نحن الأمراء وأنتم الوزراء"، مما يدل على إن الوزارة كانت معروفة عند الجاهليين.
وورد أن "التأمور" وزير الملك لنفوذ أمره. ولم يذكر علماء اللغة الموضع الذي استعملت فيه هذه اللفظة.
وقد كان لملوك الحيرة عمالا يديرون بالنيابة عنهم أمور الأرضين التابعة لهم. ف "العامل" هو نائب الملك على تلك الأرض. وقد ذكر أنه كان لملوك الحيرة "عمال" على البحرين كالذي رووه في قص مقتل الشاعر "عبيد بن الأبرص". وقد عرف علماء اللغة العامل بأنه هو الذي يتولى أمور الرجل في ماله وملكه وعمله ومنه قيل للذي يستخرج الزكاة "عامل"، وللساعي الذي يستخرج الصدقات من أربابها "العامل" والعامل هو الخليفة عن الشخص.
وقد استعمل المسلمون لفظة "العامل" وبقوا يستعملونها أمدا. وعين الرسول عمالا على الصدقات. واستعملت بمعنى أوسع أيضا، شمل الضرائب والإدارة.
وأطلق "الطبري" لفظة "العامل" على ملوك الحيرة، فنجد في كتابه جملة: "من عمال.."، وورد أن "امرأ القيس" كان عاملا للفرس، وكان يحكم الحجاز.
ويذكر علماء اللغة أن "العمالة": رزق العامل الذي جعل له على ما قلد من العمل.
والولاية بمنزلة الإمارة، والولي هو الذي يتولى إدارة شؤون الولاية. وقد استعملت في الإدارة الإسلامية. واستعملت لفظة "الأمير" في معنى من يتولى إمارة الجيش، فقيل "امراء الجيش" وهم كبار القادة الذين توكل اليهم مهمة تسيير الجيش وإدارته في السلم وفي الحرب.
(1/2795)
وتؤدي لفظه "الوكيل" معنى العامل أيضا. جاء في نص "العمارة" "ووكلهن فرسولروم"، أي " ووكل لفارس وللروم". ولكنني لا أستطيع أن أجزم بأن لفظة "الوكيل" كانت مستعملة اصطلاحا مقررا مثل لفظة "عامل" في ذلك العهد، أي سنة "328" للميلاد، وهي سنة تدوين النص.
ومن الدرجات المهمة من الوجهة العسكرية والإدارية "الخفارة"، بمعنى الحراسة والمراقبة. والخفر هو المجير والحارس والحامي والأمان. وكان ملوك الحيرة قد عينوا "الخفراء" على المواضع الحساسة لحمايتها والدفاع عنها. وقد كان الساسانيون قد عينوا خفراء منهم ومن العرب لحماية الحدود، ولما حاصر "خالد بن الوليد" "عين التمر" وتغلب عليها قتل "هلال بن عقبة"، وكان خفيرا بها.
وقد أشير اليها في كتب الرسول، إذ ذكر أنه أخفر "سعير بى ن العداء الفريعي" أحد المواضع.
ويظهر من أخبار أهل الأخبار أن ملوك الحيرة لما كانوا قد اتخذوا لهم أمناء، فقد لقب "هانىء بن قبيصة" ب "أمين النعمان بن المنذر". و "الأمين" المؤتمن الحافظ، فلعلهم قصدوا أنه كان المؤتمن. على أسراره والمستشار، يستشيره في مسائله والحافط لها،أو أنه كان الأمين على أمواله وما يأتيه من جباية وخراج، أو الكاتم لأسراره والمدون لرسائله،فهو كاتب الدولة في ذلك إلعهد.
وعرف "قبيصة بن مسعود" ب "وافد المنذر". ويظهر أن المنذر كان يكلفه بالوفادات، أي بالذهاب موفدا عنه. في مهمات وأعمال يحتاج قضاؤها إلى ذهاب موفد ليتكلم عن الملك وبأسمله. و "الوافد"هو السابق والارسال،ويقال: هم على أوفاد أي على سفر. وقد يقال إن "قبيصة" إنما عرف ب "وافد المنذر"، لأنه كان ممن يكثر الوفادة عليه، فيجد له ترحيبا وأبوابا مفتوحة، فعرف بذلك. فيكون بهذا المعنى من الرجال المقربين إلى الملك. ولا علاقة له بمهمة الايفاد إلى الملوك وسادات القبائل بمهمات سياسية،أي بمهمة رسول وسفير.
(1/2796)
وقد استعمل عرب العراق الألفاظ الفارسية المستعملة في ادارة الحكومة الساسانية لأنها هي المصطلحات الرسمية والألقاب الني يحملها الموظفون وتشير إلى منازلهم ودرجاتهم، ومنها درجة "قهرمان" "القهرمان". والكلمة فارسية، وقد دخلت العربية وعربت. ذكر علماء اللغة انها تعني المسيطر الحفيظ على من تحت يديه والقائم بأمور الرجل ومن أمناء الملك وخاصته. وفي الحديث: كتب إلى قهرمانه. وقد ورد ان "علي بن أبي طالب" قال لدهقان من أهل "عين التمر"، وكان قد أسلم: "ا أما جزية رأسك فسنرفعها، وأما أرضك فللمسلمين. فإن شئت فرضنا لك، وإن شئت جعلناك قهرمانا لنا".
و "دهقان" من الألفاط الني عرفها عرب العراق كذلك. وذكر بعض علماء اللغة ان الدهقان التاجر. ويراد بدهقان حاكم ضيعة أو بلدة. وهي من "ده" بمعنى "ضيعة" و "قان" "خإن" بمعنى رئيس قبيلة في الفارسية القديمة.
فالدهقان هو رئيس موضع، وقد كان الساسانيون قد نصبوا الدهاقين على العراق وعلى قرى غالب أهلها من العرب، فكانوا يخاطبونهم باسم منصبهم: دهقان.
(1/2797)
وأشير إلى وجود وظيفة "كاتب" عند الفرس، واجبه تولي أمور المراسلة بالعربية والفارسية فيما بين العرب والفرس. وقد ذكر "الطبري" ان "كسرى" جعل ابن "عدي بن زيد العبادي" في مكان أبيه،"فكان هو الذي يلي ما كتب به الى أرض العرب، وخاصة الملك، وكانت له من العرب وظيفة موظفة في كل سنة: مهران أشقران والكمأة الرطبة في حينها واليابسة، والأقسط والأدم وسائر تجارات العرب، فكان زيد بن عدي بن زيد يلي ذلك، وكان هذا عمل عدي" . وقد أشير الى وجود كتاب عند ملوك الحيرة تولوا لهم أمر تدوين المراسلات وما يأمر به إلملوك. ولا يعقل ألا يكون لهم ديوان خاص بالمراسلة على نمط ما كان عند الساسانيين، وظيفته تولي ما يكتب به ملوك الحيرة إلى الملوك الساسانيين، وترجمة ما يرد من الساسانيين اليهم من كتب. وتولي أمور المراسلة بين ملوك الحيرة وبين سادات القبائل. فقد كانت الرسائل تترى بين أولئك الملوك وسادات القبائل، كما يظهر ذلك من كتب أهل الأخبار.
وكان للملوك خاتم عرف ب " خاتم الملك" يكون في ايديهم. يظهر انهم استخدموه للتوقيع على الكتب وقد عرف ب "الحلق" وكذلك عرف "الحلق" ب "خاتم الملك الذي يكون في يده". وكان من شأنهم، أنهم إذا أمروا يكتابة كتاب، ختموا عليه ب"الختام"، وهو الطين أو الشمع، حى لا يفتح ولا يمكن لأحد فتحه، وإلا كسر الخاتم، وعرف أن الكتاب قد فتح، وأن سره عرف.
وألمعروف أن "الشرطة"، لم،تكن معروفة عند الجاهليين،وأنها من المستحدثات الإدارية التي ظهرت في الإسلام. ولكن أهل الأخبار يروون حديثا نسبوه الى الرسول هو: "الشرط كلاب النار". وهو حديث لو صح أنه من قول الرسول، فإفه يدل على وقوف أهل الحجاز على "الشرطة"، ويذكر علماء اللغة أن الشرطة سموا بذلك لأنهم أعلموا أنفسهم بعلامات يعرفون بها. وذ كروا أن واحد الشرط هو الشرطي، واستدلوا على ذلك بقول الدهناء امرأة العجاج: والله لولا خشية الأمير وخشية الشرطي والترتور
(1/2798)
أعوذ بالله وبالأمير من عامل الشرطة و الأترور
وقد ذهب "ابن قتيبة" إلى وجود "الشرطة" في أيام الجاهلية، إذ قال في أثناء حديثه عن المثل "على يدي عدل": "هو: عدل بن فلان من سعد العشيرة، وكان على شرطة تبع، فإذا غضب على رجل دفعه اليه. فقال الناس لكل شيء يخاف هلاكه. هو على يدي عدل".واختلف في اسم والده، فقيل هو جزء "جر". وقيل لكل ما يئس منه: وضع على يدي عدل.
وقد عرف الحراس في اليمن. منهم من كان يتولى أمر حراسة الملوك، إذا ذهبوا إلى مكان، أو خرجوا لصيد،ومنهم من كان يتولى أمر حراسة قصورهم، ومنهم من تولى أمر حراسة أبواب المدن والاسوار حتى لا يدخل المدينة عدو"،ولا يهرب منها سارق أو مجرم، وكان لملوك الحيرة والغساسنة وسادات القبائل حراس، يسرون معهم لمنع من يريد إلحاق الأذى بهم. وإذا تجولوا استببعهم الحراس والخدم. وذكر ان "خشرم بن الحباب" كان من حراس الرسول.
ويقال لمن يطوف بالليل لحراسة الناس "العس" و "المعسس". فهم نوع من أنواع الحرس، تخصص بالحراسة ليلا.
وأما "الدرابنة"، فهم البوابون، أي الذين يقفون على الباب، لمنع الغرباء ومن فيه ريبة من الدخول إلى البيوت. واللفظة من الألفاط المعربة عن الفارسية،وقد ذكرت في شعر نسب الى المثقب العبدي: فأبقى باطلي والجد منها كدكان الدراابنة المطين
ويقال لمن يطوف بالليل لحراسة الناس "العس" و "العسس"، فهم نوع من انواع الشرطة، أو من المحافظين على الأمن، تخصصوا بالحرإسة ليلا.
وذكر علماء اللغة ان من مرادفات "الشرطي" "الجلواز". و "الجلواز": الثؤرور "التؤرور"، وقيل هو الشرطي. وجلوزته: خفته بين يدي العامل في ، ذهابه:إيابه. وذكروا ان "التؤرور: العون يكون مع السلطان بلا رزق، وقيل: هو الجلواز".وذكر "عكرمة" في تفسير )له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله" "الجلاوزة يحفظون الأمراء".
(1/2799)
وقد اتخذ حكام العربية الجنوبية السجون لتأديب خصومهم بسجنهم بها. واستعملت لسجن الخصوم السياسيين واللأعداء في الغالب. لذلك كانوا يتشددون في حراستها وفي عزلها عن الناس حتى لا يتمكن احد من الهروب منها. وقد يجعلونها في قلاعهم وحصونهم، زيادة في الحذر وفي نراقبة المساجين، وقد يتوفى السجين في سجنه من سوء حالة السجن ومن الجوع والعطش. ويقال لحارس السجن "حصق" في اللغة العربية الجنوبية.
وذكر بعض علماء اللغة ان النبط تسمي "المحبوس"، "المهزرق"، و "الحبس" "الهزروقي". ولا يستبعد أن يكون عرب العراق قد عرفوا هذا المصطلح.
إذ ذكروا ان "إلمهرزق: المحبوس،نبطية تكلمت بها العرب،وكذلك المحرزق". وان "الهرزق" "الحبس". وقال بعض العلماء: "المهزرق والمهرزق يقالان معأ.
كما وردا في بيت الأعشى: هنالك ما أنجاه عزة ملكه بساباط حتى مات وهو مهرزق.
وترد لفظة "عوق" بمعنى المحبوس في النصوص الصفوية. وقد كان الروم. يقبضون على من يغير على أرضهم من الصفويين وغيرهم ويودعونهم السجون. ومنهم من كان يفر منها، ويكتب ذكرى هروبه من سجن الروم على الحجارة.
وقد كان لملوك الحيرة "سجون"، منها سجن "الصنين" وقد أشير اليه في الشعر الجاهلي. ولا بد أن يكون لهم موظفون أودعوا اليهم مهمة المحافظة على السجون ومراقبة المساجين حتى لا يهربوا، ووكلوا اليهم أمر تعذيبهم وقتلهم أو سمهم عند صدور أمر الملك بذلك. كما فعلوا بعدي بن زيد العبادي. ويقال آ للسجن: الحصير،لأنه يحصرالناس ويمنعهم من الخروج،و"الحبس".
ويقال للذي يتولى أمر القبيلة أو الجماعة من الناس يلي امورهم، وينقل إلى الملك أحوال الناس "العريف". وكان للملوك "عرفاء"، هم بثابة عيونهم
(1/2800)
على القبائل. ويظهر من بعض الأخبار أن العرافة كانت نوعا من الرئاسة والزعامة والدرجة.فقد ورد في كتب الحديث: ان شيخا كان صاحب ماء جعل لقومه مئة من الإبل على أن يسلموا،فأسلموا، وقسم الإبل بينهم. وبدا له أن يرتجعها منهم، فأرسل ابنه إلى النبي، وأوصاه بأن يقول له: "أبي شيخ كبير، وهوعريف الماء، وإنه يسألك أن تجعل لي العرافة بعده".فلما قص الخبرعلى الرسول، قال الرسول له: " إن بدا له أن يسلمها اليهم، فليسلمها، وإن بدا له أن يرتيجعها منهم، فهوأحق بها منهم.فإن اسلموا، فلهم إسلالمه 3 وإن لم يسلموا، قوتلوا على الإسلام". فقال: " إن أبي شيخ كبير، وهو عريف الماء، وإنه يسالك أن تجعل لي العرافة بعده ". فقال الرسول: "إن العرافة حق، ولا بد للناس من عرفاء. ولكن العرفاء في النار".
وورد أن العريف:النقيب، وهو دون الرئيس، وان عريف القوم سيدهم، والعريف: القيم والسيد لمعرفته بسياسة القوم، ولتدبيره أمر تابعيه. وعرفوا "النقيب" بهذا التعريف أيضأ، فقالوا إنه العريف، وهو شاهد القوم وضمينهم والمقدم عليهم الذي يتعرف أخبارهم وينقب عن أحوالهم.
و "العريف" من المصطلحات العسكرية أيضا، المستعملة في تنظيمات الجيش.
وقد أقر الرسول مما كان متبعا من أمر تقسيم الجيش الى وحدات. فعرف على كل عشرة رجلا وأمر على الأعشار رجالا من الناس لهم وسائل في الإسلام. هم العرفاء.
(1/2801)
و "النقيب"، شاهد القوم، وهو ضمينهم وعريفهم ورأسهم، لأنه يفتش أحوالهم ويعرفها. وفي التنزيل: "وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا". ولما بايع الأنصار رسول الله، جعل عليهم اثني عشر نقيبا، ليتولوا أمر المسلمين بيثرب وليكونوا شهوده عليهم، وليقوموا بالدعوة فيها إلى الإسلام. ويظهر ان لهذه اللفظة صلة بلفظة Nacebus التي وردت في بعض المؤلفات أليونانية في حديثها عن العرب. ونجد في العهد المنسوب إلى "خالد بن الوليد" المعطى إلى أهل الحيرة والمدون في تأريخ الطبري، جملة: "وهم نقباء أهل الحيرة"، وقصد الشارح بها رؤساء الحيرة الذين صالحوا "خالد" على أداء الجزية، وهم: عدي وعمرو أبناء عدي بن زيد العبادي، وعمرو بن عبد المسيح، واياس بن قبيصة وحيري "جبري" بن آكال.
وفي ورود اللفظة في القرآن الكريم، واختيار الرسول لنقباء أمرهم على مسلمي يثرب قبل هجرته اليها، وفي:ورودها في عهد "خالد" مع أهل الحيرة، دلالة على انها كانت شائعة معروفة في الحجاز، بمعنى رئيس وسيد قوم والمسؤول عن جماعة.
أما "الرائد"، فهو الذي يتقدم الناس لطلب الماء والكلا للنزول عليه.
وقد نصب "عمر" "سلمان الفارسي" رائدا وداعية على الجيش الذي أرسله إلى العراق.
ولا بد وان يكون للملوك خزان يتولون خزن أموال الملك والاشراف على مدخولاته ومصروفاته. وكلمة "خزانة" من الألفاظ المعروفة في العربية. وقد كان الناس يخزنون أموالهم في خزائن. ومنها أوعية يجمعون فيها المال المخزون.
وقد كان لهؤلاء الملوك جباة يجبون لهم حقوق الملك على الرعية، من أعشارالتجارة، ومن غلات الأرض.
وهناك طبقة من السادة كانت لهم منزلة ومكانة في أهلهم ودرجة محترمة عند الملوك، فقربوهم اليهم وأدنوهم منهم. وقد عرفوا ب "قرابين الملك" واحدهم قربان. يجلسون مع الملك على سريره لنفاستهم وجلالتهم. وذكر ان "القربان":جليس الملك الخاص، أي المختص به. و "قرابين الملك" وزراؤه وجلساؤه وخاصته.
(1/2802)
وقد عرفنا من كتابات "تدمر" أسماء بعض الوظائف التي كان يتولاها الموظفون في القيام بإدارة الأعمال العامة للمدينة. وقد أشرت اليها في حديثي عن تلك المدينة، وكانت "تدمر" قد سارت على خطة المدن اليونانية في ادارة شؤونها.، وهي خطة عمل بها الرومان أيضا مع بعض التغيير الذي يناسب جو "الانبراطورية" الرومانية. ويلاحظ ان أهل "تدمر" اسعملوا المصطلحات اليونانية أيضا في تسمية الوظائف.
ويمكن أن نقول إن عرب بلاد الشام كانوا قد سارو"على وفق النظم اليونانية - الرومانية في إدارة الحكم، لوجود جاليات يونانية كبيرة العدد من مدن الشام وقراها، ولاتصال عرب هذه الديار باليونان والرومان، مما جعلهم يختارون نظم اليونان والرومان في إدارة الحكم وفي إدارة الجيش، ونجد أثر هذا التأثر حتى في لغة أهل الحجاز، فنجد فيها ألفاظا عديدة دخلت العربية قبل الإسلام بزمن طويل، فعربت. وذلك في الأمور التي أختص بها اليونان الرومان ولم تكن معروفة عند العرب.
بطانة الملك
والبطانة السريرة يسرها الرجل، والصاحب للسمو الذي يشاور في الأحوال.
وقد أشير اليها في الحديث. ويقال لها الوليجة،وهو الذي يختص بالولوج والاطلاع على باطن الأمر. وذكرت "البطانة" في القران. بمعنى مختصين بقوم،ويستبطن بهم الأمور. فهم النخبة الخاصه التي يركن اليها في السراء والضراء وفي أخذ الرأي.
ول "سقاة" الملوك حظوة عند الملوك بحكم قربهم منهم واتصالهم بهم، ولاسيما، وقت شرابهم، ويسمعون من أفواههم وبخاصة في أوقات الشراب أمورا لا يبيحون بها في وقت صحوهم وشعورهم. وقد كانت "السقاية" منزلة رسمية كبيرة عند الفرس والاشوريين والعبرانيين. وقد استعمل اللخميون والغساسنة السقاة، لإسقائهم الشراب ولإسقاء ضيوفهم أيضا.
(1/2803)
ولا يستبعد وجود "الخصيان" في قصور الملوك والأشراف. فقد كان من عادة الناس، في ذلك الوقت استخدامهم فى البيوت. فكانوا يدخلون على مخدرات الملوك والسادات، ويتصلون بهن، لخدمة البيت. ولهذا لجأ الملوك الي شراء الخصيان، أو اخصاء مماليكهم حتى يكونوا بمأمن من اتصالهم بالقصر ودخولهم على نسائهم.
ادارة المملكة
لا نستطبع أن نتكلم بوجه صحيح مضبوط عن كيفية إدارة المملكة عندالجاهليين وعن طرق توزيع الأحمال وتقسيم المملكة إلى وحدات إدارية يديرها الموظفون، وعن أسماء تلك الوحدات. إذ لم يصل أي شيء عن ذلك الينا في كتابات المسند أو الكتابات الجاهلية الأخرى. كما لم يصل الينا أى شيء عن النظم الإدارية الجاهلية في كتب أهل الأخبار والتواريخ.
وفي كتب اللغة و الأدب مصطلحات ذات معان إدارية مثل "الطسوج" و "الكور" وردت فيها عرضا، غير أن ما أورده علماء اللغه عنها لا يبين لنا بوضوح استعمالها ولا الأزمنة التي استعملت فيها، ولا المراد منها. فهم يقولون عن "الطسوج"، الطسوج: الناحية وربع الدانق. وقيل مقدار من الوزن، وقيل معرب واحد من طساسيج السواد. فنحن إذن أمام معان ثلاثة: هي جزء من دانق أو درهم، ومقدار من الوزن وجزء من أرض. والمعنى الثالث هو المعنى الملائم لبحثنا، لأنه يدل على وحدة إداريه، كانت مستعملة في العراق بتأثير الحكم الفارسي.
وأما "الكور" فجمع "كورة". قال علماء اللغة انها المدينة والصقع، والمخلاف. وهي القرية من قرى اليمن والكلمة من أصل يوناني،هو "خورة" Khora بمعنى ناحية من بلد، أي مصر. ولم يشر علماء اللغة إلى انها كانت مستعملة في جزيرة العرب. ولعل العربية أخذتها من التسيمات الإدارية لبلاد الشام.
(1/2804)
وجاء في أثناء حديث "ألطبري" عن فتح "أمغيشيا" وعن سير خالد بن الوليد اليها، أنها كانت مصرا كالحيرة. وورد في كتب اللغة والأخبار أن "عمر" كان قد مصر الأمصار منها البصرة والكوفة. وذكر علماء اللغة أن المصر الحد. ويظهر من ذلك أن "أمغيشيا" كانت مصرا، أي من إمارات الحدود، التي أقيمت على ألحدود المغربية للدولة الساسانية لحمايتها من الروم ومن غارات الأعراب وغزوهم. وكان اهلها على النصرانية. وان لفظة "مصر" كانت تؤدي هذا المعنى عند ظهور الإسلام.
ولا تظهر التقسيمات الإدارية إلا في حكومة كبيرة تحكم مساحة واسعة نوعا ما.
لذا نستطيع أن نتحدث باطمئنان عن وجود تقسيمات ادارية في العربية الجنوبية، لأن حكوماتها كانت قد حكمت أرضين متسعة نوعا ما، وجعلت البلاد في حكم موظفين تولوا ادارتها. وقسموها إلى وحدات ادارية. أما في الحجاز، فلما كان الغالب عليها عند ظهور الإسلام نظام القرى والمدن، لذلك، فلا يمكن أن نجد فيه شيئا من هذا التقسيم. وأما ملوك الحيرة، فقد عينوا عمالا على الاقاليم التي حكموها. ولكن أهل الأخبار لم يذكروا شيئا عن أنواع العمالات وعن درجات حكامها. لذلك لا نستطيع ألتحدث عنها بشيء.
ولقد سبق لي أن ذكرت أسماء بعض الوظالئف والمناصب في الممالك العربية الجنوبية.
فقلت مثلا" إن درجة "كبر" أي "كبير" هي من المناصب العالية عند العرب الجنوبيين، و "الكر" هو في مقام "محافط" و "متصرف" و "عامل" في مصطلحات الدول العربية في يومنا هذا. ولا أستبعد أن تكون تلك الدول قد أطلقت لفظة "كبر" على الوحدة الادارية التي كانت تحت حكم الكبير.
و "المخلاف"، هي الكلمة التي ترد في كتب علماء اللغة والأخبار عن التقسيمات الادارية الجغرافية لليمن، إذ يذكرون ان "المخلاف" مثل "الكورة" بالنسبة لأهل اليمن، وان اليمن كانت مقسمة إلى مخاليف.
(1/2805)
ويعبر عن القرى بالأعراض، والواحد عرض. جاء في بعض كتب عبد الملك بن مروان لعماله: "وليتك المدينة وأعراضها "، أي قراها ونواحيها. وللقرى والمدن حدود ومعالم. خارجها ضاحيتها. وأما داخلها فجوفها، وهو من شعاب، ومن "ربعات". والربع و "الربعة" المحلة والشعب وجماعة الناس.
وقد أشير إلى "الرباع" في الكتاب الذي أمر الرسول بتدوينه بين "قريش" وأهل يثرب.
ويظهر ان الجاهليين قد عرفوا لفظة "الدسكرة"، بدليل ورودها في الحديث.
وقد ذكر بعض علماء اللغة انها بناء كالقصر حوله بيوت ومنازل للخدم والحشم. وخصصه بعضهم بالملوك. وقال قوم: القرية. ويظهر انهم أخذوها من الفارسية، فهي فيها مدينة وضيعة كبيرة.
و "الضواحي" النواحي، وضواحي الروم ما ظهر من بلادهم. وضواحي مدينة أو قرية ما كان خارج السور أو خارج حدود المدينة أو القرية. وضواحي قريش، النازلون بظواهر مكة، ولذلك قيل لقريش النازلة بظواهر مكه، قريش الظواهر. وأهل الضاحية، أو أهل الضواحي، هم أهل البادية، والساكنون على سيف الحضارة وحدودها. وكانت الحكومات تحسب لهم حسابا، وتراقب أحوالهم، خشية مهاجمتهم الحضر.
موارد الدولة
ولا بد لكل دولة من موارد تستعين بها في ادارة امورها وفي الانفاق على التابعين لها المكلفين القيام بأعمالها من موظفين ومستخدمن مدنيين وعسكريين ويدخل في هذه الموارد كل ما يحصل عليه الملك أو سيد القبيلة من أرباح ودخل يرد من استغلال الأرض والأملاك الخاصة، ومن الأتجار، ومن الضرائب التي تفرض على التجار والمواطنين والزر اع، ومن الغنائم، إلى غير ذلك من واردات تجمع وتقدم الى الحكام ملوكا كانوا أو سادات قبائل أو رؤساء مدن. أضف إلى ذلك"الجزية" التي كانت الحكومات تفرضها على من تحاربه أو تغزوه فتنتصر عليه، ثم تنسحب من أرضه على ان يدفع "جزية" يقررها المنتصر تتناسب مع حال المغلوب.
(1/2806)
ولم يكن من المعتاد في تلك الأيام التفريق بين "الخزينة الخاصة" و "الخزينة العامة"، أو بين الوارد الخاصة بالملك، مما يجبى من أملاكه وعن اتجاره وبين الوارد الذي يجب ان يصرف وينفق على الأعمال العامة التي تمس الشعب كله، مثل انشاء الطرق والحصون وادامة الجيش واغاثة المحتاج وما شابه فلك، فإن الحاكم في ذلك الزمن كان يرى ان كل ما يجبى يعود اليه، لا فرق عنده بين الخزينة الخاصة والخزينة العامة، وان الانفاق يتوقف على رأيه، إن شاء وهب هذا مالا وأقطع هذا ارضا، وان شاء صادر مال شخص وضمه اليه، ولا حق لأحد ان يعترض عليه. فأموال الدولة هي امواله والخزينة هي خزينته،وهو الذي يأمر بالإنفاق. وما يعطيه للشعراء ثوابا على مدحهم له، أو ما يقدمه من أموال للمنافع العامة وللنفقات الخاصة بالجيش وبمرافق الدولة،يكون كله بأمره وبموافقته، يتصرف كما يتصرف اي مالك كان بملكه.
وقد اختار الملوك لهم رجالا وكلوا لهم امر ادارة أملاكهم واستثمارها، كما وكلوا لاخرين. أمر الاتجار بأموالهم، إذ كان الملوك يتاجرون ايضا في الداخل وفي الخارج، كما وكلوا للموظفين امر جباية الضرائب واستحصالها من الزرأع ومن التجار، فكانوا يذهبون إلى المزارع لتقدير حصص الحكومة كما كانوا يقفون في الأسواق لأخذ العشر من المبيعات. وهناك موظفون يقيمون عند الحدود وعند ملتقى الطرق لأخذ حق المرور من القوافل.
(1/2807)
" وقد وجدت بعضالحكومات مثل حكومة "رومة" ان طريقة تعيين الجباة لجباية الضرائب، هي طريقة تكلف الدولة اموالا تزيد على الاموال التي تردها من الجباية، لان الجباة كانوا يسرقون اموال الجباية ويسيؤن الاستعمال، وان الشدة معهم لم تنفع شيئا، لذلك عمدت إلى وضع الجباية في "المزايدة العلنية" بأن يعلن عنها، فيتقدم من يرغب في أخذها، فيزيد على غيره ممن ينافسه، وهكذا حتى ترسو على آخر المتزايدين، فيتولى هو جمع الجباية عن طريق تعيينه موظفين يقومون بجباية الضرائب المقررة، فيقدم هو للحكومة المبلغ الذي رسا عليه، ويأخذ الفضل لنفسه وقد تألفت في "رومة" شركات كبيرة خصصت نفسها بأمور جباية الضرائب من المقاطعات الواسعة التابعة لانبراطورية "رومة" وكانت تتزايد فما بينها حينما تعرض الحكومة جباية الضرائب في "المزاد".
وقد فعلت هذه الشركات كل ما امكنها فعله لجمع أكثر ما يمكن جمعه من أموال من المكلفين لتغطية مبلغ التعهد الذي أعطته للحكومة وللحصول على أرباح مفرطة لها، بأن أرهقت كاهل المكلف بأخذ أضعاف ما حدد من مقدار الصريبة، ولم تنفع الرقابة الحكومية التي وضعتها الحكومة على هذه الشركات وعلى الجباة، ذلك لأن "الحكام" حكام الولايات ومن بيدهم أمر الرقابة المالية ومن كان بيده أمر النظر في عرض الجباية على المتزايدين كانوا مرتشين، فكانوا يغضون الطرف عن تعسف الجباة ولا ينصفون المشتكين من الناس منهم. وقد ضج الناس من أصحاب المكس، وأشير إلى ظلمهم في الإنجيل، وعدوا من أصحاب الإثم أهل الخطيئة Sinners فكانوا من المبغضين. وقد ندد بهم و بظلمهم في كتب الحديث.
وقد عين "الأباطرة" أحيانا عمالا Procurator على المقاطعات للاشرأف على جمع الجباية، وعينوا موظفين في الموانئ والثغور لجباية الضرائب عن الأموال المصدرة التي تصدر الى الخارج، وعن الأموال الني تستورد إلى الانبراطورية، ومن التجار الرومان، أو التجار الأجانب.
(1/2808)
وقد وردت في النصوص العربية الجنوبية مصطلحات لها علاقة بالضرائب وبألأرباح، منها مصطلح "نعمت"، أي "نعمة"، وتعني هنا ما أنعم به على الإنسان، أي ما يحصل عليه من السوق، وما يربحه من تجارته. فهي بمعنى الربح. وللحكومة أو القبيلة أو لأصحاب السوق حق أخذ نصيب مقرر من هذه "النعم"،أي الأرباح. ويعبر عن النصيب الذي تأخذه الحكومة من الأرباح ب "زعرتم" "زعرت" "زعرة"،من أصل "زعر". وتعني"زعر" قل وتفرق، فكأن العرب الجنوبيين عبروا عن نصيب الحكومة بهذه اللفظة، لأن ما يدفع للحكومة هو مما يقلل من المبلغ ويصغره، فالربح اذن هو "نعمتم"، "نعمة"، "نعمت"، وهو كل ربح يصيب أحدا. وأما ما يؤخذ عن الأرباح ويدفع للحكومة: فهو "زعرتم" "زعرت" "زعرة"،أي ضريبة.
وترد لفظة "همد"بمعنى الضريبة في العربيات الجنوبية، أي ما يفرز ويعطى للحكومة أو للمعبد أو للسادات القبائل،والارضين التي يهيمنون عليها. و "الهميد" في عربية القرآن الكريم "المال المكتوب عليك في الديوان" و "المال المكتوب على الرجل في الديوان" فيقال: هاتوا صدقته، وقد ذهب المال و "الصدقة". وهذا التفسير قريب من المعنى المقصود من اللفظة في العربيات الجنوبية.
وقد أخذت حكومات العربية الجنوبية بطريقة تعيين موظفين خاصين بجمع الضرائب وبالأشراف على الجباة وعلى كيفية الجباية، كما أخذت بطريقة ايداع الجباية الى الإقطاعيين وسادات القبائل، فهم الذين يجمعون الحقوق من أتباعهم، ويقدمونها إلى الحكومة. وذلك بالالتزام. وللحكومة موظفون واجبهم التحقق من أن هؤلاء الملتزمين لا يأكلون حق الحكومة، ويأخذون من أموال الجباية النصيب الأكبر، ولا يقدمون للدولة الا شيئا قليلا من استحقاقها.
(1/2809)
وفي كل الحالات المذكورة كان المكلف يرهق بدفع الضرائب إرهاقا، ويجبر على دفع ضرائب تزيد على طاقته خاصة، وقد كانت الضرائب متنوعة عديدة. ضرائب للحكومة، وضرائب للمعبد، وضرائب للسيد صاحب الأرض، أو سيد القبيلة، ثم عليه السخرة أي العمل الإجباري دون مقابل وعليه الانخراط في سلك المحاربين حين الطلب، فأثر كل ذلك في الوضع الاقتصادي، وفي المجتمع العام تأثيرا كبيرا،و نهك السواد الأعظم من الناس، مما جعلهم يتذمرون من الحكام والحكومة والسادات،ولا يؤدون ما عليهم من واجبات وخدمات عامة الا مكرهين.
ولعل هذا الإرهاق الذي نزل بالرعية في دفع الضرائب، هو الذي حملها على اطلاق "الآكل" و "الآكال" و "آكال الملوك" و "مآكل الملوك" على ما يجعله الملوك مأكلة لهم، لأنهم جعلوا أموال الرعية لهم مأكلة، و اما "المأكول"، فهو الرعية، لأن الملوك تأكل أموالهم. فالملوك تأخذ ولا تعطي، والرعية تعطي ولا تأخذ ولا تستفيد مما تدفعه لملوكها من ضرائب أية فائدة.
والضريبة في تعريف علماء اللغة: ما تؤخذ في الأرصاد والجزية ونحوها، مثل ما يؤديه العبد إلى سيده من الخراج المقرر عليه،ومن الضرائب: ضرائب الأرضين وهي ضرائب الخراج عليها، وضرائب الإتاوة التي تؤخذ من الناس.
وعرف علماء اللغة الإتاوة: أنها الرشوة والخراج، وقال بعضهم: كل ما أخذ بكره، أو قسم على موضع الجباية وغيرها، فهو اتاوة. وفي ذلك قال "حني بن جابر التغلبي": ففي كل أسواق العرإق إتاوة وفي كل ما باع أمرؤ مكس درهم
وذكر "ابن فارس" أن "الإتاوة" من الألفاظ التي زالت بزوال معانيها، فهجرت لذلك.
(1/2810)
ويقال للإتاوة: الأريان. والاريان بمعنى الخراج أيضا. وقد ذكرت اللفظة في شعر "الحيقطان"،شاعر اليمانية،وكان قد قال قصيدة يرد فيها على الشاعر "جرير"، فهجا بها قريشا، وكان مما قال فيها: وقلتم لقاح لا نؤدي إتاوة=فإعطاء اريان من الفر أيسر فقال: قلتم إنا لقاح ولسنا نؤدي الخراج و الاريان،فإعطاء الخراج، أهون من الفرار و اسلام الدار للأحابيش، وأنتم مثل عدد من جاءكم المرار الكثيرة.
ويقصدون باللقاح الحي لم يدينوا للملوك ولم يملكوا ولم يصبهم في الجاهلية سبأ.
والإتاوة في الأصل الجباية عامة. أي جباية كل شيء. وهي كلمة عامة تشمل أخذ كل عطاء،أي كل ما يؤخذ طوعا أو كرها عن شيء، فتشمل الخراج والجزية والجباية والرشوة،وما يفرض تعنتا وزورا،والمكوس. والخراج إتاوة. يقال أدى إتاوة أرضه، أي خراجها، والجباية إتاوة. يقال ضربت عليهم الاتاوة، اي الجباية، وهي بمعنى الرشوة. يقال شكم فاه بالإتاوة، أي الرشوة. وتدخل فيها الرشوة أي الماء. وجاء في قول الجعدي: موالي حلف لا موالي قرابة ولكن قطينا يسألون الاتاويا
أي هم خدم يسألون الخراج.
وقد ذكر "الجاحظ" الإتاوة في جملة ما ترك الناس في الإسلام من ألفاظ الجاهلية، إذ تركوها، وأحلوا لفظة "الخراج" محلها.
وكانت قريش تأخذ ممن نزل عليها في الجاهلية شيئا. كانت تأخذ بعض ثيابه أو بعض بدنته التي ينحر، إتاوة. ولما خرج "ظويلم" الملقب ب ""مانع الحريم" في الجاهلية يريد الحج، فنزل على المغيرة بن عبد الله المخزومي،فأراد المغيرة أن يأخذ منه ما كانت قريش تأخذ ممن نزل عليها في الجاهلية، امتنع عليه "ظويلم" وقال: يا رب،هل عندك من غفيره إن مني مانعه المغيره
ومانع بعد مني ثبيره ومانعي ربي أن أزوره
وذلك سمي "الحريم". وظويلم الذي منع "عمرو بن صرمة" الإتاوة التي كان يأخذها من غطفان.
(1/2811)
ويعبر في عربية القرآن الكريم عن الشيء الذي يخرجه القوم في السنة من مالهم بقدر معلوم ب "الخرج" و ب "الخراج"، فهو إتاوة تؤخذ من أموال الناس. و "الخرج" كما يقول علماء اللغة أعم من الخراج، وجعل الخرج بازاء الدخل. والخراج مختص في الغالب بالضريبة على الأرض. وقيل: العبد يؤدي خرجه، أي غلته، والرعية تؤدي الى الأمير الخراج. وقد خصصت لفظة "الخراج" في الإسلام بما وضع على رقاب الأرض، وخصصت الجزية بما يدفع عن الرأس. و "الخرج"،مما يدفعه الرقيق إلى سيده وماله عن خراجه. وقيل: هو الأجرة، وان الخرج من الرقاب، والخراج من الأرض. وأرض الخراج تتميز عن أرض العشر في الملك والحكم.
ويقابل "الخراج" بالمصطلح الإسلامي لفظة pnoros في اليونانية، فهي ضريبة الأرض عند اليونان. وقد كان البيزنطيون قد فرضوا "الخراج" على غلة الأرض يدفعها كل من خضع لهم. وكان يدفعها عرب الشام لهم أيضا، لأنهم كانوا في حكمهم. وأما عرب العراق، فقد دفعوا "الخراج" إلى الفرس. ويقال للخراج "خرجا" في لغة بني إرم،ووردت في "التلمود" بلفظ: "خرجه" و "خرجا". وهي عند الساسانيين خراج الأرض، أي الضريبة الخاصة بحاصل الأرض. ولكن الفرس القدماء لم يكونوا في القديم يفرقون بين الخراج والجزية، أي ضريبة الرأس، بل كانوا يطلقونها على الضريبتين. وقد وردت لفظة "خرجا" في التلمود بمعنى ضريبة الرأس،وأطلق "التلمود" على ضريبة الأرض اسم "طسقه" "طسقا" Taska "ط س ق". وهي بهذا المعنى عند الفرس. وقد أخذ العبرانيون اللفظة من الفرس. وقد كتب "عمر" إلى "عثمان بن حنيف" في رجلين من أهل الذمة أسلما: "إرفع الجزية عن رؤوسهما، وخذ الطسق من أرضيهما". وعرف علماء العربية "الطسق" بأنه شبه الخراج، له مقدار معلوم، وما يوضع من الوظيفة على الجريان من الخراج المقرر على الأرض. وقد ذكروا أن اللفظة فارسية معربة.
(1/2812)
وقد وردت لفظة "الخرج" و "الخراج" في القرآن الكريم، مما يدل على ان اللفظتين كانتا معروفتين عند أهل الحجاز قبل نزول الوحي على الرسول، وانهما كانتا من الألفاظ المستعملة عندهم في الأمور المالية المتعلقة بدفع الضرائب إلى الحكومات والى ذوي السلطان. ويرى بعض،المستشرقين ان الجاهليين أخذوا اللفظة من "بني إرم"،وانهم وقفوا على "خرجه"، "خرج" و "خرجا"، وحولوهما إلى "خرج" و "خراج".
ولما فتح المسلمون العراق و الشام،أبقوا النظم المالية والإدارية على ما كانت عليه في أول الأمر، لأنها نظم قديمة، لم يكن من السهل تغييرها و تبديلها، فكان "الخراج" في جملة ما أبقي من النظم المالية. وقد دفع عينا أي غلة، فكان محتسب الخراج،يذهب إلى القرى عند دنو أجل دفع الخراج، فيأخذه من المزارعين عينا، كأن يدفع برا أو شعيرا، أو مالا، أي نقدا بالدنانير أو الدراهم. ثم غاب الدفع نقدا على الدفع عينا،وصار هذا النقد موردا مهما من موارد بيت المال.
والجزية من الألفاظ المستعملة عند الجاهليين كذلك، بدليل ورودها في القرآن الكريم. وقد خصصت في الإسلام بما يؤخذ من أهل الذمة على رقابهم.
وقد كان الجاهليون يأخذون الجزية من المغلوبين، وكانت عندهم الضريبة التي تؤخذ عن رؤوس المغلوبين، يدفعونها إلى الغالب. فدفعتها القبائل المغلوبة للقبائل الغالبة، على أساس الرؤوس.
والظاهر أن المسلمين في صدر الإسلام لم يكونوا يفرقون بين الخراج والجزية،فقد استعملوا الخراج عن الرؤوس وعن الأرض، كما استعملوا لفظة "الجزية" بمعنى خراج الأرض، ورد في الحديث: " من أخذ أرضا بجزيتها".
وأشار الطبري إلى أن "المثنى"،وضع على أهل الحيرة بعد كفرهم وارتدادهم "أربعمائة ألف سوى الحرزة". و يذكر علماء اللغة أن "الحرزة" خيار المال لأن صاحبها يحرزها ويصونها. والحرائز من الإبل التي لا تباع نفاسة بها.
(1/2813)
وجعلها بعضهم "الخرزة". وقالوا انها نوع من جزية الرؤوس، كانت معروفة في زمن الأكاسرة،يؤديها كل من لم يدخل في جند الحكومة.
و "المكس"، دراهم تؤخذ من بائع السلع في أسواق الجاهلية. ويقال لجابي المكس: صاحب المكس،و الماكس و المكاس.و المكس الجباية. و"الماكس" الذي يتولى المكس. قال العبدي في الجارود: أيا ابن المعلى خلتنا أم حسبتنا صراري نعطي الماكسين مكوسا
وكان "الماكس"،ويقال له العشار،يشتط في كثير من الأحيان، ويظلم الناس في الجباية، إذ يزيد عليهم في المقدار، فكانوا لذلك مكروهين، حتى لقد ورد في الحديث:"لا يدخل صاحب مكس الجنة ".
وقد أشير إلى المكس والى الإتاوة التي تؤخذ من أسواق العراق في شعر "جابر ابن حني": أفي كل أسواق العراق إتاوة وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم
فإن ملوك العرب كانت تأخذ من التجار في البر والبحر، وفي أسواقهم، المكس،وكانوا يظلمونهم في ذلك. ولذلك قال جابر بن حني، وهو يشكو ذاك في الجاهلية ويتوعد، وهو قوله: ألا تستحي منا ملوك وتتقي محارمنا لا يبوو الدم بالدم
وفي كل أسواق العراق إتاوة وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم
ولهذا زعم الأعراب أن الله لم يدع ماكسا إلا أنزل به بلية، وأنه مسخ منهم اثنين ضبعا وذئبا. فلهذه القرابة تسافدا وتناجلا،وإن اختلفا في سوى ذلك.فمن ولدهما السمع و العسبار. وفي هذا المعنى قول الشاعر: مسخ الماكسين ضبعا وذئبا فلهذا تناجلا أم عمرو
(1/2814)
وضريبة "العشر" هي ضريبة معروفة بين الجاهليين، فقد كانت الحكومات تتقاضى عشر ما حصل عليه التاجر من ربح في البيع والشراء، وكان المتولون أمور الأسواق يتقاضون العشر كذلك. وقد أشير اليها في كتابة قتبانية،حيث كانت حكومة قتبان تتقاضى هذه الضريبة من المعاملين في البيع والشراء،إذ كانت تأخذ عشر الأموال، وتوسعت في ذلك حتى عمت هذه الضريبة على كل ربح أو وارد يصيبه الرجل سواء أكان ذلك من البيع والشراء أم من الإجازة والإرث.
وقد كانت هذه الضريبة مقررة في كل جزيرة العرب وفي خارجها، ففي كل سوق من الأسواق عشارون يجبون العشر ممن يبيع ويشتري،بأمر المشرف على السوق ومن في أرضه تقام، ويقدم ما يجمع اليه. ومن أخذ العشر من التاجر، قيل لجابيه: العشار والمعاشر، وهو الذي يعشر الناس.
وقد كان التجار العرب الذين يقصدون بلاد الشام للاتجار في أسواقها يدفعون العشر إلى العشارين،ففي "بصرى" وغزة، وهما أشهر الأسواق في تلك البلاد بالنسبة إلى العرب، كان تجار العرب يؤدون ضريبة العشر إلى الجباة الذين عينهم الروم، كذلك كان يعشر أصحاب الأسواق من يفد عليها من التجار.
ويؤخذ العشر عينا أو نقدا بحسب الثمن. ولما كان النقد قليلا إذ ذاك كان الدفع عينا هو الغالب في أداء هذه الضريبة. وقد أبطل الإسلام هذه الضريبة،وعدها من سيماء أهل الجاهلية، وجعل رفعها من التخفيف الذي جاء به دين الله. وقد ذكر المحدثون أحاديث في إبطالها وفي ذم من يعشر الناس. بل ورد في بعضها جواز قتل العشار. وبظهر ان أهل الجاهلية كانوا يشتطون في أخذها ويسرفون في ظلم التجار وأصحاب السوق في أخذها، فذموا العشار وهجوه. ودعوا عليه. وقد ذكر بعض أهل الأخبار ان "سهيلا" كان عشارا على طريق اليمن ظلوما، فمسخه الله كوكبا.
(1/2815)
وكان مما يفعله العشارون وضع "المآصر" على مفترقات وملتقيات الطرق وعلى المواضع المهمة من الأنهار ليؤصروا السابلة وأصحاب السفن، ولتؤخذ منهم العشور.
وقد عرف من،كان يقوم بالتقدير والخرص ب "الحازر" و الخارص ". لأنه كان يحزر المال ويقدر ما يجب أخذه منه ومن غلة الزرع بالحدس والتقدير.وكان الحازر يشتد في أخذ الخزرة ويتعسف على الناس. وقد نهى النبي عن ذلك والحازر مثل العشار والخارص من المكروهين عند الجاهليين. و "الخارص" المقدر والمخمن، ومنه خرص النخل والتمر، لأن الخرص، إنما هو تقدير بظن لا احاطة. وما يدفع عن الأرض والنخل الخرص. يقال:كم خرص أرضك،وكم خرص نخلك، وفاعل ذلك الخارص. وكان النبي يبعث الخراص لخرص نخيل خيبر عند ادراك ثمرها، فيحزرونه رطبا كذا وثمرا كذا.
وكان أهل الحجاز وبقية جزيرة العرب، يدفعون العشر عن غلات أرضهم. فلما جاء الإسلام، اقر ذلك، وجعل ارض العرب ارض عشر. ولم يدخلها الخلفاء في أرض الخراج.
ويعبر عن الضريبة التي تقابل ضريبة "الكمارك" في مصطلحنا،بلفظة Telos،و ب Telonion عن "الكمرك"،أي الموضع الذي تؤخذ به الضرائب "الكمركية" من التجار. وكان الرومان واليونان قد أقاموا "كمارك" على حدودهم مع البلاد العربية وضعوا فيها جباة لجباية العرب القادمين من جزيرة العرب للاتجار.
(1/2816)
ولما كان من الصعب على الروم جباية العشور والحقوق الأخرى من العرب، وكلوا أمر الجباية إلى سادات القبائل والأمراء في الغالب، ممن يعتمدون عليهم وممن لهم قبيلة قوية تخشاها القبائل الأخرى، وقد كان أمد هذا الايكال يتوقف على أهمية الشخص ومكانته ومنزلة قبيلته، فإذا مات وترك خلفا ضعيفا،أو فقدت قبيلته سلطانها، حتى طمعت فيها قبائل أخرى أقوى منها، ووجدوا ألا أمل لهم في هذا الشخص، فإنهم ينبذونه ويعطون الجباية إلى شخص آخر. وقد كان "سلامة بن روح بن زنباع الجذامي"، أحد من أولى إليهم الروم العشور،وقد هجاه "حسان بن ثابت" فوصفه بأنه "دمية" في لوح باب،وانه بئس الخفير، وانه غادر خداع،ولا ينفك أي جذامي يغدر ويخدع ما دام "ابن روح" حيا.
وقد أقر العشر في الإسلام، ولكن بأسلوب آخر، فأخذ من "خثعم"،كما أخذ من أهل "دومة الجندل ". وأخذ أيضا من حمير، فقد جاء في كتاب الرسول إلى رؤسائهم الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذي رعين ومعافر وهمدان: "وأعطيتم من المغانم خمس الله، وسهم الرسول وصفيه،وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار، عشر ما سقت العين وسقت السماء، وعلى ما سقى الغرب نصف العشر. وإن في الإبل الأربعين ابنة لبون، وفي ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر، وفي كل خمس من الإبل شاة،وفي كل عشر من الإبل شاتان 000".وعقد مثل ذلك مع بني الحارث بن كعب.
والكلام على العشر في الإسلام، وعلى الأرضين التي كانت تدفع العشر، يخرجنا من بحثنا هذا، وللفقهاء كلام طويل مسهب في هذا الموضوع، فعلى كتب الخراج مثل كتاب الخراج للقاضي أبي يوسف وكتاب الخراج ليحيى بن آدم القرشي، وكتب الفقه والأحكام أحيل القارئ الراغب في الوقوف على العشر في الإسلام.
(1/2817)
والعشر من الضرائب القديمة المعروفة عند الشعوب القديمة من ساميين وغيرهم،وتكاد تكون من أقدم الضرائب المعروفة في التأريخ،وهي "اشرو" Ish-ru-u في النصوص الآشورية و "معشير" Ma,asher، في العبرانية، وقد كان الآشوريون يتقاضون العشر من التمر والحبوب عينا، كما كانوا يتقاضونه ذهبا.
وقد كانت معظم الشعوب الهندوجرمانية والسامية وغيرها تعشر أموالها: تعشر الماشية، والأثمار، وكل ما تملكه وما تضمه في الحرب،وتخصصه باسم آلهتها.فالعشر زكاة قديمة أدتها الشعوب الى آلهتها تقربا اليها وتطهيرا لأموالها، فهي من أقدم الضرائب عند الإنسان.
وقد خصص العشر ب "يهوه" إله اسرائيل وحده، يجمعها اللاويون باسمه،ولكننا نجد أن العبرانيين دفعوا العشر في بعض الأحيان إلى الملوك كذلك.
ويمكن رد الأسباب التي دعت العبرانيين إلى تخصيص العشر بالله "يهوه " إلى اعتقاد العبرانيين أن الله هو مالك كل شيء،وأن الأرض والعالم كله له، مانح الخصب والحياة، وأنه الكائن الأعلى، ولهذا خصصوا عشر ما ينتجه العبراني لله، ثم لسبب آخر نشأ فيما بعد،هو تقرب العبرانيين الى إلههم بهذا العشر،عبادة له وتقربا اليه.وذلك كما يفهم من الآيات الواردة عن العشر في التوراة.
وتدفع القبائل الضعيفة إتاوة الى القبائل الكبيرة أو إلى الملوك، تكون بمثابة حق الحماية والاعتراف بالسيادة. ولهذا كانت القبائل التي لا تدفع إتاوة تتباهى وتفتخر لأن ذلك يدل على عزتها ومنعتها ويقال: إن الأوس والخزرج ابني قيلة،لم يؤديا إتاوة قسط في الجاهلية الى أحد من الملوك. فلما كتب إليهم تبع يدعوهم إلى طاعته ويتوعدهم،لم يجيبوه،وتحارب معهم، ثم ارتحل عنهم.
وكانت للغطاريف على دوس إتاوة يأخذونها كل سنة، حتى إن الرجل منهم كان يأتي بيت الدوسي،فيضع سهمه أو نعله على الباب ثم يدخل.
ويقال للقوم الذين قهروا على أمرهم، واضطروا إلى أداء ضريبة لمن قهرهم "النخة"،وصاروا "نخة" له.
(1/2818)
ولا بد لي من الإشارة هنا إلى جباية كانت الحكومات تأخذها عينا عن الحبوب والزراعة، للإنفاق منها على إعاشة الجيش. وقد عرفت ب "س ا و ل ت"،"ساولت". ذكرت في النصوص السبئية والقتبانية. فهي ضريبة عينية تؤخذ من الزراعة، يجبيها موظفون يعرفون ب "ساولت"،فهم جماع هذه الضريبة.
وكان ملاك الجاهلية قد وضعوا "الوضائع" على رعيتهم، من الزكوات والمغنم في الحروب،يستأثرون به. وقد أشير اليها في الحديث. ورد في حديث "طهفة بن زهير النهدي"، أن الرسول قال: "لم يا بني نهد ودائع الشرك و وضائع الملك. أي ما وضع عليهم في ملكهم من الزكوات. أي لكم الوظائف التي نوظفها على المسلمين لا نزيد عليكم فيها شيئا. وقيل معناه: ما كان من ملوك الجاهلية يوظفون على رعيتهم ويستأثرون به في الحروب وغيرها من المغنم. أي لا نأخذ منكم ما كان ملوككم وظفوه عليكم، بل هو لكم".
و الوضائع: أثقال القوم. وأما الوضائع الذين وضعهم كسرى، فهم شبه الرهائن، كان يرتهنهم وينزلهم بعض بلاده. وقيل: الوضائع قوم كان كسرى ينقلهم من أرضهم فيسكنهم أرضا أخرى، حتى يصيروا بها وضيعة أبدا. وهم الشحن والمسالح.
والودائع: العهود والمواثيق. ويحتمل أن تكون كل ما يستودع من رهائن، من مال وبنين، ليكون رهينة على الوفاء بالعهد والموعد.
وذكر "الجاحظ" ان في جملة ما ترك من ألفاظ الجاهلية التي لها صلة بالجباية والمال "الحملان"، ويراد بها الرشوة وما يؤخذ للسلطان. والحملان ما يحمل على الشيء من أجر، و "الحمالة" الدية أو الغرامة التي يحملها قوم عن قوم.
ويظهر من شعر العبدي: أيا ابن المعلى خلتنا أم حسبتنا صراري نعطى الماكسين مكوسا
ان أصحاب السفن وهم "الصراريون"،كانوا يعطون المكس عن البضائع التي تحملها سفنهم، حين وصولها إلى المواني.
الأشناق والأوقاص
(1/2819)
-
ودفع الجاهليون فى ضرائب أخرى، منها: "الأشناق" و "الأوقاص". وقد خص بعض العلماء "الأشناق" بالإبل: فإذا كانت من البقر، فهي "الأوقاص". وقد تحدث العلماء عن حدود الأشناق والأوقاص في الإسلام. وفي كتب الفقه أبواب خاصة بهما.
وكان منهم من تحايل في سبيل التخلص من أداء ما عليه من الأشناق و الأوقاص. وقد كتب الرسول إلى "وائل بن حجر": لا خلاط، ولا وراط،ولاشناق ولا شغار. وعين الرسول الحدود فيهما. و الوراط: الخديعة والغش.
وليس في استطاعتنا تعيين الضرائب المجباة، وتحديدها تحديدا مضبوطا، فقد كانت تختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة. ثم إن العادة أن تؤخذ الضريبة من القبيلة أو العشيرة مجتمعة، أي ان رئيس القبيلة أو العشيرة هو الذي يتولى تقديم ما على القبيلة من ضرائب إلى الحكومة، ويختلف ذلك أيضا بحسب صلة الرئيس بالحكومة، وبحسب قوته و مركزه السياسي لدى المسؤولين. والرئيس هو الذي يعين نصيب أفراد القبيلة من الضرائب، وذلك بعد اتفاقه مع الحكومة على ما هو مفروض على القبيلة دفعه لها، وبعد موافقة مجلس القبيلة على ما فرض على القبيلة دفعه إلى الحكومة.
هذه هي الضرائب التي كانت تدفع عن التعامل والاتجار. وهناك ضرائب أخرى أوجب دفعها إلى سادات القبائل في مقابل حماية القوافل وضمان مرور التجارة في أرضهم بأمان وسلام، وهي ضرائب حق المرور. وإلا تعرضت التجارة للنهب والسلب، وتعرض أصحاب القافلة للخطر والهلاك. ولحماية التجارة يتفق التجار عادة مع سادات القبائل التي تمر القوافل في أرضهم على دفع جعالة في مقابل تقديم الحماية لها والمحافظة على سلامتها، وبذلك تمر بأمن وسلام.
(1/2820)
وفي "قتبان" نجد نفوذ المعبد على الأهلين كبيرا. وللمعبد أرضون واسعة تدر عليه دخلا كبيرا، وله ضرائب تبلغ عشر الدخل والميراث والمشتريات.بالإضافة الى النذور والعطايا التي يتبرع بها الأغنياء له. وقد حفظت النصوص القتبانية وثائق عديدة تتعلق بما كان يتقاضاه المعبد من زكاة وأموال تزكية لأعمالهم ولأنفسهم، باسم الآلهة التي لها سلطان كبير على الناس.
ولما كانت النقود قليلة إذ ذاك، كان دفع الضرائب عينا في الغالب. ويعبر عن ذلك ب "دعتم". أما إذا كان الدفع نقدا، فيعبر عن ذلك ب "ورقم".
أي "ورق".
وقد كانت الحكومة تضع يدها على المحصول أحيانا أو على البضاعة المهربة أو البضاعة التي يمتنع أصحابها عن دفع الضريبة عنها ويعبر عن ذلك ب "رزم".
تقدير الغلات الزراعية.
،كان تقدير حصة الحكومة من الغلات الزراعية، بواسطة خبراء الحكومة وموظفيها المسؤولين عن جمع الضرائب، وذلك لأنهم كانوا يذهبون إلى المزارع والبساتين إبان إدراك النبات وقيل حصاده أو جنيه، ثم يخمنونه ويقدرون مقدار ما يجب دفعه للحكومة. وطالما أدت هذه الطريقة إلى الأضرار بالفلاح، إذ يجوز أن يتعرض الزرع لآفات زراعية وللتلف والضرر، فيقل الحاصل كثيرا، ولا يستطيع تحمل دفع ما قدر عليه، ولكن جباة الضرائب يأخذون حصة الحكومة منه كما قدروها دون نقص، فإذا امتنع المكلف، أخذ حاصله حتى يستوفى منه ما قدروه عليه.
ولم يكن من حق الفلاح حصاد زرعه وحمله إلى مخزنه أو جني ثمر زرعه ونقله الى الأسواق والتصرف به ما لم يره جباة الضرائب لأخذ حصة الحكومة العينية. وقد استتبع هذا النظام تعيين عدد كبير من جباة الضرائب، وانشاء مخازن لنقل حصص الحكومة اليها. وتستهلك الحكومة جزءا من هذا الحاصل، وتدفع قسما منه إلى موظفيها فالمدفوع لهم، هو مرتباتهم وأجر عملهم. أما الباقي فيباع في الأسواق، أو يصد ر لبيعه في البلدان الخارجية، ولا سيما الحاصل المهم الثمين.
