المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخبرعن مهلك الأمير أبي يحيى وما كان أثر ذلك من الأحداث



الشيخ عودة العقيلي
07-07-2011, 05:28 PM
التي تمخضت عن استبداد أخيه يعقوب بن عبد الحق بالأمر لما رجع الأمير أبو يحيى من حرب يغمراسن بسجلماسه أقام أياماً بفاس‏.‏ثم نهض إلى سجلماسة متفقداً لثغورها فانقلب منها عليلاً‏.‏وهلك حتف أنفه على سرير ملكه في رجب سنة ست وخمسين أمضى ما كان عزماً وأطول إلى تناول الملك يداً‏.‏اختطفته يد المنون عن شأنه ودفن بمقبرة باب الفتوح من فاس ضجيعاً للمولى أبي محمد الفشتالي كما عهد لأهل بيته‏.‏وتصدى للقيام بأمره ابنه عمر واشتمل عليه عامة قومه ومالت المشيخة وأهل الحل والعقد إلى عمه يعقوب بن عبد الحق وكان غائباً عن مهلك لمخيه بتازى فلما بلغه الخبر أسرع اللحاق بفاس وتوجهت إليه وجوه الأكابر‏.‏وأحس عمر بصاغية الناس إليه‏.‏وحرضه أتباعه على الفتك به فاعتصم بالقصبة‏.‏وسعى الناس في الإصلاح بينهما فتفادى يعقوب من الأمر ودفعه إلى ابن أخيه على أن يكون له بلاد تازى وبطوية وملوية‏.‏ولما لحق بتازى واجتمع إليه كافة بني مرين عذلوه فيما كان منه فاستلام‏.‏وحملوه على العودة في الأمر ووعدوه من أنفسهم المظاهرة والمؤازرة فأجاب وبايعوه وصمدوا إلى فاس‏.‏وبرز عمر للقائه فانتهى إلى المسجدين‏.‏ولما تراءى الجمعان خذله جنوده وأسلموه فرجع إلى فاس مفلولا‏.‏وجه الرغبة إلى عمه أن يقطعه مكناسة‏.‏ونزل له عن الأمر فأجابه إلى ذلك‏.‏ودخل السلطان أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق مدينة فاس مملكاً سنة سبع وخمسين وتمشت طاعته في بلاد المغرب ما بين ملوية وأم ربيع وسجلماسة وقصر كتامة‏.‏واقتصر عمر على إمارة مكناسة فتملكها أياماً ثم اغتاله من عشيره عمر وإبراهيم ابنا عمه عثمان بن عبد الحق والعباس ابن عمه محمد بن الحق فقتلوه وثاروا منه بدم كانوا يعتدونه عليه‏.‏وهلك لعام وبعض عام من أمارته فكفى يعقوب شأنه‏.‏واستقام سلطانه وذهب المنازع والمشاق عن أمره‏.‏وكان يغمراسن بعد مهلك قرنه الأمير أبي يحيى سما له الأمل في الأجلاب على المغرب فجمع لذلك قومه واستجاش بني توجين ومغراوة وأطمعهم في غيل الأسود‏.‏ونهضوا إلى المغرب حتى انتهوا إلى كلدامان صمد السلطان يعقوب بن عبد الحق إلى لقائهم فغلبهم ورجعوا على تعبية ومر يغمراسن ببلاد بطوية فأحرق وانتسف واستباح وأعظم فيها النكاية‏.‏ورجع السلطان إلى فاس وتقبل مذهب أخيه الأمير أبي يحيى في فتح أمصار المغرب وتدويخ أقطاره‏.‏وكان مما أكرمه الله به أن فتح أمره باستنقاذ مدينة سلا من أيدي النصارى فكان له فيها أثر جميل وذكر خالد على ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏كان يعقوب بن عبد الله قد استعمله الأمير أبو يحيى على مدينة سلا لما ملكها كما ذكرناه‏.‏فلما استرجعها الموحدون من يده أقام يتقلب في جهاتها مرصداً لأهلها وحاميتها‏.‏ولما بويع عمه يعقوب بن عبد الحق أسفته بعض الأحوال فذهب مغاضباً حتى نزل غبولة‏.‏وألطف الحيلة في تملك رباط الفتح وكسلا ليعتدها ذريعة لما أسر في نفسه فتمت له الحيلة وركب عاملها ابن يعلو البحر فاراً إلى أزمور‏.‏وخلف أمواله وحرمه فتملك يعقوب بن عبد الله البلد‏.‏وجاهر بالخلعان وصرف إلى منازعة عمه السلطان أبي يوسف وجوه العزم وداخل تجار الحرب في الإمداد بالسلاح‏.‏فتحاوروا في ذلك وكثرت سفن المترددين بينهم حتى كثروا أهلها واهتبلوا غرة يوم الفطر من سنة ثمان وخمسين عند شغل الناس بعيدهم‏.‏وثاروا بسلا وسبوا الحرم وانتهبوا الأموال وضبطوا البلد‏.‏وامتنع يعقوب بن عبد الله برباط الفتح وطار الصريخ إلى السلطان أبي يوسف‏.‏وكان بتازى متشرفاً لأحوال يغمراسن فنادى في قومه وطاروا بأجنحة الخيول‏.‏ووصلها ليوم وليلة وتلاحقت به أمداد المسلمين من أهل الديوان والمطوعة‏.‏ونازلها أربع عشرة ليلة ثم اقتحمها عليهم عنوة وأثخن فيهم بالقتل‏.‏ثم رم بالبناء ما كان متثلماً من سورها الغربي حيث أمكنت منه الفرصة في البلد‏.‏وتناول البناء فيه بيده‏.‏والله لا يضيع عمل عامل‏.‏وخشي يعقوب بن عبد الله بادرة السلطان فخرج من رباط الفتح وأسلمه فضبطه السلطان وثقفه‏.‏ثم نهض إلى بلاد تامسنا وأنفى فملكها وضبطها‏.‏ولحق يعقوب بن عبد الله بحصن علودان من جبال غمارة فامتنع به‏.‏وسرح السلطان ابنه أبا مالك عبد الواحد وعلي بن زيان لمنازلته‏.‏وسار إلى لقاء يغمراسن لقاءة المهادنة فلقيه بوادي محرمان‏.‏وافترقا على السلم ووضع أوزار الحرب‏.‏ورجع السلطان إلى المغرب فخرج عليه بنو أخيه أولاد إدريس‏.‏ولحقوا بقصر كتامة‏.‏وشايعوا يعقوب ابن عمهم عبد الله على راية واجتمعوا إلى كبيرهم محمد بن إدريس فيمن إليهم من العشير والصنائع فنهض إليهم واعتصموا بجبال غمارة‏.‏ثم استنزلهم واسترضاهم‏.‏وعقد لعامر بن إدريس سنة ستين على عسكر من ثلاثة آلاف فارس أو يزيدون من المطوعة من بني مرين أغراهم إلى العدوة لجهاد العدو وحملهم وفرض لهم‏.‏وشفع بها عمله في واقعة سلا وهو أول جيش أجاز من بني مرين فكان لهم في الجهاد والمرابطة مقامات محمودة وذكر خالد تقبل سبيلهم فيها خلفهم من بعدهم حسبما نذكره‏.‏وأقام يعقوب بن عبد الله خارجاً بالنواحي منتقلاً في الجهات إلى أن قتله طلحة بن محلى بساقية غبولة من ناحية سلا سنة ثمان وستين فكفى السلطان شأنه وكان المرتضى منذ توالت عليهم الوقائع واستمر الظهور لبني مرين انحجز في جدرانه وتوارى بالأسوار عن عدوه فلم يسم إلى لقاء زحف ولا حدث نفسه إلى شهود حرب واستأسد بنو مرين على الدولة وشرهوا إلى التهام البقية وأسفوا إلى منازلة مراكش دار الخلافة كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن منازلة السلطان أبي يوسف حضرة مراكش دار الخلافة

وعنصر الدولة وما كان أثرذلك من نزوع أبي دبوس إليه وكيف نهبه للأمر وكان مهلك المرتضى على يده ثم انتقض عليه لما فرغ السلطان من شأن الخوارج عليه من عشيره استجمع لمنازلة المرتف والموحدين في دارهم‏.‏ورأى أنه أوهن دولتهم وأقوى لأمره عليهم‏.‏وبعث قومه واحتشد أهل ممالكه واستكمل تعبيته‏.‏وسار حتى انتهى إلى إيكليز فاعتزم على ذلك ستين وشارف دار الخلافة‏.‏ثم نزل بعقرها وأخذ بمخنقها‏.‏وعقد المرتضى على حربهم للسيد أبي العلاء إدريس المكنى بأبي دبوس ابن السيد أبي عبد الله بن أبي حفص بن عبد المؤمن فعبأ كتائبه ورتب مصافه‏.‏وبرز لمدافعتهم ظاهر الحضرة فكانت بينهم حروب بعد العهد بمثلها استشهد فيها الأمير عبد الله بن يعقوب بن عبد الحق وكانوا يسمون برطانتهم أيعجوب‏.‏ففت مهلكه في عضدهم وإرتحلوا عنها إلى عملهم واعترضتهم عساكر الموحدين بوادي أم ربيع‏.‏وعليهم يحيى بن عبد الله بن وانودين فاقتتلوا في بطن الوادي‏.‏وانهزمت عساكر الموحدين‏.‏وكان في مسيل الوادي كدى تحسر عنها غمر الماء وتبدو كأنها أرجل فسميت الواقعة بها أم الرجلين‏.‏ثم سعى بعض سماسرة الفتن عند الخليفة المرتضى في ابن عمه وقائد حربه السيد أبي دبوس بطلبه الأمر لنفسه‏.‏وشعر بالسعاية فخشي بادرة المرتضى‏.‏ولحق بالسلطان أبي يوسف مدخله إلى فاس من منازلته آخر سنة إحدى وستين نازعاً إليه فأقام عنده ملياً‏.‏ثم سأل منه الإعانة على أمره بعسكر يمده وآلة يتخذها لملكه ومال يصرفه في ضروراته‏.‏على أن يشركه في الغنيمة والفتح والسلطان فأمده بخمسة آلاف من بني مرين وبالكفاية من المال والمستجاد من الآلة‏.‏وأهاب له بالعرب والقبائل من أهل ممالكه ومن سواهم أن يكونوا يدا معه‏.‏وسار في الكتائب حتى شارف الحضرة‏.‏ودس إلى أشياعه ومن يداخله من الموحدين في أمره فثاروا بالمرتضى وأجهضوه عنها فلحق بأزمور مستجيشاً بصهره ابن عطوش‏.‏ودخل أبو دبوس الحضرة في المحرم فاتح خمس وستين وتقبض ابن عطوش عامل أزمور على المرتضى واقتاده أسيراً إلى أبي دبوس‏.‏فبعث مولاه مزاحماً اجتز رأسه في طريقه واستقل بالخلافة وصبابة آل عبد المؤمن‏.‏ثم بعث إليه السلطان في الوفاء بالمشارطة فعتا واستنكف‏.‏ونقض العهد وأساء الخطاب فنهض إليه في جموع بني مرين وعساكر المغرب فخام عن اللقاء وانحجر بمراكش‏.‏ونازله السلطان أياماً تباعاً‏.‏ثم سار في الجهات والنواحي يحطم الزرع وينسف الأقوات‏.‏وعجز أبو دبوس عن دفاعه فاستجاش عليه بيغمراسن بن زيان ليفت في عضده ويشغله من ورائه ويأخذ بحجزته عن التهامه على ما نذكر لو أمهلته الأيام وانفسح له الأجل‏.‏

الخبر عن وقيعة تلاغ بين السلطان يعقوب بن عبد الحق ويغمراسن بن زيان

بإغراء أبي دبوس وتضريبه لما نازل السلطان أبو يوسف حضرة مراكش وقعد على براثنه للثوثب عليه لم يجد أبو دبوس وليجة من دون قصده إلا استجاشته بيغمراسن وقومه عليه ليأخذوا بحجزته عنه ويشغلوه من ورائه‏.‏فبعث إليه الصريخ في كشف بلواه ومدافعة عدوه‏.‏وأكد العهد وأسنى الهدية وشمر يغمراسن لاستنقاذه وجذب عدوه من ورائه‏.‏وشن الغارات على ثغور المغرب وأضرمها ناراً فأهاج عليه وعلى قومه من السلطان يعقوب ليثاً عاديفاً وأرهف منه عزماً ماضياً‏.‏وأفرج يعقوب عن مراكش بعزم النهوض إلى تلمسان ونزل بفاس وتلوم بها أياماً حتى أخذ أهبة الحرب وأكمل استعدادها‏.‏ورحل فاتح سنة ست وستين وسلك على كرسيف ثم على تافراطا وتزاحف الفريقان بوادي تلاغ وعبأ كل منهم كتائبه ورتب مصافه‏.‏وبرز النساء سافرات الوجوه في سبيل التحريض يحيين ويعدين ويرغبن‏.‏ولما فاء الفيء ومال النهار وكثر حشود المغرب جموع بني عبد الواد ومن إليهم انكشفوا ومنحوا العدو أكتافهم‏.‏وهلك أبو حفص عمر كبير والد يغمراسن وولي عهده في جماعة من عشيره ذكرناهم في أخباره‏.‏وأخذ يغمراسن بأعقاب قومه فكان له ردءاً إلى أن خلصوا من المعترك ووصلوا إلى بلادهم في جمادى من سنتهم‏.‏وعاد السلطان أبو يوسف إلى مكانه من حصار مراكش‏.‏والله أعلم‏.‏

الخبر عن السفارة والمهاداة التي وقعت بين السلطان يعقوب بن عبد الحق وبين المستنصر الخليفة بتونس

من آل أبي حفص كان الأمير أبو زكرياء يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص منذ دعا لنفسه بتونس سنة خمس وعشرين طموحاً إلى ملك مراكش مقر الدعوة ومنبعث الدولة وأصل الخلافة‏.‏وكان يؤمل لذلك زناتة وإلا فلما دونه من خضد شوكة آل عبد المؤمن وتقليم أظفار بأسهم وردهم على أعقابهم أن يخلصوا إليه‏.‏وتغلب على تلمسان سنة أربعين‏.‏ودخل يغمراسن بن زيان في دعوته وصار فئة له وشيعته على عدوه كما ذكرناه فوصل به جناحه للمدافعة‏.‏وناغاه بنو مرين في مراسلة ابن أبي حفص ومخاطبته وتخفيض الشأن عليه فيما يهمه من شأن عدوه وحمل ما يفتحون من بلاد المغرب على البيعة لى والطاعة مثل فاس ومكناسة والقصر‏.‏وكان هو يلاطفهم بالتحف والهدايا ويريهم البر في الكتاب والخطاب والمعاملة وتكريم الوفد غير سبيل آل عبد المؤمن فكانوا يجنحون بذلك إلى تجديد مراسلته وإيفاد قرابتهم عليه‏.‏وولي ابنه المستنصر من بعده سنة سبع وأربعين فتقبل مذاهب أبيه وأوفى عليها بالإيعاز إليهم بمنازلة مراكش وضمان الإنفاق عليهم فيها فكان يبعث لذلك أحمالاً من المال والسلاح وأعداد وافرة من الخيل بمراكبها للحملان ولم يزل دأبه ذلك معهم‏.‏ولما فعل ابن أبي دبوس فعلته في نقض العهد واستجمع السلطان لمنازلته قدم بين يدي عمله مراسلة الخليفة المستنصر يخبره الخبر ويتلطف له في استنزال المدد فأوفد عليه ابن أخيه عامر بن إدريس بن عبد الحق وأصحبه عبد الله بن كندوز العبد الوادي كبير بني كمي وقريع بني يغمراسن الذي ثار يغمراسن من أبيه كندوز بأبيه زيان كما ذكرناه في أخبارهم‏.‏وكان خلص إليه من حضرة المستنصر فلقاه مبرة وتكريماً‏.‏وأوفد معهما الكاتب أبا عبد الله محمد بن محمد الكناني من صنائع دولة آل عبد المؤمن كان نزع إلى أخيه الأمير أبي يحيى لما رأى من اختلال الدولة وأنزله مكناسة وآثره بالصحبة والخلة‏.‏فجمع له يعقوب بن عبد الحق في هذا الوفد من الأشراف من يحسن الرياسة وبعرب عما في الضمائر ويدل على شرف مرسله‏.‏فوفدوا على المستنصر سنة خمس وستين وأدوا رسالتهم وحركوا له جوار المظاهرة على صاحب مراكش وكبح عنانه فحن واهتز سروراً من أعواده ولقاهم مبرة التكريم وأحسن النزل‏.‏ورد الأمير عامر بن إدريس وعبد الله بن كندوز لوقتهما‏.‏وتمسك بالكناني من بينهم لمصاحبة وفده فطال مقامه عنده إلى أن كان من فتح مراكش ما نذكره‏.‏ثم أوفد المستنصر على السلطان يعقوب بن عبد الحق آخر سنة تسع وستين بعدها شيخ الجماعة من الموحدين لعهده أبا زكرياء يحيى بن صالح الهنتاتي مع جماعة من مشيخة الموحدين في مرافقة محمد الكناني‏.‏وبعث معهم إلى السلطان هدية سنية يلاطفه بها ويتاحفه انتخب فيها من الجياد والسلاح وأصناف الثياب الغريبة العمل ما انتقاه‏.‏ووقف رضاه وهمته على الاستكثار منه فحسن موقعها وتحدث بها‏.‏وانقلب وفده أحسن منقلب بعد أن تلطف محمد الكناني في ذكر الخليفة المستنصر على منبر مراكش فتم له‏.‏وشهده وفد الموحدين فعظم سرورهم وانقلبوا محبورين مسرورين‏.‏واتصلت بعد ذلك مهاداة المستنصر ليعقوب بن عبد الحق إلى أن هلك وجرى ابنه الواثق من بعده على سننه فبعث إليهم سنة سبع وسبعين هدية حافلة بعث بها القاضي أبا العباس الغماري قاضي بجاية فعظم موقعها‏.‏وكان لأبي العباس الغماري بالمغرب ذكر تحدث به الناس‏.‏والله أعلم‏.‏

الخبر عن فتح مراكش ومهلك أبي دبوس وانقراض دولة الموحدين من المغرب

لما رجع السلطان أبو يوسف من حرب يغمراسن ورأى أنه قد كف من غربه ورد من كيده وكيد أبي دبوس صريخه صرف حينئذ عزائمه إلى منازلة مراكش والعودة إلى مضايقتها كما كان لأول أمره‏.‏ونهض لغزاته من فاس في شعبان من سنته‏.‏ولما أجاز أم ربيع بث السرايا وسرح الغارات‏.‏وأطلق الأيدي والأعنة للنهب فحطموا من زروعها وانتسفوا آثارها‏.‏وتقرى نواحيها كذلك بقية عامه‏.‏ثم غزا عرب الخلط من حشم بتادلا وفأثخن فيهم واستباحهم‏.‏ثم نزل وادي العبيد ثم غزا بلاد صنهاجة‏.‏ولم يزل ينتقل بأنحاء البلاد المراكشية وأحوازها حتى حصرت صدور بني عبد المؤمن وقومه‏.‏وأغراهم أولياء الدولة من عرب جشم بنهوض الخليفة لمدافعة عدوه فجمع لذلك وبرز في جيوش ضخمة وجموع وافرة‏.‏واستجره أبو يوسف بالفرار أمامه ليبعد عن مدد الصريخ فيستمكن منه حتى نزول عفو‏.‏ثم كر إليه والتحم القتال فاختل مصافه وفر عساكره‏.‏وانهزم يريد مراكش فأدركوه دون أمله‏.‏وإعتاقه أجله فطعن في مفره وخر صريعاً لليدين والفم واحتز رأسه‏.‏وهلك بمهلكه وزيره عمران وكاتبه علي بن عبد الله‏.‏وارتحل السلطان أبو يوسف إلى مراكش‏.‏وفر من كان بها من الموحدين فلحقوا بجبل تينملل‏.‏وبايعوا لإسحق أخي المرتضى فبقي ذبالة هنالك سنين‏.‏ثم تقبض عليه سنة أربع وسبعين وسيق إلى السلطان هو وأبو سعيد ابن عمه السيد أبي والقبائلي وأولاده فقتلوا جميعاً‏.‏وانقرض أمر بني عبد المؤمن‏.‏والله وارث الأرض ومن عليها‏.‏وخرج الملأ وأهل الشورى من الحضرة إلى السلطان فأمنهم ووصلهم‏.‏ودخل مراكش في بروز فخم فاتح ثمان وستين‏.‏وورث ملك آل عبد المؤمن وتولاه واستوسق أمره بالمغرب وتطامن الناس لبأسه وسكنوا لظل سلطانه‏.‏وأقام بمراكش إلى رمضان من سنته‏.‏وأغزى ابنه الأمير أبا مالك إلى بلاد السوس فافتتحها وأوغل في ديارها ودوخ أقطارها‏.‏ثم خرج بنفسه إلى المغرب لبلاد درعة فأوقع بهم الواقعة المشهورة التي خضدت من شوكتهم‏.‏ورجع لشهرين من غزاته‏.‏ثم أجمع الرحلة إلى داره بفاس فعقد على مراكش وأعمالها لمحمد بن علي من كبار أوليائهم ومن أهل خؤلته وكان من طبقة الوزراء حسبما يأتي التحريف به وبعشيره‏.‏وأنزله بقصبة مراكش وجعل المصالح في أعمالها إلى نظره‏.‏وعهد إليه بتدويخ الأقطار ومحو آثار بني عبد المؤمن‏.‏وفصل إلى حضرته وأراح بسلا فكان من خبر عهده لابنه ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن عهد السلطان لابنه أبي مالك

وما كان عقب ذلك من خروج القرابة عليه أولاد أخيه إدريس وإجازتهم إلي الأندلس لما تلوم السلطان بسلا منصرفه من رباط الفتح وأراح بها ركابه عرض له طائف من المرض ووعك وعكاً شديداً‏.‏فلما أبل جمع قومه وعهد بأمره فيهم لابنه أبي مالك عبد الواحد كبير ولده بما علم من أهليته لذلك‏.‏وأخذ له البيعة عليهم وأعطوها طواعية‏.‏وأسف القرابة من ولد أخويه عبد الله وإدريس لأمهما سوط النساء ووجدوا في أنفسهم لما يرون أن عبد الله وإدريس أكابر ولد عبد الحق ولهما التقدم على من بعدهما من ولده وأنهما أحق بالأمر‏.‏فعادت هيف إلى أديانها ونفسوا على ابن السلطان ما أخذ له من البيعة والعهد‏.‏ونزعوا عنه إلى جبل علودان من جبال غمارة عش خلافهم ومدرج فتنتهم وذلك سنة تسع وستين‏.‏ورياستهم يومئذ لمحمد بن إدريس وموسى بن رحو بن عبد الله‏.‏وخرج معهم ولد أبي عباد بن عبد الحق‏.‏وأغزاهم السلطان ولده أبا يعقوب يوسف في خمسة آلاف من عسكره فأحاط بهم وأخذ بمخنقهم‏.‏ولحق به أخوه مالك في عسكره ومعه مسعود بن كانون شيخ سفيان‏.‏ثم خرج في أثرهم السلطان أبو يوسف واجتميم معسكرهم بتافركا ونازلوهم ثلاثاً‏.‏وهلك في حروبهم منديل بن ورتطليم‏.‏ولما رأوا أن قد أحيط بهم سألوا الأمان فبذله وأنزلهم‏.‏واستل سخائمهم ومسح ما في صدورهم ووصل بهم إلى حضرته‏.‏وسألوا منه الإذن فى اللحاق بتلمسان حياء من كبر ما ارتكبوا فأذن لهم‏.‏وأجازوا البحر إلى الأندلس وخالفهم عامر بن إدريس لما أنس من صاغية السلطان إليه فتخلف عنهم بتلمسان حتى توثق لنفسه بالعهد وعاد إلى قومه بعد منازلة السلطان تلمسان كما نذكره الآن‏.‏واحتل بنو إدريس وعبد الله وابن عمهم عياد بالأندلس على حين أقفر من الحامية جوها واستأسد العدو على ثغرها وتحلبت شفاههم لالتهامها فاحتلوها أسوداً ضارية وسيوفا ماضية معودين لقاء الأبطال وقراع الحتوف والنزال‏.‏مستغلظين بخشونة البداوة وصرامة الغزو وبسالة التوحش فعظمت نكايتهم في العدو واعترضوا شجى في صدره دون الوطن الذي كان طعمة له في ظنه‏.‏وارتدوه على عقبه ونشطوا من همم المسلمين المستضعفين وراء البحر وبسطوا من آمالهم لمدافعة طاغيتهم‏.‏وزاحموا أمير الأندلس في رياستها بمنكب فتجافى لهم عن خطة الحرب ورياسة الغزاة من أهل العدوة من أعياصهم وقبائلهم ومن سواهم من أمم البرابرة‏.‏وتناقلوها وساهموه في الجباية بفرض العطاء والديوان فبذله لهم واستمروا على ذلك لهذا العهد‏.‏وحسن أثرهم فيها كما سنذكره بعد في أخبار القرابة‏.‏ثم أعمل السلطان نظره في غزو تلمسان على ما نذكره إن شاء

الخبر عن حركة السلطان أبي يوسف إلى تلمسان

وواقعته على يغمراسن وقومه بإيسلى لما غلب السلطان أبو يوسف على بني عبد المؤمن وفتح مراكش واستولى على ملكهم سنة ثمان وستين وعاد إلى فاس كما ذكرنا تحرك ما كان في نفسه من ضغائن يغمراسن وبني عبد الواد وما أسفوا به من تخذيل عزائمه ومجاذبته عن قصده‏.‏ورأى أن واقعة تلاغ لم تشف صدره ولا أطفأت نار موجدته فأجمع أمره على غزوهم‏.‏واقتدر بما صار إليه من الملك والسلطان على حشر أهل المغرب لحربهم وقطع دابرهم فعسكر بظاهر فاس‏.‏وسرح ولده وولي عهده أبا مالك إلى مراكش في خواصه ووزرائه حاشرين في مدائنها وضواحيها وقبائل العرب والمصامدة وبني ورا وغمرة وصنهاجة وبقايا عساكر الموحدين بالحضرة وحامية الأمصار جند الروم وناشبة الغزو‏.‏فاستكثر من أعدادهم واستوفى حشدهم‏.‏واحتفل السلطان بحركته وارتحل إلى فاس سنة سبعين وستماية وتلوم بملوية إلى أن لحقته الحشود وتوافت إليه أمداد العرب من قبائل جشم أهل تامسنا الذين هم سفيان والخلط والعاصم وبنو جابر ومن معهم من الأثبج وقبائل ذوي حسان والشبانات من المعقل أهل السوس الأقصى وقبائل رياح أهل أزغار والهبط‏.‏فاعترض هنالك عساكره وعبأ مواكبه فيقال بلغت ثلاثين ألفاً‏.‏وارتحل بالأندلس صريخاً على العدو‏.‏ويستجيشون بإخوانهم المسلمين ويسألونه الإعانة فتحركت همته للجهاد ونصر المسلمين من عدوهم‏.‏ونظر في صرف الشواغل عن ذلك وجنح إلى السلم مع يغمراسن‏.‏وصوب الملأ في ذلك رأيه لما كانوا عليه من إيثار الجهاد‏.‏وانتدب جماعة من المشيخة إلى السعي في إصلاح بينهما والكف عن غرب عداوتهما‏.‏وساروا إلى يغمراسن فوافوه بظاهر تلمسان قد أخذ أهبة الحرب واستعد لفقاء‏.‏واحتشد زناتة أهل ممالكه بالشرق من بني عبد الواد وبني راشد ومغراوة وأحلافهم من العرب زغبة‏.‏فلج في ذلك واستكبر وصم عن إسعافهم‏.‏وزحف في جموعه والتقى الجمعان بوادي ايسلى من بسائط وجدة والسلطان أبو يوسف قد عبأ كتائبه ورتب مصافه‏.‏وجعل ولديه الأميرين أبي مالك وأبي يعقوب في الجناحين‏.‏وسار في القلب فدارت بينهم حرب شديدة انجلت عن مهلك فارس بن يغمراسن وجماعة من بني عبد الواد‏.‏وكاثرتهم حشود المغرب الأقصى وقبائله وعسكر الموحدين والبلاد المراكشية فولوا الأدبار‏.‏وهلك عامة عسكر الروم لثباتهم بثبات السلطان فطحنتهم رحى الحرب‏.‏وتقبض على قائدهم بيرنبس‏.‏ونجا يغمراسن بن زيان في فله مدافعاً دون أهله إلى تلمسان‏.‏ومر بفماطيطة فأضرمها ناراً‏.‏وانتهب معسكره واستبيحت حرمه‏.‏وأقام السلطان أبو يوسف على وجدة حتى خربها وأضرع بالتراب أسوارها وألصق بالرغام جدرانها‏.‏ثم نهض إلى تلمسان فحاصرها أياما وأطلق الأيدي في ساحاتها بالنهب والعيث‏.‏وشن الغارات على البسائط فاكتسحها سبياً ونسفها نسفاً‏.‏وهلك في طريقه إلى تلمسان وزيره عيسى بن ماساي وكان من علية وزرائه وحماة ميدانه له في ذلك أخبار مذكورة‏.‏وكان مهلكه في شوال من هذه السنة‏.‏ووصله بمثواه من حصارها محمد بن عبد القوي أمير بني توجين ومستصرخه على بني عبد الواد لما نال منه يغمراسن من صيم القهر وذل الغلب والتحيف‏.‏وصله في كافة قبيله مباهياً بآلته فأكرم السلطان أبو يوسف وفادته واستركب الناس للقائه وبرور مقدمه‏.‏واتخذوا زينة السلاح لمباهاته‏.‏وأقام محاصراً لتلمسان معه أياماً حتى وقع اليأس وامتنع البلد واشتدت شوكة حاميته‏.‏ثم أجمع السلطان أبو يوسف على الإفراج عنها وأشار على الأمير محمد بن عبد القوي وقومه بالفصول قبل قفوله وأن يغذوا السير إلى بلادهم‏.‏وملأ حقائبهم بإتحافه وجنب لهم ماية من المقربات بمراكبها وأراح عليهم ألف ناقة حلوب‏.‏وعمهم بالصلات من الخلع والكساء الفاخرة‏.‏واستكثر لهم السلاح والفازات والفساطيط وحملهم على الظهر وارتحلوا وتلوم السلطان أياما لمنجاتهم إلى مقرهم من جبل وانشريش حذراً من غائلة يغمراسن في انتهاز فرصة فيهم‏.‏ثم قفل إلى فاس ودخلها مفتتح إحدى وسبعين‏.‏وهلك ولده الأمير أبو مالك ولي عهده لأيام من مقدمه‏.‏فأسف لمهلكه‏.‏ثم تعزى بالصبر الجميل عن فقده ورجع إلى حاله في افتتاح بلاد المغرب‏.‏وكان في غزوته هذه ملك حصن تاونت وهو معقل مطغرة وشحنه بالأقوات لما رآه ثغراً مجاوراً لعدوه‏.‏وأسلمه لنظر هارون شيخ مطغرة‏.‏ثم ملك حصن مليلة بساحل الريف مرجعه من غزاته هذه‏.‏وأقام هارون بحصن تاونت ودعا لنفسه‏.‏ولم يزل يغمراسن يردد الغزو إليه حتى فر من الحصن وأسلمه سنة خمس وسبعين‏.‏ولحق بالسلطان أبي يوسف كما ذكرناه في أخباره عند ذكر قبيلة مطغرة‏.‏وكان شأنه شأنه ما ذكرناه هنالك‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-07-2011, 05:30 PM
الخبر عن اختطاط البلد الجديد بفاس وما كان على تفيئة ذلك من الأحداث

لما قفل أمير المسلمين من غزاته الجهادية وتم صنع الله لديه في ظهور الإسلام على يده واعتزاز أهل الأندلس بفيئته راح بالمغرب إلى نعمة أخرى من ظهور أوليائه وحسم أدواء الفساد في دولته شفعت مواهب السعادة وأكملت عوائد الصنع‏.‏وذلك أن صبابة بني عبد المؤمن وفلهم لما فروا من مراكش عند الفتح لحقوا بجبل تينملل جرثومة أمرهم ومنبعث دعوتهم وملاحد خلفائهم وحضرة سلفهم ودار إمامهم ومسجد مهديهم‏.‏كانوا يعكفون عليه متيمنين بطيره ملتمسين بركة زيارته‏.‏ويقدمون ذلك أمام غزولتهم قربة بين يدي أعمالهم يعتدونها من صالح مساعيهم‏.‏فلما خلص الفل إليه اعتصموا بمعقله وأووا إلى وكونه ونصبوا للقيام بأمرهم عيصاً من أعياص خلفائهم بني عبد المؤمن ضعيف المنية خاسر الصفقة من مواهب الحظ وهو إسحاق أخو عمر المرتضى‏.‏وبايعوه سنة تسع وستين يرجون منه رجع الكرة وإدالة الدولة‏.‏وكان المتولي لكبر ذلك وزير دولتهم ابن عطوش‏.‏ولما عقد السلطان يعقوب بن عبد الحق لمحمد بن علي بن محلى على أعمال مراكش لم يقدم عملاً على محاربتهم وتخذيل الناس عنهم واستمالة أشياعهم‏.‏وجمعوا له سنة أربع وسبعين على غرة ظنوها فأوقع بهم وفل من غربهم‏.‏ثم صمد إلى الجبل لشهر ربيع من سنته فافتض عذرته وفض ختامه واقتحمه عليهم عنوة بعد مداولة النزال والحرب‏.‏وهلك الوزير ابن عطوش في جوانب الملحمة وتقبض على خليفتهم المستضعف وابن عمه أبي سعيد بن السيد أبي الربيع ومن معهما من الأولياء‏.‏وجنبوا إلى مصارعهم بباب الشريعة من مراكش فضربت أعناقهم وصلبت أشلاؤهم‏.‏وكان فيمن قتل منهم كاتبه القبائلي وأولاده‏.‏وعاثت العساكر في جبل تينملل واكتسحت أمواله‏.‏وبعثرت قبور الخلفاء من بني عبد المؤمن‏.‏واستخرج شلو يوسف وابنه يعقوب المنصور فقطعت رؤوسهم‏.‏وتولى كبر ذلك أبو علي الملياني النازع إلى السلطان أبي يوسف من مليانة عش غوايته وموطن انتزائه كما قدمناه‏.‏وكان السلطان أقطعه بلد أغمات إكراماً لوفادته فحضر هذه الغزاة في جملة العساكر‏.‏ورأى أن قد شفا نفسه بإخراج هؤلاء الخلفاء من أرماسهم والعيث بأشلائهم لما نقم منه الموحدون‏.‏وأزعجوه من قراره فنكرها السلطان لجلاله‏.‏وتجاوز عنها للملياني تأنيساً لقربته وجواره وعدها من هناته‏.‏ولما وصل أمير المسلمين إلى حضرته من غزاة الجهاد ترادفت عليه أخبار هذه الملحمة وقطع دابر بني عبد المؤمن فتظاهر السرور لديه وارتفعت إلى الله كلمات الشكر طيبة منه‏.‏ولما سكن غرب الثوار وتمهد أمر المغرب ورأى أمير المسلمين أن أمره قد استفحل وملكه قد استوسق واتسع نطاق دولته وعظمت غاشيته وكثر وافده رأى أن يختط بلداً يتميز بسكناه في حاشيته وأهل خدمته وأوليائه الحاملين سرير ملكه‏.‏فأمر ببناء البلد الجديد لصق فاس بساحة الوادي المخترق وسطها من أعلاه وشرع في تأسيسها لثالث شوال من سنة أربع وسبعين هذه‏.‏وجمع الأيدي عليها وحشد الصناع والفعلة لبنائها‏.‏وأحضر لها الحزى والمعدلين لحركات الكواكب فاعتاموا في الطوالع النجومية ما يرضون أثره ورصدوا أوانه‏.‏وكان فيهم الإمامان أبو الحسن بن القطان وأبو عبد الله بن الحباك المقدمان في الصناعة فكمل تشييد هذه المدينة على ما رسم وكما رضي‏.‏ونزلها بحاشيته وذويه سنة أربع وسبعين كما ذكرناه‏.‏واختطوا بها الدور والمنازل وأجرى فيها المياه إلى قصوره وكانت من أعظم آثار هذه الدولة وأبقاها على الأيام‏.‏ثم أوعز بعد ذلك ببناء قصبة مدينة مكناسة فشرع في بنائها من سنته‏.‏وكان لحين إجازته البحر قافلا من غزاته لحق طلحة بن محلى بجبل أزور نازعاً إلى قبائل زناتة من صنهاجة فأغذ إليه السلطان بعساكره وأناخ عليه‏.‏واستنزله لشهر على ما سأل من الأمان والرتبة‏.‏وحسم الداء من خروجه‏.‏واستوزر صنيعته فتح الله السدراتي وأجرى له رزق الوزارة على عوائدهم‏.‏ثم بعث إلى يغمراسن كفاء هديته التي أتحفه بها بين يدي غزاته‏.‏وكان شغله عنها أمر الجهاد فبعث له فسطاطاً رائقاً كان صنع له بمراكش وحكمات مموهة بالذهب والفضة وثلاثين من البغال الفارهة ذكوراً وإناثاً بمراكبها الفارسية من السروج والنسوانية من الولايا وأحمالاً من الأديم المعروف دباغه بالشركسي إلى غير ذلك مما يباهي به ملوك المغرب وينافسون فيه‏.‏وفي سنة خمس وسبعين من بعدها أهدى له محمد بن عبد القوي أمير بني توجين وصاحب جبل وانشريش أربعة من الجياد انتقاها من خيل المغرب كافة ورأى أنها على قلة عددها أحفل

الخبر عن إجازة أمير المسلمين ثانية وما كان فيها من الغزوان

لما قفل أمير المسلمين من غزاته الأول واستنزل الخوارج وثقف الثغور وهادى الملوك واختط المدينة لنزله كما ذكرنا ذلك كله‏.‏ثم خرج فاتح سنة ست وسبعين إلى جهة مراكش لسد ثغوره وتثقيف أطرافه‏.‏وتوغل في أرض السوس‏.‏وبعث وزيره فتح الله بالعساكر فجاس خلاله ثم انكفأ راجعاً‏.‏وخاطب قبائل المغرب كافة بالنفير إلى الجهاد فتباطأوا واستمر على تحريضهم‏.‏ونهض إلى رباط الفتح وتلوم بها في انتظار الغزاة وثبطوا فخف هو في خاصته وحاشيته‏.‏ واحتل بالفرضة من قصر المجاز‏.‏وتلاحق به الناس فأجاز البحر واحتل بطريف لآخر محرم‏.‏ثم ارتحل إلى الجزيرة ثم إلى رندة‏.‏ووافاه هناك الرئيسان أبو اسحاق بن أشقيلولة صاحب قمارش وأبو محمد صاحب مالقة للغزو معه‏.‏وارتحلوا إلى منازلة إشبيلية فعرسوا عليها يوم المولد النبوي‏.‏وكان بها ملك الجلالقة ابن أذفونش فخام عن اللقاء وبرز إلى ساحة البلد محامياً عن أهلها‏.‏ورتب أمير المسلمين مصافه وجعل ولده الأمير أبا يعقوب في المقدمة‏.‏وزحف في التعبية فأحجز العدو البلد واقتحموا أثرهم الوادي وأثخنوا فيهم‏.‏وباتت العساكر ليلتهم بجولان في متون جيادهم وقد أضرموا النيران بساحتها‏.‏وارتحل من الغد إلى أرض الشرق وبث السرايا والغوار في سائر النواحي‏.‏وأناخ بجمهور العساكر عليها فلم يزل يتقرى تلك الجهات حتى أباد عمرانها وطمس معالمها‏.‏ودخل حصن قطنيانة وحصن جليانة وحصن القليعة عنوة وأثخن بالقتل والسبي‏.‏ثم قفل بالغنائم والأنفال إلى الجزيرة لسرار شهره فأراح وقسم الغنائم في المجاهدين‏.‏ثم خرج غازياً إلى شريش منتصف رببع الآخر فنازلها وأذاقها نكال الحرب‏.‏وأفقر نواحيها وقطع أشجارها وأباد غضراءها وحرق ديارها‏.‏ونسف آثارها وأثخن فيها بالقتل والأسر‏.‏وبعث ولده الأمير أبا يعقوب في سرية من معسكره للغوار على إشبيلية وحصون الوادي فبالغ في النكاية‏.‏واكتسح حسن روطة وشلوقة ومليانة والقناطر‏.‏ثم صبح إشبيلية بغارة فاكتسحها‏.‏وانكفأ إلي أمير المسلمين فقالوا جميعاً إلى الجزيرة وأراح وقسم في المجاهدين غنائمهم‏.‏ثم ندب إلى غزو قرطبة ورغبهم في عمرانها وثروة ساكنها وخصب بلادها فأهطعوا إلى إجابته‏.‏وخاطب ابن الأحمر يستنفره‏.‏وخرج لأول جمادى من الجزيرة‏.‏ووافاه ابن الأحمر بناحية أرشدونة فكرم وصوله وشكر خفوفه إلى الجهاد وبداره‏.‏ونازلوا حصن بني بشير فدخل عنوة وقتلت المقاتلة وسبيت النساء ونقلت الأموال وخرب الحصن‏.‏ثم بث السرايا والغارات في البسائط فاكتسحها وامتلأت الأيدي‏.‏وأثرى المعسكر‏.‏وتقروا المنازل والعمران في طريقهم حتى احتلوا بساحة قرطبة فنازلوها وانحجزت حامية العدو من وراء أسوارها‏.‏وانبثت بعوث المسلمين وسراياهم في نواحيها فنسفوا آثارها وخربوا عمرانها واكتسحوا قراها وضياعها‏.‏وتردد على جهاتها فدخل حصن بركونة عنوة ثم أرجونة كذلك‏.‏وقدم بعثا إلى جيان قاسمها حظها من الخسف والدمار‏.‏وخام الطاغية عن اللقاء‏.‏وأيقن بخراب عمرانه وتلاف بلاده فجنح إلى الصلح‏.‏وخطبه من أمير المسلمين فدفعه إلى ابن الأحمر‏.‏وجعل الأمر في ذلك إليه تكرمة لمشهده ووفاء بحقه فأجابهم ابن الأحمر إليه بعد عرضه إلى أمير المسلمين والتماس إذنه فيه وإبداء ما فيه من المصلحة وجنوح أهل الأندلس إليه منذ المدة الطويلة فانعقد السلم‏.‏وقفل أمير المسلمين من غزاته وجعل طريقه على غرناطة احتفاء بالسلطان ابن الأحمر‏.‏وخلج له عن الغنائم كلها فاحتوى عليها‏.‏ودخل أمير المسلمين إلى الجزيرة في أول رجب من عام يومئذ فأراح ونظر في ترتيب المسالح على الثغور وتملك مالقة كما نذكره‏.‏

الخبر عن تملك السلطان مدينة مالقة من يد ابن أشقيلولة

كان بنو أشقيلولة هؤلاء من رؤساء الأندلس المؤملين لمدافعة العدو وكانوا نظراء لابن الأحمر في الرياسة وهم أبو محمد عبد الله وأبو إسحاق إبراهيم ابنا أبي الحسن بن أشقيلولة‏.‏وكان أبو محمد منهم صهراً له على ابنته فكانوا له بذلك خالصة فأشركهم في أمره‏.‏واعتضد بعصابتهم وبأبيهم من قبل على مقاومة ابن هود وسائر الثوار‏.‏ختى إذا استمكن من فرصته واستوى على كرسيه استبد دونهم وأنزلهم إلى مقامات الوزراء‏.‏وعقد لأبي محمد صهره على ابنته على مدينة مالقة والغربية‏.‏وعقد لأبي لحسن صهره على أخته على وادي آش وما إليه‏.‏وعقد لابنه أبي إسحاق إبراهيم بن علي على قمارش وما إلى ذلك‏.‏ووجدوا في أنفسهم واستمر الحال على ذلك‏.‏ولما هلك الشيخ ابن الأحمر سنة إحدى وسبعين وولي ابنه محمد الفقيه سموا إلى منازعته‏.‏وأوفد أبو محمد صاحب مالقة ابنه أبا سعيد على السلطان يعقوب بن عبد الحق وهو منازل طنجة‏.‏ووفد معه أبو عبد الله بن منديل فكرم وفادتهما وأحسن موعدهما‏.‏وانكفيا راجعين فبعث الرئيس أبو محمد إلى السلطان بطاعته وبيعة أهل مالقة سنة ثلاث وسبعين وعقد له عليها‏.‏ونزع ابنه أبو سعيد فرج إلى دار الحرب‏.‏ثم رجع لسنته فقتل بمالقة‏.‏ولما أجاز السلطان إلى الأندلس إجازته الأولى سنة أربع وسبعين تلقاه أبو محمد بالجزيرة مع ابن الأحمر وفاوضهما السلطان في شؤون الجهاد وردهما إلى أعمالهما‏.‏ولما أجاز إجازته الثانية سنة ست وسبعين لقيه بالجزيرة الرئيسان ابنا أشقيلولة أبو محمد صاحب مالقة وأخوه أبو إسحاق صاحب وادي آش وقمارش فشهدا معه الغزاة‏.‏ولما قفل اعتل أبو محمد صاحب مالقة ثم هلك غرة جمادى من سنته فلحق ابنه محمد بالسلطان آخر شهر رمضان‏.‏وهو متلوم بالجزيرة منصرفه من الغزو كما ذكرناه فنزل له عن البلد ودعاه إلى احتيازها فعقد عليها لابنه أبي زيان منديل فسار إليها في بعث‏.‏وكان ابن أشقيلولة لحين فصوله إلى لقاء السلطان أمر ابن عمه محمد الأزرق بن أبي الحجاج يوسف بن الزرقاء بإخلال منازل للسلطان بالقصبة وإعدادها فتم ذلك لثلاث ليال‏.‏وضرب الأمير أبو زيان معسكره بخارجها‏.‏وأنفذ محمد بن عمران بن عبلة في رهط من رجال بني مرين إلى القصبة فنزلها وملك أمر البلد‏.‏وكان السلطان ابن الأحمر لما بلغه وفاة أبي محمد بن أشقيلولة سما أمله إلى الاستيلاء على مالقة وأن ابن أخته شيعة له‏.‏وبعث لذلك وزيره أبا سلطان عزيز الداني فوافى معسكر الأمير أبي زيان بساحتها‏.‏ورجا أن يتجافى عنها لسلطانه فأعرض عن ذلك وتجهم له‏.‏ودخل إليها لثلاث بقين من رمضان‏.‏وانقلب الداني عنها بخفي حنين‏.‏ولما قضى السلطان بالجريرة صومه ونسكه خرج إلى مالقة فوافاها سادس شوال وبرز إليه أهلها في يوم مشهود احتفلوا له احتفال أيام الزينة سروراً بمقدم السلطان ودخولهم في إيالته‏.‏وأقام فيهم إلى خاتم سنته‏.‏ثم عقد عليها لعمر بن يحيى بن محلى من صنائع دولتهم‏.‏وأنزل معه المسالح وزيان بن أبي عباد بن عبد الحق في طائفة لنظره من أبطال بني مرين‏.‏واستوصاه بمحمد بن أشقيلولة وارتحل إلى الجزيرة‏.‏ثم أجاز إلى المغرب سنة سبع وسبعين وقد اهتزت الدنيا لقدومه‏.‏وامتلأت القلوب بما كنفه الله من نصر المسلمين بالعدوة وعلو راية السلطان على كل راية‏.‏وعظمت لذلك موجدة ابن الأحمر ونشأت الفتنة كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن تظاهر ابن الأحمر والطاغية على منع السلطان أبي يوسف