(1/2821)
ويتقاضى المعبد في "معين" جملة ضرائب من الرؤساء وسائر الناس. لكل ضريبة اسم،مثل "كبودت" و "اكرب" و "عشر" و "فرع". وبعض هذه الضرائب تجبى عن حاصل الأرض وغلتها، وبعضها عن التجارة والأعمال الأخرى مثل الصناعات. ولم يشترط دفعها كلها عينا أو نقدا، بل كانت تدفع عملا أحيانا، أي أن المكلفين بدفع الضرائب وجمعها من أتباعهم يقدمون الفعلة والصناع وعمال البناء أحيانا إلى الحكومة، أو إلى المعبد، للقيام بالأشغال العامة بالمجان بدلا من تقديم الضرائب نقدا أوعينا. وذلك متى وافق المعبد على ذلك واعتبر الآلهة راضية عن انشاء ذلك العمل.
وكانت الحكومات العربية الجنوبية تتقاضى ضرائب عن المغازل ودور النسيج. ويظهر ان أهل الحجاز كانوا يعرفون هذه الضريبة أيضا. وقد ورد ان الرسول فرض في كتاب لقوم من اليهود ربع المغزل، أي ربع ما غزل.
الركاز
(1/2822)
أغلب العلماء في الإسلام ان الركاز دفين اهل الجاهلية، أي الكنز الجاهلي. وقال بعض العلماء الركاز المعادن كلها.فمن استخرج منها شئ فلمستخرجها أربعة أخماسه ولبيت المال الخمس. وكذلك المال العادي يوجد مدفونا، هو مثل المعدن سواء، فحكم الركاز تأدية خمسه لبيت المال. أما بالنسبة إلى الجاهليين، فلا توجد عندنا نصوص جاهلية في بيان نصيب الحكومات منه.ويظهر من مطالبة سادات أهل مكة "عبد المطلب" بنصيبهم من الكنز الذي عثر عليه عند حفره بئر زمزم، ان حجتهم في المطالبة لم تكن تستند على قانون سابق، بل ارتكزت على ان الكنز لم يعثر عليه في أرض ملك، رقبتها لعبد المطلب، حتى يستأثر به، وانما عثر عليه في أرض مقدسة مشاعة، تخص البيت الحرام واهل مكة كلهم،لذلك وجب إشراك غيره به ومعنى هذا ان من يعثر على كنز في ملك له،يكون من حقه ونصيبه، لا تشاركه قريش فيه. وقد وجد "عبد الله بن جدعان" كنزا، سبق ان أشرت اليه، فلم يعط سادة قريش منه شيئا، وكان من عادة،اهل مكة نبش المواضع العادية بحثا عن الكنوز، ولم تجد في الأخبار المروية عن ذلك ما يفيد بمشاطرة قريش لمن يعثر على كنز،معنى ان من يستخرج شيئا من الدفائن يكون ما يستخرجه من نصيبه، لا تأخذ مكة منه نصيبا. وكيف تتمكن من ذلك، لأن من يعثر على كنز لا يظهره للناس، خشية اغتصابهم له.وان من شاهد أحدا يستخرج كنزا استعمل حق القوة في الاستحواذ عليه أو على نصيب منه.
النذور والصدقات
(1/2823)
وما تحدثت عنه هو الضرائب المفروضة التي يجب على من تشمله دفعها. أما النذور والصدقات، فهي هبة يقدمها المتمكن طوعا للتقرب إلى آلهته أو شعورا بمسؤولية أدبية يقتضيه واجب المروءة تجاه الضعفاء. والصدقة: ما تصدقت به على الفقراء وقد أشير اليها في القرآن الكريم. وقد تؤدي معنى "الزكاة".ووردت في معنى "المهر" أيضا أي الصداق الذي يقدم إلى المرأة. ويظهر أن الجاهليين كانوا يستعملونها في معنى التصدق على المحتاج والسائل.
وأما الزكاة، فهي ما يخرج من المال لتطهيره، فهي تزكية اختيارية للمال وطهارة له. وقد جعلها الإسلام فريضة على المسلم المتمكن بحسب الأنصبة المقررة في الشرع. وهي "زكوتو" Zakutu عند البابليين. وقد نص عليها في العهد القديم. وهي أن يقدم أصحاب الزرع من أول ثمرهم إلى الكاهن ليقدمه إلى الرب، وأن يسمح للفقراء بالتقاط ما يجدونه على الأرض مهملا من بقايا الزرع،وأن يعطى الكهنة واليتامى والفقراء والغرباء والأرامل والمحتاجين عشر محاصيل الأرض. وقد كثرت الإشارة اليها في العهد الجديد.
وإذا اعتددنا العشر الذي كان يقدمه العرب الجنوبيون إلى المعبد من حاصل عملهم، لصرفه على المعبد وفي الأعمال الخيرية زكاة، ففي استطاعتنا أن نقول إنها كانت مفروضة على المتمكن فرضا، أي على نحو ما تجده في الإسلام. غير ان من الجاهليين من كان يقدم زكاة المال من ماشية وإبل وزرع طوعا واختيارا تقربا إلى الآلهة، يقدمها إلى المعابد تخصيصا باسم الأصنام. ومن هذا القبيل السائبة والحامي الوصيلة ونحو ذلك، مما خصصه الجاهليون لآلهتهم تطوعا، وذلك تزكية لأموالهم وأملا في نماء أموالهم الجديدة وحدوث البركة فيها.
السخرة
(1/2824)
وكان من حق الدولة وسادات الأرض والقبائل تسخير الناس في الأعمال التي يريدون القيام بها بلا عوض ولا أجر ولا دفع مقابل عن العمل الذي يؤمرون القيام به. ونظام السخرة شائع معروف عند جميع الأمم. وقد كان معمولا به عند بعض الشعوب الى عهد قريب. فكان من حق الحكومة إكراه أتباعها وأخذهم بالقوة وسوقهم للقيام بأداء أي عمل تريده. وفي ضمن ذلك المباني العامة و القصور.
وبها تم انشاء معظم المباني الفخمة مثل الأهرام والمعابد، حيث لا يكلف العمل بهذه الطريقة الحكومة كثيرا، فالعمال مسخرون لا يدفع لهم شيء، وعليهم أداء عملهم بسرعة و حمل أكثر ما يمكن حمله،و الا انهالت عليهم سياط المراقبين.
ويدخل في هذه السخرة، السخرة العسكرية، أي القبض على أي شخص عند الحاجة وسوقه الى القتال، وذلك من غير مقابل أيضا. وقد كابد سواد الناس منها عنتا شديدا لفقرهم ولعدم وجود شيء عندهم تعتمد أسرهم عليه في،معيشتها إذا غاب المعيل أو مات، ولهذا لم يحارب المحاربون إلا قصرا وخشية ورهبة، وكانوا يهربون من هذه "السخرة" بالرغم مما قد يتعرض له الهارب من عقوبة شديدة قد تصل إلى القتل.
واجبات الدولة
واجبات الدولة كثيرة، فإن عليها ان تحفظ الأمن في الداخل، وتحمي الحدود من مهاجمة الأعداء لها، وتصد كل غزو يقع عليها، وعليها ان تحقق العدالة، وتقتص من الجناة وتعاقب المجرمين، وعليها أن تقيم الأبنية العامة وتفتح الطرق، إلى غير ذلك من الواجبات التي نعرفها عن الغاية من نشوء الحكومات.
ونحن لا نستطيع ان نتحدث في الزمن الحاضر عن جهاز حفظ الأمن الداخلي،أي جهاز "الشرطة" الذي تناط به مهمة القبض على المجرمين وتعقب اللصوص والقتلة وما إلى ذلك من شؤون لعدم ورود شيء عن هذا الموضوع في الكتابات.
(1/2825)
ولكننا لا نستطيع نفي وجود علم للجاهليين الحضر بالشرطة. فلا بد وان يكون لهم علم بأجهزة الأمن المخصصة بالقبض على المجرمين وتعقب آثارهم، أي الشرطة. وقد كان لهم اتصال بالعراق وببلاد الشام. ويظهر من كتب اللغة ان لفظة " الشرطي" و "شرطة" كانت معروفة بين الناس عند ظهور الإسلام. "وفي حديث ابن مسعود: وتشرط شرطة للموت لا يرجعون إلا غالبين. وهم أول طائفة من الجيش تشهد الوقعة، وقيل: بل صاحب الشرطة في حرب بعينها".
وقد كان لملوك الحيرة سجون يسجنون بها من يتجاسر عليهم ومن يخالف أمرهم ويعارضهم ويخرج على العرف. ومن سجونهم "الصنين". وفيه سجن "عدي بن زيد العبادي". وقد ذكر انه كان موضعا بظاهر الكوفة. وذكر بعضهم انه بلد، ذكره الشاعر بقوله: ليت شعري ! متى تخب بي النا قة بين العذيب فالصنين
ولم يعين موضعه. ويظهر انه لم يكن بعيدا عن الحيرة. ولعله كان حصنا حصينا منعزلا عن الناس،به حرس كثيرون يحرسونه، لهذا اتخذ سجنا ومحبسا.
ويظهر من شعر لعدي بن زيد العبادي،ان ملوك الحيرة، كانوا قد نظموا
لهم حرسا يحرسونهم ويحرسون مؤسسات الحكومة المهمة مثل "السجون"،والأشخاص المسؤولون عن الأمن والأخبار، ليرسلوا ما قد يحدث من أمور إلى الملوك والحكام.
وقد عرف "العسس" عند الجاهليين أيضا، وهم المسؤولون عن حفظ الناس من أهل الريبة والكشف عنهم. والعس: نفض الليل كل عن أهل الريبة. وكان الخليفة "عمر" يعس بالمدينة، أي يطوف بالليل يحرس الناس ويكشف اهل الريبة.
البريد
(1/2826)
وقد عرف "البريد" بين الجاهليين. ويذكر علماء اللغة أن اللفظة من الألفاظ المعربة عن الفارسية، وأن أصلها "بريده دم"، أي محذوف الذنب، لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب كالعلامة لها، ثم سمي الرسول الذي يركبه بريدا، والمسافة التي بين السكتين بريدا. والسكة موضع كان يسكنه "الفيوج" المرتبون من بيت أو قبة أو رباط، وكان يرتب في كل سكة بغال، وبعد ما بين السكتين فرسخان، وقيل أربعة. فالبريد إذن بمعنى رسول،وموضع البريد، والشئ الذي يرسل مع البريد، أي الرسول حامل البريد، ودابة البريد.
إني أنص العيس حتى كأنني عليها بأجواز الفلاة، بريدا
ومن أعمال صاحب البريد إرسال الأخبار إلى من عينهم في هذا المنصب، فهم موظفون مخبرون، من اعمالهم اطلاع كبار الموظفين والامراء والملوك على الاحوال العامة للمكان الذي يقع في ضمن عملهم واختصاصهم، وأخبار الجهات المسؤولة عن الأعمال المشبوهة التي قد تدبر ضد الدولة، وعن تصرفات كبار الموظفين، خشية انفرادهم في الحكم واعلانهم العصيان على الدولة.
ونسب "الجاحظ" إلى " امرىء القيس" قوله: ونادمت قيصر في ملكه فأوجهني وركبت البريدا
إذا ما ازدحمنا على سكة سبقت الفرانق سبقا بعيدا
وقد نسب غيره إلى "امرىء القيس" أيضا قوله: على كل مقصوص الذنابي معاود بريد الشرى بالليل، من خيل بربرا
ومعنى هذا، إن صح بالطبع أن الشعر المذكور هو لامرىء القيس حقا، أنه عرف البريد واستعمله، وقد رأى خيل البريد. وهي تقص ذنابها ليكون ذلك علامة على انها من خيل البريد.
(1/2827)
وقد اشير الى البريد في الحديث: جاء " لا تقصر الصلاة في اقل من اربعة برد "، وهي ستة عشر فرسخا، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع. وورد في إلحديث أيضا "لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد"، اي لا احبس الرسل الواردين علي. وورد إذا أبردتم الي بريدا فاجعلوه حسن الوجه حسن الاسم. وعرفت الطرق التي يسير بها رسل البريد ب "سكك البريد". كل سكة منها اثني عشر ميلا.
وقد أشير إلى البريد في فى شعر ينسب إلى "ورقة بن نوفل"، يقال انه قاله حينما مات "عثمان بن ألحويرث" عند "ابن جفنة الغساني"، فاتهمت بنو أسد "ابن جفنة" بقتله. وعرف "أبو قيس" ب "راكب البريد".
وتحدث "الجاحظ" عن "البريد" في أيام الساسانين، فقال: "وكانت البرد منظومة إلى كسرى،من أقصى بلاد اليمن إلى بابه،أيام وهرز،وأيام قتل مسروق عظيم الحبشة ". "وكذلك كانت برد كسرى إلى الحيرة: إلى النعمان والى آبائه. وكذلك كانت برده إلى البحرين: إلى المكعبر مرزبان الزارة، والى مشكاب، والى المنذر بن ساوى، وكذلك.كانت برده إلى عمان، والى الجلندي بن المستكبر. فكانت بادية العرب وحاضرنها مغمورتين ببرده، إلا ما كان من ناحية الشام ؛ فإن تلك الناحية من مملكة خثعم وغسان ألروم، إلا أيام غلبت فارس على الروم، ولذلك صرنا نرى النواويس ب الشام ات إلى القسطنطينية.
وهل كانت برد كسرى إلى وهرز، وباذام،وفيروز بن الديلمي والي اليمن، والى المكعبر مرزبان الزارة، والى النعمان بالحيرة، إلا البغال ? وهل وجدوا شيا لذلك أصلح منها".
(1/2828)
فالبغال هي وسيلة نقل البريد في ذلك الوقت. تتوقف في محطات البريد لتبدل البغال التعبة ببغال أخرى، وليبدل حملة البريد كذلك. وهكذا إلى آخر محطة. فهي سكك تمتد مسافات طويلة.ولما كان من الصعب على البغل اختراق الصحارى ذات الرمال البعيدة الغور والتي تقل فيها المياه، لزم أن تكون طريق البريد ممتدة في الأرضين التي يكثر وجود الماء فيها، وتتوفر فيها الآبار، وفي مواضع مأمونة قليلة الرمال.
ويظهر أن الجاهليين قد أخذوا نظم بريدهم من الفرس، وأن ملوك الحيرة
وغيرهم استخدموها في ادارتهم لدولتهم، بدليل ما يذكره علماء اللغة من أن لفظة "البريد" كلمة فارسية عربت فصارت على هذا النحو. واصها "بريده دم"، أي محذوف الذنب، لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب كالعلامة لها،فأعربت وخففت، ثم سمي الرسول الذي يركبه بريدا. والمسافة التي بين السكتين بريدا، والسكة موضع كان يسكنه الفيوج المرتبون من بيت أو قبه أو رباط، وكان يرتب في كل سكة بغال، وبعد ما بين السكتين فرسخان، وقيل أربعة ولعل ما ورد في شعر امرىء القيس من "على كل مقصوص الذنابي"، إشارة إلى تفسير كلمة "بريده دم".
وقد ذكر علماء اللغة ان "الفيج" رسول السلطان على رجله، فارسي معرب. وقيل هو الذي يسعى بالكتب. والجمع "فيوج" واشاروا الى ورودها في شعر لعدي بن زيد، زعموا انه قاله هو: ام كيف جزت فيوجا، حولهم حرس ومريضا، بابه بالشك صرار?
قيل الفيوج الذين يدخلون السجن ويخرجون يحرسون.
(1/2829)
ويظهر أنهم فر قوا هنا بين "البريد"، أي الرسول الراكب، الذي ينقل البربد إلى مسافات، وبين "الفيج" الرسول الذي يسير على رجليه، وهو لا يمكن بالطبع أن يقطع أميالا كثيرة. فهوبريد محلي ينقل الاخبار الى مسافات غير بعيدة. وقد يكون مخبرا، ينقل ما يحدث ويقع بسرعة إلى المراجع العالية. فالفيوج، لصوص الأخبار وبريد ماش ينقل الكتب إلى الجهات المختصة في الوقت نفسه. ويظهر من شعر "عدي" المذكور، أن "الفيوج" كانوا يقفون للناس بالمرصاد، براقبون الحركات ويدرسون السكنات حولهم حرس منتبه، يحرسونهم من احتمال محاولة أعداء الحكومة ايقاع أي أذى بهم، أو الدخول أو الخروج إلى الأماكن الحساسة التي كانوا يلازمونها، ويسترقون أخبارها واخبار من يدخل ويخرج منها.
وأما الأبنية العامة،مثل المباني الحكومية، فقد كانت الحكومات العربية الجنوبية تقوم مستقلة بانشائها، وتنفق عليها أموالها ومن مواردها الخاصة. وتقوم بإنشائها بالاتفاق مع السلطات الدينية في أحيان أخرى. بأن تسهم تلك السلطات في تحمل نفقات البناء كلها أو جزء منها وقد يكون ذلك في مقابل نزول الحكومة عن بعض الحقوق إلى المعبد. وقد تقوم الحكومة بإنشائها بالأتفاق مع كبار المتمولين، أصحاب الأرض والثراء.
وتقوم المدن والقبائل والحكومات بالاستدانة من أموال المعبد ومن الضرائب التي تدفع اليها، للانفاق منها على إقامة الأبنية العامة والمشروعات الأخرى، على أن تعاد تلك الديون الى المعبد. ولم ترد في الكتابات اشارات إلى موقف المعابد من هذه الديون: أكانت تتقاضى أرباحا عليها أي ربا، أم كانت تعطيها قرضا حسنا من غير فائض. ويعبر عن ضرئب المعبد التي نجبى من الناس بلفظة "كبودت". وأما الدين، فيعبر عنه ب "دينم" "دين" كذلك، كما جاء في هذه الجملة: "بكبودت دين عتثر"، أي "بالضرائب التي داينها"أقرضها" الإله عتثر".
حماية الحدود
(1/2830)
ومن واجبات الدولة تثبيت حدودها والمحافطة عليها من كل اعتداء، وذلك بمراقبة الحدود ووضع حاميات عسكرية عليها، من "مسالح" و "مناظر" وبناء قلاع في الثغور لحمايتها من المغيرين وصدهم. وتبنى هذه التحصينات في الخطوط الأمامية وعلى مبعدة من الأماكن الكبيرة المأهولة حتى يكون في وسعها صد المغيرين، أو وقفهم حتى تأتي نجدات كبيرة من الجيوش لمحاربة الغزاة، ويكون في وسع أهل القرى والمدن الهرب بأنفسهم وأموالهم إلى مواضع آمنة.
و "المسالح" مواضع المخافة. والمسلحة كالثغر والمرقب يكون فيها أقوام يرقبون العدو لئلا يطرقهم على غرة، فإذا رأوه أعلموا أصحابهم ليتأهبوا له. ومسلحة ألجند خطاطيف لهم بين أيديهم ينفضون لهم الطريق، ويتجسسون خبر العدو ويعلمون علمهم، لئلا يهجم عليهم، ولا يدعون واحدا من العدو يدخل بلادهم. وذكر انه كان أدنى مسالح فارس إلى العرب "العذيب". فالمسالح اذن، هي الخطوط الأمامية من خطوط الدفاع عن بلد ما، ونقاط الأمان فيها، ومحل جمع المعلومات عن تحركات ونيات العدو. بها حاميات مقيمة وظبفتها الأولى الاستطلاع واخبار الجيش بقدوم عدو ما، ومشاغلته إلى وصول القوات المدافعة الكبيرة.
و "المنظرة" "موضع الربيئة" وهي المرقبة، وتكون في مواضع مشرفة مثل رأس تل أو جبل يبنى عليه بناء يجعل فيه رقباء ينظرون العدو ويحرسونه، ليتوقوا غدره وشره. فإذا أراد الاغارة، أرسلت "النظيرة" "النظورة" رسالة تحذير للتهيؤ لصد العدو. والظاهر ان اتخاذ المناظر في المواضع العالية المشرفة، هو الذي جعل علماء اللغة يفسرون المناظر بأنها أشراف الأرض لأنه ينظر منها.
و "المراقب" و "المرقبة" الموضع المشرف، يرتفع عليه الرقيب، و"الرقيب" الحارس الحافظ، و "رقيب القوم": حارسهم، وهو الذي يشرف على مرقبة ليحرسهم. وذكر علماء اللغة ان المرقبة هي المنظرة في رأس جبل أو حصن، فهي في المعاني المتقدمة.
(1/2831)
و "الثغر" الموضع الذي يكون حدا فاصلا" بين الحكومتين. وهو موضع المخافة من أطراف البلاد. و "الثغرة": الثلمة،" وكل فرجة في جبل أو بطن أو طريق مسلوك. ويظهر من هذا التعريف ان الثغور هي المواضع الخطرة من الحدود، لأنها تكون بمثابة الفرجة أو الثلمة فيها يتسنى للعدو منها التسلل بسهولة الى أرض عدوه، ولهذا تجب حراستها والعناية بها، بوضع حاميات بها لتشغل العدو ولتصده من الولوج اليها.
وقد أقام الفرس والروم "مناظر" على حدودهم، على أبعاد لا يكون ما بينها بعيدا حتى يكون في وسع حماة "المناظر" أن يتعاونوا، ويقسموا العون للمنظرة التي تهدد بالخطر. وأقام الروم "طرقا" ممهدة بين هذه المناظر، ليسهل على القوات السير عليها بسرعة لنجدة المناظر وحماية الحدود.
وتلجأ الحكومات إلى اقامة استحكامات أخرى لوقاية الحدود من مهاجمة عدو لها، مثل اقامة الخنادق في بعض المواضع الخطيرة المهددة من الحدود لمنع المغيرين من عبورها، كالذي يذكره أهل الأخبارعن "خندق سابور" الذي أقامه لمنع الأعراب من العبور بقصد الغزو، ومثل اقامة بعض الحواجز والأسوار في الممرات والأودية، وربايا في المواضع المشرفة، لمراقبة حركات الأعداء وصدهم من المرور من هذه الأماكن.
ضرب النقود
(1/2832)
ذكرت فيما سلف أن ملوك العرب الجنوبين، ضربوا النقود، وأن في المتاحف وفي الخزائن الخاصة ببعض الناس نقودا تعود إلى أولئك الملوك. أما بالنسبة إلى الأماكن الأخرى مثل مكة أو يثرب، فإننا لا نستطيع ان نتحدث بأي شيء عن ضرب النقود عندهم، لعدم عثور العلماء على نقد ضرب في هذه الأماكن، ولعدم ورود إشارة إلى وجود ذلك في موارد أهل الأخبار. والذي يستخلصى من هذه الموارد ان أهل تلك المواضع، كانوا يتعاملون بعملة الروم والفرس. وهي الدنانير والدراهم. كما سأتحدثء عن ذلك في الموضع المناسب عندما سأتحدث عن الأحوال الاقتصادية. ولم أجد في روايات أهل الأخبار ما يشير الى تعامل أهل مكة أو يثرب بنقود حبشية أو بنقود ضربت في العربية الجنوبية، ولم أجد فيها ولا في كتب السير والتواريخ أن المسلمين ضربوا النقد في ايام الرسول.
ولم أسمع بضرب ملوك الحييرة أو الغساسنة للنقود، ولم يعثر الباحثون كما أعلم - على نقد ضرب في عهود هؤلاء الملوك. والظاهر أنهم كانوا يتعاملون بالعملات الفارسية والرومية. وربما كان الفرس والروم قد منعوا أولئلك الملوك من ضرب النقود، لبواعث سياسية واقتصادية. ولكني لأ أريد ان أجزم بأن ا "آل لخم" و " آل غسان" لم يضربوا النقد بتاتا، استنادا الى عدم وصول نقد ضرب في أيامهم الينا حتى هذه الأيام، أو إلى عدم اشارة أهل الأخبار إلى وجوده عندهم، فقد يعثر في المستقبل على نقود تعود إلى أيامهم، هي الان في مخابئها، مسفونة تحت الأتربة، ثم إن أهل الأخبار لم يتحدثوا عن كل شيء، حتى نتخذ سكوتهم عن ضرب ملوك الحيرة والغساسنة للنقود حجة على عدم وجود ضرب السكة عندهم.
(1/2833)
والسكة: حديدة منقوشة كتب عليها يضرب عليها الدراهم. والضرب الطبع، يقال: ضرب الدرهم، أي طبعه، على سبيل المجاز. و "اضطرب، بمعنى سأل ان يضرب له. وفي الحديث انه صلى الله عليه وسلم، اضطرب خاتما من حديد. أي سأل ان يضرب له ويصاغ ". والنقد تمييز الدراهم واخراج الزيف منها وأما الطبع فالسك. يقال طبع السكاك الدرهم أي سكه. وهناك مصطلحات أخرى لها صلة بالنقد، ترد في كتب الحديث واللغة يظهر منها، أنه قد كان للجاهليين ولأهل مكة بصورة خاصة وقوف على النقد، وانهم كانوا يتعاملون بها، ولهم علم بكيفية صنعها.
قواعد السلوك
وللجاهليين اداب اصطلحوا عليها بالنسبة لتعاملهم مع الملوك وسادات القبائل، فمن قواعدهم المقررة: ان الملوك لا تجز نواصيها. وذلك لأن جز النواصي بالنسبة للعرب تعبير عن الازدراء بالشخص الذي جزت ناصيته، ولما كان للملوك حرمة، فلا تجز نواصيهم، ولا تجز نواصي سادات القبائل كذلك. وقد حدث ان جزت نواصي بعض الملوك، أو اخوتهم، أو أبنائهم، أو سادات القبائل، إلا ان هذا العمل هو عمل شاذ، لا يقدم عليه، إلا لأن العداوة بين الملك وبين من قبضوا عليه أو على أقربائه أو سادات القبائل، كانت عداوة شديدة عميقة، بحيث جاوزت حد العرف فخضعت لأحكام العواطف والاهواء.
ومن قواعد اداب السلوك التي يجب على الملوك وسادات القبائل بل على كل انسان التأدب بها والتمسك بقواعدها، تجنب الغدر وإذا كان الغدر عيبا بالنسبة للسوقة وللسواد، فكم يكون الغدر معيبا بالنسبة للملوك ولسادات القبائل ولكرام الناس.
العلاقات الخارجية
لم تصل الينا حتى الآن نصوص في أصول آداب السلوك بالنسبة للعلاقات الخارجية بين الدول،أي علاقات ما بين حكومات الدول العربية والدول الأجنبية.
(1/2834)
ولا نعرف لذلك طرق العرف السياسي الذي كان متبعا عندهم في استقبال "الرسل" و الوفود" الذين كانوا يفدون على قصور الملوك بأمر من ساداتهم ملوك الحكومات الأجنبية من أعاجم وعرب. ولكننا نستطيع ان نقول قياسا على المألوف عند العرب، انهم كانوا يبالغون في إكرامهم وفي ضيافتهم، وفقا للتقاليد العربية ولظروفهم وامكانياتهم المحلية. وكانوا يستمعون بإنصات إلى كلامهم، ثم يردون عليهم ردا جميلا، إن حاز كلامهم موقعا حسنا في نفوس الملوك، وردا يناسب ما جاء في خطاب الرسل من تهديد أو وعد ووعيد، إن استعملوا التهديد وألوعد في خطبهم. ومتى عادوا اكرموا إكراما خاصا، ومنحوا ألطافا وهدايا على الطريقة المتبعة في ذلك العهد، وقد يحملون أولئك الرسل هدايا خاصة لمن أوفدهم اليهم، يرفقونها بكتب جوابية في بعض الاحيان، أو برسائل شفوية تبلغ للرسل ليبلغوها هم لسانا أو كتابة الى موفديهم.
و "الوفد"، القوم الغادمون للقاء العظماء، وجماعة مختارة للتقدم في لقاء العظماء. ويقال وفده الأمير الى إلأمير الذي فوقه، أي ورد رسولا. وقد كان سادات القبائل يرسلون وفودا عنهم الى إلملوك أو إلى سادات قبائل أخرى في مهام مختلفة، مثل عقد حلف أو تفاوض أو تهديد لإعلان حرب أو لتهنئة أو لتعزية أو لبيعة وما شاكل ذلك من أمور. وقد اخذت الوفود تترى على الرسول بيثرب لما استحكم وإشتد أمر الإسلام.
(1/2835)
وقد يكون. الرسول المرسل إلى بلاد العرب لا يعرف العربية، فيكون من الضروري إرسال مترجم معه يتقن العربية، ليقوم بأعمال الترجمة. وقد دونت الموارد اليونانية أسماء بعض الرسل الذين أرسلهم ملوك البيزنطيين الى اليمن أو إلى الغساسنة أو المناذرة، للقيام بمهمات خاصة، ولاجراء مفاوضات في أمور تتعلق بالمصالح اليونانية العربية،وقد نصوا أيضا على أسماء بعض، المترجمين الذين رافقوهم إلى ملوك العرب أو الى سادات القبائل. ويظهر أنهم كانوا يختارونهم من رجال الدين النصارى الذين كانت لهم صلات وعلاقات وثيقة بالعرب، ومنهم من كان من أصل عربي.
وكان من عادة سادات القبائل والملوك العرب، انهم إذا أرادوا ارسال ممثل عنهم الى الحكام الأجانب، لمفاوضاتهم في امور تخصهم، اختاروا من عرف بالذكاء والفطنة من أتباعهم للقيام بهذه المهمات التي تحتاج إلى ذكاء ولباقة وحسن تصرف. وهم في هذا الباب مثل غيرهم يراعون أن يكون رسولهم ممن يتقنون لغة من سيرسل اليه، وان يكون من خواصهم ومن أتباعهم، حتى لا يبوح بأسرار مهمة لأعدائهم. وأما إذا تعذر هذا الشرط، فكانوا يختارون مترجمين ثقات عربا أو عجما لمرافقة الرسول، وللتكلم بلسانه، ولنقل ما يقوله الأعاجم للرسول. ونجد في الموارد اليونانية ان عرب بلاد الشام، أرسلوا رجال دين عنهم الى حكام بلاد الشام أو الى القسطنطينية لمفاوضة الروم في المهمات التي كانوا يكلفون بها. ويظهر أنهم إنما لجأوا الى هؤلاء، لأنهم كانوا يتقنون اليونانية ولأنهم نصارى، والروم نصارى كذلك. ولبعضهم صلات برجال الكنيسة في القسطنطينية، فيساعد الدين في تسهيل حل ألمشكلات.
(1/2836)
وقد يذهب ملك عربي أو سيد قبيلة لزيارة الحكام الأعاجم في مواضع حكمهم، أو في أماكن أخرى يتفقون عليها. فإذا لم يكن متقنا ذلك الملك أو سيد القبيلة للغة الحاكم الذي سيزوره أخذ مترجما معه ليكون لسانه الناطق باسمه واذنه التي تفسر له أقوال الحكام والأجانب. ويظهر من الموارد اليونانية أن من الملوك الغساسنة من كان يتقن اليونانية، فلما زار بعض منهم القسطنطينية، تكلم بها وتباحث مع رجال الدين الييزنطيين في أمور اللاهوت بهذه اللغة.
والقاعدة العامة في العرف السياسي عند الجاهليين، أن الموفد لا يهان و لا يعتدى عليه ولا يقتل. وكذلك كان هذا العرف ساريا على رسل الملوك وسادات القبائل وعلى الوفود التي ترسلها القبائل إلى الملوك أو الرسل الذين يرسلهم سادات القبائل بعضهم إلى بعض.وطالما نقرأ في كتب اهل الأخبارجملا مثل: " لولا أنك رسول لقتلناك "، تشير إلى احترام العرب لرسالة الرسل والموفدين. وقد كان بعض الرسل يسيئون الأدب أو لا يحسنون التصرف مع من أرسلوا اليه، فيثيرونهم، ومع ذلاك، فإن من يهاج منهم يحاول جهد إمكانه ضبط نفسه، والتحكم في أعصابه، حتى لا يتههور على الرسول، فيتهم بسوء الأدب بإهانة ضيفه،اويتهم بالغدر. وإذا كان بعضهم قد غدر بالرسل،فإن هذا الغدر لا يمثل العرف العام، وإنما هو غدر، والغدر لؤم، وقد يقع اللؤم من لئيم.
(1/2837)
ولفظة "رسول" والجمع "رسل" هي من الألفاظ العربية القديمة المستعملة في عالم السياسة عند العرب. وردت في نص "أبرهة"، الذي أشار فيه إلى وفود أتت، اليه من مأرب لتهنئته بمناسبة اتمامه سد "مأرب"، فكان من بينهم رسل النجاشي وملك الروم وملك الفرس وملك الحيرة "المنذر" وملك الغساسنة "الحارث بن جبلة" و "أبو كرب بن جبلة". وفي هذا النص ملاحظة مهمة جدا جديرة بالعناية إذ أطلق هذا النص على مندوب النجاشي وملك الروم لفظة "محشكت" أما رسل الملوك العرب المذكورين فقد أطلق عليهم اللفطة العربية "رسل". أي ا، أنه استعمل ثلاثة مصطلحات سياسية في هذا النص لمفهوم واحد، هو رسل أرسلوا من ساداتهم لحضور ذلك الاحتفال.
(1/2838)
وقد يذهب الظن إلى ان النص إنما استعمل تلك المصطلحات الثلاثة، لأنها مصطلحات للغات أولئلك الموفدين، فاستعمل لفظة "محشكت" لأن الحبش كانوا يطلقونها على معنى "رسول" في لغتهم وهذا كلام معقول، ولكن ما باله أطلق تلك اللفظة على رسول ملك الروم ايضا مع انها كلمه غريبة عن اليونانية لم يستعملها اليونان، ولم يستعمل النص المصطلح الرسمي اليوناني المستعمل في اليونانية للسفير ? ثم ما بال النص يطلق لفظة "تنبلت" على رسول ملك الفرس، واللفظة أيضا غير فارسية وغير مستعملة عند الساسانيين أفلا يدل ذلك على أن النص لم يأخذ بالمصطلحات السياسية المقررة عند الحبش والروم والفرس للسفير، وإنما اخذ بشيء اخر، هو اهم من ذلك بكثير، لا صلة له بما ذهب هذا الظن اليه، بل لسبب سياسي مهم، هو ان مندوب ملك النجاشي في نظر ابرهة اهم وأقدم في المنزلة من أي مندوب آخر من المندوبن الذين وصلوا اليه، لذلك قدمه في الذكر على بقية المندوبين، وأطلق عليه لفظه "محشكت"، لأنها في معنى رسول ذي أهمية كبيرة، وله ميزات على الرسل الاخرين، فهو رسول ملك له صلة خاصة قوية، به، ثم ثنى بذكر رسول ملك الروم، لأن الروم أصدقاء وحلفاء الحبش وأبرهة ولهم صلات قوية به، ثم ان ملك الروم مثل ملك الحبشة وأبرهة على النصرانية، فبينه وبين الروم رابطة الاخوة بالدين، فذكر لذلك مندوبهم بعد مندوب النجاشي واستعمل لفظة "محشكت"، لما لهذه الكلمة من معنى خاص في معجم ألفاظ السياسة. وذكر مندوب ملك الفرس بعد مندوب ملك الروم، لأن صلة الفرس بالحبش، لم تكن على درجة صلة الروم بهم، ثم انهم يختلفون عنهم في الدين ويعارضونهم في السياسة، لذلك أخره عن مندوب الروم، وأطلق عليه لفظة تشير إلى أنها دون لفظة "محشكت" في الدرجة والتقدير. ولكنها فوق لفظة "رسل" "رسول" "رسل" في الأهمية والدرجة والمكانة على كل حال.
(1/2839)
لأن ملوك الفرس أكثر شأنا في عالم السياسة من المنذر ومن الحارث ومن أبي كرب لذلك استعمل هذه اللفظة لرسول ملك فارس واستعمل كلمة "رسل" لمندوبي الملوك العرب.
وفي العربية لفظة أخرى تؤدي معنى "رسول"، هي لفظة "سفير". ويذكر علماء العربية أن السفير: الرسول والمصلح بين القوم. وكان أهل مكة إذا وقعت بينهم وبين غيرهم حرب أو خصومة، بعثوا سفيرا. وكانت السفارة في "بني عدي".
ويقال للرسول "اسى" في العربيات الجنوبية، تعبيرا عن رسول يرسل بمهمة خاصة.
ولجلوس رجال الوفود عند الملوك وسادات القبائل اهمية كبيرة عند العرب، فالمقدم على الناس يكون أيمن الملك أو ايمن سيد القبيلة، وهكذا. وجلوسه هذا على هذأ النحو وعلى هذا العرف هو علامة ايضا، له على غيره. ويقوم الحجاب أو من اليه امر استقبال الوفود بتطبيق هذه القاعدة مراعاة شديدة، وقد يتولى الملك ذلك بنفسه، فيطلب من كبير القوم أو ممن يريد تشريفه وتفضيله على غيره الجلوس إلى جانبه الأيمن، ويفتخر عندئذ من ناداه الملك بالجلوس إلى يمينه فخرا شديدا، ويتباهى بهذا التقديم على غيره، وتعتز قبيلته به، فتقدم الرجال عند الملوك والسادات من امارات الشرف والعز. وقد يخلق مثل هذا التقديم للملك مشكلات خطيرة، إذ يزعل الباقون من هذا التفضيل، خاصة إذا كانت بينهم وبين من قدم عليهم عداوة أو منافسة، فيرون في هذا التقديم ازدراء بهم وإهانة متعمدة قد وجهت أليهم. وقد يتركون مجلس الملك.، ويقع ما يقع بين الملك وبين إلمنزعجين، أو بين من قدم ومن قدم عليهم.
(1/2840)
ومن آيات تكريم رئيس الوفد، ان ألملك كان إذا وضع الشراب،بدأ بالشرب أولا، فإذا إنتهى اسقى من كأسه من يراه أفضل القوم، وهو رئيسهم، أو انه يأمر السقاة أو يشير اليهم اشارة واضحة أو خفية بتقديم من يراه أهلا للتقديم، ومعنى هذا انه أفضل الوفد. وقد أثار هذا التقديم مشكلات خطيرة للوفود المتنافسة التي كانت تفد على الملوك، وإلى الملوك أنفسهم، ولا سيما املوك الذين تحكمت اعصابهم بهم، مثل "عمرو بن هند" و "النعمان بن المنذر". وقد قتل "عمرو بن هند"، كما سبق ان تحدثت عن ذلك بسبب تهوره وانسياقه لعواطفه، إذ دعا الشاعر "عمرو بن هند" وامه لزيارته، وكان ينوي الاساءة اليه، لأنه كان فخورأ متعززا بنفسه، فأمر الملك أمه بأن تكلف أم الشاعر بخدمتها، وهي من أعز النساء في قومها ولانها من بيت رئاسة، فلما صرخت "واذلاه"، وسمع ابنها الصرخة، ثار على الملك فقتله.
وكان من عادة ملوك الحيرة، انهم يتخذون للوفود عند انصرافهم مجلسا: يطعمون فيه ضيوفهم، ويسقو فيها الخمور، وقد تغنى فيه القيان، ثم يعطي الملوك الخلع والهدايا لاعضاء الوفود، وقد يخلعون عليهم الخلع الملكية، يعطونها لخاصة من حضر دلالة على زيادة تقديرهم لهم. ويتباهى من يناله هذا الحظ السعيد بتلك الملابس ويحتفظ بها للاعتزاز.
(1/2841)
وقد جرت العادة بإنزال الوفود في دار الضيافة، ليعتنى بالضيوف الوافدين ولينالوا حريتهم وراحتهم بها. ويظهر ان من عادة إلعرب إذ ذاك ان الوفد منهم إذا انتهت مهمته وقرر الرجوع إلى اهله، عملت له وليمة في آخر يومه،وقدمت له هدية، وتسلم له رسالة ان احتيج إلى ذلك. وقد اتبعت هذه العادة في يثرب حينما أخذت الوفود تترى على الرسول لمبايعته ب الإسلام. فقد اتخذ الرسول دارا خاصة بيثرب لتكون دارا تنزل بها الوفود، عرفت ب "دار رملة بنت الحارث" امرأة من بني النجار. ويظهر انها كانت دارا واسعة، بدليل ما ورد من ان ا الرسول حبس، بها "بنو قريظة" لما نزلوا إلى حكمه. ولا يمكن إنزال عشرات من الناس بها لو لم تكن دارا واسعة كبيرة. كما كان الرسول يأمر المكلف بأمر الوفود بإعطائهم بم جوائز يعينها له،فيعطى مقدار ما يأمره به الرسول، وما يكتبه لهم من اقطاع.
صكوك المسافرين
هي جواز السفر في اصطلاح هذا اليوم. كان على المسافر حمله معه لئلا يتعرض به أحد، يمنحها الملوك وسادات القبائل،وتختم بختمها، فلا يتحرش احد بحاملها. ويؤمن على سلامته. وإذا اعتدى عليه معتد طالب صاحب الجواز بحقه من المعتدي عليه.وتعطى مثل هذه الصكوك للوفود وللنابهين من الناس من أصحاب المكانة والجاه.
وقد يكون الجواز شيئا غير مكتوب. فقد كان "جواز" أهل مكة ومن كان في حلفهم لحاء شجر الحرم، يعقدونه في أعناقهم أو في أعناق ابلهم، ليكون علامة على أنهم من "قريش" أو من قوم لهم عهد وعقد معهم فلا يتجاسر أحد على التحرش بهم. للعهود المعقودة بين قريش وبين سادات القبائل، بعدم تحرش احد برجل من اهل مكة أو ممن يكون في جوارهم ومن له عهد معهم.
وقد يكون الجواز شيئا بسيطا عصا أو سهم أو اي شيء آخر. يعطيه شخص شخصا اخر ليكون جواز أمان وسلام، إذا ابرزه لم يتحرش أحد به.
(1/2842)
ويكون محرما، اي مسالما لا يجوز لأحد الاعتداء عليه لأنه في حرمة صاحب الجواز، ولا تهتك لصاحبه حرمة. ولما جاء الإسلام، جعل المسلمين محرما.
جاء في الحديث: "كل مسلم عن مسلم محرم "، و "كل مسلم عن مسلم محرم، اخوان نصيران". معناه ان المسلم ممسك عن مال المسلم وعرضه ودمه. وانه معتصم ب الإسلام ممتنع بحرمته ممن أراده وأراد ماله. فكل واحد هو في الإسلام امن.
ومن عادة ملوك الحيرة اعطاء "القطوط" للناس، وهي صكوك الجوائز، أي كتب تخرج للناس فيها جوائز الملك، فيقبضون مقدار ما كتب فيها. وقد ذكرها الاعشى في قوله: ولا الملك النعام يوم لقيته بغبطته يعطي )القطوط( ويأفق
وذكر ان القط: الصك بالجائزة والكتاب، وقيل: هو كتاب المحاسبة، وفي ذلك يقول امية بن ابي الصلت: قوم لهم ساحة العرا ق جميعا، والقط والقلم
الفصل الرابع والخمسون
الغزو وأيام العرب
الغزو
والغزو في تعريف علماء اللغة: الطلب. وهو مورد من أهم موارد الرزق عند الأعراب، لا سيما في سني انحباس السماء وانقطاع الغيث وغضب السماء على الأرض ونفورها منها، حيث تقطع غرامها بها، فتحبس عنها دموعها المعبرة عن شوق السماء إلى الأرض وعن مكانهم المنكوب إلى مكان آخر فيه ماء: بئر أو ماء جار، أو عين دائمة والاستيلاء عليه عنوة وقهرا، أو صلحأ بغيرقتال، وذلك إذا وجد أصحاب الماء أن من غير الممكن لهم، مقاومة الغزاة، وأن خير ما يفعلونه للحفاظ على حياتهم، هو ترضية الغازين والتودد اليهم، وارضائهم من غير حرب ولا قتال، وفي ذلك توفيق بين مصلحة الغازين والقارين.
(1/2843)
وقد يقع الغزو لأسباب أخرى لا علاقة لها بانحباس المطر، بل بسبب طمع القبائل بعضها في بعض، ولا سيما القبائل التي ترتبط بروابط حلف مع قبائل أخرى. والعادة أن القبائل القوية تطمع في القبائل الضعيفة لتأخذ منها ما عندها من مال ورزق. فتغزوها لتستولي على ما طمعت به، وقد تنجح وقد تفشل وتخسر. والقبائل الضاربة على أطراف الحضارة، تطمع في الحضر لما عندهم من رزق حرمت منه، من رزق وافر ومن ماء ومن وسائل عيش رغيدة، فتغزوهم ولهذا صار من اللازم على الحضر تعزيز أنفسهم، بناء حصون وآطام ومناظر لمراقبة الغزاة، وبشراء سلاح لا يتوفر عند الأعراب من سيوف ماضية صلبة حادة، ومن اتخاذ حرس من ألرقيق والمرتزقة ليساعدهم في الدفاع عن حاضرهم، أضف إلى ذلك شراء سادات القبائل الضاربين حولهم بالمال وبالهدايا وبالألطاف، لمنع أعرابهم من التحرش بهم، ولمنع الأعراب الغرباء الذين قد يطمعون فيهم من الدنو منهم.
أضف إلى ما تقدم من أسباب وقوع الغزو:أثر العلاقات الشخصية بين سادات القبائل، من زواج وطلاق، ومن حسد وتنافس، ومن كلمة نابية قد تثير حربا بين قلبي شخصين متنافرين، ومن عمل سفيه جاهل يثير غزوا وحربا بسبب عصبية قومه له، ودفاع الجانب الاخر عن صاحبهم حمية وغيرة. الى غير ذلك من عوامل معقولة مفهومة وعوامل تافهة سخيفة نجد لها مع ذلك مكانة في القلوب فتثير غزوا وتسبب نكبة لأناس مساكين فقراء، لا دخل لهم في كل خصومة، وكل ما لهم أنهم من قوم غضب عليهم قوم آخرون، فزادوا في تعاس إخوانهم المغزوين.والغازي والمغزو مع ذلك معدم محروم من النعم التي وهبتها اطبيعة لغيرهم من البشر، بأن جعلتهم في أرضين خصبة ذات ماء وخيرات وجو حسن، أما هؤلاء التعساء أبناء البادية، فلم يجدوا أمامهم من رزق متيسر سهل سوى الرزق عن طريق هذا الغزو.
(1/2844)
فالغزو إذن هو حاصل ظروف طبيعية واقتصادية واجتماعية، ألمت بالأعراب واجبرتهم على ركوب هذا المركب الخشن. كارهين ام مختارين فليس للاعرابي للمحافظة على حياته ولتأمين رزقه غير هذا الغزو. وقد بقي يغزو حتى في الإسلام، مع منع الإسلام له لا يجد فيه مع ذلك غضاضة ولا بأسا. وهو ان امتنع اليوم منه وطلقه، فأنه لم يتركه عن ارادة واختيار وطيب خاطر، وانما امتنع منه لانه يعلم انه ان قام به، فأن هنالك حكومات اقوى منه، لها اسلحة لا يملكها ولا يستطيع التغلب عليها، وعلى رأسها الطائرات، ستفتك به فتكا ذريعا، وتكرهه على الخضوع لاحكامها، وعلى الاستسلام لها، وعلى تجريده مما يملكه ومما يستولي عليه لذلك خنس وسكت عن الغزو.
ومن هذا الغزو، غزو وقع في الجاهلية بين قبائل صغيرة، لذلك لم ينل من أهل الأخبار حظا من الذكر و الرعاية والعناية، ولم يجد له مكانا بارزا في صفحات كتب الأخبار، وغزو كبير خلد الشعر الجاهلي ذكره، فأخذ رواة الشعر يتسقطون أخباره، ويجمعون ما وعته ذاكرة رواة الأخبار من أمره، فوجد له مكانا فسيحا رحبا في شروح الشعر الجاهلي وفي كتب إلأخبار والأدب وقد عرف مثل هذا الغزو الخالد ب "أيام العرب" وب "ايام القبائل". وقد ذكر صاحب كتاب "الفهرست" أسماء جماعة من علماء الأخبار ألفوا فيها، وشغلوا أنفسهم بجمع أخبارها، دونوها في كتب وفي جملتها مدونات عن أخبار ايام وقعت بين بطون قبيلة واحدة.
(1/2845)
وقد تداول الجاهليون أخبار الغزو، وصيرت القبائل المنتصرة ألأيأم التي انتصرت فيها ملاحم، تعيد قصها في مجالسها وأنديتها، وقد زخرفت قصصها بأخبار الشجعان الذين برزوا فيها، وبالغت في أخبار شجاعتهم حتى طغت على أخبار الغزو نفسه، وصار البطل رمزا للقبيلة، تستمد منه الشجاعة والإقدام في النصر وفي الهزائموالخسائر. فالنصر كما نعلم لا يدوم لاحد، ورب قبيلة وكر عليها طير السعد فسعدها الحظ بالنصر، ثم طار عنها، لأن الأيام الحلوة لاتدوم أبدا. وقد تصاب القبيلة المنتصرة بنكسة،فتعوض عن ذكرى خسارتها، بذكرها انتصارها في الماضي، فيكون الماضي خير مسل لها عن مرارة الهزيمة،وأحسن مشجع وباعث على النصر في غزو المستقبل.
وقد أمدتنا أخبار الغزو بأسماء عدد من أبطال الجاهلية عرفوا بالشجاعة،لا تزال أخبار بعضهم تروى وتقص على الناس. وتقرأ قصتهم في المجالس مثل قصة "عنترة" التي حصلت على النصيب الاوفر من الشهرة والذكر من بين القصص المروي عن أبطال الجاهلية، وهو قصص مهما قيل عنه، ومما ورد فيه من مبالغات، فإنه لا يصل إلى درجة القصص المروي عن أبطال الفرس، القدماء أو اليونان أو الرومان أو العبرانيين في المبالغة بشجاعتهم وبقوة أجسامهم الخارقة.
(1/2846)
لقد فرضت الطبيعة على العربي أن يكون محاربا غازيا،فقد حرمته من خيرات هذه الدنيا ومن طيبات ما تنبت الأرض. حرمته من وجود حكومة تحميه وتدافع عنه وحرمته حتى من وسائل الدفاع عن النفس. فجعلته لا يملك شيئأ يكن اليه في البوادي ليحمي به نفسه من الرياح السموم ومن أشعة الشمس القاسيةو الحيوانات الوحشية، وجعلته يقابل المرض بمفرده، إذ ليس في البادية طبيب حاذق دارس. فلم يكن أمامه والحالة هذه إلا أن يعلم نفسه الصبر، وان يصير محاربا غإزيا لا يبالي بالنصر او بالخسارة، بالحياة أو بالموت. إن خسر هذه المرة، حاول تعويض الخسارة بجولة جديدة وهكذا. لأنه إن يئس وجلس واستسلم للزمان، أكله جار له يطمع في ماله مهما كان،فهو لا بد له من استعداد لغزو جديد.
وفقر البادية قد حدد في الوقت نفسه من غرام الأعراب في الغزو. إذ حعل اسلحتهم محدودة وامكانياتهم في القتال دون امكانيات الحضر يكثير. لذا صار غزوهم للحضر كر سريع وفر بأقصى ما يكون من السرعة، للنجاة بما حصلوا عليه من سلب، او للنجاة بأنفسهم من القتل في حالة الخسارة والهزيمة. ولهذا كانوا يحسبون الف حساب حين يريدون غزو حدود الحكومات التكبيرة، ولا يقدمون عليه إلا بعد درس وتأمل ووقوف على مواطن الضعف والثغرات في خطوط الدفاع لتلك الحكومات. اما غزوهم بعضهم بعضا، فأن اسلحتهم فيه متساوية متكافئة. سيوف ورماح ورمي بالسهام. والذي يكسب النصر فيه، من له عدد وافر كثير وخيل وفرسان شجعان، يأخذون الخصم بمباغتة ومفاجأة.
الخيل
(1/2847)
وللخيل نصيب كبير ولا شك في الغزو وفي اكثاره في جزيرة العرب إذ صارت سببا من أسباب توسيع رقعة الغزو والحروب. فالقبيلة ألتي تمتلك عددا كبيرا من الخيل يكون لها النصر في الغالب، لأن الخيل سريعة الحركة وهي تمكن الفارس من مقارعة خصمه بسرعة، ومن ملاحقة الراجل والوصول اليه بسهولة، فلا يكون أمامه عندئذ سوى المقاومة أو القتل أو الوقوع في الأسر. وبفضل الخيل ظهر الأبطال الفرسان، الذين نقرأ أسماءهم في أخبار الأيام. والحصان مثل البطل، يجب عده من ابطال معارك تلك الايام. فقد مكن القبائل الغنية من بسط نفوذها على القبائل الضعيفة. فالجمل ثقيل الحركة بطئ السير بالنسبة للفرس، وفي أمكان من لديه عدد كبير من الخيل غزو القبائل التي لا تمتلك مثل هذا العدد من الخيل، حتى وإن امتلكت عددا كبيرا من الإبل والرجال. لما ذكرته من سرعة حركة الخيل ومن مرونتها في القتال وفي الكر وفي الف، ثم لصبرها ولتحمل أعصابها على ظيط نفسها في القتال بالنسبة إلى الجمل الذي يهيج بسرعة فتثور أعصابه، فيولي لا يبالي إلى حيث يوجهه هياجه، ملقيا براكبه عن ظهره في بعض الأحيان، أو يذهب طائشا مسرعا، لا يخضع لتوجيه راكبه له. والجمل إذا هاج صار من الصعب على صاحبه الامساك بزمامه وتوجيهه حيث يريد.
وقد اشتهر بعض الناس بالعدو، من هؤلاء: "سليك بن السلكة" المعروف ب "سليك المقانب". وكانت أمه سوداء. وهو أحد أغربة العرب، وأعدى الناس، لا يشق غباره، وقد أشير اليه في الشعر. وقد استفيد منهم في الغزو، فكان منهم المخبرون المتلصصون لأخبار الغزاة أو المغزوين. وكان منهم من يباغت ويفر، فلا يلحق به ماش. فاذا لحقه احد اتبعه في عدوه، حتى اذا تعب انقض،عليه.
الجمل
(1/2848)
وقد أكون مقصرا هنا إذا أهملت الحديث عن صديق جزيرة العرب وأليفها الحبيب: الجمل. لقد تحدثت عنه في الجزء الأول من هذا الكتاب في أثناء تحدثي عن جزيرة العرب وعن ثرواتها بما فيه الكفاية، ولكنني لا زلت بحاجة إلى التحدث عنه بشيء لم أذكره في ذلك المكان، وسأذكره هنا لما له من صلة بهذا الموضع.
والأبل هي المال عند العرب. وبها كانوا يقدرون أثمان الأشياء ويتعاملون في تجارتهم و في اسواقهم. فالجمل عندهم هو وحيدة قياسية في البيع وفي الشراء. وفي تقدير الحقوق كالديات والفدية والمهور والاراشة وما شاكل ذلك. وبمقدار ما يملك الإنسان من جمال تقدر ثروته وينظر إلى غناه،لأنه الحيوان الوحيد الذي في إمكانه قطع البوادي بخيلاء، رافع الرأس، غير عابىء بما يكون تحت أخفاف أرجله من رمال، هازىء بالعطش إذ هو صبور عليه، لمدة لا يمكن أن يباريه في طولها حيوان آخر. ثم هو يحمل الإنسان ويحمل متاعه. وهو طعام الإنسان إن مضه الجوع، أو جاءه ضيف كبير. وهو يشرب حليب،النوق ويجد فيه شفاء وعافية وتعويضا عن الماء والطعام. فلا عجب إذن إن اتخذ الأعرآبي الجمل مقياسا نلثم للثروة والمال.
والإبل على منازل ودرجات فيها الجمل الأصيل المقدر وفيها اجمل الحرود المبتذل. وخير الإبل عندهم: الإبل الحمراء، لأنها أصبر من غيرها على الهواجر، والعرب تفتخر بعدد ما عندها من الجمال الحمر، لغلاء ثمنها بالنسبة إلى الجمال الأخرى ومن هنا ضرب العرب بها المثل حين قالوا: لا ما أحب ان لي بمعاريض الكلم حمر النعم "ا. فالمراد بحمر النعم: الإبل الحمراء.
(1/2849)
والإبل الصهباء من الإبل الجيدة الشريفة في نظر ! العرب. "قال ابن الأعرابي: تقول قريش: الإبل صهبها وأدمها، يذهبون في ذلك إلى تشريفها على سائر الإبل. وقد أوضحوا ذلك بقولهم: خير الإبل: صهبها وحمرها. فجعلوها خير الإبل". وقيل الأصهب من الابل الذي يخالط بياض حمرة. وهو ان يحمر أعلى الوبر ويبيض أجوافه. وقد عرفت هذه الإبل بسرعتها. والصهباء الناقة الصهابية.
وفي الحديث: كان يرمي الجمار على ناقة صهباء. وإبل صهابية منسوبة إلى فحل اسمه "صهاب"، أولد الإبل الصهابية.
وعدت ألإبل الرمكاء، من أبهى إبل العرب. وأما النوق الخور، فهي النوق التي تمتاز عن غيرها بكثرة ألبانها، وتكون ألوانها بين الغبرة والحمرة وفي جلودها رقة. وقد عدت من الجمال الرقيقة الحسنة. قالت العرب: الحمر من الإبل أطهرها جلدا والورق أطيبها لحما والخور أغزرها لبنا. وقد قال بعض العرب: "الرمكاء بهياء والحمراء صبراء والخوارة غزراء ".
ويقسم اهل الاخبار الابل الى ثلاثة اصناف: يماني، وعراب، وبختي. فاليماني هو النجيب وينزل بمنزلة العتيق من الخيل. والعرابي كالبرذون. والبختي كالبخل.
وذكر أن في الإبل ما هو وحشي وانها تسكن أرض وبار، وهي غير مسكونة بالناس. وتسمى الإبل الوحشية "الحوشي". ويذكرون أنها من بقايا إبل "عاد" وثمود. والمهرية منسوبة الى "مهرة"، وهي سريعة إلعو، ويعلفونها من قديد سمك يصطاد من بحر عمان، وذكروا أن "الحوشي" الوحشي من الإبل وغيرها. منسوب إلى بلاد ألجن من وراء رمل "يبرين"، لا يمر بها أحد من الناس. وقيل هم من بني الجن. وقيل هي فحول جن، تزعم العرب أنها ضربت في نعم بني مهرة بن حيدان فنتجت النجائب المهرية من تلك الفحول الوحشية،فنسبت اليها، فهي لا يكاد يدركها التعب.
(1/2850)
ولتحمل الإبل الجوع والعطش ولصلاحها على المشي في البوادي صارت خير أليف للعرب. وقد اشتهر بعض منها، لاشتراكه في الغزو والحروب. وكانوا يسابقون بين الإبل. وسابق الرسول بين،الإبل، وكانت ناقته القصواء سريعة الجري فسبقت مرارا. وتعد لحوم الإبل من اللحوم الطيبة عند الجاهليين. أما أليهود، فكهانوا يحرمون عليهم أكل لحومها. وذكر "النويري" أن من الناس من قال:"إن العرب إنما اكتسبت الأحقاد لأكلها لحوم الجمال ومداومتها "، لاتهامهم الجمل بالحقد واللؤم، وبعدم نسيانه الإساءة.