من إجازة البحر وإصفاق يغمراسن بن زيان معهم من وراء البحر على الأخذ بحجزته عنهم وواقعة السلطان علي يغمراسن بخرزوزة لما أجاز أمير المسلمين إلى العدوة إجازته الأولى ولقي العدو بأستجة وقتل الله دننه بأيدي عسكره‏.‏وصنع له من الظهور والعز ما لا كفاء له ارتاب ابن الأحمر بمكانه فبدا له من ذلك ما لم يحتسب‏.‏وظن بأمير المسلمين الظنون واعترض ذكره شأن يوسف بن تاشفين والمرابطين مع ابن عباد سلطان الأندلس‏.‏وأكد ذلك عنده جنوح الرؤساء من بني أشقيلولة وغيرهم إليه وانقيادهم لأمره فغص بمكانه وحذر غوائله‏.‏وتكدر الجو بينهما‏.‏وأجاز إجازته الثانية فانقبض ابن الأحمر عن لقائه ودارت بينهما مخاطبات شعرية في معنى العتاب على ألسنة كتابهما نسردها الآن‏.‏فمن ذلك قصيدة كتبها إليه ابن الأحمر سنة أربع وسبعين بعد واقعة دننه واعتزامه على الرجوع إلى المغرب‏.‏فخاطبه بها ليلة الإقامة بالجزيرة حذراً من غائلة العدو وينحو فيها منحى الاستعطاف وهي من نظم كاتبه أبي عمر بن المرابط هل من معيني في الهوى أو منجدي‏!‏ من متهم في الأرض أو من منجد هذا الهوى داع فهل من مسعف بإجابة وإنابة أو مسعد هذي سبيل الرشد قد وضحت فهل بالعدوتين من امرىء مسترشد يرجو النجاة بجنة الفردوس أو يخشى المسير إلى الجحيم الموقد يا آمل النصر العزيز على العدى أجب الهدى تسعد به وتؤيد سر النجاء إلى النجاة مشمراً إن الهدى لهو النجاة لمن هدي يا من يقول غداً أتوب ولا غد ألديك علم أن تعيش إلى غد لا تغترر بنسيئة الأجل الذي إن لم يحن لك نقده فكأن قد سفر عليك طويلة أيامه لم تستعد لطوله فاستعدد أو ما علمت بأنه لابد من زاد لكل مسافر فتزود هذا الجهاد رئيس أعمال التقى خذ منه زادك لارتحالك تسعد هذا الرباط بأرض أندلس فرح منه لما يرضي إلاهك واغتدي وامح الخطايا بالدموع فربما محت الدموع خطية المتعمد من ذا يتوب لربه من ذنبه أو يقتدي بنبيه أو يهتدي من ذا يطهر نفسه بعزيمة مشحوذة في نصر دين محمد أتعز من أرض العدو مدائن والله في أقطارها لم يعبد وتذل أرض المسلمين وتبتلى بمثلثين سطواً بكل موحد كم جامع فيها أعيد كنيسة فأهلك عليه أسى فلا تتجلد القس والناقوس فوق مناره والخمر والخنزير وسط المسجد أسفاً عليها أقفرت صلواتها من قانتين وراكعين وسجد وتعوضت منهم بكل معاند مستكبر مذ كان لم يتشهد كم من أسير عندهم وأسيرة فكلاهما يبغي الفداء فما فدي كم من عقيلة معشر معقولة فيهم تود لو أنها في ملحد كم من وليد بينهم قد ود من ولداه ودا أنه لم يولد أفلا تذوب قلوبكم إخواننا مما دهانا من ردى أو من ردي أفلا تراعون الأذمة بيننا من حرمة ومحبة وتودد أكذا يعيث الروم في إخوانكم وسيوفكم للثأر لم تتقلد يا حسرة لحمية الإسلام قد خمدت وكانت قبل ذات توقد أين العزائم ما لها لا تنقضي هل يقطع الهندي غير مجرد أبني مرين أنتم جيراننا وأحق من في صرخة بهم ابتدي فالجار كان به يوصي المصطفى جبريل حقاً في الصحيح المسند أبني مرين والقبائل كلها في المغرب الأدنى لنا والأبعد كتب الجهاد عليكم فتبادروا منه إلى فرض الأحق الأوكد وارضوا بإحدى الحسنيين وأقرضوا حسناً تفوزوا بالحسال الخرد هذي الجنان تفتحت أبوابها والحور قاعدة لكم بالمرصد من بائع من ربه من مشتر منه الحصول على النعيم السرمد أنتم جيوش الله ملء فضائه تأسون للدين الغريب المفرد ما ذا اعتذاركم غداً لنبيكم وطريق هذا العذر غير ممهد إن قال لم فرطتم في أمتي وتركتموهم للعدو المعتدي لله لو أن العقوبة لم تخف لكفى الحيا من وجه ذاك السيد إخواننا صلوا عليه وسلموا وسلوا الشفاعة منه يوم المشهد واسعوا لنصرة دينه يسقيكم من حوضه في الحشر أعذب مورد وصدر جوابها من نظم عبد العزيز شاعر السلطان يعقوب بن عبد الحق بما نصه لبيك لا تخش اعتداء المعتدي‏.‏إلى آخرها وكذلك أجاب عنها أيضاً مالك بن المرحل بقوله شهد الإله وأنت يا أرض اشهدي‏.‏إلى آخرها‏.‏فأجابهم أبو عمر بن المرابط كاتب ابن الأحمر بقوله قل للبغاة وللغداة‏.‏الحسد‏.‏إلى آخرها‏.‏ولما أجاز السلطان يعقوب بن عبد الحق إجازته الثانية سنة ست وسبعين كما نذكره وصار ابن الأحمر إلى الاستعتاب والرضى ولقي يعقوب بن عبد الحق فأنشده كاتبه أبو عمر بن المرابط يوم اجتماعهما بقوله ‏"‏ بشرى لحرب الله والإيمان ‏"‏‏.‏إلى آخرها‏.‏ولما انقضى المجلس أمر السلطان شاعره عبد العزيز بمساجلته قصيدته فأنشدها ثاني المجلس بحضرة ابن الأحمر ونصها ‏"‏ اليوم كن في غبطة وأمان ‏"‏ إلى آخرها‏.‏ثم كان أثناء ذلك ما وقع من استيلاء السلطان يعقوب بن عبد الحق على مدينة مالقة والغربية جل عمله بعد مهلك صاحبها أبي محمد بن أشقيلولة فبرم لذلك وخيل عليه ففزع إلى مداخلة الطاغية في شأنه واتصال يده‏.‏وأن يعود إلى مكان أبيه من ولايته ليدفع به السلطان وقومه عن أرضه ويأمن معه من زوال سلطانه لما كانت كلمة الإسلام حجزاً دونه‏.‏فاهتبل الطاغية غرتها وانتكث عهد أمير المسلمين ونقض السلم ونبذ إليه العهد‏.‏وأغزى أساطيله بالجزيرة الخضراء حيث مسالح السلطان وعسكره‏.‏وأرست بالزقاق حيث فراض الجواز‏.‏وانقطع المسلمون من جنود السلطان وقومه وراء البحر ويئسوا من صريخه‏.‏وانتبذ عمر بن يحيى بن محلى عن قومه بمكان إمارته من مالقة‏.‏وكان بنو محلى هؤلاء من كبار قومهم بطوية وكانوا حلفاء بني حمامة بن محمد منذ دخولهم المغرب‏.‏وأصهر عبد الحق أبو ملاك إلى أبيهم محلى في ابنته أم اليمن فكان من ولده السلطان يعقوب بن عبد الحق‏.‏وكانت امرأة صالحة‏.‏خرجت إلى الحج سنة ثلاث وأربعين فقضت فريضة الله عليها وعادت إلى المغرب لرابعة من السنين سنة سبع وأربعين‏.‏ثم خرجت ثانية سنة اثنتين وخمسين فتطوعت بحجة أخرى‏.‏وهلكت بمصر منصرفها من تلك السنة سنة ثلاث وخمسين فكان لبني محلى أبيها مكان من الدولة ودالة على السلطان لخؤولتهم ووشايج قرابتهم وغنائهم في قومهم‏.‏وما استولى السلطان على حضرة الموحدين مراكش عقد لمحمد بن علي بن محلى على جميع أعمالها فكانت له في الاضطلاع بها مقامات محمودة‏.‏واتصلت أيام ولايته عليها من سنة ثمان وستين إلى سنة سبع وثمانين‏.‏ثم كان مهلكه أيام يوسف بن يعقوب كما نذكره‏.‏ولما نزع محمد بن أشقيلولة إلى السلطان بالجزيرة سنة ست وسبعين متجافياً له عن ولاية مالقة بعد وفاة أبيه الرئيس أبي محمد واستولى السلطان عليها واعتزم على الإجازة كما قدمناه عقد على مالقة والغربية وسائر ثغورها وأعمالها لعمر بن يحيى بن محلى‏.‏وكان أخوه طلحة بن يحيى بن محلى ذا بأس وصرامة وقوة شكيمة واعتزاز على السلطان بمكان الخؤلة‏.‏وهو الذي قتل يعقوب بن عبد الحق بغبولة سنة ثمان وستين كما قلناه وظاهر فتح الله السدراتي مولى السلطان ووزيره على قتال أبي العلا بن أبي طلحة بن أبي قريش عامل المغرب بكدية العرائش من ظاهر فاس سنة اثنتين وسبعين‏.‏ونزع سنة أربع وسبعين‏.‏إلى جبل أزور عند مرجع السلطان من إجازته الأولى فاستنزله ورجعه إلى مجلسه من جملته‏.‏ثم نزع من الجزيرة إلى غرناطة سنة ست وسبعين عند مرجع السلطان من أمر مالقة وأجاز البحر إلى بلاد الريف‏.‏ثم رجع إلى القبلة وأقام بين بني توجين‏.‏ثم أجاز إلى الأندلس سنة سبع وسبعين عندما اضطرم نار هذه الفتنة بين السلطان وبين ابن الأحمر والطاغية‏.‏واحتل أسطول النصارى بالزقاق وانقطعت عساكر السلطان وراء البحر‏.‏وأحس أخوه عمر صاحب مالقة بإظلام الجو بينه وبين السلطان بما كان من أمر أخيه طلحة من قبل‏.‏فلاطفه ابن الأحمر عند استقراره بغرناطة في مداخلة أخيه عمر في النزول عن مالقة والاعتياض عنها بشلوبانية والمنكب طعمة‏.‏وخاطبه في ذلك أخوه طلحة فأجاب‏.‏وخرج ابن الأحمر بعساكره إلى مالقة‏.‏وتقبض عمر بن محلى على زيان بن بوعياد قائد بني مرين ومحمد بن أشقيلولة‏.‏وأمكن ابن الأحمر من البلد فدخلها آخر رمضان من سنته‏.‏وأنزل ابن محلى بشلوبانية واحتمل ذخيرته وما كان السلطان ائتمنه عليه من المال والعدة الجهادية‏.‏واتصلت يد ابن الأحمر بيد الطاغية على منع أمير المسلمين من الإجازة وراسلوا يغمراسن بن زيان من وراء البحر وراسلهم في مشاقة السلطان وإفساد ثغوره وإنزال العوائق به المانعة من حركته والأخذ بأذياله عن النهوض إلى الجهاد‏.‏وأسنوا فيما بينهم الإتحاف والمهاداة‏.‏وجنب يغمراسن إلى ابن الأحمر ثلاثين من عتاق الخيل مع ثياب من عمل الصوف‏.‏وبعث إليه ابن الأحمر صحبة ابن مروان التجاني كفاء ذلك عشرة آلاف دينار فلم يرض بالمال في هديته ورده‏.‏واصطفقت أيديهم جميعاً على السلطان ورأوا أن قد بلغوا في إحكام أمرهم وسد مذاهبه إليهم‏.‏واتصل الخبر بأمير المسلمين وهو بمراكش‏.‏كان صمد إليها مرجعه من الغزو في شهر محرم فاتح سبع وسبعين لما كان من عيث العرب جشم بتامسنا وإفسادهم السابلة‏.‏فثقف أطرافها وحسم أدواءها‏.‏ولما بلغه خبر ابن محلى ومالقة ومنازلة الطاغية للجزيرة نهض لثالثة من شوال يريد طنجة‏.‏ولما انتهى إلى تامسنا وافاه الخبر بنزول الطاغية على الجزيرة وإحاطة عساكره بها سادس شوال بعد أن كانت أساطيله منازلتها منذ ربيع وأنه مشرف على التهامها‏.‏وبعثوا إليه يستعدونه فاعتزم على الرحيل‏.‏ثم اتصل به الخبر بخروج مسعود بن كانون أمير سفيان من جشم ببلاد نفيس من المصامدة خامس ذي القعدة وأن الناس اجتمعوا إليه من قومه وغيرهم‏.‏فكر إليه راجعاً وقدم بين يديه حافده تاشفين بن بو مالك ووزيره يحيى بن حازم‏.‏وجاء على ساقتهم وفروا أمام جيوشه وانتهب معسكرهم وحللهم‏.‏واستباح عرب الحارث من سفيان‏.‏ولحق مسعود بمعقل السكسيوي ونازله السلطان بعساكره أياماً‏.‏ثم سرح ابنه الأمير أبا زيان بن منديل إلى بلاد السوس لتمهيدها وتدويخ أقطارها فأوغل في ديارها وقفل إلى أبيه خاتم سنته‏.‏واتصل بالسلطان ما نال أهل الجزيرة من ضيق الحصار وشدة القتال وأعواز الأقوات وأنهم قتلوا الأصاغر من أولادهم خشية عليهم من معرة الكفر‏.‏فأهمه ذلك وأعمل النظر فيه‏.‏وعقد لولي عهده ابنه الأمير أبي يعقوب من مراكش على الغزو إليها‏.‏وأغزى الأساطيل في البحر إلى جهاد عدوهم فوصل إلى طنجة لصفر من سنة ثمان وسبعين‏.‏وأوعز إلى البلاد البحرية لإعداد الأساطيل للغزاة بسبتة وطنجة وسلا وقسم الأعطيات وتوفرت همم المسلمين على الجهاد وصدقت عزائمهم على الموت‏.‏وأبلى الفقيه أبو حاتم العزفي صاحب سبتة لما بلغه خطاب أمير المسلمين في ذلك البلاء الحسن وقام فيه المقام المحمود‏.‏واستنفر كافة أهل بلده فركبوا البحر أجمعين من المحتلم فما فوقه‏.‏ورأى ابن الأحمر ما نزل بالمسلمين في الجزيرة وإشراف الطاغية على أخذها فندم في ممالأته‏.‏ونبذ عهده وأعد أساطيل سواحله من المنكب والمرية ومالقة مدداً للمسلمين‏.‏واجتمعت الأساطيل بمرفأ سبتة تناهز السبعين قد أخذت بطرفي الزقاق في أحفل زي وأحسن قوة وأكمل عدة وأوفر عديد‏.‏وعقد لهم الأمير أبو يعقوب رايته وأقلعوا عن طنجة ثامن ربيع الأول‏.‏وانتشرت قلوعهم في البحر فأجازوه وباتوا ليلة المولد الكريم بمرقى الجبل وصبحوا العدو وأساطيلهم تناهز الأربعماية فتظاهروا في دروعهم وأسبغوا من سكتهم وأخلصوا لله عزائمهم وصدقوا مع اللة نياتهم وتنادوا بالجنة شعارهم‏.‏ووعظ وذكر خطباؤهم والتحم القتال ونزل الصبر‏.‏ولم يك إلا كلا ولا حتى نضحوا العدو بالنبل فانكشفوا وتساقطوا في العباب‏.‏واستلحمهم السيف وغشيهم اليم‏.‏وملك المسلمون أساطيلهم‏.‏ودخلوا مرمى الجزيرة وفرضتها عنوة فاختل معكسر الطاغية‏.‏ودخلهم الرعب من إجازة الأمير أبي يعقوب ومن معه من الحامية فأفرج لحينه عن البلد‏.‏وانتشر النساء والصبيان بساحته وغلبت المقاتلة كثيرا من المعسكر على مخلفهم فغنموا من الحنطة والأدم والفواكه ما ملأ أسواق البلد أياماً حتى وصلتها الميرة من النواحي‏.‏وأجاز الأمير أبو يعقوب لحينه فأرهب العدو في كل ناحية وصلى عن الغزو إلى دار الحرب شأن الفتنة مع ابن الأحمر فرأى أن يعقد مع الطاغية سلما ويصل به لمنازلة غرناطة يداً‏.‏وأجابه إلى ذلك الطاغية رهبة من بأسهم وموجدة على ابن الأحمر في مدد أهل الجزيرة‏.‏وبعث أساقفته لعقد ذلك فأجازهم الأمير أبو يعقوب إلى أبيه أمير المسلمين فغضب لها ونكرها على أبنه‏.‏وزوى عنه وجه رضاه ورجعهم إلى طاغيتهم مخفقي السعي‏.‏وأجاز أبو يعقوب ابن السلطان إلى أبيه ومعه وفد أهل الجزيرة فلقوا السلطان بمكانه من بلاد السوس‏.‏وولى عليهم ابنه أبا زيان منديل فنزل بالجزيرة وأحكم العقدة مع الطاغية‏.‏ونازل مربلة من طاعة ابن الأحمر براً وبحراً فامتنعت عليه‏.‏ورجع إلى الجزيرة وانضوى إليه أهل الحصون الغربية بطاعتهم حذراً من الطاغية فتقبلهم‏.‏ثم جاءه المدد من المغرب ونازل رندة فامتنعت‏.‏والطاغية أثناء ذلك يجوس خلال الأندلس‏.‏وتنازل ابن الأحمر بغرناطة مع بني أشقيلولة وابن الدليل‏.‏ثم راجع ابن الأحمر مسالمة بني مرين وبعث لأبي زيان ابن السلطان بالصلح‏.‏واجتمع معه بأحواز مربلة كما نذكر بعد‏.‏ولما ارتحل السلطان من معسكره على جبل السكسيوي يريد السوس‏.‏ثم أغزى العساكر ورجع من طريقه إلى مراكش‏.‏حتى إذا انقضت غزاة البربر قفل إلى فاس وبعث خطابه إلى الآفاق مستنفراً للجهاد‏.‏وفصل في رجب من سنة ثمان وسبعين حتى انتهى إلى طنجة وعاين ما اختل من أحوال المسلمين في تلك الفترة وما جرت إليه فتنة ابن الأحمر من اعتزاز الطاغية وما حدثته نفسه من التهام الجزيرة الأندلسية ومن فيها‏.‏وظاهره على ابن الأحمر منافسوه في رياسته بنو أشقيلولة فاستجره الرئيس أبو الحسن بن أبي إسحاق صاحب وادي آش ونازل معه غرناطة سنة تسع وسبعين خمسة عشر يوماً‏.‏ثم أفرجوا عنها ولقيتهم عساكر غرناطة من زناتة فعد ذلك من سنتهم‏.‏وعليهم طلحة بن محلى وتاشفين بن معط كبير تيربيغين بحصن المسلى فأظهرهم الله عليهم‏.‏وهلك من النصارى ما يناهز سبعماية من فرسانهم‏.‏واستشهد فيها من أعياص بني مرين عثمان بن محمد بن عبد الحق‏.‏واستجر الطاغية سنة ثمانين بعدها الرئيس أبو محمد عبد الله صاحب وادي آش إلى منازلة غرناطة فنازلها الطاغية وأقام عليها إماماً‏.‏ثم ارتحل وقد اعتز عليهم‏.‏وأشفق السلطان على المسلمين وعلى ما نال ابن الأحمر من خسف الطاغية فراسله في الموادعة واتفاق الكلمة وشرط عليه النزول عن مالقة‏.‏وامتنع فرجع السلطان إلى إزالة العوائق المانعة عن شأنه من الجهاد وكان من أعظمها فتنة يغمراسن‏.‏واستيقن ما دار بينه وبين ابن الأحمر والطاغية وابن أخي أدفونش من الاتصال والإصفاق فبعث إليه في تجديد الصلح والاتفاق فلج وكشف الوجه في العناد‏.‏وأعلن بما وقع بينه وبين أهل العدوة مسلمهم وكافرهم من الوصلة أنه معتزم على وصل بلاد المغرب‏.‏فصرف أمير المسلمين عزمه إلى غزو يغمراسن‏.‏وقفل إلى فاس لثلاث أشهر من نزوله بطنجة فدخلها آخر شوال‏.‏وأعاد الرسل إلى يغمراسن لإقامة الحجة عليه والتجلي بمسالمة بني توجين والتجافي عنهم لموالاتهم أمير المسلمين‏.‏فقام يغمراسن في ركائنه وقعد ولج في طغيانه‏.‏وارتحل أمير المسلمين من فاس خاتمة سنة تسع‏.‏وقدم ابنه أبا يعقوب في العساكر وأدركه بتازى‏.‏ولما انتهى إلى ملوية تلوم في انتظار العساكر‏.‏ثم ارتحل إلى نامة ثم إلى تافنا وصمد إليه يغمراسن بحشود زناتة والعرب بحللهم وكافة ناجعتهم‏.‏والتقت عيون القوم فكانت بينهم حرب‏.‏وركب على آثارهما العسكران فالتحم القتال‏.‏وكان الزحف بخرزوزة من ملعب تيفنى‏.‏ورتب أمير المسلمين مصافه وجعل كتيبته وكتيبة ابنه الأمير أبي يعقوب جناحين للعسكر‏.‏واشتد القتال سائر النهار وانكشف بنو عبد الواد عندما أراح القوم وانتهب جميع مخلفهم وما كان في معسكرهم من المتاع والكراع والسلاح والفساطيط وبات معسكر أمير المسلمين ليلتهم في صهوات خيلهم واتبعوا من الغد آثار عدوهم‏.‏واكتسحت أموال العرب الناجعة الذين كانوا مع يغمراسن وامتلات أيدي بني مرين من نعمهم وشائهم‏.‏ودخلوا بلاد يغمراسن وزناتة‏.‏ووافاه هنالك محمد بن عبد القوي أمير بني توجين لقيه بناحية القصبات وعاثوا جميعاً في بلاده نهباً وتخريباً‏.‏ثم أذن لبني توجين في اللحاق ببلادهم وأخذ هو بمخنق تلمسان متلوماً لوصول محمد بن عبد القوي وقومه إلى منجاتهم من جبل وانشريش حذراً عليهم من غائلة يغمراسن‏.‏ثم أفرج عنها وقفل إلى المغرب ودخل فاس شهر رمضان من سنة ثمانين‏.‏ثم نهض إلى مراكش فاحتل بها فاتح إحدى وثمانين بعدها‏.‏وسرح ابنه الأمير أبا يعقوب إلى السوس لتدويخ أقطاره‏.‏ووافاه بمراكش صريح الطاغية على ابنه شانجة الخارج عليه فاغتنم الفرصة في فساد بينهم لقضاء إربه من الجهاد‏.‏وارتحل مبادرا بالإجازة إلى الأندلس‏.‏والله تعالى أعلم‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-07-2011, 05:32 PM
الخبر عن إجازة السلطان أبي يوسف ثالثة باستدعاء الطاغية

لخروج ابنه شانجة عليه لما خرج السلطان من غزاة تلمسان إلى فاس وارتحل إلى مراكش وافاه بها وفد الطاغية من بطارقته وزعماء دولته وقواميص ملته صريخاً على ابنه شانجة‏.‏خرج عليه في طائفة من النصارى وغلبوه على أمره فاستنصر أمير المسلمين منهم ودعاه لحربهم‏.‏وأمله لاسترجاع ملكه من أيديهم فأجاب أمير المسلمين داعية رجاء للكرة بافتراقهم‏.‏وارتحل حتى انتهى إلى قصر المجاز وأوعز إلى الناس بالنفير إلى الجهاد‏.‏وأجاز إلى الخضراء فاحتل بها لربيع الثاني من سنة إحدى وثمانين‏.‏واجتمعت إليه مسالح الثغور بالأندلس وسار حتى نزل صخرة عياد فوافاه بها الطاغية ذليلاً لعز الإسلام مؤملاً صريخ السلطان فأكبر وفادته وكرم موصله وعظم قدره وأمده لنفقاته بماية ألف من مال المسلمين استرهن فيها التاج الذخيرة عند سلفه وبقي بدارهم فخراً للأعقاب لهذا العهد‏.‏ودخل معه دار الحرب غازياً حتى نازل قرطبة وبها شانجة ابن الطاغية الخارج عليه مع طائفته فقاتلها أياماً‏.‏ثم أفرج عنها وتنقل في جهاتها ونواحيها‏.‏وارتحل إلى طليطلة فعاث في جهاتها‏.‏وخرب عمرانها حتى انتهى إلى حصن مجريط من أقصى الثغر فامتلأت أيدي المسلمين وضاق معسكرهم بالغنائم التي استاقوها‏.‏وقفل إلى الجزيرة فاحتل بها لشعبان من سنته‏.‏وكان عمر بن محلى نزع إلى طاعة السلطان فهم به ابن الأحمر ونبذ إليه عهده ‏.‏وارتجع المنكب من يده‏.‏ونازله بعساكره فاتح هذه السنة فجهز السلطان إليه لوصوله الجزيرة أسطوله‏.‏وأفرج ابن الأحمر عنه فبادر إلى السلطان طاعته‏.‏ووصل ببيعة شلوبانية فأبقاه فيها بدعوته‏.‏ثم راجع طاعة ابن الأحمر في شوال من سنته فتقبل فيئته وأعاضه عنها بالمنكب‏.‏إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏والله أعلم‏.‏

الخبر عن شأن السلم مع ابن الأحمر وتجافي السلطان عن مالقة

ثم تجديد الغزو بعد ذلك لما اتصلت يد السلطان بيد الطاغية خشي ابن الأحمر غائلته فجنح إلى موالاة شانجة الخارج على أبيه‏.‏ووصل يده بيده وأكد له العقد على نفسه‏.‏واضطرمت له الأندلس ناراً وفتنة‏.‏ولم يغن شانجة عن ابن الأحمر شيئاً‏.‏ورجع السلطان من غزاته مع الطاغية وقد ظهر على ابنه فأجمع على منازلة مالقة‏.‏ونهض إليها من الجزيرة فاتح اثنتين وثمانين فتغلب على الحصون الغربية كلها‏.‏ثم أسف إلى مالقة فأناخ عليها بعساكره‏.‏وضاق النطاق على ابن الأحمر وبدا له سوء المغبة في شأن مالقة ومداخلة ابن محلى في الغدر بها وأعمل نظره في الخلاص من ورطتها‏.‏ولم ير لها إلا ولي عهد السلطان ابنه أبا يوسف فخاطبه بمكانه من المغرب مستصرخاً لرقع هذا الخرق وجمع كلمة المسلمين على عدوهم فأجابه واغتنم المثوبة في مسعاه‏.‏وأجاز لشهر صفر فوافى أمير المسلمين بمعسكره على مالقة‏.‏ورغب منه السلم لابن الأحمر عن شأن مالقة والتجافي له عنها فأسعف رغبة ابنه لما يؤمل في ذلك من رضى الله في جهاد عدوه وإعلاء كلمته‏.‏وانعقد السلم وانبسط أمل ابن الأحمر وتجددت عزائم المسلمين وقفل السلطان إلى الجزيرة‏.‏وبث السرايا في دار الحرب فأوغلوا وأثخنوا‏.‏ثم استأنف الغزو بنفسه إلى طليطلة فخرج غازياً غرة ربيع الثاني من سنة اثنتين وثمانين حتى انتهى إلى قرطبة‏.‏فأثخن وغنم وخرب العمران وافتتح الحصون‏.‏ثم ارتحل نحو البيرة وخلف معسكراً بظاهر بياسة وأغذ السير في أرض قفر‏.‏ولليلتين انتهى إلى البيرة من نواحي طليطلة فسرح الخيل في السائط حتى تقرت جميع ما فيها‏.‏ولم ينته إلى طليطلة لتثاقل الناس بكثرة المغائم وأثخن في القتل‏.‏وقفل على غير طريقه فأثخن وخرب وانتهى إلى أبدة‏.‏ووقف بساحتها والعدو منحجزون ثم رجع إلى معسكره ببياسة وأراح ثلاثاً ينسف آثارها ويقتلع شجراءها‏.‏وقفل إلى الجزيرة فاحتل بها شهر رجب وقسم الغنائم وقفل من الخمس‏.‏وولى على الجزيرة حافده عيسى بن الأمير أبي مالك ابنه فهلك شهيداً بالمعترك لشهرين من ولايته‏.‏وأجاز السلطان غرة شعبان إلى المغرب ومعه ابنه أبو زيان منديل‏.‏وأراح بطنجة ثلاثاً‏.‏وأغذ السير إلى فاس فاحتل بها آخر شعبان‏.‏ولما قضى صيامه ونسكه ارتحل إلى مراكش لتمهيدها وتفقد أحوالها‏.‏وقسم من نظره لنواحي سلا وأزور فأقام برباط الفتح شهرين اتنين‏.‏واحتل مراكش فاتح ثلاث وثمانين‏.‏وبلغه مهلك الطاغية ابن أدفونش واجتماع النصرانية على ابنه شانجة الخارج عليه فتحركت إلى الجهاد عزائمه‏.‏وسرح الأمير أبا يعقوب ولي عهده بالعسكر إلى بلاد السوس لغزو العرب وكف عاديتهم ومحو آثار الخوارج المنتزين على الدولة‏.‏فأجفلوا أمامه واتبع آثارهم إلى الساقية الحمراء آخر العمران من بلاد السوس فهلك أكثر العرب في تلك القفار مسغبة وعطشاً‏.‏وقفل لما بلغه من اعتلال أمير المسلمين ووصل إلى مراكش وقد أبل واعتزم على الجهاد والغزو شكراً لله كما نذكر إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن إجازة السلطان أبي يوسف الرابلة ومحاصرة شريش

وما تخلل ذلك من الغزوات لما اعتزم أمير المسلمين على الإجازة واعترض جنوده وحاشيته وأزاح عللهم وبعث في قبائل المغرب بالنفير‏.‏ونهض من مراكش في جمادى الآخرة لثلاث وثمانين‏.‏واحتل رباط الفتح منتصف شعبان فقضى به صومه ونسكه‏.‏ثم ارخل إلى قصور مصمودة وشرع في إجازة العساكر والحشود من المرتزقة والمطوعة خاتمة سنته‏.‏ثم أجاز البحر بنفسه غرة صفر من سنة أربع بعدها‏.‏واحتل بطريف‏.‏ثم سار منهما إلى الخضراء وأراح أياماً‏.‏ثم خرج غازياً حتى انتهى إلى وادي لك‏.‏وسرح الخيول في يلاد العدو وبسائطها تغير وتحرق وتنسف‏.‏فلما خرب بلاد النصرانية ودمر أرضهم قصد مدينة شريش فنزل بساحتها وأناخ عليها وبث السرايا والغارات في جميع نواحيها‏.‏وبعث عن المسالح التي كانت بالثغور فتوافت لديه‏.‏ولحق حافده عمر بن أبي مالك بجمع وافر من المجاهدين من أهل المغرب فرساناً ورجالاً ووافته حصة العزفي من سبتة غزاة ناشبة تناهز خمس ماية من الرجل‏.‏وأوعز إلى ولي عهده الأمير أبي يعقوب باستنفار من بقي بالعدوة من المسلمين إلى الجهاد‏.‏وعقد لحافده الآخر منصور بن عبد الواحد على ألف فارس من الغزاة‏.‏وأعطاه الراية وسرحه لغزو إشبيلية لآخر صفر من سنته فغنموا ومروا بقرمونة في منصرفهم فاستباحوها وأثخنوا بالقتل والأسار ورجعوا وقد امتلأت أيديهم من الغنائم‏.‏وبعث وزيره محمد بن عتو ومحمد بن عمران بن عبلة عيوناً فوافوا حصن القناطر وروطة واستكشفوا ضعف الحامية واختلال الثغور فعقد ثانية لحافده عمر بن عبد الواحد على مثلها من الفرسان لثلاثة من ربيع وأعطاه الراية وسرحه إلى بسائط وادي لك فرجعوا من الغنائم بما ملأ العساكر بعد أن أثخنوا فيها بالقتل والتخريب وتحريق الزروع واقتلاع الثمار وأبادوا عمرانها‏.‏ثم سرح ثامن ربيع عسكراً للإغارة على حصن أركش‏.‏ووافوه على غرة فاكتسحوا أموالهم‏.‏ثم عقد تاسع ربيع لأبنه أبي معروف على ألف من الفرسان‏.‏وسرحه لغزو إشبيلية فسار حتى توقف‏.‏وانحجزت منه حاميتها فخرب عمرانها وحرق زروعها وقطع شجراءها‏.‏وامتلأت أيدي عسكره سبياً وأموالاً ورجع إلى معسكر السلطان مملوء الحقائب‏.‏ثم عقد ثالثة لحافده عمر منتصف ربيع لغزو حصن كان بالقرب من معسكره وسرح معه الرجل من الناشبة والفعلة بالآلات‏.‏وأمده بالرجل من المصامدة وغزاة سبتة فاقتحموه عنوة على أهله‏.‏وقتلوا المقاتلة وسبوا النساء والذرية وأضرعوا خده بالتراب‏.‏ولسبع عشرة من الشهر ركب السلطان إلى حصن سقوط قريباً عن معسكره فخربه وحرقه بالنار واستباحه‏.‏وقتل مقاتلته وسبى أهله‏.‏ولعشرين من شهره وصل ولي عهده الأمير أبو يعقوب من العدوة بنفير أهل المغرب وكافة القبائل في جيوش ضخمة وعسكر موفورة‏.‏وركب أمير المسلمين للقائهم وبرور مقدمهم‏.‏واعترض العساكر الموافية يومئذ فكانت ثلاثة عشر ألفاً من المصامدة وثمانية آلاف من برابرة المغرب المتطوعون كلهم بالجهاد فعقد له السلطان على خمسة آلاف من المرتزقة وألفين من المطوعة وثلاثة عشر ألفاً من الرجل وألفين من الناشبة‏.‏وسرحه لغزو إشبيلية والإثخان في نواحيها فعبأ كتائبه ونهض لوجهه‏.‏وبث الغارات بين يدين فأثخنوا وسبوا وقتلوا‏.‏واقتحموا الحصن واكتسحوا الأموال‏.‏وعاج على الشرف والغابة من بسيط إشبيلية فنسف قراها واقتحم من حصونها عدة‏.‏وقفل إلى معسكر أمير المسلمين ظاهراً عزيزاً غانماً‏.‏ولسادس ربيع الثاني وصل الأمير أبو زيان منديل بن طريف بعسكر وافر من المسلمين فعقد له غداة وصوله وأمده بعكسر آخر‏.‏وأغزاه قرمونة والوادي الكبير فأغار على قرمونة‏.‏وطمعت حاميتها في المدافعة فبرزوا له‏.‏وصدقهم القتال فانكشفوا حتى أحجزوهم في البلد‏.‏ثم أحاطوا ببرج كان قريباً من البلدة قاتلوه ساعة من نهار واقتحموه عنوة ولم يزل يتقرى المنازل والعمران حتى وقف بساحة إشبيلية فأغار واكتسح واقتحم برجاً كان هنالك عيناً على المسلمين وأضرمه ناراً‏.‏وامتلأت أيدي عساكره وقفل إلى معسكر أمير المسلمين‏.‏ولثلاث عشرة من ربيع الثاني عقد للأمير أبي يعقوب لمنازلة جزيرة كبوتر فصمد إليها وقاتلها واقتحمها عنوة‏.‏وفي ثاني جمادى عقد لطلحة بن يحيى بن محلى‏.‏وكان بعد مداخلته أخاه عمر في شأن مالقة سنة خمس وسبعين خرج إلى الحج فقضى فرضه ورجع‏.‏ومر في طريقه بتونس‏.‏واتهمه الدعي ابن أبي عمارة كان بها يومئذ فاعتقله سنة اثتنين وثمانين‏.‏ثم سرحه ولحق بقومه بالمغرب‏.‏ثم أجاز إلى الأندلس غازياً في ركاب السلطان فعقد له في هذه الغزاة على مايتين من الفرسان‏.‏وسرحه إلى إشبيليه ليكون ربية للمعسكر‏.‏وبعث معه لذلك عيوناً من اليهود والمعاهدين من النصارى يتعرفون له أخبار الطاغية شانجة‏.‏وأمير المسلمين أثناء ذلك يغادي شريش ويراوحها بالقتال والتخريب ونسف الآثار وبث السرايا كل يوم وليلة في بلاد العدو‏.‏فلا خلو يوماً عن تجهيز عسكر أو إغزاء جيش أو عقد راية أبو بعث سرية حتى انتسف لعمران في جميع بلاد النصرانية وخرب بسائط إشبيلية ولبلة وقرمونة وأستجة وجبال الشرف وجميع بسائط الفرنتيرة‏.‏وأبلى في هذه الغزوات عياد العاصمي من شيوخ جشم وخضر الغزي أمير الأكراد بلاء عظيماً وكان لهم فيها ذكر‏.‏وكذلك غزاة سبتة وسائر المجاهدين والعرب من جشم وغيرهم‏.‏فلما دمرها تدميراً ونسفها تخريباً اكتسحها غارة ونهباً وزحم فصل الشتاء وانقطعت الميرة عن المعسكر اعتزم على قفول وأفرج عن شريش لأخر رجب‏.‏ووافاه مدد غرناطة من عساكر الغزاة وقائدهم يعلى بن أبي عياد بن عبد الحق بوادي بردة فلقاهم مبرة وتكريماً وانقلبوا إلى أهلهم‏.‏واتصل به أن العدو أوعز إلى أساطيله باحتلال الزقاق والاعتراض دون الفراض فأوعز أمير المسلمين إلى جميع سواحله من سبتة وطنجة والمنكب والجزيرة وطريف وبلاد الريف ورباط الفتح‏.‏واستدعى أساطيله فتوافت منها سنة وثلاثون أسطولا متكاملة في عدتها وعديدها فأحجمت أساطيل العدو عنها وارتدت على أعقابها‏.‏واحتل بالجزيرة غرة رمضان‏.‏واستيقن الطاغية شانجة وأهل ملته أن بلادهم قد فنيت وأرضهم خربت‏.‏وتبينوا العجز عن المدافعة والحماية فجنحوا إلى السلم‏.‏وضرعوا إلى أمير المسلمين في كف عاديته عنهم على ما يذكر‏.‏ووصل إلى السلطان بمكانه من منازلة شريش عمر بن أبي يحيى بن محلى نازعاً إلى طاعته فاتهمه لما سبق من تلاعبه‏.‏وأمر أخاه طلحة بنكبه‏.‏واحتمل إلى طريف فاعتقل بها‏.‏وسار طلحة إلى المنكب فاستصفى أموال أخيه عمر وذخائره وحملها إلى السلطان‏.‏وأقر ثانية أخاه موسى على عمله بالمنكب وأمده بعسكر من الرجل‏.‏ثم أطلق عمر لليال من اعتقاله‏.‏وأجاز طلحة وعمر في ركاب السلطان‏.‏ونزع منصور بن أبي مالك حافد السلطان إلى غرناطة‏.‏ثم لحق منها بالمنكب وأقام مع موسى بن يحيى بن محلى فأقره السلطان ورضي مقامه‏.‏والله تعالى أعلم‏.‏