والجمل من الحيوانات القانعة الصابرة. وهو الحيوان الوحيد الذي رضي بمرافقته الأعراب ومصادقتهم منذ آلاف السنين. ولولا هذا الجمل لما كان في استطاعة العرب اختراق جزيرتهم، والتنقل فيها من مكان إلى مكان. وبفضله اتصل عرب جزيرة العرب بعضهم ببعض وقامت المستوطنات في مواضع نائية منعزلة من بلاد العرب وقهر العربي ظهر باديته. وتكونت فيها تجارة برية. وطرق برية طويلة يخترقها الجمل بغير كلل ولا ملل صابرا على العطش حتى يصل إلى مرحلة بعيدة فيها يكون فيها ماء وفي استطاعة الجمل تحمل العطش مدة أربعة أو خمسة أيام في الصيف، ومدة خمسة وعشرين يوما في الشتاء. لانه بختزن الماء في جوفه ويعيش.عليه. حتى صار هذا الماء المخزون في جوف البعير سندا للاعراب وأملهم الوحيد في انقاذ حياتهم عند اشتداد العطش بهم، وانقطاع الماء عنهم. ولما عبر خالد بن الوليد البادية لفتح بلاد الشام اختزن الماء في اجواف الابل، لقلة الماء في البادية، فلما اشتد العطش بجيشه، ذبح بعض الابل واسقى من الماء المخزون في اجوافها، وبفضله تمكن الجيش من الصمود امام اهوال العطش ومن الوصول إلى بلاد الشام بسلام. وهكذا ساهم هذا الحيوان في انتصار خالد على جيش الروم.
(1/2851)
ولا زال الجمل عماد الأعراب في حياتهم. ولا يمكن أن نتصور وجود أعرابية بغير جمل وقد أناط إنسان القرن العشرين به أعمالا جديدة لم يكن يعرفها، فعهد إليه نقل الآلات الحديثة ومنتوجات حضارة هذا القرن في البوادي فنجح في أدائها أحسن نجاح. ومع ذلك، فان الزمن ضده، فالجمل بطئ لا تتناسب سرعته وسرعة عصور السرعة وطفرات التطور الحديث ولا بد وأن يأتي عليه يوم سيحال فيه على التقاعد عن العمل، فيقل بذلك وجوده، ويصير مكانه في حدائق الحيوان.
ولتمييز الإبل وتعيين أصحابها، وسمت بسمات وعلمت بعلامات عرفت عندهم ب "سمة" و "سمات"، توسم في الخد والعنق والفخذ، على صور شتى، مثل المشط والدلو والخطاف، أي على صورة هذه الأشياء. ويكون وسم الإبل بالميسم: حديدة تحمى فيكوى بها، فتترك أثرا على الموضع الذي كوي. وذكر ان الوسم أثر.، أثر كية، يقال: موسوم، أي قد وسم بسمة يعرف بها، إما كية، وإما قطع اذن أو قرمة تكون علامة له. والوسام والسمة ما وسم به الحيوان من ضروب الصور. وفي الحديث انه كان يسم إبل الصدقة، أي يعلم عليها بالكي.
وسمات الإبل: السطاع، والرقمة، والخباط، والكشاح، والعلاط، وقيد الفرس، والشعب، والمشيطفة، والمعفاة، والقرمة والجرفة، والخطاف والدلو، والمشط، و الفرتاج، و الثؤثور، والدماغ، والصداع، و اللجام، والهلال، و الخراش، و العراض، و اللحاظ، والتلحيظ، و التحجين، والصقاع، و الدمع.
ويقع الغزو في وجه الصباح في الغالب، ولذلك يقال: طصبحوا ب ..." أي اتوا صباحا. وقد يقال: "صبحه بكذا"، أي بعدد يذكر من رجال الغزو. ومن ذلك قول بجير بن زهير المزني: صبحناهم بألف من سليم وسبع من بني عثمان وافى
أي أتيناهم صباحا بألف رجل من "بني سليم".
أيام العرب
(1/2852)
عرفت الحروب والمناوشات التي وقعت بين القبائل بعضها مع بعض، أو بين ملوك اليمن والقبائل أو بين الفرس والعرب أو بين الملوك العرب والقبائل ب "الأيام" وب "ايام العرب". وهذه الأيام تؤلف - في الواقع - القسط الأكبر من علم الأخباريين بتأريخ الجاهلية، ومادتها القصص الذي تناقله الناس عمن شهدوها، وحفظوه في صدورهم، إلى أن كان التدوين فدون. وهو مادة محبوبة تناولها الناس في الجاهلية و الإسلام بلذة وشوق، فكونت هي والشعر الجاهلي من أهم المجالس. "قيل لبعض أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ما كنتم تتحدثون به إذا خلوتم في مجالسكم قال: كنا نتناشد الشعر، ونتحدث بأخبار جاهليتنا"، وأهم أخبار الجاهلية هي هذه الأيام.
ومادة هذه الأيام عربية خالصة، يتخللها شعر قيل بالمناسبة في تلك الأيام في الفخر والحماسة وفي هجاء الخصم والانتقاص منه. والفضل هو لهذا الشعر في حفظ اخبار تلك الأيام، وصيانتها من النسيان، لاضطرار الراوي والسامع إلى الاطلاع على المناسبة التي قيلت فيها تلك الأشعار. وعلى هذه المادة العربية اعتماد المؤرخ في تدوين تأريخ العرب في الجاهلية، وتتبع التطورات السياسيه التي حدثت قبيل الإسلام.
وفي شعر المخضرمين وشعر الشعراء الإسلاميين الذين نبغوا في العهد الأموي مادة تفيدنا في الوقوف على خبر تلك الأيام. فقد حفظ تفاخر الشعراء بقبائلهم ومهاجاة بعضهم لبعض اثار تلك الأيام، فدونت في شعر الهجاء والتباهي والتفاخر، وزاد بذلك علمنا الذي أخذناه من أخبار الأيام ومن الشعر الجاهلي الذي أشر فيه اليها.
(1/2853)
وموضوع كموضوع الأيام، لا بد أن يقبل العلماء عليه اقبالا كبيرا، وهذا ما وقع، فألف فيه جماعة، منهم "أبو عبيدة" المتوفى سنة "210" أو "211" للهجرة، وأدخله قوم في مؤلفاتهم، فأفردوا له بابا أو أبوابا، ولكنا لا نملك حتى اليوم كتابا قديما قائما بذاته في الأيام. وكل ما نملكه هو هذه الأبواب الداخلة في بطون كتب الأدب في الغالب وفي بعض كتب التأريخ والجغرافيا، سأشير اليها في أثناء حديثي عن الشهر من هذه الأيام.
وقد أشار "ابن النديم" وغيره إلى أسماء مؤلفين ألفوا كتبا في أيام العرب. منهم من ألف عنها كلها، ومنهم من ألف عن بعضها. ومنهم من ألف في أيام قبائل معينة. لكنها لم تطبع، ولعل من بينها من قد يطبع في المستقبل. وقد ورد أن "أبا الفرج الأصبهاني" قد استقصى أيام العرب في كتاب أفرده لذلك، فكانت أيامه ألفا وسبعمائة يوم.
(1/2854)
ولكن هذه الأيام غير منسقة ويا للاسف، ولا مبوبة على حسب ترتيب الوقوع، وتسلسل الزمن. ثم إن من الصعب استخراج مستند منها يمكن الاعتماد عليه في تصنيف هذه الأيام، وتنظيمها على أساس تأريخي، مع انها مادة المؤرخ الذي يريد كتابة تأريخ جزيرة العرب قبل الإسلام ودراسة التطور السياسي فيها. وقد حاول المستشرقون تنسيقها وترتيبها على أساس تواريخ الوقوع، فلم يفلحوا إلى الان في الوصول الى نتيجة مرضية. ولو كانت لدينا معارف عن أحوال من أسهم فيها وأجج نارها ومن قال شعرا فيها، ثنير لنا السبيل لتثبيت التأريخ وضبط المدنين، لصار في امكاننا ضبطها وتعين تواريخها استنادا إلى هذا المروي عن أولئك. ولكن ما نعرفه عن هؤلاء الرجال، وهم أبطالها وأصحابها، لايقل غموضا وابهاما من حيث التواريخ والسنين عن غموض تواريخ تلك الأيام وإبهامها، ولذلك فكل ما يقال عن تواريخ الأيام وترتيبها والسنين التي وقعت فيها، هو حدس وتخمين. وسيبقى الحال على ذلك، حتى تتهيأ مادة جديدة كنصوص جاهلية مدونة أو موارد أخرى قد تتعرض لتلك الأيام بتأريخها أو بتأريخ من اشترك فيها على وجه مضبوط صحيح. وعندئذ يكون في الآمكان تدوينها على نحو علمي يشرح لنا تطور الحوادث عند العرب قبيل الإسلام.
ولوجود مجال واسع للعب العاطفة في أخبار الأيام، تجب دراسة الروايات على حذر، والتفتيش - على قدر الامكان - عن روايات مثعددة عن اليوم الواحد، للمقارنة والمقابلة والغربلة. وليس هذا بأمر ميسور،لأن الروايات والأخبار محدودة، وهي ترجع بآخرة إلى نفر تستطيع حصرهم. فهذه الأبواب، وإن كانت متعددة منثورة بين مؤلفات، دونها مؤلفون مختلفون، إلا انها أخذت من ذلك النفر، فهي لم تأت لهذا السبب في ثناياها بشيء جديد.
(1/2855)
وفي هذا النفر المذكور، نفر منحاز متحزب، يشايع قومه، ويريد نسبة الغلب والتفوق لهم، والغض جهد إمكانه من خصوم قومه ومن الأطراف التي خاصمت قومه واشتبكت معها في قتال، وهو مكثر بالنسبة لجماعته، مبالغ يسند مبالغاته بكلام منثور ومنظوم، ليثبت صحة قوله، ولهذا وجب الانتباه لهذه الناحية والحذر من تصديق كل رواية وإن نسبت إلى خيرة من نثق بعلمهم من الرواة.
وهذه الأيام ليست حروبا بالمعنى المفهوم من الحرب، فإن منها ما هو مجرد مناوشات أو مهاترات وغزوات لم يسقط فيها إلا بضعة أشخاص، ومنها أيام وقعت في عدة سنين كانت تثار فيها الحرب حينما تتجدد المناسبات، وتنتهي بتسويه، يتفق فيها على دفع ديات القتلى وانهاء المشكلات الني كانت السبب في إثارة تلك الحرب، فاذا ما انتهت، بقيت القبيلة المنتصرة تفتحر بيومها وبأيامها، وباسماء أبطالها الذين رفعوا اسمها فيها. وطالما جر التباهي والتفاخر القبائل إلى حرب جديدة، بسبب جواب قد يصدر من سفيه عابث لا يرضيه سماع ذلك الفخر، أو من قبيلة مغلوبة لم يكن من السهل عليها أو على أفرادها سماع هذا الكلام.
والنابه من هذه الأيام، معدود عند بعض العلماء محدود. وقد حصرها "أبو عبيدة" في الأيام الكبيرة العظيمة، التي ساهم فيها عدو كبير من الفرسان. وجعلها:يوم الكلاب، ويوم ربيعة، ويوم جبلة، ويوم ذي قار.
واكثر اسباب هذه الايام، هو عسف حكام القبائل القوية في القبائل الضعيفة الخاضعة لهم، بسبب الاتاوة التي كانوا يلحون في جبايتها غير مفكرين في الظروف والاوقات، او بسبب نزاع على ماء ومرعى، او اخذ بثأر، او محاولة للتخلص من حكم القبائل على القبيلة بظهور شخصية قوية فيها، وامثال هذه من اسباب، قد يكون بينها سبب تافه سخيف، يؤدي الى ازعاج المتخاصمين بسبب النزعات العاطفية التي تتغلب عند القبائل في غالب الاحوال على العقول.
(1/2856)
والعادة أن يعنون اليوم باسم الموضع الذي حدثت فيه المعركة، أو بالشيء البارز في تلك الحرب، أو بأسم القبائل التي اشتركت فيه. ومن هذه الأيام ما وقع بين قبائل قحطانية، ومنها ما وقع بين قبائل عدنانية، ومنها ما وقع بين قبائل قحطانية وقبائل يرجع النسابون نسبها إلى مضر وربيعة، وإلى معد والى، عدنان، فهي أيام وقعت إذن بين جماعتين هما في عرف النسابين من جدين، هما: قحطان وعدنان. وهما جدا كل العرب الأحياء.
ومن الأيام التي وقعت بين القبائل القحطانية: يوم البردان، ويوم الكلاب
الأول وعين أباغ ويوم حليمة ويوم اليحاميم، وأيام الأوس والخزرج. وأما أيام القحطانيين والعدنانين، فمنها: يوم البيضاء، ويوم طخفة، ويوم أوارة الأول، ويوم أوارة الثاني، ويوم السلان، ويوم خزار ويوم حجر، ويوم الكلاب الثاني، ويوم فبف الريح، ويوم ظهر الدهناء.
وأما الأيام التي وقعت بين القبائل العدنانية، فمنها ما وقع بين قبائل ربيعة فيما بينها، ومنها ما وقع بين ربيعة وتميم، ومنها ما وقع بين قبائل قيس فيما بينها، ومنها ما وقع بين قيس وكنانة، ومنها ما وقع بين قيس وتميم، ومنها أيام ضبة وغيرهم.
وهناك أيام وقعت بين العرب والفرس مثل يوم الصفقة ويوم ذي قار. وقد تحدثت عن الأيام التى وقعت بين القبائل القحطانية، وعن الأيام التي وقعت بين العرب والفرس في الأماكن المناسبة الخاصة بها. فلست أجد حاجة هاهنا إلى الكلام عليها مرة ثانية، وسأقتصر هنا على الأيام الأخرى.
(1/2857)
والأيام بين ما يسمى بالقبائل العدنانية أكثر بكثير من الأيام التي وقعت بين القبائل القحطانية، وسبب ذلك هوانها أكثر بداوة وأعرابية من القبائل الثانية، وأن من طبع البداوة: الفردية والخصومة والتنازع والتحاسد، بسبب ضيق العيش وقلة المال وتحول القبائل من مكان الىا مكان وراء الماء والكلا. لذلك قل اجتماع العدنانيين تحت رئاسة رئيس واحد، وتقاتلوا وتخاصموا، وفضلوا الخضوع لحكم رئيس بعيد عنهم على الخضوع لرئيس منهم، لأن النفسية الأعرابية ترى في خضوع أعرابي لأعرابي من جنسه استكانة ومذلة.أما خضوعها لحكم غريب عنها، فليس فيه شيء من ذلك، ولهذا خضعت لملوك المناذرة أو الغساسنة أو لكندة أو للتبابعة، ونفرت من الخضوع لرئيس عدناني لعقدة التنافس والتناحر بين ذوي القربى.
والقبائل العدنانية، قبائل خشنة شديدة المراس، القتال عندها طبيعة، ولو اتحدت وجمعت كلمتها ووحدت أمرها، لكانت قوة لا تغلب، ولكنها، وهي على هذه الصفة من التخاذل، والتنافر، صارت خاضعة لحكم القحطانيين، وأخصهم التبابعة على ما يذكره الرواة. فكانوا يعينون عليهم حكاما وينصبون عليهم أمراء منهم، بل يذكر أهل الأخبار أن العدنانيين كانوا يذهبون هم أنفسهم إلى أولئك التبابعة أحيانا يطلبون منهم تنصيب شخص منهم،أو تعيين أمر عليهم من أصحاب المنزلة والمكانة، لأنهم سئموا من التقاتل والتشاحن، بقوا على ذلك دهرا حتى سئموا حكم التبابعة والقحطانيين لهم، فثاروا عليهم كما يذكر أهل الأخبار.
وساقتصر في هذا الفصل على الأيام المهمة التي كان لها في شؤون السياسة القبلية شأن وخطر. أما الأيام الصغيرة التي لم يكن لها شأن يذكر، فأدع الحديث عنها إلا بقدره. وأما الخامل منها، فسأترك أمره إلى كتب الأخبار والأدب، لعدم وجود مكان لها في حديثنا العام عن تأريخ العرب قبل الإسلام.
(1/2858)
ومن أمهات الأيام التي وقعت بين القحطانيين و العدنانيين: يوم طخفة، ويوم أوارة الأول، ويوم أوارة الثاني، ويوم السلان، ويوم خزاز، ويوم حجر، ويوم الكلاب الثاني، ويوم فيف الريح، ويوم ظهر الدهناء. وقد تحدثت عن بعضها في أثناء كلامي على ملوك الحيرة أو الغساسنة، و سأتحدث عما لم أتناوله من قبل.
ومن الأيام التي وقعت بين قبائل قحطانية وقبائل عدنانية، يوم يسمى ب "يوم البيضاء" "البيداء" وكان سببه مجيء مذحج، وهي قبيلة قحطانية من اليمن، قاصدة متسعا من الأرض وموطنا جديدا صالحا، فاصطدمت بقبائل معد النازلة بتهامة، وتهامة هي موطن معد القديم في عرف أهل الأخبار، فبرزت لها قبيلة عدوان ورئيسها يومئذ عامر بن الظرب العدواني. جمع عامر هذا من كان في تهامة من قبائل معد،وهاجم مذحجا فغلبها في موضع "البيضاء". يقول الأخباريون إن هذا اليوم هو أول يوم اجتمعت فيه معد تحت راية واحدة، هي راية عامر ابن الظرب. وقد اجتمعت بعدها مرتين تحت راية واحدة: مرة تحت راية ربيعة ابن الحارث في قضاعة، ومرة أخرى تحت راية كليب بن ربيعة. فهذه المعركة هي من المعارك القديمة التي وقعت بين العدنانيين والقحطانيين على رأي الأخباريين.
وعامر بن الظرب هذا، رجل يعده الأخباريون من قدماء حكماء العرب وأئمتهم الذين تحاكم اليهم الناس، وصارت أحكامهم سنة يتبعونها. وقد ذكرأهل الأخبار أنه أول من قرعت له العصا. ويرون في تفسير ذلك أنه كان قد كبر و هرم، وكان الناس يأتون مع ذلك اليه ليحكموه فيما يقع بينهم من خلاف.
فقال له أحد أولاده: " إنك ربما أخطأت في الحكم فيحمل عنك "، فقال عامر: "فاجعلوا لي أمارة أعرفها، فإذا زغت فسمعتها رجعت إلى الصواب ": فجعلوا قرع العصا أمارة ينبهونه بها. فكان يجلس قدام بيته ويقعد ابنه في البيت ومعه العصا، فإذا زاغ أو هفا قرع له الجفنة فيرجع إلى الصواب.
(1/2859)
ولأهل الأخبار قصص عن عامر، فقد ذكروا أنه كان أول من جلس على منبر أو سرير وتكلم، ولجلوسه على منبر، سموه ذا الأعواد، ونسبوا اليه أحكاما وحكما" وأقوالا وعمرا طويلا، وعد وه من الفصحاء البلغاء، وجعلوا أقواله مضربا للأمثال.
وأخذ رؤساء معد على عاتقهم الخروج على طاعة حكام اليمن، أو من عينه هؤلاء الحكام عليهم،وذلك بعد ما تبين لهم من ضعف الحكم في اليمن ومن تقاتل المتنفذين فيها بعضهم مع بعض، ومن تدهور الأحوال هناك. وكانت اليمن قد ولت "زهير بن جناب" زعيم كلب على قبائل معد. وكلب من قبائل قضاعة، فوافقت معد على تعيينه وخضعت لحكمه، وأخذت تؤدي الإتاوة له. وكان يخرج في حاشية لجمع الإتاوة، فأصاب معدا ضيق شديد، وأجدبت أرضهم، فتأخروا عن الدفع، فجاءهم زهير و ألح في مطالبتهم، فشكوا عجزهم،وطلبوا إمهالهم والتخفيف عنهم. فما كان منه إلا أن منعهم النجعة والمرعى، فنقموا منه، وأصابهم من ذلك بلاء، فغضب عليه رجل منهم من بني "تيم الله"، اسمه زيابة، واندس اليه وهو نائم فطعنه، وظن أنه قتله، ورجع إلى قومه فاخبرهم بخبره، ولكن "زهيرا" لم يصب بسوء، ونجا من الطعنة، وكان قد أخمد أنفاسه ولم يتحرك حتى يوهم "زيابة" أنه قتله ومات، ثم أوعز إلى حاشيته أن يعلنوا أنه مات، وشاع خبر موته بين الناس ولكنه كان قد فر مع حاشيته إلى قومه، حيث جمع جمعهم، ثم هجم بهم على بكر وتغلب،وقاتلهم قتالا شديدا أدى إلى هزيمة بكر، ثم إلى هزيمة تغلب من بعدها،وأسر "كليبا" و "مهلهلا" ابني ربيعة، وجماعة من أشراف تغلب. فتأثرت قبائل ربيعة من هذه الهزيمة، وعينت "ربيعة بن مرة بن الحارث بن زهير التغلبي"، والد "كليب" و "مهلهل" رئيسا عليها، فحمل ربيعة ومن انقاد اليه على زهير، واسترجع الأسرى،ولكن زهيرا لم يلبث أن عاد إلى ما كان عليه من جمع الإتاوة من معد.
(1/2860)
وإذا أخذنا برأي الأخباريين القائلين إن تعيين زهير بن جناب على بكر وتغلب ابني وائل كان بأمر أبرهة الذي غزا نجدا، وتوسع فيها، فجاءه زهير ليتقرب اليه، وليعينه على بعض القبائل، يكون حكم زهير على هذا القول في القرن السادس للميلاد.
وفي عهد رئاسة "كليب بن ربيعة"، جددت قبائل ربيعة محاولاتها للتخلص من حكم اليمن، وكان "كليب" شخصية قوية، فاختارته قبائل معد رئيسا عليها، واجتمعت تحت لوائه، والتقت باليمن في "يوم خزار " فانتصرت معد فيه، وعد من أيامها الكبرى قبل الإسلام. ونظرت معد إلى كليب نظرة تجلة و إحترام، وجعلت له قسم الملك وتاجه وطاعته، لأنه وحدهم وأنقذهم من تعسف اليمن بهم.
وقد داخل "كليب بن ربيعة" زهو شديد بعد هذا النصر، وبعد سيادته بني معد، فبغى على قومه، وصار يتعسف في احماء الحمى، فلا يرعى حماه احد، ولا يصاد فيه ولا ترد إبل مع إبله، ولا توقد نار مع ناره، وبقي كذلك حتى قتله "جساس بن مرة الوائلي"، فتوالت الحروب بين تغلب وبكر وائل بسبب ذلك.
وقد اختلف الأخباريون في هذا اليوم، واختلفوا في اسم قائد قبائل معد فيه، واختلفوا في اسم ملك اليمن الذي في عهده وقع، واختلفوا في زمن وقوعه، وفي سببه، فقالوا: إن رئيس معد فيه هو "كليب بن ربيعة"، و قالوا: بل هو زرارة بن عدس، وقالوا: لا، وإنما هو ربيعة بن الأحوص بن جعفر. ويذكر بعضهم أنه وقع بعقب يوم السلان،وأنه كان لجموع ربيعة ومضر وقضاعة على مذحج وغيرهم من اليمن.
وذكر جماعة من أهل الأخبار، أن "الأحوص بن جعفر بن كلاب"، كان على نزار كلها يوم خزاز، ثم ذكرت ربيعة أخيرا من الدهر أن كليبا كان على نزار. وتوسطت جماعة بين الرأيين، فقالت: كان كليب على ربيعة، وكان الأحوص على مضر.
(1/2861)
وسبب اختلافهم في ذلك هو دور العصبيات القبلية، والنزعات العاطفية عند الرواة. ذكر أهل الأخبار ان جماعة من وجوه أهل البصرة، كانوا يتجالسون يوم الجمعة ويتفاخرون ويتنازعون في الرياسة يوم خزاز، فتعصب كل قوم لرئيس من الرؤساء الذين ذكرت. وقد تحاكموا إلى "عمر بن العلاء" وكانوا في مجلسه، فقال: ما شهدها عامر بن صعصعة ولا دارم بن مالك، ولا جشم بن يكر، اليوم أقدم من ذلك. ولقد سألت عنه، فما وجدت أحدا من القوم يعلم من رئيسهم ومن الملك. وقد أنكر بعضهم ان يكون لكليب بن ربيعة دور بارز فيه. والظاهر أن روايات الرواة عن هذا اليوم، وهي شفوية بالطبع،كانت متضاربة تضاربا كبيرا بسبب بعد عهد ذاكرتهم عنه، كما كانت متنافرة بسبب العواطف والنزعات القبلية، وتعصب كل راو لقبيلته. فلما جاء مدونو الأخبار لجمع ما في حافظة رواة القبائل عن هذا اليوم، وجدوا اختلافا كبيرا، حاولوا جهد امكانهم التوفيق بينه، واستخراج قصة موحدة عنه، فجاؤوا بهذا الذي جاؤوا به.
وترجع رواية من روايات أخبار هذا اليوم،سبب وقوعه إلى جباية اهل اليمن لقبائل معد. "كان الرجل منهم يأتي،ومعه كاتب وطنفسة يقعد عليها، فيأخذ من اموال نزار ما شاء، كعمال صدقاتهم اليوم،.وكان أول يوم امتنعت معد عن الملوك: ملوك حمير". فلما ضجرت نزار وبقية قبائل معد من هذه الجباية القاسية، ومن هذا التعسف، هاجت على اليمن، وأعلنت عصيانها على القحطانيين، فوقع هذا اليوم. أوقدت نارا على خزاز ثلاث ليال، ودخنت ثلاثة أيام. فلما أحست مذحج باجتماع "معد"، سارت على نزار ومن انضم اليها من معد، فوقع يوم خزار.
(1/2862)
وجاء في رواية أخرى، ان سبب هذا اليوم هو احتباس ملك من ملوك اليمن أسرى من مضر وربيعة وقضاعة، وامتناعه عن فك أسرهم، وذلك في عهد "كليب". فجاءه وفد من بني معد فيهم: سدوس بن شيبان بن ذهل، وعوف بن محلم بن ذهل بن شيبان، وعوف بن عمرو بن جشم بن ربيعة بن زيد مناة، وجشم بن ذهل بن هلال. فلقبهم رجل من بهراء يسمى عبيد بن قراد، وكان في الأسر وكان شاعرا، فسألهم أن يدخلوه في عدة من يسألون.
فكلموا الملك فيه وفي الأسرى، فوهبهم لهم، وأبقى الملك بعض أفراد الوفد رهائن حتى يأتي الباقون برؤساء قومهم ليأخذ عليهم مواثيق الطاعة. فرجع الباقي إلى قومهم وأخبروهم الخبر، فاجتمعت ربيعة ومعد تحت راية "كليب بن ربيعة" "كليب وائل"، فسار ومعه "السفاح التغلبي" وهو سلمة بن خالد بن كعب ابن زهير بن تيم بن أسامة بن مالك بن بكر بن حبيب بن تغلب، وقد جعله "كليب" على مقدمة معد، وأمر "كليب" أن توقد النار على خزاز،ليهتدوا بها. فلما سمعت مذحج باجتماع ربيعة، استعدت هي ومن يليها من قبائل اليمن للقتال، وساروا اليهم. فلما سمع أهل تهامة بذلك انضموا إلى ربيعة، و ساروا كلهم إلى خزاز. فلما التقى الطرفان، اقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت مذحج شرهزيمة فيه.
و لياقوت الحموي رواية أخرى في سبب وقوع هذا اليوم، فهو يقول إن مضر و ربيعة اجتمعت على أن يجعلوا منهم ملكا يقضي بينهم،فكل أراد أن يكون منهم،ثم تراضوا أن يكون من ربيعة ملك ومن مضر ملك،ثم أراد كل بطن من ربيعة ومن مضر أن يكون الملك منهم، ثم اتفقوا أن يتخذوا ملكا من اليمن، فطلبوا ذلك إلى بني آكل المرار من كندة، فملكوا أولاد الحارث بن حجر الكندي عليهم، ثم ما لبثوا أن ثاروا عليهم وقتلوهم، فكان حديث يوم الكلاب.
(1/2863)
ولم يبق من ولد الحارث غير سلمة، فجمع جموع اليمن وسار ليقتل نزارا، وبلغ ذلك نزارا فاجتمع بنو عامر وبنو وائل، وتغلب وبكر، ويلغ الخبر كليب وائل، فجمع ربيعة، وقدم على مقدمته السفاح التغلبي، فكان يوم خزاز،وقد انتصر بنو نزار فيه على القبائل اليمانية. وهذه الرواية قريبة جدا من رواية "اليعقوبي" عن هذا اليوم.
وقد أشار "عمرو بن كلثوم التغلبي" إلى هذا اليوم، وافتخر به، كما افتخر ب "كليب وائل "، وذكر ان قومه أعانوا نزارا في محاربتهم اليمن في ذلك اليوم. وذكر بعض أهل الأخبار أنه "لولا عمرو بن كلثوم ما عرف يوم خزاز". وذلك لذكره له في شعره.
وقد ذكر هذا اليوم عدد آخر من الشعراء منهم "زهير" والسفاح التغلبي، وهو سلمة بن خالد من الجرارين للجيوش، وقد قاد قومه يوم كاظمة، وقيل له السفاح لأنه سفح المزاد أي صبها في ذلك اليوم حتى يقاتل قومه قتال المستميت، وكان من خطباء حرب بكر وتغلب.
وذهب بعض أهل الأخبار الى أن يوم خزاز هو "أعظم يوم التقت فيه العرب في الجاهلية". وهو رأي يعبر عن وجهة نظر العدنانيين بالطبع. ففي هذا اليوم انتصرت نزار ومن انضم اليها من قبائل مذحج ومن انضاف اليها من قبائل اليمن ولم يسبق لقبائل نزار،وهي مضر وربيعة وبقية معد أن تغلبت على القبائل الكبرى المنظمة المنتمية إلى اليمن. فكان يوم نصرها هذا من أعظم الأيام عندها، بعث فيها روح المقاومة والاعتماد على النفس في مقاومة القبائل القوية الي تنسب نفسها إلى اليمن.
(1/2864)
وإذا أخذنا برأي القائلين إن يوم خزار كان عقب يوم السلان، يكون هذا اليوم قد وقع أيام النعمان بن المنذر، اي في أواخر ايام المناذرة وفي النصف الثاني من القرن السادس للميلاد، إذ يذكر الأخباريون أن سبب وقوع يوم السلان هو ان بني عامر بن صعصعة كانوا قوما حمسا، أي متشددين في دينهم، لقاحا لا يدينون للملوك. وكان من عادة النعمان بن المنذر أن يجهز كل عام لطيمة لتباع بعكاظ، فتعرض لها بنو عامر، فغضب النعمان، وبعث عليهم وبرة الكلبي أخاه لأمه ومعه الصنائع والوضائع وجماعة من بني ضبة بن أد والرباب وتميم، وانضم اليهم ضرار بن عمرو وأولاده، وهم فرسان شجعان، وحبيش ابن دلف، وطلب منهم أن يذهبوا إلى عكاظ فإذا فرغوا من البيع، وانسلخت الأشهر الحرم، قصدوا بني عامر بنواحي السلان.
فلما فرغوا من عكاظ، علمت بخطتهم قريش، وأرسل عبد الله بن جدعان قاصدا أخبر بني عامر بغرض القوم، فحذروا وتهيأوا للحرب، وتحرزوا ووضعوا العيون، وسلموا قيادتهم لفارس شهير معروف هو عامر بن مالك المعروف بملاعب الأسنة. فلما التقوا تغلبوا على قوة النعمان وهزموها، وأخذوا وبرة أسيرا. ولم يفكوه من أسره إلا بألف بعير وفرس ويدخل يوم الكلاب الثاني في عداد هذه الأيام. وقد وقع عقب يوم الصفقة، وقع بين تميم وبني سعد و الرباب وبين مذحج ومن التف حولها من قبائل اليمن.
(1/2865)
فلما بلغ مذحج ما حل بتميم بالمشقر وبهجر بعد الصفقة، وما سمعته من تخوفهم من انتقام كسرى كل مرة ثانية منهم ومن دوران العرب عليهم، مشى رجال مذحج بعضهم إلى بعض، وقالوا: اغتنموا بني تميم، ثم بعثوا الرسل في قبائل اليمن وأحلافها من قضاعة، ثم سألت مذحج كاهنها المأمور "الحارثي" في أمر هذا الهجوم فنهاها، ولكنها لم تأخذ برأيه، بل سارت طامعة في تميم، وقد جمعت اثني عشر ألف مقاتل، من مذحح وهمدان و كندة: وهو أعظم جيش أخرجه العرب كما يقول علماء الأخبار.وكان من رجالهم يزيد بن عبد المدان، ويزيد ابن المخرم، ويزيد بن الكيشم "الكيسم" "اليكسم" بن المأمور "المأموم"، ويزيد بن هوبر وهم كلهم حارثيون، ومعهم عبد يغوث الحارثي، وأقبلت بنو سعد والرباب. ورئيس الرباب النعمان بن جساس ورئيس سعد بن قيس بن عاصم،والتقت في أوائل الناس بجموع مذحج وهمدان وكندة، واختلطوا واقتتلوا قتالا شديدا انتهى في آخر النهار بمقتل "النعمان بن جساس". وقد دفع مقتله بني تميم على الثبات والوقوف للأخذ بالثأر، حتى تمكنت من الانتقام لنفسها، بأن انتصرت على اليمن. فأسر "عبد يغوث بن وقاص الحارثي"، "عبد يغوث ابن صلأة الحارثي" سيد "بني الحارث"، وقتل خمسة من أشراف اليمن، وأخذت الرباب "عبد يغوث" وقتلته بقتل "النعمان بن جساس". وهكذا انتهى هذا اليوم بفوز بني تميم. وكان رئيسها في هذا القتال: قيس بن عاصم. ويسمى الكلاب الثاني: يوم جز الدوابر.. و دعاه "ابن رشيق القيرواني" ب "يوم الشعيبة ".
ونعت بعض أهل الأخبار اليزيديين الأربعة المذكورين وهم قادة القوم: يزيد ابن هوبر، ويزيد بن عبد المد ان، ويزيد بن المأموم، ويزيد بن المخرم،
ب "أربعة أملاك". ويدل ذلك على انهم كانوا يلقبون بلقب ملك، وأن"بني الحارث" كانوا قد نصبوهم عليهم، وإن كان لقب "ملك" لا يتجاوزفي الواقع لقب "شيخ" في عرف هذا اليوم.
(1/2866)
وكان من ابرز رجال تميم في هذا اليوم سبعة من رؤسائهم، هم: أكثم بن صيفي، والأحيمر "الأعيمر" بن يزيد بن مرة المازني، وقيس بن عاصم المنقري، وأبير بن عصمة التيمي، والنعمان بن جساس "الحسحاس." التيمي، وأبين بن عمرو السعدي، والزبرقان بن بدر السعدي. وبرز فيه اسم "مصاد بن ربيعة بن الحارث" و "عصمة بن أبير التيمي" وهو الذي أسر "عبد يغوث"، و "قبيصة بن ضرار الضبي"، وهو الذي شد على "ضمرة بن لبيد الحماسي الكاهن" فطعنه وخر صريعا،فقال له قبيصة: ألا انبأك تابعك بمصرعك اليوم.
وأما "الكلاب الأول"، فكان لسلمة ين الحارث بن عمرو المقصور،ومعه: بنو تغلب والنمر بن قاسط، وسعد بن زيد مناة والصنائع، على أخيه "شرحبيل ابن الحارث بن عمرو"، ومعه بكر بن وائل بن حنظلة بن مالك، وبنو أسد، وطوائف من بني عمرو بن تميم، والرباب. فقتل "شرحبيل"، قتله "أبو حنش عاصم بن النعمان الجشمي"، ويقال: بل قتله "ذو الثنية حبيب ابن عتبة الجشمي".
(1/2867)
ومن هذه الأيام يوم "فيف الريح"، وهو موضع بأعلى نجد، وقع بين مذحج وعامر. وسببه أن "بني عامر " كانوا يطلبون " بني الحارث بن كعب " بأوتار كثيرة، فجمع لهم الحصين بن يزيد الحارثي، وكان يغزو بمن تبعه من قبائل مذحج وأقبل في بني الحارث وجعفي، وزبيد، ومراد، وقبائل سعد العشيرة، ومراد، وصداء، ونهد، واستعانوا بقبائل خثعم وعليهم أنس بن مدرك، فخرج شهران وناهس وأكلب عليهم أنس بن مدرك، وأقبلوا يريدون بني عامر، وهم منتجعون "فيف الريح"، ومع مذحج النساء والذراري، حتى لا يفروا، إما ماتوا جميعا.فاجتمعت بنو عامر كلها الى عامر بن الطفيل "عامر بن مالك ملاعب الأسنة"، والتقى الجمعان في قتال لم يعط نصرا بينا لأحد الطرفين، إذ وقع القتل في الفريقين، ولم يستقل بعضهم عن بعض غنيمة، وكان الصبر والشرف لبني عامر. وممن قتل أو جرح فيه: الصميل بن الأعور الكلابي، وحسيل بن عمرو الكلابي، وخليف بن عبد العزى النهدي، وكعب الفوارس بن معاوية بن عبادة بن البكاء، وعامر بن الطفيل.
ومن أيام القحطانيين مع العدنانيين "يوم ظهر الدهناء". كان أوس بن حارثة بن لأم سيدا في قومه طيء، مطاعا فيهم، جوادا معروفا. جباه النعمان ابن المنذر حلة على العادة المتبعة عند ملوك الحيرة في تكريم الرؤساء الذين يفدون عليهم، وفضله على غيره، بأن طلبه وكان غائبا دون قوم من السادة الأشراف، فاغتاظ حساده من ذلك وأوعزوا إلى بعض الشعراء بهجائه،فهجاه بشر بن ابي خازم وهو من بني أسد، وأسرف في هجائه، فاغتاظ أوس من ذلك، وجمع قومه. من طيء، وأوقع ببني أسد بظهر الدهناء، وقتل منهم قتلا ذريعا، فانهزمت منه، وهرب بشر، فجعل لا يأتي حيا يطلب جوارهم إلا امتنع من إجارته على أوس إلى ان التجأ إلى أم أوس، فأجارته، وأجاره أوس عندئذ، وعفا عنه، ومن عليه وأعطاه وحباه، فانقلب مادحا له.
(1/2868)
والأيام التي ذكرها الأخباريون عن حروب العدنانيين مع ملوك اليمن للحصول على استقلالهم، قليلة. ولا يعني حكم اليمن للعدنانيين أن تبابعة اليمن كانوا يحكمون تلك القبائل حكما مباشرا، وانما هو في الواقع وكما يظهر من غربلة هذه الروايات حكم كان يتسع ويتقلص تبعا لقدرة الحكام وشخصياتهم، ولاتفاقاتهم مع سادات تلك القبائل،ولأن القبائل العدنانية هي قبائل بدوية في الغالب لا تستقرعلى حال، ومن طبع البداوة التنازع والتخاصم. ثم إن سادات القبائل كانوا كما هو شانهم في كل وقت متنافسين متخاصمين، لذلك وجد ملوك اليمن، وهم ملوك شعب أكثريته مستقرة، من السهل عليهم التدخل في شؤون تلك القبائل بتأييد هذا الرئيس على منافسه، وبتعيين رئيس من رؤساء القبائل الكبيرة على قبيلة أو جملة قبائل أخرى ضعيفة أو متخاصمة، لتهيئة الحال واقرار الأمن. فصار من العادة بين القبائل العدنانية، بل بين القبائل القحطانية كذلك، أو بين كبار سادات القبائل، أن يلجأوا إلى التبابعة للتدخل في الخصومات واقرار الأمن بالحكم بين المتخاصمين، أو بعيين رجل محترم كبير من اليمن أو من غير اليمن عليهم.ونجد بين روايات الأخباريين روايات تؤيد هذا الرأي.
ويدخل الأخباريون في أيام العدنانيين مع القحطانيين الأيام التي وقعت بين القبائل العدنانية وبين ملوك الحيرة لاعتدادهم من قحطان. وكذلك يدخل أهل الأخبار في أيام القحطانية مع العدنانية، والأيام التي وقعت بين ملوك بني سليح والغساسنة من بعدهم وبين القبائل العدنانية، والأيام التي وقعت بين كندة وبين القبائل العدنانية.
وإذ أسلفت الكلام على ايام تلك الحكومات مع القبائل العدنانية في المواضع المناسبة، فإني أكتفي بالاشارة اليها، على أمل الرجوع إلى تلك الأماكن لمن يريد الوقوف عليها.
(1/2869)
أما أشهر ايام القحطانيين، فالأيام التي وقعت بين المناذرة والغساسنة، والأيام التي وقعت بين هؤلاء الملوك وملوك كندة وأمرائها، ثم الأيام التي وقعت بن القبائل المنتسبة إلى اليمن، مثل الأيام التي وقعت بين الأوس والخزرج، والأيام التي وقعت بين قبائل طيء، وأمثال ذلك. ولما كنت قد تحدثت عن معظم هذه الأيام، فسأكتفي بما تحدثت عنها، وأتحدث عن النابه من بقية الأيام فقط مما لم أتحدث عنه سابقا.
وتؤلف الأيام التي وقعت بين القبائل العدنانية الجزء الأكبر من أيام العرب، وهي أهمها وأغناها بالشعر والأمثال والقصص. وكان لتميم وبكر وتغلب أثر خطير فيها. وأشهر هذه الحروب، الحرب المسماة بحرب البسوس، وقعت بين بكر وتغلب ودامت أربعين عاما على ما يذكره الأخباريون.
وتغلب وبكرهما من قبائل ربيعة، لذلك تكون حرب البسوس من الحروب التي وقعت بين قبائل ربيعة، لأن أيام العدنانيين هي أيام وقعت بين قبائل ربيعة وحدها، وأيام وقعت بين قبائل من ربيعة وقبائل من مضر، وأيام وقعت بين قبائل مضر.
وذكر بعض أهل الأخبار أن أشهر أيام بكر وتغلب، خمسة أيام مشاهير. أولها يوم عنيزة و تكافأوا فيه، والثاني يوم واردات، وكان لتغلب على بكر.
والثالث يوم الحنو، وكان لبكر على تغلب. والرابع يوم القصيبات، وكان لتغلب على بكر. والخامس يوم قضة، وهو آخر أيامهم، وكان لبكر. وفيه أسر مهلهل بن ربيعة.
وتولد من هذه الحرب قصص وشعر، ونسب إلى أبطال الأيام التي وقعت فيها، وأمثلة ذكر انها قيلت في المناسبات، صارت على العادة أمثلة شائعة بين الناس.
وليست حرب البسوس في الواقع حربا واحدة، انما هي حروب عدة وقعت في تلك المدة المذكورة وفي اوقات متقطعة إلى أن انقطعت بوساطة المنذر بن السماء وتدخله بين الفريقين.
(1/2870)
والذي أثار نيران هذه الحرب هو جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان أخو "جليلة" امرأة كليب بن ربيعة سيد قومه تغلب، وذلك بقتله كليبا، لأنه أدمى ضرع ناقة للبسوس خالة جساس، إذ كانت ترعى في أرض حماها كليب ومنع الرعي فيها إلا لإبله. وقد أثار عمل كليب هذا غضب جساس، فقتله، وثارت بذلك الحرب بين تغلب وبكر قوم جساس.
وكليب بن ربيعة، أو "كليب وائل" كما يعرف عند بعض أهل الأخبار،
هو وائل بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو ابن غنم بن تغلب. رجل صلب قوي، تمكن بمواهبه وبقدرته من السيطرة على قبائل ليست السيطرة عليها بأمر سهل يسير، ومن إقامة نفسه ملكا عليها، ومن أخذ الإتاوة من القبائل، ومن الانتصار على قبائل اليمن في يوم خزاز. وبقي على ذلك دهرا، حتى داخله و هو شديد، فأخذ يبغي على القبائل ويشتط في أخذ الإتاوة منها وفي اتخاذ خيرة الأرضين المخصبة أحماء لا يجوز لإبل غيره الرعي فيها، ولا الاستيلاء على مواضع الماء، حتى ضجرت الناس منه، فكانت نتيجته ما تقدم.
وأخذ المهلهل "واسمه عدي بن ربيعة"، وهو أخو كليب على نفسه عهدا بأن يترك النساء، والغزل، والقمار، والشراب، حتى يثأر بقتل أخيه، وجمع قومه، ووقعت حروب. ومهلهل هذا هو أول من هلهل الشعر، أي أرقه على حد رواية أهل الأخبار.
وقد أقام أصحاب "كليب" قبة رفيعة على قبره، تكريما له. شأن الجاهليين في ذلك الزمن من إقامة القباب على قبور الكبار.
وفي جملة الأيام التي يدخلها أهل الأخبار في حرب البسوس: يوم النهي، ويوم الذنائب، ويوم واردات، ويوم عنيزة، ويوم القصيبات، ويوم تحلاق اللمم.
(1/2871)
وكما كان كليب سيد تغلب، كذلك كان زهير ين جذيمة العبسي سيد قيس عيلان. وقيس عيلان قبائل كبرى عديدة، كان لها شأن بين القبائل وخطر، ترأس غطفان، وقادها كلها وساد على عبس وذبيان، ولمكانته هذه ولسؤدده تزوج اليه النعمان بن امرىء القيس ملك الحيرة، فتوسع بذلك نفوذه وعظمت منزلته عند القبائل، ولا سيما القبائل المتصلة به والقبائل الخاضعه لملوك الحيرة.
واتفق ان أحد أولاد زهير - واسمه شأس - كان عائدا من زيارته للنعمان ومعه هدايا ثمينة وألطاف فاخرة حباه بها النعمان، فطمع به رجل من غني اسمه "رياح بن الأسك الغنوي" وقتله بموضع منعح. فلما علم بذلك أبوه، أخذ بقتل كل من وقعت عليه يده من غني. وغزت بنو عبس غنيا ومعها الحصين بن زهير أخو شأس، فطلبت غني من رياح ترك أرضها والارتحال عنها، وصار هذا القتل سببا لإثارة البغضاء بين عبس وغني لما أوقعه زهير بغني من القتل.
ويوم منعج ويسمى أيضا ب "يوم الردهة"، من الأيام التي وقعت بين قبائل قيس. ومن هذه الأيام: يوم النفراوات "النفرات"، ويوم بطن عاقل وداحس والغبراء، والرقم، والنتاءة، وحوزة الأول، وحوزة الثاني، واللوى.
وكان زهير يأخذ الإتاوة من هوازن كرها،تدفعها اليه كل عام بسوق عكاظ وهي مكرهة. وكانت هوازن تعترف بسيادته عليها وتعتبره ربا، وهي يومئذ لا خير فيها، وإنما هي رعاة الشاء في الجبال. فإذا كانت أيام عكاظ أتاهما زهير، ويأتيها الناس من كل وجه، فتأتيه هوازن بالإتاوة التي عليهم، فيأتونه بالسمن والأقط والغنم، ثم إذا تفرق الناس نزل بالنفراوات. فلما كان الدفع، ذهب زهير على عادته لأخذ الإتاوة، انتهز "خالد بن جعفر بن كلاب" هذه الفرصة، فذهب إلى هوازن، وحرضها على زهير. فلما بلغ زهير أطراف بلاد هوازن، باغته خالد بن جعفر ومعه جمع من هوازن، فقتل زهير، ورجع به أبناؤه إلى بلادهم ليدفنوه. وقط عرف اليوم الذي قتل فيه زهير بيوم النفراوات.
(1/2872)
وعزمت غطفان على الأخذ بثأر زهير من خالد، فخاف خالد على نفسه منها، وفر إلى الحيرة ليستجير بالنعمان في رواية،أو بالأسود بن المنذر في رواية أخرى. عندئذ تعهد الحارث بن ظالم المري. وهو فاتك معروف، لبنى زهير بقتل خالد إذا كفت غطفان عن هوازن، وقد بر بوعده، إذ اغتاله وهو في قبة كان النعمان قد أمر بنصبها له. وذلك ببطن عاقل، فعرف اليوم به. فلما علم بذلك النعمان، أمر بطلبه ليقتله بجاره، وأخذت هوازن تطالب به لتقتله بسيدها خالد.
ففر الحارث إلى بني دارم من تميم، واستجار بضمرة بن ضمرة بن جابر ن قطن، فأجاره ضمرة على النعمان وهوازن، فكان ذلك سببأ لتجهيز النعمان جيشا على بني دارم انتقاما منها لتجاسرها على ايواء من يطلب قتله.
وورد في رواية أخرى أن لجوء "الحارث بن ظالم" كان إلى "معبد بن زرارة"، وأن بني تميم استاءت من لجوئه إليه، لأنه أوى هذا المشؤوم الأنكد، وأغرى بهم الأسود ملك الحيرة، وخذلوه غير بني ماوية وبني عبد الله بن دارم.
وجاء في خبر أن "الحارث بن ظالم" كان عند "حاجب بن زرارة بن عدس بن عبد الله بن دارم". وقد وعده النصرة والمنعة. وبلغ الأحوص بن جعفر الكلابي أخو خالد بن جعفر، مكان الحارث بن ظالم، فسار على تميم، حتى أدركها ب "حرحان"، فاقتتلوا اقتتالا شديدا، وانهزمت بنو تميم، وأسر معبد بن زرارة، أسره عامر والطفيل ابنا مالك بن جعفر بن كلاب. فوفد لقيط بن زرارة في فدائه، وعرض عليهما مئتي بعير في فدائه، فامتنعا قائلين: أنت سيد الناس، وأخوك معبد سيد مضر، فلا تقبل فيه إلا دية ملك. فأبى أن يزيدهم، ورجل لقيط عن القوم ومنع بنو عامر معبدا عن الماء وضاروه حتى مات هزالا.وورد في رواية انه أبى أن يطعم في شيئا أو يشرب حتى مات هزالا.
(1/2873)
وأمر النعمان جيشه بالتوجه إلى بني دارم، وانضم اليه الأحوص بن جعفر أخو خالد، ومعه جمع بني عامر، للانتقام من الحارث قاتل خالد. فعلمت بنو دارم بمجيء الجيش، واستعدوا للقتال، فلما التقى الجمعان، قتلت بنو مالك ابن حنظلة "ابن الخمس التغلبي" رئيس جيش النعمان، وصبرت بنو دارم، وأقبل قبس بن زهير فيمن معه، فانهزمت بنو عامر، وانهزم جيش النعمان، وعادوا إلى ديارهم، وكان رئيس بني دارم زرارة بن عدس سيد بني تميم.
وهناك روايات أخرى عن هذا الحادث وعن الحارث ذكرتها في الفصول السابقة.
وصارت الرئاسة إلى قيس بعد مقتل والده "زهير بن جذيمة العبسي"، ويصفه الأخباريون بجودة الرأي وبحسن التجارب،ويقولون إنه لذلك عرف ب "قيس الرأي"، ويذكرون له في ذلك أقوالا وحكما ونصائح، ويروون طائفة من ذلك، ولا سيما مما قاله في مناسبات حرب داحس والغبراء.
ويذكر أهل الأخبار أن قيس بن زهير بن جذيمة العبسي، كان قد سار الى المدينة ليتجهز لقتال عامر، والأخذ بثار أبيه، فأتى "أحيحة بن الجلاح" ليشتري منه درعا موضونة، فقال له: لا أبيعها، ولولا أن تذمني بنو عامر لوهبتها منك، ولكن خذها بابن لبون. ففعل ذلك، وأخذ الدرع، ووهبه أحيحة أدراعا، و عاد قيس الى قومه، فاجتاز بالربيع بن زياد العبسي، فدعاه إلى مساعدته.على الأخذ بثأره، فأجابه إلى ذلك. فلما أراد فراقه، نظر إلى عيبته فقال: ما في حقيبتك ? قال: متاع عجيب،لو أبصرته لراعك،وأناخ راحلته، وأخرج الدرع، فأخذها ومنعها من قيس، ولم يعطه اياها، وترددت الرسل بينهما. فلما طالت الأيام على ذلك، سير قيس أهله إلى "مكة، فأغار قيس على نعم الربيع، واستاق منها أربع مئة بعير، وسار بها إلى مكة وباعها من عبد الله ابن جدعان واشترى بها خيلا، وتبعه الربيع فلم يلحقه، فكان فيما اشترى من الخيل داحس والغبراء.
(1/2874)
وقد اقترن اسم قيس بهذه الحرب الشهيرة التي يتناقل الناس قصصها الطريفة حتى اليوم، وهي حرب ثارت بين عبس و ذبيان بسبب إختلاف على سباق خيل كان قد تراهن عليه حذيفة بن بدر بن فزارة سيد ذبيان و قيس بن زهير، اشتركت فيه خيار خيل قيس و حذيفة وفي مقدمتها داحس والغبراء والخطار والحنفاء. وقد ادعى كل واحد من المتنافسين أن فرسه كان السابق، وانه هو الكاسب للرهان في قصص طويل يتخلله شعر وكلام وجواب. وانتهى النزاع الى ما ينتهي اليه كل نزاع من هذا القبيل، وهي الحرب.
وهي حرب استمرت سنين،قتل فيها حذيفة بن بدر وعدة رؤساء،واشركت فيها شيبان وضبة وأسد وغطفان وقبائل أخرى، كما ساهم فيها ملك هجر، وامتدت إلى أن اتصلت بالإسلام. وللشاعر زهير بن أبي سلمى ذكر فيها. ولم تنته إلا بتوسط الرؤساء حيث سويت بدفع الديات، وبإنهاء تلك الحرب التي شغلت تلك القبائل وأقلقت الأمن لذلك السبب التافه على زعم قول الرواة.
وفي جملة حروب داحس والغبراء، يوم العذق، وهو ماء، انهزمت فيه فزارة، وقتلوا قتلا ذريعا، وأسر حذيفة، فاجتمعت غطفان وسعت للصلح، فاصطلحوا على أن يهدر دم بدر بن حذيفة بدم مالك أخي قيس، وتساووا فيما بقي، فأطلق حذيقة من أسره.
ثم وقعت حرب أخرى، مثل يوم "البوار"، وكان الفوز فيه لعبس على فزارة وأسد وغطفان، و يوم الهباءة، ويوم الجراجر، إلى غير ذلك من أيام.
ولامتداد هذه الحرب سنين عديدة، وانتشارها خارج نطاق حدود قبيلتي عبس وذبيان، شملت أرضين واسعة، وتخللتها جملة أيام لها اسماؤها. وهي بالطبع كلها من أيام هذه الحرب: حرب داحس والغبراء.
وإذا قرأت قصة داحس والغبراء، قرأت قصص شجاعة بطل مغوار أظهرشجاعة فائقة في هذه الحرب، وكان له فيها شعر، هو عنترة بن شداد العبسي. وقصص شجاعة عنترة معروفة حتى اليوم،مشهورة، يسمعها الناس بشوق ورغبة، وهي عندهم أشهر من قصص داحس والغبراء: هذه الحرب التي خلد اسمها هذا الشعر وأمثاله.
(1/2875)
وفي يوم الرقم، غزت بنو عامر غطفان وعليهم عامر بن الطفيل شابا لم يرأس بعد، فخرجت اليهم بنو مر ة بن عوف، وأشجع، وناس من فزارة،وكلهم من غطفان، فقاتلوا بني عامر، وتغلبوا عليهم. وفر عامر بن الطفيل، وشنق الحكم بن الطفيل نفسه، ليتخلص بذلك من الأسر. ويروي الأخباريون لعروة ابن الورد وللنابغة الذبياني ولعامر بن الطفيل شعرا ذكروا أنهم قالوه في هذا اليوم.
وقد منيت بنو عامر بهزيمة أخرى يوم النتاءة، وكانت قد خرجت إلى غطفان تريد الأخذ بثأرها من هزيمة يوم الرقم، فأغارت على نعم بني عبس وذبيان وأشجع فأخذوها، فتعقبتها عبس وأشجع وفزارة حينما عادوا بالغنائم، والتحموا بها، وأوقعوا بها هزيمة كبيرة، وقتلت كثيرا منهم، ونجا عامر بن الطفيل بفرسه المشهور المسمى الورد.
وقد منيت بنو عامر بهزيمة أخرى يوم شواحط الذي وقع بين بني عامر وبني محارب بن خصفة، وذلك حينما أغارت جماعة من بني عامر على بلاد غسان.
ويعد عامر بن الطفيل من فرسان العرب المشاهير. وهو من المعاصرين للرسول، وقد تعرض لنفر من أصحاب رسول الله كان الرسول قد أرسلهم بناء على رغبة "أبي براء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب" ملاعب الأسنة. وكان سيد بني عامر بن صعصعة،وذلك ليعلموا أهل نجد الإسلام ويفقهوهم في الدين. وقد تعهد للرسول بأن يحميهم، وأن يكونوا في جواره. فلما بلغ النفر "بئر معونة "عدا عليهم "عامر بن الطفيل" فقتلهم، واستاء من ذلك أبو براء.
(1/2876)
ووقعت بين سليم وغطفان حرب بسبب مقتل معاوية بن عمرو بن الشريد السلمي، يوم حوزة الأول، وكان سبب هذا اليوم تأثر معاوية من كلام امرأة من بني مر"ة كانت جميلة وسيمة دعاها لنفسه، وقد رآها بعكاظ، فامتنعت، فغزا لذلك بني مرة. فلما علمت بنو مرة بقدومه عليهم، تجهزوا له وقتلوه. فقرر صخر بن عمرو الشريد السلمي الانتقام من قتلة أخيه، فأغار على بني مرة في يوم حوزة الثاني، وقتل دريد بن حرملة أخا هاشم بن حرملة رئيس بني مرة. ثم قتل رجل من بني جشم هو عمرو بن قيس الجشمي هاشم بن حرملة،فاستراحت بذلك بنو سليم، وسرت الخنساء بمقتل هاشم، ولها شعر كثير في رثاء أخويها معاوية وصخر.
وقد توفي صخر على أثر إصابته بجرح ظل يفتك به مدة طويلة، أصيب به في غزوة غزا بها بني أسد بن خزيمة. فتعقبته بنو أسد لتخلص إبلها منه،وكان قد اكتسحها منهم في هذا الغزو، فلما كان في موضع ذات الأثل، لحقت به وجرحته فقضى هذا الجرح عليه.
ومن أيام هوازن وغطفان يوم اللوى، وقد قتل فيه عبد الله بن الصمة أخو دريد بن الصمة. وكان عبدالله قد غزا مع بني جشم وبني نصر أبناء معاوية بن بكر بن هوازن غطفان، فظفر بهم وساق أموالهم. وبينما كان عائدا بغنائمه، فاجأته عبس وفزارة وأشجع في موضع اللوى، فقتلوه واستعادوا ما كان قد غنمه منهم، وجرح دريد أخوه. فلما شفي دريد من جرحه، أغار على غطفان لينتقم منها لمقتل أخيه، وقتل رجالا منهم، واستاق جملة أسرى. وقد عرف هذا اليوم بيوم الغدير.
(1/2877)
ويذكر أهل الأخبار أنه قد كان بين "دريد بن الصمة" و "ربيعة بن مكدم" يوم، عرف ب "يوم الظعينة". وكان دريد قد خرج في فوارس من "بني جشم" حتى إذا كان في واد يقال له: "الأحزم " وهم يريدون الغارة على بني كنانة،رفع له رجل في ناحية الوادي ومعه ظعينة، فأرسل فرسانا من فرسانه ليأتوا اليه بخبره، فلم يعودوا، فذهب "دريد" بنفسه اليه ليراه، فأخذ الرجل منه رمحه وخلى، ثم انصرف دريد إلى أصحابه، ثم لم تلبث "بنو كنانة" أن أغارت على بني جشم، فقتلوا وأسروا "دريد بن الصمة"، وكان الرجل الذي أخذ رمح دريد يوم الظعينة، هو "ربيعة بن مكدم"، فلما سأل "دريد" وهو في الأسر عنه، قيل له: "قتلته بنو سليم"، ثم أطلق، وجهز، ولحق بقومه. فلم يزل كافا عن غزو بنى فراس حتى هلك.
ولدريد يوم مع غطفان عرف ب "يوم الصلعاء". وقد انتصرت فيه هوازن على غطفان، وقتل فيه دريد ذؤاب بن زيد بن قارب.
ودريد بن الصمة من الفرسان المعروفين كذلك، وقد ترأس قومه في عدة غزوات. ويعده الأخباريون في جملة البرص الأشراف، وهو ممن أدرك الإسلام.
و "ربيعة بن مكدم" فارس مشهور، وهو فارس بني كنانة، وبنو كنانة من أنجد العرب، عرفوا بالشجاعة حتى قيل إن الرجل منهم يعدل بعشرة من غيرهم. وصادف أن قتلت "بنو فراس" رجلين من بني سليم، فحقدت بنو سليم عليهم. فلما كان ظعن من بني كنانة ب "الكديد"، وفيهم ربيعة بن مكدم، تلقاهم قوم من "بني سليم"، فاقتتلوا معهم، وقتل ربيعة في ذلك اليوم. ولما دفن عقر على قبره. وكان "يعقر على قبره في الجاهلية، ولم يعقرعلى قبر أحد غيره".
(1/2878)
ولما قتلت بنو سليم "ربيعة بن مكدم"، غزا "مالك بن خالد بن صخر ابن الشريد" سيد "بني سليم" "بني كنانة". وكان بنو سليم قد توجوا مالكا وأمروه عليهم، حتى عرف ب "ذي التاج". فأغار "ذو التاج" على "بني فراس" وهم من "بني كنانة" ب "بزرة". وكان رئيس بني فراس "عبد الله بن جدل"، فدعا "عبد الله" "ذا التاج" إلى البراز، فشد عليه، وقتله. وعرف هذا اليوم ب " يوم فزارة ". و ب " يوم بزرة".
ثم إن بني الشريد حرموا على أنفسهم النساء والدهن أو يدركوا ثأرهم من كنانة فأغار "عمرو بن خالد بن صخر بن الشريد"، بقومه على بني فراس، فقتل منهم نفرا، وسبى سببا فهم ابنة مكدم أخت ربيعة بن مكدم.
وتميم من القبائل التي يرد اسمها في الأيام. ومن هذه الأيام عدة أيام وقعت بينها وبين قبائل ربيعة وأيام أخرى وقعت بينها وبين قيس. ومن أيامها مع قبائل ربيعة: يوم الوقيط ويوم ثيتل "نبتل "، ويوم جدود، ويوم زرود، ويوم ذي طلوح، ويوم الغبيط، ويوم قشاوة، ويوم زبالة، ويوم مبايض، ويوم الزورين، و يوم عاقل.
أما يوم الوقيظ،فكان بين اللهازم من ربيعة وبين تميم. وأما "ثيتل" "نبتل" فيذكر مع يوم النباج أيضا، وهما يومان متقاربان وقعا في موضعين متقاربين.
وقد وقعا بسبب خروج قيس بن عامر المنقري رئيس مقاعس بجماعته ومعه سلامة ابن ظرب رئيس الأجارب لغزو بكر بن وائل. فلما وصلا إلى النباج وثيتل، وجدا اللهازم وبني ذهل بن ثعلبة وعجل بن لجيم وعنزة بن أسد بهذين الموضعين، فأغار قيس على أهل النباج واقتتل معهم، فانهزمت بكر. فعاد قيس بغنائم عديدة فوجد سلامة، وهو في موضعه لم يغر بعد على من بثيتل من ناس، فأغار قيس عليهم، وسلم ما غنمه إلى سلامة.
(1/2879)
ووقع يوم جدود بسبب عزم الحارث بن شريك على غزو بني سليط بن يربوع.جمع الحارث بني شيبان وذهلا واللهازم ثم سار بهم إلى أرض بني يربوع راجيا مباغتتهم. ولكنه ما كاد يصل إلى بلادهم حتى شعروا به، وهاجوا عليه. فلم يتمكن من غزوهم، فتركهم وذهب نحو بني ربيع بن الحارث بجدود، فأغار عليهم، وأصاب سبيا ونعما. فبعث بنو ربيع صريخا إلى بني كليب بن يربوع يطلب العون، فلم يجيبوهم، فذهب الصريخ إلى بني منقر بن عبيد، فركبوا في الطلب، ولحقوا بكر بن وائل واصطدموا بهم وانتصروا عليهم فرجعوا بأموال وغنائم وبما كانت بكر بن وائل سلبته من بني ربيع بن الحارث. وكان رئيس بني يربوع في هذا اليوم: قيس بن عاصم المنقري.
ويعد الحارث بن شريك من الجرارين في ربيعة، ويعرف بالحوفزان. وفي يوم ذي طلوح وقع أسيرا في أيدي بني يربوع. فلما غزا مع قومه بني يربوع في هذا اليوم، كانت يربوع يقظة عارفة بعزم بكر. فأخذوا بكرا على غرة،وسقط الحوفزان أسيرا فجزت ناصيته،ودفع مئتين من الإبل حتى فدى نفسه من الأسر.
وأما قيس بن عاصم المنقري، فهو من سادات "منقر" من تميم، ويعد من سادات أهل الوبر، ومن حلماء بني تميم، وممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية.
ولما أغار حزيمة "خزيمة" بن طارق التغلبي على بني يربوع، وهم بزرود، واستاق إبلهم، كانت نتيجة غزوته هذه أن تعقب بنو يربوع أثره وأسروه،واستنقذوا ما كان قد أخذ، ثم أسروه ولم ينج إلا بعد جز ناصيته ودفع مئة من الإبل.
وكان يوم "ذي طلوح" وهو موضع في حزن بني يربوع بين الكوفة وفيد، لبني يربوع من تميم على بكر من ربيعة. وقد أخذ "الحارث بن شريك" أسيرأ، أخذه حنظلة بن بشر، وكان نقيلا في بني بشر، فاختصم عبد الله بن الحارث، وعبد عمرو بن سنان في الحارث، فحكم الحارث في أمر نفسه،فأعطى كل واحد منهما مئة من الإبل، وجعل ناصيته لحنظلة بن بشر.
(1/2880)
وانتصرت بنو يربوع على بكر في يوم الإياد كذلك، وكانت بكر قد أقبلت من عند عامل عين التمر قاصدة بني يربوع، ومعها من الرؤساء بسطام بن قيس فارس بكر وهانىء بن قبيصة ومفروق بن عمرو، فأحست بنو يربوع بمجيء بكر، وقاتلهم في موضع الإياد، وقتلت جماعة من فرسان بكر، وأسرت قوما منهم: هانىء بن قبيصة الذي فدى نفسه، فنجا.
وقد كان بسطام بن قيس مع الحارث بن شريك - الحوفزان - ومفروق بن عمرو في يوم الغبيط، وفيه غزت بنو شيبان بلاد تميم، غزوا بني ثعلبة بن يربوع وثعلبة بن سعد بن ضبة، وثعلبة بن عدي بن فزارة، وثعلبة بن سعد بن ذبيان، وكانوا متجاورين بصحراء فلج، فهزمت الثعالب، وأصابوا فيهم، واستاقوا إبلا من نعمهم. ثم ساروا في أرض بني مالك بن زيد مناة من تميم، فاكتسحوا إبلهم، فركبت عليهم بنو مالك، وعليهم عتيبة بن الحارث اليربوعي،والأحيمرابن عبد الله، وأسيد بن حباءة، وأبو مرحب، وجزء بن سعد الرياحي،وربيع والحليس وعمارة بنو عتيبة بن الحارث، ومالك بن نويرة وغيرهم، فأدركوهم بغبيظ المدرة، فقاتلوهم حتى هزموهم، وأخذا ما كانوا استاقوا من آبالهم، وقتلت بنو شيبان أبا مرحب ثعلبة بن الحارث وألح عتيبة بن الحارث، وأسيد ابن حباءة، والأحيمر بن عبد الله على بسطام بن قيس حتى وقع بسطام في أسر عتيبة. وقد وافق بسطام على دفع دية هي ثلاث مئة بعير وأن تجز ناصيته وعلى أن يعاهد بعدم غزو بني شيبان، فأفرج عنه.
وغزا بسطام بن قيس رئيس بني شيبان بني يربوع في يوم قشاوة، "يوم نعف قشاوة " وقد انتصر فيه على جماعة من بني يربوع، وعاد مع بعض الغنائم.
ويعد هذا اليوم من وقعات بسطام المعدودة. قال ابن الأنباري: "كان لبسطام أربع وقعات: أسر يوم الصحراء، وظفر يوم قشاوة، وانهزم يوم العظالى، و قتل يوم النقاء".
(1/2881)
وقد استحر القتل قي تغلب ومن كان معهم من تميم، وذلك في يوم بارق. وكان سببه أن بني تغلب والنمر بن قاسط وأناسا من تميم اقتتلوا حتى نزلوا ناحية بارق من أرض السواد، وأرسلوا وفدا منهم إلى بكر بن وائل يطلبون إليهم الصلح، فاجتمعت شيبان ومن معهم، وقرروا الاستفادة من هذه الفرصة، وعزموا على مباغتة القوم، فقال: زيد بن شريك الشيباني إني أجرت أخوالي وهم النمر بن قاسط، فأمضوا جواره، وساروا وأوقعوا ببني تغلب وتميم، فقتلوا منم مقتلة عظيمة، لم تصب تغلب بمثلها، واقتسموا الأسرى والأموال، وكان من أعظم الأيام عليهم.
وقد اصطدمت بنو شيبان ببعض بطون تميم في يوم زبالة كذلك. وقد حضر هذا اليوم الأقرع بن حابس، وأخوه فراس، وهما من تميم، وكانت تميم هي البادئة بغزو بكر بن وائل. اصطدمت بهم في موضع زبالة، فنزلت الهزيمة بتميم، وأسر الأقرع وفراس أخو الأقرع، أسرهما بنو تيم الله وهم من بكر.
ثم لقي بنو تيم الله بني شيبان وهم من بكر أيضا ومعهم بنو رباب، فانتزع بسطام بن قيس رئيس بني شيبان الأقرع وأخاه منهم، وصاروا أسيرين لبسطام.
ثم افتدى الأقرع واخوه أنفسهما من بسطام، وعاهداه على إرسال الفداء، فأطلقهما ولكنهما لم يرسلا له الفداء.
والأقرع بن حابس،فارس مشهور من فرسان تميم، ويعد من حكام العرب. وقد اتصل حكمه في عكاظ إلى الإسلام. ويعد أيضا من الساسة الجرارين، ومن المؤلفة قلوبهم من تميم.
وكان يوم مبايض من الأيام المهمة التي وقعت بين بني شيبان من بكر، وبين ابني تميم، وقد دارت الدائرة فيه على تميم. وألحقت بها خسائر فادحة. وسبب هذا اليوم أن فارسا من فرسان تميم يدعى طريف بن تميم العنبري كان قد وافى عكاظ في الشهر الحرام، وكان قد قتل رجلا من بني شيبان، فتعقبه ابن ذلك الرجل، ليأخذ ثأر ابيه منه.
(1/2882)
وصادف ان وقع نزاع بين بي مره بن ذهل بن شيبان وبين بني ربيعة بن ذهل بن ثيبان كاد يؤدي بينها إلى حرب، فقرر هانىء ابن مسعود رئيس بني ربيعة - حقنا للدماء - الارتحال بقومه، والنزول على ماء مبايض. فلما سمع طريف العنبري بنزول ربيعة على هذا الماء، نادى قومه للاغارة على ربيعة، ما دامت منفردة، وليس لها في هذا الموضع نصير، لإضعاف بكر ابن وائل وللإنتقام منها. فعلمت ربيعة بذلك، فاستعدت للقتال. فلما هاجمت تميم ربيعة، كان بنو شيبان على استعداد، فألحقوا بتميم خسارة لم تصب بمثلها، فلم يفلت منهم إلا القليل. وانهزم طريف فتعقبه ابن الشيباني الذي قتله طريف، فقتله. فكان هذا اليوم من أهم الأيام التي وقعت بين بني شيبان وتميم. واسم قاتل "طربف"، هو "حصيصة الشيباني"، "حصيصة بن شراحيل".
و كان سادة تميم الذين قادوهم في هذا اليوم ثلاثة رؤساء، هم: أبو الجدعاء الطهوي على بني حنظلة، وابن فدكي المنقري على بن سعد، وطريف بن عمرو علي بني عمرو بن تميم.
وكان يوم الزوربن من ايام بكر على تميم كذلك. وكانت بكر تنتجع أرض تميم، ترعى بها إذا أجدبوا، فإذا أرادوا الرجوع، أخذوا كل ما وجدوه أمامهم واستاقوه معهم. فلما كثر اعتداء بكر على تميم، تفاقم الشر بينهما وعظم حتى صار لا يلقى بكري تميميا إلأ قتله، ولا يلقى تميمي بكريأ إلا قتله.
ثم عزمت تميم على التخلص من أذى بكر ومنعها من الرعي في أرضها، فحشدت واستعدت لقتال بكر، واستعدت بكر لقتال تميم. فلما اصطدم الجمعان تغلبت بكر على تميم، وقتلت منهم مقتلة عظيمة.
(1/2883)
ويذكر أهل الأخبار ان سبب تسمية يوم الزورين بهذه التسمية، هو ان بني تميم كانوا قد وضعوا بكر ين مجللين مقيدين، بن.الصفين، وقالوا: هذان زورانا، أي إلهانا، فلا نفر حتى يفرا، وجعلوا عندهما من يحفظهما. فلما أبصر البكريون الزورين هجموا على حراسهما وأخذوا البعيرين وذبحوهما، أو ذبحوا أحدهما وتركوا الآخر يضرب في شولهم. فارتبكت تميم وانهزمت شر هزيمة.
وكان المقدم على بكر "عمرو بن قيس بن مسعود الشيباني"، المشهور ب "أبي مفروق"، قدمته "بكر" عليهم، فحسده سائر ربيعة، وأرادوا ازاحته عن الرئاسة، إذ كانوا يريدون أن يجعلوا على كل حي رجلا منهم، وأن يكون كل حي على حياله، فأصر ابنه "مفروق" عليه بمخالفتهم، وبقي رئيسا عليهم كلهم: فلما كان القتال، برك بين الصفن، وقال أنا زوركم، فقاتلوا عني، ولا تفروا حتى أفر. ولم يكن الحوفزان بن شريك يومئذ في القتال، فقد كان في أناس من بني ذهل بن شيبان غازيا في بني دارهم. وممن اشترك فيه: حنظلة بن سيار العجلي، وحمدان بن عبد عمرو العبسي، وأبو عمرو ابن ربيعة بن ذهل بن شيبان. وقتل فيه من بني تميم أبو الرئيس النهشلي، وهو ساداتهم.
وقد أكثر الشعراء في ذكر هذا اليوم لا سيما الأغلب العجلي، وذكره الأعشى أيضا.
وكان سبب يوم عاقل ان "الصمة بن الحارث الجشمي"أغار على بني حنظلة بعاقل، فأسره الجعدين الشماخ أحد بني عدي بن مالك بن حنظلة، وهزم جيشه، وأبطأ الصمة في فدائه فجز الجعد ناصيته وأغلظ في الكلام عليه، فضرب الصمة عنقه. فمكث الصمة زمانا، ثم غزا بني حنظلة، فأسره الحارث ابن بيبة المجاشعي "الحارث بن نبيه المجاشعي" وهزم جيشه ثم أجاره الحارث من إساره ذلك، وخرج الحارث بالصمة إلى بني يربوع من بني حنظلة ليشتري الصمة أسراء قومه. فلما رأى "أبو مرحب"، وهو ثعلبة بن الحارث،الصمة، وكان يعرف انه غدر بالجعد ظ خنس عنه، وأخذ سيفه ثم جاء فضرب به بطن الصمة فأثقله.
(1/2884)
وأما أشهر الأيام التي وقعت بن قيس وتميم، فيوم الرحرحان، ويوم شعب جبلة، ويوم ذي نجب، ويوم الصرائم، ويوم الرغام، ويوم جزع ظلال، و،وم المروت.
أما يوم رحرحان، فقد أشرت اليه سابقا وهو يوم وقع في أعقاب قتل الحارث بن ظالم المري خالد بن جعفر الكلابي، وكان سببه ان قوم الحارث ابن ظالم انكروا عليه فعله، ولاموه على عمله فتجنبهم وهرب منهم، ولحق بتميم فأجاروه، فاستاءت بنو عامر من ذلك، وطلبت من بني تميم تسليم الحارث اليهم. فلما أبوا، جاءت بنو عامر تريد مباغتة تميم، وكانت تميم قد علمت بمسيرها اليهم فأرسلوا بما عندهم من أثقال وأهل إلى بلاد بني بغيص. ولما كانوا في موضع
رحران، التقوا ببني عامر ورئيسهم الاحوص، فدارت الدائرة على بني تميم، واسر منهم معبد بن زرارة: اسره عامر والطفيل ابنا مالك بن جعفر بن كلاب. وشاركهما في أسره رجل من غنى يقال، له:أبو عميرة عصمه بن وهب،وكان اخا طفيل من الرضاعة وفي اسرهم مات معبد. شدوا عليه القيد وبعثوا به إلى الطائف خوفا من بي تميم ان يستنقذوه.
(1/2885)
وأخذ لقيط بن زرارة يستعد ويجمع العدة، لينتقم من بني عامر، وليأخذ منهم بثأر أخيه معبد الذي أسر في يوم رحرحان، ثم هلك لمنع بني عامر الماء عنه. فذهب الى النعمان بن المنذر وأسمه في الغنائم، فأجابه. ثم ذهب إلى الجون الكلبي ملك هجر، فأجابه أيضا. ثم توجه إلى كل من عرف بعدائه لبني عامر وعبس، فأوغر صدره عليهم، ومناه بالغنيمة والنصر، فانضمت اليه بنو ذبيان لعدائها لعبس بسبب حرب داحس والغبراء، وبنو أسد للحلف الذي كان بينهم وبين بني ذبيان. فلما مضى الحول على يوم رحرحان، انهالت الجيوش على لقيط، فوصل جيش الجون الكلبي وعليه عمرو ومعاوية ابناه، ووصل جيش النعمان وعليه أخوه لأمه حسان بن وبرة الكلبي،وأقبل الحليفان أسد وذبيان وعليهم حصن بن حذيقة، وأقبل شرحببل بن أسر بن الجون بن آكل المرار في جمع من بني كندة وسار سادات تميم: حاجب بن زرارة، ولقيط بن زرارة، وعمرو بن عمرو، و الحارث بن شهاب، ومعهم أحلافهم ومن انضم اليهم، يقصدون بني عامر، فنتج عن ذلك جمع لم يكن في الجاهلية أكثر منه.
وعرفت بنو عامر بمجيء الجمع، فاستعدت له وتحصنت في شعب جبلة. اخبرها بذلك كرب بن صفوان السعدي، وكان شريفا من أشراف قومه لم يخرج مع الجمع، فخافوا من تخلفه عنهم، وعرفوا انه دبر في ذلك أمرا،وانه يقصد إخبار بي عامر. فأخذا عليه العهد بألا يفشي سر مسيرهم هذا لبنى عامر.وقد سار كرب بن صفوان إلى بني عامر، وأظهر لهم علائم هجوم بني تميم عليهم، دون أن يقول لهم شيئا عنه لئلا يخلف وعده. فعرفوا به، واستعدوا له. وبينما كان القوم على وشك الوصول إلى ديار بني عامر، عادت بنو أسد فغيرت رأيها من الاشتراك في هذا الهجوم، ورجعت عنهم، ولم يسر مع لقيط منهم إلا نفر يسير.
(1/2886)
ولما وصل بنو تميم واحلافهم الى شعب جبلة، كان بنو عامر على أتم استعداد للقاء وقد احتموا في مواضع منيعة حصينة من الشعب. ولما دخلوه يريدون الفتك ببني عامر وعبس،-باغتهم هؤلاء بهجوم مفاجئ افسد عليهم خطط قتالهم فارتدوا مذعورين تتعقبهم سيوف بني عامر. فكانت هزيمة فادحة نزلت بتميم وبمن كان معهم من الأحلاف كلفت لقيطا حياته، وأوقعت حاجبا في الأسر، وأوقعت غيره في الأسر كذلك.
وقد وقع هذا اليوم في عام مولد النبي على بعض الروايات، أي سنة 570 للميلاد، وبعد عام من يوم الرحرحان. وقد اشار بعض الرواة الى اشتراك عمرو بن الجون ومعاوية بن الجون في هذا اليوم، والى عقد معاوية بن الجون الألوية، فكان بنو أسد وبنو فزارة بلواء مع معاوية بن الجون. وكان بنو عمرو ابن تميم مع لواء حاجب بن زرارة، وكان لوا، الرباب مع حسان بن همام،وعقد لجماعة من بطون تميم مع لقيط بن زرارة، وكان عمرو بن الجون أول من قتل في هذا اليوم.
واسر أخوه معاوية بن الجون، كما، اسر عمرو بن عمرو بن عدس وحاجب بن زرارة. وقد حمل عنترة على لقيط.، فضربه بسيفه، ثم فدى حاجب.بن زرارة بخممس مئة من الإبل، وفدى عمرو بن عمر بمئتين.
وقد كان يوم جبلة في عام واحد مع يوم رحرحان على رواية، ويقصدون بهذا اليوم يوم رحرحان الثاني تمييزا له.عن يوم رحرحان الأول الذي غزا فيه يثربي ابن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن عامر بن صعصعة، وفي يوم رحرحان الثاني على هذه الرواية، كان أسر معبد بن زراره وقد نقل إلى الطائف خوفا من بني تميم أن يستنقذوه.
(1/2887)
وبعد مرور عام على يوم جبلة طمعت بنو عامر في غزو بني تميم والايقاع بها، فذهبت إلى حسان بن كبشة الكندي، وعلى رأسها ملاعب الأسنة عامر ابن مالك بن جعفر وطفيل بن مالك بن جعفر وعمرو بن الأحوص بن جعفر ويزيد بن الصعق وقدامة بن سلمة بن قشير وعامر بن كعب بن أبي يكر بن كلاب، تطمعه في الغنيمة وفي الأموال الوافرة والسبي إن انضم اليها وساعدها في الغزو، فغلبه طمعه ووافق على السير معهم إلى بني حنظلة بن مالك بن تميم. وبلغ الخبر بني حنظلة، فتركوا ديارهم برأي عمرو بن عمرو بن عدس، وكانت في أعلى ذو نجب. وأما في أسفله،فكان بنو يربوع،وهم من تميم كذلك. فلما بلغ حسان ومن معه من الجيش ألموضع، اقتتلوا مع بني يربوع، فشد "حشيش بن نمران الرياحي" على حسان وضرب بالسيف على رأسه فقتل،وانهزم اصحابه، وأسر يزبد بن الصعق، وانهزمت بنو عامر وصنائع ابن كبيشة، فكان النصر فيه لبني تميم.
وفي رواية أن بني عامر استنجدت بمعاوية بن الجون الكندي، فأنجدهم بابنيه عمرو وحسان وبجيشه، فقتل في ذلك اليوم عمرو بن معاوية الكندي، وأسر حسان ابن معاوية الكندي، وقتل عامة الكنديين.
وفي رواية أخرى ان حسان بن معاوية آكل المرار، هو الذي اشترك في هذا اليوم، وقد قتل فيه:قتله حشيش بن نمران من بني رباح بن يربوع. وفي رواية أخرى انه كان في جملة من وقع في الأسر، وان المقتول رجل آخر هو عمرو بن معاوية.وقد قتل في هذا اليوم عمرو بن الأحوص رئيس بني عامر يومئذ قتله خالد بن مالك النهثملي.
وفي يوم الصرائم، وهو يوم يسمى أيضا بيوم بني جذيمة وبيوم ذات الجرف، أغارت فيه بنو عبس على ربيعة بن مالك بن حنظلة، فأتى "الصريخ" بني يربوع، فركبوا في طلب بني عبس، ؤأدركوهم بذات الجرف فقتلوا منهم جملة قتلى وأسروا بعض الرؤساء.
(1/2888)
وكان لبني تميم يوم آخر على بني عبس وعامر، وهو يوم مأزق "ملزق" ويسمى أيضا بيوم السوبان. وذللك بعد أن قاتلت تميم جميع من أتى بلادها من القبائل، وهم إياد وبلحارث بن كعب، وكلب، وطيء، وبكر، وتغلب وأسد، واخر من أتاهم بنو عبس وبنو عامر. ويظهر ان تميما حاربت هذه القبائل للتخلص منها، وكانت تنزل في ديارها للانتجاع في أرضها،وهى ارضون خصبة واسعة، فكلفها ذلك عدة حروب.
وقد انتصرت تميم على عامر في يوم المروت " وكان سسببه نزاع بسيط وقع بين "قعنب بن الحارث بن عمرو بن همام اليربوعي" وبين "بجير بن عبدالله العامري" بسبب نسب فرس " أدى الى غزو بجير لبني العنبر من تميم، ثم إلىملاحقة بني يربوع لبجير وجماعته من بني عامر، والى سقوط عدد من إلقتلى من بني عامر واسترداد ما كان بنو عامر قد غنموه. وقد ضرب "قعنب بن عتاب" رأس "بجير" فأطاره.
وانتصرت بنو يربوع على بني كلاب من قيس في يوم الرغام. وذلك ان "عتيبة بن الحارث بن شهاب" أغار في بني ثعلبة بن يربوع على طوائف من بني كلاب. وكان أنس بن عباس الأصم أخو بني رعل مجاورا في بني كلاب، وكان بين بتي ثعلبة بن يربوع، وبين بني رعل عهد ألا يسفك دم، ولا يؤكل مال. فجاء الكلابيون الى انس بن عباس ألاصم راجين منه أن يذهب إلى بني "ثعلبة" ليحبسهم عنهم حتى يتدبروا أمرهم ويستعدوا للقتال. فذهب أنس اليهم وقابل حنظلة بن الحارث شقيق عتيبة بن الحارث، و كلمه في أمر ما بينه وبين بني ثعلبة من عهد ث فأجيب الى طلبه، وتباطأ،في أخذ ما سلبه منه بنو ثعلبة من الابل حتى جاءت فوارس بني كلاب، فحمل "الحوثرة بن قيس" وهو من فرسان بني كلاب على "حنظلة بن الحارث" فقتله، فحمل فرسان من بني ثعلبة بن يربوع على إلحوثرة، فأسروه، ودفعوه الى عتيبة فقتله، وهزم الكلابيون.
(1/2889)
-
ومضى بنو ثعلبة بالإبل والغنائم، واتبعهم "أنسى بن عباس" رجكاء أن يصيب منهم غرة، فيأخذ منهم ما يريد. ولما مر بالطريق، تغفله "عتيبة" وأسره، وأتى به اصحابه وأراد اصحاب عتيبة قتله، ولكنه، أبى أن يفعل بل قبل من أنس الفداء ففدى نفسه بمئتي بعير.
وأما يوم جزع ظلال "طلال"، فكان النصر فيه لفزارة، وهم من قيس كذلك على بني تميم. وكان عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري قد أغار بقومه فزارة، ومعه مالك بن حمار الشمخي من بني شمخ بن فزارة، على التيم وعدي وثور أطحل من بنى عبد مناة، فأصاب غنائم كثيرة ورجع بأسرى عديدين أطلقهم فيما بعد. فما مضت مدة، بلغه أن النعمان بن جساس التيمي وعوف بن عطية وسبيع بن الخطيم، وهم سادة تيم، وابن المخيط وهو سيد بنى عدي تيم، انطلقوا إلى بني سعد بن زيد مناة وضبة يستمدونهم ويسألونهم النصر فركب عيينة بن حصن مع قومه، وأغار على التيم، فقتلوا منهم قتلا شديدأ وأخذوا سبيا كثيرا. واحتفلوا بانتصارهم هذا بشرب الخمر. وكان نساء تيم ومن كان معهن من رجالهن ينقلون زقاق الخمر اليهم. ولم يسقوا تيما محقرة لهم. ثم مضى زمن فرد بنو فزارة السبي إلى تيم، وأطلقوا الرجال بغير فداء.
ومن أيام ضبة وغيرهم: يوم النسار، ويوم الشقيقة، ويوم بزاخة، ودارة مأسل، والنقيعة.
وكان سبب يوم السار جدب حل بأرض مضر، وخصب أصاب بلاد بني سعد والرباب، مع غيث غامر. فالما وقع ذلك الغيث، أقبلت عامر بن صعصعة ومن معهم من هوازن إلى بني سعد، وكانوا يواصلونهم بالنسب، فسألوهم أن يرعوهم ومن معهم من هوازن ففعلوا.
(1/2890)
فما اجتمعت بنو سعد والرباب وهوازن ومن معها، قال بعضهم لبعض: انه ما اجتمع مثل عدتنا قط إلا كانت بينهم أحداث، فليضمن كل حي ضامن، فكان الضامن لما كان في سعد والرباب الأهتم، وهو سنان بن سمي بن خالد، وكان الضامن على هوازن قرة بن هبيرة بن عامر بن صعصعة. فرعوا ذلك الغيث حينا، حتى وقع شر، سببه أن "الختف" وهو رجل من بني ضبة قتل رجلا من بني قشير، فوقع الشر ووقعت الحرب، واجتمع بنو سعد مع بني عامر، واستمدوا بني أسد فأمدوهم، والتقوا مع "بني ضبة" بالنسار فاقتتلوا، فصبرت عامر، واستحر بهم القتل، وانفضت بنو سعد وهربت، ثم هرب بنو عامر. وقتل في هذا اليوم: شريح بن مالك القشري، رأس بني عامر، ووقع سبي منهم في أيدي خصومهم.
وقد وقع يوم النسار بعد يوم جبلة، وذلك لأن الأحاليف، وهم غطفان وبنو أسد وطيء شهدوا يوم النسار بعدما تحالفت الأحاليف، وحضره حصن بن حذيفة، وكان حصن رئيس الأحاليف، كما جاء ذلك في شعر لزهير بن أبي سلمى. هذا ما يراه الرواة وأهل الأخبار من علماء قيس وبني أسد، ويؤيده أبو عبيدة. أما الرباب ورواة ضبة، فترى ان يوم النسار كان قبل يوم جبلة ويفند أبو عبيدة رأي الرباب. ويقول ابو عبيدة: كان حاجب بن زرارة على بني تميم يوم النسار ويوم الجفار، و أن "لقيطا قبل يوم جبلة، ولو كان حيا ما نقدمه فيه حاجب بن زرارة، وإنما نبه أبو عكرمة بعد أبي نهشل، وكانا قبل مبعث النبي بسبع وعشرين سنة. وكان عام جبلة مولد النبي".
وذكر "المسعودي" أن "بني عامر بن صعصعة" كانوا يؤرخون بيوم شعب جبلة. وكان قبل الإسلام بنيف وأربعين سنة.
وقد كان يوم شعب جبلة بين بني عامر وأحلافها من عبس وبين من سار اليهم من تميم، وعليهم حاجب ولقيط ابنا زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله ابن دارم، ومن عاضدهما من اليمن مع ابني الجون الكندبين.
(1/2891)
وما في رواية أبي عبيدة أو غيره من أن مولد النبي كان في عام جبلة , وهم. فالرجال الذين أسهموا في ذلك اليوم، كانوا قد هلكوا قبل ذلك بأمد، ولم يدركوا أيام الرسول.وقد ذكر أن يوم جبلة كان قبل الإسلام بسبع وخمسين سنة. وقد غضبت بنو تميم وخجلت مما نزل ببني عامر من عار بسبب هذا اليوم، وحلف "ضمرة بن ضمرة النهشلي"، وهو من سادات بني تميم على أن يترك الخمر ويحرمه عليه حتى يأخذ بثأره من بني أسد، فهيأ نفسه وعبأ قومه لقتالهم، والتقى بهم في يوم ذات الشقوق، وانتصر فيه عليهم، وفرح بهذه النتيجة، و اباح لنفسه عندئذ شرب الخمر.
ولما كان على رأس الحول من يوم النسار اجتمع من العرب من كان شهد النسار. وكان رؤساؤهم بالجفار، الرؤساء الذين كانوا يوم النسار، إلا أن بني عامر تقول كان رئيسهم بالجفار "عبدالله بن جعدة بن كعب بن ربيعة"، فالتقوا يالجفار، واقتتلوا، وصبرت تميم، فعظم فيها القتل وخاصة في بني عمرو ابن تميم. وكان يوم الجفار يسمى "الصيلم" لكثرة من قتل به.
وفي يوم الجفار التقت بكر بتميم على رواية، والتقى الأحاليف في ضبة و اخوتها الرباب وأسد وطيء على بني عمرو بن تميم في رواية أخرى، واستحر القتل يومئذ في بني عمرو بن تميم على هذه الرواية، فكان النصر فيها للاحاليف.
وفي يوم الستار، وهو يوم كان بين بكر بن وائل وبني تميم،.قتل قيس بن عاصم و قتادة بن سلمة "مسلمة" الحنفي فارس بكر, وكان قتادة من الجرارين في ربيعة.
ولضبة نصر آخر، كان في يوم الشقيقة على بني شيبان. وقد قتل فيه بسطام بن قيس سيد بني شيبان. وكان ذلك بسبب قيام بسطام بغارة على بني ضبة وطمعه في إبل مالك بن المنتفق الضبي. فلما رأت ضبة بسطاما، وهو يغير على الإبل، هاجمته فوقع قتيلا، فولت بنو شيبان مهزومة تاركة ما استولت عليه وعددا من رجالها بين قتيل وأسير. ويعرف هذا اليوم باسم آخر هو: "نقا الحسن".
(1/2892)
وانتصرت ضبة على أياد في يوم يسمى بيوم بزاخة. وقد كان بسبب إغارة محرق الغساني وأخوه في اياد وطوائف من العرب من تغلب وغيرهم على بني ضبة ب "بزاخة" فاقتتلوا قتالا شديدا حمل فيه "زيد الفوارس" على محرق فأسره، وأسرت بنو ضبة أخا حبيش بن دلف السيدي، فقتلتهما وهزم من كان معهما، وأصيب ناس منهم فيه.
وفي بعض الروايات أن يوم بزاخة هو يوم إصم. وهو يوم كان لبني عائذة ابن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة على الحارث بن مزيقيا الملك الغساني، وهو عمرو بن عامر، وفيه قتل ابن مزيقيا، فانهزم أصحابه هزيمة منكرة. وفي رواية أخرى ان هذا اليوم كان مع عبد الحارث من ولد مزيقيا.
وأما يوم "دارة مأسل"، فكان لضبة على بني عامر، غزا "عتبة بن شتير بن خالد الكلابي" بني ضبة، فاستاق نعمهم. وقتل "زيد الفوارس" "حصن بن ضرار الضبي"، وكان يومئذ حدثا لم يذكر. فجمع أبوه ضرار قومه، وخرج ثائرا على بني عمرو بن كلاب , فأفلت منه "عتبة بن شتير" وأسر أباه "شتير بن خالد" فأمر ضرار ابنه "أدهم" أن يقتله.
وانتصرت ضبة على بني عبس في يوم النقيعة، ويسمى أيضا يوم أعيار. وقد كان بنو عبس قد أغاروا فيه برئاسة عمارة بن العبسي على إبل لبني ضبة، ومعه جيش من بني عبس، فأطردوا إبلهم، وركبت عليهم بنو ضبة،فأدركوهم في المرعى، فحمل "شرحاف بن المثلم بن المشخرة العائذي الضبي" على عمارة ففتله، واستنقذت بنو ضبة فيه إبلها من "بني عبس". ويعرف عمارة ب "عمارة الوهاب".
ومن الأيام التي وقعت بين "قيس" و "كنانة": يوم الكديد، ويوم برزة وحروب الفجار. أما يوم الكديد ويوم برزة، فقد تحدثت عنهما قبل قليل. وأما حروب الفجار فإليك ما جاء عنها.
(1/2893)
العادة في الجاهلية ألا قتال في الأشهر الحرم لقدسيتها ومكانتها، فهي أشهر حرم يستريح فيها الأفراد والقبائل من القتال , ويكون الإنسان فيها آمنا على نفسه وماله، فيظهر فيها الفرسان المعروفون بسفكهم الدماء دون خوف وإن كانوا يتقنعون بقناع حين حضورهم الأسواق مثل عكاظ خوفا من وقوف طلاب الثأر على حقيقتهم، فيتعقبون خطاهم، فيفتكون بهم بعد انتهاء الأشهر الحرم. ويذهب في هذه الأشهر الناس إلى الأسواق للامتيار، والى الكعبات للحج إلى الأصنام، ثم يعودون إلى منازلهم مع انتهاء الأيام الحرم خشية حلول الأشهر الأخرى فيتعرضون لطمع الطامعين وغزو الغازين.
ومع ما لهذه الأشهر من الحرمة، فقد وقعت فيها حروب عرفت بحروب الفجار وبأيام الفجار، لأن من اشترك فيها كان قد فجر فيها بانتهاكه قدسية هذه الأشهر الحرم. ولكنها على ما يظهر من وصف الإخباريين لها لم تكن حروبا كبيرة واسعة، انما كانت مناوشات ومهاترات وقعت لأسباب تافهة بسيطة. ففي الفجار الأول لم يرق فيه دم، وانما محاورات وخصومة كلامية بن كنانة وهوازن بسبب حادث بسيط لا يستوجب في الواقع خصومة ولا اشتباكات. فقد تطاول"بدر بن معشر الغفاري" "بدر بن معسر الغفاري" على الناس , بأن جلس بعكاظ في الموسم والعرب مجتمعة فيه، ثم مد رجله وقال: أنا أعز العرب، فمن زعم انه أعز مني فليضربها بالسيف. فوثب رجل من "بني نصر بن معاوية" اسمه "الأحمر بن هوازن" فضربه بالسيف على ركبته فقطعها، فتحاور الحيان: أهل المضروب مع أهل الضارب عند ذلك. حتى كاد أن يكون بينهما الدماء، ثم تراجعوا ورأوا ان الخطب يسير.
(1/2894)
وفي الفجار الثانية وقعت بينهم دماء يسيرة.وكان سببه عبث شباب من قريش وكنانة بامرأة من بني عامر بن صعصعة وكانت وضيئة حسانة رأوها بسوق عكاظ، فأرادوا منها أن تكشف لهم عن برقعها، فثارت ونادت: "يا آل عامر"، ونادى الشباب قومهم، فالتحموا في قتال لم يكن هذا الحادث ليوجبه , ثم انتهى بتوسط "حرب بن أمية" "الحارث بن أمية" باحتمال دماء القوم.
أما الفجار الثالث، فكان بسبب دين كان لرجل من بني جشم بن بكر بن هوازن على رجل من كنانة، فلواه به، ولم يعطه شيئا منه. فلما أعياه، وافاه في سوق عكاظ بقرد، وجعل ينادي:" من يبيعنى مثل هذا الرباح بمالي على فلان بن فلان الكناني. من يعطيني مثل هذا بمالي على فلان بن فلان الكناني! رافعا صوته بذللك، فلما أكثر من ندائه، مر به رجل من بني كنانة، فقتل القرد، فهتف الجشمي: "يا آل هوازن"، وهتف الكناني: "يا ا ل كنانة" وتجمع الحيان حتى تحاجزوا، ولم يكن بينهم قتلى، ثم كفوا وقالوا: " أفي رباح تريقون دماءكم، وتقتلون أنفسكم ?" وأصلح عبدالله بن جدعان بينهما.
ووقع الفجار الآخر بسبب رجل خليع سكير فاسق، اتعب قومه فخلعوه وتبرأوا منه فخرج منهم، وصار يتنقل من قبيلة إلى قبيلة ومن سيد إلى سيد يطلب الحماية والجوار. فلما لفظه الجميع، وتعبوا منه، ذهب إلى مكة مستجيرا بحرب بن أمية، فحالفه، وأحسن جواره. ثم شرب بمكة، وعاد إلى سيرته الأولى، فهم حرب بخلعه، فخرج من مكة، وذهب عنه إلى الحيرة. فما كان هناك، عرض على النعمان بن المنذر أن يتولى له حماية لطيمته،ويجيزها له على أهل الحجاز.
(1/2895)
وسمع بذلك عروة الرحال، وهو يومئذ رجل هوازن، فاحتقر أمر هذا الخليع: "البراض بن قيس الكناني"، فقال للملك: أكلب خليع يجيزها للك ? أبيت اللعن، أنا أجيزها لك على أهل الشيح والقيصوم في أهل نجد وتهامة. فدفعها النعمان إليه، وخرج عروة بها، والبراض بن قيس بتعقبه. فلما كان بأوارة غافله البراض، فقتله، واستاق اللطيمة إلى خيبر. ولما بلغ خبر مقتل عروة كنانة وهوازن، هاج ا الطرفان، واشتبكا في قتال وقع بموضع نجلة، فاقتتلوا حتى دخلت قريش الحرم، وجن عليهم الليل فكفوا.
وجر عمل هذا الخليع إلى وقوع جملة أيام أخرى، أدت افا اضطراب الامن في مواسم أمن ما كان يحدث فيها قئال. فبعد عام من يوم نخلة، تجمعت قريش وكنانة بأسرها والأحابيش ومن لحق بهم من بني أسد بن خزيمة ن لملاقاة سليم وهوازن، ووزع عبدالله بن جدعان السلاح على الشجعان الفرسان المعروفين بالشجاعه والصبر، وسلح يومئذ مئة كمي بأداة كاملة،سوى من سلح من قومه واجتمعوا بموضع شمطة من عكاظ في الايام التي تواعدوا فيها على قرن الحول.
وترأس المتقاتلين المتواعدين سادات ذلك الوقت المعروفون. وعلى كنانة كلها حرب بن أمية، ومعه عبدالله بن جدعان وهشام بن المغيرة وهما على الميمنة والميسرة، وعلى هوازن وسليم كلها مسعود بن معتب الثقفي. وفي بني عامر ملاعب الأسنة أبو براء، وفي بني نصر وسعد وثقيف سبيع بن ربيع، وفي بني جشم إلصمة والد دريد وفي غطفان عوف بن أبي حارثة، وفي بني سليم عباس ابن زغل، وفي فهم.وعدوان كدام بن عمرو.
وكانت الدائرة في أول النهار لكنانةء على هوازن، حتى إذا كان آخر النهار تداعت هوازن وصابرت، وانكشفت كنانة فاستحر القتل فيهم، فقبل منهم تحت رايتهم مئة رجل، ولم يقتل من قريش أحد يذكر، فكان هذا اليوم لهوازن على كنانة وقريش.
(1/2896)
وقد وقع الفجار الثاني بعد الفيل بعشرين سنة، وبعد موت عبد المطلب باثنتي عشرة سنة على رواية. ويعد كل من أيام العرب المشهورة، وهو أشهر من يوم جبلة الذي وقع قبله في بعض الروايات.
وعادت هوازن وكنانة إلى الحرب، والتقوا على قرن الحول في اليوم الثالث من أيام عكاظ، واقتتلوا وكانت الهزيمة على كنانة. وقد عرف هذا اليوم بيوم العبلاء.
وقد تأثرت كنانة من الهزيمة التي لحقتها في يومي شمطة والعبلاء، وأخذت تستعد للانتقام من هوازن، فتكتل رؤساؤها واشتروا الاسلحة، وحمل عبد الله بن جدعان مثري قريش وغنيها يومئذ ألف رجل من بني كنانة على ألف بعير. وتولى قيادة كل بطن رئيسه ثم سارت. على رأس الحول من اليوم الرابع من ايام عكاظ.
قاصدة هوازن، فالتقت بها واشتبكت معها في قتال كاد يهرب فيه بنو كنانة، لولا صبر بني مخزوم وبلاؤها بلاء حسنا. وخشيت قريش أن يجري عليها ماجرى يوم العبلاء، فقيد حرب وسفيان وأبو سفيان بنو أمية بن عبد شمس أنفسهم وقالوا: لا نبرح حتى نموت مكاننا أو نظفر واقتتل الناس قتالا شديدا، وحملت قريش وكنانة على قيس من كل وجه حتى انهزمت، وانتصرت بذلك كنانة وقريش على بني هوازن. وعرف هذا اليوم بيوم عكاظ.
ولما انهزمت ثقيس، دخلوا خباء "سبيعة بنت عبد شمس" امرأة "مسعود ابن معتب الثقني" مستجييرن بها، فأجار "حرب بن أمية" جيرانها،واستدارت قيس نجبائها حتى كثروا، فلم يبق أحد لا نجاة عنده إلا دار بخبائها فقيل لذلاك الموضع: مدار قيس، وكان يضرب به المثل، فتغضب قيس.
وقد التقت كنانة وقريش بقيس في يوم آخر يسمى يوم الحيرة، وكان على بكر بن عبد مناة، رئيسهم جثامة بن قيس أخو بلعاء بن قيس ذلك لوفاة بلعاء. أما الرؤساء الآخرون، فبقوا كما كانوا في اليوم الماضي. وبعد قتال اتفقوا على الصلح وتسوية الديات، وانصرف الناس من الحرب.
(1/2897)
هذه ايام من ايام عديدة اخرى ترد أسماؤها في كتب الأخبار وإلتواريخ، نرى أن أسبابها طبيعة البداوة، وفقر البادية، وحاجة الناس إلى الماء والمرعى والاعتبارات الاجتماعية وما شاكل ذلك من اسباب أدت الى وقوع تلك !لأيام. وقد علقت ذكراها بأذهان الرواة، لأنها وقعت في عهد لم يكن بعيدا جدا عن الإسلام، وقد وقعت بالطبع مئات من هذه الأيام " محيت أخبارها من ذاكرة حفظة الأخبار ورواتها، لأنها وقعت في عهد بعيد عن الإسلام أو في أمكنة بعيدة لم يصل مداها إلى جماع الأخبار في الإسلام، فلم يضبطوها في جملة هذا الذي ضبطوه. والذي نجده من قراءة أسماء الأيام المذكورة ومن أخبارها، ان معظمها مما كان قد وقع في الحجاز أو في نجد أو العراق والبادية وبلاد الشام والبحرين. أما الأيام التي وقعت في العربية الجنوبية فقلما نجد لها ذكرا عند الأخبارين، خاصة أيام حضرموت وعمان، مما يدل على عدم وصول أخبار هذه الأرضين إلى علم الأخباريين. والواقع ان علم أهل الأخبار والتأريخ بهذه البلاد ضعيف جدا، حتى في باب علمهم عنها في الإسلام، وهو أمر يؤسف عليه.
(1/2898)
وتتخلل هذه الأيام أسماء الرجال المشهورين ممن كان لهم أثر خطير فيها، وهم قادتها ومساعير نيرانها ومكونو تأريخ الجزيرة قبل الإسلام. وشأن هؤلاء الرجال من حيث بعدهم وقربهم عن الإسلام، شأن أيامهم، فأكثرهم من أهل القرن السادس للميلاد، وممن ماتوا في عهد لم يكن بعيدا عن الإسلام، أي في النصف الثاني من هذا القرن. لقد صنع القصاصون ومحبو المبالغات من رواة القبائل، على عاداتهم، هالة من الأقاصيص والأساطير لأولئك الرجال، حملت بعض المستشرقين على الشك في حقيقة بعضهم. ولكن وجود القصص الخرافي لا يمنع من الاعتراف بوجود شخص كات قد عاش ومات، وكان له أثر ظاهر في قومه وأعمال أثرت في مواطنيه، وجعلتهم يوسعونها ويكبرونها إلى أن صنعوها بقصصهم بهذا الشكل الذي وصل إلى الأخباريين،بنقلهم الرجال من عالم الحقيقة إلى عالم الخرافة والخيال.
لقد خلدت تلك الأيام أسماء رجال أثروا تأثيرا مهما في الحياة السياسية البدوية.
لقد أنجز بعضهم أعمالا لم تنجزها قبائلهم، فتمكنوا من بسط نفوذهم على كثير من القبائل ومن جمعها تحت رئاسته بفضل زعامته وشخصيته. فهذا زهير بن جناب الكلبي تجتمع عليه قضاعة وننضوي تحت لوائه، ويفرض الإتاوة على قبائل أخرى من غير قضاعة، ويحارب غطفان وبكرا وتغلب وبني القين بن جسر، وهي من القبآئل الكبيرة المعدودة، ثم ينتصر عليها. وهذا كليب بن وائل وهو من معاصري زهير بن جناب ومن المنافسين له، ومن رجال النصف الأول من القرن السادس للميلاد، يجمع شمل قبائل ربيعة - وهي قبائل متنافرة متخاصمة - تحت رايته، ثم يجمع شمل معد ويضمها كلها اليه، فتكون له الرئاسة على كل قبائلها، وهو بذلك أحد النفر الذين اجتمعت عليهم معد.
(1/2899)
ومن النفر الذين اجتمعت معد عليهم: عامر بن الظرب بن عمرو بن بكر ابن يشكر بن الحارث -وهو عدوان بن قيس كيلان - وربيعة بن مرة بن زهير ابن جشم بن بكر بن حبيب بن كلب، وكان قائد معد يوم السلان بين أهل اليمامة واليمن.
ولمع في هذه الأيام اسم حذيفة بن بدر، واسم حمل أخيه، وكان سيدي بني فزارة. وقد عرف حذبفة ب "رب" معد، وقاد قومه بني فزارة في عدة أيام، هي: يوم النسار، ويوم الجفار، وحرب داحس والغبراء حيث قتل فيها في يوم الهباءة.
وقد راينا عدة رجال آخرين يتزعمون قومهم في هذه الأيام، مثل بسطام بن قيس رئيس بني شيبان،وهو من مشاهير الفرسان،وأحد الفرسان الثلاثة المعدودين، وهم: عامر بن الطفيل، وعتيبة بن الحارث وبسطام، وربيعة بن مرة بن الحارث التغلبى، والهذيل بن هبيرة الثعلبي من ثعلبة بن بكر، والحوفزان، وهو الحارث بن شريك بن عمرو بن الشيباني، والحارث بن وعلة الذهلي، وأبحر بن جابر العجلي، وقيس بن حسان بن عمرو بن مرثد أخو بني قيس بن ثعلبة، وقتادة بن مسلمة الحنفي، وأثال بن حجربن النعمان بن مسلمة الحنفي، والهذيل ابن عمران التغلبي.
وقد دونت الأيام أسماء جماعة من سادات تميم ممن ترأسوا قومهم. ولقبائل تميم مكان في هذه الأيام. ويظهر انها كانت من القبائل البارزة في القرن السادس للميلاد. ومن هؤلاء: زرارة بن عدس من بني دارم. وقل قاد تميما وغيرها في يوم شويحط إلى عذرة بن سعد هذيم، ولقيط بن زرارة، وقد قاد تميما كلها إلا بني سعد بن زيد مناة إلى بني عامر بن صعصعة يوم جبلة، والأقرع ابن حابس، وقد قاد حنظلة كلها يوم الكلاب الأولى، عدا أسماء آخرين تجدهم مذكورين في أخبار الأيام.
(1/2900)
وطبيعي أن يكون للفرسان وللفتاك وللشعراء المقام لأول بين أسماء الرجال الذين اسماؤهم في هذه الايام. وان لم يكونوا من بيوتات شهيرة معروفة، لها في الرياسة ذكر ومقام، فأعمال المرء كافية لتخليد اسمه بين المشاهير. وإذا كان للشاعر عمل التشجيع والحث على الاقدام، وإلهاب نار الحاسة في النفوس، فإن للفارس والفاتك واجبا مهمأ في هذه الأيام،فإنهم يقررون في الغالب مصير الحروب ولا سيما الفرسان الفتاك الذين يختارون كباش القوم، فينقضون عليهم ويفتكون بهم، وبعملهم هذا تنتهي الحرب في الغالب بهزيمة تحل في الجبهة إلتي تتضعضع بسقوط الرئيس. فان لسقوط الرئيس صريعا شأنا كبيرا عند القبائل. فالرئيس هو الرمز المعنوي للقبيلة، فمتى سقط الرئيس انهارت معنوياتها وخارت قواها ولا تستطيع عندئذ الثبات في الميدان،، فيهرب أفرادها في غالب الأحوال، ويكون النصر للجانب الذي أسعده الحظ بوجود فارس عنده قتل رئيس خصمه.
وإذ كان للخيل أثر في حروب تلك الأيام، في الهجوم والدفاع وفي الكر والفر، فإن.القبيلة كانت تملك فرسانا وعددا وافرا من الخيل، هي القبيلة المنتصرة الرابحة إلتي يخشى بأسها، فلا يطمع فيها الطامعون، ولا يهاجمها مهاجم بسهولة، ولها يكون الفخر على القبائل بكثرة ما لديها من خيل ومن فرسان، لأن للفرس و الفارس شأنا كبيرا في سرعة كسب الحرب، وتفتيت جبهة العدو، واحداث ثغر في صفوفه، تؤدي الى تشتيت شمله وبعثرته ثم هزيمته هزيمة منكرة. وهي لقوتها هذه لم تكن تعتمد على غيرها في الحروب والغزو،"إلا إذا قابلت بالطبع قوة كبيرة من القبائل لايمكن التغلب عليها إلا بالتعاون مع القبائل الأخرى فعندئذ تضطر إلى البحث عن حليف.
الفروسية
(1/2901)
والفارس فخر القبيلة، لأنه المدافع عنها في الحروب والمهاجم الكاسر للأعداء. وهو أهم من الراجل في القتال، لما له من اثر في كسب النصر وفي إيقاع الرعب والفوضى في صفوف العدو. ولهذا فخرت القبائل بفرسانها، وفي كثرة الفرسان في القبيلة دلالة على عظمتها وقوتها. نظرا لغلاء ثمن الفرس، ولأهميته في تطوير الحرب وفي توجيهها. وإنهائها في صالح من له اكبر عدد من الفرسان.
ومن حسن حظ القبيلة أن يكون بها عدد وافر من الفرسان، وعدد من الشعراء. فالفارس فنان القبيلة في الحرب وفارسها في الطعان وحامي الذمار والعرض، والشاعر فارس الكلام، يؤجج نيران العواطف ويلهب جذوة الحماس في النفوس، ويدفع الفارس إلى الإقدام، وبذلك يساعد في كسب النصر لقبيلته، وفي الدفاع عن عرض القبيلة بسلاحه الموزون المقفى.
وقد حفظت ذاكرة أهل الأخبار أسماء جماعة من فرسان الجاهلية، دونت في كتبهم، فوصلت بفضل تدوينهم لها إلينا. وعلى رأس من دونوا أسماءهم في الشهرة وبعد الصيت: "عنترة بن شداد العبسي" الذي لا يزال الناس يضربون به المثل في الشجاعة. وهو أحد " أغربة العرب" وهم ثلاثة: أولهم هو، وثانيهم "خفاف" و اسم أمه "ندبة"، وثالثهم " السليك" واسم أمه "السلكة"، وأم الثلاثة إماء سود. كانت أم "عنترة" أمة سوداء، اسمها "زبيبة"، فلما كبر أغار بعض أحياء العرب على قوم من "عبس"، فأصابوا منهم. فتبعهم العبسيون، فلحقوهم فقاتلوهم وفيهم عنترة. فقال له أبوه "كر يا عنترة"، فقال: " العبد لا يحسن الكر إنما يحسن الحلاب والصر "، وذلك أن العرب في الجاهلية كانت إذا كان لأحدهم ولد من أمة استعبده، فعد "عنترة" من العبيد.
فقال له: كر وأنت حر. فقاتلهم واستنقذ ما في أيدي القوم من الغنيمة،فادعاه أبوه بعد ذلك، واسمه "عمرو بن شداد". فنسب إليه.
(1/2902)
وقد برز اسمه في حرب "داحس والغبراء". وقد قتل فيها ضمضما المري، أبا الحصين بن ضمضم. وقد كان مصيره القتل كذلك. وتزعم "طيء" ان قاتله منها. ويزعمون ان الذي قتله "الأسد الرهيف".
ومن مشاهير الفرسان " ربيعة بن مكدم" وهو من بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة. وقد عرف "بنو فراس" بالشجاعة والنجدة. وقد كان يعقر على قبره تعظيما له وتقديرا. مر على قبره "حسان بن ثابت"، فقال فيه شعرا.
و "ملاعب الأسنة "، وهو "عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب "، "أبو براء".وهو ممن اشتهر بالفروسية كذلك، وكان سيدا في قومه. ذكر انه أخذ أربعين مرباعا في الجاهلية.وفي ذلك دلالة على ما كان له من مقام في قومه. قيل انه سمي "ملاعب الأسنة" بقول أوس بن حجر: ولاعب أطراف الأسنة عامر فراح له حظ الكتيبة أجمع
وقد عرف ب "ملاعب الرماح" كذلك. وقد لقب بهذا اللقب في شعر الشاعر "لبيد".
وذكر "السكري"، "عامر بن مالك" في جملة من اجتمعت عليه هوازن. ولم تجتمع هوازن كلها في الجاهلية إلا على أربعة نفر من "بني جعفر ابن كلاب" وهم: "خالد بن جعفر بن كلاب" بعد قتله "زهير بن جذيمة ابن رواحة" و "عروة الرحال بن عتيبة بن جعفر" و "الأحوص بن جعفر" و "عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب". و "عامر بن الطفيل بن مالك بن كلاب العامري"، من فرسان الجاهلية المعروفين أيضا، وهو ابن أخي عامر بن مالك ملاعب الأسنة، وقد أدرك الإسلام فكان في جملة من وفد مع قومه في سنة تسع من الهجرة على الرسول.
(1/2903)
وكان قد أضمر الغدر برسول الله. ولكنه لم يتمكن منه. ثم قال لرسول الله: أتجعل لي نصف ثمار المدينة وتجعلني ولي الأرض بعدك فأسلم ? فأبى عليه رسول الله. فانصرف عامر وقال: والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا. وكان متعجرفا متغطرسا، لما ناله من مكانة عند قومه. حتى زعم أهل الأخبار ان اسمه كان قد طار إلى خارج جزيرة العرب، حتى بلغ "قيصر"، فكان "قيصر" إذا قدم عليه قادم من العرب قال ما بينك وبين عامر بن الطفيل ? حتى وفد عليه " علقمة ابن علاثة" فانتسب له، فقال: ابن عم عامر بن الطفيل، فغضب علقمة.
ورجع ونافر "عامر ين الطفيل" في قصص من هذا القصص المألوف وروده عن أهل الأخبار.
وروى بعض أهل الأخبار، أن "عامر ين الطفيل لما مات نصبت بنو عامر نصابا ميلا في حمي على قبره، لاتنشر فيه راعية ولايرعى ولا يسلكه راكب ولا ماش. تعظيما لقبره واحتراما لذكراه.
وذكر "أبو عبيدة"، أن "عامر بن الطفيل"، أحد فرسان العرب المعروفين و "فرسان العرب ثلاثة: فارس تميم: عتيبة بن الحارث بن شهاب، وكان يقال له صياد الفوارس وسم الفوارس، وفارس ربيعة: بسطام بن قيس ابن مسعود، وفارس قيس:عامر ين الطفيل ملاعب الأسنة. فأما ملاعب الرماحفأبو براء عامر ين مالك بن جعفر". وذكر أن "عامر بن مالك بن جعفر"، "أبو براء"، بعث إلى رسول الله يسأله أن يوجه إليه قوما يفقهونهم في الدين، فبعث إليهم قوما من أصحابه، فعرض لهم "عامر بن الطفيل" " فقتلهم يوم "بئر معونة" فاغتم أبو براء لذلك، وقلق لاغفار عامر بن الطفيل بقتلهم ذمته.
(1/2904)
ومات "عامر بن الطفيل"، وهو منصرف من عند رسول الله، ودعا "أبو براء" قينتين له، واستدعى "لبيدا"، وأخذ يشرب حتى أثقله الشراب، فاتكأ على سيفه حتى فاضت نفسه، فرثاه "لبيد"، ودعاه ب "ملاعب الرماح". وقد عده أهل الأخبار في جملة "من كان يركب الفرس الجسام فتخط إبهاماه في الأرض"، وفي جملة "العوارن الأشراف". وقد نافر "عامر ابن الطفيل" "علقمة بن علاثة" عند "هرم بن قطبة بن سنان".