الخبر عن وفادة الطاغية شانجة وانعقاد السلم ومهلك السلطان على تفيئة ذلك

لما نزل بأمم النصرانية في بلاد ابن أدفونش من أمير المسلمين ما نزل من تدمير قراهم واكتساح أموالهم وسبي نسائهم وإبادة مقاتلتهم وتخريب معاقلهم وانتساف عمرانهم زاغت منهم الأبصار وبلغت القلوب الحناجر‏.‏واستيقنوا أن لا عاصم من أمير المسلمين فاجتمعوا إلى طاغيتهم شانجة خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة يتوجعون مما أذاقهم جنود الله من سوء العذاب وأليم النكال‏.‏وحملوه على الضراعة إلى أمير المسلمين في السلم وإنفاذ الملأ من كبار النصرانية عليه في ذلك‏.‏وإلأ فلا تزال تصيبهم منه قارعة أو تحل قريباً من دارهم‏.‏فأجاب إلى ما دعوه إليه من الخسف والهضيمة لدينه‏.‏وأوفد على أمير المسلمين وفداً من بطارقتهم وقمامصتهم وأساقفتهم‏.‏ووضع أوزار الحرب فردهم أمير المسلمين اعتزازاً عليهم‏.‏ثم أعادهم الطاغية بترديد الرغبة على أن يشترط ما شاء من عز دينه وقومه‏.‏فأسعفهم أمير المسلمين وجنح إلى السلم لما تيقن صاغيتهم إليه وذلهم لعز الإسلام‏.‏وأجابهم إلى ما سألوه واشترط عليهم ما تقبلوه من مسالمة المسلمين كافة من قومه وغير قومه والوقوف عند مرضاته في ولاية جيرانه من الملوك أو عداوتهم ورفع الضريبة عن تجار المسلمين بدار الحرب من بلاده وترك التضريب بين ملوك المسلمين والدخول بينهم في فتنة‏.‏وبعث ثقته عبد الحق ابن الترجمان لاشتراط ذلك وأحكام عقده فاستبلغ وأكد في الوفاء‏.‏ووفدت رسل ابن الأحمر على الطاغية وهو عنده لعقد السلم معه دون أمير المسلمين وعلى مدافعته عنه فأحضرهم بمشهد ابن الترجمان وأسمعهم ما عقد لأمير المسلمين على قومه وأهل ملته‏.‏وقال لهم إنما أنتم عبيد آبائي فلستم معي في مقام السلم أو الحرب وهذا ملك المسلمين ولست أطيق مقاومته ولا دفاعه عنكم فانصرفوا‏.‏ولما رأى عبد الحق صاغيته إلى مرضاة السلطان وسوس له بالوفادة لتتمكن الألفة وتستحكم العقدة‏.‏وأراه مغبة ذلك في سل السخيمة وتسكين الحفيظة وتمكين الألفة فصغى إلى وفاقه‏.‏وسأل لقى الأمير أبي يعقوب ولي عهده من قبل ليطمئن عليه فوصل إليه ولقيه على فراسخ من شريش‏.‏وباتا بمعسكر المسلمين هنالك‏.‏ثم ارتحلا من الغد للقاء أمير المسلمين وقد أمر الناس بالاحتفال للقاء الطاغية وقومه وإظهار شعار الإسلام وأبهته فاحتفلوا وتأهبوا وأظهروا عز الملة وشدة الشوكة ووفور الحامية‏.‏ولقيه أمير المسلمين بأحسن مبرة وأتم كرامة يلقى بها مثله من عظماء الملل‏.‏وقدم الطاغية بين يديه هدية أتحف بها أمير المسلمين وابنه من ظرف بلاده كان فيها زوج من الحيوان الوحشي المسمى بالفيل وحمارة من حمر الوحش إلى غير ذلك من الظرف‏.‏تقبلها السلطان وابنه وقابلوها بكفائها ومضاعفتها وكمل عقد السلم‏.‏وتقبل لطاغية سائر الشروط ورضي بعز الإسلام عليه‏.‏وانقلب إلى قومه بملء صدره من الرضى والمسرة‏.‏وسأل منه أمير المسلمين أن يبعث من كتب العلم التي بأيدي النصارى من لدن استيلائهم على مداين الإسلام فاستكثر من أصنافها في ثلاثة عشر حملاً بعث بها إليه فوقفها السلطان بمدرسته التي أسسها بفاس لطلب العلم‏.‏وقفل أمير المسلمين إلى الجزيرة لليلتين بقيتا لرمضان فقضى صومه ونسكه‏.‏وجعل من قيام ليله جزءاً لمحاضرة أهل العلم‏.‏وأعد الشعراء كلمات أنشدوها يوم الفطر بمشهد الملأ في مجلس أمير المؤمنين‏.‏وكان من أسبقهم في ذلك الميدان شاعر الدولة عزوز المكناسي‏.‏ذكر فيها سير أمير المسلمين وغزواته على نسق‏.‏ثم أعمل أمير المسلمين نظره في الثغور فرتب بها المسالح وعقد عليها لابنه الأمير أبي زيان منديل‏.‏وأنزله بزكوان مقربة مالقة واستوصاه بأن لا يحدث في بلاد ابن الأحمر حدثاً‏.‏وعقد لعياد بن أبي عياد العاصمي على مسلحة أخرى وأنزله بأصطبونة‏.‏وأجاز ابنه الأمير أبا يعقوب لتفقد أحوال المغرب ومباشرة أموره فأجاز في أسطول القائد محمد بن أبي القاسم الرنداحي قائد سبتة وأوعز إليه بالبناء على قبر أبيه الملوك عبد الحق وابنه إدريس بتافرطست فاختط هنالك رباطاً وبنى على قبورهم أسنمة من الرخام ونقشها بالكتاب‏.‏ورتب عليها قراء لتلاوة القرآن ووقف على ذلك ضياعاً وفدناً‏.‏وهلك خلال ذلك وزيره يحيى بن أبي منديل العسكري لمنتصف رمضان‏.‏ثم اعتل بعد ذلك أمير المسلمين لشهر في الحجة ومرض واشتد وجعه‏.‏وهلك لآخر محرم سنة خمس وثمانين وستماية من الهجرة‏.‏والله أعلم‏.‏دولة السلطان أبي يعقوب

الخبر عن دولة السلطان أبي يعقوب وما كان فيها من الأحداق

وشأن الخوارج عليه لما أعتل أمير المسلمين أبو يوسف بالجزيرة مرضه نساؤه وطير بالخبر إلى ولي العهد الأمير أبي يعقوب وهو بمكانه من المغرب فأغذ السير‏.‏وقضى أمير المسلمين قبل وصوله فأخذ له البيعة على الناس وزراء أبيه وعظماء قومه‏.‏وأجاز إليهم البحر فجددوا بيعته غرة صفر من سنة خمس وثمانين وأخذوها على الكافة‏.‏وانعقد أمر السلطان يومئذ ففرق الأموال وأجزل الصلات وسرح من في السجون ورفع عن الناس الأخذ بزكاة الفطر ووكلهم فيها إلى أمانتهم‏.‏وقبض أيدي العقال عن الظلم والاعتداء والجور على الرعايا ورفع المكوس ومحى رسوم الرتب وصرف اعتناءه إلى إصلاح السابلة‏.‏وكان أول شيء أحدث من أمره أن بعث عن ابن الأحمر وضرب موعداً للقائه فبادر إليه ولقيه بظاهر مربالة لأول ربيع‏.‏ولقاه مرة وتكريماً وتجافى له عن جميع الثغور الأندلسية التي كانت لمملكته ما عدى الجزيرة وطريف‏.‏وتفرقا من مكانهما على أكمل حالات المصافاة والوصلة ورجع السلطان إلى الجزيرة‏.‏ووافاه بها وفد الطاغية شانجة مجددين حكم السلم الذي عقد له أمير المسلمين عفا الله عنه فأجابهم‏.‏ولما تمهد أمر الأندلس وفرغ من النظر إليها عقد لأخيه أبي عطية العباس على الثغور الغربية والأمارة عليها‏.‏وعقد لعلي بن يوسف بن يزكاسن على مسالحها وأمده بثلاثة آلاف من عساكره‏.‏وأجاز إلى المغرب فاحتل بقصر مصمودة سابع ربيع الثاني‏.‏ثم ارتحل إلى فاس واحتل بها لاثنتي عشرة خلت من جمادى‏.‏ولحين استقراره بدار ملكه خرج عليه محمد بن إدريس بن عبد الحق في إخوته وبنيه وذويهم ولحق بجبال درعة ودعا لنفسه‏.‏وسرح إليهم السلطان أخاه أبا معرف فبدا له في النزوع إليهم فلحق بهم‏.‏وأغزاهم السلطان بعساكره وردد إليهم البعوث والكتائب‏.‏وتلطف في استنزال أخيه فنزل عن الخلاف وعاد إلى حسن طاعته‏.‏وفر أولاد إدريس إلى تلمسان وتقبض عليهم أثناء طريقهم‏.‏وسرح السلطان أخاه أبا زيان إلى تازى وأوعز إليه بقتلهم بمليلى خارج تازى لرجب من سنة خمس وثمانين‏.‏ورهب الأعياص عند ذلك من بادرة السلطان فتفرقوا ولحقوا بغرناطة‏.‏أولاد أبي العلاء إدريس بن عبد اللة بن عبد الحق وأولاد أبي يحيى بن عبد الحق وأولاد عثمان بن يزول‏.‏ورجع أولاد أبي يحيى إلى السلطان بعد انقضاء عهده وأمانه‏.‏وهلك أخوه محمد أجليلد بن يعقوب بن عبد الحق لشعبان من سنته‏.‏ وهلك عمر ابن أخيه أبي مالك بطنجة‏.‏ثم خرج على السلطان عمر بن عثمان بن بوسف العسكري بقلعة قندلاوة ونبذ الطاعة وأذن بالحرب‏.‏وأوعز السلطان إلى بني مسكر ومن إليهم من القبائل المجاورين لها فاحتشدوا له ونازلوه‏.‏ثم نهض بركابه وعساكره إلى منازلته واحتل بنبدورة‏.‏وخافه عمر على نفسه وأيقن أن قد أحيط به فسأل الأمان‏.‏وبذله السلطان على شريطة اللحاق بتلمسان فبعث من توثق له من الخيرة فنزل‏.‏فوفى له السلطان بعده ولحق ثم ارتحل السلطان في رمضان من سنته إلى مراكش لتمهيد أنحائها وتثقيف أطرافها واحتل بها في شوال واعتمل النظر في مصالحها‏.‏ونزع خلال ذلك طلحة بن يحيى بن محلى البطوي إلى بني حسان من المعقل وخرج على السلطان ودعا لنفسه‏.‏وعقد السلطان لمنصور ابن أخيه أبي مالك على العساكر وعهد له بولاية السوس وسرحه لاستنزال الخوارج ومحو آثار الفساد‏.‏وارتاب بمكان أخيه عمرة فغربه إلى غرناطة فقتله أولاد أبي العلاء يوم وصوله إليها فسار الأمير منصور في الجيوش والكتائب وغزا عرب المعقل وأثخن فيهم‏.‏وقتل طلحة بن محلى في بعض حروبهم‏.‏لثلاث عشرة من جمادى سنة ست وثمانين‏.‏وبعث برأسه إلى سدة السلطان فعلق بتازى‏.‏ثم نهض السلطان في رمضان لغزو المعقل بصحراء درعة بما أضروا العمران وأفسدوا السابلة‏.‏وسار إليهم في اثني عشر ألفاً من الفرسان‏.‏ومر على بلاد هسكورة معترضاً جبل درن‏.‏وأدركهم بالقفز نواجع فأثخن فيهم بالقتل والسبي‏.‏واستكثر من رؤوسهم فعلقت بشرفات مراكش وسجلماسة وفاس‏.‏وعاد من غزوه إلى مراكش آخر شوال فنكب محمد بن علي بن محلى عاملها القديم الولاية عليها من لدن غلب الموحدين لما وقع من الارتياب بأولاد محلى بما أتاه كبيره طلحة فنكب غرة المحرم من سنة سبع‏.‏وهلك في محبسه لشهر صفر بعده‏.‏وهلك على أثر ذلك المزوار قاسم بن عبو‏.‏وعقد السلطان على مراكش وأعمالها لمحمد بن عطو الجاناتي من موالي دولتهم ولاء الحلف‏.‏وترك معه ابنه أبا عامر‏.‏ثم ارتحل إلى حضرة فاس فاحتل بها منتصف ربيع‏.‏ووافته بها عروسه ابنة موسى بن رحو بن عبد الله بن عبد الحق من غرناطة في وفد من وزراء ابن الأحمر وأهل دولته فأعرس بها وكان بعث إلى أبيها من قبل في الإصهار بها‏.‏ووافت معها رسل ابن الأحمر يسألون التجافي عن وادي آش فأسعفهم بها كما نذكر إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن دخول وادي آش في طاعة السلطان

ثم رجوعها إلى طاعة ابن الأحمر كان أبو الحسن بن أشقيلولة ظهير السلطان ابن الأحمر على ملكه ومعينه على شأنه وكان له في الدولة بذلك مكان‏.‏ولما هلك خلف من الولدان أبا محمد عبد الله وأبا إسحاق إبراهيم فعقد ابن الأحمر لأبي محمد على مالقة ولأبي إسحاق على قمارش ووادي آش‏.‏ولما هلك السلطان ابن الأحمر حدثت مغاضبات ومنافسات بينهما وبينه وتأدى ذلك إلى الفتنة كما قلناه‏.‏ودخل أبو محمد في طاعة السلطان أبي يوسف‏.‏ثم هلك فلحق ابنه محمد بالسلطان ونزل له عن البلد سنة ست وسبعين‏.‏ثم هلك أبو إسحاق سنة اثنتين وثمانين وغلب ابن الأحمر على حصن قمارش وصار إليه‏.‏وكان الرئيس أبو إسحاق قد عقد لابنه أبي الحسن على وادي آش وحصونها واتصلت الفتنة بينه وبين ابن الأحمر وظاهر أبو الحسن عليه الطاغية‏.‏وأجلب أخوه أبو محمد على غرناطة هو وابن الدليل‏.‏وطال أمر الفتنة بينهم وبين ابن الأحمر‏.‏وأجلب أخوه أبو محمد على غرناطة مع الطاغية‏.‏ثم انعقد السلم بين المسلمين والنصرانية وخشي أبو الحسن بن أشقيلولة على نفسه عادية ابن الأحمر فتذمم بطاعة صاحب المغرب‏.‏وأقام دعوته بوادي آش سنة ست وثمانين فلم يعرض لها ابن الأحمر حتى إذا وقعت المواصلة بينه وبين السلطان أبي يعقوب وكان شأن هذا الصهر على يده بعث رسله إلى السلطان يسأله التجافي عن وادي آش فتجافى له عنها‏.‏وبعث إلى أبي الحسن بن أشقيلولة بذلك فتركها‏.‏وارتحل إليه سنة سبع وثمانين‏.‏ولقيه بسلاة فأعطاه القصر الكبير وأعماله طعمة سوغه إياها‏.‏ثم نزل لبنيه آخر دولتهم‏.‏واستمكن ابن الأحمر في وادي آش وحصونها‏.‏ولم يبق له بالأندلس منازع في قرابته‏.‏والله يؤتي ملكه من يشاء‏.‏

الخبر عن خروج الأمير أبي عامر ونزوعه إلي مراكش ثم فيئته إلى الطاعة

لما احتل السلطان بفاس وأقام بها خرج عليه ابنه أبو عامر ولحق بمراكش ودعا لنفسه أخريات شوال من سنة سبع وثمانين‏.‏وساعده على الخلاف والانتزاء عاملها محمد بن عطو‏.‏وخرج السلطان في أثره إلى مراكش فبرز إلى لقائه فكانت الدائرة عليهم وحاصرهم السلطان بمراكش أياماً‏.‏ثم خلص أبو عامر إلى بيت المال فاستصفى ما فيه وقتل المشرف ابن أبي البركات ولحق بحلل المصامدة‏.‏ودخل السلطان من غده إلى البلد يوم عرفه فعفا وسكن‏.‏ونهض منصور ابن أخيه أبي مالك من السوس إلى حاحة فدوخ أنحاءها‏.‏ثم سرح إليه المدد من مراكش فأوقعوا بزكنة من برابرة السوس‏.‏وقتل منهم ما يناهز أربعين من سرواتهم‏.‏وكان فيمن قتل شيخهم حبون بن إبراهيم‏.‏ثم إن ابنه أبا عامر ضاق ذرعه بسخط أبيه وأجلابه في الخلاف فلحق بتلمسان ومعه وزيره ابن عطو فاتح سنة ثمان وثمانين فأواهم عثمان بن يغمراسن‏.‏ومهد لهم المكان ولبثوا عنده أياما‏.‏ثم عطف السلطان على ابنه رحم لما عطفت ابنته عليه فرضي عنه وأعاده إلى مكانه‏.‏وطالب عثمان بن يغمراسن صاحب تلمسان أن يسلم إليه ابن عطو الناجم في النفاق مع ابنه فأبى من إضاعة جواره وإخفار ذمته‏.‏وأغلظ له الرسول في القول فسطا به واعتقله فثارت من السلطان الحفائظ الكامنة وتحركت الأحن القديمة والتراث المتواترة‏.‏واعتزم على غزو تلمسان‏.‏والله أعلم‏.‏

الخبر عن تجدد الفتنة مع عثمان بن يغمراسن وغزو السلطان مدينة تلمسان

ومنازلته كانت الفتنة بين هذين الحيين قديمة من لدن مجالاتهم بالقفار من صحراء ملوية الى صا إلى فيكيك إلى مصاب‏.‏ولما انتقلوا إلى التلول وتغلبوا على الضواحي بالمغرب الأقصى والأوسط لم تزل فتنتهم متصلة وأيام حروبهم فيها مذكورة‏.‏كانت دولة الموحدين عند اعتلالها والتياثها تستنصر منهما بالتضريب بينهم والفتنة فتأكدت لذلك أحوالها واتصلت أيامها‏.‏وكان بين يغمراسن بن زيان وأبي يحيى بن عبد الحق فيها وقائع ومشاهد نقلنا منها بعضاً من كل‏.‏واستظهر الموحدون بيغمراسن عليه في بعضها‏.‏وكان الغلب أكثر ما يكون لأبي يحيى بن عبد الحق لوفور قبيله‏.‏إلا أن يغمراسن كان يتصدى لمقاومته في سائر وقائعه‏.‏ولما طمس أثر بني عبد المؤمن واستولى يعقوب بن عبد الحق على ملكهم وصارت في جملته عساكرهم فضاعف عليه أسف على ملك يغمراسن ملكه‏.‏وجمع له فأوقع به في تلاغ الواقعة المعروفة‏.‏ثم أوقع به ثانية وثالثة‏.‏ولما استولت قدم يعقوب بن عبد الحق في ملكه واستكمل فتح المغرب وسائر أمصاره وكبح يغمراسن عن التطاول إلى مقاومته وأوهن قواه بفل جموعه ومنازلته في داره ومظاهرة أقتاله من زناتة من بني توجين ومغراوة عليه‏.‏فانصرف بعد ذلك إلى الجهاد فكان له فيه شغل عما سواه كما نقلناه في أخباره‏.‏ولما ارتاب ابن الأحمر بمكان السلطان يعقوب بن عبد الحق من الأندلس وحذره على ملكه وتظاهر مع الطاغية على منعه من الإجازة إلى عدوتهم خشوا أن يستقلوا بمدافعته فراسلوا يغمراسن في الأخذ بحجزته‏.‏وأجابهم إليها وجرد عزائمه لها واتصلت أيديهم في التظاهر عليه‏.‏ثم فسد ما بين ابن الأحمر والطاغية ولم يكن له بد من ولاية يعقوب بن عبد الحق فتولاه بواسطة ابنه يوسف بن يعقوب كما ذكرناه‏.‏وأطلعوه على خباء يغمراسن في مظاهرتهم فأغزاه سنة تسع وسبعين وهزمه بخرزوزة‏.‏ونازله بتلمسان وأوطأ عدوه من بني توجين ساحته كما ذكرناه‏.‏ثم انصرف إلى شأنه من الجهاد‏.‏وهلك يغمراسن بن زيان على تفيئة ذلك سنة إحدى وثمانين وأوصى ابنه عثمان ولي عهده‏.‏زعموا أن لا يحدث نفسه بمقاومة بني مرين ومساماتهم في الغلب وأن لا يبرز إلى لقائهم بالصحراء وأن يلوذ منهم بالجدران متى سحوا إليه‏.‏وألقى إليه زعموا أن بني مرين بعد تغلبهم على مراكش وإضافة سلطان الموحدين إلى سلطانهم ازدادت قوتهم وتضاعف غلبهم وقال له زعموا فيما أوصاه ‏"‏ لا يغرنك أني زحفت بعدها إليهم وبرزت إلى لقائهم‏.‏فإني أنفت أن أرجع عن مقاومتهم بعد اعتيادها وأترك مبارزتهم وقد عرفها الناس‏.‏وأنت فلا يضرك العجز عن مبارزتهم والنكول عن لقائهم فليس لك في ذلك مقام معلوم ولا عادة سالفة واجهد جهدك في التغلب على إفريقية وراءك لإن فعلت كانت المناهضة ‏"‏‏.‏وهذه الوصاة زعموا هي التي حملت عثمان وبنيه من بعده على طلب ملك إفريقية ومنازلته بجاية وحربهم مع الموحدين‏.‏ولما هلك يغمراسن ذهب عثمان ابنه إلى مسالمة بني مرين فبعث أخاه محمدا إلى السلطان يعقوب بن عبد الحق وأجاز البحر إليه بالأندلس‏.‏ووافاه مراكش في إجازته الرابعة سنة أربع وثمانين فعقد له على ما جاء إليه من السلم والمهادنة‏.‏ورجعه إلى أخيه وقومه ممتلياً كرامة وسروراً‏.‏وهلك يعقوب بن عبد الحق إثر ذلك سنة خمس وثمانين وقام بالأمر ابنه يوسف بن يعقوب‏.‏وانتزى الخوارج عليه بكل جهة فشمر لهم واستنزلهم وحسم أدواءهم‏.‏ثم خرج ابنه عليه آخرا كما ذكرناه بممالأة الشيطان محمد بن عطو‏.‏ثم فاء إلى طاعة أبيه ورضي عنه وأعاده إلى مكانه من حضرته‏.‏وطالب عثمان بن يغمراسن كما ذكرناه في ابن عطو المنتزي عليه مع ابنه فأبى عثمان من إسلامه‏.‏وتحركت حفيظة السلطان واعتزم على غزوهم فارتحل من مراكش لصفر من سنة تسع وثمانين‏.‏وعقد عليها لابنه الأمير أبي عبد الرحمن‏.‏ثم نهض لغزاته من فاس آخر ربيع من سنته في عساكره وجنوده‏.‏وحشد القبائل وكافة أهل المغرب وسار حتى نزل تلمسان‏.‏فانحجز عثمان وقومه بها ولاذوا منه بجدارنها‏.‏فسار في نواحيها ينسف الاثار ويخرب العمران ويحطم الزرع‏.‏ثم نزل بذراع الصابون من ساحتها‏.‏تم انتقل منه إلى ثمامة وحاصرها أربعين يوماً وقطع شجراءها وأباد غضراءها‏.‏ولما امتنعت عليه أفرج عنها وانكفأ راجعاً إلى المغرب‏.‏وقضى نسك الفطر بعين الصفا من بلاد بني يزناتن ونسك الأضحى وقربانه

الشيخ عودة العقيلي
07-07-2011, 05:34 PM
الخبر عن انتقاض الطاغية وإجازة السلطان لغزوه

لما رجع السلطان من غزو تلمسان وافاه الخبر بأن الطاغية شانجة انتقض ونبذ العهد وتجاوز التخوم‏.‏وغار على الثغور فأوعز إلى قائد المسالح علي بن يوسف بن يزكاسن بالدخول إلى دار الحرب ومنازالة شريش‏.‏وشن الغارات على بلاد الطاغية فنهض لذلك في ربيع الاخر من سنة تسعين‏.‏وجاس خلالها وتوغل في أقطارها وأبلغ في النكاية‏.‏وفصل السلطان من تازى غازياً على أثره في جمادى واحتل قصر مصمودة واستنفر أهل المغرب وقبائله‏.‏ونفروا وشرع في إجازتهم البحر‏.‏وبعث الطاغية أساطيله إلى الزقاق حجزاً دون الإجازة فأوعز السلطان إلى قواد أساطيله بالسواحل وأغزاهم‏.‏التقت الأساطيل ببحر الزقاق في شعبان فاقتتلوا وانكشف المسلمون ومحصهم الله‏.‏ثم أغزاهم ثانية وخامت أساطيل العدو عن اللقاء وصاعدوا عن الزقاق‏.‏وملكته أساطيل السلطان فأجاز أخريات رمضان واحتل بطريف‏.‏ثم دخل دار الحرب غازياً فنازل حصن بجير ثلاثة أشهر وضيق عليهم‏.‏وبث السرايا في أرض العدو وردد الغارات على شريش وإشبيلية ونواحيهما إلى أن أبلغ في النكاية والإثخان وقضى من الجهاد وطراً‏.‏وزاحمه فصل الشتاء وانقطاع الميرة عن المعسكر فأفرج عن الحصن ورجع إلى الجزيرة‏.‏ثم أجاز إلى المغرب فاتح إحدى وتسعين فتظاهر ابن الأحمر والطاغية على منعه الإجازة كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏والله أعلم‏.‏