وزعم انه كان في جملة من أوفدهم "النعمان بن المنذر" الى "كسرى" ليبينوا له مكارم العرب. وفي الوفد: أكثم بن صيفي، وحاجب بن زرارة، والحارث بن عباد البكري، وعمرو بن الشريد السلمي " وخالد بن جعفر الكلابي،وعلقمة بن علاثة. فتكلم في جملة من تكلم منهم. ودون أهل الأخبار كلامهم وأجوبة كسرى عليه، وكأنهم كانوا كتاب محضر، دونوه بالنص! وله منافرة مع "علقمة بن علاثة"، كان حكمها "هرم بن قطبة بن سنان" الفزاري. وقد سجل أهل الأخبار حديثها بالنص كذلك.
ويعد "زيد الخيل" من مشاهير فرسان العرب كذلك، واسمه "زيد بن مهلهل بن زيد بن منهب الطائي". وهو من سادات "طيء" ومن الشعراء.وكان بينه وبين "كعب بن زهير" هجاء، لأن كعبا اتهمه بأخذ فرس له.
قدم في وفد طيء، وهو سيدهم على الرسول. فلما انتهوا إليه كلموه. وعرض عليهم الإسلام فأسلموا. ثم بدل الرسول اسمه فسماه زيد الخير. وكلمه فأعجبه فلما ولى عائدا من عنده إلى وطنه قال الرسول: " ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا ما كان من زيد الخيل، فإنه، يبلغ فيه كل ما فيه"، وقطع له "فيدا" وأرضين معه.وكتب له بذلك.فلما عاد من المدينة وانتهى إلى ماء من مياه نجد يقال له: "قردة" أصابته الحمى، حمى يثرب الشهيرة المكناة عندهم ب " أم ملدم"، فمات بها.
(1/2905)
وكان كما يصفه أهل الأخيار طويلا جسيما وسيما يركب الفرس العظيم الطويل فتخط رجلاه في الأرض كأنه راكب حمارا. أسر عامر بن الطفيل وجز ناصيته."قيل له زيد الخيل لطول طراده بها وقيادته لها". وقد عده "ابن حبيب" في جملة المتعممين مخافة النساء على أنفسهم لجمالهم.
ومن الفرسان " عمرو بن معد يكرب "، وهو ممن وفد على رسول الله في قومه من "زبيد". فأسلم ثم ارتد بعد وفاة الرسول. فلما سير الخليفة "أبو بكر" جيشا على المرتدين انهزم "عمرو بن ود"، ثم أخذ أسيرا الى الخليفة، فأنبه فعاد إلى الإسلام واشترك في معركة "اليرموك" ثم في معركة "القادسية" وتوفى سنة "21" من الهجرة. ويعد "فارس اليمن". ونعته "ابن حبيب " ب "فارس العرب".
ومنهم: "دريد بن الصمة"، وهو من " بني جشم". وله أخبار مع "بني كنانة"، وقد أسرته بنو فراس من "بني كنانة"، فلما عرفته امرأة منهم وهي امرأة "ربيعة بن مكدم"، توسلت إلى قومها بفك أسره، لمساعدته لها في وقت شدة وهو لا يعرفها وهي لا تعرفه، ثم جهزته ولحق بقومه. وقد عده "ابن حبيب" من "أشراف العميان" و "البرص الأشراف".
وزيد الفوارس من هذا الرعيل الشهير من فرسان الجاهلية. وكان الرؤساء في قومه. وشهد يوم " القرنتين" ومعه ثمانية عشر من ولده يقاتلون معه. وهو من سادات "بكر بن سعد بن ضبة ". وهو " زيد الفوارس بن حصين بن ضرار الضبي ". وقد طالت رياسته.
ومنهم "عمرو بن كلثوم " الشاعر الشهير قاتل " عمرو بن هند " ملك الحيرة وصاحب المعلقة. وينتهي نسبه الى " تغلب "، وهو أحد فتاك العرب وأخوه " مرة " هو الذي قتل " المنذر بن النعمان "، وأمه " أسماء بنت مهلهل بن ربيعة ". وقد ساد قومه وهو ابن خمس عشرة سنة، ومات وهو ابن مائة وخمسين سنة.
ومن الفرسان الشجعان " أمية بن حرثان الكناني "، وكان من سادات قومه، وقد أدرك النبي وأسلم، وله ولد اسمه " كلاب بن أمية " دخل في الإسلام كذلك.
(1/2906)
ومن الفرسان " الشنفري الحارثي " وهو من الشعراء وأحد العدائين. والعداؤون من العرب: السليك، والشنفري، والمنتشر بن وهب، وأوفى بن مطر. ولكن المثل سار من بينهم بالسليك. والعرب تضرب به المثل، وتزعم انه والشنفري أعدى من رئي. ويزعمون انهما كانا يسبقان الأفراس، ويصيدان الظباء عدوا. وقد عرف السليك ب "سليك المقانب " ومقانب أمه، وكانت أمه سوداء، وسليك أيضا أسود، وهو أحد أغربة العرب.
ولمع في هذه الأيام اسم حذيفة بن بدر، واسم حمل أخيه، وكانا سيدي بني فزارة. وقد عرف حذيفة ب "رب" معد، وقاد قومه بني فزارة في عدة أيام هي: يوم النسار، ويوم الفجار، وحرب داحس والغبراء حيث قتل فيها يوم الهباءة.
وقد دونت الأيام أسماء جماعة من سادات تميم ممن ترأسوا قومهم. ولقبائل تميم مكان خطير في هذه الأيام. ويظهر أنها كانت من القبائل البارزة في القرن السادس للميلاد. ومن هؤلاء: زرارة بن عدس من بتي دارم. وقد قاد تميما وغيرها في يوم شويحط إلى عذرة بن سعد هذيم، ولقيط بن زرارة، وقد قاد تميما كلها إلا بني سعد بن زيد مناة إلى بني عامر بن صعصعة يوم جبله، والأقرع اين حابس، وقد قاد حنظلة كلها يوم الكلاب الأول، عدا أسماء آخرين تجدهم مذكورين في أخيار الأيام.
الخيل
وللخبل أهمية كبيرة في جزيرة العرب، إنها سيارة ذلك اليوم، بل ربما كانت أهم منها عند العربي: يركبها ويحارب عليها بسهولة وبسرعة لا تتوفر في الجمل ويستطيع أن يسابق بها الإبل، ويفر ممن يريد اللحاق به لشر ينويه تجاهه ولذلك كانت للخيل مكانة كبيرة عند الجاهليين في السلم وفي الحرب، حتى كان الرجل منهم يبيت طاويا ويشبع فرسه ويؤثره على نفسه وأهله وولده. فالخيل وقاية للنفس، والمعاقل التي يأوي إليها، والخير عندهم معلق بنواصي الخيل.
(1/2907)
ويرجع أهل الأخبار تأريخ لم ركوب الخيل الى "اسماعيل بن ابراهيم"،يزعمون أنه اول من ركبها،وكانت الخيل وحوشا لا تركب. فذهب إلى موضع "أجياد"، وهو موضع بمكة يلى الصفا، وكان موطناله، فركب ظهور الجياد. وركب الناس منذ ذلك العهد الخيل. فاسماعيل على زعمهم هو أول راكب للخيل. ويلاحظ أن راوي هذا الخبر أراد اقناع السائل بصحة جوابه، فربط بن ركوب ظهور الجياد وبين موضع أجياد، ليبدو الجواب منطقيا مقبولا.
وقد مدحت العرب الخيل العراب.أي الخيول العربية الأصيلة، التي لم تهجن، ولم يختلط في دمها دم غريب. وقد مدحت الخيل الشقر، وذلك لسرعتها، ومدحت بعدها الحصان الأدهم الأرثم المحجل الطلق اليد اليمنى. وقيل للخيل الكريمة الأصيلة "العتاق من الخيل" و "الخيل العتاق" وقد كانت الخيل من جملة وسائل كسب الحروب. والفريق الذي يملك أكبر عدد من الخيل في المعركة يكسب الحرب. وذلك لسرعتها ولما تحدثه تحركات المحارب على ظهرها من أثر في صفوف جيش العدو. ولهذا عد بعض الباحثين دخول الخيل الى جزيرة العرب تطورا خطيرا في أسلوب القتال عند العرب، أحدث تغييرا خطيرا في طرق القتال وصار عاملا مهما من العوامل التي أدت الى انتشار القتال والغزو في بلاد العرب. وصار في امكان القبيلة التي تملك خيلا جيدة كثيرة أن تتفوق على غيرها في الغزو، حتى إذا كانت القبيلة كبيرة، لأن العدد الكثير وان كان ذا أهمية في النصر، ولكنه لا يستطيع أن يقف أمام الفرسان، إن كان المحاربون من المشاة أو كان أكثرهم منهم. إذ لا يستطيع الثبات أمام صولات وجولات الفرسان الذين يشتتون شمل الصفوف ويمزقون الجمع، ويمهدون لمن وراءهم من المشاة فرصة الانقضاض على الفارين المنهزمين.
ولأهمية الخيل عند العرب ألف كثير من العلماء كتبا فيها، نجد ذكرهم في "الفهرست" لابن النديم. ومن هؤلاء "ابن الكلبي" صاحب كتاب "أنساب الخيل "و "ابن الأعرابي" صاحب كتاب "أسماء الخيل".
(1/2908)
ووضعوا جرائد ومشجرات في أنساب الخيل. حرصا منهم على المحافظة على أصالتها وبقاء جنس ما عندهم نقيا نظيفا. ومنعوا الفحول الجيدة منها من الاتصال بالأفراس الرديئة أو الأفراس المجهولة التي ليس لها نسب معروف.
حتى لا يتولد من هذا الاتصال نسل رديء هجين. بل حرص صاحب الحصان الجيد على ألا يعطيه لأحد ليتصل بفرسه حتى وإن كانت غاية فى النجابة، وذلك خشية أن ينسل نسلا" فاخرا لغيره ولا يكون له منه شيء. ولا تزال هذه العادة معروفه عند العرب حتى الآن، فهم يحفظون أنساب خيولهم حفظا عجيبا، من غير رجوع إلى جريدة نسب أو شجرة من شجرات النسب. كما يحافظون على النسل الجيد من الخيول العربية، ويعتنون به عناية فائقة، إذ يرون أنه زينة وبهجة للمرء، ومن ملذات الحياة في هذه الدنيا.
ومن دلائل عناية الجاهليين بالخيل ما نجده في اللغة من ألفاظ وكلمات كثيرة تخص الخيل. تخص أسماءها وأسماء أعضاء جسمها وحركاتها وسكناتها وأوصافها وألوانها، حتى انهم لم يتركوا شيئا له علاقة بها إلا ذكروه. فلا عجب إذن إذا ما ألفوا فيها الرسائل والكتب وتحدثوا عنها حديثا طويلا في الجاهلية وفي الإسلام.
وقد اشتهرت بعض الجياد في الجاهلية بشدة عدوها فلا تدانيها في العدو خيول أخرى، وفي مقدمتها فرس عرف ب "زاد الركب " "زاد الراكب "، قالوا إن أصل فحول العرب من نتاجه. وقد زعم ابن الكلبي أنه من بقية جياد سليمان ابن داود، وأن وفدا من "الأزد"، وكانوا أصهاره، وفدوا عليه، فما فرغوا من حوائجهم سألوه أن يعطيهم فرسا من تلك الخيل، فأعطاهم فرسا كانوا لا ينزلون منزلا" إلا ركبه أحدهم للقنص، فلا يفلته شيء وقعت عينه عليه من ظبي أو بقر أو حمار، إلى أن قدموا بلادهم فقالوا: ما لفرسنا هذا اسم إلا زاد الراكب، فسموه زاد الراكب، فأصل فحول العرب من نتائجه.
(1/2909)
واشتهر فرس آخر بسرعته وبشدة عدوه اسمه "أعوج "، زعم انه من نسل "زاد الراكب". قيل: انه كان سريعا جدا لا يدانى في العدو. وكان فحلا لغني بن أعصر. وقد عرف ب "أعوج الأكبر".
وكان "أعوج" الأصغر أولا لكندة، ثم أخذته" "سليم" وصار لبني عامر ثم لبني هلال. وأمه "سبل" لغني، وأم "سبل" "سوادة" "البشامة"، وأم "سوادة" "القسامة"، وكانت لجعدة. وكان أعوج طويل القوائم سريع العدو. ولهم أيضا "الفياض". وقد اشتهر نسله، واكتسب شهرة فى العتاق من الخيل.
ومن خيل العرب المشهورة: "الغراب" و "الوجيه" و "لاحق" و "المذهب" و "مكتوم"، كانت كلها لغني. وذكر ان "الوجيه" و "لاحق" لبني أسد، وقيل لبني سعد. و "الأعنق" فحل من خيل العرب، أنجب سلالة نسبت إليه عرفت ب "بنات أعنق".
ومن خيل العرب الشهيرة الأخرى: "قيد" و "حلاب" لبني تغلب. و"الصريح" لبني نهشل، وزعم انه كان لآل المنذر، و "جلوى" لبني ثعلبة بن يربوع، وذو العقال لبني رياح ين يربوع، وهو أبو "داحس". وكان "داحس " و "الغبراء" لبني زهير. والغبراء خالة داحس وأخته من أبيه. و "ذو العقال" و "قرزل" و "الخطار" و "الحنفاء" لحذيفة بن بدر.. والحنفاء هي أخت داحس من أبيه وأمه. و "قرزل" آخر للطفيل ين مالك.
و "حذفة " لخالد بن جعفر بن كلاب، وحذفة أيضا لصخر بن عمرو بن الشريد. و "الشقراء" لزهير بن جذيمة العبسي و "الزعفران" لبسطام بن قيس، و "الوريعة" " الوديقة" و "نصاب" و "ذو الخمار" لمالك بن نويرة، و "الشقراء" أخرى لأسيد بن حناءة السليطي، و "الشيط" لأنيف بن جبلة الضبى، و " ألوحيف" "الوجيف" لعامر بن الطفيل، و "الكلب" و "المزنوق" والورد له أيضا، و "الخنثى" "خنثى" لعمرو بن عمرو بن عدس، و "الهداج" فرس الريب بن شريق السعدي، و "جزة" فرس يزيد بن سنان المر ي فارس غطفان، و "النعامة" للحارث بن عباد.
(1/2910)
و "ابن النعامة" لعنترة، و "النحام" فرس "السليكة بن للسليك السعدي" و "العصا" فرس جذيمة بن مالك الأزدي، و "الهراوة" لعبد القيس بن أفصى و "اليحموم" فرس النعمان بن المنذر، و "كامل" فرس زيد الخيل، و "الزبد" "الربد" "الريد" فرس الحوفزان، وهو أبو "الزعفران" فرس بسطام، و "العرادة" "الحمالة" فرس الكلحبة اليربوعي.
و "القطيب" و "البطين" فرسان كانا للعرب، و "اللعاب" "العباية" فرسا حري بن ضمرة، و "المدعاس" فرس النواس بن عاسر المجاشعي، و "صهبى" فرس النمر بن تولب، و "حافل " فرس مشهور، ذكره "حرب بن ضرار" و "العسجدي" لبني اسد، و "الشموس " فرس زيد ابن خذاق "حذاق" العبدي، و "الضيف" لبني تغلب، و "هرارة العزاب" فرس الريان بن حويص العبدي، جاءت سابقة طول أربع عشرة سنة، فتصدق بها على العزاب يتكسبون عليها في السباق والغارات، و "الحرون" فرس تنسب اليه الخيل، وكان لمسلم بن عمرو بن أسد "أسيد الباهلي"، و "الزليف" فرس مشهور، وهو من نسل "الحرون" و "مناهب" فرس تنسب إليه الخيل أيضا، و "العلهان" فرس أبي مليل "مليك" عبد الله بن الحارث اليربوعي.
وذكر أن أفراس العرب الشهيرة أفراس عرفت ب "الكامل" منها: فرس لميمون بن موسى المري، وقال بعضهم بل كان لامرىء القيس. وفرس لرفاد ابن المنذر الضبى، وفرس الهلقام الكلبي، وفرس الحوفزان بن شريك الشيباني، وفرس سنان بن أبي حارثة المري، وفرس زيد الفوارس الضبي، وفرس شيبان النهدي، وفرس زيد الخيل الطائي.
ومن أفراس العرب: فرس عرفت ب "الكاملة"، وهي بنت البعيث، فرس عمرو بن معد يكرب. وفرس ليزيد بن قنان الحارثي.
وكان للرسول تسع عشرة فرسا، اشترى بعضا منها، وتقبل بعضا منها هدية.
(1/2911)
وقد اشترى "الضرس" من أعرابي بعشر أوراق، وسماه النبي "السكب" وهو فرسه يوم أحد، ليس مع المسلمين فرس غيره. واشترى "المرتجز" و "البحر"، وقد اشتراه من تجار قدموا من اليمن، فسبق عليه مرات. واشترى "سبحة" من أعرابي من "جهينة" بعشرة من الإبل.
ومن الخيل الني أهديت للرسول: "اللحيف" "اللخيف" "النحيف"، أهداه له: "فروة بن عمرو" من أرض البلقاء، وقيل أهداه له: "ربيعة بن أبي البراء" و "الظرب"، أهداه له "فروة بن عمرو بن النافرة الجذامي"، و "الورد"، أهداه له "تميم الداري"، و "المراوح" أهداه له وفد من الرهاويين، و "اللزاز" أهداه له "المقوقس".
ويدفعنا الكلام في تعداد أسماء خيول العرب الشهيرة في الجاهلية إلى ذكر جريدة طويلة بأسمائها. ترد في كتب الخيل وفي كتب المعجمات والأدب، ولما كان هذا الموضوع معروفا ومدونا ولا صلة له بالعقلية وبالحياة الجاهلية لذالك اكتفيت بما أوردته عنها في هذا المكان، ولمن أراد المزيد الرجوع إلى الموارد المذكورة.
الفصل الخامس والخمسون
الحروب
ترك المصريون والآشوريون والبابليون واليونان والرومان وغيرهم آثارا كثيرة، فيها صور معارك وأسلحة ومعدات وجنود مقاتلين أو مستأسرين أو منتصرين، أفادت الآثاريين والعلماء في تكوين رأي في حروب تلك الأمم والآلات التي استعانت بها في قتالها. أما الجاهليون فلم يتركوا، ويا للاسف، إلا نزرا يسيرا من الآثار فيه صور حروب أو جنود أو معدات قتال، لهذا صار علمنا بالحروب عندهم مستمدا من تلك النصوص القليلة ومن نصوص معدودة وردت في الآثار الآشورية أو البابلية وفيها إشارات إلى العرب، ومن موارد أعجمية مكتوبة تحدثت عن حروب وقعت مع العرب، ومن الموارد الإسلامية.
(1/2912)
ولفظة "الحرب"، وتجمع على حروب، هي اللفظة الشائعة المعروفة عند الجاهليين للخروج لمحاربة العدو والاصطدام به. وترادفها لفظة "ضر" وتجمع على "اضرو" في اللهجات اليمانية. وهناك لفظة أخرى هي "غزو" وتعني الخروج لمحاربة العدو. فهي في معنى الحرب والغزو. وترد في اللهجات العربية الجنوبية أيضا. ويراد ب "غزت"، غزوات في عربيتنا، أي في حالة الجمع. وب "غزوي" غزوتين اثنتين. وأما لفظة " هغرو" فتعني أغاروا على قوم، والغارة هي "هغر" في العربية الجنوبية.
وترد لفظة "حربت" "ح ر ب ت".بمعنى معركة، وحربا واحدة في اللغة السبئية. وأما "حريب" فتعني الحروب والمعارك، أي جمع "حرب". وأما "حرب" فتعني المحاربة وحارب والحرب.
وتطلق لفظ قي "ضبا" في السبئية بمعنى الحرب، وبمعنى إعلان الحرب أيضا. ووردت لفظة "ضبات "، بمعنى مقاتلين ومحاربين. وترد لفظة "تادم"، بمعنى الشروع في قتال والاستعداد لحرب.
ويقال للحرب "ضرر" في اللحيانية. أما لفظة "الحرب"، فتعني السطو والسرقة، بالإضافة إلى معنى الحرب التي تعني الخصام والقتال.
ويعبر عن لفظة قاتل بلفظتي "سبا" و "جنب" في السبئية. وتؤدي لفظة "حرب" هذا المعنى أيضا، إذ أنها تعني حارب. و "جنب"، بمعنى قتال وتعارك وتحارب.
ويقال للحرب "حرب" في اللهجة الصفوية، أي على نحو ما تجده في اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم.
ويعبر عن الحملة أو الغزوة بلفظة "برث" في السبئية. ويقال لها "خرجت" أيضا. ويراد ب "خرجت" ثورة كذلك. ويعبر عن الحملة والغزوة بلفظة "منشا" في بعض الأحيان. ويعبر عنها بلفظة "مبسا" "مسبأ".كذلك. كما يقال "مقرن" أيضا.
(1/2913)
والعرب تقول: الحرب غشوم، لأنها تنال غير الجاني. وتصيب أناسا لا علاقة لهم بها ولا صلة، فهي لا تعرف التفريق بين الجاني ومن لا ذنب له. "وقد عرف علماء اللغة الجيش بأنه الجند، أو جماعة الناس في الحرب والجمع جيوش. وقالوا الجيش: العسكر. فالمراد بالجيش اذن الجماعة المقاتلة التي تخرج للقتال. وترد لفظة "جيش" في العربيات الجنوبية كذلك. وتجمع على "اجيش" "أجيش" فيها، أي في مقابل "جيوش" و "الجيوش" في عربيتنا، ويذكر علماء اللغة ان الجيش واحد الجيوش، ويراد به جماعة الناس في الحرب.
وترد لفظة "خمس" "خميس" في العربيات الجنوبية بمعنى الجيش. وترد في عربية القرآن الكريم كذلك. فقد ورد ان الخميس الجيش،أو الجيش الجرار، أو الجيش الخشن. وذكر بعض علماء اللغة ان العرب سمت الجيش خميسا لأنه مكون من خمس فرق: المقدم والقلب والميمنة والميسرة والساقة،. وقالوا: بل سمي الجيش خميسا لأنه يخمس فيه الغنائم. والظاهر ان الأصل في "الخميس"، الجيش المنظم الكبير الذي يحارب بإمرة وبنظام. وتجمع لفظة "خمس" أي "جيش" في العربية الجنوبية على "اخمس" أي جيوش.
ويعبر عن الجيش بلفظة أخرى هي: عسكر.و "العسكر". وأما الموضع الذي يعسكر فيه فهو "المعسكر".
ويطلق الجاهليون على الجيش الكثير الذي لا يسير إلا زحفا من كثرته "الجرار" ويطلقون على الجيش العظيم كلا "الجحفل". ويقولون "جيش الجيش" و"جيش فلان الجيوش" للتعبير عن التعبئة وتحضير المحاربين لقتال العدو.
(1/2914)
وللعرب آداب وقواعد في الحرب ، يطلبون من المحاربين اتباعها لكسب الحرب.قيل لأكثم بن صيفي: صف لنا العمل في الحرب، قال: أقلوا الخلاف على أمرائكم، فلا جماعة لمن اختلف عليه. واعلموا أن كثرة الصياح من الفشل، فتثبتوا، فإن أحزم الفريقين الركين، ورب عجلة تعقب ريثا، وادرعوا الليل، فإنه أخفى للويل، وتحفظوا من البيات. وقال عتبة بن ربيعة يوم بدر لما رأى عسكر رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أما ترونهم خرسا لا يتكلمون،يتلمظون تلمظ الحيات.
و "المعسكر" هو موضع تجمع العسكر وموضع نزولهم فيه. ويقال له "حيرت" "حيرة" في السبئية.
وتقول العرب: إن الشجاعة وقاية والجبن مقتلة. وأعتبر من ذلك أن من يقتل مدبرا أكثر من يقتل مقبلا. وتقول أيضا: الشجاع موقى، والجبان ملقى. فاستقبال الموت عندهم،خير من استدباره. ولم يكونوا يهتمون بالكثرة قد اهتمامهم بالألفة بين المحاربين، وبالعمل يدا واحدة وكأنهم بنية مرصوصة. قيل لعنترة: كم كنتم يوم الفروق ? قال: كنا مئة، لم نكثر فنتكل، ولم نقل فنذل.
وللحرب عند الجاهليين أسباب عديدة، يدخل في ضمنها ضنك العيش في البادية مما يحمل القبائل على التناحر والتقاتل فيما بينها للحصول على الماء والكلا، وهما عماد الحياة في البادية، أو الحصول على غنيمة. ويعبر عن هذه الحروب ب "الغزو". والواحدة "غزو". وهي تعتمد على مبدأ المباغتة في الغالب.
أما الحروب،فإنها الحروب الكبيرة التي تقع بين دول وحكومات. كما أن الغارة،.هي غزو مفاجىء يفاجىء به العدو عدوه، ليأخذه على غرة، ولينتزع منه ما يجده عنده من مال.
وقد كانت القبائل تغير بعضها على بعض، ثم تتراجع حاملة ما حصلت عليه من غنائم وأسلاب، وقد ترجع وهي مسلوبة مهزومة، في حالة تمكن من أريد إيقاع الغارة به من الدفاع عن نفسه، ومن تغلبه على المغير ورده خائبا على ألأعقاب.
(1/2915)
وتكون الغارات في وجه الصبح في الغالب، حتى يؤخذ من يراد الإغارة عليه بغرة ويفاجأ بالغارة مفاجأة. وقد يقصد في الليل من غير أن يعلم، فيؤخذ بغتة، والاسم "البيات". و "بيت القوم والعدو: أوقع بهم ليلا". وقد أشير إلى "البيات" في الحديث. فقد كان المسلمون يصيبون في البيات من ذراري المشركين، فسألوا الرسول حكمه فيهم. فكان حكمه: "هم منهم" و "هم من آبائهم".
والغارة دفع الخيل على من يراد الإغارة عليهم. يقال أغار على القوم غارة واغارة، دفع عليهم الخيل. فتكون الغارة بالخيل في الأخص. ويقال أغار إغارة الثعلب، إذا أسرع ودفع في عدوه. فالغارة غير الغزو والحرب، تكون سريعة في الغاب يعقبها رجوع سريع.
ويعبر عن الغارة بلفظة "تادم" في العربيات الجنوبية. وتطلق على كل حملة عسكرية أيضا.
ولا تقتصر الغارات على غارات قطعات الجيش على العصاة والثوار، بل قد تقوم بها قبيلة على قبيلة، وقد يقوم بها أفراد، لأسباب مختلفة. وقد يقوم بها اللصوص والصعاليك، يغيرون على أحياء العرب وعلى السابلة للحصول على مغنم. وكان.بعض أصحاب الغارات يمعنون في الغارة فيبتعدون عن منازلهم. ويعدون "بعد الغارة" نوعا من أنواع الشجاعة والفروسية، لما تكتنف المغير من أخطار ومهالك. وكان "مروان بن زنباع"، ويقال له: "مروان القرظ" من "مشهوري أهل الجاهلية في بعد إلغارة.
(1/2916)
وكانت الغارات والغزوات من، أهم وسائل الإعاشة والحصول على مغانم بالنسبة للقبائل النازلة على حدود الحضارة أو على مقربة منها. مثل حدود العراق أو حدود بلاد الشام. وتكثر الغارات في سني الجدب والقحط وانحباس المطر. فلا يبق أمام تلك القبائل للبقاء على حياتها سوى النزوح إلى أماكن أخرى مخصبة معشبة، ويؤدي ذلك إلى التقاتل مع القبائل الأخرى النازلة في تلك الأرضين، أو مع قوات الحدود التي تحاول رد تلك القبائل خشية غزوها للحضر أو لمن يقيم وراء الحدود من أعراب. لذلك استعملت حكومات العراق وبلاد الشام جملة وسائل لكبح جماح الأعراب الغزاة في جملتها حماية الحدود ب "مسالح" بنيت في أطراف البوادي وفي نهايات إلطرق التي توصل إلى الحضر، تضع بها قوات مقاتلة نظامية وغير نظامية من الأعراب أصحاب الإبل لمقاتلة الأعراب، وتقديم الأطعمة والميرة من المستودعات المقامة في "المسالح" و "القصور" إلى سادات القبائل لسد ما عندها من نقص في الطعام، وبإقامة إمارات عربية، تودع اليها أمور تأمين الأمن في إلبادية وحماية الحدود من غارات الأعراب.
المحاربون
والمحاربون على نوعين:أحرار وعبيد ولذلك نجد بعض الكتابات العربية الجنوبية تشير إلى هذين النوعين من المقاتلين، مما يدل على كثرة عدد العبيد الذين يؤمرون بالقتال في ذلك الزمن. جاء في نص "كرب ايل وتر" الموسوم ب Glaser IOOOA "وجيش عبدان من أحرار ورقيق". وورد هذا التعبير في نصوص أخرى تعبيرا عن وجود عدد كبير وربما أفواج من المقاتلين العبيد في جيوش ذلك الزمن.
(1/2917)
والسخرة هي الطريقة الغالبة في التجنيد، فإذا وقع خطر، طلب الملك من الأقيال والرؤساء تسخير من يتمكنون تسخيره للقتال. ويبقى المسخر في الخدمة حتى تنتهي الحرب. ولما كان المسخرون قد أجبروا على القتال إجبارا، وهم من الطبقات الدنيا في الغالب، وليس لهم ما يقتاتون به، لذلك، كثرت حوادث التهرب من الجيش،والفرار منه في أثناء القتال. ووضع مثل هذا يؤثر على مصير الحرب بالطبع.
ويتولى الحرب والجيش أناس مدربون على أسلوب القتال لهم خبرة بالحروب، أو سادات قوم عليهم واجب قيادة قومهم عند ظهور غزو أو خطر أو حرب، ويعرف مثل هؤلاء بقادة، والواحد "قائد".وكان بعض قادة الجيش عند العرب الجنوبيين يحملون درجة "مقتوي"، وهي منزلة خاصة في درجات القيادة العسكرية وورد "مقتوي ملكن"، أي "مقتوى الملك"، بمعنى "قائد الملك". والظاهر أن هذه الدرجة كانت خاصة ممن يختارهم الملوك لقيادة الجيوش. فإذا اختار الملك شخصا من الجيش أو من سادات القبائل أو من أصحاب الأرض لأمر يراه فيه، وعينه لقيادة الجيش، عبر عن مكانته هذه ب "مقتوي" وب "مقتوى الملك". وقد عرف علماء اللغة هذه اللفظة، غير أنهم عبروا عنها بلفظة "مغالب". ولم يبنيوا ما المراد من "مغالب".
ويقال للضابط الذي يقود الجيش، أو قطعة منه "اسود"، وذلك في اللغة السبئية.
(1/2918)
وقد كان لطبقة قواد الجيش شأن كبير، وسلطان واسع، ويعرف القائد ب "ق س د ن" "قسدن"، أي "القاسد" أيضا. وقد ظل هذا الاستعمال معروفا في العهد الحبشي كذلك، لوروده في نص "أبرهة". ولكن هذا لا يعني أن "القاسد" كان عسكريا محترفا، مختصا بقيادة الججش، فقمد كان القواد من رؤساء العشائر ومن الوجهاء والكبراء يقودون أتباعهم في أثناء الحروب. أما في أثناء السلم، فيعودون إلى أعمالهم الاعتيادية، كإدارة الأرض أو القبيلة. ولهذا ففي استطاعتنا أن نقول إن من بين قواد الجيش أناسا لم يكونوا من المتخصصين بالقيادة وبشؤون الحرب، وإنما هم قواد متطوعون وسادات قبائل تضطرهم مراكزهم إلى قيادة أتباعهم في أمثال هذه المناسبات.
وقد فهم بعض الباحثين أنها تعني المحاربين من النوعين: الأشراف والقادة من أصحاب الدرجات الرفيعة العالية، والمحاربين المحترفين للحرب، حتى صارت الجندية حرفة لهم، يعيشون منها. فهم طبقة عسكرية خاصة محترفة على نحو ما كان عند "البطالمة" بمصر وعند غير البطالمة من جيوش ودول. ولكن أكثر الباحثين يرون ان ال "قسمد" هم الطبقة الرفيعة من الأشراف وقادة الجيوش. وعرف المكلف بإدارة موقع من المواقع العسكرية، والذي يتولى أمر ادارة حاميته "امر". أي "آمر" "الآمر"، وربما الأمير. و عرف الضابط الذي يتولى قيادة جماعة من الجيش به "اسود". وأما "قدم"، فإنه المقدم، الذي يقود قطعة من الجيش، وربما قصد به من يتولى أمر قيادة مقدمة الجيش. ويعبر بلفظة "قتدم" عن تأمير ال "قدم" وتنصيبه في وظيفته. أي امرا على قطعة الجيش. ويعبر عن التقدم للهجوم على العدو أي على الهدف المقصود من الحملة، بلفظه "تقدم".
(1/2919)
وقد عرف القادة الذين قادوا ألف رجل فما فوق ب "الجرارين". ذكر "محمد بن حبيب السكري"، ان العرب لم تكن تسمي الرجل جرارا، حتى يرأس ألفا. ومن هؤلاء "المطلب بن عبد مناف بن قصي" قاد "بني عبد مناف" وأحلافها من الأحابيش يوم "ذات نكيف". و "بلعاء بن قيس الكناني" قاد "بني عبد مناة" يوم "ذات نكيف" ويوم المشلل ويوم الفجار.
و أبو سفيان صخر بن حرب" قاد قريشا وكنانة يوم أحد ويوم الخندق. و "عامر بن الظرب العدواني" قاد ربيعة ومضر وقضاعة كلها يوم للبيداء. و "مالك بن عوف النصري"، و "عوف بن عبدالله بن عامر بن جذيمة" و "ربيعة بن حذار الأسدي" و "زرارة بن عدس" التميمي، و "لقيط ابن زرارة" و "الأقرع بن حابس"، و "النعمان بن مجاشع" الدارمي، و "النمر بن حمان" السعدي، و "الأضبط بن قريع بن عوف" السعدي، و "محلم بن سويط الضبي"، وذكر، انه الرئيس الأول،: أول من سار في أرض مضر برئاسته، وغزا العراق وبه كسرى، حتى بلغ العذيب. ومن بقية الجرارين في مضر: "قيس بن عاصم السعدى" و "وزهير بن جذيمة العبسي" و "عمرو بن جؤية بن لوذان الفزاري" و "بدر بن عمرو" و "حذيفة بن بدر" و "عيينة بن حصن" و "خالد بن جعفر بن كلاب" و "الأحوص بن جعفر" العامري.
والجرارون من ربيعة: "ربيعة بن مرة بن الحارث بن زهير التغلبي"، وابنه "كليب وائل،" و "الهذيل بن هبيرة" و "الحوفزان" وهو "- الحارث ابن شريك" و "بسطام بن قيس " و "الحارث بن وعلة الذهلي" و "أبجر ابن جابر العجلي" و "قيس بن حسان بن عمرو بن مرثد" و "قتادة بن مسلمة الحنفي" و "أثال بن حجر بن النعمان بن مسلمة الحنفي" و "الهذيل ابن عمران التغلبي.
(1/2920)
والجرارون من قضاعة: "ذياد بن هبولة"، "زياد بن هبولة"، و "داوود اللثق بن هالبة"، و "زهير بن جناب"، و "رزاح بن ربيعة ابن حرام"، وهو اخو "قصي بن كلاب" لأمه، و "عميرة بن أوس ابن ثعلبة بن عوف بن كعب بن ذهل"، وكان يدعي الملك، و "الأشل بن عمرو"، و "الثعيل".
والجرارون من اليمن: "كرز بن عبدالله بن عامر" من بجيلة، و "عبد يغوث بن وقاص بن صلاءة الحارثي" من مذحج، و "الأشعث بن قيس الكندي"، و "شراحيل بن أصهب الجعفي"، و "يزيد بن أنس بن الديان الحارثي"، و "ذو الغصة الحارثي"، و "مخرم بن حزن بن يزيد الحارثي"، و "العباب الحارثي"، و "حجر بن يزيد بن سلمة الكندي" و "قيس ابن سلمة الكندي" و "الزوير: علقمة بن سلمة بن مالك الكندي"، و "حسان ابن عمرو بن الجون الكندي"، و "معاوية بن شرحبيل بن أخضر الكندي"، و "حديج بن جفنة بن قتيرة السكوني"، و "هبيرة بن المكشوح بن عبد يغوث المرادي" و "فروة ين مسيك المرادي".
وسار قادة الجيوش ومتولوا ادارة المعارك على قاعدة "الحرب خدعة". ومعناها خدع العدو وايهامه للتغلب عليه، كأن يشيع قائد الجيش أنه سيسلك،الطريق الفلاني، فيرسل بالفعل قوة صغيرة، وهو يضمر خطة أخرى، بأن يأمر القوة الكبرى بسلوك طريق آخر، فيفاجىء العدو وهو غير متأهب، أو يؤخذ على غرة وهو لا يدري باحتمال قدوم الجيش من هذا المكان.
(1/2921)
ولما كانت "المباغتة" من أهم وسائل كسب الحرب والحصول على الربح، كان من أهم أسباب نجاحها التكتم والتستر ومعرفة قوة العدو ومواضع ضعفه، عمد الجاهليون إلى استخدام العيون للتجسس على العدو، يرسلونهم في صور شتى، في صورة تجار أو مسافرين أو على هيأة سرايا صغيرة تقتص آثار العدو وتسأل من يرون من المسافرين عن علمهم بأحوال العدو، أو تقبض ربايا العدو ليحققوا معهم وليحصلوا منهم عن معلومات. تفيدهم في إعداد خطة الحرب أو الغزو. وفي ضوء هذه المعلومات يرتب القادة طريقة مباغتة العدو ومحاربته لانزال الضربة القاصمة به. وإذا أحس انسان بوجود غارة، أو رأى قوما يتقدمون لمفاجأة قومه بغارة، فعليه الإسراع لإبلاغ قومه بها قبل أن يفاجئهم العدو بغارته وهم على غير استعداد لها، وكان من عادتهم أن الرجل إذا رأى الغارة قد فاجأتهم وأراد إنذار قومه تجرد من ثيابه وأشار بها ليعلم ان قد فاجأهم أمر. ويقال لذلك الرجل "النذير العريان"، ثم صار مثلا لكل أمر يخاف من مفاجأته.
ويقال للشخص الذي ينذر قومه بدنو عدو منهم، ويزحف مغير عليهم، "الصريخ". يسرع "الصريخ" إلى قومه قدر إمكانه ليبلغهم بخبر ذلك العدو قبل مباغتته لهم. ونظرا إلى ما للصريخ من أهمية بالنسبة إلى نتائج الغزو، يتخذ المغيرون كل وسائل الحذر والتكتم والبحث عن النذر والصريخين لكيلا يفلتوا منهم فيذهبوا إلى قومهم وهم هدف الغزو أو إلى غيرهم ممن قصدوا بالغزو فيحذرونهم منهم،ويكونوا عندئذ في حالة تأهب واستعداد لمقابلة المغيرين، أو لمباغتتهم بهجوم معاكس عليهم، أو بنصب كمائن لهم قد تلحق أذى بهم، وقد تؤدي إلى عكس ما قصد من ذلك الغزو.
ويعبر عن المباغتة والمفاجأة وأخذ العدو على حين غرة بحيث لا يشعر إلا والعدو يهاجمه بلفظة "بحض" في السبئية.
(1/2922)
ويقال لمن ينذر قومه بقرب،وقوع غزو وبدنو عدو منهم: "القاصد". و "القاصد"، هو من يقصد أحدا طلبا لحاجة أو تسهيلا لأمر، أو لإجراء وساطة.
وكانوا إذا أرادوا حربا، وتوقعوا جيشا عظيما، وأرادوا الاجتماع أوقدوا ليلا على جبل أو أي مرتفع من الأرض نارا، ليبلغ الخبر أصحابهم. وإذا جدوا في جمع عشائرهم إليهم أوقدوا نارين. وقد عرفت هذه النار بنار الحرب.
وقد استعانت الحكومات بحماية حدودها بوضع قوات عسكرية في المواضع العسكرية الخطيرة التي تكون لها أهمية كبيرة من الوجهة "السوقية" في تعبئة الجيش للحرب،وعرفت مثل هذه المواضع ب "المناظر". وهي مواضع تقيم بها حاميات تراقب منها حركات الأعداء وتحركات الأعراب. وتكون الحاجز الأول الذي يمنع العدو من التقدم.
ونحن لا نكاد نعلم شيئا عن أسس تنظيم الجيش في الحكومات الجاهلية، لعدم ورود نصوص واضحة في ذلك. ولصلة ملوك الحيرة بالفرس ولصلة ملوك الغساسنة بالروم، لا استبعد تدريب الفرس، لجيش الحيرة وتقسيمه واعداده و فق نظم الجيوش الفارسية وأساليبها على القتال، وتدريب الروم لجيش الغساسنة و فق أنظمتهم وقوانينهم العسكرية. وقد ذكر أهل الأخبار أن النعمان بن المنذر، ملك خمس كتائب، يحارب بها، هي: "الوضائع" وقوامها قوم من الفرس كان كسرى يضعهم عنده عدة ومددا، فيقيمون سنة عند الملك من ملوك لخم. فإذا كان في رأس الحول ردهم إلى أهلهم، وبعث بمثلهم. وكتيبة يقال لها "الشهباء" وهي أهل بيت الملك، وكانوا بيض الوجوه، يسمون الأشاهب. وكتيبة ثالثة، يقال لها "الصنائع"، وهم صنائع الملك، أكثرهم من بكر بن وائل. وكتيبة رابعة، يقال لها "الرهائن"، وهم قوم كان يأخذها من كل قبيلة، فيكونون رهنأ عنده، ثم يوضع مكانهم مثلهم. والخامسة "دوسر"، و هي كتيبة ثقيلة تجمع فرسانا وشجعانا من كل قبيلة.
(1/2923)
ويظهر من بعض تفاسير علماء اللغة للفظة "الوضائع"، أن "الوضيعة" جماعة من الجند تجعل في كورة لا يغزون منها، أي حامية. وأما الصنائع، فطوائف من الناس يصطنعهم الملك، ويكونون عونا له وجندا يحارب بهم. فهم من المرتزقة. وقد تستعين القبائل بطوائف من قبائل أخرى للقتال معها. وقد استعان "سلمة بن الحارث بن عمرو المقصور" ب "بني تغلب" و "النمر ين قاسط" و "سعد بن زيد مناة" وب "الصنائع" على أخيه "شرحبيل"، وذلك يوم "ا لكلاب" الأول.
وقد أشار "الزبيدي" إلى كتيبة دعاها "الملحاء"، قال عنها: "والملحاء": كتيبة كانت لآل المنذر من ملوك الشام. وهما كتيبتان. إحداهما هذه والثانية الشهباء. قال عمرو بن شأس الأسدي: يفلقن رأس الكوكب الضخم بعدما تدور رحى الملحاء في الأمر ذي البزل.
وقد أخطأ "الزبيدي" في جعل "آل المنذر" من ملوك الشام. وقصد ب "الملحاء" "الدرسر". بدليل قوله في موضع آخر: "والدوسر: اسم كتيبة للنعمان بن المنذر ملك العرب ". وقد تعرض في مكان آخر من كتابه إلى كتيبة الشهباء فقال: "والأشاهب بنو المنذر لجمالهم. قال الأعشى: وبنو المنذر الأشاهب بالحي رة يمشون غدوة بالسيوف
قلت: وهم إحدى كتائب النعمان بن المنذر. وهم بنو عمه واخوانه واخواتهم. سموا بذلك لبياض وجوههم".
ويظهر من شعر للمثقب العبدي، قاله يمدح عمرو بن هند: ضربت دوسر فيه ضربة أثبتت أولاد ملك فاستقر
ان هذه الكتيبة كانت موجودة في أيام الملك "عمرو بن هند". وذكر بعض علماء اللغة ان "دوسر: اسم كتيبة كانت للنعمان بن المنذر.، وأنشد للمثقب العبدي يمدح عمرو بن هند. وكان نصرهم على كتيبة النعمان". ولا بد وأن يكون في هذه الكلمات خطأ أو نقص: إذ لا يعقل أن يكون "عمرو بن هند" قد حكم أيام "النعمان بن المنذر". وقد يكون قصد أحد ملوك الغساسنة، أو ان الأخباريين أقحموا اسم أحد الملكين خطأ في هذا الشرح.
(1/2924)
والكتيبة عشر "اللجيون" عند الرومان. ولذلك كان عددها يختلف حسب اختلاف عدد اللجيون. وعلى الأغلب كانت ما بين "400" الى "600" جندي. وقد كان عدد اللجيون "6" آلاف جندي في أيام الانبراطورية، من الفرسان وبقية الأصناف المساندة. ويقسم "اللجيون" المكون من الفرسان إلى عشر كتائب، عدد كل كتيبة من "600" فارس. تعرف ب Coforts، وتقسم كل كتيبة Cohort إلى عشرة أقسام. ويسير النظام العسكري عند الرومان وفقا للطريقة العشرية في تكون الجيش. وقد يتألف "اللجيون" من "7000" جندي، "0 0 2 6" منهم من المشاة و" 730 " من الفرسان ومن بقية التبع.
وحكومات اليمن والحيرة والغساسنة،تكاد تكون الحكومات الوحيدة الني ملكت جيوشا مدربة نظامية، أي جيوشا مستعدة في كل وقت للدخول في الحروب.
فلكل حكومة من هذه الحكومات كتائب مدربة في استطاعتها القتال. وهي كتائب من الفرسان وكتائب من المشاة، ولها رؤساء يشرفون على تدريبها وتسييرها وقت القتال. وهي بإشراف ضباط يتولون قيادتها بأمر من الملوك.
أما أهل القرى والمدن، فكان لهم، قوادهم وحملة رايتهم في الحرب، غير أننا لم نسمع بوجود جيش نظامي مدرب عندهم، ولم نسمع بوجود كتائب مقاتلة مستعدة للقتال أو للدفاع حين صدور الأمر اليها. بل كل ما وجدناه في كتب أهل الأخبار أن أسرا معروفة عهد اليها بحماية الراية والمحافظة عليها، فإذا وقع خطر،أخرج حفظتها تلك الراية ليرفعوها في القتال فتكون عندئذ شعارا لهم وروحا معنوية ذات أهمية، فإذا سقط حاملها أخذها غيره وهكذا كانوا يتناوبون في حملها. وسقوط الراية له أثر كبير في معنوية المحاربين.
(1/2925)
ويظهر من دراسة ما أورده علماء اللغة والأخبار عن تشكيلات الجيش عند بقيه الجاهليين، أن الجاهليين لم يكونوا يسيرون على نظام معين في تكوين الجيش وفي عدد وحداته، بل كانوا يتركون أمر ذلك إلى الظروف والى رأي القادة الذين توكل إليهم أمور إدارة المعارك. وذلك لأنهم لم يكونوا يملكون جيوشا نظامية ثابتة، فقد كانت القبائل تقاتل حين تدعى الى القتال أو حين يقع غزو عليها، فيهب كل فرد منها للدفاع عن قبيلته، أو في المساهمة في الغزو، يشترك في ذلك النساء والصغار أيضا، ولا سيما في حالات الدفاع عن النفس. حتى المدن والقرى لم يكن لها جيش ثابت، ولا قادة يدربون المقاتلين على أساليب القتال، ولا وحدات ثابتة تقيم في ثكنات ومعسكرات. بل كان شأنها شأن القبائل، إذا هوجمت، هب أفرادها رجالا ونساء كهولا وصغارا في الدفاع عن مدينتهم،
يقوم كل واحد منهم بسوره حسب طاقت!ه وقدرته. وكذلك كان الحال في حالات الهجوم، أي حين تهاجم المدينة عدوا لها، يشترك في هجومها كل متمكن من القتال، قياما بواجبه الأدبي المفروض عليه. وليس لهذا الجيش المحارب تدريب عكري سابق، ولا وحدات معينة، إنما تكون إمرة سوقه وتسيره، بأيدي الشجعان الأذكياء: ومن سبق له أن برز في قتال سابق، وأبرز مكانه فيه.
(1/2926)
وحتى في أيام الرسول لم يكن للمسلمين جيش ثابت منظم، له وحدات على شكل فرق وكتائب وأفواج وسرايا، وثكنات ومعسكرات، وضباط. يعرف كل ضابط منهم وحدته وعدد جنوده. إنما كان المسلمون كلهم جنودا، إذا دعاهم الرسول إلى القتال لبوا نداءه. وقد يكون فيهم الكهل والشاب والتاجر والمزارع ومن لا عمل له. الفارس بفرسه، والراكب على جمله، والراجل ماشيا، كل يحارب في سبيل الله. والرسول هو القائد الأعلى، وهو الذي يعين الأهداف والخطط، وهو الذي يختار القادة ومسيري المعركة إذ لا قادة ثابتون. وكان يستشير ذوي الرأي والخبره في المواضع التي يقصدها وفي إدارة الحرب مع العدو. وإذا كانت المعركة معركة مبارزة، نظر الرسول إلى من معه، واختار منهم من يصلح للمبارزة. وكان إذا أراد ارسال سراياه، اختار للسرية رجلا من أصحابه فأمره عليها. وأرسل معه من يختارهم ليكونوا له جنودا. ولم يكن عدد أفراد السرية ثابتا، بل كان مختلفا. ويتوقف العدد على حسب تقدير الرسول للموقف.
ويظهر من الشعر الجاهلي ان الأعراب كانوا يهابون من الالتحام بالجيوش النظامية، لعدم قدرتهم وكفاءتهم في مقابلتها، لما لها من تنظيم وتديب وسلاح.
وقد تركت "الدوسر" و "الشهباء" أثرأ في ذاكرتهم، نجده في شعرهم، مع ان الكتيبتين لم تكونا على مستوى عال من التدريب والتسليح. وقد كانوا يخشون من الالتحام بالجيوش الآشورية والبابلية والرومية، لتفوق تلك الجيوش، عليهم، فإذا تعقبتهم هربوا إلى البادية، حيث يجدون لهم عندئذ المأوى الصالح الأمين المناسب لهم، للوقوف أمام الجيش النظامي. ويكون وقوفهم أمامه على هيئة كر وفر، وهجوم من جوانب مختلفة. فإن وجدوا جلدا من ذلك الجيش وقوة ضاربة، هربوا إلى قلب البادية.
(1/2927)
ويظهر مما ذكره "سترابو" عن الجيوش العربية الجنوبية، انها لم تكن مدربة على القتال، ولم تكن مجهزة بأسلحة حسنة حديثة بالنسبة إلى أسلحة الرومان في ذلك الوقت. ولم تكن منظمة ومقسمة. إلى وحدات محاربة يسير أمورها ويوجهها في القتال ضباط لهم خبرة وعلم بأساليب القتال. ولهذا تقدم الجيش الروماني بكل سهولة نحو اليمين، دون أن يجد أمامه مقاومة تذكر، مع ان جيشهم لم يكن من الجيوش الحسنة التنظيم، المدربة تدريبا حسنا، لمقاومة الجيوش النظامية ونجد في تغلب "الحبش" ودخولهم العربية الجنوبية وتحكمهم بها مرارا، ما يؤيد أن العربية الجنوبية لم تكن تملك جيشأ منظما مدربا على مقاتلة الجيوش النظامية، وانما كانت تملك "عساكر" تعرف قتال الأعراب وأهل القوى، بأسلحة لم تحاول الحكومات تحسينها وتجديدها وفقا لتطورالسلاح في العالم. مع العلم ان الجيش أنفسهم لم يكونوا أصحاب جيوش منظمة ولا مدربة تدريبا حسنا، ولا مزودة بأسلحة جيدة حديثة على طراز أسلحة اليونان والرومان والفرس. وقد تحكموا مع ذلك في اليمن حتى جاءهم الفرس، فأخرجوهم منها قبيل الإسلام، مع ان الذين أخرجوهم كانوا من قطاع الطرق ومن المتصعلكة، وقد جاؤوهم بسفن قديمة، ولم يكونوا من المحاربين النظاميين المدربين على القتال.
(1/2928)
ويظهر أن حكام العربية الجنوبية،كانوا يعتنون بجمع العساكر وتكوين، الجيوش للقضاء على خصومهم،ولكنهم لم يحفلوا بأمر تنظيم الجيش وتدريبه وتجديده وتحسين سلاحه. مع أن أمر التنظيم والتدريب والتسليح وكيفية استخدام الجندي لسلاحه، من أهم أمور التغلب في الحروب والإنتصار على الأعداء. ولهذا كانوا يتغلبون على خصومهم في العربية الجنوبية وعلى القبائل، لأنهم دونهم بكثير في المستوى وفي الإمكانيات. ولما كانت حروبهم حروبأ داخلية، لم تتجاوز حدود جزيرة العرب، وإذا تجاوزتها، كان اتجاهها سواحل إفريقية، وهي بلاد غير متقدمة ولا تملك جيوشا نظامية مدربة، لذلك لم يحفل أولئك الحكام بأمر الانفاق على الجيش لتنظيمه وتدريبه وتحسين سلاحه ومستواه ووضعه في ثكنات صحية وتجهيزه بالعربات وبالخيل، لتعطي السرعة للجيش في القتال والحماية اللازمة للمشاة. وبقوا يسيرون على الطريقة التقليدية التي أملتها طبيعة أرضهم عليهم من الاعتماد على عساكر "اسد" الملك وعلى عساكر الاقطاعيين وعلى المرتزقة وعلى الحشور الذين يجمعون جمعا عند وقوع حرب.
(1/2929)
ولم يعتن العرب الجنوبيون بتحسين السفن وتجديدها وتحصينها للمحافظة بها على سواحلهم الطويلة. فما ظهر الرومان والبيزنطيون في البحر الأحمر، لم يتمكنوا من الوقوف أمامهم. فانتزعوا منهم السيادة على هذا البحر بسهولة، واتصلوا بالسواحل الإفريقية وبلغوا "سيلان" وسواحل الهند. وفقد العرب ما كان لهم من ممتلكات في السواحل الإفريقية المقابلة. بل صارت سواحلهم عرضة لهجمات سكان تلك السواحل، ولتدخل الحبش مرارا في بلادهم. مع أن الحبش أنفسهم لم يكونوا أصحاب سفن جيدة كبيرة، ولا اسطول قوي،حتى أن الروم ساعدوهم بأسطولهم في نقل قواتهم لاحتلال اليمن. ولم يرد في روايات أهل الأخبار ولا في أخبار الموارد اليونانية ما يفيد بتصدي السفن العربية الجنوبية للمغيرين الأحباش، ولا بوقوع أية معركة بحرية بين العرب والحبش أو غيرهم في البحر. ويدل نزول الحبش على السواحل العربية بيسر وسهولة على عدم وجود تحصينات بحرية على السواحل، وعلى ضعف الجيش في ذلك العهد.
(1/2930)
ولطبيعة بلاد العرب أثر كبير بالطبع في ظهور هذا التخلف الملحوظ في بناء القوة العسكرية. فمعظم أرض جزيرة العرب أرضون سهلة منبسطة لا يجد فيها أصحابها مواضع طبيعية يتحصنون بها في حالتي الدفاع والهجوم. لذلك صار القتال فيها وجها لوجه، والتغلب فيه للمحارب الذي يملك وسائل الحرب السريعة من إبل وخيل وعدة. ثم إن الفقر العام الذي ساد جزيرة العرب آنذاك وفقرها من ناحية الموارد الطبيعية وتغلب الجفاف والحرارة عليها، جعلت العرب كتلا، أي شعوبا وقبائل، مشتتة مبعثرة، تعيش حول ما تجده من ماء ومن مورد رزق، وكأنها أمم متباينة، لضيق أفق المعيشة فيها، ولتقاتلها فيما بينها على الماء وموارد الرزق الشحيحة. وأوضاع مثل هذه لا تساعد على التجمع وعلى تكوين دولة قوية كبيرة، تجمع جيشا قويا مدربا ذا عدة وعدد، يستطيع الصمود أمام الجيوش النظامية المدربة التي تملكها الحكومات الغنية مثل حكومات البيزنطيين والفرس،الني غذت جيوشها بالمال وبالجنود المحترفين المدربين على القتال وبالضبط المتخصصين بشؤون الحرب وبالعدد والعدة المتطورة وبالمال. ولهذا لم تتمكن "عساكر" الجاهليين من الوقوف أمام الجيوش النظامية، لتفوق هذه الجيوش عليها في التنظيم وفي التدريب وفي السلاح وفي كيفية استعمال الأسلحة: واستغلال المواقف وتطبيق العلم على الأرض التي يقع فيها القتال، وفي التغذية والعناية بأحوال الجندي.
ولهذا تحاشت الاشتباك مع الجيوش النظامية في خارج حدود بلادها، وجمدت قتالها وحصرته في الغزو وفي القتال الداخلي، أي في قتال العرب بعضهم بعضا، وهو قتال لم يستوجب تطوير الأسلحة وتحسينها، كما يستوجبه قتال الجيوش النظامية الكبيرة، وقد اعتمد على شجاعة الفرد، وعلى الحماس، وعلى ذكاء السادة في الاستفادة من المواقف ومن توجيه فرسان الحرب.
(1/2931)
أما المقاتلون فهم متطوعون، تطوعوا للقتال للدفاع عن مواطنهم، ومجبرون، عليهم الخروج للقتال لأنهم تبع، وقد أمروا به أمرا، ومن هؤلاء الرقيق. ولما كان القتال بسيطا لذلك كان واجب المقاتل متوقفا على قابليته العقلية والجسمية.
ولا نجد في كتب أهل الأخبار ما يفيد بوجود تدريب للفريقين أثناء السلم ولا في أثناء الحرب، بل يدخل المحارب الحرب كما يدخل المتشاجرون أي شجار، وهناك يستعمل ذكاءه في اختيار الدور الذي يناسبه، فقد يظهر مهارة وحنكة وشجاعة فيرتفع اسمه بين قومه، وقد يقوم بدور المشجع بالكلام، وقد يقوم بأدوار بسيطة ساذجة. فإذا انتهى القتال عاد الناس إلى حياتهم الأولى، عادوا إلى بيوتهم وهي ثكناتهم الوحيدة التي جاؤوا منها.
وترد لفظة "كتيبة" والجمع "كتائب" في الشعر الجاهلي، تعبيرا عن تنظيم وتكتل في صفوف الجيش. فقد ورد أن "حجر بن أم قطام" قاد كتيبة"فارسية" على رواية، أو أنه كان نظم كتيبة مسلحة بأسلحة من دروع وبيض من صنع الفرس. ووردت أخبار أخرى تتحدث عن وجود كتائب عند سادات قبائل قوية، دلالة على أخذ القبائل القوية بنظام تكتيل الجيش وتصنيفه وتقسيمه إلى كتائب في القتال لتلقي الرعب في نفوس الأعداء، ولا سيما في نفوس الأعراب الذين لم تساعدهم ظروفهم على انشاء مثل هذه التنظيمات العسكرية.
ويعبر عن"الكتائب" بلفظ "المقانب" أيضا. واذا كان الجيش ما بين الثلاثين إلى الأربعين أو قدر أربعين رجلا أو خمسين، قيل له "المنسر".
ويذكر علماء اللغة ان الكتيبة انما سميت كتيبة، لاجتماعها وانضمام بعضها إلى بعض، فهي اذن كتلة كبيرة من الجيش. وعرفوها بأنها القطعة العظيمة من الجيش، والجمع: كتائب. وعرف بعض علماء اللغة الكتيبة بأنها جماعة الخيل إذا أغارت مكونة من المئة الى الألف.
(1/2932)
وعرفت الكتيبة ب "جأواء" كذلك، وقيل: الجأواء كتيبة كثيرة الدروع. وذكر بعض، علماء اللغة أن المنسر ما بين ثلاثين فارسا إلى أربعين. بينما جعله بعض آخر، ما زاد على خمسمائة حتى يبلغ الثمانمائة، فيكون حبشيا. ويظهر من تفاسير علماء اللغة للفظة " المقنب، أن المقنب تكون في الخيل خاصة. قالوا: "والمقنب من الخيل جماعة منه ومن الفرسان. وقيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين أو زهاء ثلثمائة... وقيل دون المائة ". وورد: المقنب جماعة من الخيل تجتمع للغارة. قال لبيد: وإذا تواكلت المقانب لم يزل بالثغر منا منسر معلوم
والسرية في تعريف علماء اللغة قطعة من الجيش، تسري في خفية ليلا، لئلا ينذر بهم العدو فيحذروا. وهي من خمس أنفس إلى ثلثمائة، أو يبلغ أقصاها أربعمائة. وقيل هي من مائة إلى خمسمائة، فما زاد فمنسر، فإن زاد على ثمانمائة فجيش، فإن زاد على أربعة آلاف فجيش جرار، وإن كانت من الخيل، فتكون نحوا من أربعمائة. وقيل سموا سرية لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء السري، وهوالنفيس.
وقد اختلف في عدد رجال "الحضيرة". فقيل: الحضيرة الأربعة والخمسة يغزون. وقيل: السبعة والثمانية. وقيل: العشرة فمن دونهم. وذكر ان "الحضيرة" مقدمة الجيش.
وأما "النفيضة" فالجماعة يبعثون ليكشفوا هل ثم عدو أو خوف. وذكر ان "النفيضة" الذين يتقدمون الخيل، وهم الطلائع.وتؤدى لفظة "مصر" معنى القطعة من الجيش، والحملة وذلك في السبئية. ويقال لقائد الكتيبة "كبش الكتيبة". وكبش القوم رئيسهم وسيدهم. فهو سيد الكتيبة وقائدها.
ويعبر عن المحارب والمقاتل بلفظة "جندي" وب "اسد" "أسد" في العربيات الجنوبية والجمع "اسدم" أي جنود. وقد يكون الجندي حرا وقد يكون عبدا أي رقيقا ومولى، وقد وردت جملة "اسد املكن" أي "أسود الملوك" بمعنى "جنود الملك" و "عسكر الملوك"، وذلك تمييزا لهم عن الجنود الآخرين الذين كان يجندهم الأقيال والأذواء وسادات القبائل.
(1/2933)
ويقصد ب "اسد" أي جندي، الجندي النظامي أي المحارب الذي اتخذ الجندية عملا له. ولهذا نجد النصوص لا تستعملها إلا في هذا المعنى،وذلك للتمييز بينه وبين المحاربين الآخرين المتطوعين أو المكرهين على الدخول في القتال أو المؤجرين أو المحاربين من أهل القبائل أو من أهل المدن الذين يهبون للقتال عند دنو خطر على أهلهم أو قراهم. وتكون اعاشة هؤلاء الجنود على من يأمرهم بالخدمة في جيشه بالطيع، من ملك أو مكرب أو مدينة أو قرية أو سيد أرض.
وأما إذا كان المحارب رقيقا كائنا ما كان جنسه أو لونه، وأشرك في القتال،
فيعبر عنه ب "ادومت " "ادمت"، أي "ادم" و "أوادم"، بمعنى الخدم المملوكين. فلسيد القبيلة ولكبار أصحاب الأرض والملاكين والأغنياء "أدم" أي خدم، يخدمونهم ويقاتلون عنهم في الغزو وفي الحرب وفي الدفاع عن النفس. ولم يكن هؤلاء "الأدم" من العسكريين المحترفين.
وأما إذا كان المحارب أجيرا يؤجر نفسه لمن هو فوقه لخدمته أو للقتال عنه، فإذا وقع قتال طلب منه الدخول فيه، للقتال في سبيل صاحبه قيل له: "اجر" أي "أجير، والجمع "اجر" و "اجرم"، أي أجراء.
وليس لدينا أخبار عن معامل تعمل فيها "الشكة"، أي السلاح كله للحكومات أو للقبائل في الجاهلية. غير أني لا استبعد وجودها في اليمن. فقد كانت حكومات اليمن، حكومات منظمة تعنى بمثل هذه الأمور التي هي من ضرورات الدولة. أما القبائل، فقد كان المحاربون فيها هم الذين يجهزون أنفسهم بالسلاح. وقد يكون ذلك السلاح عصيا يقاتلون بها،وقد لا يكون لدى المحارب أي شيء منه سوى الحجارة التي يجدها أمامه، فيتراشق بها مع الأعداء. أما سادات القبائل والأغنياء، فقد كانوا يشترون أسلحتهم ويخزنونها إلى وقت الحاجة. فإذا ظهرت وزعوها في أولادهم وخدامهم ومواليهم للقتال.
(1/2934)
وإذا عزمت قبيلة على غزو قبيلة أخرى وجب على كل بالغ سليم الغزو معها، كما أن على كل فرد من القبيلة المهاجمة أن يقوم بواجبه في الدفاع عنها، وهذا واجب كل رجل في القرى والمدن أيضا. فقد كان على رجال كل قرية أو مدينة الدفاع عن أنفسهم، ورد غزوات الغازين. لاستقلال كل قرية أو مدينة في أمورها وشؤونها، ووقوع كاهل الدفاع عن نفسها على عاتقها. وعلى كل مواطن لذلك، بدوي أو حضري أن يهيئ نفسه في أيام الحروب والغزوات للدفاع عن نفسه وعن مواطنيه، وأن يقوم بعمل الجندي في هذه الأيام.
وقد يقعد بعض الرجال من الأغنياء، أو من المسنين عن المساهمة في الحرب أو الغزو، فيدفعون جعلا في مقابل ذلك لرجال يحاربون عنهم، فيكون الجعل لهم ويكون ما قد يقع في أيديهم من غنائم لهم أيضا. وقد يتفق على ذلك بأن يجعل المقيم للغازي شيئا. وقد كرهت الجعائل في الإسلام. وفي الحديث أنها سحت. وهي ما تجعل للغازي إذا غزا عنك بجعائل. قال سليك بن شقيق الأسدي: فأعطيت الجعالة مستميتا خفيف الحاذ من فتيان جرم
واذا قامت قبيلة بغزو قبيلة ما، قام رجالها من ذوي الرأي والمعرفة بالمعارك بإعداد خطط غزو العدو ومهاجمته ومباغتته وترؤسه وعلى شجعانها قيادة الغازين المحاربين. أما القبيلة التي تتعرض للغزو، فيقوم ذوو الرأي والخبرة العسكرية فيها بإعداد الخطط للدفاع عن نفسها، ورد الاعتداء عنها. وفي حالة الأحلاف يعد ذوو الرأي والخبرة العسكرية في الحلف خطط الهجوم أو الدفاع، ويشترك الحلف في إعداد المحاربين وقيادتهم.
(1/2935)
والغالب ان الذي يقوم بقيادة المحاربين وتوجيههم في المعارك هم من أسر توارثت ذلك، وصارت القيادة وكأنها حق لها. فإذا وقع غزو، أو أرادت قبيلة ما غزو قبيلة أخرى، نهض رجال الرأي في الحرب بإعداد الخطة والتشاورفي الرأي لكسب المعركة. وقد كانت قريش قد وكلت أمر حربها وقيادة محاربيها إلى "آل حرب". ولكن ذلك لا يعني عدم تغيير القادة وإبدالهم، وتعيين قادة جدد من أسر أخرى، فقد كانوا يفعلون ذلك أيضا عند الضرورات.
ولم تكن قوات القبائل في مستوى القوات النظامية من حيث التسليح والقابلية في القتال. فأسلحة رجال القبائل بسيطة وبدائية في الغالب لفقرها وعوزها وهي غير منتظمة ولا مدربة على القتال تدريبا فنيا، وإنما يقوم فنها على الإغارة والمباغتة، فإذا وجدت مقاومة ما فر ت وولت،لأنها لا تتحمل المقاومة والوقوف في وجه العدو مدة طويلة، ولا تستطيع الصبر على ذلك. وهي من هذه الناحية قادرة على إلحاق الأذى بالقوات النظامية في حروب الصحارى،فتقوم بمباغتة العدو وأخذه بالمفاجأة، فإذا وجدت مقاومة منه أو أخذت ما كانت تصبو اليه من غنيمة، عادت مسرعة إلى معقلها، لتحتمي به، ولتوزع ما غنمته وفق العادة والعرف.
والغزو مصدر مهم من مصادر الإعاشة بالنسبة إلى الأعراب، يلجأون اليه في أيام الشدة والمحنة لغناء أهل القرى والمدن بالنسبة إلى أهل البادية، صارت هذه المواضع هدفا مقصودا للإعراب، ومصدرا من مصادر الرزق عندهم، ولا سيما المواضع الواقعة على حدود الأرضين الغنية الخصبة، كالعراق وبلاد الشام. وقد أدركت الدول الحاكمة في العراق وفي بلاد الشام هذه الحاجة، فاستغلتها، فأخذ الروم يشترون رؤساء القبائل، يدفعون لهم رشاوى وهدايا ومنحا ومرتبات لحماية حدودهم من تحرش رجالهم بها، ولمهاجمة حدود أعدائهم الفرس، ولمقاومة القبائل التي يرسلها الساسانيون لمهاجمة بلاد الشام.
(1/2936)
وفعل الفرس مثل ذلك، فدفعوا المنح والمرتبات والهدايا لرؤساء قبائلهم،ودفعوهم على مهاجمة حدود بلاد الشام، وقد اضطرت القرى والمدن في جزيرة العرب إلى مهاجمة القبائل القوية النازلة بقربها، والى محالفتها بدفع إتاوات لها في مقابل عدم التحرش بها وحمايتها من تحرش القبائل الأخرى الطامعة بها، وفي مقابل مرور قوافلها في أرضها. وبذلك أمنت على سلامتها وعلى أموالها بعقد هذه العهود والمواثيق.
ولضرورة الدفاع عن النفس، وللوقوف أمام طمع القبائل القوية في القبائل الضعيفة، اضطرت أكثر القبائل إلى التحالف والتكتل لمنع الغزو فيما بينها، والى مقاومة أي غزو يقع عليها. وقد أطلق العرب على كل قبيلة تحارب وحدها دون محالفة قبيلة أخرى "الجمرة". وذكر أن "الجمرة"، هي القبيلة التي لا يقل عدد فرسانها عن ثلاثمئة فارس، وهو عدد يدل على قوة القبيلة وشدة البأس.
وذكر الأخباريون أن "جمرات العرب" ثلاث: بنو ضبة بن أد، وبنو نمير ابن عامر، وبنو الحارث بن كعب. فطفئت جمرتان، وبقيت جمرة واحدة: طفئت بنو ضبة لأنها حالفت الرباب، وطفئت بنو الحارث لأنها حالفت،مذحج، وبقيت نمر لأنها لم تحالف.
والغالب على أسلوب القتال عند الجاهليين: الكر و الفر، و ذلك بأن يهاجم المحاربون عدوهم ثم يتراجعون بسرعة وكأنهم قد فروا خوفأ منه، ثم يعودون فيكرون عليه، يضعون مكانا يكون مركز ثقلهم والملجأ لهم، يلتجئوون إليه، ثم ينطلقون منه للكر على العدو. وقد اتبعوا أيضا أسلوب القتال صفوفا، بأن يقف المحاربون صفوفا، يحاربون دون كر ولا فر.
ولا بد للمحارب من أسلحة يحارب بها ويدافع بها عن نفسه. ويستعمل العرب لفظة سلاح وعدة المحارب في مقابل A rms=Armour في الانكليزية و"ملديم" Malddim و "كليم" Kelim و"حليضه" Hallizah في العبرانية. ويراد بها كل ما يستعمله ويحمله الجندي من وسائل الحرب من هجوم ودفاع.
(1/2937)
والسيف هو السلاح الرئيسي في القتال. استعمل في الهجوم وفي الدفاع عن النفس. ويطلق العبرانيون عليه وعلى الخنجر لفظة "خ ر ب" "خريب".
وقد يكون السيف قصيرا أيضا. وهو ذو حد واحد وذو حدين. وقد يكون رأسه مدببا حادا يستعمل للطعن. أما الضرب فيكون بحد السيف. والسيوف الجيدة هي السيوف المصنوعة من الفولاذ ومن الحديد النقي الجيد. وقد اشتهرت سيوف اليمن، وبعض السيوف المستوردة من الخارج. ويقال لحديدة السيف "النصل"، وتقابل هذه اللفظة لفظة "لهب" "لهيب" في العبرانية، من أصل "لهب"، وذلك للمعان السيف الذي يشبه اللهب عند عرضه في الشمس.
وللسيف أسماء كثيرة ترد في كتب اللغة، بعضها أسماء وبعضها نعوت وصفات صارت في منزلة الأسماء للسيف. ومن أسماء السيف: "الجنثى" والجمع: "الجنثية"، يقال انها انما سميت جنثية نسبة إلى الجنثي، وهو الحداد.
ويعرف الحداد بالقين عند الجاهليين. أما الذي يقوم بصقل السيف، فهو "الصيقل".
وقد اشتهرت أنواع من السيوف عند العرب، تفاخروا بها، لجودتها وشدة وقعها في العدو. ومن هذه السيوف المشهورة: "السيوف المشرفية". قيل: انها سميت بذلك نسبة إلى "المشارف" جمع مشرف، ويراد بها قرى للعرب تدنو من الريف. وقيل: لأنها من مشارف الشام. وقيل: نسبة إلى موضع من اليمن. وقيل بل نسبة إلى "مشرف" رجل من ثقيف.
ورد "ابن رشيق القيرواني" قول من نسب السيوف المشرفية إلى مشارف الشام أو مشارف الريف، وذهب إلى انها نسبة إلى "مشرف"، من قرى اليمن.
وعرفت سيوف "بصرى" بالجودة كذلك، ويقال للسيف المنسوب اليها "بصري". وقد مسحها "الحصين بن الحمام المري"، وأثنى على القيون الذين أخرجوا "صفائح بصرى"، أي السيوف.
واشتهرت السيوف السماة ب "السريجية" بجودتها كذلك، ويقال: إنها نسبة إلى "سريج" رجل من بني أسد. وهو أحد بني معرض بن عمرو بن أسد ابن خزيمة وكانوا قيونا.
(1/2938)
واشتهرت سيوف اليمن كذلك، فقيل للسيف "يمان" و "يماني"، إذا صنع باليمن. والظاهر أنها لماعة بيض، ولذلك قيل "بيض يمانية" يمدحون تلك السيوف.
واشتهرت بعض السيوف في الجاهلية، بقيت شهرتها خالدة في الإسلام. ومن هذه السيوف، سيف عرف ب "الصمصامة"، وهو سيف عمرو بن معد يكرب. وسيف عرف ب "ذي الفقار" ارتبط اسمه باسم علي بن أبي طالب، وكان قد استولى عليه في معركة "بدر"، أخذه من العاصي بن منبه.
وكان في أصحاب رسول الله صحابي اشتغل بعمل السيوف في الجاهلية هو "خباب بن الأرت ". وكان من المسلمين الأولين الذين أعلنوا إسلامهم، وعذبوا فيه.
ويتبين من دراسة وتقصي مصادر السيوف عند العرب الجاهليين، أن العرب كانوا آنذاك يستوردونها من أماكن مختلفة، وأن استيرادها كان تجارة مربحة.
وأن تجارها كانوا يفتشون في كل مكان من أسواق العالم المعروفة بصنع وبيع الأسلحة لشراء الأسلحة منها. فاستورد بعضهم أنواعا من السيوف المصنوعة من الهند وقد عرف السيف الجيد المصنوع بالهند ب "المهند". واشتهر الروم بصنع السيوف الجيدة، وكذلك الفرس.
وقد تفنن في تزويق السيوف وفي اكسائها بماء الذهب أو الفضة، وقد اشتهرت الروم بإكساء السيوف ماء الذهب، ويقال لذلك "الدجال".
والخنجر أقصر من السيف، ويستعمل، في المباغتة في الغالب وفي الهجوم وفي الدفاع عن النفس. وهو مثل السيف أيضا ذو حد وذو حدين، ويوضع في قراب يحمل في وسط الجسم. وهو لا يزال كثير الاستعمال لسهولة استعماله وإخفائه على حين قل استعمال السيوف، أو مات، لعدم ملاءمتها للقتال الحديث. ولرخص الخناجر، بالنسبة إلى السيوف، كانت كثيرة الاستعمال حملها معظم الناس حتى الفقراء لحماية أنفسهم من أذى الإنسان والحيوان. وقد استعملت في أثناء الالتحام بالحروب، حيث يشتبك المحاربون بعضهم ببعض، فيكون الخنجر من الأسلحة الملائمة للفتك بالعدو.
(1/2939)
والرمح: سلاح يستعمل لطعن العدو، يستعمله الفارس،في الغالب. له رأس منبل حاد، يطعن به. وقد يكون له رأس آخر، يثبت به في الأرض. وهو يختلف طولا ووزنا. وهو من الأسلحة القديمة، ولا يزال معروفا، تستعمله بعض القبائل والشعوب البدائية. يصنع من حديد أو من معدن آخر، كما يكون من أعواد الأشجار القوية أو القصب القوي. وأجود الرماح عند العرب، "الرماح الآزنية "، أو "الرماح اليزنية"، يقال انها نسبت إلى "ذي يزن" الملك. وهو على رأي بعض الأخباريين أول من اتخذ أسنة الحديد، فنسبت اليه وانما كانت أسنة العرب قرون البقر.
وعرفت الرماح ذوات السنان بالأسنة. وهي ايضأ أنواع، منها نوع يسمى "الأسنة القعضبية" نسبة إلى رجل اسمه "قعضب" من "قشير". ونوع يسمى "الأسنة الشرعبية"، ينسب إلى "شرعب". وإلى هذه الأسنة أشار "الأعشى" في هذا البيت: ولدن من الخطي فيها أسنة ذخائر مما سن أبزى وشرعب
ويذكر أهل الأخبار ان الرماح الشرعبية، منسوبة إلى بطن من بطون حمير يقال لهم "شرعب بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد قيس".
و الرماح "ألخطية"، من الرماح الجيدة المعروفة وتنسب إلى "الخط".
والخط هو خط هجر، تحمل اليه الرماح من بلاد الهند، فتقوم به. فنسبت اليه.
و "الرماح الردينية" وهي من الرماح الجيدة المشهورة أيضا، يقال إنها نسبة إلى "ردينة" امرأة كانت تعمل الرماح.
ويقال للرمح "المنجل" أيضا. واشتهر نوع آخر من الرماح عرف ب"الرمح السمهري" والجمع: "الرماح السمهرية". ذكروا أنها منسوبة إلى "سمهر"، وكان صنعا يصنع الرماح، وكانت امرته "ردينة" تبيعها.
وتستعمل القنا في القتال أيضا. ويظهر أنها نوع من أنواع القصب القوي الذي لا ينثني ولا ينكسر، يكسى رأس القناة برأس من معدن مدبب حاد ليطعن به. ويستعمل القناة للفارس والراجل.
ويقال للقنا، "قانه" Kanah في العبرانية وkanna=Canna في اليونانية
(1/2940)
ويراد بها القصب، وهو ينبت في مواضع كثيرة من مصر، وفي الأرضين التي تكثر فيها الرطوبة والمياه، وقد اشتهرت بعض أنواع القصب بالمتانة والقوة. ولهذا استخدمت سلاحا من أسلحة الطعان.
واستعملت الحراب في الطعن وفي زرق العدو بها. وقد ذكر أهل الأخبار أن الحبشة كانت تحسن الطعن بها، وأن العبيد المجلوبين منها والذين كانوا بمكة، كانوا قد اشتهروا بالطعن في الحراب، ومنهم "وحشي" قاتل حمزة. وهو عبد حبشي زرق حربته ورمى بها حمزة فأصابه.
وكما تعتمد الجيوش الحديثة على أسلحة الرمي، اعتمد الجاهليون على أسلحة هي بمنزلة البنادق والرشاشات في اسلحة هذه الأيام، هي القسي والسهام. والقوس، هي الآلة التي تمسك باليد ويشد وترها شدا قويا، ليرمي السهم إلى العدو المراد رميه. وكلما كان الشد قويا، صارت الرمية بعيدة مؤثرة. وقد يكون السهم من غصن أو من خشب، وقد يكون من معدن مثل حديد أو نحاس. ويتخذ الوتر من مادة قابلة للتوتر وللشد، حتى يكون في قدرته رمي السهم.
إلى مسافة بعيدة وبقوة. أما السهم، فقد يكون من شجر، وقد يكون من معدن، ويكون له رأس مدبب ليصيب به الهدف. وقد يسم رأس السهم، فينفذ السم منه إلى الجرح، فيصيب به الجريح إصابة قاتلة.
وقد عدت الرماية من جملة الخصال العالية في الشخص المكملة للانسان. وقد اشتهر في الجاهلية قوم بدقة رمايتهم، وبصحة اصابتهم الأهداف، إذا أرادوا رمي أحد اخرجو النبل، فرموه بها، وقلما يخطئون. واذا ارادوا وصف رجل بدقة الرمي، قالوا فيه: "كان من أرمى الناس". وكانت الرماية دراسة يتعلمها الرامي من رماة ماهرين. فكان أهل الحيرة والفرس يعلمون أولادهم الرمي بالنشاب، ليكونوا من الرماة المهرة. يستعملون فنهم هذا في قهر أعدائهم وفي الصيد وفي الحروب. وقد كانت الجيوش تضم فرقا من الرماة، تكون لهم أهمية كبيرة جدا في تقرير نهاية الحرب، لأنهم عنصر فعال قوي في التأثير في المحاربين.
(1/2941)
وقد استعان الفرس والروم والرومان بالرماة الماهرين من العرب،فكونوا منهم فرقا خاصة في جيوشهم، وظيفتها الهجوم على العدو ورميه بالسهام للفتك به. فكانت السهام تقوم مقام نار البنادق والرشاشات في أسلحة هذا اليوم. وقد أشار الكتبة "الكلاسييون" إلى كتائب الرماة العرب التي كونها الروم والرومان.
وقد عرف بعض الرماة بدقة إصابتهم الهدف، فكانوا يصيبون بسهامهم ونبلهم أدق الأهداف. وقد اشتهر هؤلاء ب "رماة الحدق"، أي المهرة في الرمى، فلا يخطئون الحدق. وفي كتب الأخبار قصص عن دقة إصابة هؤلاء الرماة. ولخطورة الرمي في القتال، ولأهمية هذا السلاح في مصير الحروب ونتائجها، أعطاه الإسلام أهمية كبيرة. وقد ورد في الحديث: " وأعدوا لهم ما استطعتم. من قوة، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي ". وورد أيضا: أن الرسول كان يحث أصحابه علىتعلم الرماية واتقانها، وقد كان في صفوف قريش والوثنيين جماعه من الرماة المهرة الذين يصيبون الأهداف.
واشتهرت أنواع من القسي، منها: "القسي الماسخية"، نسبة إلى رجل من بني نصر بن الأزد اسمه "ماسخة"، وقيل: "نبيشة بن الحارث".
ذكر أنه أول من عملها. وتنسب القسي أيضا إلى "زارة" وهى امرأة "ماسخة".
وفي هذه القسي قال الشاعر: شرعت قسي الماسخي رجالنا بسهام يثرب أو سهام الوادي
وذكر أهل الأخبار نوعا من الخشب سموه "الشريان"، ذكروا أنه خشب تتخذ منه القسي العربية.
وأجود السهام التي وصفتها العرب، "سهام بلاد"، "سهام بلام"، و "سهام يثرب"،وهما قريتان من حجر اليمامة. وقد ذكرها الأعشى في شعره. ومن "النبل" الجيد نبل يقال له "رقميات"، وقد نسبت إلى "الرقم"، وهو موضع دون المدينة، ويقال سهام مرقومة.
(1/2942)
وتريش النبال بريش الطيور، وتوضع عليها ريش نسر أحيانا. وتحفظ السهام والنبال في محفظة، يقال لها: "الكنانة". وأشهرها الكنائن المعروفة ب"الكنائن الزغرية"، وهي منسوبة إلى "زغر"، موضع بالشأم، تعمل كنائن حمر مذهبة. وقد ذكرها أبو دؤاد الإيادي في شعره: ككنانة الزغرى زينها من الذهب الدلامص
ومن مشاهير الرماة عمرو بن عبد المسيح الطائي، وكان أرمى العرب. وفد إلى النبي، وفيه يقول امرؤ القيس: رب رام من بني ثعل مخرج كفيه من ستره
واشتهر "القارة" بالرمي، فقيل: إنهم أرمى حي في العرب، ولهم يقال: "قد أنصف القارة من راماها ".
والقسي هي سلاح الصياد في الجاهلية، فهي بمثابة "البندقية" في هذا اليوم، يأخذها الصياد معه وفي كنائنه، ثم ينتظر، فإذا شاهد صيدا رماه. ولهذا نجد المولعين بالصيد يذكرونها في شعرهم وفي وصفهم لمطاردة الحيوانات.
ومن القسي الجيدة الني تركت أثرا في ذاكرة الشعراء "العتل" واحدها "عتلة" وقد عرفت بأنها القسي الفارسية.
واستعمل الصعاليك واللصوص السهام سلاحا فتاكا في ابتزاز المال وسلب المسافرين. والرامي الجيد الرماية، متغلب على خصومه، لأنه يرمي وهو على بعد ممن يرميه، فلا يصيبه سيف أو رمح. وبذلك صعب على من لا يحسن الرماية التغلب عابر الرماة.
(1/2943)
والرمي بالحجارة والحصى، سلاح مهم مؤثر في العدو في ذلك الزمان. فقد كان المحاربون يرمون عدوهم بآلة ما زال الأطفال والفلاحون يستعملونها،يطلقون عليها لفظة "معجان" في العراق. وهي عبارة عن قطعة من جلد أو قماش تشد من طرفيها بحبلين أو خيطين. فإذا أراد الرامي الرمي، وضع حجرا صغيرا أو حصاة في الجلد أو القماش، وأمسك بطرفي الحبلين غير المشدودين بالقاعدة،وأخذ يحركهما تحريكا دائريا بشدة، ثم يطلق أحد الحبلين بسرعة لينطلق الحجر إلى الهدف المراد، فيصيبه. ويطلق على هذه لفظة "قلع." في العبرانية " وهي أبسط أنواع آلات الرمي بالحجارة. ويستعملها الفلاحون والرعاة أيضا لطرد الطيور والحيوانات. ويسمونها في بلاد الشام "المقلاع".
وقد كان على المحارب التدرب على الرمي وعلى الطعن،ليكون محاربا ناجحا، ذا خبرة في القتال، فلا يتمكن منه عدو بسهولة. وفي جملة الوسائل التي كان يتسرب عليها: "الدريئة."، وهي حلقة يتعلم عليها الطعن والرمي. قال عمرو ابن معديكرب: ظللت كأني للرماح دريئة أقاتل عن أبناء جرم وفرت
ولا بد للمحاربين من أسلحة واقية، يتقون بها ضربات أعدائهم. وما يرمونهم به من حجارة وسهام. والترس من أقدم الأسلحة الواقية، يعلقه المحارب على ظهره أو على كتفه، فإذا احتاج إليه، أمسكه بإحدى يديه، ليتقي به ضربات خصمه. ويصنع من الحديد في الغالب، ولارتفاع ثمنه، لم يستعمله إلا المحاربون الشجعان المعروفون والمحاربون الموسرون. واستعمل الترس المصنوع من الخشب ومن الجلود الثخينة، مثل جلود الجمال والبقر وبعض أنواع الأسماك والحيوانات الوحشية ذوات الجلود الغليظة.
(1/2944)
وبعض الأتراس،دائرية على هيأة قرص، ومعظم أنواع الأتراس عند الجاهليين وعند العرب الإسلاميين هي من هذا النوع،وبعضها على هيأة مستطيل أو مستطيل ذي رأس مدور أو ثابت أو غير ذلك، وفي ضهر الترس حلقة أو موضع يدخل المحارب يده فيه ليمسك به الترس، ويتصل به حبل أو سلسلة ليعلق المحارب به أو بها الترس على جسمه. ويعرف الترس بالدرقة وبالمجن كذلك. وقد ذكر امرؤ القيس المجن فقال: لها جبهة كسراة المجن حذقه الصانع المقتدر
ويقال له: "العنبر" كذلك.
ويقال للمجن "ماكين" "ماجن" Magen في العبرانية. وهو قرص دائري الشكل خفيف يحمله المحارب بيده ليدافع به عن نفسه وللاتقاء به من ضربات العدو. ويقال له "كليبوس" Clypeus عند الرمان.
والدروع هي من أسلحة الوقاية، يتدرع بها المحارب، ليقي بها نفسه من ضربات خصمه. وقد تكون للظهر وللصدر، تحمي ظهر المحارب وصدره، وقد تكون للصدر فقط، فيقي المحارب بالدرع ضربات المحارب من رمح أو سيف. فلا ينال به صدره ويعرف أهل الأخبار الدرع بأنها القميص المتخذ من الزرد. وتعرف الدروع عند العبرانيين ب "شريون" Shiryon. ويلبس الدرع كالثوب فيقي الجسم من الضربات.
وقيل للدروع "الخرصان" كذلك، والواحد خرص، وقد سموا الدرع خرصا لأنه حلق، كما سموا الحلقة التي في الأذن خرصا. وقيل للدرع سابغة أيضا. وقيل للرماح الخرصان كذلك.
(1/2945)
ومن الدروع المعروفة: "الدروع الحطمية" نسبة الى حطمة بن محارب بن عمرو بن وديعة. وقيل: نسبة إلى "حطم" أحد بني عمرو بن مرثد من بني قيس بن ثعلبة. و "الدروع السلوقية"، هي نوع آخر من الدروع المشهورة، يقال: انها نسبة إلى "سلوق" وهي قرية باليمن عرفت بدروعها. وقد ذكر النابغة الدروع السلوقية في شعره، وأشار "ابن مقبل" إلى نوع من أنواع الدروع دعاها "المشرفية" من صنعة مشرف، ومشرف جاهلي، وهم يدعون إلى ثقيف. كما عرف نوع آخر من الدروع اشتهر باسم "القردماني"، وذكر بأنه فارسي، وان أصله بالفارسية "كردماند".
وقد نسبت الدروع الجيدة الممتازة إلى "داوود" و "سليمان" فورد في شعر للحطيأة: فيه الرماح وفيه كل سابغة جدلاء مبهمة من نسج سلام
وورد في شعر للنابغة: وكل صموت نثلة تبعية ونسج سليم كل قضاء ذائل
ويلاحظ ان البيت المنسوب إلى "الحطيأة" ينتهي بلفظة "داوود" بدلا من "سلام" وهو "سليمان" في بعض الروايات. والمعروف ان "داوود" هو الذي اشتهر بعمل "الدروع" لا "سليمان" على حد قول أهل الأخبار. وقد أشيرإلى صنع "داوود" للدروع في بيت شعر "لبشامة بن عمرو"، وقد وصف دروعه بأنها "موضونة"، أي مضاعفة ثخينة، تسمع للقواضب فيها صليلا، كما أشير الى ذلك في بيت شعر ينسب إلى "الحصين بن الحمام المري"، حيث نسب نسج الدروع إلى " داوود". والغالب عند الجاهلين نسبة إلى الدروع إلى "داوود". وأما لفظة "سليم" الواردة في بيت "النابغة"، فتعني "سليمان" أيضا.
ونحن لا يهمنا في هذا المكان أمر صانع هذه الدروع، إنما الذي يهمنا هنا هو أثر القصص اليهودي والدعاية الإسرائيلية في نفوس الجاهليين، مما يدل على أن اليهود المهاجرين الى جزيرة العرب كانوا قد غرسوا بذور الدعاية اليهودية بين الجاهليين حتى تؤثر فيهم، فكان من أثره مثل هذا القصص الذي نجده في شعر الجاهليين وفي قصصهم المدون في الإسلام.
(1/2946)
ولا يستبعد أن يكون في اتجار يهود الحجاز بالأسلحة واستيرادهم إياها من بلاد الشام لبيعها للعرب أو للاحتفاظ بها لتهديد من يطمع فيهم ولمقاومته، أثر في ظهور مثل هذا القصص، وفي نسبة الأسلحة الجيدة إلى "داوود" أو "سليمان". وعرفت الدروع المصنوعة باليمن بالجودة كذلك.وقد نسبت بعضها إلى التبابعة، فقيل "نثلة تبعية" يريدون بلفظة "نثلة" درع. وقيل "مسفوحة تبعية" أي "درع تبعية" منسوبة إلى "تبع".
و "التسبغة" هي: زرد مشبك الحلق متصل بالبيضة يطرح على الظهر ليستر العنق، فلا تؤثر فيه الضربات والطعن.
ومن الأدوات التي استخدمها المحاربون "البيضة"، وهي غطاء يوضع على الرأس لحمايته من السيوف والحجارة والعصي وما شابه ذلك. وهي لا بد أن تكون مصنوعة من مواد واقيه تحفظ الرأس من الأخطار، كان تكون مصنوعة من الحديد أو المواد المعدنية الأخرى أو من الجلود الثخينة.
وقد عرفت "البيضة" المستديرة ب "تركة". وورد في شعر "مزرد بن ضرار الذبياني" "تركة حميرية "، أي منسوبة الى حمير، مما يشير إلى اشتهار هذا النوع من آلة وقاية الرأس.
والعمائم خوذ المحاربين عند الجاهليين. فإذا خاض المحارب معركة ما إعتم بعمامة، وقد يضع عليها ريشة، وقد يتحنك بذؤابتها، ولم تكن عمائم الحرب ذوات لون واحد، بل كانت ذوات ألوان، قد يدخل المحارب الحرب وعلى رأسه عمامة يختلف لونها عن لون العمامة التي لبسها قبلا. وقد تحدث أهل الأخبار عن أنواع العمائم التي لبسها المحاربون في القتال.
(1/2947)
ولكن هذا لا يعني ان الجاهليين كانوا لا يستعملون الخوذ في حروبهم. لقد كان عرب العراق وعرب بلاد الشام واليمن يستعملونها أيضا، واذا كانت الخوذ قليلة الاستعمال، في معظم أنحاء جزيرة العرب، فإنما يعود سبب ذلك إلى غلاء ثمنها، لأنها من المعدن في الغالب، ولعدم وجود حاجات ملحة اليها هناك. وقد لبس الرومان واليونان خوذا مصنوعة من النحاس ومن البرنز. واستعملت الخوذ المعمولة من الخشب ومن الجلود والكتان واللباد وبعض المواد الأخرى. وقد تفنن صانعوها في زخرفتها وفي أشكالها،وعلى هذه الزخرفة والمواد المصنوعة منها يتوقف سعر الخوذ بالطيع.
وأما "المجن" و "الترس" و "الدرقة"، فبمعنى واحد، وهي لوقاية الجسم من ضربات السيوف. ويصنعها العرب من الجلود في الغالب.
ويقال للزرد الذي ينسج على قدر الرأس ويلبس تحت القلنسوة "المغفر".
وقد لبس محاربو اليونان والساسانيون البسة واقية لتقي جسمهم من ضربات السيوف وطعن الرماح ومن تساقط السهام عليهم، كما حموا ارجلهم وافراسهم ايضا بأوقية خاصة، بعضها من جلد وبعضها من اقمشة او من معدن. وقد استخدموا ملابس خاصة صنعت من الزرد أي من خلقات معدنية، وتدرعوا بألواح من معدن حموا بها اجسامهم، وبالواح من الجلود الثخينة المدبوغة دبغا خاصا لتقاوم الضربات، وعطوا بها اجسام خيولهم في بعض الاحيان لئلا تصاب، فيسقط بسقوطها الفارس، ويعجز عن القتال.
وقد اشتهرت "ترسة الروم" بكبرها وشدتها، وقد اشير اليها في شعر "ابن مقبل".
ومن عادات العرب في الحروب انذار من يريدون محابتهم، كأن يقولون لمن يريدون محاربته: انا ننذرك بحرب. وهم يفتخرون بذلك، اذ يرون ان الانذار بالحرب من سيماء القوة والشجاعة، ومن علامات الجبن والضعف. وقد ينذرون عدوهم ويتواعدون معه على الالتقاء في زمن معين وفي مكان معين للحرب. فأذا جاء الاجل التقوا في المكان المعين وتحاربوا فيه.
(1/2948)
وتبدأ الحرب عادة بأعلان حالة النفير أي خالة التجمع والتهيؤ للقتال او للذهاب الى الحرب. ويكون ذلك بالتبويق، أي بالنفخ ببوق من معدن او قرن حيوان او آلة من خشب، او بدق الطبول والدفوف او بضرب اعواد من خشب، او بالصياح لاعلام الناس بدنو عدو او ظهور خطر او استعداد للقيام بغزو ما، فيجتمع عندئذ كل قادر على القتال متمكن منه حاملا معه كل ما يحتاج اليه من معدات للقتال، راكبا او راجلا لأخذ دوره فيه والقيام بالعمل الذي يوكل به اليه وقد يلحق النساء بالمقاتلين فيقمن بأعداد الطعام لهم واعداد ما يحتاجونه اليه من خدمات وليس لهؤلاء المقاتلين من اجور ومرتبات غير الغنائم التي تصيبهم والاسلاب التي تقع في ايديهم فتكون ملكا لهم لان القتال واجب على كل مواطن متمكن محتم عليه والامتناع منه جبن ومخالفة لقوانين المجتمع واعرافه.
وللجيوش الوية ورايات يحملها اشجع المقاتلين والمعروفونبصبرهم على القتال.واذا قتل خامل الراية قام اخر من الشجعان بحملها ويستميت المقاتلون في الدفاع عن رايتهم فسقوط الراية على الارض او في يد العدو معناه هزيمة اصحابها وعجزهم عن القتال وخور عزيمة المقاتلين عن القتال في النهاية وتلك امارات الهزيمة والفرار.
ولا يشترط في الاعلام والبيارق والرايات ان تكون قديمة متوارثة فقد تعقد عند بدء الخرب، يعقدها الرؤساء ويسلمونها الى اشجع الناس لتكون سندا للمحاربين ورمزا يستمدون منه العون والقوة وتسمى بأسماء قد يتصايحون بها عند احتدام القتال وذلك لاثارة النفوس وبعث الحمية فيها على القتال اما امر لون الراية وطولها وعرضها فذلك من شأن الرؤساء والمشايخ وزعماء القوم.
ومما يدل على اهمية الراية عند العرب وعلى مكانتها عندهم انهم كانوا يسمون لواء الحرب ورايتهم التي يجتمعون تختها للجيش اما وكانوا يجتمعون لها في النزول والرحيل وعند لقاء العدو.
(1/2949)
ولما تحدث الخرث بن حلزة اليشكري عن يوم الشقيقة وعن مجيء معد مع قيس بن معد يكرب ذكر احياء معد التي اشتركت معه كانت تحمل معها الويتها ولكل حي لواء.
وكانت لقريش راية يحتفظون بها ويقاتلون تختها تسمى العقاب وهي راية قريش واذا كانت عند رجل اخرحها اذا حميت الحرب فاذا اجتمعت قريش على احد اعطوه العقاب وان لم يجتمعوا على احد اخذها صاحبها فقدموه ولم تكن قريش بدعا في ذلك فقد كانت للقبائل وللحكومات رايات اخرى يتوارثونها ويحافظون على تسميتها وتحتفظ بها اسر خاصة او سادات قبائل تعتز بذلك وتعدها من اعظم درجات الفخر والتكريم.
ولأهمية القائد في المعارك كانوا يحيطونه بحرس ويجعلون اكثر ثقلهم حوله ويكون موضعه في القلب في الغالب ليشرف على القتال تخميه المؤخرة من الخلف والمقدمة من الامام ويوضع اللواء عنده ويخمل بين يديه وكان المسلمون يحملون "العنزة" بين يدي الرسول، وربما جعلوها قبلة.
وقد كان القادة يستعينون قبل الدخول في القتال بمخبرين يرسلونهم إلى العدو للحصول على معلومات عن قواتهم وعن مواقعهم وعن مدى استعدادهم للحرب. وكذلك كان للقبائل ولأهل المدن مخبرون يرسلونهم لاستطلاع الأحوال ولتحذيرهم من احتمال وقوع غزو مفاجىء عليهم، أو لتقدير مقدار الغازين أو المحاربين للاستعداد والتهيؤ. فهم "جواسيس" إذن، يذهبون للتجسس ولاستراق الأخبار حتى يكون من أرسله على حذر وبينة من أمره، ويقال للواحد منهم منذر" في السبئية، لأنه ينذر قومه وينبههم بقرب وقوع حادث عليهم.
(1/2950)
ويقال للشخص الذي بتسقط أخبار العدو ويبحث عن مواضع ضعفه وعن حركاته وسكناته: "العين" و "الربىء" و "الجاسوس". وقد كانوا يتنكرون ويتسترون كي يخفوا هويتهم ويحصلوا على ما يحتاجون الحصول عليه من معلومات ليرتبوا بموجبها خططهم الحربية. روي أن "عمرو بن سفيان الكلابي"، جاء بني خزاعة في زي رجل من بني هلال، وأظهر أنه جاء يريد جيرتهم، وكانوا قد غزوا قومه وساقوا إبلهم، فقبلوا ايواءه، وبقي عندهم أمدا، حتى جمع كل ما احتاج اليه من معلومات عنهم، ثم خرج منهم وعاد إلى قومه فاستفادوا بما كان قد جمعه عن بني خزاعة، وغزوهم وانتصروا عليهم.
وذكر أنه كان لكليب وائل عينأ في تغلب، كان يتجسس له ويرسل له الأخبار عن هذه القبيلة. وأن "عمرو بن ربيعه" ارسل سدوس بن شيبان وصليع بن عبد غم إلى معسكر "زياد" ملك الشام، ليحتجسسا عليه ويأتيا له بالأخبار. وهناك امثلة كثيرة من هذا النوع تتحدث عن عيون كانت القبائل ترسلهم إلى القبائل المعادية لها لتأتي، لها بالأخبار عنها وبنواياها العدوانية وعن خططها في الغزو.
وقد يكون الرجل بين قوم، فيسمع بخبر عزمهم على غزو قومه، فيرسل رسالة رمزية في الغالب أو شفوية ليحذر قومه منه. وقد يكون. المنذر أسيرا في أيدي القوم، فلا يستطيع الهروب من مؤسريه ليخبر أهله بعزم آسريه على غزوهم فيعمد إلى "الشيفرة" وإلى إلرموز و الكنايات و التعابير التي تفهم القوم مراده من الرسالة، فيحتاطوا للامر ويستعدوا للقتال.
(1/2951)
وفي يوم "شعب جبلة" كان "كرب بن كعب بن زيد مناة"، وهو من بني تميم، قد علم بخطط أعداء قومه، وكانوا قد أخذوا عليه عهدا وميثاقا بالا يتكلم ولايخبر قومه عن عزمهم فعمد إلى الرمز والاشارة، بأن وضع ترابا في صرة، وشوكا قد كسرت رؤوسه، وحنظلة موضوعة و وطب معلق فيه لين، فلما رأى القوم ذلك، علموا انه يقول لهم: إن القوم كالتراب عددا لكن شوكتهم قليلة، وانهم قريبون منهم، فعليهم أن يحتاطوا للأمر، فاحتاطوا منه " واستعدوا للامر.
وكان الأعور، وهو ناشب بن بشامة العنبري أسيرا في قيس بن ثعلبة، فلما سمع بأن اللهازم تجمعت وهم: قيس وتيم اللآت ومعها عجل بن لجيم وعنزة بن أسد، تريد غزو بني تميم، قال لاسريه اعطوني رجلاء أرسله الى أهلي أوصيهم ببعض حاجتي. فقالوا له: ترسله ونحن حضور. قال نعم. فأتوه بغلام مولد. فقال اتيتموني بأحمق. فقال الغلام: والله ما أنا بأحمق. فقال: إني أراك مجنونا. قال: والله ما أنا بمجنون. ثم صار يكلمه ويسأله، ثم اوصاه بأمور لا يفهم منها أن فيها إشارات ورموز، ووافق القوم على ذهاب الغلام الى قوم ناشب، فلما كلمهم بما قاله ناشب للغلام لم يدروا ما أراد: فأحضروا "الحارث"، فقص عليه الغلام قصة ما جرى له مع ناشب ففهم المراد. ثم قال للغلام: أبلغه التحية، وابلغه انا سنوصي بما اوصى به. ثم قال لبني العنبر إنه يحذركم من غزو قريب فاستعدوا وارتحلوا عن ديارهم وبذلك نجوا من خطر الغزو.
(1/2952)
وهناك أمثلة عديدة من هذا القبيل حذر بها الناس من رجال ونساء قومهم من غزو سمعوا به، فخلصوا قومهم منه او جعلهم يستعدون له. وقد استعمل المحذرون التراب أو الرمل " للدلالة على كثرة العدو. واستعملوا اشو ك للدلالة على القوة وعلى شوكة العدو وعبروا بالشوك الذي تكسر رؤوسه، بشوكة العدو، إلا أنه عدو لا يخشى جانبه، لأنه غير متحد ولا متفق. وقد استمدت القبائل هذه الرموز من محيطها التي عاشت فيه،فاتخذتها أدوات للتحذير والإنذار.
ويستعين القادة بادلاء ليقدموا لهم المعلومات عن الطرق الموصلة إلى المواضع التي يريدون مقاتلة أصحابها بها، أو للسير في مقدمة قافلة الجيش للوصول إلى المكان المطلوب. وللدليل أهمية كبيرة في القتال ولذلك استعان بهم المحاربون. ويقال للدليل "دلل" في العربية الجنوبية، والأغلب أنهم كانوا ينطقونها على نحو ما ننطقها بها في عربيتنا. وأما الجمع ف "دلول، أي أدلاء.
وكان لا بد لكل قائد من الاستعانة بدليل إذا ما أراد التفويز، فقد يهلك الجيش من العطش والجوع ويخطىء هدفه أو يصير فريسة في مخالب من يقصده، إن لم يستعن بدليل خريت مجرب، له علم بالبادية علمه ببته. وكان للقبائل أدلاء عركوا المفاوز وخبروها وعرفوا معالمها ومواضع الماء فها، وكان لهؤلاء فضل على قبائلهم، لا يقل عن فضل الفرسان عليها، لأنهم ما. أسباب النصر. ولما كتب "أبو بكر" إلى "خالد ين الوليد" يأمره بالمسير إلى بلاد الشام، دل على "رافع بن عميرة الطائي" وكان دليلا خريتا، وبفضل علمه بالطريق وبنصحه القيم لخالد في كيفية عبور المفازة، وصل الجيش سالما إلى بلاد الشام.
(1/2953)
وقد فعل الجاهليون ما تفعله القوى المتحاربة في كل وقت من اللجوء إلى التأثير في خصومهم باستخدام "الحرب النفسية". أي التأثر في نفوس الخصوم حتى يشعر انه دون خصمه، كأن يتظاهر بأن عدده أقوى وأكثر عددا من عدد خصمه، بتوسيع رقعة معسكره وايقاد النيران الكثيرة وإحداث أصوات مرتفعة، تشعر المتلصص للاخبار ان الجيش جرار، وان عدده كبير. وبذلك يخافه خصمه وترتعب نفسه. ولما نزل المسمون "حمراء الأسد"، "كانوا يوقدون تلك الليالي خمسمائة نار،، وذهب صوت معسكرهم ونيرانهم في كل وجه، فكبت الله تعالى عدوهم".
ويعمد الجيش أو القسم منه إلى التستر وألتخفي لمباغتة العدو ومفاجأته، كأن نقص ورقتين الى أية هزيمة بالمعنى المفهوم إنما ينسحب أحد الطرفين ويتراجع إلى مكانه فتنتهي بذلك تلك الحرب.
وإذا برز المبارز، فيعلم على رأسه في الغالب، بأن يلبس سامة خاصة أو عصابة او يضع ريشة. يتباهى بها، وقد يستعملون الخوذ، إلا أنها كانت قليلة الاستعمال لدى الاعراب، لغلاء ثمنها عندهم. وقد كان "أبو دجانة" يختال عند الحرب إذا كانت، وكان إذا أعلم رأسه بعصابة له حمراء، علم الناس أنه سيقاتل.
ويقسم المحاربون قواتهم إلى مجنبة وقلب: مجنبة يمنى تهاجم أو تحمي الجانب الأيمن، ومجنبة يسرى تحارب وتدافع عن الجانب الأيسر من المحاربين. أما القلب، فيكون واجبه الهجوم أو الدفاع من الوسط، أي وسط الجيش. وقد تقوم المجنبتان بالهجوم لتطويق العدو وحصره في دائرة، تضيق عليه. وفي معركة "يوم نخلة" من أيام الفجار، كان حرب بن أمية في القلب، وعبد الله بن جدعان وهشام بن المغيرة في المجنبتين.
وتوضع أمام الجيش أو المحاربين مقدمة، تتقدم المقاتلين، يكون واجبها حماية القسم الأكبر من الجيش الذي يكون وراءها، وارسال المعلومات عن العدو واشغاله بالقتال إن وقع حتى يأتي المحاربون. ويقال للمقدمة "مقدمت"، أي "مقدمة" في السبئية، وللذي يتولى أمرها ويقودها: "قدم".
(1/2954)
ويقال لطليعة الجيش، وهي التي تتقدم الجيش، للقاء العدو وللوقوف على أمره وخبره "نذيرة الجيش".
ولما ندب رسول الله المسلمين لفتح مكة، قسم الجيش الى جنبتين،،وهما: الميمنة والميسرة، والقلب بينهما. وكان ترتيب الجيش إذ ذاك على خمس فرق: المقدمة والقلب والميمنة والميسرة والساقة. ولهذا كان يسمى خميسأ. وجعل رسول الله على "الحسر"، وهم الذين لا دروع عليهم "أبا عبيدة". ويقال لهم "البياذقة"، وهم الرجالة، واللفظة فارسية معربة، سموا بذلك لخفة حركتهم وانهم ليس معهم ما يثقلهم. وقد كانت اللفظة معروفة في أيام الرسول. وهم رجالة لا دروع عليهم، أي حسرا.
وقد استخدمت هذه التعبئة الخماسية في اللقاءات الكبيرة، أي في الاشتباكات الضخمة، التي ممكن أن نسميها "حروبا"، أما في الغارات وفي الغزو فكانوا يتبعون طريقة المباغتة والهجوم من كل جانب يمكن الهجوم منه.
ويقال للقطعة من الجيش يمر قدام الجيش الكبير "منسرت" "منسرة"في السبئية، ويراد بها "المنسر" في عنبيتنا. ورد في النص: jamme 631 "ومنسرت خمسن"، أي "ومنسرة الجيش"، أو "ومنسر الجيش" بتعبير أفصح.
ويذكر علماء اللغة ان "الكردوس" القطة من الخيل العظمية. والكراديس الفرق منها. فالكردوس إذن حسب هذا التعريف القطعة من القوات الراكبة المحاربة.
وقد كان النظام العشري في تنظيم الجيش، هو النظام المتبع في الأرضين التابعة للانبراطورية اليونانية وفي الأرضين المتأثرة بثقافتها، فلا يستبعد أن يكون تأليف الجيش في اليمن في أيام احتلال الحبش لها على هذا الأساس أيضا. وأصغر وحدة عسكرية وفق هذا التقسيم، هي الوحدة المكونة من خمسة جنود، تليها وحدة مؤلفة من عشرة ثم من مضاعفات العشرة. ويحكم كل وحدة ضابط يدير شؤونها ويقوم بتدريبها وبالاشراف على سيرها و ادارتها في أثناء السلم وفي أثناء القتال.
(1/2955)
-
وقد يكون القتال صفوفا، بأن يتقدم المحاربون فيحاربون صفا صفا، وذلك إذا كان المحاربون كثيرين. والى هذا النظام أشير في القرآن الكرم: "إن الله محب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم. بنيان مرصوص ". وقد اتبع علي بن أبي طالب هذه الطريقة في يوم صفين. وأشار اليها في خطبته في أصحابه يعلمهم كيفية القتال.
أما في حروب القبائل وغزو بعضها بعضأ، فتكون المباغتة هي الأساس في الحرب، وتقوم على مهاجمة العدو بغتة ومفاجأة وهو في عقر داره أو في الموضع المتجمع فيه. وتتوقف المباغتة على حساب القائد وعلى حنكته في تقديره موقف عدوه. ويكون للماء الفضل الأكبر في النصر وكسب الحرب، لما له من شأن خاص في البوادي. لذلك كان يحسب له سادات القبائل الذين يقودون قبائلهم في القتال والغزو حسابا كبيرا، فيحمون معهم مقادير كبيرة مهنه تكفيهم المدة التي يقدرونها للقتال، أو يحاولون استباق عدوهم إلى مواضع الماء للسيطرة عليها، فإذا جاء العدو حرم الماء واضطر إلى استهلاك ما يحمله منه. وقد يؤدي نفاده إلى هزيمته وفراره. ويقال للمباغتة ولأخذ العدو بصورة مفاجئة "بحض" في لغة المسند.
ويعبر عن الحملة، أي عن الجماعة من الجيش تزحف على عدو ب "برث" في المسند.
(1/2956)
وقد عرف قادة الجيوش أهمية طبيعة الأرض في كسب النصر وفي الدفاع. لذلك كانوا إذا تحاربوا تسابقوا إلى مواضع الماء لتكون في مؤخرتهم حتى يستقوا منها لي يمنعوا العدو من الشرب منها، كما كانوا يضعون الشمس عند ظهورهم حنى لا تؤثر على أعينهم، ويرتقون المرتفعات حتى يصب على العدو الارتقاء إليهم بفعل الحجارة أو النبال التي ترمى عليه. فلما كان يوم شعب جبلة صعدت بنو عامر إلى الشهب، ووضعت نساءها وما معها من الإبل والمؤن عليه. وكانت قد أعطشت إبلها وعقلتها، وصارت هي دونه. فلما وقع القتال: اشتد عمدت بنو عامر إلى الحيلة وإلى تنفيذ خطة كانت قد وضعتها فأخذت تتابع وتزحف نحو أعلى الشعب، وصار العدو يتعقبها حتى بلغوا وسط الجبل. فقال الأحوص قائد بني عامر، حلوا عقل الإبل ثم احدروها، واتبعوا آثارها، وليتبع كل رجل منكم بعيره حجرين أو ثلاثة ففعلوا، ثم صاحوا بها فلم يفجأ الناس إلا الإبل تريد الماء والرعي وجعلوا يرمونهم بالحجارة والنبل وأقبلت الإبل تحطم كل شيء مرت به. فانحط العدو منهزما، فلما بلغ السهل لم يكن لأحد منه همة إلا أن يذهب على وجهه، فجعلت بنو عامر تقتلهم وتصرعهم بالسيف فانهزم عدوهم شر هزيمة.
ولتقوية معنويات المحاربين في أوقات العسر والخطر، ولبعث الحمية في نفوسهم يقيد الرؤساء أنفسهم بقيود، مجتمعين أو فرادى، ثم يعلنون أنهم لا يبرحون مكانهم هذا حتى يهلكوا أو يربحوا. وقد كان العجم يضعون السلاسل في أرجل المحاربين لمنعهم من الفرار، ولإجبارهم على الاستماتة في القتال.
وقد كان كثير من المحاربين يأخذون زوجاتهم وذراريهم معهم في المعارك، ينقلونهم معهم وكأنهم ذاهبون إلى سفر أو رحيل إلى بلاد جديدة. وحكمتهم من ذلك أن الرجل منهم إذا رأى خلفه أهله وماله، قائل عنهم. ولعلهم كانوا يستعينون بهم في جمع الغنائم والأسلاب وحراسة ما يقع في يد المحارب من أسرى.
(1/2957)
وكانوا يضعون أسرهم وإبلهم ومؤنهم وظعائنهم في مؤخرة الجيش، وذلك حتى تكون في مأمن من العدو بعيدة عنه، وتكون بذلك مدعاة لنصر.
وقد استعانوا بالنساء في حروبهم، وأوكلوا إليهن أعمال الإسعاف وضرب العدو وقاتلته في أوقات الشدة. فلما قاتلت "بكر بن وائل" "بني تغلب"، قال "الحارث بن عباد" للحارث بن همام بن مرة، وكان على "سكر بن وائل": "إن القوم مستقلون قومك، وذلك زادهم جراءة عليكم فقاتلهم بالنساء! قال له الحارث بن همام: وكيف قتال النساء? قال: قلد كل امرأة إداوة من ماء وأعطها هراوة واجعل جمعهن من ورائكم فإن ذلكم يزيدكم اجتهادا وعلموا بعلامات يعرفنها، فإذا مرت امرأة على صريع منكم عرفته بعلامته فسقته من الماء وكشفته وإذا مرت على رجل من غيركم ضربته باهراوة فقتلته وأتت عليه فأطاعوه. وحلقت بنو بكر يومئذ رؤوسها استبسالا للموت وجعلوا ذلك علامة بينهم وبين نسائهم، واقتتل الفرسان قتالا شديدا، وانهزمت بنو تغلب ولحقت بالظعن بقية يمومها واتبعموا سرعان بكر بن وائل".
وقد اشركوا اصنامهم معهم في الحروب، واشركوا معهم لتمن عليهم بالنصر والتاييد. وقد سقطت اصنام القبائل العربية اسيرة بايدي الاشورين، وكانوا قد حملوها معهم للتبرك بها ولاكتساب النثصر، فاسرها الاشوريون. واظطر الاعراب على مراجعتهم لاعادتهم اليهم. وفي يوم "الزورين"،وهو لبكر على تميم، اخذت تميم بعيرين مجللين، فعقلوهما، وقالوا هذان زورنا، أي إلهانا لن نفر حتى يفرا، وهزمت تميم ذلك اليوم. وأخد البكران فنحر أحدهما وترك الآخر يضرب في شولهم. ويذكر إن "الزور" كل ما يبعد من دون الله،كالزون. والزون الصنم.
(1/2958)
والفرسان هم الة الحرب الحاسمو، وعليهم يقع معظم ثقل المعارك وقد كانت معظم معارك الجاهلية معارك فرسان، يكون المحاربون الاخرون فيها وكانهم متفرجون، يساهمون في المعركة بأصوات التشجيع والحث على الاستماتة في القتال،. وقد يدخل القائد نفسه المعركة ليقاتل خصمه وللفرس بالطبع منزلة كبيرة في نفوس قومه، لأنه هو المدافع والمهاجم والآخذ بالثأر.
وقد حفظت كتب الأخبار أسماء جماعة من فرسان للجاهلين وشجعانها ممن كان لهم شأن يذكر في الشجاعة في تلك الايام، من هؤلاء: ربيعة بن مكدم من بني فراس بن غنم بن ملك بن كنانة، وكان كما يقول أهل الأخبار يعقر على فبرة في الجاهلية، ولم يعقر على قبر أحد غيرة فعلوا ذلك تكريما وتعظيما له. وقد ذكر قبره وعقر الناس عليه في شعر بعض الشعراء.
ومن بقية فرسان العرب في الجاهلية: عنترة الفوارس،بن الحارث ابن شهاب، وأبو براء عامر بن مالك ملاعب الأسنة، وزيد الخيل، وبسطام ابن قيس، واحمير السعدي، وعامر بن الطفيل، عمرو بن عبد ود، وعمرو ابن معد يكرب، وبسطام بن. مسعود الشيباني سيد شيبان، قتله عاصم بن خليفة. الضبي يوم الشقيقة.
ويقال للفارس، أي لراكب الفرس "فرس" في العربية الجنوبية، ولما كانت الكتابة العربية الجنوبية لا تشكل الحروف ولا تضبط كيفية النطق بها، لذلك فمن الجائز أن العرب الجنوبيين كانوا ينطقون بها على نحو ما تنطق بها في عربيتنا أي "فارس". وأما الجمع في تلك اللهجة، فهو "افرس" "أفرس"، أي "فرسان".
(1/2959)
وقد كانت لسرعة الفرسان أهمية كبيرة في نتائج القتال. إذ كانوا ينقضون على المحاربين المشاة وعلى المدن أو القبائل انقضاض الصواعق، ويربكوا الخصم فيمهدوا بذلك لمشاتهم من التغلب على العدو. ويظهر من الكتابات التي يعود عهدها إلى ما قبل الميلاد أن عدد الفرسان في الجيوش العربية الجنوبية المحاربة لم يكن كبيرا، وأن أكبر عدد منها لم يتجاوز عن بضع مئات. وسبب. ذلك على ما يظهر قلة وجود الخيل إذ ذاك. ولا يستبعد أن يكون استيراد الخيل إلى هناك من عهد غير بعيد بعدا كبيرا عن الميلاد.