الخبر عن انتقاض ابن الأحمر ومظاهرته الطاغية على طريف أعادها الله

ولما قفل السلطان من غزاته فاتح إحدى وتسعين كما ذكرناه وقد أبلغ في نكاية العدو وأثخن في بلاده فأهم الطاغية أمره وثقلت عليه وطأته والتمس الوليجة من دونه‏.‏وحذر ابن الأحمر غائلته ورأى أن مغبة حاله الاستيلاء على الأندلس وغلبه على أمره ففاوض الطاغية وخلصوا نجياً‏.‏وتحدثوا أن استمكانه من الإجازة إليهم إنما هو بقرب مسافة بحر الزقاق وانتظام ثغور المسلمين حفافيه بتصرف شوانيهم وسفنهم متى أرادوا فضلا عن الأساطيل‏.‏وإن أم تلك الثغور طريف وانهم إذا استمكنوا منها كانت ربيئة لهم على بحر الزقاق‏.‏وكان أسطولهم من مرقاها بمرصد لأساطيل صاحب المغرب الخائضين لجة ذلك البحر فاعتزم الطاغية على منازلة طريف‏.‏وزعم له ابن الأحمر بمظاهرته على ذلك وشرط له المدد والميرة لأقوات العسكر أيام منازلتها على أن تكون له إن حصلت‏.‏وتعاونوا على ذلك وأناخ الطاغية بعساكر النصرانية على طريف‏.‏وألح عليها بالقتال ونصب الآلات وانقطع عنها الملا والميرة‏.‏واحتلت أساطيله ببحر الزقاق فحالت دون الصريخ من السلطان وإخوانهم المسلمين‏.‏وضرب ابن الأحمر معسكره بمالقة قريباً منه وسرب إليه المدد من السلاح والرجال والميرة من الأقوات وبعث عسكراً لمنازلة أصطبونة وتغلب عليه بعد مدة من الحصار‏.‏واتصلت هذه الحال أربعة أشهر حتى أصاب أهل طريف الجهد ونال منهم الحصار فراسلوا الطاغية في الصلح والنزول عن البلد فصالحهم واستنزلهم سنة إحدى وتسعين‏.‏ووفى لهم بعهده‏.‏واستشرف ابن الأحمر إلى تجافي الطاغية عنها كما عهدا عليه فأعرض عن ذلك واستأثر بها بعد أن كان نزل له عن ستة من الحصون عوضاً منها ففسد ذات بينهما‏.‏ورجع ابن الأحمر إلى تمسكه بالسلطان واستغاثته به لأهل ملته على الطاغية‏.‏وأوفد ابن عمه الرئيس أبا سعيد فرج بن إسماعيل بن يوسف ووزيره أبا سلطان عزيز الداني في وفد من أهل حضرته لتجديد العهد وتأكيد المودة وتقرير المعذرة من شأن طريف‏.‏فوافوه مكانه من منازلة تازوطا كما نذكر بعد فأبرموا العقد وأحكموا الصلح‏.‏وانصرفوا إلى ابن الأحمر سنة اثنتين وتسعين بإسعاف غرضه من المؤاخاة واتصال اليد‏.‏وهلك خلال ذلك قائد المسالح بالأندلس علي بن يزكاسن في ربيع سنة اثنتين وتسعين‏.‏وعقد السلطان لابنه وولي عهده الأمير أبي عامر على ثغور الأندلس التي في طاعته وعهد له بالنظر في مصالحها‏.‏وأنفذه إلى المجاز بعسكره فواناه هنالك السلطان ابن الأحمر كما نذكر إن شاء الله

الخبر عن وفادة ابن الأحمر على السلطان والتقائهما بطنجة

لما رجعت الرسل إلى ابن الأحمر وقد كرمت وفادتهم وقضيت حاجاتهم وأحكمت في المؤاخاة مقاصدهم وقع ذلك من ابن الأحمر أجمل موقع وطار سروراً من أعواده‏.‏وأجمع الرحلة إلى السلطان لاستحكام العقد والاستبلاغ في العذر عن واقعة طريف وشأنها واستعدادهم لإغاثة المسلمين ونصرهم من عدوهم‏.‏فاعتزم على ذلك وأجاز البحر ذا القعدة سنة اثنتين وتسعين واحتل بنيونش من ساحة سبتة‏.‏ثم ارتحل إلى طنجة وقدم بين يدي نجواه هدية سنية أتحف بها السلطان كان من أحفلها وأحسنها موقعاً لديه فيما زعموا المصحف الكبير أحد مصاحل عثمان بن عفان الأربعة المنبثقة إلى الآفاق المختص هذا منها بالمغرب كما نقله السلف‏.‏كان بنو أمية يتوارثونه بقرطبة فتلقاه الأمير أبو عامر هنالك وأخوه الأمير أبو عبد الرحمن ابنا السلطان واحتفلا في مبرته‏.‏ثم جاء السلطان على أثرهما من حضرته لتلقيه وبرور مقدمه ووافاه بطنجة وأبلغ في تكرمته وبر وفادته بما يكرم به مثله‏.‏وبسط ابن الأحمر العذر عن شأن طريف فتجافى السلطان عن العذل‏.‏وأعرض عنه وقبل منه وبر واحتفى ووصل وأجزل ونزله له ابن الأحمر عن الجزيرة ورندة والغربية وعشرين حصناً من ثغور الأندلس كانت من قبل لطاعة صاحب المغرب ونزل عساكره‏.‏وعاد ابن الأحمر إلى الأندلس خاتم اثنتين وتسعين محبواً محبوراً‏.‏وأجازت عساكر السلطان معه لحصار طريف‏.‏وعقد على حربها ومنازلتها لوزيره الطائر الذكر عمر بن السعود بن خرباش الجشمي فنازلها مدة وامتنعت فأفرج عنها‏.‏وصرف السلطان همه إلى غزو تلمسان وحصارها كما نذكر إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن انتزاء ابن الوزير الوطاسي بحصن تازوطا من جهة الريف

واستنزال السلطان إياه كان بنو الوزير هؤلاء رؤساء بني وطاس من قبائل بني مرين ويرون أن نسبهم دخيل في بني مرين‏.‏وأنهم من أعقاب علي بن يوسف بن تاشفين لحقوا بالبدو ونزلوا على بني وطاس ورسخت فيهم عروقهم حتى لبسوا جلدتهم‏.‏ولم يزل السرو متربعا بين أعينهم لذلك والرياسة شامخة بأنوفهم‏.‏وكانوا يرومون الفتك بالأمراء من أولاد عبد الحق فلم يطيقوه‏.‏ولما احتل السعيد بتازى غازياً إلى تلمسان كما ذكرناه ولحق ببلدهم الأمير أبو يحيى بن عبد الحق ائتمروا في الفتك به‏.‏ونذر بشأنهم فارتحل ففر إلى غبولة وعين الصفا من بلاد بني يزناسن‏.‏وهنالك بلغه خبر مهلك السعيد‏.‏وكانت بلاد الريف لبني وطاس من لدن دخول بني مرين المغرب واقتسامهم لأعماله فكانت ضواحيها لنزلهم وأمصارهما ورعاياها لجبايتهم‏.‏وكان حصن تاوزطا بها من أمنع معاقل المغرب وكان الملوك من أولاد عبد الحق يعتنون بشأنه وينزلون به من أوليائهم من يثقون بغنائه واضطلاعه ليكون آخذاً بناصية من هؤلاء الرهط وشجاً في صدورهم عما يسمون إليه‏.‏وكان السلطان قد عقد عليه لمنصور ابن أخيه الأمير أبي مالك بعد مهلك أبيه أمير المسلمين يعقوب بن عبد الحق‏.‏وكان عمر بن يحيى بن الوزير وأخوه عامر رئيسين على بني وطاس لذلك العهد فاستوهنوا أمر السلطان بعد مهلك أبيه‏.‏وحدثوا أنفسهم بالانتزاء بتازوطا والاستبداد بتلك الناحية فوثب عمر منهم بمنصور ابن أخي السلطان شهر شوال من سنة إحدى وتسعين‏.‏وفتك برجاله وذويه وأزعجه عنه وغلبه على مال الجباية الذي كان بقصره فاستصفاه واستأثر به‏.‏واستبد وشحن الحصن برجاله وحاشيته ووجوه قومه‏.‏ووصل منصور إلى السلطان وهلك لليال من منجاته أسفاً لما أصابه‏.‏وسرح السلطان وزيره الطائر الذكر عمر بن السعود بن خرباش بالعساكر لمنازلته فأناخ عليه‏.‏ثم نهض السلطان على أثره ووافاه وضرب معسكره بساحته‏.‏وخالف عامر أخاه عمر إلى السلطان بقومه حذراً من مغبة الأمر وأشفق عمر لشدة الحصار ويئس من الخلاص وظن أن قد أحيط به‏.‏ودس إلى أخيه عامر فأذن السلطان في مداخلته في النزول عن الحصن فاذن له‏.‏واحتمل ذخيرته وفر إلى تلمسان‏.‏وبدا لعامر في رأيه عندما خلص إلى الحصن وخلا له من عمر أخيه الجو‏.‏وحذر غائلة السلطان وخشي أن يثأر منه بأخيه فامتنع بالحصن‏.‏ثم ندم وسقط في يده‏.‏وفي خلال ذلك كان وصول وفد الأندلس وأرسوا أساطيلهم بمرقى غساسة‏.‏فبعث إليهم عامر أن يشفعوا له عند السلطان لوجاهتهم لديه فتقبلت شفاعتهم على شريطة إجازته إلى الأندلس‏.‏وكره ذلك وقدم بين يديه بعض حاشيته إلى الأسطول مكراً بهم‏.‏وخاض الليل إلى تلمسان فتقبض السلطان على ولده وقتل‏.‏وأسلم أهل الأسطول من كان من حاشيته لديهم وتجافوا عن إجازتهم على السلطان لما مكر بهم عامر‏.‏فاستلحموا مع من كان بالحصن من أتباعهم وقرابتهم وذويهم‏.‏وتملك السلطان حصن تازوطا وأنزل به عماله ومسلحته وقفل إلى حضرته بفاس آخر جمادى من سنة اثنتين وتسعين‏.‏والله تعالى أعلم‏.‏

الخبر عن نزوع أبي عامر ابن السلطان إلى بلد الريف وجبال غمارة

كان الأمير أبو عامر بعد إجازة ابن الأحمر إلى السلطان أبيه ورضاه عنه وتأكيد مؤاخاته وإغزاء وزيره عمر بن السعود لمنازلة طريف واستنزاله أولاد الوزير المنتزين بحصن تازوط رجع من قصر مصمودة إلى بلاد الريف بإيعاز أبيه إليه بذلك لتسكين أحوالها‏.‏وكان أولاد الأمير أبي يحيى بن عبد الحق قد نزعوا إلى تلمسان لسعاية فيهم وقرت في صدر السلطان فأقاموا بها أياماً‏.‏ثم استعطفوا السلطان واسترضوه فرضي وأذن لهم في الرجوع إلى محلهم من قومهم ودولتهم‏.‏وبلغ الخبرالأمير أبا عامر وهو بمعسكره من الريف فأجمع على اغتيالهم في طريقهم يظن أنه يرضي بذلك أباه‏.‏واعترضهم بوادي القطف من بلاد ملوية سنة خمس وتسعين فاستلحمهم‏.‏وانتهى

الخبر إلى السلطان فقام في ركائبه وقعد وتبرأ إلى الله من إخفار ذمته

ومن صينع إبنه‏.‏وسخطه وأقصاه فذهب مغاضباً ولحق ببلاد الريف‏.‏ثم صعد إلى جبال غمارة فلم يزل طريداً بينهم‏.‏ونازلته عساكر أبيه لنظر ميمون بن ودران الجشمي ثم لنظر زيكن بن المولاة تاميمونت‏.‏وأوقع بهم مراراً آخرها بيرزيكن سنة تسع وتسعين‏.‏وذكر الزليخي مؤرخ دولتهم أن خروجه بجبل غمارة كان سنة أربع وتسعين وقتله لأولاد الأمير أبي يحيى كان سنة خمس وتسعين بعدها أغرا بهم من مثوى انتزائه وقتلهم كما ذكرناه والله أعلم‏.‏ولم يزل هذا دأبه إلى أن هلك ببني سعيد من جبال غمارة سنة ثمان وتسعين ونقل شلوه إلى فاس فووري بباب الفتوح بملجد قومهم هنالك‏.‏وأعقب ولدين كفلهما السلطان جدهما فكانا الخليفتين من بعده على ما نذكر إن شاء الله تعالى‏.‏والله أعلم‏.‏كان عثمان بن يغمراسن بعد إفراج السلطان عنه سنة تسع وثمانين وانتقاض الطاغية وابن الأحمر عليه كما قلناه صرف إلى ولايتهما وجه تدبيره‏.‏وأوفد على الطاغية ابن بريدي من صنائع دولته سنة اثنتين وتسعين ورجعه الطاغية مع الريك ريكسن رسول من كبار قومه‏.‏ثم أعاد إليه الحاج المسعود من حاشيته ووصل يده بيده يظن ذلك دافعاً عنه‏.‏واعتدها السلطان عليه وطوى له على النث‏.‏حتى إذا فرغ من شأن الأندلس وهلك الطاغية شانجة سنة ثلاث وتسعين لإحدى عشرة من سني ملكه‏.‏وارتحل السلطان إلى طنجة لمشارفة أحوال الأندلس سنة أربع وتسعين فأجاز إليه السلطان ابن الأحمر ولقيه بطنجة وأحكم معه المؤاخاة‏.‏ولما استيقن سكون أحوالها نزل لابن الأحمر عن جميع الثغور التي بها لطاعته وأجمع غزو تلمسان‏.‏ولحق به بين يحيى ذلك ثابت بن منديل المغراوي صريخاً على ابن يغمراسن ومستجيشاً بقومه فتقبله وأجاره‏.‏وكان أصاب الناس أعوام اثنتين وتسعين وما بعدها قحط ونالتهم سنة وهنوا لها‏.‏ثم إن الله رحم خلقه وأدر نعمته وأعاد الناس إلى ما عهدوه من سبوغ نعمهم وخصب عيشهم‏.‏ووفد عليه سنة أربع وتسعين ثابت بن منديل أمير مغراوة مستصرخاً به من عثمان بن يغمراسن فبعث من كبار قومه موسى بن أبي حمو إلى تلمسان شفيعاً لثابت بن منديل فرده عثمان أقبح رد وأساء في إجابته فعاود الرسالة إليه في شأنه فلم تزدهم إلا ضرراً فاعتزم على غزو بلادهم واستعد لذلك‏.‏ونهض سنة أربع وتسعين حتى انتهى إلى بلاد تاوريرت وكان تخماً لعمل بني مرين وبني عبد الواد في جانبها عامل السلطان أبي يعقوب وفي جانبها الآخر عامل عثمان بن يغمراسن‏.‏فطرد السلطان عامل يغمراسن وتميز بها‏.‏واختط الحصن الذي هنالك لهذا العهد‏.‏تولاه بنفسه يغادي الفعلة ويراوحهم‏.‏وأكمل بناءه في شهر رمضان من سنته واتخذه ثغراً لملكه‏.‏وأنزل بني عسكر لحياطته وسد فروجه‏.‏وعقد عليه لأخيه أبي يحيى بن يعقوب وانكفأ راجعاً إلى الحضرة‏.‏ثم خرج من فاس سنة خمس وتسعين غازياً إلى تلمسان‏.‏ومر بوجدة فهدم أسوارها وتغلب على مسيفة والزعارة‏.‏وانتهى إلى ندرومة ونازلها أربعين يوماً ورماها بالمجانيق‏.‏وضيق عليها فامتنعت عليه فأفرج عنها ثاني الفطر‏.‏ثم غزا تلمسان سنة ست وتسعين وبرز لمدافعته عثمان بن يغمراسن فهزمه وأحجزه بتلمسان ونزل بساحته وقتل خلقاً من أهلها ونازلها أياماً ثم أقلع عنها وقفل إلى المغرب وقضى منسك الأضحى من سنته بتازى‏.‏فأعرس هنالك بحافدة ثابت بن منديل كان أصهر فيها إلى جدها قبل مهلكه سنة ست وتسعين قتيلا ببحيره الزيتون من ظاهر فاس‏.‏قتله بعض بني ورتاجن في دم كان لهم في قومه فثار السلطان به من قاتله وأعرس بحافدته‏.‏وأوعز ببناء القصر بتازى وقفل إلى فاس فاتح سبع وتسعين‏.‏ثم ارتحل إلى مكناسة وانكفأ إلى فاس‏.‏ثم نهض في جمادى غازياً تلمسان‏.‏ومر بوجدة فأوعز ببنائها وتحصين أسوارها واتخذ فيها قصبة وداراً لسكناه ومسجداً وأغزى إلى تلمسان‏.‏ونزل بساحتها وأحاطت عساكره إحاطة الهالة بها ونصب عليها القوس البعيدة النزع العظيمة الهيكل المسماة قوس الزيار ازدلف إليه الصناع والمهندسون بعملها وكانت توقر على أحد عشر بغلاً‏.‏ثم لما امتنعت عليه تلمسان أفرج عنها فاتح سنة ثمان‏.‏ومر بوجدة فأنزل بها الكتائب من بني عسكر لنظر أخيه أبي يحيى بن يعقوب كما كانوا بتاوريرت‏.‏وأوعز إليهم فتردد الغارات على أعمال ابن يغمراسن وإفساد سابلتها‏.‏وضاقت أحوالهم ويئسوا من صريخ صاحبهم فأوفدوا على الأمير أبي يحيى وفداً منهم يسألون الأمان لمن وراءهم من قومهم على أن يمكنوه من قياد بلدهم ويدينوا بطاعة السلطان فبذل لهم من ذلك ما أرضاهم ودخل البلد بعسكره‏.‏واتبعهم أهل تاوونت‏.‏وأوفد مشيختهم جميعاً على السلطان آخر جمادى فقدموا عليه بحضرته‏.‏وأدوا طاعتهم فقبلها‏.‏ورغبوا إليه في الحركة إلى بلادهم ليريحهم من ملكة عدوهم ابن يغمراسن‏.‏ووصفوا من عسفه وجوره وضعفه عن الحماية ما استنهض السلطان لذلك على ما نذكر إن الخبر عن الحصار الكبير لتلمسان وما تخلل ذلك من الأحداث لما توفرت عزائم السلطان على النهوض إلى تلمسان ومطاولة حصارها إلى أن يظفر بها وبقومها واستيقن انه لا مدافع له عن ذلك فنهض من فاس في شهر رجب سنة ثمان وتسعين بعد أن استكمل حشده‏.‏ونادى في قومه واعترض عساكره وأجزل أعطياتهم وأزاح عللهم‏.‏وارتحل في التعبية واحتل بساحه تلمسان ثاني شعبان وأناخ عليها وضرب معسكره بفنائها‏.‏وأحجز عثمان بن يغمراسن وحاميتها من قومه وأدار الأسوار سياجاً على عمرانها كله ومن ورائها نطاق الحفير البعيد المهوى‏.‏ورتب المسالح على أبوابها وفرجها‏.‏وسرح عساكره إلى هنين فافتتحها وأتوا طاعتهم وأوفدوا مشيختهم وسط شعبان‏.‏ثم سرح عساكره لمحاصرة وهران وتقري البسائط ومنازلة الأمصار فأخذت مازونة في جمادى الآخرة من سنة تسع وتسعين‏.‏ونهض في شعبان بعده فافتتح تاللوت والقصبات وتامززدكت في رمضان منه‏.‏وفيه كان فتح مدينة وهران‏.‏وسارت عساكره في الجهات إلى أن بلغت بجاية كما نذكره‏.‏وأخذ الرعب بقلوب الأمم بالنواحي وتغلب على ضواحي مغراوة وتوجين وسارت فيها عساكره ودوختها كتائبه واقتحمت أمصارها راياته مثل مليانة ومستغانم وشرشال والبطحاء ووانشريش والمدية وتافركينت‏.‏وأطاعه زيري المنتزي ببرشك وأتى بيعته‏.‏وابن علان المنبري بالجزائر وأتى بيعته‏.‏وأزعج الناكبين منهم عن طاعته‏.‏واستألف أهل الصاغية كما نذكره‏.‏وحذره الموحدون من ورائهم بإفريقية ملوك بجاية وملوك تونس فمدوا إليه يد المواصلة ولاطفوه بالمتاحفة والمهاداة وخاطب صاحب الديار المصرية ملك الترك وهاداه وراجعه كما نذكره‏.‏ووفد عليه شرفاء مكة بنو أبي نمي كما نذكر‏.‏وهو في خلال ذلك مستجمع لمطاولة الحصار والتضييق متجاف عن القتال إلا في بعض الأيام لم تبلغ زعموا أربعة أو خمسة ينزل شديد العقاب والسطو بمن يميرها ويأخذ بالمراصد على من يتسلل بالأقوات إليها‏.‏قد جعل سرادق الأسوار المحيطة ملاكاً لأمره في ذلك فلا يخلص إليهم الطيف ولا يكاد يصل إليهم العيث مدة مقامه عليها إلى أن هلك بعد ماية شهر كما نذكره‏.‏واختط بمكان فساطيط المعسكر قصراً لسكناه واتخذ فيه مسجداً لمصلاه‏.‏وأدار عليها السور وأمر الناس بالبناء فابتنوا الدور الواسعة والمنازل الرحيبة والقصور الأنيقة واتخذوا البساتين وأجروا المياه‏.‏ثم أمر بإدارة السور سياجاً على ذلك سنة اثنتين وسبعماية وصيرها مصراً فكانت من أعظم الأمصار والمدن وأحفلها اتساع خطة وكثرة عمران ونفاق أسواق واحتفال بناء وتشييد منعة‏.‏وأمر باتخاذ الحمامات والخانات والمارستان وابتنى بها مسجداً جامعاً‏.‏وشيد له مأذنة رفيعة فكان من أحفل مساجد الأمصار وأعظمها وسماها المنصورة واستبحرت عمارتها وهالت أسواقها‏.‏ورحل إليها التجار بالبضائع من الآفاق فكانت أحد مدائن المغرب‏.‏وخربها آل يغمراسن عند مهلكه وارتحال كتائبه عنها بعد أن كان بنو عبد الواد أشرفوا على الهلاك وأذنوا بالانقراض كما نذكره فتداركهم من لطف الله ما شأنه أن يتدارك المتورطين في الهلاك والله غالب على أمره‏.‏

الخبر عن افتتاح بلاد مغراوة وما تخلل ذلك من الأحداث

لما أناخ السلطان عن تلمسان وتغلب على ضواحي بني عبد الواد وافتتح أمصارهم سما إلى التغلب على ممالك مغراوة وبني توجين‏.‏وكان ثابت بن منديل قد وفد على السلطان بمقر ملكه من فاس سنة أربع وتسعين وأصهر إليه في حافدته فعقد له عليها‏.‏وهلك ثابت بمكان وفادته من دولتهم وأعرس السلطان بحافدته سنة ست وتسعين كما ذكرنا ذلك كله من قبل فلما تغلب السلطان على أعمال بني عبد الواد جهز عساكره إلى بلاد مغراوة وعقد عليها لعلي بن محمد الخيري من عظماء بني ورتاجن فتغلبوا على الضواحي وشردوا مغراوة إلى رؤوس المعاقل‏.‏واعتصم راشد بن محمد بن ثابت بن منديل صهر السلطان بمليانة فنازلوه بها‏.‏ثم استنزلوه على الأمان سنة تسع وتسعين وأوفدوه على السلطان فلقاه مبرة وتكرمة وخلطه بجملته المكان صهره معه‏.‏ثم افتتحوا مدينة تنس ومازونة وشرشال‏.‏وأعطى زيري بن حماد المنتزي على برشك من بلادهم يد الطاعة‏.‏وأوفد على السلطان للبيعة واستولوا على ضواحي شلف كلها‏.‏ولاذت مغراوة بطاعة السلطان‏.‏وعقد عليهم وعلى جميع بلادهم لعمر بن ويغرن بن منديل فأسف لذلك راشد بن محمد لما كان يراه لنفسه من الاختصاص‏.‏ولما كانت أخته حظية السلطان وكريمته ونافس عمر بن ويغرن في إمارة قومه فلحق بجبال متيجة وأجلب على من هنالك من عمال السلطان وعساكره‏.‏وانحاش إليه مرضى القلوب من قومه فاعصوصبوا عليه‏.‏وداخل أهل مازونة فانتقضوا على السلطان وملكوه أمرهم في شهر ربيع من الماية السابعة‏.‏ثم بيت عمر بن ويغرن بمعسكره من وازمور فقتله واستباح المعسكر‏.‏وبلغ الخبرإلى السلطان فسرح العساكر من بني مرين‏.‏وعقد لعلي بن الحسن بن أبي الطلاق على قومه من بني عسكر ولعلي بن محمد الخيري على قومه من بني ورتاجن وجعل الأمر شورى بينهما وأشرك معهما علياً الحساني من صنائع دولته وأبا بكر بن إبراهيم بن عبد القوي من أعياص بني توجين‏.‏وعقد على مغراوة لمحمد بن عمر بن منديل وأشركه معهم وزحفوا إلى راشد‏.‏ولما أحس بالعساكر لجأ إلى معقل بني بو سعيد فيمن معه من شيعته مغراوة‏.‏وأنزل بمازونة علياً وحمو ابني عمه يحيى بن ثابت واستوصاهم بضبط البلد وأنه مشرف عليهم من الجبل‏.‏وجاءت عساكر السلطان إلى بلاد مغراوة فتغلبوا على البسائط وأناخوا بمازونة وضربوا معسكرهم بساحتها وأخذوا بمخنقها واهتبل علي وقومه غرة في معسكر بني مرين فبيتهم سنة إحدى وسبعماية‏.‏وانفض المعسكر وتقبض على علي بن محمد الخيري ثم امتنعوا عليه وعاد المعسكر إلى مكانه من حصارهم‏.‏وجهدهم حالهم فنزل إليهم حمو بن يحيى على حكم السلطان‏.‏وأنفذوه إليه فتقبض عليه‏.‏ثم نزل علي ثانية من غير عهد فأشخصوه إلى السلطان ولقاه مبرة وتكريماً تأنيسا لراشد المنتزي بمعقله‏.‏واقتحمت مازونة على أهلها عنوة سنة ثلاث فمات منهم عالم واحتملت رؤوسهم إلى سدة السلطان فرميت في حفائر البلد المحصور إرهاباً لهم وتخذيلاً‏.‏ولما عقد السلطان لأخيه أبي يحيى على بلاد الشرق وسرحه لتدويخ التخوم نازل راشداً بمعقله من بني بوسعيد‏.‏فبيت راشد معسكرهم إحدى لياليه فانفضوا وقتل طائفة من بني مرين‏.‏ووجد لها السلطان فأمر بقتل علي وحمو ابني عمه يحيى ومن كان معتقلا معهما من قومهم‏.‏رفعوهم على الجذوع وأثبتوهم بالسهام‏.‏ونزل راشد بعدها عن معقله ولحق بمتيجة وانحاش إليه عمه منيف بن ثابت وأوشاب من مغراوة‏.‏وتحيز الآخرون إلى أميرهم محمد بن عمر بن منديل الذي عقد له السلطان عليهم‏.‏ثم تأشبت على راشد ومنيف خوارج الثعالبة ومليكش وصمد إليهم الأمير أبو يحيى في عساكره ثانية ونازلهم بمعاقلهم ورغبوا في السلم فبذله السلطان لهم‏.‏وأجاز منيف بن ثابت إلى الأندلس فيمن إليه من بنيه وعشيره فاستقروا بها آخر الأيام‏.‏ولحق راشد ببلاد الموحدين‏.‏ووفد محمد بن عمر بن منديل سنة خمس على السلطان فأوسعه حباً وتكريماً‏.‏وتمهدت بلاد مغراوة واستبد بملكها السلطان وصرف إليها العمال ولم يزل كذلك إلى أن هلك سنة ست‏.‏والله تعالى أعلم‏.‏