أما الذين يقاتلون وهم على ظهور حيوانات أخرى، كالجمل وهو في الغالب، فيقال لهم "ركبم" "ركب"، أي "راكب". وقد عرف العرب بقتالهم وهم على ظهور الجمال. وفي الكتابات الآشورية وكتابات المسند صور عرب وهم يحاربون من على ظهور جمالهم، وذلك لقلة وجود الخيل عندهم في ذلك الوقت.
وللجاهلين آراء في كيفية الاستفادة من الخيل في القتال، فكان خالد بن الوليد لا يقاتل إلا على أنثى، لأنها أقل صهيلا من الفحل، وكانوا يستحبون أناث الخيل في الغارات وفي "البيات" أي الإغارة على العدو لبلا،ولما خفي من أمور الحرب. وكانوا يستحبون فحول الخيل في الصفوف والحصون والسير والعسكر ولما ظهر من أمور الحرب، وكانوا يستحون خصيان الخيل في الكمين والطلائع، لأنها أصبر وأبقى في الجهد.
ويعبر عن الجرح ب "زسخنت" "زخنة"، وب "زسخن" عن فصل يجرح، وذلك في العربية الجنوبية.
التحصينات
(1/2960)
وتدافع بعض المستوطنات، مثل قرى الريف والمدن، عن نفسها بإنشاء تحصينات تقيها من هجمات عدو ما. وتشمل هذه التحسينات حفر خندق وإقامة أسوار، وإنشاء أبراج وحصون وآطام وأمثال ذلك. وقد كانت مدينة الطائف ذات سور حصين، تغلق أبوابه آناء الليل وأيام الخطر، وقد تحصنت به ثقيف يوم حاصرهم الرسول. وقد عثر على آثار أسوار في خرائب مدن اليمن، تدل على إن تلك المدن كانت مسورة محصنة، وقد عثر على آثار قلاع وحصون وأبراج في تلك الأسوار على مسافات وأبعاد معينة تشير إلى إنها كانت لتحصين السور وللدفاع عنه ولضرب الأعداء عند محاولتهم الدنو منه.
وتعرف أبراج السور المقامة لحمايته ولتقويته ولضرب العدو منه ب "فنوت" في العربيات الجنوبية، ويطلق العبرانيون هذه اللفظة على مثل هذا البرج أيضا.
ويقال للحصن والبرج "مكدل" "مجدل" في العبرانية. وبهذا المعنى ترد اللفظة في عربيتا كذلك. وقد ذكر علماء اللغة ان الاجتدال: البنيان، وجاء في شعر للأعشى: في مجدل سد بنيانه يزل عنه ظفر الطائر
وتستعين القرى بالمجادل في الدفاع عن نفسها، وتكون أبراج مراقبة أيضا، يراقب منهاالعدو، وتكون مواضع دفاع لأهل القرى، أو العشر، حيث لا أسوار تحمي ولا خنادق تعيق العدو من التقدم.
ويعبر عن تحصن المواضع وتقويتها لتتمكن من الدفاع عن نفسها بلفظة "تمنع" في السبئية، أي إكساب الموضع مناعة.
ولم يكن في وسع الحكومات أو الإمارات والمشيخات تحصين كل المستوطنات والقرى لما يتطلب ذلك من جهد ومال. ولقلة عدد سكان هذه الأماكن قلة تجعل من الصعب عليهم أن يقوموا وحدهم بإنشاء حصون وإقامة تحصينات وبناء أسوار وحفر خنادق. ولذلك احتمى سكان أمثال هذه المستوطنات بحصون الإقطاعيين الذين أقاموها لحماية ممتلكاتهم وأموالهم وأهليهم وذراريهم، وبوسائل دفاع أخرى لا تكلفهم كثيرا لضمان سلامتهم وسلامة أموالهم ومقتنياتهم في السلم والحرب.
(1/2961)
أما المستوطنات الكبيرة، من درجة مدينة، فإنها تحاط في الغالب بأسوار لها أبواب تغلق، في الليل، فلا يسمح بالدخول أو الخروج منها، ويحافظ عليها، ولا سيما في أثناء الخطر، حراس يسهرون عليها لمنع أي عدو طامع في المدينة من الوصل إليها. ويقال لهذه المدن "هكر" "هجر" في العربيات الجنوبية. فحيث ترد لفظة "هكر" في المسند فإنما تعني مدينة ذات أحياء وسكان كثرين، ولها أسوار في الغالب تحميها من هجمات الأعداء.
وتعبر العبرانية عن المدينة المحصنة المحاطة بسور، بلفظة "عر"، وذلك لتمييزها عن المدن المحصنة بحصون، والتي يقال لها "عر مبصر" Ir Mibsar، وعن القرية التي يقال لها "حصر" "حصور" و "قره" "قريت"، وتكون غير مسورة. أما "العر" في العربية الجنوبية. فبمعنى "حصن"، وموضع محصن. وتطلق اللفظة على المواضع المحصنة بعر، أي حصن " أي في معنى قريب من المعنى الوارد في العبرانية. وتذكر كتب اللغة أن العرار: القتال، وأن العرة الشدة في الحرب. فللفظة صلة بالقتال إذن. ويوجد موضع يقع في ملتقى طرق يقع في "وادي مسيلة" يسمى "حصن العر بني على مرتفع صخري بارز كان حصنا مهما لحماية الأرضين المحيطة به ولحماية للقوافل للتي تمر بهذا الوادي المهم. ولا تزال بقايا هذا الحضن باقية،وقد أقيمت جدره من حجارة صلدة نضدت بعضها فوق بعض تنضيدا جيدا، وقد صقلت الأحجار صقلا يدل على مهارة، وقد تألف الحصن من غرف كثيرة، ويبلغ طوله "95" مترا. وبه اثار معبد، وآبار لاستخراج الماء منها للشرب وللاستعمال.
ويعبر عن المانع الذي يحول بين العدو وبين الدنو من المكان الذي يريده ب "حبل" في العبرانية.- أي "الحائل" ويراد به الخندق. وقد ورد في كتب اللغة ان "الحيل" الماء المستنقع في بطن واد. و "الحائل" هو المانع، أي الحاجز الذي يحجز أهل الموضع الذي تحصن الناس به عن عدوهم، وهو سور أو خندق أو أي شيء آخر يتخذ للدفاع عن النفس.
(1/2962)
ومن بين الحوائل والموانع التي استعملها.الجاهليون لصد العدو من الزحف على بلادهم أو التسلل إلى أرضهم سد الممرات الجبلية والأودية ومفارق الطرق المهمة، ببناء جدر وأسوار لتحول بين المرور وللتسلل إلا بأمر وتخويل، ويكون المرور عندئذ من الأبواب المخصصة للعبور فقط. ومن أمثلة ذلك سد "أبنة" "لبنة" الذي أقيم في وادي "أبنة" ليسد الطريق على القادمين أو الذاهبين من "شبوة" إلى ميناء "قنا" "قنى" "قانة" cane المهم. وقد بنى عند مضيق يبلغ عرضة "80 ا" مترا، أما ارتفاعه فجعل حوالي خمسة أمتار، فاما ثخنه فحوالي المترين، وقد بني بحجارة مصقولة صقلا جيدا ورصف رصفا حسنا وربط بينها ملاط قوي شد الأحجار شدا. وقد جعل له باب عرضه خمسة امتار يمكن غلقها بإحكام، ولزيادة مقاومتها توضع صفوف من الأحجار الثقيلة خلفها أيام الخطر، فتسد بها وتكون وكأنها قد سدت بجدار قوي سميك. وهناك آثار جدر أخرى أقيمت لغايات مماثلة تقع في "وادي العروس" "وادي عروس" وفي "عنصاص" ويرجع تأريخها إلى حوالي القرن الثالث قبل الميلاد.
وتختلف الأسوار من حيث المتانة و التحصينات والمواد التي تبنى بها باختلاف قدرة المدن المالية، فبعضها ذات أسوار ثخينة متينة، لها تحصينات قوية، يحتمي بها المدافعون لمقاومة المهاجمين ولرميهم بمعدات المقاومة، لها مزاغل و فتحات ينظر منها المدافعون إلى أعدائهم، فإذا اقتربوا من السور، رموهم بالسهام وبالحجارة وبالمواد المشتعلة، وسكبوا عليهم الماء الحار او الزيت المغلي إذا ارادوا إحداث ثغرة فيه و قلع الأبواب وكسرها.
(1/2963)
وعند أبواب الحصن أو أبواب المعابد أو المباني العامة أو الشعاب، تكون رحاب، يتخذها سكان المدن مواضع يبيعون فيها ويشترون وأماكن للتجمع. وتعرف الواحدة ب "رحبة" وتسمى "رحبوت" ? "رحب" في العبرانية. وفيها تعقد الاجتماعات العامة، وتجمع الناس لسماع الأخبار، وفيها تنفذ الأحكام العامة، مثل تنفيذ أحكام الاعدام والاعلان بالمجرمين. وتكون مرابد تنعقد فيها الأسواق أيام الأسبوع، أو في أيام خاصة منه، أو في السنة.
وأبواب المدة المسورة، هي المنافذ الوحيدة التي يدخل منها الناس ويخرجون. وتختلف في السعة، فبعضها أبواب واسعة في كل منها مصراعان، ولبعضها مصراع واحد. وتكون ثخينة متينة، وقد تقوى بكسوتها، بطبقة من حديد أو، من معدن آخر، ليكون في امكانها مقاومة المهاجمين، فلا تتحطم وتنهار بسرعة، ولا تأكلها النار، وتغلق بمغاليق متينة. تقوى بحجارة وبأخشاب متينه عند حدوث خطر ما. وأما المجازات التي تلي الأبواب وتؤدي إلى الرحاب، فهي مختلفة الأشكال. ويحتمي بها المدافعون أيام الخطر لأ لسدها، ولشد أزر الأبواب على الوقوف صامدة أمام المهاجمين. وقد يواجه الباب، جدار متين، يجل المجاز على هيأة غرفة، يخرج الناس ويدخلون في ركن من أركانها يربط بن المجاز والرحبة المؤدية الى الشعاب. وذلك ليكون من العسير على المهاجمين الولوج في المدينة عند تمكنهم من تحطيم الابواب. وقد يقوى الباب ببرج يبنى فوقه، يكمن فيه ألمقاومون، لرمي العدو ولإلحاق الأذى به إذا ما حاول مهاجمة الباب.
(1/2964)
وتسد منافذ شعاب المدن بأبواب كذلك،لتقي من في الشعاب من أخطار الأشرار والمعتدين. وتغلق هذه الأبواب في الليالي. وقد تحاط الشعاب بسور يمتع الناس من الدخول الى الشعب إلا من الباب المؤدي اليه. وفي المدن الملكية، تحاط قصور الملوك ومخازنهم ومداخرهم بأسوار قوية تحميهم من المعتدين. وقد تبنى قلاع في مواضع مرتفعة من المدن، أو على تلال صناعية ليقاوم منها الناس عند انهيار المقاومة الخارجية، فتكون بذاك آخر وسائل المقاومة قبل الاستسلام.
أما القرى، فيدافع عنها بحصون وآطام وبمجادل وذلك لفقر أهلها وعدم تمكنهم من إقامة سور قوي يحمي القرية. وقد كان يهود الحجاز الساكنون في شمال المدينة، قد حصنوا قراهم بآطام يلجأون اليها ويحتمون بها أيام الخطر. وقد عرفت هذه الحصون عندهم ب " آطام" و واحدها "أطم". وأما القرية، فهي "قرية" في العبرانية، وتسمى ب "قريتا Keritha " في لغة بني إرم.
ويقال للحصن "الأجم" والجمع "آجام"، وقد ورد ذكر الأجم في شعر لامرىء القيس: وتيماء لم يترك بها جذع نخلة ولا أجما إلا مشيدا بجندل
ويقال للحصن "الأطم" كذلك، والجمع آطام. ولا تزال آثار آطام جاهلية باقية في الحجاز وفي نجد وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب وفي "وادي الحفر" بنجد، ويعرف ب "حضر بني حسين"،آثار قصور وآطام جاهلية وآبار كثيرة. وذكر بعض علماء اللغة أن الآطام: القصور والحصون، وخصصها بعض آخر بالدور المسطحة السقوف. وقد اشتهر "الأبلق"،وهو حصن "السموأل ابن عادياء" في التأريخ،وهو في تيماء. وورد اممه في شعر للاعشى مدح به السموأل. وكانت الأوس والخزرج تتمنع بالآطام،وتحارب عليها، وقد أرخت بحرب وقعت فيما بينهم بها، فقالوا: "عام الاطام"،وقد أخربت في أيام عثمان. ويقال للأطم: الأجم أيضا.
(1/2965)
فكانت الآطام هي وسائل الدفاع عند أهل يثرب، إذ لم يكن حولها سور يحميها من غزو الأعداء. فكانوا إذا حوصروا أو وقع غزو عليهم، لجأوا إلى آطامهم يتحصنون بها ويقذفون من أعاليها بما عندهم من وسائل دفاع لمنع العدو من الدنو منهم ولإلحاق الأذى به. وهي جملة آطام تملكها البيوتات العريقة وسادات الشعوب المكونة ليثرب والقائمة على أساس التقسيم العشائري.
والآطام بيوت السادات ورؤساء القوم، يلجأ اليها الناس للدفاع عن أنفسهم وعنها وقت الخطر. ويظهر من شعر أوس بن مغراء السعدي: بث الجنود لهم في الأرض يقتلهم ما بين بصرى إلى آطام نجران
أن نجران كانت ذات آطام كذلك.
وذكر أن باليمن حصن يعرف بأطم الأضبط، وهو الأضبط بن قريع بن عوف بن سعد بن زيد مناة. كان أغار على أهل صنعاء وبنى بها أطما. ونسبوا له شعرا، من هذا الشعر الذي يحمل طابع العصبية القبلية، والحقد على اليمن. يذكر فيه أنه شفى نفسه من "ذوي يمن"، بالطعن في اللبات والضرب، واباح بلدتهم، وأقام حولا كاملا يسبى، وبنى أطما في بلادهم ليثبت تغلبه عليهم، وليكون أمارة على قهره لهم.
وقد اشتهر أطم "الضاحي" بالمدينة. وهو أطم بناه "أحيحة بن الجلاح" من سادات يثرب ب "العصبة" في أرضه التي يقال لها "القنانة".
وكان دفاع اهل الحيرة عن مدينتهم وفق هذه الخطة أيضا. فقد كانت المدينة "قصورا" كل قصر لعائلة كبيرة، هو مسكن لها، وهو مخزن ومستودع وحصن تتحصن به عند وقوع خطر على المدينة. وبه مواضع في اعلى القصر لرمي الأعداء، ويلجأ أتباع أصحاب القصور إلى هذه القصور أيضا للمساهمة في الدفاع عنها وفي حماية أنفسهم من الأذى. ولما حاصر المسلمون الحيرة، كان حصارهم لها هو حصار قصورها،فكانوا يحاربون القصور حتى غلب المسلمون أهلها فاستسلمت عندئذ لهم.
(1/2966)
ولحماية السور ولمنع العدو من الوصول اليه والدنو منه، سفر خندق حوله، ليمنع الغزاة والمحاربين من الوصول اليه. يحفر عميقا وعريضا جهد الامكان، فعلى عرضه ومقاومته تتوقف مقاومته للعدو. ولما حاصر المشركون المدينة، أمر الرسول بحفر خندق حولها، ليمنع المشركين من الوصول اليها. وقد ذكر: أن سلمان الفارسي، هو الذي أشار على الرسول بحفر الخندق، بعد أن تباحث مع أصحابه في الوسائل التي يجب اتخاذها لحماية المدينة. وزعم أهل الأخبار: أن أهل الحجاز لم يكن لهم علم بالخنادق، وأن المسلمين كانوا في قلق شديد وخوف من تغلب قريش عليهم، فذكر سلمان لهم طريقة أهل بلاده في الدفاع عن مدنهم، فأخذوا برأيه. فلما رأت قريش الخندق، عجزت عن اقتحامه،ونجت يثرب منهم به. وزعموا أيضا: أن لفظة الخندق، هي لفظة معربة عن الفارسية. وإذا أخذنا برأي هؤلاء أصحاب الأخبار، وجب اعتبار تأريخ دخولها إلى العربية منذ هذا الحادث إذن. ويطلق العبرانيون لفظة "حيل"، أي حائل، على الخندق.
وانا أشك كثيرا في موضوع جهل أهل مكة والمدينة بأمور الخنادق، وفي قصة أن "سلمان الفارسي" كان أول من علم المسلمين حفر الخنادق، وذلك لأن أهل اليمن كانوا قد أحاطوا مدنهم بالخنادق لتعوق المهاجمين عن بلوغ الأسوار، كما أن أهل فلسطين كانوا يحيطون مدنهم بالخنادق أيضا،وقد كان لأهل الحجاز اتصال وعلاقات بالمكانين وبالعراق أيضا، وقد زاروا مدنا أحيطت بالخنادق، فلا يعقل أن يكونوا على غفلة من أمرها. والظاهر أن الرسول كان قد جمع أصحابه حين داهمه المشركون ليستشيرهم بصورة عاجلة في كيفية الدفاع عن "يثرب" بعد أن هددها الكفار، فبين كل صحابي رأيه، وكان من رأي "سلمان" حفر خندق ليحول بيتهم وبين دخول المدينة، فأخذوا الرسول برأيه، وحفر الخندق، وبه سميت المعركة "معركة الخندق". فصور "سلمان الفارسي"،وكأنه أول من علم أهل الحجاز حفر الخنادق.
(1/2967)
ويظن أن لفظة "خبزت" التي ترد في النصوص المعينية و،غيرها إنما تعني "خنادق" و منخفضات صنعت لحماية الأسوار والمتاريس،والقلاع حتى تمنع العدو و والمهاجمين من الدنو منها.
وتؤدي لفظة "صحفت" معنى خندق أيضا، وربما تؤدي معنى حاجز مائي يملأ بالماء حتى يمنع المهاجمين من الدنو إلى الموضع المحصن.
وقد كان الأغنياء وأهل القرى والمدن يستخدمون رقيقهم في الدفاع عنهم.
وقد كان أهل مكة مثلا قد جعلوا من أحابيشهم قوة عسكرية تحارب معهم. وتقاتل عنهم بأسلحتهم وبطريقة قتالهم التي ألفوها في بلادهم،.مثل القتال بالحراب، أو الرمي بالنشاب. وقد عرف هؤلاء بالأحابيش. ولعلهم استخدموا الرقيق الأبيض المجلوب من بلاد الروم ومن أماكن أخرى في تنظيم أمور الدفاع وإدارة القتال لخبرتهم ودرايتهم في أساليب القتال المدنية، كالذي فعله الرسول من استشارته سلمان الفارسي في أمر الدفاع عن المدينة يروم حاصرتها قريش، فكان أن أشار عليه بحفر خندق حولها لي يعوق تقدم قريش من المدينة، ففعل كما يشير الى ذلك أهل السير والأخبار.
والمصانع الأبنية وقد وردت "مصانع" في الآية الكريمة )( وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون(. بمعنى الحصون المنيعة. و "مصنعت" "مصنعة" في الحميرية بمعنى حصن. وذلك كما في هذه الجملة المقتبسة كل من نص "أبرهة" المدون على سد مأرب: "مصنعت كدر"، أي "حصن كدر". ولا تزال لفظة "مصنعة" مستعمله حتى اليوم في العربية الجنوبية في معنى قلعة وحصن. وقد اشتهرت حمير بمصانعها.
والمصانع: القرى التي ويظهر أنها إنما دعيت بذلك لوجود المصانع بها. واحدتها: مصنعة. أي حصن. يدافع به عن المتجمعين حوله.
(1/2968)
و "القلعة" على ما يظهر من أقوال علماء اللغة، الحصن على الجبل، والحصن الممتنع في جبل، والحصن المشرف. تبنى في المواضع المرتفعة لتشرف على ما تحتها، ولتراقب العدو، وتكون بها حامية، وقد يتحصن بها أهل الموضع عند دنو خطر عليهم، فيصعب على العدو الوصول اليهم، لوعورة الأرض، وامتناع القلعة، وتسلط من فيها على من يريد بلوغهم، بما يمطرونه به من أسلحة الدفاع.
و "الحصن" ما يتحصن به. يتخذ في مواضع حصينة مثل المرتفعات وعلى الأنهار وعند الآجام، لزيادة حصانته، وقد يتخذ في مواضع خطرة مكشوفة ليدافع عنها. فيحصن بتحصينات قوية من سور متين وجدر سميكة ومتاريس وابراج، لتصد من يريد مهاجمته. وتكون الحصون برية وبحرية : ولا تزال آثار حصون جاهلية قائمة في مواضع من جزيرة العرب، صنع بعض منها من "اللبن" والطين، وذلك في البوادي وفي المواضع التي لا توفر بها الحجارة، والمواضع الفقيرة التي يصعب على أهلها بناء حصونهم من الآجر.
و "البرج" الحصن، وقيل: بروج سور المدينة والحصن، بيوت تبنى على السور ؛وقد تسمى بيوت تبنى على نواحي أركان القصر بروجا. وتكون البروج مرتفعة. وقد تبنى منفردة، ولكن الأغلب بناؤها على الأسوار. والكلمة من الألفاظ المعربة عن اليونانية.
(1/2969)
وكان يهود الحجاز قد ابتنوا الحصون و الآطام، للدفاع عن أنفسهم وأموالهم في السلم والحرب. فكانوا يخزنون فيها أموالهم وحصادهم وثمرهم وكل غال ثمين عندهم، وكانوا يدخلون اليها عند الظلام، فينامون فيها، خشية غزو أحد لهم، واعتداء غريب عليهم. فإذا طلع الصبح، خرجوا إلى مزارعهم ومواضع عملهم للاشتغال فيها إلى وقت المغيب. وكانوا يدخلون اليها حيواناتهم كذلك خشية سلبها ونهبها. أما في الغزو وفي القتال، فكانوا يعتصمون بها ويقذفون مهاجمهم بالصخور والحجارة وبوسائل الدفاع الأخرى من أعالي الحصون ومن الأبراج المشيدة فوقها. وقد وردت في كتب السير والتأريخ أسماء عدد من حصون اليهود في خيبر وفي أماكن أخرى وذلك في غزوات الرسول ليهود.
ويعبر عن الحراس الذين يحرسون شيئا ويدافعون عنه، مثل حراس الحصون والقلاع وأبواب المدن أو حرس الضباط والكبار بلفظة "مسجت" "مسكت" "مسكة" في السبئية أي في معنى "الماسكة"، وأما المفرد ف"مسج" "مسك"، أي الماسك.
(1/2970)
وقد استعمل الجاهليون آلات القذف والرمي وآلات الهدم الثقيلة في حروبهم كما يفعل الناس لهذا العهد. وهي آلات تبدو بسيطة مضحكة بالنسبة إلى آلات الخراب والتدمير المستعملة في الزمن الحاضر. قد يخجل الإنسان من التحدث عنها لأبناء هذا الزمان، ولكننا حين نتحدث عن الماضي وعن الأناس الماضين، فإننا لا نتحدث عنهم كما نتحدث عن أناس زماننا ولا نقيس انتاجهم على انتاجنا، وذلك لوجود فارق دقيق هو فارق الزمن. وهذا الفارق هو التطور الكبير الذي يقع للانسان كلما تقدم به الزمان ومرت عليه التجارب والاختبارات التي يطور الإنسان بها نفسه دوما ويزيد في علمه علما جديدا لم يكن معروفا عند القدماء. وسيأتي زمان تكون فيه اختراعات القرن العشرين، الاختراعات التي نفخر بها اليوم، ألاعيب أطفال بالنسبة الى اختراعات ذلك الوقت، واختراعات ذلك الزمان ألاعيب أطفال بالنسبة إلى من يأتي بعدهم، وهكذا إلى آخر الزمان. ولهذا لا نستطيع قياس الماضي على الحاضر بما أوجده من اكتشافات واختراعات على هذا النحو. وإنما نتحدث عن الماضي على أنه مرحلة من مراحل التطور اليشري، ودور مستمر لهذا التأريخ الذي لا نعرف مبدأه ولا منتهاه.
(1/2971)
وفي جملة هذه الآلات، الدبابة. وهي عبارة عن خشبة ثقيلة تعلق من وسطها ببرج من خشب مقام على عجلات ليمكن تحريكه نحو الهدف المراد هدمه أو سحبه منه أو نقله إلى أي مكان آخر. وقد غطى رأس الخشبة المتجه نحو الخارج، أي الرأس المتخذ للهدم، بغطاء من الحديد، ليكون سريعا فعالا في هدم المكان الذي يوجه اليه. ويقوم أشخاص يكمنون في الدبابة بتحريك الخشبة نحو الهدف، وذلك بتحريكها نحو الأمام والخلف بقوة، لتحدث ثغرة فيه و يختفي هؤلاء تحت ستار مثل سقف من خشب أو من جلود، ليحميهم من الحجارة أو السهام أو النيران أو المواد الساخنة التي يرميها المدافعون عليهم، لمنعهم من الاقتراب من السور، ومن هدمه. وقد أشير إلى هذه الدبابات في فتح المسلمين لخيبر وفي حصار الطائف، فذكر أن اليهود كانوا قد اختزنوا في حصن الصعب من حصون النطأة في بيت فيه تحت الأرض منجنيق ودبابات. وذكر أن المسلمين لما كان يوم الشدخة عند جدار الطائف، دخل نفر منهم.تحت دبابة، ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف ليخرقوه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل،، فقتلوا منهم رجالا وقد يكتفي المحاربون بسحب خشبة ضخمة نحو السور تحمل بعد ذلك على الاكتاف، فيضرب بها السور، ثم يتراجع حاملوها قليلا ثم يتقدمون ليضربوا بها السور، وهكذا إلى أن يتمكنوا من أحداث ثغرة فيه. و "القفع"، ضبر تتخذ من خشب يمشي بها الرجال إلى الحصون في الحرب. وقيل هي الدبابات التي يقاتل تحتها.
واستخدم "الكبش" في القتال،استخدم في اليمن بصورة خاصة، استخدم سلاحا من الأسلحة الثقيلة في قتال المدن والجيوش النظامية، وهو من خشب مكسو بجلود البقر مدبوغة بالقرظ، أو من جلود الإبل. يحتمي به المحاربون المشاة في هجومهم على الأعداء المتحصنين.
وقد وردت لفظة "كبش" في قول الشاعر "الحارث بن حلزة اليشكري": حول قيس مستلئمين بكبش قرظي كأنه عبلاء
(1/2972)
وفسرت لفظة "الكبش" المذكورة ب "السيد" وهو تفسير أرى أن فيه تكلفا واضحا وبعدا من المعنى، وأن الصواب هو أنها الآلة الحربية المذكورة، وأن الشاعر أراد ببيته المذكور وصف جماعة "قيس بن معد يكرب" الذين كانوا ملتفين حوله، مستلئمين بكبش من جلود سميكة غليظة مدبوغة بالقرظ، مرتفع عال حتى علباء، أي هضبة من ارتفاعه. والكبش بالنسبة للاعراب من الأسلحة ااتي يقل استعمالها عندهم، وهي من الأسلحة المانعة المؤثرة، ولذلك ذكرها الشاعر في شعره. وقد جاء بها "قيس" من اليمن ولا شك.
ومن آلات القذف والرمي إلى مسافات، المنجنيق. ويوضع فوق الأسوار لاستخدامه في رمي العدو المتقدم نحو ألحصن، أو في السفن لرمي سفن الأعداء أو في الأبراج أو في الخطوط الأمامية لرمي الأعداء المهاجمين. فهو في مقام المدفعية عندنا. وقد ورد في أخبار حصار المسلمين للطائف ان الرسو ل رمى أهل الطائف بالمنجنيق، وكان أول من رمي في الإسلام بالمنجنيق على إحدى روايات أهل الأخبار.وورد أن اليهود كانوا يستعملون المنجنيق، في الدفاع عن حصونهم. ويرجع بعض أهل الأخبار تأريخ استعمال المنجنيق في الجاهلية إلى "جذيمة الأبرش"، فهم يذكرون انه أول من رمى بالمنجنيق.
والعرادة من آلات الحرب كذلك، وهي صغيرة شبه المنجنيق.
عرف السور بالحائط كذلك. والحائط هو ما محيط بالشيء. وقد دعي سور الطائف بحائط الطائف في بعض كتب السير، وذلك لأنه يحيط بالمدينة. وقد كانت به أبواب تغلق في الليل. ولما اقترب منه المسلمون رماهم المدافعون عنه بالسهام، وكانوا يكمنون فوقه فقتل أناس من.المسلمين. و يكون أعلى الجدار الخارجي عاليا وبه فجوات صغيرة ليكمن ورائه المدافعون ولينظروا من خلال هذه الفجوات الأعداء، وليرموهم منها. ويبنى السور سميكا في أسفله، ثم يقل سمكه في أعلاه وذلك ليكون من الصعب على المهاجمين احداث فتحة فيه أو هدمه.
(1/2973)
ويكون عرضه في أعلاه كافيا لاختباء المدافعين ولمرورهم بسهولة. وتبنى أبراج في العادة فوقه للمراقبة ولرمي الأعداء، يختلف عددها باختلاف المدن، و باختلاف استطاعة البلدة وما تتخذه من وسائل لحماية نفسها من الأعداء.
ولحمل أهل المدن والقرى المحصنة على الاستسلام يتخذ المهاجمون أساليب الحيل ووسائل مختلفة للتضييق عليهم، وفي جملة ذلك قطع المياه عن المكان المحاصر إن كان الماء في خارجه. وذلك بسد المجرى وتخريب الآبار و الاحاطة بالماء لمنع الناس من الدنو منه، وبحرق المزارع والبساتين الواقعة في خارج المكان المحاصر، أو يقطع أشجارها وبأخذ الغلات،و بقطع كل اتصال للمكان بالخارج، وبالتشدد في ذلك حتى يضطر المحاصرون إلى الاستسلام أو عقد صلح مع المهاجمين. وقد كانت خطة حرق المزارع والبساتين من أهم العوامل المؤثرة على المحاصرين.، وذلك نظرا للخسائر المادية التي تلحقهم والتي لا يمكن تعويضها إلا بجهود وبأتعاب السنين.
ولجأ المحاربون الجاهليين الى سياسة حبس الميرة عن القبائل أو القرى والمدن لاخضاعهم واجبارهم على ترك المقاومة والاستسلام. يفعلون ذلك كما تفعل. الدول الحديثة في مقاطعة بعض الحكومات في الحرب وفي السلم لاجبارها على ترك سياستها أو على الاستسلام. وقد قاطعت قريش بني هاشمم حينما دخلوا في الشعب لاجبارهم على ترك الرسول وخذلانه على نحو ما هو معروف.
(1/2974)
كما وجهوا خططهم السوقية نحو النقاط الضيفة من مواضع الدفاع للمكان الذي يراد الاستيلاء عليه، مثل الأبواب والثلم التي قد تكون في الأسوار أو الحصون للاستفادة فى منها في مهاجمته. والأبواب، هي من أهم الأهداف بالنسبة للمهاجم، لذلك، تتخذ مختلف الوسائل للتغلب عليها، برميها بالنار، أو بالحجارة، أو بضربها بالدبابات والأقفاع.أو باستخدام السلالم أو الحبال لارتقاء المواضع المنخفضة من السور، كما يركن الى حفر الأنفاق تحت السور، للدخول منها إلى الموضع المحاصر، وقد يعمد إلى صنع تل من تراب، أو إلى تكويم أحجار بعضها فوق بعض، أو بناء مرتفع يصل إلى علو السور أو أعلى منه، ليرمي منه الأحجار والقذائف على المحاصرين، فيكون في امكان المهاجمين، مهاجمة السور من الأرض بارتقائه من الموضع المقابل للمرتفع، أو بعمل ثقب فيه، يدخل المهاجمون منه إلى الداخل، وبذلك ينقل المهاجم الحرب إلى داخل الموضع المحاصر ويتمكن من التغلب عليه.
أما النظم العسكرية عند أهل اليمن، فكانت على هذا النحو: الملك، هو القائد الأعلى للجيش، والرئيس الأعلى له، يعلن الحرب، ويأمر بعقد الصلح، ويعين القادة الذين يتولون إدارة القتال، لضمان اانصر، و هو الذي يأمر القبائل بتقديم الجنود، على مقدار ما اتفق عليه.
وقد يقوم الملك نفسه بقيادة الجيوش واجراء العمليات الحربية، وقد يترك ذلك إلى قواده، يقومون بها ويديرونها بحسب علمهم وخبرتهم بالحروب. والقائد هو "قسد" أي "قاسد" في لغتهم. وقد يعبر عنه ب "اسد" في بعض الأحيان ة الا أن هذه اللفظة تعني "الجندي" و "الجنود" في الغالب.
وكان على المحارب أن يهيئ له سلاحه، فإذا لم يكن لديه هذا السلاح منح مالأ لشرائه به، يتعهد بإعادته فيما بعد. وكان على القبيلة أن تهيئ المقاتلين اللازمين للقتال، وترسلهم إلى جبهات القتال للقتال مع الجنود الآخرين.
(1/2975)
ولسنا نعلم كيف كان يقاتل العرب الجنوبيون، و كيف كانوا يعطون خططهم الحربية في التغلب على العدو، لعدم تعرض كتابات المسند لذلك، فلم يرد الينا نص.
ويعبر عن الصلح بلفظة "سلم"، وهي في معنى "سلم" في عربيتنا. فالسلم هو الصلح الذي يلي الحرب بعد الانتهاء منها، كما انه السلم في الأوقات الأخرى أي الأوقات الاعتيادية.
ويعبر عن الحذر من العدو بلفظة "حذر"، وهي تؤدي معنى الدفاع كذلك، ف "حذر" تعني دافع ضد عدو. واذا سار شخص ما خلف زعيم أو قائد، يقال لذلك "تبع" و "تبعو" بمعنى سار مع القائد وساروا في حرب مثلا، وتقدم أو تقدموا نحو العدو.
ويعبر عن التراجع والانسحاب بلفظة "ضويم" "ضوى"، وتعني الهزيمة كذلك. وهي نقيض معنى "متسك" التي تعني التمسك بالشيء والاستيلاء عليه. و "امتسك ب". ويعبر عن الهزيمة بلفظة "سحت" كذلك. كما يعبر عنها بلفظة "تشوع".
وقد يتبع المحاربون طريقة حرب العصابات، وذلك بأن ينقسم الجيش إلى أحزاب وفلول مستقلة تنتشر في أماكن متباعدة، وتقاتل بمفردها أو تتعاون فيما بينها عند الحاجة، وهي تحمي نفسها بالالتجاء إلى المواضع الطبيعية الحصينة مثل المستنقعات والأدغال والجبال وأطراف الممرات الوعرة، وذلك لكي تخفي نفسها عن العدو فلا يراها إلا وهي مباغتة له. ويقال للعصابة هذه: "حزب" في السبئية، وأما الجمع ف "احزب".
وتتبع الطريقة المذكورة عندما يواجه عدو عدوا يرى انه لا يستطيع الوقوف أمامه ومحاربته، أو في حالة التريث والانتظار إلى ساعة مجيء مدد وعون، أو في حالات الهزيمة. فتشتت القوات المغلوبة قواتها إلى "أحزاب" وتشغل جيش العدو المتفوق عليها بجبهات عديدة لغاية إرباكه واضعاف قوته، وتبقى تحارب حرب عصابات حتى ترى رأيها الأخيرة فتقرر الصلح أو الاستسلام وقد تجمع فلولها ثانية وتظهر مرة أخرى في ميدان قتال جديد، ففي كتابات المسند أمثلة كثيرة من هذا القبيل.
(1/2976)
وقد وردت في النصوص المعينية لفظة "غزتس" بمعنى غزوة، كما في هذه الجملة: "غزتس عم مسبا"، بمعنى "في غزوته مع المسبين". ويظهر ان هذا النص قد دون في غزاة قام بها صاحب النص، وقد أخذوا معهم جماعة من السبي. وهذا النص هو من النصوص المعينية التي عثر عليها في مدائن صالح.
ويقال للحواجز التي يضعها المحاربون في شوارع المدينة أو في الطرق أو التي يقيمونها في ساحات المعارك لإعاقة حركات العدو "حجزت"، أي "حاجزة". ولا تقتصر عمل هذه الحواجز على الأغراض العسكرية وحدها بالطبع بل تقام لأغراض عديدة أخرى، مثل الحواجز التي تقام لحجز المواشي والحيوانات وما شابه ذلك.
ولا يشترط بالطبع في الحواجز أن تكون عالية مرتفعة أو قائمة عريضة، فقد تكون منخفضة وعندئذ تكون على هيأة موانع لإعاقة الإنسان أو الحيوان من المرور. وقد تكون خندقا حفر حول المدينة أو حول مكان يراد حمايته ومحافظته من التطاول عليه. فيقف هذا الخندق حاجزا مانعا يمنع الجنود والجيوش من التقدم نحو الهدف أو المدينة أو الموضع الذي يراد الاستيلاء عليه ? ويقال له عندئذ "خبزت" وبهذا المعنى عرف في كتب اللغة، فقد ورد في القاموس المحيط "خ ب ز": "خبز" الرهل والمكان المنخفض المطمئن من الأرض.
وقد بنى اليمانيون حصونهم في الهضاب والمرتفعات والجبال، ليكون من الاسهل الدفاع عنها. وحول هذه الحصون وبحمايتها بنى الناس بيوتهم، فتحولت هذه الأماكن اامحماة بالقلاع والحصون إلى مواضع حصينة تدافع عن نفسها وترمي من يحاول، الوصول اليها بالسهام وبوسائل الدفاع الأخرى، فيتكبد المهاجم خسائر، ويلاقي صعوبات كبيرة في الوصول اليها. ويقال لمثل هذه الحصون والقلاع "محفدن" و "محفدم" والأولى معرفة والثانية منكرة.
(1/2977)
وتزود الحصون بكل وسائل الدفاع وما يحتاج اليه أصحابها والمدافعون عنها من ماء وزاد ووسائل دفاع. ولهذا تجد في الحصون آبارا ومخازن للمياه، ليستفيد منها المدافعون، ولا يتمكن المهاجمون من منع الماء عنهم. أما الزاد، فيخزن في العادة في مخازن خاصة لهذه الغاية أيضا. وأما وسائل الدفاع فتكون بانشاء أبراج فوق أسوار الحصن، يكمن فيها المدافعون لرمي العدو منها، وببناء فتحات صغيرة رفيعة لمراقبة العدو منها، ولرميه بالسهام.
ومن وسائل الدفاع التي لجأ اليها أهل العربية الجنوبية لإعاقة المحاربين من التقدم نحو هدفهم، انشاء حواجز على هيأة جسر تبنى في المضيقات والممرات، بحيث إذا وصل اليها العدو لم يتمكن من الاستمرار في سيره نحو عدوه، فينهال عليه حماة تلك الحواجز بالحجارة والسهام وما شاكل ذلك من أسلحة. وترى بقايا مثل هذه الجدار في مواضع عديدة من اليمن وحضرموت حتى اليوم. ومن جملة ما عثر عليه بقايا جدار أقيم في وادي "لبنا" شمال ميناء حضرموت القديم "قنا" "قانه" "قني". أقامه حكام حضرموت المكربون قبل القرن الرابع قبل الميلاد، وذلك لحماية حضرموت من غزوات الحميريين وغيرهم. وعثر على بقايا جدار في القسم الجنوبي من "وادي بيحان"، وعلى بقايا جدار آخر يقع في "وادي أنصاص" جنوب "شبوة"، وذلك لحمايتها، من الغارات.
والنصر ضد الهزيمة. وترادفها لفظة "شرح" في اللهجات العربية الجنوبية، كما في هذه الجملة "يوم شرح سبا"، أي "يوم نصر سبأ".
وبعد انتهاء الحرب توزع الغنائم بين المحاربين المنتصرين، ويعطى الرئيس إذا غنم الجيش معه "المرباع" أي ربع الغنيمة. وقد رده الإسلام خمسا، بنزول الأمر بالخمس في القرآن الكريم.
(1/2978)
واذا وقع أحد في أيدي عدو وأسر فيقال له عندئذ "أسر". ويعبر عنه ب "اخذ" في السبئية في حالة المفرد، وب "اخذتم" "أخذت" "اخذيت" في حالة الجمع. وتطلق هذه اللفظة على الأسرى الذين يقعون في الأسر من دون قتال، وذلك عند اكتساح جيش أو غزاة جيش العدو أو مكان ما، فيؤخذ من فيه من ناس من غير قتال ولا مقاومة. فهم مثل الغنائم الني تقع في أيدي الغزاة والمحاربين يؤخذون دون قتال. أما الذين يؤخذون بعد مقاومة وبقتال، فيقال لهم: "سبيم" أي "سبى"، بمعنى "مسبى". وأما الجمع ف "اسبى" أي سبايا. وأما الاسباء فيعبر عنه ب "يسبيو"، وتعني "يسبي" و "يسبون".
وكانوا يكبلون أيدي الأسرى والسبي ب "الكبل" 0 القيد من أي شيء كان، وذلك لاحتباسهم حتى لا يهربوا. وقد ذكر بعض علماء العربية "أن الكبل غير عربي.. وقد صرح به أقوام". ولفظة "كبل" هي "كبلو"،Keblo و "كيبل" Kebel في لغة بني إرم وفي العبرانية، أي "القيد". وقد كانوا يكتفونهم بالحبال وبكل شيء يكون عندهم يشد به وثاق الأسر، فلا يفلت من اسره. و "الكتاف" الحبل. و "الوثاق" ما يشد به كالحبل وغيره. كما كانوا يكتفون الأسرى بالقد. والقد السير الذي يقد من جلد،فتشد به أطراف الأسر شدا شديدا حتى لا يتمكن من الهروب.
(1/2979)
ولما بعث رسول الله خيلا قبل نجد، فجاءت ب "ثمامة بن أثال الحنفي" سيد أهل اليمامة مأسورا " أمر به رسول الله، فربطوه بسارية من سواري المسجد ثم من عليه فأطلقوه واسلم، لأنه لم يكن في زمن الرسول سجن. فكانوا يحبسون الاسير في المسجد او الدهليز حيث امكن فلما كان زمن علي بن ابي طالب أحدث السجن بالكوفة، وكان أول من أحدثه في الإسلام. وذكر ان "ثمامة" كان عرض، لرسول الله فأراد قتله، فلما قبض عليه أسلم، فلما أسلم قدم مكة معتمرا، فقال: والذي نفسي بيد لا تأتيكم حبة من اليمامة، وكانت ريف اهل مكة، حتى يأذن رسول الله له. ورجع إلى اليمامة ومنع الميرة عن قريش، وقد ثبت على إشلامه، لما ارتد أهل المامة، وارنحل هو ومن أطاعه من قومه، فلحقلإ ا بالعلاء بلأت الحضرجمب، فقاتل معه المرتدين من أهل البحرين، فلما ظفروا اشترى تمامة حلة كانت لكبيرهم فرآها عليه ظ س من "يني قي، بن ثعلبة"، فثهلنوا انه هو الذ.ئي قله وسلب." فضلوه. وكان له هم اسمه "عامر بن سلمة بن عبيد بات ثعلجة الحنقي". وقد دخل في الإسلام.
ويسبق المبشرون الجيش المنتصر بزف خبر النصر للحكام وللناس. يسرعون بأقصى ما يمكنهم من السرعة لنقل النبأ، ولنيل جوائز البشرى. وهي "البشارة" ما يعطاه المبشر. ويعبر عن البشرى ب "تبشرت" في العربية الجنوبية، أي "التبشرة" يقوم ال "هبشر"، أي المبشر بإبلاغ البشرى لمن يراد ايصالها اليها.
ويعبر عما يقع في أيدي المغيرين أو المحاربين أو الغزاة أو المنتصرين من أموال ب " مهرج"، أي غنيمة حرب، وذلك للمفرد وب "مهرجت" "مهرجة" في حالة الجمع، أي غنائم.
وتطبق هذه اللفظة على الغنائم التي تؤخذ بقتال وبعد مقاومة، أما الغنائم التي يحصل عليها المحاربون بعد القتال وبعد الهزيمة التي تنزل بالمغلوب، فيقال لها "غنم" و "غنم" وذلك في المفرد، أي للغنيمة الواحدة، وأما في حالة التعبير عن الجمع فيقال "غنمت"، أي غنائم.
(1/2980)
ونظرا الى ما للمنزلة الاجتماعية من أهمية كبيرة في المجتمع العربي. لذلك كان الشريف يسأل من يريد أسره عن اسمه ونسبه، حتى إذا وجد أنه من العبيد والموالي أبى الاستسلام له،لأن في استسلام الرجل لمن هو دونه في المنزلة والمكانة مذلة كبرى وإهانة ولهذا كان الرجل الذي يشعر أنه في وضع حر ج وأنه مأسور لا محالة يبقى يراوغ خصمه ويحاول الافلات منه ومن أسره جهد امكانه حتى آخر نفس، له، وقد يسأل شخصا آخر يرى عليه امارة الوجاهة والشرف بأن يأسره خشية الفضيحة والعار من وقوعه أسيرا في يد عبد جلف، أو صعلوك لا مكانة له في المجتمع. ومن ذلك ما وقع لحاجب بن زرارة، إذ أدركه لا الزهدمان، فقال له: استأسر وقد قدروا علته، فقال ومن أنتما ? قالا، الزهدمان. فقال: لا أستأسر اليوم لمولين. وبينما هم كذلك، إذ ادركهم مالك ذو الرقيبة ابن سلمة من قشير، فقال لحاجب: استأسر، فقال: ومن أنت ? قال أنا مالك ذو الرقيية فقال: أفعل فلعمري ما ادركتني حتى كدت أكون عبدا. فألقى اليه رمحه واعتنقه زهدم عن فرسه فصاح حاجب واغوثاه، ثم تخاصم مالك والزهدمان في شأن أسر حاجب، واجتمع القوم وحكموا حاجبا في أمر من أسره، فاختار مالك، وحكم له، وذلك لأنه كان حرا شريفأ. ثم فك أسره، بأن أعطى فدية عن نفسه لمالك وفديتين أصغر منها ان الزهدميين.
ولم تكن "المثلة" بقتيل الحرب أو بالأسير محرمة في قوانين ذلك اليوم. فقد كانوا في يمثلون بقتلى الحرب وبالأسرى بتقطيع أجزاء جسمهم، وتشويه الجسم. يفعلون ذلك بالأسير حتى يموت، وهو يشاهد أعضاءه تقطع قطعا من جسمه. وفي "يوم الرقم" انهزم الحكم بن الطفيل في نفر من أصحابه " فيهم "خوات ابن كعب" حتى انتهوا إلى ماء يقال له: المرورات، فقطع العطش أعناقهم فماتوا، وخنق الحكم بن الطفيل نفسه مخافة المتلة، فقال في ذلك عروة بن الورد: عجبت لهم إذ يخنقون نفوسهم ومقتلهم تحت الوغى كان أعذرا
(1/2981)
والقاعدة في الغزو والحروب والغارات، أن القاتل يأخذ سلب المقتول. يأخذ ما يجده عنده، وقد أقر ذلك في الإسلام، فجعل السلب للقاتل لا ينازعه في ذلك منازع، إن ثبت أنه هو القاتل.
والحروب من أهم الموارد الممونة للرقيق عند الشعوب القديمة، وفي جملتهم الجاهليين. فقد كان الشخص يتخذ من يقع في يده رقيقا له، واذا لم يمن عليه بالعفو، أو لم يتمكن المأسور من دفع فدية عن نفسه، صار عبدا مملوكا لمن وقع في يده، إن شاء باعه، وإن شاء احتفظ به رقيقا، يخدمه ما دام عبدا. وقد عمد المحاربون إلى إحراق المغلوبين في بعض الأحيان. فقد جمع المنذر بن امرىء القيس أسرى في الحظائر ليحرقهم، فسمي أبا حوط الحظائر.
وقد عرف بعض،ملوك الحيرة بحرق من وقع في أيديهم من المغلوبين، أو حرق مواضعهم وهم فيها لذلك عرفوا ب "محرق". وعقوبة الحرق من العقوبات المعروفة عند الأمم القديمة مثل الرومان والعبرانيين، ينزلونها في المحاربين جزاء لهم، وإخافة لغيرهم ودعاية لهم، حتى لا يتجاسر أحد فيعلن الثورة على المحرقين، فيحل،عندئذ بهم عذاب التحريق.
وكان بعض الاشخاص يقومون بالغارات بمفردهم أو بجمع من الناس،فيفاجئون الناس الآمنين أو رجال القوافل، ومن هؤلاء: شراحيل بن الأصهب، وكان كما يقول أهل الأخبار أبعد العرب غارة، كان يغزو من حضرموت إلى البلقاء في مئة فارس من بني أبيه، فقتله بنو جعدة.وكان قد أزعج قبائل معد وغيرها كما يظهر ذلك من شعر نابغة بني جعدة: أرحنا معد ا من شراحيل بعدما أراها مع السبح الكواكب مظهرا
وعلقمة الحراب أدرك ركضنا بذي الرمث إذا صام النهار وهجرا
(1/2982)
وقد يعمد المنتصر إلى أخذ رهائن من المغلوب لتكون رهنا لديه بالطاعة والخضوع. فإذا خان بعهده، تعرضت الرهينة التهلكة. وتؤخذ الرهائن في أيام السلم أيضا. يأخذها الملوك ممن يخشونهم ومن السادات لتكون ضمانا لديهم بالطاعة وبعدم مسهم بمصالحهم. وقد عرف "الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي" ب "الرهين"، "وإنما لقب به لأنه كان رهينة قريش عند أبي يكسوم الحبشي. وولده النضر بن الحارث من مسلمة الفتح. وأخوه النضر بن الحارث قتله علي، رضي الله تعالى عنه، بالصفراء بعد رجوعهم من بدر بأمر من النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، وبنته قتيلة رثت أباها بالأبيات القافية، وليس فيها ما يدل على إسلامها".
وللطيرة أثر كبير في نظر الجاهليين في كسب الحرب وخسرانها، فقد رسخ في عقولهم أن لها تأثيرا مباشرا في الغزو والحروب. وان كلمة طيبة تسمع ساعة الاستعداد للغزو، أو عطسة يعطسها إنسان، أو نعيب غراب ينعب ساعة الهجوم أو ما شاكل ذلك من علامات يتفاءل أو يتشاءم منها، تؤثر في مصير الغزو وتتحدث للغازين عن مصير ما سيقومون به. لذلك فقد كانوا ربما نبذوا الغزو إذا ظهر أمامهم ما يخطر منه، وكانوا ربما أسرعوا بالهجوم إن ظهر أمامهم ما يفسرونه بأنه يمن وتفاؤل وحث على الإقدام في العمل. ولم يكن هذا الاعتقاد من عقائد العرب وحدهم، فقد كانت الشعوب الأخرى تتطير كذلك. وتحسب للطيرة حسابا عند شروعها بحرب.ونجد في الكتب القديمة قصصا عن الطيرة وأثرها في الحروب عند اليونان والرومان والفراعنة والفرس.
(1/2983)
ورسخ في عقول أهل الجاهلية ان في وسع الكهنة التنبؤ عن نتائج الغزو أو الحروب.، لما للكهنة من اتصال بالارباب والارواح المخبرة عن المغيبات وعما سيقع في المستقبل فكانوا لذلك يسألونهم في كثير من الاحايين عن رأيهم في غزو يريدون القيام به قيل الشروع به حتى اذا باركه الكاهن قاموا به والا تركوه ونجد في كتب الادب واهل الاخبار اخبارا ترجع سبب الهزيمة او سبب انتصارهم الى مخالفة اولئك القوم لرأي كاهنهم فكانت الهزيمة والى العمل برأيه فوقع من ثم لهم النصر لأن للكهنة علم بالمغيبات.
الفصل السادس والخمسون
في الفقه الجاهلي
عرفت "مدونة جستنيان" Institute de justinien" "الفقه" بأنه ".معرفة الأمور الإلهية والأمور البشرية، والعلم بما هو حق شرعا ومما هو غير حق".
و "الفقه" في اصطلاح المسلمين هو: استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، أو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد، أو العلم بأحكام الشريعة، وهو اصطلاح ظهر بالطبع في الإسلام. أما بالنسبة إلى الجاهليين فإننا لا نستطيع أن نأتي بتحديد علم ثابت به، لعدم وصول شيء منهم في هذا المعنى الينا.
وقد وردت اللفظة لغة بمعنى العلم والتبحر في الشيء والإحاطة به. ووردت في سورة التوبة كلمة يتفقهوا )فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين". ومن هذا المعنى جاءت لفظة "الفقه" في الإسلام.
وأنا اقصد بمصطلح "الفقه" هنا الأحكام الني نظمت العلاقات بين الجاهلين، وبينت الحلال في عرفهم من الحرام. وأقصد بالحلال كل مباح أباحه أهل الجاهلية لأنفسهم، وبالحرام كل ما حرموه عليها. فللجاهليين شرائعهم الخاصة بهم. وأنا هنا أريد أن أبحث عن شرائعهم التي ثبتت الأحكام بحسب اجتهادهم وعرفهم وسنتهم، وأريد بالأحكام "قوانينهم" التي وضعوها وساروا عليها في تثبيت المحظور أو المباح " أي الحرام والحلال.
(1/2984)
وكلامنا في الفقه الجاهلي هو كلام لم نستنتجه من "قوانين" أو مدونات قانونية Codex juris أو من كتب في فقه الجاهليين أو من تعليمات جاهلية مدونة،وانما أخذناه في الغالب من الألفاظ الفقهية التي تعبر عن آراء قانونية وردت في كتب الفقه والحديث والتفسير،وما شاكل ذلك من موارد إسلامية، ومن أقوال وأحكام نسبها أهل الإسلام لرجال من أهل الجاهلية، فيها قواعد فقهية. ومن بعض أوامر وأحكام أصدرها ملوك العرب الجنوبيون قبل الإسلام في تنظيم التجارة وفي كيفية جباية الأموال. وسبب عدم أخذنا من موارد فقهية جاهلية هو عدم وصول مدونات قانونية الينا حتى الان، فليست لدينا ويا للاسف مدونات مثل "قوانين حمورابي" أو "مدونة جستنيان"، أو مثل ما كتبه "ديودورس" في الشريعة المصرية. فما نكتبه في التشريع الجاهلي، مستمد مما ذكرته ومن أوامر و إرادات ملكية وأحكام وردت في المسند في نواح خاصة من نواحي التشريع مثل كيفية جباية الضرائب. عن الأرض أو التجارة، أو نواح معينة من البيوع والقتل وغير ذلك. فهي خاصة بحالة معينة من حالات التشريع، لا قوانين عامة على نحو ما نفهمه من القوانين.
ولما كانت القوانين وليدة الظروف والحاجات اختلف التشريع في أيام الجاهلية باختلاف القبائل والأماكن، وطبيعة البيئة. فأهل اليمن بنظام حكمهم المستقر، وبحكوماتهم التي كانت تهيمن على مناطق واسعة كانوا يختلفون في أصول تشريعهم عن أهل مكة أو أهل يثرب. وكل من هؤلاء هم قطان مدن، حكمهم هو حكم مسن قائم على أساس اراء رؤساء الأحياء والشعاب. ثم إن "حكم هؤلاء، يختلف أيضا عن حكم القبيلة والعشيرة، أعني حكم الأعراب.
(1/2985)
ولعدم وجود حكومات منظمة قوية في معظم أنحاء جزيرة العرب، لا يمكن تصور وجود هيئات قضائية ومؤسسات حكومية ذوات قوانين مدو نة، للفصل في ااخصومات، وللانزال العقوبات الجزائية الرادعة في المخالفين، على نحو ما نراه في حكومات هذا اليوم. كما أننا في شك من وجود نصوص قانونية مدونة في مثل هذه الأماكن على مثال قوانن "جستنيان" مثلا، أو القوانين التي سنها الأكاسرة. فمثل هذه ا القوانين والأنظمة الدقيقة المنظمة المعقدة لا يمكن أن تظهر إلا في المجتمعات السياسية المنظمة المعقدة التي تهيمن عليها حكومة ذات مجتمع منظم يشعر بحاجته الى حكم منظم يعين حقوق الحكام وحقوق المواطنين.
غير أن هذا لا يعني عدم وجود أحكام لردع المخالفين والزائغين، وعدم وجود أحكام لتنظيم العلاقات في المجتمع، وتعيين حقوق الحكام والمحكومين، وعدم وجود أناس لهم علم بعرف البلاد.فلكل مجتمع مهما كانت حالته من السذاجة قوانين وأناس لهم علم بتطبيق تلك القوانين على المخالفين. والقوانين في المجتمعات الصغيرة البسيطة، هي العرف والعادة المتوارثة عن الأباء و الأجداد. وإذا كانت مثل هذه المجتمعات لا تملك محاكم دائمة ذات موظفين ولا سجلات وقوانين ثابتة مكتوبة على نمط المحاكم لهذا العهد فإنها تملك في الواقع محاكم، وتملك حكاما.
(1/2986)
ففي الممدن مثل مكة ويثرب، وهي مدن تحكم نفسها بنفسها ونستطيع ان نسمي حكوماتها بحكومات مدن، يحكم الرؤساء والأشراف المدينة، ويفضون المنازعات. وفق العرف والعادة. يجتمعون في مكان.معين، مثل "دار الندوة"، أو في المعبد، أو في بيوت الوجهاء " للنظر في الخصومات وفي المشكلات التي تقع في البلد " او يتولى رؤساء الشعب، أي الحارة والمحلة فض المنازعات ااتي تنشأ بين أفراد الشعب في الغالب. أما إذا وقعت الخصومات بين أبناء شعاب مختلفة، فقد يتفق رؤساء المحلات على فض الخصومة بينهم باللجوء الى المحكمين يختارونهم من غيرهم ممن يرضى عنهم المتخاصمون ويكونون في نظرهم محايدين لا علاقة بهم بهذا النزاع وقد يخال النزاع على رؤساء البلد او الحي للنظر فيه ويشترط بالطبع على المتخاصمين كلهم الاذعان لقضاء الحكام والتسليم بما يحكمونه من حكم.
ولسذاجة الحياة وعدم تعقدها في معظم أنحاء جزيرة العرب، كانت طبيعة التشريع عند الجاهليين ساذجة غير معقدة والقوانين قليلة تتناسب مع طبعة حياة ذلك العهد، تقتصر على المشكلات التي تحدث في مثل تلك البيئة وفي ظروف تشبه تلك ااظروف. فلا نرى لذلك قوانين معقدة عديدة في معالجة مشكلات الارض ومشكلات الصناعة والاقتصاد وتنظيمات المدن الكبيرة وما يتكون ويتولد فيها من اجرام ومخالفات.
(1/2987)
ولما كانت الطبيعة الاعرابية هي الطبيعة التي تغلبت على حياة اكثر سكان جزيرة العرب، نبع مفهوم الحق عند الأعراب ومفهوم كيفية استحصاله وأخذه من المحيط الذي عاش الأعرابي فيه. فصار الحق في نظره القدرة أو القوة. فالقوي القادر على حمل السلاح هو صاحب ألحق لأن في استطاعته انتزاع حقه والدفاع عن نفسه متى تعرض للظلم. وهو بقوته لا يخشى ظلم ظالم. وعلى هذا اامبدأ بنيت اكثر أحكام ااجاهلية في تقويم الحق وتقديره في مثل دفع الديات، وفي حقوق الإرث وفي مفهوم السرقة، كما سأتحدث عن ذلك فيما بعد. فالقدرة هي سبب من اهم اسباب تحقيق الحق، وأخذ الحق وانتزاعه من المغتصبين ثم عامل آخر، هو العصبية بأنواعها من ابسط درجة فيها الى اعلاها، فإنها عامل آخر من عوامل الدفاع عن الحق وعن استحصاله، لعدم وجود حكومة نظامية تقوم بتحقيق الحق، فقامت العصبية مقامها في استحصال الحق وفي تأديب الخارج على العرف، الذي هو القانون.
واما النواحي القانونية والتشريع قفي العربية الجنوبية وسائر الأنحاء الأخرى من جزيرة العرب، فلم ترد الينا من كتابات وبحوث فيها. فلتكوين رأي فيها اذن، لا بد لنا من اللجوء إلى الكتابات التي لها علاقة بهذه النواحي، مثل الكتابات التي تحمل طابع الأوامر والنواهي وعقود التملك من ضيع وثراء، والقبوريات اي الكتابات الني تخص تملك القبور،فتمنع الغرباء من الدفن فيها والتجاوز عليها والتطاول عليها بإحداث تغيير وتبديل في شكل القبر وفي هيأته، ومن كتابات مماثلة اخرى. فقد وردت في هذه مصطلحات و تعابير قانونية، يمكن ان نستنتج منها، وان نكون رأيا قانونيا بدراستها ومقارنتها بالتشريعات الواردة عند الشعوب الأخرى وعند القبائل الساكنة في مختلف أنحاء بلاد العرب، وبالتشريع الإسلامي.
(1/2988)
ومن هذه المصطلحات الحقوقية لفظة "احلى" و " احل" بمعنى "أحل" في عربيتنا، وهي تشير الى لفظة "الحلال" التي هي ضد الحرام المعروفة في القوانين وفي الفقه. وقد وردت في النص الموسوم بMe 36 هذه العبارة: " هن بخطات نكرح اخلى ذ ينقل قبرن عمر خرقن وارخن"، ومعناها: هذا بخطيئة نكرح وود لمن يحل وينقل أي يغير القبر. عمر السنين والأزمان، وتعني لفظة عمر الدوام والتأييد واما خطأت الخطيئة فأنها بالمعنى المفهوم منها عند النصارى تقريبا فهي بمعنى التعدي على الشريعة وعدم الامتثال لها والاثم وبمعنى اللعنة في الإسلام فيكون المعنى الجملة المتقدمة على هذه الصورة: " هذا بلعنة الالهين نكرح وود لمن يحل أي يجوز تغيير القبر ابد السنين والايام وتعني "لفظة" نقل التغيير والتبديل".
وهناك لفظتان تردان في الكتابات القبورية والإعلانية في بعض الأحيان، هما "مسرس" و "سنكرس". وتعني اللفظة الأولى: يبعد وينقل. أما الثانية فتعني يغير ويزيل معالم الاشياء، وتد ترد بعد الكلمة هذه العبارة "يومي أرضم" أي أيام الارض، بمعنى ما دامت الارض.
ووردت لفظه "خطات" في نص قتباني، هو أمر ملكي أصدره الملك: "شهر هلل بن مذرأ كرب". وقد جاء في هذا الأمر أن الملك سينزل عقوبات بالمخالفين لهذا الأمر. واستخدمت هذه اللفظة في أداء هذا المعنى.
وفي السبئية لفظة "حجك" "حكك"، وتعني القانون. وربما تؤدي معنى "حك" أي "حق". أي ما كان ضد الباطل.
وقد فسر "رردوكناكس لفظة "حلكم"، "حلك" الواردة في نص قتباني عرف بكتابة "كحلان" ب "قانون" و ب "نظام". وفسر لفظة أخرى وردت معها هي "سحر" بمعنى أمر به. وأما لفظة "حرج"، فقد فسرها بمعنى أصدره وأخرجه. وقد وردت الألفاظ الثلاثة في ابتداء قانون أصدره "شهر هلال" ملك قتبان لتنظيم أمور الزراعة والملك في بلاده.
(1/2989)
ووردت لفظة "نتذر" بعد لفظة "تنخيو" في بعض الكتابات ا. وقد ذهب بعض العلماء إلى ان لفظة "تنخيو" التي تعني الإعلان والإشهار، ليكون ذلك معلوما لدى الناس، انما يراد بها التنبيه على شيء قد تتولد منه نتائج غير طيبة، فهي بمثابة انذار وتخويف وتحذير. وبهذا المعنى ايضا لفظة "تنذر" بمعنى انذار و نذر.
وقد اختتمت بعض الأوامر والارادات الملكية القتبانية بهذه الجملة: "قدمن وتعلماي يد 0000"، ومعناها: "أمام. وعلمته يد"، اي ووقعته يد. ويراد بها ان الارادة الملكية قد كتبت أمامه، وان يد الملك قد وقعه، فهو أمر صدر بإرادته وأمره.
فنحن هنا أمام نص قانوني، صدر باسم ملك من الملوك،امر هو بإصداره، ودون أمامه، وشهد هو بنفسه عليه، ووقعته يده، دلالة على شهادته بصحته وبأنه نص شرعي ملكي معترف به. فعلى أتباعه السير وفقا لأحكامه ولما جاء فيه.
وفي كتابة مثل هذه العبارات القانونية دلالة على وجود فهم للقانون وإدراك له عند العرب الجنوبيين.
وتطلق لفظة "بل" على المباح بلغة حمير. وأما "البسل"، فهي من الألفاظ الني تدخل في باب الأضداد، فهي تعني الحرام كما تعني الحلال.
وفي شريعة أهل الجاهلية حلال وحرام، مباح ومحظور، ويراد بالحلال كل ما أباحه العرف، مما لم يتعارض مع تقاليدهم و مألوفهم، اما ما تعارض منه معه، فهو حرام محظور ويعاقب المخالف المرتكب للمحرمات ولما حرمته شريعتهم. ومعنى الحلال والحرام الاصطلاحي هو المعنى الوارد في القرآن الكريم نفسه. غير أن الإسلام حدد الحرام والحلال وفق قواعد الشرع،أي أن الإسلام ندب المصطلحين وحددهما وفق قواعده. أما الجاهلية، فحددتهما وفق عرفها.
ومن المصطلحات التي لها علاقة بالحياة الاجتماعية لفظة "ثوب" أي "ثواب"،و "أجر". ترد بهذا المعنى في الكتابات ذات الصبغة الدينية. ولفظة "تعمن" و تعني "النعم" و "نعمة".
(1/2990)
وعثر في الكتابات الثمودية وفي اللحيانية على نصوص تتعلق بحق الملكية. فعثر على نص، ثمودي يشير إلى ملكية بئر. وعثر في اللحيانية على وثائق تتعلق بملكية ارض وعقار كما عثر على وثيقة، وجد أنها وصل أي اعتراف بتسلم مال. كما عثر على وثائق تتعلق بالقانون الجنائي. منها وثائق تتعلق بقتل، ووثائق تتعلق بعقوبات القتل وبالدية ووثائق تتخدث عن ازدياي الجرائم والخروج عن القوانين في ديدان.
وتدل هذه الوثائق على وجود أصول القانون والمحافظة على الحقوق عند عرب أعالي الحجاز. وإن كنا لا نستطيع في الوقت الحاضر تقديم أي رأي عن أصول التشريع عندهم أو التحدث عن وجود قوانين مثبتة مدو نة في معالجة الحق العام والحق الخاص أو الجرائم أو أصول المرافعات على نحو ما نجده عند الأمم المعاصرة لهم، أو الشعوب التي عاشت قبلهم، فوضعت شرائع وصلت نصوص بعضها الينا مثل شريعة حمورابي المعروفة.
وقد عثر الباحثون على نصوص تشريعية،أصدرها ملوك ا لعربية الجنوبية وأمروا بإعلانها على الملا، عمل بموجبها وهي حتى الان قليلة العدد. ومع ذلك، فقد أعطتنا فكرة مجملة عن أصول التشريع عند العرب الجنوبيين. وقد صدرت هذه التشريعات بأمر الملوك. فهم الذين أمروا بسنها وبتشريعها وبتنفيذ ما جاء فيها. ويعبر عن القانون، أو سن القوانين بلفظة "سن" وتقابل كلمة Law أي قانون في الانكليزية. و "السنة" في عربيتنا: الطريقة. وهي من القواعد الأساسية الأربع في الفقه الإسلامي. فللفظة صلة اذن بلفظة "سن" في العربية الجنوبية.
(1/2991)
ويظهر من الأوامر والاحكام الملكية المدونة بالمسند، ان الحكومات العربية الجنوبية كانت حكومات مشرعة، نظمت اعمالها وأعمال مواطنيها بتشريعات عينت بموجبها حقوق الحكومة على الناس وحقوق الناس مع بعضهم وواجباتهم تجاه حكومتهم، وذلك بحسب امكانية المجتمع لذلك العهد، وقد أدركت شأن نشر القوانين والأحكام ووجوب إبلاغها للناس، فأمرت بتدوينها على الحجر، أي بحفرها فيها، ووضع الأحجار المدونة في مواضع بارزة ليقف عليها الناس ويفقهوا ما ورد فيها من أحكام وأوامر، فلا يقبل عندئذ عذر لمعتذر إذا خالفها، كذلك تجد الناس يعبرون عن حقهم في الشيء بتدوين ذلك الحق وإعلانه "، فعند شراء رجل بيتا او أرضا، أو عند بنائه بيتا، كان يكتب ذلك على الحجر ويضع الحجر في محل بارز من جدار البيت الخارجي ليطلع الناس على تملك صاحب الملك له. ويدل هذا الاعلان على وجود فكرة التقنين والتشر.يع وادراك الحق عند العرب الجنوبيين.
وإذا أبرمت الحكومات العربية الجنوبية قانونا، واذا أصدرت أمرا أو نظاما، أمرت بتدوين نسخ من القانون أو الأمر أو النظام، لحفظها في ديوان الوثائق، لتكون مرجعا يرجع اليه. وتعلن نسخ منها على الناس. ليقف الجمهور على ما جاء فيها.
(1/2992)
وتعد الساحات المنشأة أمام ابواب المدن المكان المختار لنشر الأوامر والقوانين على الناس، نظرا الى كونها محلات عامة يتجمع فيها أهل المدينة في الغالب، وقد تعقد فيها المحاكمات والاجتماعات العامة. فإذا صدر أمر حكومي أو قانون كتب على الحجر، ثم يبنى على جدار المدينة عند الباب ليقف عليه الناس. وقد عثر المنقبون على قانونين قتبانيين في تحديد عقوبة القتل، وقد بنيا في الجهة اليسرى من باب مدينة "تمنع" العاصمة ليقف عليهما من حضر هذا المكان من سكان العاصمة أو القادمين اليها، كما عثر المنقبون على أسماء جماعة من رجال مدينة "مريمت" "مريمة" وقد دونت على حجر بني على جدار باب المدينة ليقف عليها الناس،لأنهم قاموا بغزو رجعوا منه بغنائم كثيرة، أعطوا منها نصيبا كبيرا، فلكي يقف أهل المدينة على كيفية توزيع الغنائم وكمياتها دونت تلك الكتابة..
وتلعب أبواب المدن دورا خطيرا في أصول التشريع عند الساميين. فقد كانت موضع اعلان القوانين، ومحل ابلاغه للناس. فهي بمثابة "الجرائد الرسمية" المخصصة بنشر القوانين في عرف هذا اليوم. وهي مواضع المحاكمة أيضا، حيث يجلس الحكام للنظر في خصومات المتخاصمين. وهي مواضع عقد العقود أيضا، من بيع وشراء. ويصف الاصحاح الرابع من سفر "راعوت" لنا، كيف ان "بوعز" جلس عند باب المدينة وأمر عشرة من شيوخ المدينة ليكونوا شهودا لاجراء عملية بيع وشراء.
(1/2993)
ومن الملاحظ على القانون القتباني انه أخذ بمبدأ ان تنفيذ القوانين هو حق من حقوق "الملك"، أو من يخوله حق التنفيذ. ويراد ب "الملك" الدولة، أو ما يسمى ب "السلطان" في الفقه " الإسلامي. فلا يجوز لأي أحد غير مخول تخويلا قانونيا من الملك أي الدولة تنفيذ قانون أو أخذ أي حق مدعي بدون اذن رسمي من مرجع قضائي وسلطة مخولة. فالدولة وحدها هي التي تنظر في أمر الخصومات وفيما يقع بين الناس من خلاف. وهي وجهة نظر كل حكومة متحضرة، تريد إشاعة العدل والأمن في حدودها والقضاء على الفوضى والفتن التي قد تقع فيما لو قام كل انسان بأخذ ما يدعيه من حق لنفسه بنفسه، وبدون مراجعة حكومة و سلطان.
وأنا اذ أستعمل لفظة الفقه " الجاهلي، فلا أعني ان الجاهليين عامة، كانوا كلهم يسيرون وفق فقه واحد وأحكام واحده تطبق على جميعهم، تطبيق الأحكام العامة في الدولة الواحدة. فكلام مثل هذأ لا يمكن أن يقال بالنسبة إلى الجاهلية فقد كان الجاهليون قبائل في الغالب، وهم أهل الوبر. وللقبائل أعراف وأحكام وقوانين تتباين بتباين الأمكنة، من انعزال في البادية أو قرب من الحضر أو اتصال بالأعاجم. وأما اهل المدر، فمنهم من كان يعيش في قرية والحكم فيها لا يتجاوز حدود القرية. ومنهم من عاش في ممالك أو إمارإت، والحكم فيها لم يبلغ كل جزيرة العرب بأي حال من الأحوال. وقد انحصرت أحكامها لذلك في الحدود. التي بلعتها قوتهم ووصل اليها سلطانهم الفعلي لا غير.
وإذا أردنا أن نتحدث بلغة هذا العصر عن اصول التشريع الجاهلي، أي عن المنابع التي أمدت فقه الجاهلية بالأحكام، فإننا نرى أنها استمدت من العرف، ومن الدين، ومن اوامر أولي الأمر ومن أحكام ذوي الرأي.
(1/2994)
أما "العرف"، فهو ما استقر في النفوس وتلقاه المحيط بالرضى والقبول، وسلم به وسار عليه " في بعض الأحيان. وذلك لأخذه طابع القانون من حيث لزوم التنفيذ والإطاعة. وهو معروف عند أكثر الشعوب، وقد اكتسبت بعض الأعراف درجة القوانين عند كثير من الأمم، لمرور زمن طويلة على استعمالها، ولتعارف الناس عليها، لكونها معقولة منطقية لا تتعارض و روح الزمن وعدالة التشريع.
وقد أشير إلى العرف في القرآن الكريم: ) خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين(. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المراد من "العرف" هنا: الإحسان. وقد ألغى الإسلام بعض العرف الجاهلي، وأقر بعضا منه، لعدم تعارضه مع قواعد الدين.
ولا تزال القبائل تطبق "العرف العشائري" حتى اليوم في فض ما يقع بين أفرادها وبينها من خلاف وخصومات. وهي تتجنب جهد إمكانها مراجعة الحكومات لأنها تنفر من تطبيق القوانين عليها، بالرغم من إلغاء "العرف العشائري" أو "القضاء العشائري" كما هو معروف في بعض البلاد العربية، وعدم اعتراف تلك الحكومات به. وذلك لرسوخ هذا العرف في نفوسها، وظهوره من تربتها، ولكونه موروثا من الاباء والأجداد، فهو أقرب اليهم والى نفوسهم من القوانين الحديثة، وإن كانت أقرب إلى الحق والعقل من العرف.
ولا تزال بعض مصطلحات العرف الجاهلي باقية حية تستعملها القبائل حتى اليوم في الأغراض والمعاني التي كانت عند الجاهلين. وحبذا لو عني علماء القانون عندنا بضبط العرف المستعمل في بلاد العرب في الزمن الحاضر ودراسته دراسة علمية تحليلية، فإن لهذه الدراسة شأنا كبيرا في دراسة التشريع العربي في الجاهلية. وللسنة أهمية كبيرة في الفقه الجاهلي. واراد بها الطريقة، وترد في القرآن "سنة الأولين" و "سنة الله".
(1/2995)
وترد لفظة "السنن" ! في الموارد الإسلامية. وكذلك "السنة" التي هي المورد الثاني في الفقه الإسلامي تستنبط منه الأحكام بعد القرآن. ولا بد أن تكون لها نفس المكانة عند الجاهليين. وقد ورد في القرآن الكريم: )وما منع الناش، أن يؤمنوا اذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين(، دلالة على مكانة سنة الأباء في عقلية الجاهليين. فما ورد في سنتهم هو قانون يعمل به. وورودها بهذا المعنى يدل على انها كانت تؤدي معنا خاصا عند الجاهليين. ولعلها كانت مصطلحا من مصطلحات الفقه عندهم.
وسنة، الجاهليين هي طريقهم في الحياة وما ورثوه عن آبائهم من عرف وأحكام،وما قرروا السير عليه من قوانين القبيلة في تنظيم حقوق القبيلة والأفراد، وما يقرره عقلائهم من القرارات لا تغير،ولا تبدل إلا للضرورة وبقرار يصدره أصحاب العقل والبصيرة والرأي والسن فيها. ولا يزال العمل بها حتى اليوم. ويقال لها "السانية" في اصطلاح قبائل العراق.
وأقصد ب "الدين" ما كان يدين به أكثر الجاهليين من شريعة التعبد للاوثان والتقرب للاصنام، فقد وضع سدنة المعابد والكهان أحكاما لأتباعهم على انها أحكام ملزمة يكون مخالفها في حكم المخالف للعرف. وهي بالطبع أقوى وأظهر عند أهل الحضر، لمباعدة محيطهم على ظهور الشعور الديني الجماعي فيه، عكس محيط البداوة الذي تباعد فيه أهله، وتبعثرت بيوته، فلم يساعد على ظهور هذا الشعور الديني الجماعي فيه.
وبين الجاهليين يهود ونصارى، مهما قيل في يهوديتهم أو نصرانيتهم من العمق أو الضحالة، فإنه لا بد أن يكون لديانتهم دخل في تنظيم حياتهم وفي أحكام مجتمعاتهم ولا سيما فيما يخص قوانين الأحوال الشخصية المقررة في الديانتين.
(1/2996)
وأقصد بأوامر أولي الأمر، أوامر أصحاب الحل والعقد من ملوك وسادات قبائل ورؤساء "الملا" و "الندوة". فقد كانت أوامرهم أحكاما تتبع في زمني السلم والحرب. وهم مشرعون ومنفذون: وقد صارت قوانين متبعة. وأشير إلى بعض منها في الموارد الإسلامية.
وقد وصلت الينا أوامر ملكية قتبانية في تنظيم الجباية والتجارة، كما وصلت كتابات فيها تشريعات تخص النواحي القانونية سأتحدث عنها في المواضع المناسبة.
أما أحكام ذوي الرأي فأريد بها أحكام فقهاء الجاهلية الذين عرفوا بالأصالة في الرأي وبالمقدرة في استنباط الأحكام المناسبة في فض المنازعات والخصومات. ولا أريد بتعبير "فقهاء الجاهلية"، طبقة خاصة من علماء الفقه أي القانون، على نمط علماء الفقه عند الرومان أو اليونان أو فقهاء الإسلام،تخصصت بالفقه وبشرائع الجاهليين، وإنما أقصد بهم أولئك الذين طلب اليهم أن يكونوا حكما بين الناس، لوجود صفات خاصة بهم جعلتهم أهلا للقضاء والحكم فيما يشجر بينهم من خلاف. وهم سادات القبائل واشرافها والكهان.
وفي فقه الجاهلية أحكام كثيرة، وضعها مشرعون محترمون عند قومهم، وجرت عندهم مجرى القوانين - وقد نص أهل الأخبار عليها كما نصوا على أسماء قائليها. وقد ذكروا بين تلك الأحكام أحكاما أقرها وثبتها الإسلام. من ذلك حكمهم في "الخنثى" " وهو حكم حكم به "عامر بن الظرب إلعدواني"، و "ذرب بن حوط بن عبد الله بن أبي حارثة بن حي الطائي"، وقد أقر الإسلام حكمهما، ومثل حكم "ذي المجاسد" وهو "عامر بن جشم بن غنم لبن حبيب" في توريث البنات. فقد كانت العرب مصفقة على توريث ألبنين دون البنات، فورث ذو المجاسد، وهو الذي قرر ان للذكر مثل حظ الأنثيين.
وقد وافق حكمه حكم الإسلام.
(1/2997)
إننا لم نسمع حتى الآن بوجود مفتين،أي فقهاء كلفوا إبداء آراء في معضلات تقع فتعرض، عليهم لايجاد حلول ومخارج قانونية لها. ولم نسمع أيضا بوجود حكام كلفوا رسميا من الدولة القضاء بين الناس، ولا أستبعد العثور في المستقبل على كتابات في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية قد تكشف النقاب عن وجود مثل هذه الوظائف هناك، وذلك لأن الحكومات التي ظهرت فيها كانت حكومات منظمة، لها شرائع، ولها صلات مع العالم الخارجي، فلا يستبعد تعيينها أناسا عرفوا بالكياسة وبالرأي السديد وبالعلم في الفقه للحكم بين الناس ولوضع القوانين التي تحتاج اليها الحكومة.
إن عدم تدوين الجاهليين لفقههم، أو عدم وصول شيء مدون منه الينا، لا يكون دليلا على عدم وجود فقه لديهم أو على عدم وجود منطق فقهي لديهم أو يكون دليلا على سذاجة فقهم وبداءته، فإن انعدام التدوين لا يكون دليلا على عدم وجود رأي فقهي عند قوم، فقد كان أهل "لقدمونبا" مثلا وهم من اليونان "يميلون الى الاعتماد على ذاكرتهم يستحفظونها من الأنظمة ما يعتدونه قوانين واجبة المراعاة "، عكس أهل "أثينة" الذبن كانوا ضدهم، فإنهم كانوا يدونون القوانين ويكتبونها للرجوع اليها. وقد أخذت أحكام "لقدمونيا" الشفوية في التشريع بنظر الاعتبار واعتبرت في المدونات القانونية.
ولا بد أن يكون بين الجاهليين "تعامل" و "عرف" متبع في أمور عديدة من أمور الحياة التي عاشوا فيها في مثل حقوق مرور القوافل من مناطق نفوذ القبائل، وحقوق الجباية عن الأموال المستوردة أو المصدرة وفي موضوع العقوبات وما شاكل ذلك.
وقد ذكرت بأن العلماء قد عثروا على بعض كتابات هي أوامر ملكية في الجباية، فلا يستبعد عثورهم في المستقبل على ألواح ومدونات في الفقه.
(1/2998)
ومكان مثل مكة اشتهر أهله بالحذق في التجارة وبثراء بعضهم ثراء كبيرا، وبتعاملهم مع الشرق والغرب،مع الساسانيين ومع البيزنطيين ومع اليمن، وباكتنازهم الذهب والفضة، وبعقدهم العقود وبوجود الكتاب بينهم، وبوجود الرقيق الأبيض عندهم، من ذلك النوع الذي يقرأ ويكتب والذي له وقوف على كتب الأولين، إن مكانا مثل هذا لا يمكن أن يكون بلا فقه وبلا قوانين ومحاكم يتحاكمون بها.
وكيف يكون ذلك فقد خاطب الله رسوله بقوله: ) يستفتونك في النساء، قل: الله يفتيكم فيهن "، و "يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة "و "لا تستفت فيهم منهم أحدا"، وغير ذلك من مواضع فيها معنى الإفتاء. وقد ذكر العلماء أن "الكلالة" اسم لما عدا الولد والوالد من الورثة، وأن رسول الله سئل عن الكلالة فقال:من مات وليس له ولد ولا والد. وأن بعض العلماء فسر الكلالة بأنها مصدر يجمع الوارث والموروث جميعا. وقوم يستفتون في المواريث ويستفتون في النساء هل يعقل ألا يكون لهم فقه وقوانين.
وفي القرآن آيات مثل:" وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون "، و " فاقض ما أنت قاض"، و " لولا كلمة الفصل لقضي بينهم " و" فإذا جاء رسولهم قضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون"، وايات أخرى تشير الى وجود فكرة القضاء بين الناس، والى الحكم بينهم بالقسط. فهل كان الله يخاطب قوما بهذه الايات لو كان المخاطبون قوما يجهلون العدل، ولا يفقهون شيئا عن القضاء? اللهم لا.
(1/2999)
وفي القران الكريم. "يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه. وليكتب بينكم كاتب بالعدل، ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا. فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليته بالعدل، واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر احداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله، ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم، فليس عليكم جناح الا تكتبوها واشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهبد وان تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم. وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن آمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أوتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قبله والله بما تعملون عليم ". وهي في تنظيم الدين والتداين وفي الشهادة على الدين وفي شادات الشهود. في الرهان وهي كلها من صميم عمل قريش. ولا بد وأن يكون لقريش أحكام في تنظيم الأعمال التجارية من بيوع وشراء وعقود مشاركات وأمثال ذلك ولو مقياس يناسب تجارة مكة في ذلك العهد.
ولا أستبعد أن تكون لأهل يثرب أحكام وقوانين في تنظيم الزراعة وفي كيفية التعامل فيما بينهم وفي الربا وبينهم قوم من يهود، وقد كانوا يتاجرون ويشتغلون بالحرف وبالربا، لأن مجتمعها مجتمع منظم لا بد أن تكون له قوانين وفقه ضابط للمعاملات.
(1/3000)
وقد ذهب المستشرق "كولدتزيهر" إلى أن الإسلام قد أقر بعض فقه الجاهليين وأحكامهم، مما لم يتعارض مع مبادىء الإسلام. فأخذ -على رأيه - من قوانين أهل مكة أحكامها وأخذ من فقه أهل المدينة، وهو في نظره أقل تطورا من فقه أهل مكة، ولذلك فإن فقه أهل الحجاز كان من جملة المنابع التي عرف منها الفقه الإسلامي.
وأنا لا أتوقع احتمال عثور العلماء على شريعة أو شرائع في القانون عم تطبيقها بلاد العرب كلها، ولا أؤمل عثورهم على مدونة تشبه "مدونة جوستنيان" في القوانين وضعت لتطبق على كل الجاهليين، ذلك لأن ظهور قوانين عامة منظمة ومركزة ومبوبة، يستدعي وجود حكومة منظمة ذات سلطان مطاع، يشمل سلطانها كل بلاد العرب، ووجود شعب واحد يشعر بتبعيته تجاه حكومته، أو وجود شعور بخوف تجاه تلك السلطة يضطر الناس إلى العمل وفق أحكامها وما تصدره من أوامر،وذلك على نحو ما نراه في الانبراطورية الرومانية والامبراطورية البيزنطية ونحوهما. وإذ كان ما تحدثنا عنه غير موجود ولا معروف في بلاد العرب، لم تظهر قوانين عامة تشمل أحكامها كل العرب. وكل ما ظهر انما هو قوانين خاصة طبقت في حدود مناطق الدولة أو القبيلة أو القرية أو الحلف.
ولما كانت القوانين والشرائع من نبات المحيط، ومحيط جزيرة العرب محيط قبائلي مجتمعاته صغيرة متناثرة متباعدة ومشكلاته محصورة في ضمن إطار حياتهم، فإن المعضلات القانونية عندهم تكاد تكون معدودة نابعة من ظروف جزيرة العرب في الغالب، ومعالجاتها وأحكامها نابعة أيضا من هذه الظروف نفسها، فهي وفق معيشة الجاهليين وأحوالهم الدينية والاجتماعية والاقتصادية والزراعية، ولا يمكن أن نجد فيها ما نراه في قوانين اليونان والرومان من تصنيف وتبويب وتعقيد لاختلاف الحياة وتباين المحيط ونوع الحكم.
العدل.
(1/3001)
الغاية من وضع الأحكام وأمر المجتمع بتطبيق ما جاء فيها، هي ضبط ذلك المجتمع ومنع أفراده من تجاوز بعضهم على حقوق بعض آخر وسلبهم ما يملكون، وذلك لاشاعة "العدل" ورفع الاعتداء الذي هو "الظلم" وهو نقيض العدل. فمن أجل تحقيق "العدالة" سنت الشرائع والأحكام. والعدالة هي المساواة وعدم الانحياز.
وقد نصت شرائع الجاهليين على وجوب تحقيق العدالة بإعطاء كل ذي حق حقه وانصافه. غير ان فكرة "العدالة" تختلف بين البشر باختلاف الأوضاع والازمنة. فقد يكون حكم عدلا عند قوم، ويكون باطلا أي ظالما عند قوم آخرين. وقد يكون عدلا في زمان ويكون باطلا في زمان اخر، لان الظروف التي استوجبتا ضيار الحق حقا والعدل عدلا، تغيرت فتبدلت، فأبطلته أو صار ظلما في نظر الناس. ومن هنا أبطل الإسلام بعض أحكام الجاهلية، وهذب بعضا منها، وأقر بعضا آخر، وذلك لتغير الظروف بمجيء الإسلام وتغير النظر ان أصول العدالة.
لقد صيرت المعيشة القبلية الني عاش فيها اكثر العرب في الجاهلية مفهوم "العدل" أو "الحق" عندهم بصورة تختلف عن مفهومنا نحن للحق والعدل، فالعدالة عندهم لم تكن تتحقق وتؤخذ إلا بالقوة، لذلك أثرت "القوة" تأثيرا كبيرا في تحديد مفهوم "العدل" و "الحق"، فلكي ينال الإنسان حقه كان عليه ان يجاهد بنفسه وبذوي قرابته وعشيرته للحصول على مما يدعيه من حق ويثبته. وهو لا يحصل عليه في الغالب إلا بتهديد ووعيد وبوساطة أو باستعمال للقوة. وضخامة البيت او العشيرة أو للقبيلة، هي من جملة مسببات الحصول على الحق بفرضه فرضا، لذلك صارت القوة هي معيار الحق والعدل، وصار القوي المنيع هو صاحب الحق في الغالب.
(1/3002)
ولما كان الرجل أقوى من المرأة، وقد منح نفسه حق سن الأحكام، صار الحق في الجاهلية في جانبه، فرفع نفسه عنها في أكثر الأحكام، وحرمها الميراث حتى لا يذهب الإرث الى غريب، و قايضها بديونه أو بجناية تقع منه كما في "فصل الدم" وفي زواج البدل وفي منع المرأة من الزواج إلا من قريبها لوجود حق الدم عليها " وفي منع زواج زوجات الاباء.إلا برضى ابناء الأب وذوي قرابته، لأنه أحق بالزواج منها، وغير ذلك من أمور، جعل المرأة عرضا وملكا، حتى حرم الإسلام كثيرا من هذه السنن الجاهلية التي لم يكن الجاهليون يرون أنها تنافي مبدأ العدالة، لأن ظروفهم الاجتماعية لم تكن توحي اليهم أن اعتبار المرأة دون الرجل في الحقوق شيئا منافيا للحق والعدل، فقد وجدوا أن الطبيعة خلقتها دونهم في القوة، فجعلوها من ثم دونهم في الحقوق، ولم يسن امامها بالطبع غير الاستسلام.
فالحق هو القوة، والعدل هو القوة، ولن ينال امرؤ حقه إلا إذا كان مالكا لذلك الحق وهو القوة على تحصيل الحق. وبهذا الحكم للحق، حرم المرأة من ميراثها كما ذكرت، كما حرم من هو دون سن البلوغ، ومن لا يستطيع القتال من هذا الحق أيضا. فلم يحرم القانون الجاهلي المرأة وحدها ودون غيرها من الإرث، لمجرد انها امرأة، بل حرم الأولاد منه ايضا ما داموا دون سن القتال. فقد وجد المشرع الجاهلي ان من الحيف اعطاء الطفل إرثا، وهو طفل لا يستطيع الطعن بالرمح ولا الضرب بالسيف، لذلك حرمه منه ما دام طفلا، وحرم الكبار منه ما داموا لا يستطيعون الطعن ولا الضرب بالسيف والذب عن الحق. ولا سيما عن حق الأهل والقبيلة،الذي هو الحق العام. لذلك حرم المعتوه ايضا من حق الإرث، لأنه معتوه لا يستطيع حمل السيف والدفاع عن الحق.
(1/3003)
ومن هذه النظرة اخذوا مبدأ تفاوت الحقوق ت بأن جعلوا تقدير الحق على اساس درجات الإنسان ومكانته، ومنزلة القبيلة ومكانتها، فدية الملك مثلا" أعلى من دية سيد القبيلة، ودية سيد القبيلة فوق ديات الآخرين، وهكذا على حسب الدرجات، ودية سيد قبيلة قوية هي أكثر من دية سيد قبيلة ضعيفة، ودية رجل من سواد قبيلة قوية هي ضعف دية رجل من درجته ومنزلته في قبيلة ضعيفة، وسبب هذا التباين في الحق هو أن مفهوم الحق عند الجاهليين كان يقوم على أساس الاعتبارين المذكورين:كمكانة المرء ودرجة القبيلة، ولا يقتصر اصل تفاوت الحق هذا على "الديات" اي على التعويض عن الضرر فقط، بل اقر التشريع الجاهلي رأي "التفاوت في الحق" في كل الحقوق الأخرى، مثل حقوق الغنائم الني يحصل عليها المنتصرون من الغزو أو الحرب. فأعطت الملك حقوقا خاصة في الغنائم، ووضعت لسادات القبائل أنصبة معينة فيما يقع في ايدي افراد القبيلة من غنائم، بان جعلت لهم: النشيطة وهي ما اصيب من الغنيمة قبل ان يصير الى مجتمع الحي، والصفايا وهي ما يصطفيه الرئيس، والفضول وهو ما عجز ان يقسم لقلته فيخصص بسيد القبيلة، والمرباع وهو حق سيد القبيلة في أخذ ربع الغنائم. وقد جمعت هذه الحقوق في هذا البيت: لك المرباع منا وألصفايا وحكمك والنشيطة والفضول
وأعطى التشريع الجاهلي الملوك وسادات القبائل والأشراف حق "الحمى"، لا يشاركهم فيه مشارك ولا يرعاه احد غيرهم. بل يكون صاحب الحمى شريك القوم في سائر المراتع حوله.
واخذت شرائع الجاهليين بمبدأ ان الإنسان: إما حر وإما عبد اي رقيق مملوك، والرقيق هو ملك سيده، ولذلك، فإن ما يكون له أو ما يكون عليه يختلف في القوانين عما يكون للاحرار من حقوق وأحكام.
(1/3004)
وهو مبدأ لم يكن خاصا بالجاهليين وحدهم، ولكن كان عاما في ذلك الزمن اخذت به جميع الأمم. وقد نص عليه في القوانين الرومانية واليونانية وفي الشريعة اليهودية. والعبد، هو كما قلت ملك صاحبه، وهو "ملك يمين"، إلا ان يمن عليه بالحرية، فيكون حرا. أما إذا بقي عبدا في ملك صاحبه، فإن نسله يكونون عبيدا بالولادة ايضا. والعبدة، اي المملوكة تكون ملكا لسيدها،يتصرف بها كما يشاء. ومن حقه الاتصال بها دون حاجة إلى عقد زواج، لأنها ملك، والمالك يتصرف بملكه على نحو ما يحب.
ويعبر عن "الحر" ب "حرم" أي "حر" في اللهجات العربية الجنوبية، أما الرقيق، فقد عبر عنهم ب "ادم"، أو "اوادم" بالمصعطلح العراقي، وب "عبدم"، اي "عبد". ويقال لعبدة "امت"، اي "أمة". فالأمة هي الأنثى المملوكة في تلك اللهجات.
وقد اشير إلى هذا التقسيم الطبقي في النصوص التشريعية التي اصدرها حكام العربية الجنوبية، وذلك بأن نص فيها على ان تلك الأحكام تطبق على الأحرار وعلى العبيد، أو على الأحرار دون العبيد، أو على العبيد دون الأحرار، والنص على ذلك فيها امر ضروري لتوضيح الحقوق والالتزامات بالنسبة إلى مجتمع ذلك الوقت، ولتعرف بذلك الواجبات المفروضة على كل فرد من أفراده.
والعبودية حسب القوانين وراثية، فابن العبد عبد، وابنة العبدة عبدة،وهكذا تنتقل العبودية بالوراثة في الأجيال دون انقطاع، ولن يقطعها ويقضي عليها إلا تنازل مالك العبد عن عبده وممن يتبعه من نسله تنازلا شرعيا بإعلان يعلن عن ذلك وبكتاب يكتب في بعض الأحيان. وسبب ذلك ان العبد ملك يمين، وملك اليمين مثل كل ملك. والملك حق مقدس للفرد لايجوز الاعتداء عليه.
(1/3005)
والحر قد يصير عبدا، ولو ولد حر الرقبة. فإذا أفلس رجل، ولم يتمكن من الوفاء بما عليه من دين عليه تأديته لدائنيه، واذا وقع في سباء أو أسر، صار عبدا. إلا إذا قبل الدائن اعفاءه من ديونه، أو من " آسره عليه، فرده الى اهله أو دفع فدية عن نفسه، كما سأتحدث عن ذلك فيما جد.
وأخذ التشريع الجاهلي بمبدأ ان ما يطبق على افراد القبيلة من قوانين واحكام يكون خاصا بالقبيلة.اما مما يطبق على الأشخاص الذين يكونون من قبيلتين مختلفتين أو من قبائل عديدة فإنه يكون خاضعا للعرف، المقرر بين القبائل، فهو قريب مما يسمى بالقوانين الدولية في الزمن الحاضر. اما القوانين التي تطبق في القبيلة، فإنها تشبه قوانين الدولة الواحدة. فالشخص إذا ما ارتكب عملا مخالفا داخل حدود قبيلته اي مع افراد القبيلة، عومل وفق أحكام القبيلة. أما إذا ارتكبها مع شخص من قبيلة أخرى، عومل وفق العرف القبلي، لا وفق عرف القبيلة.
المسؤولية "التبعة": الأصل في المسؤولية وفي الحق هو: كل امرىء وما عمله، اي إن الفاعل الذي يقع منه فعل يكون هو المسؤول عن فعله. هذا هو الأصل في المسؤولية إلا أن التشريع الجاهلي أخذ أيضا بمبدأ انتقال المسؤولية من الفاعل إلى ذوي قرابته الادنين، ثم الأبعدين، فالعشيرة أو القبيلة في حالة عدم التمكن من القصاص أي من اخذ الحق من الفاعل. وذلك بقانون العصبية. فالجماعة التي هي "القبيلة" تكون مسؤولة بعرف العصبية في النهاية عن كل عمل يقوم به احد أفرادها لارتباطها ب "العصبية" وعلى كل افرادها تحمل مسؤولية أي فرد من افرادها وضمان أداء ما يقع عليه من حق في حالة امتناعه، أو عدم تمكنه هو أو ذوي قرابته من تنفيذ أداء الحق.
(1/3006)
فالقاتل مثلا إذا لم يسلم للاقتصاص منه يقتله، أو لم يتمكن اهل القتيل من قتله، انتقل حق اهل القتيل إلى قتل اقرب الناس اليه ثم الأبعد وهكذا، أخذا بثأر القتل. ويؤدي ذلك إلى التوسع في القتل في الغالب، مع عدم سقوط حق ذوي القتيل في البحث عن القاتل لقتله، لأن الأصل في كل جريمة هو الفاعل الأصل. وفي الديات، تؤخذ من اهل القاتل في الأصل، فإن لم يتمكنوا فمن ذوي قرابتهم الأدنين ثم الأقرباء الأبعدين على العصبات حتى تصل إلى حدود العشيرة أو القبيلة بقانون العصبية، فيوزع مقدار الدية على أفراد القبيلة كل على حسب مركزه، وهي تعقل بذلك عن أبنائها، ويحمل أفرادها بقدر ما يطيقون. ويقال لذلك "المعاقلة".
وقد ذكر ان العقل: الدية، سميت عقلا" لأن الدية كانت عند العرب في الجاهلية إبلا لأنها كانت أموالهم. فسميت الدية عقلا، لأن القاتل كان يكلف ان يسوق الدية إلى فناء ورثة المقتول، فيعقلها بالعقل، ويسلمها إلى أوليائه. وقد جرت عادة الجاهليين ان اهل القرية لا يعقلون عن اهل البادية ولا اهل البادية عن اهل القرية، فكل طبقة ملزمة بالعقل عن طبقتها.
وقد ورد في نص قانوني مدون بالمسند ان الجماعة تكون مسؤولة عن أية جريمة تقع في حماها إذا لم يعرف الجاني، أو إذا لم يسلم الى الحاكم. ومعنى هذا لزوم إسهام "الجماعة" في البحث عن المجرمين للاقتصاص منهم،وإلا اعتبرت مسؤولة عن الضرر الذي وقع بفعل الجاني. فإذا وقع قتل في مكان ما ولم يعرف القاتل أو لم يسلم إلى الحاكم، أمهله اهله أربعة ايام للبحث عنه ولتسليمه، فإن لم يسلم يصادر حصاد الجماعة أو يصادر ما عندهم من مال، ويودع في خزانة الحكومة أو المعبد رهنا، إلى صدور حكم الملك أو الحاكم بالقضية.
(1/3007)
وغاية المشرع من وضع هذا القانون هو إشراك الجماعة مع الحكومة في تعقب المجرمين والقبض عليهم، ثم التعويض على أهل القتيل بدفع الدية، اي ثمن الضرر الذي لحق بهم في حالة عدم التمكن من الوصول إلى القاتل لأخذ حق الدم منه.
وتكون الطوائف مسؤولة كذلك عما يلحق أفرادها من أضرار، فإذا مات شخص في اثناء قيامه بعمل كلف إياه أو اصيب بضرر في اثناء أدائه ذلك العمل، وكان ذلك الرجل معدما، فعلى طائفته دفع تعويض عما أصابه يوضع في خزانة المعبد.
سقوط المسؤولية
ولا تسقط مسؤولية الأهل عن جرائم ابنائهم، ولا مسؤولية القبيلة عن افعال افرادها إلا إذا اسقطت "العصبية" عنهم. على أن يعلن عن إسقاطها في الأماكن العامة وبصورة صحيحة شرعية. ليكون ذلك معروفا بين الناس. وإلا بقيت المسؤولية قائمة في رقبة من تقع عليهم. ومتى "خلع" الخليع واشهد الشهود على خلعه صار أقرباؤه واهل قبيلته في حل منه.، ليس لهم تلبية ندائه واستغاثته وإلا تحملوا وزره من جديد.
ومتى خلع الإنسان سقطت عندئذ مسؤوليات عمله عن اهله واقربائه، وحصرت به وحده. وعليه ان يحمي نفسه بنفسه، وان يدافع عن جرائره بيده. ويقال لهذا الإنسان "الخليع". فإذا قتل لا يسأل اي احد من قومه عن عمله. وإذا قتل ذهب دمه هدرا. ولهذا قاسى الخليع حياة قاسية شديدة تنتهي بهلاكه في الغالب نتيجة خروجه على أنظمة قومه وقوانينهم. اللهم إلا إذا تاب ورجع عن غيه ووجد من يؤويه ويحميه. من اهله أو غيرهم،يحتمل ما قد يقع في المستقبل منه، ويدفع فداء ما وقع منه واصلاح ما احدثه من أضرار.
وإذا وجد "الخليع" من يكفله وينعم عليه بحق الجوار انتقلت مسؤولية عمله إلى من من عليه بجواره، وعلى المجير عندئذ تحمل كل تبعة تصدر من ذلك الخليع، ما دام يتحمل حق الدفاع عنه وحمايته.
إزالة الضرر
(1/3008)
إزالة الضرر، حق عام من حقول الحقوق في القانون يشمل إزالة كل ضرر يلحق بشخص من تعد يقع على ملكه أو ظلم يلحق به، أو من اعتداء حيوان يصير عليه أو على ملكه. إلى غير ذلك من أضرار متعمدة أو غير متعمدة تلحق بمضرور. وقد قررت سنة الجاهليين إزالة الضرر وتعويض المتضرر. كما قررت ذلك كل القوانين والأديان للشعوب الأخرى. لأن الضرر ظلم، والظلم يجب أن يزال.
والضرر المتعمد، هو الضرر الذي يقع من شخص مسؤول عن تصرفاته، اي من انسان عاقل مالك لزمام نفسه، تعمد إلحاق ضرر بشخص آخر، أما الضرر الغير المتعمد فهو الضرر الذي يقع من مثل هذا الشخص من دون تعمد ولا قصد أو غاية. فضرره أخف من الضرر الأول، لأن عنصر الجريمة غير موجودة فيه. ويدخل في الضرر العمد، كل ضرر يأمر به انسان حر أتباعه من امثال النساء والأطفال والرقيق والحيوان إلحاقه عمدا بشخص آخر، فعنصر الجريمة متوفر في أفعال هؤلاء. ولما كان هؤلاء تبع، فتقع مسؤولية فعلهم على سيدهم بالدرجة الأولى، لأنه هو المسؤول شرعا عنهم، بحكم ولايته لهم، وتبعيتهم له.
كما يكون مسؤولا أيضا عن كل ضرر يقع عنهم من غير عمد للسبب المذكور. ولا تسقط العقوبة عن التبع ايضا. فقد فرضت شرائع الجاهليين عقوبات على التبع لما يقع منه من ضرر متعمدا اوعن خطأ.
(1/3009)
ومن قبيل الضرر الخطأ، إهمال السيطرة على الماء كإغفال أمر السدود، فإذا سال الماء إلى أرض أخرى فألحق ضررا بها وجب على صاحبه دفع تعويض عن الضرر الذي ألحقه الماء بالمالك صاحب الأرض المتضررة. ومن هذا القبيل أيضا سقوط بناء أو حائط على شخص، وسقوط عامل يشتغل أجيرا لصاحب بناء، فيجب في مثل هذه الأحوال إزالة الأضرار الني تقع بدفع تعويض لمن وقع الضرر عليه أو لمن يعيله أو يرثه في حالة الوفاة. ويزال الضرر الذي قد يقع في البيوع وفي الشراء بسبب غش وخداع أو مخالفة لوصف. فإذا باع بائع شيئا ثم تبين أن في المباع عيبا لم ينبه البائع المشتري عليه ولم يخبره به مع علمه به، فمن حق المشتري ارجاع المباع إن أراد، لوجود ذلك العيب فيه، وللمشتري حق المطالبة بإزالة الضرر عنه بتعويضه عن ضرره إن شاء ذلك. ومن هذا القبيل إزالة الضرر عن الجار إذا وقع تعد عليه بالتجاوز على أرضه أو بإيذائه أو بالانتفاع بملكه بصورة تؤذي ملك جاره أو تقلق راحته. فيجب في مثل هذه الأحوال إزالة الضرر وتعويضه عن الخسائر التي نجمت عنه.
الولاية -
والولي هو من يتولى أمر غيره، ويكون وليا شرعيا عليه. فالأب هو ولي أمر أبنائه، لأنه هو المسؤول الطبيعي عنهم. والجد هو ولي أمر أحفاده في حالة وفاة ابنه أو غيابه والأعمام أولياء أمور أولاد الاخوة في حالة غيابهم أو وفاتهم، والأخ الأكبر البالغ هو ولي أمر أخوته القصر. وهكذا حسب العصبات.
(1/3010)
وتعلم الولاية للولي حق الاشراف على شؤون المولى عليهم. وللاب حق مطلق في الولاية على أبنائه. له أن يتصرف بهم كيف يشاء. حتى في حق الحياة، فيقدم ابنه قربانا للالهة إن نذر ذلك. والوأد مثل على ذلك. وكان من حق الأب رهن أولاده في مقابل دين له أو تنفيذ عهد عليه. ومن حقه تأديب أولاده على النحو الذي يريده. ويدخل في ضمن ذلك الضرب والطرد والخلع والحرمان من الإرث، وحق اختيار الزوج للبنت وأخذ مهر ابنته. وتلك حقوق أقرتها شرائع أكثر الأمم في ذلك العهد.
الملك والملك حق مقدس. معترف به في الجاهلية. فمن يملك شيئا، امتنع على غيره التصرف به، إلا باذن من مالكه وبتخويل منه، وإلا عد المتجاوز مغتصبا أو سارقا. ويعبر عن الملك والتملك بلفظة "قن" و "قنى" في العربية الجنوبية. وتؤدي لفظة "هقنى" و "سقنى" معنى "قنى" في عربيتنا، أي فعل ماض يؤدي معنى "امتلك". وأما "اقتنى"، فتعني الأملاك، وتعني لفظة "قنيت"، المقتنيات وألأملاك في كتابات الصفويين. وقد عبر بها عن معنى "رقيق" أي عبد، وذلك لأن العبد هو في حكم ملك يمين. وهناك لفظة أخرى في هذا المعنى أيضا، وهي لفظة "عسى"، فهي تعني امتلك وملك و اقتنى.
واذا اشترى أحدهم ملكا: أرضا أو عقارا أشار اليه وأعلن عنه وعن حدوده وعن أوصافه. وقد وصلت الينا كتابات عربية جنوبية عديدة هي عبارة عن وثائق تملك، أي "سندات تملك" "سندات طابو" في اصطلاح أهل العراق في الزمن الحاضر، حددت وأشارت إلى معالمه ومحتوياته بدقة. وقد استعملت بعض الألفاظ الدالة على الإعلان والإخبار للناس ليقفوا على ذلك، مثل لفظة "علم" ومعناها "أعلم" و "أعلن"، ليكون ذلك مفهوما، فلا يعذر من يريد التطاول على الملك، ولا يحتج بأنه لا يعلم عن مخالفته، لما جاء في الوثيقة المكتوبة التي توضع في محل بارز وفي واجهة الملك ليقرأها المارة.
(1/3011)
ويعبر في بعض اللهجات العربية الجنوبية عن الأرض المستغلة للزراعة بلفظة "أرضت"، أي "أرض"، وبلفظة أخرى هي: "صربت" وذلك في اللهجة القتبانية، والجمع "صروب"، وتؤدي معنى أرض زراعية مملوكة.
والأموال هي ملك لصاحبها، وتقسم إلى اموال منقولة، وهي التي يمكن نقلها بتنقل الملك من صاحب المال، وأموال غير منقولة، وهي الأموال الثابتة. وهي مثل الأرض والدور وغير ذلك. وأما الأموال المنقولة، فمثل الإبل والخيل والمواشي والثياب وأدوات البيت. والغالب في المال عند الأعراب هو الإبل، ولذلك نجد أن تعاملهم كان بها. واذا ذكر المال، انصرف الذهن إلى الإبل، لأنها أعز ما يملكون. ولهذا قيم بها القيم، وعليها وضعت مقادير الديات والأفدية و المهور.
ولدينا اليوم نصوص تتعلق بتملك الأرض وبكيفية توزيعها وايجارها واستثمارها، وأوامر ملكية في تأييد وتثبيت قوانين سابقة بخصوص حقوق التملك، ومعنى ذلك اقرارها على ما كانت عليه. وهي تفيدنا - على قلتها - فائدة كبيرة في تكوين رأي عن حقوق الملك والتملك عند العرب الجنوبيين.
(1/3012)
وكل إنسان حر عاقل، هو إنسان مالك لنفسه حر في تصرفه وفي ألتصرف في ماله، ولكنه معرض إلى فقدان حريته في الوقت نفسه،بموجب سلطان القانون. فالقانون الذي قدس الحرية الشخصية وحق الملكية وفي مقدمتها حق أن كل انسان حر، هو إنسان حر، أجاز في الوقت نفسه حق سلب هذا الحق وإبطاله، وتحويل الإنسان من إنسان حر، إلى إنسان مملوك، أي رقيق. فإذا وقع إنسان حر في سبي إنسان آخر، صار ملكا لمن سباه، وعلى المسبي ارضاء سابيه للمن عليه بفك أسره ومنحه الحرية. وذلك إما بالمن عليه منا دون مقابل وثمن، واما بشراء نفسه بفداء يقدمه الى سابيه يرضيه ويطمعه حتى يفك أسره، وإلا صار في ملكه وفي عداد مواليه، إلا إذا هرب، وفلت من تعقب آسره له، وتمكن من الوصول إلى وطنه. فيكون حرا اذ ذاك. ولأسر الأسير بالطبع حق بيعه وحق استخدامه، لأنه انسان رقيق. وقد أجاز ذلك القانون بيع المدين أيضا إذا لم يتمكن المدين من الوفاء بدينه، كما أجاز له حق بيع نفسه أو بيع من هم في رعايته وتربيته متى شاء. ومتى بيع الشخص فقد حريته،وصار في عداد الرقيق.
الملك ملك الآلهة
والملك ملك الآلهة وكل شيء على هذه الأرض، من مال وعقار هو ملك للالهة. للانسان حق الانتفاع به وانمائه لخيره في مقابل شكره لها وتأدية الفرائض التي فرضتها الآلهة عليه. ومنها دفع ضريبة حق الانتفاع عن هذا التملك إلى الجهات المسؤولة عن رعاية حقوق الآلهة، وهي المعابد ومن يتكلم باسمها وهم رجال الدين. وهذه النظرة إلى الملك التي نجدها عند العرب الجنوبيين، قريبة جدا من النظرة الإسلامية التي تلخص في ان المال مال الله، وان الملك ملك الله، وان الأرض ومن عليها أرض الله وان الناس عبيده.
(1/3013)
أما ملك الإنسان فهو بتفويض من الآلهة وبتخويل شرعي منها. وذلك بالحق الشرعي الذي أمرت به. وبحق الانتقال الشرعي الذي أمرت الالهة به، بالإرث أو بالشراء أو بتنازل جهة مخولة شرعية عن حقها في ملكية ذلك الشيء اليه، وبما أشبه ذلك. فالملك عندئذ يكون ملكه، وهو حق مقدس له، لايجوز لأحد منازعته عليه ومطالبته به بغير حق ولا وجه شرعي. هو في ملكه وفي حيازته وله حق الانتفاع به. وتؤدي لفظة "جول" معنى ملك وتملك وحيازة وحق الانتفاع المطلق بالملك. فالملك هو ملك الإنسان من حيث الحيازة والتصرف والحق، أي من الناحية العملية، ولكنه ملك الآلهة، مالكة كل لشيء من حيث الوجهة النظرية و الأصل.
والملك حق مقدس أبدي، لا ينتقل من مالكه إلى غيره إلا بطرق شرعية وموافقة واختيار مثل بيعه أو اهدائه أو التنازل عنه ومما شابه ذلك، وهو ينتقل بطريق الإرث الشرعي إلى الورثة. لأن الآلهة أمرت بألإرث، وجعلت حماية حق الملك في رعايتها وحماها. ومن هذا القبيل ملكية المقابر. حيث يعد القبر ملكا خاصا بصاحبه وبمن أمر ونص على دفنه معه وهو في حياته فلا يجوز تغيير ملكيته ولا دفن أي غريب فيه ما لم يأذن أحد من المالكين بدفنه فيه. ولهذا وضعت تحت حماية الآلهة، وطلب منها أن تنزل العمى والعور والمرض وكل أنواع الأذى ممن يتطاول على حرمة المقابر،فيقبر غريبا فيها أو يغير من معالمها أو يزيل شاخص القبر المثبت فوق القبور. فالقبر أرض وقف حبست على أصحابه الشرعيين. وكما أن للوقف حرمة في الإسلام، فلا يجوز التطاول عليه، كذلك هو شأن القبرعند الرب الجاهلين من جنوبيين ومن نبط و صفويين ومن قوم ثمود ولحيانيين وغيرهم، لا يجوز مسه بأي سوء ولا أحداث أي تغيير في معالمه ولا أزالته لأنه ملك حبس على من أقامه وبناه واشترى أرضه أو أقامه في ملكه.
(1/3014)
الحكام: ويعرف من يحكم بين الناس فيما يشجر بينهم من خلاف وخصومة ب "الحكم" و ب "الحاكم"، لأنه يحكم بالشيء، أي يقضي بأنه كذا، سواء ألزم أحدا به، أو لم يلزمه. والجمع "حكام". وما يصدره الحاكم من رأي وقرار هو "حكم"، لأنه يقضي بشيء على شيء. والمتنازعون "يحكمون" الحاكم، ليحكم بينهم. فهو "محكم" والجمع "محكمون" وإذا عرضت قضية على حاكم، فإنه "يحكم" فيها بما يراه. وإذا فرغ من النظر فيها وعمل رأيه، أصدر "حكمه" فيها.
وقد جاء في القرآن الكريم في موضوع التحكيم وحدوث الشقاق: "وان خفتم شقاق بينهما، فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلهما إن يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما ". والعادة عند الجاهلية وفي العرف القبلي حتى اليوم، انتخاب كل طرف من الطرفين المتخاصمين "حكما" أو "جملة محكمين" يرضى الطرفان عنهم ويثقان بنزاهتهم وبعدلهم وبعدم انحيازهم إلى أحد الطرفين، فتعرض عليهم،القضية للفصل فيها. ويقال لذلك "التحكيم"، ولمن ينظرون فيه "المحكمون"، وتقابل كلمة "حكم" لفظة Arbitrator في الانكليزية.
وقد نعت الله ب "خير الحاكمين" و ب "أحكم الحاكمين" في القرآن. ورأى بعض العلماء وجود فرق بين "حكم" و "حاكم". فقال: "ويقال حاكم وحكام لمن يحكم بين الناس ". قال الله تعالى: " وتدلوا بها إلى الحكام" والحكم المتخصص بذلك، فهو أبلغ. قال الله تعالى: " أ فغير الله ابتغى حكما "، وقال عز وجل: "فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها". وإنما قال حكما ولم يقل حاكما تنبيها أن من شرط الحكمين أن يتوليا الحكم عليهم ولهم بحسب ما يستصوبانه من غير مراجعة لهم في تفضيل ذلك .
ومنهم من جعل "الحكم" الشخص الذي ينظر في العرف،و "الحاكم" الشخص الذي ينظر في القوانين، أي في مقابل "A just Ruler" في الانكليزية، ولكن هذا المفهوم متأخر، وليس من المؤكد إذا كان الجاهليون قد فرقوا بين الشخصين..
(1/3015)
ويذكر علماء اللغة ان الحاكم انما سمي حاكما، لأنه يحكم بين الناس ويمنع الظالم من الظلم. وأصل الحكومة رد الرجل عن الظلم. والحكم القضاء بالعدل. وفي هذا المعنى قال النابغة: واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت إلى حمام سراع وارد الثمد
والمحاكمة المخاصمة إلى الحاكم. والحكمة: القضاة، لأنهم يقضون بين الناس ويفصلون في الأمر، ولذلك يقال: قضى الحاكم بكذا، أو قضى القاضي بكذا. وقد ورد: "القضاء عسر" في معنى الحكم. وقد استعملت لفظة "القضاء" في الإسلام في معنى "الحكم" بين الناس، واستعملت كلمة "القاضي" في مكان "الحاكم"، إذا أخذت "الحاكم" معنى خاصا في الإسلام. وليست لدينا فكرة واضحة عن مدى استعمال لفظتي "القضاء" و "القاضي" في الناحية الفقهية عند الجاهليين. غير اننا نجد في القرآن للكريم: "فاقض ما أنت قاض"، كما نجد أهل الأخبار يذكرون ان "عامر بن الظرب العدواني" اشتهر بين الجاهليين ب "حاكم العرب" وب " قاضي العرب ". واذا صح ان الجاهليين أطلقوا حقا عليه اللقب الثاني، فتكون كلمة "قاضي" في معنى "حاكم" عندهم، و انها كانت مستعملة عندهم بهذا المعنى.
ورب العائلة وسيدها هو القاضي بينها والحاكم الذي له حق الحكم فيما يقع بين أفراد العائلة التابعين له من خلاف. فإذا وقع خلاف بين عائلة ما،هرع المتخاصمون إلى وجيههم وسيدهم المطاع فيهم، يعرضون عليه ما وقع بينهم، ويرجون منه ان يكون حكما بينهم، يحسم ما حدث. وبعد أن يستمع إلى حجج الطرفين ويسمع بنفسه ما قد يقول