الخبر عن افتتاح بلاد بني توجين وما تخلل ذلك

لما نازل يوسف بن يعقوب تلمسان وأحاط بها وتغلب على بلاد بني عبد الواد سما إلى تملك بلاد بني توجين‏.‏وكان عثمان بن يغمراسن قد غلبهم على مواطنهم وملك جبل وانشريش وتصرف في بلاد عبد القوي بالولاية والعزل وأخذ الأتاوة سنة إحدى وسبعماية‏.‏وأوعز إليه السلطان ببناء البطحاء التي هدمها محمد بن عبد القوي فبناها وتوغل في قاصية الشرق ثم انكفأ راجعاً إلى حضرة أخيه وعطف على بلاد بني توجين سنة اثنتين وفر بنو عبد القوي إلى ضواحيهم بالقفر ودخل جبل وانشريش وهدم حصونهم به ورجع إلى الحضرة‏.‏ثم بادره أهل تافركنيت سنة ثلاث بإتيان الطاعة ونقضوا بعدها‏.‏ثم بعث أهل المدية بطاعتهم للسلطان فتقبلها وأوعز ببناء قصبتها‏.‏وراجع بنو عبد القوي بعد ذلك بصائرهم في طاعة السلطان ووفدوا عليه بمكانه من المنصورة مدينته المحيطة على تلمسان سنة ثلاث فتقبل طاعتهم وراعى سابقتهم وأعادهم إلى بلادهم وأقطعهم وولى عليهم علي بن الناصر بن عبد القوي‏.‏وأوعز ببناء قصبة المدية سنة أربع وكملت سنة خمس‏.‏وهلك علي بن الناصر خلال ذلك فعقد عليهم لمحمد بن عطية الأصم كما ذكرناه قاستمر على الطاعة‏.‏ثم انتقض سنة ست وحمل قومه على الخلاف وانتبذوا عن الوطن إلى أن هلك يوسف بن يعقوب كما ذكرناه والله تعالى أعلم‏.‏

الخبر عن مراسلة الموحدين ملوك إفريقية بتونس وبجاية وأحواله معهم

كان لبني أبي حفص ملوك إفريقية مع زناتة هؤلاء أهل المغرب من بني مرين وبني عبد الواد سوابق مذكورة فكانت لهم على يغمراسن وبنيه طاعة معروفة يودون بيعتها ويخطبون على منابرهم بدعوتها مذ تغلب الأمير أبي زكرياء يحيى بن عبد الواحد على تلمسان وعقد عليها ليغمراسن واستمر حالهم على ذلك‏.‏وكانت لهم أيضاً مع بني مرين ولاية سابقة بما كان بنو مرين مذ أول أمرهم يخاطبون الأمير أبا زكرياء ويبعثون له ببيعة البلاد التي تغلبوا عليها مثل مكناسة والقصر ومراكش آخرا‏.‏ثم صارت خالصة من لدن عهد المستنصر ويعقوب بن عبد الحق‏.‏وكانوا يتحفونهم بالمال والهدايا في سبيل المدد على صاحب مراكش وقد ذكرنا السفارة التي وقعت بينهما سنة خمس وستين وإن يعقوب أوفد عامر بن إدريس وعبد الله بن كندوز ومحمد الكناني وأوفد عليه المستنصر سنة سبع بعدها كبير الموحدين يحيى بن صالح الهنتاتي في وفد من مشيخة الموحدين ومعهم هدية سنية‏.‏ثم أوفد الواثق ابنه سنة سبع وسبعين قاضي بجاية المذكور أبا العباس أحمد الغماري وأسنى الهدية معه‏.‏ولم يزل الشأن بينهم هذا إلى أن افترق أمر آل أبي حفص‏.‏وصار الأمير أبو زكرياء ابن الأمير أبي إسحاق بن يحيى بن عبد الواحد من عشه بتلمسان في وكر عثمان بن يغمراسن‏.‏وأسف إلى بجاية فاستولى عليها سنة ثلاث وثمانين‏.‏واستضاف إليها قسنطينة وبونة وصيرها عملاً لملكه ونصب بها كرسياً لأمره‏.‏وأسف عثمان بن يغمراسن لفراره من بلده لما كان عليه من التمسك بدعوة عمه أبي حفص صاحب تونس فشق ذلك عليه ونكره واستمرت الحال على ذلك‏.‏ولما أخذ السلطان يوسف بن يعقوب بمخنق تلمسان وأوسع قواعد ملكه بساحتها وسرح عساكره لالتهام الأمصار والجهات توجس الموحدون الخيفة منه على أوطانهم‏.‏وكان الأمير أبو زكرياء في جهات تدلس محامياً عن حوزته وعمله‏.‏ووصله هنالك راشد بن محمد نازعاً عن السلطان أبي يعقوب‏.‏ثم طلعت العساكر على تلك الجهات في أتباعه فزحف إليه عسكر الموحدين سنة تسع وتسعين بناحية جبل الزاب ففضوا جمعه‏.‏وأوقعوا به واستلحموا جنوده واستبحر القتل فيهم وبقيت ورجع الأمير أبو زكرياء إلى بجاية فانحصر بها‏.‏وهلك تفيئة ذلك على رأس الماية السابعة‏.‏وقارن ذلك مغاضبة بينه وبين أمير الدواودة لعهده ضمان بن سباع بن يحيى بن دريد بن مسعود البلط فوفد على السلطان أخريات إحدى وسبعماية‏.‏ورغبه في ملك بجاية واستغذه للسير إليها فأوعز إلى أخيه الأمير أبي يحيى بمكانه من منازلة مغراوة ومليكش والثعالبة بأن ينهض إلى عمل الموحدين‏.‏وسار عثمان بن سباع وقومه بين يدي العساكر يتقصون الطريق إلى أن تجاوز الأمير أبو يحيى بعساكره بجاية‏.‏واحتل بتاكرارت من أوطان سدويكش من أعمال بجاية‏.‏وأطل على بلاد سدوبكش وانكفأ راجعاً فأوطأ عساكره بساحة بجاية وبها الأمير خالد بن يحيى‏.‏وناشبهم القتال ببعض أيام جلا فيها أولياء السلطان أبي البقاء عن أنفسهم وسلطانهم‏.‏وأمر بروض السلطان المسمى بالبديع فخربه وكان من أنيق الرياض وأحفلها‏.‏وقفل إلى مكانه من تدويخ البلاد‏.‏وأعرض عن أعمال الموحدين‏.‏وكان صاحب تونس لذلك العهد محمد المستنصر الملقب بأبي عصيدة بن يحيى الواثق فأوفد على السلطان شيخ الموحدين بدولته محمد بن أكمازير في أسباب الولاية ومحكماً مذاهب الوصلة ومقرراً سوابق السلف فوفد في مشيخة من قومه لشعبان سنة ثلاث‏.‏وناغاه الأمير أبو البقاء خالد صاحب بجاية فأوفد مشيغة من أهل دولته كذلك‏.‏وبر السلطان وفادتهم وأحسن منقلبهم‏.‏ثم عاد ابن أكمازير سنة أربع وسبعماية ومعه شيخ الموحدين وصاحب السلطان أبو عبد الله بن يرزيكن في وفد من عظماء الموحدين‏.‏وأوفد صاحب بجاية حاجبه أبا محمد الرخامي وشيخ الموحدين بدولته عياد بن سعيد بن عثيمن‏.‏ووفدوا جميعاً على السلطان ثالث جمادى فأحسن السلطان في تكرمتهم ما شاء وأوصلهم إلى نفسه بمساكن داره وأراهم أبهة ملكه وأطافهم قصوره ورياضه بعد أن فرشت ونمقت فملأ قلوبهم جلالا وعظمة‏.‏ثم بعثهم إلى المغرب ليطوفوا على قصور الملك بفاس ومراكش وشاهدوا آثار سلفهم وأوعز إلى عمال المغرب بالاستبلاع في تكرمتهم وإتحافهم‏.‏فانتهوا من ذلك إلى الغاية وانقلبوا إلى حضرته آخر جمادى وانصرفوا إلى ملوكهم بالحديث عن شأن رسالتهم وكرامة وفدهم‏.‏ثم أعاد ملوكهم مراسلة السلطان سنة خمس بعدها فوفد أبو عبد الله بن أكمازير من تونس وعياد بن سعيد بن عثيمن من بجاية‏.‏وأوفد السلطان على صاحب تونس مع رسوله صاحب الفتيا بحضرته الفقيه أبا الحسن التنسي وعلي بن يحيى البرشكي رسولين يسألانه المدد بأسطوله فقضوا رسالتهم سنة خمس ووصل بخبرها أبو عبد الله المزعوري من مشيخة الموحدين‏.‏واقترن بذلك وصول حسون بن محمد بن حسون المكناسي من صنائع السلطان‏.‏كان أوفده مع ابن عثيمن على مراسلة الأمير أبي البقاء خالد صاحب بجاية في صلب الأسطول أيضاً فرجعوه بالمعاذير‏.‏وأوفدوا معه عبد الحق بن سليمان فتلقاهم السلطان بالمبرة‏.‏وأوعز إلى عامره بوهران أن يستبلغ في تكريم عمرة الأسطول فجرى في ذلك على مذهبه‏.‏وانقلبوا جميعاً أحسن منقلب‏.‏ وغني السلطان عن أسطولهم لفوات وقت الحاجة إليه من منازلة بلاد السواحل إذ كان قد تملكها أيام مماطلتهم بيعته‏.‏واتصل الخبر بصاحب تلمسان الأمير أبي زيان بن عثمان المبايع أيام الحصار عند مهلك أبيه عثمان بن يغمراسن آخر سنة ثلاث فبلغه صنع الموحدين في موالاتهم عدوهم السلطان يوسف بن يعقوب ومظاهرته بأساطيلهم عليه فأسفه ذلك وأخرس منابرهم عما كانت تنطق به من الدعاء من عهد يغمراسن فلم يراجع دعوتهم من بعد‏.‏ وهلك السلطان على تفيئة ذلك‏.‏ والبقاء لله وحده‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-07-2011, 05:34 PM
الخبر عن انتقاض الطاغية وإجازة السلطان لغزوه

لما رجع السلطان من غزو تلمسان وافاه الخبر بأن الطاغية شانجة انتقض ونبذ العهد وتجاوز التخوم‏.‏وغار على الثغور فأوعز إلى قائد المسالح علي بن يوسف بن يزكاسن بالدخول إلى دار الحرب ومنازالة شريش‏.‏وشن الغارات على بلاد الطاغية فنهض لذلك في ربيع الاخر من سنة تسعين‏.‏وجاس خلالها وتوغل في أقطارها وأبلغ في النكاية‏.‏وفصل السلطان من تازى غازياً على أثره في جمادى واحتل قصر مصمودة واستنفر أهل المغرب وقبائله‏.‏ونفروا وشرع في إجازتهم البحر‏.‏وبعث الطاغية أساطيله إلى الزقاق حجزاً دون الإجازة فأوعز السلطان إلى قواد أساطيله بالسواحل وأغزاهم‏.‏التقت الأساطيل ببحر الزقاق في شعبان فاقتتلوا وانكشف المسلمون ومحصهم الله‏.‏ثم أغزاهم ثانية وخامت أساطيل العدو عن اللقاء وصاعدوا عن الزقاق‏.‏وملكته أساطيل السلطان فأجاز أخريات رمضان واحتل بطريف‏.‏ثم دخل دار الحرب غازياً فنازل حصن بجير ثلاثة أشهر وضيق عليهم‏.‏وبث السرايا في أرض العدو وردد الغارات على شريش وإشبيلية ونواحيهما إلى أن أبلغ في النكاية والإثخان وقضى من الجهاد وطراً‏.‏وزاحمه فصل الشتاء وانقطاع الميرة عن المعسكر فأفرج عن الحصن ورجع إلى الجزيرة‏.‏ثم أجاز إلى المغرب فاتح إحدى وتسعين فتظاهر ابن الأحمر والطاغية على منعه الإجازة كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏والله أعلم‏.‏

الخبر عن انتقاض ابن الأحمر ومظاهرته الطاغية على طريف أعادها الله

ولما قفل السلطان من غزاته فاتح إحدى وتسعين كما ذكرناه وقد أبلغ في نكاية العدو وأثخن في بلاده فأهم الطاغية أمره وثقلت عليه وطأته والتمس الوليجة من دونه‏.‏وحذر ابن الأحمر غائلته ورأى أن مغبة حاله الاستيلاء على الأندلس وغلبه على أمره ففاوض الطاغية وخلصوا نجياً‏.‏وتحدثوا أن استمكانه من الإجازة إليهم إنما هو بقرب مسافة بحر الزقاق وانتظام ثغور المسلمين حفافيه بتصرف شوانيهم وسفنهم متى أرادوا فضلا عن الأساطيل‏.‏وإن أم تلك الثغور طريف وانهم إذا استمكنوا منها كانت ربيئة لهم على بحر الزقاق‏.‏وكان أسطولهم من مرقاها بمرصد لأساطيل صاحب المغرب الخائضين لجة ذلك البحر فاعتزم الطاغية على منازلة طريف‏.‏وزعم له ابن الأحمر بمظاهرته على ذلك وشرط له المدد والميرة لأقوات العسكر أيام منازلتها على أن تكون له إن حصلت‏.‏وتعاونوا على ذلك وأناخ الطاغية بعساكر النصرانية على طريف‏.‏وألح عليها بالقتال ونصب الآلات وانقطع عنها الملا والميرة‏.‏واحتلت أساطيله ببحر الزقاق فحالت دون الصريخ من السلطان وإخوانهم المسلمين‏.‏وضرب ابن الأحمر معسكره بمالقة قريباً منه وسرب إليه المدد من السلاح والرجال والميرة من الأقوات وبعث عسكراً لمنازلة أصطبونة وتغلب عليه بعد مدة من الحصار‏.‏واتصلت هذه الحال أربعة أشهر حتى أصاب أهل طريف الجهد ونال منهم الحصار فراسلوا الطاغية في الصلح والنزول عن البلد فصالحهم واستنزلهم سنة إحدى وتسعين‏.‏ووفى لهم بعهده‏.‏واستشرف ابن الأحمر إلى تجافي الطاغية عنها كما عهدا عليه فأعرض عن ذلك واستأثر بها بعد أن كان نزل له عن ستة من الحصون عوضاً منها ففسد ذات بينهما‏.‏ورجع ابن الأحمر إلى تمسكه بالسلطان واستغاثته به لأهل ملته على الطاغية‏.‏وأوفد ابن عمه الرئيس أبا سعيد فرج بن إسماعيل بن يوسف ووزيره أبا سلطان عزيز الداني في وفد من أهل حضرته لتجديد العهد وتأكيد المودة وتقرير المعذرة من شأن طريف‏.‏فوافوه مكانه من منازلة تازوطا كما نذكر بعد فأبرموا العقد وأحكموا الصلح‏.‏وانصرفوا إلى ابن الأحمر سنة اثنتين وتسعين بإسعاف غرضه من المؤاخاة واتصال اليد‏.‏وهلك خلال ذلك قائد المسالح بالأندلس علي بن يزكاسن في ربيع سنة اثنتين وتسعين‏.‏وعقد السلطان لابنه وولي عهده الأمير أبي عامر على ثغور الأندلس التي في طاعته وعهد له بالنظر في مصالحها‏.‏وأنفذه إلى المجاز بعسكره فواناه هنالك السلطان ابن الأحمر كما نذكر إن شاء الله

الخبر عن وفادة ابن الأحمر على السلطان والتقائهما بطنجة

لما رجعت الرسل إلى ابن الأحمر وقد كرمت وفادتهم وقضيت حاجاتهم وأحكمت في المؤاخاة مقاصدهم وقع ذلك من ابن الأحمر أجمل موقع وطار سروراً من أعواده‏.‏وأجمع الرحلة إلى السلطان لاستحكام العقد والاستبلاغ في العذر عن واقعة طريف وشأنها واستعدادهم لإغاثة المسلمين ونصرهم من عدوهم‏.‏فاعتزم على ذلك وأجاز البحر ذا القعدة سنة اثنتين وتسعين واحتل بنيونش من ساحة سبتة‏.‏ثم ارتحل إلى طنجة وقدم بين يدي نجواه هدية سنية أتحف بها السلطان كان من أحفلها وأحسنها موقعاً لديه فيما زعموا المصحف الكبير أحد مصاحل عثمان بن عفان الأربعة المنبثقة إلى الآفاق المختص هذا منها بالمغرب كما نقله السلف‏.‏كان بنو أمية يتوارثونه بقرطبة فتلقاه الأمير أبو عامر هنالك وأخوه الأمير أبو عبد الرحمن ابنا السلطان واحتفلا في مبرته‏.‏ثم جاء السلطان على أثرهما من حضرته لتلقيه وبرور مقدمه ووافاه بطنجة وأبلغ في تكرمته وبر وفادته بما يكرم به مثله‏.‏وبسط ابن الأحمر العذر عن شأن طريف فتجافى السلطان عن العذل‏.‏وأعرض عنه وقبل منه وبر واحتفى ووصل وأجزل ونزله له ابن الأحمر عن الجزيرة ورندة والغربية وعشرين حصناً من ثغور الأندلس كانت من قبل لطاعة صاحب المغرب ونزل عساكره‏.‏وعاد ابن الأحمر إلى الأندلس خاتم اثنتين وتسعين محبواً محبوراً‏.‏وأجازت عساكر السلطان معه لحصار طريف‏.‏وعقد على حربها ومنازلتها لوزيره الطائر الذكر عمر بن السعود بن خرباش الجشمي فنازلها مدة وامتنعت فأفرج عنها‏.‏وصرف السلطان همه إلى غزو تلمسان وحصارها كما نذكر إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن انتزاء ابن الوزير الوطاسي بحصن تازوطا من جهة الريف

واستنزال السلطان إياه كان بنو الوزير هؤلاء رؤساء بني وطاس من قبائل بني مرين ويرون أن نسبهم دخيل في بني مرين‏.‏وأنهم من أعقاب علي بن يوسف بن تاشفين لحقوا بالبدو ونزلوا على بني وطاس ورسخت فيهم عروقهم حتى لبسوا جلدتهم‏.‏ولم يزل السرو متربعا بين أعينهم لذلك والرياسة شامخة بأنوفهم‏.‏وكانوا يرومون الفتك بالأمراء من أولاد عبد الحق فلم يطيقوه‏.‏ولما احتل السعيد بتازى غازياً إلى تلمسان كما ذكرناه ولحق ببلدهم الأمير أبو يحيى بن عبد الحق ائتمروا في الفتك به‏.‏ونذر بشأنهم فارتحل ففر إلى غبولة وعين الصفا من بلاد بني يزناسن‏.‏وهنالك بلغه خبر مهلك السعيد‏.‏وكانت بلاد الريف لبني وطاس من لدن دخول بني مرين المغرب واقتسامهم لأعماله فكانت ضواحيها لنزلهم وأمصارهما ورعاياها لجبايتهم‏.‏وكان حصن تاوزطا بها من أمنع معاقل المغرب وكان الملوك من أولاد عبد الحق يعتنون بشأنه وينزلون به من أوليائهم من يثقون بغنائه واضطلاعه ليكون آخذاً بناصية من هؤلاء الرهط وشجاً في صدورهم عما يسمون إليه‏.‏وكان السلطان قد عقد عليه لمنصور ابن أخيه الأمير أبي مالك بعد مهلك أبيه أمير المسلمين يعقوب بن عبد الحق‏.‏وكان عمر بن يحيى بن الوزير وأخوه عامر رئيسين على بني وطاس لذلك العهد فاستوهنوا أمر السلطان بعد مهلك أبيه‏.‏وحدثوا أنفسهم بالانتزاء بتازوطا والاستبداد بتلك الناحية فوثب عمر منهم بمنصور ابن أخي السلطان شهر شوال من سنة إحدى وتسعين‏.‏وفتك برجاله وذويه وأزعجه عنه وغلبه على مال الجباية الذي كان بقصره فاستصفاه واستأثر به‏.‏واستبد وشحن الحصن برجاله وحاشيته ووجوه قومه‏.‏ووصل منصور إلى السلطان وهلك لليال من منجاته أسفاً لما أصابه‏.‏وسرح السلطان وزيره الطائر الذكر عمر بن السعود بن خرباش بالعساكر لمنازلته فأناخ عليه‏.‏ثم نهض السلطان على أثره ووافاه وضرب معسكره بساحته‏.‏وخالف عامر أخاه عمر إلى السلطان بقومه حذراً من مغبة الأمر وأشفق عمر لشدة الحصار ويئس من الخلاص وظن أن قد أحيط به‏.‏ودس إلى أخيه عامر فأذن السلطان في مداخلته في النزول عن الحصن فاذن له‏.‏واحتمل ذخيرته وفر إلى تلمسان‏.‏وبدا لعامر في رأيه عندما خلص إلى الحصن وخلا له من عمر أخيه الجو‏.‏وحذر غائلة السلطان وخشي أن يثأر منه بأخيه فامتنع بالحصن‏.‏ثم ندم وسقط في يده‏.‏وفي خلال ذلك كان وصول وفد الأندلس وأرسوا أساطيلهم بمرقى غساسة‏.‏فبعث إليهم عامر أن يشفعوا له عند السلطان لوجاهتهم لديه فتقبلت شفاعتهم على شريطة إجازته إلى الأندلس‏.‏وكره ذلك وقدم بين يديه بعض حاشيته إلى الأسطول مكراً بهم‏.‏وخاض الليل إلى تلمسان فتقبض السلطان على ولده وقتل‏.‏وأسلم أهل الأسطول من كان من حاشيته لديهم وتجافوا عن إجازتهم على السلطان لما مكر بهم عامر‏.‏فاستلحموا مع من كان بالحصن من أتباعهم وقرابتهم وذويهم‏.‏وتملك السلطان حصن تازوطا وأنزل به عماله ومسلحته وقفل إلى حضرته بفاس آخر جمادى من سنة اثنتين وتسعين‏.‏والله تعالى أعلم‏.‏

الخبر عن نزوع أبي عامر ابن السلطان إلى بلد الريف وجبال غمارة

كان الأمير أبو عامر بعد إجازة ابن الأحمر إلى السلطان أبيه ورضاه عنه وتأكيد مؤاخاته وإغزاء وزيره عمر بن السعود لمنازلة طريف واستنزاله أولاد الوزير المنتزين بحصن تازوط رجع من قصر مصمودة إلى بلاد الريف بإيعاز أبيه إليه بذلك لتسكين أحوالها‏.‏وكان أولاد الأمير أبي يحيى بن عبد الحق قد نزعوا إلى تلمسان لسعاية فيهم وقرت في صدر السلطان فأقاموا بها أياماً‏.‏ثم استعطفوا السلطان واسترضوه فرضي وأذن لهم في الرجوع إلى محلهم من قومهم ودولتهم‏.‏وبلغ الخبرالأمير أبا عامر وهو بمعسكره من الريف فأجمع على اغتيالهم في طريقهم يظن أنه يرضي بذلك أباه‏.‏واعترضهم بوادي القطف من بلاد ملوية سنة خمس وتسعين فاستلحمهم‏.‏وانتهى

الخبر إلى السلطان فقام في ركائبه وقعد وتبرأ إلى الله من إخفار ذمته

ومن صينع إبنه‏.‏وسخطه وأقصاه فذهب مغاضباً ولحق ببلاد الريف‏.‏ثم صعد إلى جبال غمارة فلم يزل طريداً بينهم‏.‏ونازلته عساكر أبيه لنظر ميمون بن ودران الجشمي ثم لنظر زيكن بن المولاة تاميمونت‏.‏وأوقع بهم مراراً آخرها بيرزيكن سنة تسع وتسعين‏.‏وذكر الزليخي مؤرخ دولتهم أن خروجه بجبل غمارة كان سنة أربع وتسعين وقتله لأولاد الأمير أبي يحيى كان سنة خمس وتسعين بعدها أغرا بهم من مثوى انتزائه وقتلهم كما ذكرناه والله أعلم‏.‏ولم يزل هذا دأبه إلى أن هلك ببني سعيد من جبال غمارة سنة ثمان وتسعين ونقل شلوه إلى فاس فووري بباب الفتوح بملجد قومهم هنالك‏.‏وأعقب ولدين كفلهما السلطان جدهما فكانا الخليفتين من بعده على ما نذكر إن شاء الله تعالى‏.‏والله أعلم‏.‏كان عثمان بن يغمراسن بعد إفراج السلطان عنه سنة تسع وثمانين وانتقاض الطاغية وابن الأحمر عليه كما قلناه صرف إلى ولايتهما وجه تدبيره‏.‏وأوفد على الطاغية ابن بريدي من صنائع دولته سنة اثنتين وتسعين ورجعه الطاغية مع الريك ريكسن رسول من كبار قومه‏.‏ثم أعاد إليه الحاج المسعود من حاشيته ووصل يده بيده يظن ذلك دافعاً عنه‏.‏واعتدها السلطان عليه وطوى له على النث‏.‏حتى إذا فرغ من شأن الأندلس وهلك الطاغية شانجة سنة ثلاث وتسعين لإحدى عشرة من سني ملكه‏.‏وارتحل السلطان إلى طنجة لمشارفة أحوال الأندلس سنة أربع وتسعين فأجاز إليه السلطان ابن الأحمر ولقيه بطنجة وأحكم معه المؤاخاة‏.‏ولما استيقن سكون أحوالها نزل لابن الأحمر عن جميع الثغور التي بها لطاعته وأجمع غزو تلمسان‏.‏ولحق به بين يحيى ذلك ثابت بن منديل المغراوي صريخاً على ابن يغمراسن ومستجيشاً بقومه فتقبله وأجاره‏.‏وكان أصاب الناس أعوام اثنتين وتسعين وما بعدها قحط ونالتهم سنة وهنوا لها‏.‏ثم إن الله رحم خلقه وأدر نعمته وأعاد الناس إلى ما عهدوه من سبوغ نعمهم وخصب عيشهم‏.‏ووفد عليه سنة أربع وتسعين ثابت بن منديل أمير مغراوة مستصرخاً به من عثمان بن يغمراسن فبعث من كبار قومه موسى بن أبي حمو إلى تلمسان شفيعاً لثابت بن منديل فرده عثمان أقبح رد وأساء في إجابته فعاود الرسالة إليه في شأنه فلم تزدهم إلا ضرراً فاعتزم على غزو بلادهم واستعد لذلك‏.‏ونهض سنة أربع وتسعين حتى انتهى إلى بلاد تاوريرت وكان تخماً لعمل بني مرين وبني عبد الواد في جانبها عامل السلطان أبي يعقوب وفي جانبها الآخر عامل عثمان بن يغمراسن‏.‏فطرد السلطان عامل يغمراسن وتميز بها‏.‏واختط الحصن الذي هنالك لهذا العهد‏.‏تولاه بنفسه يغادي الفعلة ويراوحهم‏.‏وأكمل بناءه في شهر رمضان من سنته واتخذه ثغراً لملكه‏.‏وأنزل بني عسكر لحياطته وسد فروجه‏.‏وعقد عليه لأخيه أبي يحيى بن يعقوب وانكفأ راجعاً إلى الحضرة‏.‏ثم خرج من فاس سنة خمس وتسعين غازياً إلى تلمسان‏.‏ومر بوجدة فهدم أسوارها وتغلب على مسيفة والزعارة‏.‏وانتهى إلى ندرومة ونازلها أربعين يوماً ورماها بالمجانيق‏.‏وضيق عليها فامتنعت عليه فأفرج عنها ثاني الفطر‏.‏ثم غزا تلمسان سنة ست وتسعين وبرز لمدافعته عثمان بن يغمراسن فهزمه وأحجزه بتلمسان ونزل بساحته وقتل خلقاً من أهلها ونازلها أياماً ثم أقلع عنها وقفل إلى المغرب وقضى منسك الأضحى من سنته بتازى‏.‏فأعرس هنالك بحافدة ثابت بن منديل كان أصهر فيها إلى جدها قبل مهلكه سنة ست وتسعين قتيلا ببحيره الزيتون من ظاهر فاس‏.‏قتله بعض بني ورتاجن في دم كان لهم في قومه فثار السلطان به من قاتله وأعرس بحافدته‏.‏وأوعز ببناء القصر بتازى وقفل إلى فاس فاتح سبع وتسعين‏.‏ثم ارتحل إلى مكناسة وانكفأ إلى فاس‏.‏ثم نهض في جمادى غازياً تلمسان‏.‏ومر بوجدة فأوعز ببنائها وتحصين أسوارها واتخذ فيها قصبة وداراً لسكناه ومسجداً وأغزى إلى تلمسان‏.‏ونزل بساحتها وأحاطت عساكره إحاطة الهالة بها ونصب عليها القوس البعيدة النزع العظيمة الهيكل المسماة قوس الزيار ازدلف إليه الصناع والمهندسون بعملها وكانت توقر على أحد عشر بغلاً‏.‏ثم لما امتنعت عليه تلمسان أفرج عنها فاتح سنة ثمان‏.‏ومر بوجدة فأنزل بها الكتائب من بني عسكر لنظر أخيه أبي يحيى بن يعقوب كما كانوا بتاوريرت‏.‏وأوعز إليهم فتردد الغارات على أعمال ابن يغمراسن وإفساد سابلتها‏.‏وضاقت أحوالهم ويئسوا من صريخ صاحبهم فأوفدوا على الأمير أبي يحيى وفداً منهم يسألون الأمان لمن وراءهم من قومهم على أن يمكنوه من قياد بلدهم ويدينوا بطاعة السلطان فبذل لهم من ذلك ما أرضاهم ودخل البلد بعسكره‏.‏واتبعهم أهل تاوونت‏.‏وأوفد مشيختهم جميعاً على السلطان آخر جمادى فقدموا عليه بحضرته‏.‏وأدوا طاعتهم فقبلها‏.‏ورغبوا إليه في الحركة إلى بلادهم ليريحهم من ملكة عدوهم ابن يغمراسن‏.‏ووصفوا من عسفه وجوره وضعفه عن الحماية ما استنهض السلطان لذلك على ما نذكر إن الخبر عن الحصار الكبير لتلمسان وما تخلل ذلك من الأحداث لما توفرت عزائم السلطان على النهوض إلى تلمسان ومطاولة حصارها إلى أن يظفر بها وبقومها واستيقن انه لا مدافع له عن ذلك فنهض من فاس في شهر رجب سنة ثمان وتسعين بعد أن استكمل حشده‏.‏ونادى في قومه واعترض عساكره وأجزل أعطياتهم وأزاح عللهم‏.‏وارتحل في التعبية واحتل بساحه تلمسان ثاني شعبان وأناخ عليها وضرب معسكره بفنائها‏.‏وأحجز عثمان بن يغمراسن وحاميتها من قومه وأدار الأسوار سياجاً على عمرانها كله ومن ورائها نطاق الحفير البعيد المهوى‏.‏ورتب المسالح على أبوابها وفرجها‏.‏وسرح عساكره إلى هنين فافتتحها وأتوا طاعتهم وأوفدوا مشيختهم وسط شعبان‏.‏ثم سرح عساكره لمحاصرة وهران وتقري البسائط ومنازلة الأمصار فأخذت مازونة في جمادى الآخرة من سنة تسع وتسعين‏.‏ونهض في شعبان بعده فافتتح تاللوت والقصبات وتامززدكت في رمضان منه‏.‏وفيه كان فتح مدينة وهران‏.‏وسارت عساكره في الجهات إلى أن بلغت بجاية كما نذكره‏.‏وأخذ الرعب بقلوب الأمم بالنواحي وتغلب على ضواحي مغراوة وتوجين وسارت فيها عساكره ودوختها كتائبه واقتحمت أمصارها راياته مثل مليانة ومستغانم وشرشال والبطحاء ووانشريش والمدية وتافركينت‏.‏وأطاعه زيري المنتزي ببرشك وأتى بيعته‏.‏وابن علان المنبري بالجزائر وأتى بيعته‏.‏وأزعج الناكبين منهم عن طاعته‏.‏واستألف أهل الصاغية كما نذكره‏.‏وحذره الموحدون من ورائهم بإفريقية ملوك بجاية وملوك تونس فمدوا إليه يد المواصلة ولاطفوه بالمتاحفة والمهاداة وخاطب صاحب الديار المصرية ملك الترك وهاداه وراجعه كما نذكره‏.‏ووفد عليه شرفاء مكة بنو أبي نمي كما نذكر‏.‏وهو في خلال ذلك مستجمع لمطاولة الحصار والتضييق متجاف عن القتال إلا في بعض الأيام لم تبلغ زعموا أربعة أو خمسة ينزل شديد العقاب والسطو بمن يميرها ويأخذ بالمراصد على من يتسلل بالأقوات إليها‏.‏قد جعل سرادق الأسوار المحيطة ملاكاً لأمره في ذلك فلا يخلص إليهم الطيف ولا يكاد يصل إليهم العيث مدة مقامه عليها إلى أن هلك بعد ماية شهر كما نذكره‏.‏واختط بمكان فساطيط المعسكر قصراً لسكناه واتخذ فيه مسجداً لمصلاه‏.‏وأدار عليها السور وأمر الناس بالبناء فابتنوا الدور الواسعة والمنازل الرحيبة والقصور الأنيقة واتخذوا البساتين وأجروا المياه‏.‏ثم أمر بإدارة السور سياجاً على ذلك سنة اثنتين وسبعماية وصيرها مصراً فكانت من أعظم الأمصار والمدن وأحفلها اتساع خطة وكثرة عمران ونفاق أسواق واحتفال بناء وتشييد منعة‏.‏وأمر باتخاذ الحمامات والخانات والمارستان وابتنى بها مسجداً جامعاً‏.‏وشيد له مأذنة رفيعة فكان من أحفل مساجد الأمصار وأعظمها وسماها المنصورة واستبحرت عمارتها وهالت أسواقها‏.‏ورحل إليها التجار بالبضائع من الآفاق فكانت أحد مدائن المغرب‏.‏وخربها آل يغمراسن عند مهلكه وارتحال كتائبه عنها بعد أن كان بنو عبد الواد أشرفوا على الهلاك وأذنوا بالانقراض كما نذكره فتداركهم من لطف الله ما شأنه أن يتدارك المتورطين في الهلاك والله غالب على أمره‏.‏

الخبر عن افتتاح بلاد مغراوة وما تخلل ذلك من الأحداث

لما أناخ السلطان عن تلمسان وتغلب على ضواحي بني عبد الواد وافتتح أمصارهم سما إلى التغلب على ممالك مغراوة وبني توجين‏.‏وكان ثابت بن منديل قد وفد على السلطان بمقر ملكه من فاس سنة أربع وتسعين وأصهر إليه في حافدته فعقد له عليها‏.‏وهلك ثابت بمكان وفادته من دولتهم وأعرس السلطان بحافدته سنة ست وتسعين كما ذكرنا ذلك كله من قبل فلما تغلب السلطان على أعمال بني عبد الواد جهز عساكره إلى بلاد مغراوة وعقد عليها لعلي بن محمد الخيري من عظماء بني ورتاجن فتغلبوا على الضواحي وشردوا مغراوة إلى رؤوس المعاقل‏.‏واعتصم راشد بن محمد بن ثابت بن منديل صهر السلطان بمليانة فنازلوه بها‏.‏ثم استنزلوه على الأمان سنة تسع وتسعين وأوفدوه على السلطان فلقاه مبرة وتكرمة وخلطه بجملته المكان صهره معه‏.‏ثم افتتحوا مدينة تنس ومازونة وشرشال‏.‏وأعطى زيري بن حماد المنتزي على برشك من بلادهم يد الطاعة‏.‏وأوفد على السلطان للبيعة واستولوا على ضواحي شلف كلها‏.‏ولاذت مغراوة بطاعة السلطان‏.‏وعقد عليهم وعلى جميع بلادهم لعمر بن ويغرن بن منديل فأسف لذلك راشد بن محمد لما كان يراه لنفسه من الاختصاص‏.‏ولما كانت أخته حظية السلطان وكريمته ونافس عمر بن ويغرن في إمارة قومه فلحق بجبال متيجة وأجلب على من هنالك من عمال السلطان وعساكره‏.‏وانحاش إليه مرضى القلوب من قومه فاعصوصبوا عليه‏.‏وداخل أهل مازونة فانتقضوا على السلطان وملكوه أمرهم في شهر ربيع من الماية السابعة‏.‏ثم بيت عمر بن ويغرن بمعسكره من وازمور فقتله واستباح المعسكر‏.‏وبلغ الخبرإلى السلطان فسرح العساكر من بني مرين‏.‏وعقد لعلي بن الحسن بن أبي الطلاق على قومه من بني عسكر ولعلي بن محمد الخيري على قومه من بني ورتاجن وجعل الأمر شورى بينهما وأشرك معهما علياً الحساني من صنائع دولته وأبا بكر بن إبراهيم بن عبد القوي من أعياص بني توجين‏.‏وعقد على مغراوة لمحمد بن عمر بن منديل وأشركه معهم وزحفوا إلى راشد‏.‏ولما أحس بالعساكر لجأ إلى معقل بني بو سعيد فيمن معه من شيعته مغراوة‏.‏وأنزل بمازونة علياً وحمو ابني عمه يحيى بن ثابت واستوصاهم بضبط البلد وأنه مشرف عليهم من الجبل‏.‏وجاءت عساكر السلطان إلى بلاد مغراوة فتغلبوا على البسائط وأناخوا بمازونة وضربوا معسكرهم بساحتها وأخذوا بمخنقها واهتبل علي وقومه غرة في معسكر بني مرين فبيتهم سنة إحدى وسبعماية‏.‏وانفض المعسكر وتقبض على علي بن محمد الخيري ثم امتنعوا عليه وعاد المعسكر إلى مكانه من حصارهم‏.‏وجهدهم حالهم فنزل إليهم حمو بن يحيى على حكم السلطان‏.‏وأنفذوه إليه فتقبض عليه‏.‏ثم نزل علي ثانية من غير عهد فأشخصوه إلى السلطان ولقاه مبرة وتكريماً تأنيسا لراشد المنتزي بمعقله‏.‏واقتحمت مازونة على أهلها عنوة سنة ثلاث فمات منهم عالم واحتملت رؤوسهم إلى سدة السلطان فرميت في حفائر البلد المحصور إرهاباً لهم وتخذيلاً‏.‏ولما عقد السلطان لأخيه أبي يحيى على بلاد الشرق وسرحه لتدويخ التخوم نازل راشداً بمعقله من بني بوسعيد‏.‏فبيت راشد معسكرهم إحدى لياليه فانفضوا وقتل طائفة من بني مرين‏.‏ووجد لها السلطان فأمر بقتل علي وحمو ابني عمه يحيى ومن كان معتقلا معهما من قومهم‏.‏رفعوهم على الجذوع وأثبتوهم بالسهام‏.‏ونزل راشد بعدها عن معقله ولحق بمتيجة وانحاش إليه عمه منيف بن ثابت وأوشاب من مغراوة‏.‏وتحيز الآخرون إلى أميرهم محمد بن عمر بن منديل الذي عقد له السلطان عليهم‏.‏ثم تأشبت على راشد ومنيف خوارج الثعالبة ومليكش وصمد إليهم الأمير أبو يحيى في عساكره ثانية ونازلهم بمعاقلهم ورغبوا في السلم فبذله السلطان لهم‏.‏وأجاز منيف بن ثابت إلى الأندلس فيمن إليه من بنيه وعشيره فاستقروا بها آخر الأيام‏.‏ولحق راشد ببلاد الموحدين‏.‏ووفد محمد بن عمر بن منديل سنة خمس على السلطان فأوسعه حباً وتكريماً‏.‏وتمهدت بلاد مغراوة واستبد بملكها السلطان وصرف إليها العمال ولم يزل كذلك إلى أن هلك سنة ست‏.‏والله تعالى أعلم‏.‏

الخبر عن افتتاح بلاد بني توجين وما تخلل ذلك

لما نازل يوسف بن يعقوب تلمسان وأحاط بها وتغلب على بلاد بني عبد الواد سما إلى تملك بلاد بني توجين‏.‏وكان عثمان بن يغمراسن قد غلبهم على مواطنهم وملك جبل وانشريش وتصرف في بلاد عبد القوي بالولاية والعزل وأخذ الأتاوة سنة إحدى وسبعماية‏.‏وأوعز إليه السلطان ببناء البطحاء التي هدمها محمد بن عبد القوي فبناها وتوغل في قاصية الشرق ثم انكفأ راجعاً إلى حضرة أخيه وعطف على بلاد بني توجين سنة اثنتين وفر بنو عبد القوي إلى ضواحيهم بالقفر ودخل جبل وانشريش وهدم حصونهم به ورجع إلى الحضرة‏.‏ثم بادره أهل تافركنيت سنة ثلاث بإتيان الطاعة ونقضوا بعدها‏.‏ثم بعث أهل المدية بطاعتهم للسلطان فتقبلها وأوعز ببناء قصبتها‏.‏وراجع بنو عبد القوي بعد ذلك بصائرهم في طاعة السلطان ووفدوا عليه بمكانه من المنصورة مدينته المحيطة على تلمسان سنة ثلاث فتقبل طاعتهم وراعى سابقتهم وأعادهم إلى بلادهم وأقطعهم وولى عليهم علي بن الناصر بن عبد القوي‏.‏وأوعز ببناء قصبة المدية سنة أربع وكملت سنة خمس‏.‏وهلك علي بن الناصر خلال ذلك فعقد عليهم لمحمد بن عطية الأصم كما ذكرناه قاستمر على الطاعة‏.‏ثم انتقض سنة ست وحمل قومه على الخلاف وانتبذوا عن الوطن إلى أن هلك يوسف بن يعقوب كما ذكرناه والله تعالى أعلم‏.‏

الخبر عن مراسلة الموحدين ملوك إفريقية بتونس وبجاية وأحواله معهم

كان لبني أبي حفص ملوك إفريقية مع زناتة هؤلاء أهل المغرب من بني مرين وبني عبد الواد سوابق مذكورة فكانت لهم على يغمراسن وبنيه طاعة معروفة يودون بيعتها ويخطبون على منابرهم بدعوتها مذ تغلب الأمير أبي زكرياء يحيى بن عبد الواحد على تلمسان وعقد عليها ليغمراسن واستمر حالهم على ذلك‏.‏وكانت لهم أيضاً مع بني مرين ولاية سابقة بما كان بنو مرين مذ أول أمرهم يخاطبون الأمير أبا زكرياء ويبعثون له ببيعة البلاد التي تغلبوا عليها مثل مكناسة والقصر ومراكش آخرا‏.‏ثم صارت خالصة من لدن عهد المستنصر ويعقوب بن عبد الحق‏.‏وكانوا يتحفونهم بالمال والهدايا في سبيل المدد على صاحب مراكش وقد ذكرنا السفارة التي وقعت بينهما سنة خمس وستين وإن يعقوب أوفد عامر بن إدريس وعبد الله بن كندوز ومحمد الكناني وأوفد عليه المستنصر سنة سبع بعدها كبير الموحدين يحيى بن صالح الهنتاتي في وفد من مشيخة الموحدين ومعهم هدية سنية‏.‏ثم أوفد الواثق ابنه سنة سبع وسبعين قاضي بجاية المذكور أبا العباس أحمد الغماري وأسنى الهدية معه‏.‏ولم يزل الشأن بينهم هذا إلى أن افترق أمر آل أبي حفص‏.‏وصار الأمير أبو زكرياء ابن الأمير أبي إسحاق بن يحيى بن عبد الواحد من عشه بتلمسان في وكر عثمان بن يغمراسن‏.‏وأسف إلى بجاية فاستولى عليها سنة ثلاث وثمانين‏.‏واستضاف إليها قسنطينة وبونة وصيرها عملاً لملكه ونصب بها كرسياً لأمره‏.‏وأسف عثمان بن يغمراسن لفراره من بلده لما كان عليه من التمسك بدعوة عمه أبي حفص صاحب تونس فشق ذلك عليه ونكره واستمرت الحال على ذلك‏.‏ولما أخذ السلطان يوسف بن يعقوب بمخنق تلمسان وأوسع قواعد ملكه بساحتها وسرح عساكره لالتهام الأمصار والجهات توجس الموحدون الخيفة منه على أوطانهم‏.‏وكان الأمير أبو زكرياء في جهات تدلس محامياً عن حوزته وعمله‏.‏ووصله هنالك راشد بن محمد نازعاً عن السلطان أبي يعقوب‏.‏ثم طلعت العساكر على تلك الجهات في أتباعه فزحف إليه عسكر الموحدين سنة تسع وتسعين بناحية جبل الزاب ففضوا جمعه‏.‏وأوقعوا به واستلحموا جنوده واستبحر القتل فيهم وبقيت ورجع الأمير أبو زكرياء إلى بجاية فانحصر بها‏.‏وهلك تفيئة ذلك على رأس الماية السابعة‏.‏وقارن ذلك مغاضبة بينه وبين أمير الدواودة لعهده ضمان بن سباع بن يحيى بن دريد بن مسعود البلط فوفد على السلطان أخريات إحدى وسبعماية‏.‏ورغبه في ملك بجاية واستغذه للسير إليها فأوعز إلى أخيه الأمير أبي يحيى بمكانه من منازلة مغراوة ومليكش والثعالبة بأن ينهض إلى عمل الموحدين‏.‏وسار عثمان بن سباع وقومه بين يدي العساكر يتقصون الطريق إلى أن تجاوز الأمير أبو يحيى بعساكره بجاية‏.‏واحتل بتاكرارت من أوطان سدويكش من أعمال بجاية‏.‏وأطل على بلاد سدوبكش وانكفأ راجعاً فأوطأ عساكره بساحة بجاية وبها الأمير خالد بن يحيى‏.‏وناشبهم القتال ببعض أيام جلا فيها أولياء السلطان أبي البقاء عن أنفسهم وسلطانهم‏.‏وأمر بروض السلطان المسمى بالبديع فخربه وكان من أنيق الرياض وأحفلها‏.‏وقفل إلى مكانه من تدويخ البلاد‏.‏وأعرض عن أعمال الموحدين‏.‏وكان صاحب تونس لذلك العهد محمد المستنصر الملقب بأبي عصيدة بن يحيى الواثق فأوفد على السلطان شيخ الموحدين بدولته محمد بن أكمازير في أسباب الولاية ومحكماً مذاهب الوصلة ومقرراً سوابق السلف فوفد في مشيخة من قومه لشعبان سنة ثلاث‏.‏وناغاه الأمير أبو البقاء خالد صاحب بجاية فأوفد مشيغة من أهل دولته كذلك‏.‏وبر السلطان وفادتهم وأحسن منقلبهم‏.‏ثم عاد ابن أكمازير سنة أربع وسبعماية ومعه شيخ الموحدين وصاحب السلطان أبو عبد الله بن يرزيكن في وفد من عظماء الموحدين‏.‏وأوفد صاحب بجاية حاجبه أبا محمد الرخامي وشيخ الموحدين بدولته عياد بن سعيد بن عثيمن‏.‏ووفدوا جميعاً على السلطان ثالث جمادى فأحسن السلطان في تكرمتهم ما شاء وأوصلهم إلى نفسه بمساكن داره وأراهم أبهة ملكه وأطافهم قصوره ورياضه بعد أن فرشت ونمقت فملأ قلوبهم جلالا وعظمة‏.‏ثم بعثهم إلى المغرب ليطوفوا على قصور الملك بفاس ومراكش وشاهدوا آثار سلفهم وأوعز إلى عمال المغرب بالاستبلاع في تكرمتهم وإتحافهم‏.‏فانتهوا من ذلك إلى الغاية وانقلبوا إلى حضرته آخر جمادى وانصرفوا إلى ملوكهم بالحديث عن شأن رسالتهم وكرامة وفدهم‏.‏ثم أعاد ملوكهم مراسلة السلطان سنة خمس بعدها فوفد أبو عبد الله بن أكمازير من تونس وعياد بن سعيد بن عثيمن من بجاية‏.‏وأوفد السلطان على صاحب تونس مع رسوله صاحب الفتيا بحضرته الفقيه أبا الحسن التنسي وعلي بن يحيى البرشكي رسولين يسألانه المدد بأسطوله فقضوا رسالتهم سنة خمس ووصل بخبرها أبو عبد الله المزعوري من مشيخة الموحدين‏.‏واقترن بذلك وصول حسون بن محمد بن حسون المكناسي من صنائع السلطان‏.‏كان أوفده مع ابن عثيمن على مراسلة الأمير أبي البقاء خالد صاحب بجاية في صلب الأسطول أيضاً فرجعوه بالمعاذير‏.‏وأوفدوا معه عبد الحق بن سليمان فتلقاهم السلطان بالمبرة‏.‏وأوعز إلى عامره بوهران أن يستبلغ في تكريم عمرة الأسطول فجرى في ذلك على مذهبه‏.‏وانقلبوا جميعاً أحسن منقلب‏.‏ وغني السلطان عن أسطولهم لفوات وقت الحاجة إليه من منازلة بلاد السواحل إذ كان قد تملكها أيام مماطلتهم بيعته‏.‏واتصل الخبر بصاحب تلمسان الأمير أبي زيان بن عثمان المبايع أيام الحصار عند مهلك أبيه عثمان بن يغمراسن آخر سنة ثلاث فبلغه صنع الموحدين في موالاتهم عدوهم السلطان يوسف بن يعقوب ومظاهرته بأساطيلهم عليه فأسفه ذلك وأخرس منابرهم عما كانت تنطق به من الدعاء من عهد يغمراسن فلم يراجع دعوتهم من بعد‏.‏ وهلك السلطان على تفيئة ذلك‏.‏ والبقاء لله وحده‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-07-2011, 05:39 PM
الخبر عن مراسلة المشرق الأقصى ومهاداتهم

ووفادة أمراء الترك على السلطان وما تخلل لما استولى السلطان على المغرب الأوسط بممالكه وأعماله وهنأته ملوك الأقطار وأعراب الضواحي والقفار وصلحت السابلة ومشت الرفاق إلى الآفاق استجد أهل المغرب عزماً في قضاء فرضهم‏.‏ ورغبوا من السلطان إذنه لركب الحاج في السفن إلى مكة فقد كان عهدهم بعد بمثلها لفساد السابلة واستهجان الدول‏.‏فسما للسلطان في ذلك أمل ودخله بحرم الله وروضة نبيه الشوق فأمر بانتساخ مصحف رائق الصنعة كتبه ونمقه أحمد بن حسن الكاتب المحسن‏.‏واستوسع في جرمه وجعل غشاءه من بديع الصنعة واستكثر فيه من مغالق الذهب المنظم بخرزات الدر والياقوت‏.‏ وجعلت منها حصاة وسط المغلق تفوت الحصيات مقداراً وشكلاً وحسناً‏.‏واستكثر من الأصونة عليه ووقفه على الحرم الشريف وبعث به مع الحاج سنة ثلاث‏.‏وعنى بشأن هذا الركب فسرح معهم حامية من زناتة تناهز خمس ماية من الأبطال‏.‏وقلد القضاء عليهم محمد بن زغبوش من أعلام أهل المغرب وخاطب صاحب الديار المصرية واستوصاه بحاج المغرب من أهل مملكته وأتحفه بهدية من طرف بلاد المغرب فاستكثر فيها من الخيل العراب والمطايا الفارهة يقال إن المطايا كانت منها أربعماية‏.‏حدثني بذلك من لقيته إلى ما يناسب ذلك من طرف المغرب وماعونه‏.‏ونهج السبيل بها للحجاج من أهل المغرب فأجمعوا الحج سنة أربع بعدها‏.‏وعقد السلطان على دلالتهم لأبي زيد الغفائري وفصلوا من تلمسان لشهر ربيع الأول‏.‏وفي شهر ربيع الآخر بعده كان مقدم الحاج الأولين حملة المصحف ووفد معهم السلطان الشريف لبيدة بن أبي نمي نازعاً عن سلطان الترك لما كان تقبض على أخويه خميصة ورميتة إثر مهلك أبيهم أبي نمي صاحب مكة سنة إحدى وسبعماية فاستبلغ السلطان في تكريمه وسرحه إلى المغرب ليجول في أقطاره ويطوف على معالم المملكة وقصوره‏.‏وأوعز إلى العمال بتكريمه وإتحافه كل على شاكلته‏.‏ورجع إلى حضرة السلطان سنة خمس وفصل منها إلى المشرق وصحبه من أعلام المغرب أبو عبد الله فوزي حاجاً‏.‏ولشعبان من سنة خمس وصل أبو زيد الغفائري دليل ركب الحاج الآخرين ومعه بيعة الشرفاء أهل مكة للسلطان لما أسفهم صاحب مصر بالتقبض على إخوانهم‏.‏وكان شأنهم ذلك حتى غاضبهم السلطان‏.‏فقد سبق في أخبار المستنصر بن أبي حفص مثلها وأهدى السلطان ثوباً من كسوة البيت شغف به واتخذ منه ثوبا للباسه جمع والأعياد يستبطنه بين ثيابه تبركاً به‏.‏ولما وصلت هدية السلطان إلى صاحب مصر لعهده الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحي حسن موقعها لديه وذهب إلى المكافأة من طرف بلاده من الثياب والحيوان ما يستغرب جنسه وشكله من نوع الفيل والزرافة‏.‏وأوفد بها من عظماء دولته الأمير التليلي وفصل من القاهرة أخريات سنة خمس ووصلت إلى تونس في ربيع من سنة ست بعدها‏.‏ثم كان وصولها إلى سدة السلطان بالمنصورة من البلد الجديد في جمادى الآخرة واهتز السلطان لقدومها واستركب الناس للقائها‏.‏واحتفل للقاء هذا الأمير التليلي ومن معه من أمراء الترك وبر وفادتهم واستبلغ‏.‏في تكريمهم نزلا وقرى وبعثهم إلى المغرب على العادة في مبرة أمثالهم‏.‏وهلك السلطان خلال ذلك وتقبل أبو ثابت سنته من بعده في تكريمهم فأحسن منقلبهم وملأ حقائبهم صلة وبراً‏.‏ وفصلوا من المغرب لذي الحجة سنة سبع‏.‏ولما انتهوا إلى بلاد بني حسن في ربيع من سنة ثمان اعترضهم الأعراب بالقفر فأنهبوهم‏.‏وخلصوا إلى مصر بجريعة الذقن فلم يعاودوا بعدها إلى المغرب سفرا ولا لفتوا إليه وجها‏.‏وطال ما أوفد عليهم ملوك المغرب بعدها من رجال دولتهم من يؤبه به يهادونهم ويكافئون ولا يزيدون في ذلك كله على الخطاب شيئاً‏.‏وكان الناس لعهدهم ذلك يتهمون أن الذين نهبوهم أعراب حصين بدسيسة من صاحب تلمسان أبي حمو لعهدهم منافسة لصاحب المغرب لما بينهم من العداوات والإحن القديمة‏.‏أخبرني شيخنا محمد بن إبراهيم الآبلي قال حضرت بين يدي السلطان وقد وصله بعد الحاج من أهل بلده مستصحباً كتاب الملك الناصر بالعتاب على شأن هؤلاء الأمراء وما أصابهم في طريقهم من بلاده وأهدى له مع ذلك كوزين بدهن البلسان المختص ببلادهم وخمسة مماليك من الترك رماة بخمسة أقواس من قسي الغز المؤنقة الصنعة من العرى والعقب فاستقل السلطان هديته تلك بنسبة ما أهدوا إلى ملك المغرب‏.‏ثم استدعى القاضي محمد بن هدية وكان يكتب عنه فقال له الآن اكتب إلى الملك الناصر ما أقول لك ولا تحرف كلمة عن موضعها إلا ما تقتضيه صناعة الأعراب وقل له أما عتابك على شأن الرسل وما أصابهم في طريقهم فقد حضروا عندي وأبنت لهم الاستعجال حذراً مما أصابهم وأريتهم مخاوف بلادنا وما فيها من غوائل الأعراب فكان جوابهم إنا جئنا من عند ملك المغرب فكيف نخاف مغترين بشأنهم يحسبون أن أمره نافذ في أعراب قبائلنا وأما الهدية فردت عليك أما دهن البلسان فنحن قوم بادية لا نعرف إلا الزيت وحسبنا به دهناً‏.‏وأما المماليك الرماة قد افتتحنا بهم إشبيلية وصرفناهم إليك لتفتح بهم بغداد والسلام‏.‏قال لي شيخنا وكان الناس إذ ذاك لا يشكون أن انتهابهم كان بإذن منه وكان هذا الكتاب دليلاً على ما في نفسه‏.‏وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون‏.‏

الخبر عن انتقاض ابن الأحمر واستيلاء الرئيس أبي سعيد على سبتة

وخروج عثمان بن أبي العلاء في غمارة لما أحكم السلطان عقد المهادنة والولاية مع السلطان ابن الأحمر المعروف الفقيه عند إجازته إليه بطنجة سنة اثنتين وتسعين كما ذكرناه وفرغ لعدوه تمسك ابن الأحمر بولايته تلك إلى أن هلك سنة إحدى وسبعماية في شهر شعبان منه‏.‏وقام بأمر الأندلس من بعده ابنه محمد المعروف بالمخلوع‏.‏واستبد عليه كاتبه أبو عبد الله بن الحكيم من مشيخة رندة كان اصطفاه لكتابته أيام أبيه فاضطلع بأموره وغلب عليه‏.‏وكان هذا السلطان المخلوع ضرير البصر ويقال إنه ابن الحكيم فغلب عليه واستبد إلى أن قتلهما أخوه أبو الجيوش نصر سنة ثمان كما نذكره‏.‏وكان من أول آرائه عند استيلائه على الأمر من بعد أبيه المادرة إلى إحكام ولاية السلطان واتصال يده بيده أوفد عليه لحين ولايته وزير أبيه أبا السلطان عزيز الداني ووزيره الكاتب أبا عبد الله من الحكيم فوفدوا على السلطان بمعسكره من حصار تلمسان وتلقيا بالقبول والمبرة‏.‏وجددت له أحكام الود والولاية وانقلبا إلى مرسلهما خير منقلب‏.‏وتقدم السلطان إليهم في المدد برجل الأندلس وناشبتهم المعودين منازلة الحصون والمناغرة بالربط فبادروا إلى إسعافه وبعثوا حصتهم لحين مرجعهم إلى سلطانهم فوصلت سنة اثنتين وسبعماية‏.‏ وكانت لها نكاية في العدو وأثر في البلد المحروب‏.‏ثم بدا لمحمد بن الأحمر المخلوع في ولاية السلطان بمنافسات جرت إلى ذلك‏.‏وبعث إلى ابن أدفونش هراندة بن شانجة احكم له عقد السلم ولاطفه في الولاية فانعقد ذلك بينهما سنة ثلاث‏.‏واتصل خبره بالسلطان فسخطه‏.‏ورجع إليهم حصتهم آخر سنة ثلاث لسنة من مقدمهم بعد أن أبلو وأثخنوا وطوى لهم على النث واعتمل ابن الأحمر وشيعته في الاستعداد لمدافعة لسلطان والإرصاد لسطوه بهم‏.‏وأوعز إلى صاحب مالقة عمه الرئيس أبي سعيد فرج بن إساعيل بن محمد بن نصر وليه من دون القرابة بما كان له الصهر على أخته والمضطلع بثغر الغربية فأوعز إليه بمداخلة أهل سبتة في خلع طاعة السلطان والقبض على بني العزفي والرجوع إلى ولاية ابن الأحمر‏.‏وكان أهل سبتة منذ هلك إبراهيم لفقيه أبو القاسم العزفي سنة سبع وسبعين قام بأمرهم ولده أبو حاتم‏.‏وكان أخوه أبو طالب رديفاً له في الأمر إلا أنه استبد عليه بصاغيته إلى الرياسة وإيثار أبي حاتم للخمول مع إيجابه حق أخيه الأكبر وإجابته الداعي متى روفع إليه فاستقام أمرهما مدة‏.‏وكان من سياستهما من أول أمرهما الأخذ بدعوة السلطان فيما لنظرهما والعمل بطاعته والتجافي عن السكنى بقصور الملك والتخرج عن أبهة السلطان لمكانهم فأنزلوا بالقصبة عبد الله بن مخلص قائداً من البيوتات اصطنعوه وجعلوا له أحكام البلد وضبط الحامية فاضطلع بذلك سنين‏.‏ثم أسفه يحيى بن أبي طالب ببعض النزعات الرياسية وحجر عليه الأحكام في ذويه‏.‏ثم أغزى به أباه وطالبه بحساب الخراج لعطاء الحامية‏.‏وغفلوا عما وراءها من التظنن فيه والريب به ثقة بمكانه واستنامة إليه‏.‏وهم مع ذلك على أولهم في موالاة السلطان والأخذ بدعوته والوفود عليه في أوقاته‏.‏ولما فسدت ولاية ابن الأحمر للسلطان وعقد على محاولة سبتة وجد السبيل إلى ذلك بما طوى صاحب الأحكام بالقصبة على النث فداخله الرئيس أبو سعيد صاحب الثغر بمالقة جارة سبتة ووعده الغدر ببني العزفي وأن يصبحهم بأساطيله فشرع الرئيس أبو سعيد في إنشاء الأساطيل البحرية واستنفار الناس للمناغرة‏.‏وإن العدو له ولمالقة بمرصد وشحنها بالفرسان والرجل والناشبة والأقوات وأخفى وجه قصده عن الناس حتى أقلعت أساطيله وبيت سبتة لسبع وعشرين من شوال سنة خمس‏.‏وأرسى بساحتها لموعد صاحب القصبة فأدخله إلى حصنه فملكه ونشر رايته بأسوارها‏.‏وسرب جيوشه إلى البلد فتسايلوا‏.‏وركب إلى ثور بني العزفي فتقبض عليهم وعلى ولدهم وحاشيتهم‏.‏وطير الخبر إلى السلطان بغرناطة فوصل الوزير أبو عبد الله بن الحكيم ونادى في الناس بالأمان وبسط المعدلة‏.‏وأركب بني العزفي في السفن إلى مالقة‏.‏ثم أجازوا إلى غرناطة وقدموا على ابن الأحمر فأجل قدومهم وأركب الناس إلى لقائهم‏.‏وجلس له جلوساً فخماً حتى أدوا بيعتهم وقضوا وفادتهم وأنزلوا بالقصور وأجريت عليهم سنيات الأرزاق‏.‏واستقروا بالأندلس إلى أن صاروا إلى المغرب بعد كما نذكر‏.‏واستبد الرئيس أبو سعيد بأمر سبتة وثقف أطرافها وسد ثغورها وأقام دعوة ابن عمه صاحب الأندلس بأنحائها‏.‏وكان عثمان بن أبي العلاء بن عبد الحق من أعياض الملك المريني أجاز معه البحر إليها أميراً على الغزاة الذين كانوا بمالقة وقائداً لعصبتهم تحت لوائه فموه بنصبه للملك بالمغرب‏.‏وخاطب قبائل غمارة بذلك فوقفوا بين الإقدام والإحجام‏.‏واتصل ذلك كله بالسلطان وهو بمعسكره من حصار تلمسان فاستشاط لها غضباً وحمى أنفه بعزه‏.‏واستنفر الصريخ فبعث ابنه الأمير أبا سالم لسد تلك الفرجة‏.‏وجمع إليه العساكر وتقدم إليه بإحشاد قبائل الريف وبلاد تازى فأغذ السير إليها‏.‏وأحاطت عساكره بها فحاصرها مدة‏.‏ثم بيته عثمان بن أبي العلاء فاختل معسكره وأفرج عنها منهزماً فسخطه السلطان وزوى عنه وجه رضاه‏.‏وسار عثمان بن أبي العلاء في نواحي سبتة وبلاد غمارة وتغلب على تيكيساس وانتهى إلى قصر ابن عبد الكريم في آخر سنة ست لسنة من استيلائهم على سبتة مقيماً رسم السلطان منادياً بالدعاء لنفسه فاعتزم السلطان على النهوض إليه عند الفراغ من أمر تلمسان لما كانت على شفا هلكة ومحاينة انفضاض لولا عائق الأقدار بمهلكه كما نذكر إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن انتقاض بني كمي من بني عبد الواد وخروجهم بأرض السوس

كان هؤلاء الرهط من بني عبد الواد ثم من بطون بني علي من شعب أبي القاسم‏.‏وكانوا يرجعون في رياستهم إلى كندوز بن بن كمي‏.‏ولما استقل برياسة أولاد علي زيان بن ثابت بن محمد من أولاد طاع الله نفس عليه كندوز هذا ما أتاه الله من الرياسة وجاذبه حبلها‏.‏ واحتقر زيان شأنه فلم يحفل به‏.‏ ثم ناشب عليه أخلاط من قومهم وواضعهم الحرب‏.‏ وهلك زيان بيد كندوز وقام بأمر أولاد علي جابر بن يوسف بن محمد‏.‏ثم تناقلت الرياسة فيهم إلى أن عادت في ولد ثابت بن محمد واستقل بها أبو عزة زكدان بن زيان ولم تطل أيامه‏.‏والتحم بين أولاد كمي وبين أولاد طاع الله وتناسوا الإحن وصارت رياسة أولاد طاع الله ليغمراسن بن زيان‏.‏واستتبعوا قبائل بني عبد الواد كافة‏.‏ واعتمل يغمراسن في الثأر بأبيه زيان من قاتله كندوز فاغتاله ببيته‏.‏ دعاه لمأدبة جمع لها بني أبيه حتى إذا اطمأن المجلس تعاوروه بأسيافهم واحتزوا رأسه‏.‏وبعثوا به إلى أمهم فنصبت عليه القدر ثالث أثافيها تشفياً منه وحفيظة‏.‏وطالب يغمراسن بقية بني كندوز ففروا أمام مطالبته وأبعدوا المذهب‏.‏ولحقوا بالأمير أبي زكرياء بن عبد الواحد بن أبي حفص فأقاموا بسدته أحوالا‏.‏ وكانوا يرجعون في رياستهم لعبد الله بن كندوز‏.‏ثم تذكروا عهد البداوة وحنوا إلى عشير زناتة فراجعوا المغرب ولحقوا ببني مرين أقتالهم‏.‏ونزل عبد الله بن كندوز على يعقوب بن عبد الحق خير نزل تلقاه من البر والترحيب بما ملأ صدره وأكد اغتباطه‏.‏وأقطعه بناحية مراكش الكفاية له ولقومه وأنزلهم هنالك‏.‏وجعل انتجاع إبله وراحلته لحسان بن أبي سعيد الصبيحي وأخيه موسى من ذويهم وحاشيتهم وألطف منزلة عبد الله ورفع مكانه بمجلسه واكتفى به في كثير من أموره‏.‏وأوفده على المستنصر صاحب إفريقية سنة خمس وستين مع عامر ابن أخيه إدريس كما قدمناه‏.‏واستمر بنو كندوز هؤلاء بالغرب الأقصى‏.‏ واستمرت الأيام على ذلك وصاروا من جملة قبائل بني مرين وفي عدادهم‏.‏وهلك عبد الله بن كندوز وصارت رياستهم لعمر ابنه من بعلى‏.‏ولما لفت السلطان يوسف بن يعقوب وجه عزائمه إلى النبي عبد الواد ونازل تلمسان وطاول حصارها واستطال بنو مرين وذووهم على بني عبد الواد وأحسوا بها أخذتهم العزة بالإثم وأدركتهم النغرة فأجمع بنو كندوز هؤلاء الخلاف والخروج على السلطان‏.‏ولحقوا بحاحة سنة ثلاث وسبعماية‏.‏ واحتفل الأمير بمراكش يعيش بن يعقوب لغزوهم سنة أربع وسبعماية فناجزوه الحرب بتادرت واستمروا على خلافهم‏.‏ثم قاتلهم يعيش وعساكره ثانية بتامطريت سنة أربع فهزمهم الهزيمة الكبرى التي قصت جناحهم وأوهنت بأسهم‏.‏وقتل جماعة من بني عبد الواد بأرعارن بامكا وأثخن يعيش بن يعقوب في بلاد السوس وهدم تارودنت قاعدة أرضها وأم قراها‏.‏كان بها عبد الرحمن بن الحسن بن يدر من بقية الأمراء على السوس من قبل بني عبد المؤمن وقد مر ذكرهم‏.‏ وكانت بينه وبين عرب المعقل من الشبانات وبني حسان منذ انقرضت دولة الموحدين حروب سجال هلك في بعضها عمه علي بن يدر سنة ثمان وستين‏.‏وصارت أمارته بعد حين إلى عبد الرحمن هذا‏.‏ولم يزالوا في حربه إلى أن تملك السوس يعيش بن يعقوب وهدم تارودانت‏.‏ثم راجع عبد الرحمن أمره وبنى بلده تارودانت هذه سنة ست بعدها‏.‏وتزعم بنويدر هؤلاء أنهم مستقرون بذلك القطر من لدن عهد الطوالع من العرب وأنهم لم يزالوا أمراء بها يعقد لهم ولاية كابر عن كابر‏.‏ولقد أدركت بفاس على عهد السلطان أبي عنان وأخيه أبي سالم من بعده شيخاً كبيراً من ولد عبد الرحمن هذا فحدثني بمثل ذلك‏.‏ وأنهم ولد أبي بكر الصديق‏.‏والله أعلم‏.‏ولم يزل بنو كندوز مشردين بصحراء السوس إلى أن هلك السلطان وراجعوا طاعة الملوك من بني مرين من بعده وعفوا لهم عما سلف من هذه الجريرة وأعادوهم إلى مكانهم من الولاية فأمحضوا النصيحة والمخالصة إلى هذا العهد كما نذكر إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن مهلك المشيخة المصامدة بتلبيس أبي الملياني

قد ذكرنا شأن أبي علي الملياني وأوليته في أخبار مغراوة الثانية وما كان من ثورته بمليانة وانتزائه عليها‏.‏ثم إزعاج العساكر إياه منها ولحاقه بيعقوب بن عبد الحق سلطان بني مرين وما أحله من مراتب التكرمة والمبرة‏.‏ وأقطعه بلد أغمات طعمة فاستقر بها‏.‏وما كان منه في العيث بأشلاء الموحدين ونبش أجداثهم وموجدة السلطان والناس عليه لذلك‏.‏وأرصد له المصامدة الغوائل لما كان منه في ذلك‏.‏ولما هلك يعقوب بن عبد الحق استعمله يوسف بن يعقوب على جباية المصامدة فلم يضطلع به‏.‏ وسعى به مشيختهم عند السلطان أنه احتجن المال لنفسه وحاسبوه فصدقوا السعاية فاعتقله السلطان فأقصاه‏.‏وهلك سنة ست وثمانين واصطنع السلطان أحمد ابن أخيه واستمعله في كتابته وأقام على ذلك ببابه وفي جملته‏.‏وكان السلطان سخطه على مشيخة المصامدة علي بن محمد كبير هنتاتة وعبد الكريم بن عيسى كبير كدميوة وأوعز إلى ابنه علي الأمير بمراكش باعتقالهما فيمن لهما من الولد والحاشية‏.‏وأحس بذلك أحمد بن الملياني فاستعجل الثأر‏.‏وكانت العلامة السلطانية على الكتاب في الدولة لم تختص بكاتب واحد بل كل منهم يضع العلامة بخطه على كتابه إذا أكمله لما كانوا كلهم ثقة أمناء وكانوا عند السلطان كأسنان المشط فكتب أحمد بن الملياني إلى ابن السلطان الأمير بمراكش سنة سبع وتسعين كتاباً عن أمر أبيه يأمره فيه بقتل مشيخة المصامدة ولا يمهلهم طرفة عين‏.‏ووضع عليه العلامة التي تنفذ بها الأوامر وختم الكتاب وبعث به مع البريد ونجا بنفسه إلى البلد الجديد وعجب الناس من شأنه‏.‏بما وصل الكتاب إلى ابن السلطان أخرج أولئك الرهط المعتقلين من المصامدة إلى مصارعهم وقتل علي بن محمد وعبد الكريم بن عيشي وولده عيسى وعلي ومنصور أبن أخيه عبد العزيز‏.‏وطير الأمير وزيره إلى أبيه بالخبر فقتله لحينه حنقا عليه وأنفذ بريد باعتقال ابنه‏.‏وحرد على ابن الملياني فافتقد ولحق بتلمسان ونزل على آل زيان ثم لحق بعدها بالأندلس عند إفراج السلطان عنها في تلك السنة كما ذكرناه وبها هلك‏.‏واقتصر السلطان من يومئد في صنع علامته على من يختاره لها من صنائعه ويثق بأمانته‏.‏وجعلها لذلك العهد لعبد الله بن أبي مدين خالصته المضطلع بأمور مملكته فاختصت من بعده لهذا العهد‏.‏والله تعالى أعلم‏.‏

الخبر عن رياسة اليهود بني رقاصة ومقتلهم

كان السلطان يوسف بن يعقوب في صباه مؤثراً للذاته مستتراً بها عن أبيه يعقوب بن عبد الحق لمكانه من الدين والوقار‏.‏وكان يشرب الخمر ويعاقر بها الندمان‏.‏وكان خليفة بن رقاصة من اليهود المعاهدين بفاس قهرماناً لداره على عادة الأمراء في مثله من المعاهدين بكان يزدلف إليه بوجوه الخدم ومذاهبها فاستعمله هذا الأمير في اعتصارها والقيام على شؤونها فكانت له بذلك خلوة منه أوجبت له الحظ عنده‏.‏ حتى إذا هلك يعقوب بن عبد الحق واستقل ابنه يوسف بأعباء ملكه واتصلت خلواته في معاقرة الندمان انفرد ابن رقاصة بخلوته لذلك مع ما كان له من القهرمة فعظمت رياسته وعلا كعبه في الدولة‏.‏وتلقى الخاصة الأوامر منه فصارت له الوجاهة بينهم وعظم قدره بعظم الدولة‏.‏أخبرنا شيخنا الآبلي أنه كان لخليفة هذا أخ يسمى إبراهيم وابن عم يسمى خليفة لقبوه بالصغير لمكانه هو من هذا الاسم‏.‏وكان له صهر يعرفون ببني السبتي كبيرهم موسى وكان رديفه في قهرمته‏.‏فلم يفق السلطان من نشوة صباه وملهاه حتى وجدهم على حال استتبعوا فيها العلية من القبيل والوزراء والشرفاء والعلماء فأهمه ذلك وترصد بهم‏.‏وتفطن لمذهبه فيهما خالصته عبد الله بن أبي مدين فسعى عنده فيهم‏.‏وأوجده السبيل عليهم فسطا بهم سطوة واحدة‏.‏واعتقلوا في شعبان من سنة إحدى وسبعماية بمعسكره من حصار تلمسان‏.‏وقتل خليفة الكبير وأخوه إبراهيم وموسى بن السبتي وإخوته بعد أن امتحنوا ومثل بهم وأتت النكبة على حاشيتهم وذويهم وأقاربهم فلم يبق منهم باقية‏.‏واستبقى منهم خليفة الصغير احتقارا لشأنه حتى كان من قتله بعدما نذكر وعبث بسائرهم وطهرت الدولة من رجسهم وأزيلت عنها معرة رياستهم‏.‏ والأمور بيد الله سبحانه‏.‏

الخبر عن مهلك السلطان أبي يعقوب

كان في جملة السلطان وحاشيته مولى من العبدي الخصيان من موالي ابن الملياني يسمى سعادة صار إلى السلطان من لدن استعماله إياه بمراكش وكان على ثبج من الجهل والغباوة‏.‏وكان السلطان يخلط الخصيان بأهله ويكشف لهم الحجاب عن ذوات محارمه ولما كانت واقعة العز مولاه واتهم بمداخلة بعض الحرم وقتل بالظنة واستراب السلطان بكثير من حاشيته الملابسين لداره اعتقل جملة من الخصيان كان فيهم عنبر الكبير عريفهم‏.‏وحجب سائرهم فارتاعوا لذلك وسولت لهذا الخصي الخبيث نفسه الشيطانية الفتك بالسلطان فعمد إليه وهو ببعض الحجر من قصره وآذنه فأذن له فألفاه مستلقياً على فراشه مختضباً بالحناء فوثب عليه فطعنه طعنات قطع بها أمعاءه وخرج هارباً‏.‏وانطلق الأولياء في أثره فأدرك من العشي بناحية تاسالة فتقبض عليه وسيق إلى القصر فقتله العبيد والحاشية‏.‏وصابر السلطان مثبته إلى آخر النهار ثم قضى رحمه الله يوم الأربعاء سابع ذي القعدة من سنة ست وقبل هنالك‏.‏ ثم نقل بعد ما سكنت الهيعة إلى مقبرتهم بشالة فدفن بها مع سلفه‏.‏والبقاء لله وحده‏.‏ولاية السلطان أبي ثابت

الخبر عن ولاية السلطان أبي ثابت واستلحامه المرشحين

وما تخلل ذلك من الأحداث كان الأمير أبو عامر ابن السلطان أبي يعقوب وولي عهده لما هلك طريداً ببلاد بني سعيد من غمارة والريف سنة ثمان وتسعين كما ذكرناه خلف ولديه عامراً وسليمان في كفالة السلطان جدهما فكان لهما بعينه حلاوة وفي قلبه لوطة لمكان حبه لأبيهما واغترابه عنه فحدب عليهما وأنزلهما من نفسه بمكان‏.‏وكان الأمير أبو ثابت عامر منهما صقر قومه إقداماً وشجاعة وجرأة وكانت له في بني ورتاجن خؤولة‏.‏فلحين مهلك السلطان عرضوا له ودعوه للبيعة فبايعوه‏.‏وحصر لها الأمير أبو يحيى بن يعقوب عم أبيه عثر بمجمعهم اتفاقاً وحملوه على الطاعة‏.‏وكان أقرب للأمر منه لو حضره رجال فأعطى القياد في المساعدة وطوى على النث‏.‏وبادر الحاشية والوزراء بالبلد الجديد عند مهلك السلطان فبايعوا ابنه الأمير أبا سالم‏.‏وكان أمر بني مرين أن يفترق وكلمتهم أن تفسد فبعث الأمير أبو ثابت لحينه إلى تلمسان للأمير أبي زيان وأبي حمو ابني عثمان بن يغمراسن‏.‏وعقد لهما حلفاً على الإفراج عنهما على أن يمداه بالآلة ويرفعا له كسر البيت إن كان غير ما أمل وحضر للعقد أبو حمو فأحكمه ومال أكثر بني مرين وأهل الحل والعقد إلى الأمير أبي ثابت‏.‏ وتفرد ببيعة أبي سالم البطانة والوزراء والحاشية والأجناد ومن إليهم وكان مسكنه بالبلد الجديد وأشاروا عليه بالمناجزة فخرج وقد عبأ كتائبه فوقف وبهت وخام عن اللقاء‏.‏ووعدهم الإقدام بالغداة وكر راجعاً إلى قصره‏.‏فيئسوا منه وتسللوا لواذاً إلى الأمير أبي ثابت وهو بمرقب من الجبل يطل عليهم حتى إذا انحجز أبو سالم بالبلد انحاش إليه الجملة دفعة واحدة‏.‏فلما استوفت العساكر والقبائل لديه زحف إلى البلد الجديد مثوى السلطان وسياج قصوره ومختط عزمه وانتهى إلى ساحتها معتماً‏.‏وخرج إليه الوزير يحلف بن عمران الفودودي فأرجل عن فرسه بأمر أبي يحيى وقتل بين يديه قعصاً بالرماح‏.‏وكان قريب عهد بالوزارة استوزره السلطان قبل مهلكه في شعبان من سنة ست‏.‏وفر أبو سالم إلى جهة المغرب وصحبه من عشيره من أولاد رحو بن عبد الله بن عبد الحق العباسي وعيسى وعلي ابنا رحو وابن أخيهم جمال الدين بن موسى‏.‏وأتبعهم الأمير أبو ثابت شرذمة من عسكره أدركوهم بندرومة فتقبضوا عليهم ونفذوا أمر السلطان بقتل أبي سالم وجمال الدين واستبقى الاخرين‏.‏وأمر بإحراق باب البلد ليفتحها العسكر فأطل عليه قهرمان دارهم عبد الله بن أبي مدين الكاتب وأخبره بفرار أبي سالم وباتفاق الناس على طاعته‏.‏ورغب إليه في المسالمة ليلتهم حتى يفجر الصباح خشية على دارهم من معرة العساكر وهجومها ففعل‏.‏وأمره الأمير أبو يحيى باعتقال أبي الحجاج بن أشقيلولة فاعتقله لقديم من العداوة كانت بينهما ثم أمر بقتله وإنفاذ رأسه فقتل‏.‏وأمر السلطان ليلتئذ بإضرام النيران حتى إذا أضاء الظلام بات راكبا‏.‏ودخل القصر لصبحه فوارى جسد السلطان بعد أن صلى عليه‏.‏وغص بمكان الأمير أبي يحيى لما تعدد فيه الترشيح وفاوض في شأنه كبير القرابة يومئذ عبد الحق بن عثمان ابن الأمير أبي معرف محمد بن عبد الحق ومن حضره من الوزراء مثل إبراهيم بن عبد الجليل الونكاسي وإبراهيم بن عيسى اليرنياني وغيرهما من الخاصة فأشاروا بقتله‏.‏ ونميت عنه كلمات في معنى التربص بالسلطان ودولته وابتغاء العصابة لأمره‏.‏وركب الأمير أبو يحيى إلى القصر ثالث البيعة فأخذ السلطان بيده ودخل معه إلى الحرم لعزائهن عن أخيه السلطان‏.‏ثم خرج على الخاصة‏.‏وتخلف عنه السلطان وقد دس إلى عبد الحق بن عثمان أن يتقبض عليه ففعل‏.‏ثم برز السلطان إليهم وهو موثق فأمر بالإجهاز عليه ولم يمهله وألحق به يومئذ وزيره عيسى بن موسى الفودودي‏.‏وفشا الخبر بمهلك هؤلاء الرهط فرغب منه القرابة ففر يعيش بن يعقوب أخو السلطان وابنه عثمان المعروف بأمه قضيب ومسعود بن أبي مالك والعباس بن رحو بن عبد الله بن عبد الحق‏.‏ ولحقوا جميعاً بعثمان بن أبي العلاء بمكانه من غمارة‏.‏وخلا الجو من المرشحين واستبد السلطان بملك قومه وأمن غوائل المنازعين‏.‏ولما تم له الأمر واستوسق الملك وفى لبني عثمان بن يغمراسن بالإفراج عنهم ونزل لهم عن جميع البلاد التي صارت إلى طاعته من بلاد المغرب الأوسط من أعمالهم وأعمال بني توجين ومغراوة‏.‏ودعاه إلى بدار المغرب ما كان من اختلال عثمان بن أبي العلاء بن عبد الله بن عبد الحق بسبتة ودعائه لنفسه بين يدي مهلك السلطان وخروجه إلى بلاد غمارة واستيلائه على قصر كتامة‏.‏واعتزم على الرحلة إلى المغرب وفوض الأمر في الرحلة بأهل المدينة الجديدة للوزير إبراهيم بن عبد الجليل لما كانت حنيئذ عامرة بالساكن مستبحرة في الاعتمار ممتلئة من الخزائن والآلة فأحسن السياسة في أمرهم وضرب لهم الآجال والمواعد أن استوفوا بالرحلة‏.‏وتركوها قواء خربها بنو عثمان بن يغمراسن عند رحلة بني مرين إلى المغرب وتحينوا لذلك فترات الفتن وطمسوا معالمها طمساً ونسفوها نسفاً‏.‏وقدم السلطان بين يديه من القرابة الحسن بن عامر بن عبد الله أتعجوب في العساكر والجنود وعقد له على حرب ابن أبي العلاء‏.‏وتلوم بالبلد الجديد لموافاة المسالح التي كانت بثغور الشرق لما نزل عنها جميعاً لبني عثمان بن يغمراسن‏.‏ وارتحل غرة ذي القعدة ودخل فاس فاتح سنة سبع وسبعماية‏.‏ والله أعلم‏.‏

الخبرعن انتزاء يوسف في أبي عياد بمراكش وتغلب السلطان عليه

لما فصل السلطان أبو ثابت من معسكرهم بتلمسان إلى الغرب قدم بين يديه من قرابته الحسن بن عامر بن عبد الله أتعجوب ابن السلطان أبي يوسف في العساكر والجنود وعقد له على حرب عثمان بن أبي العلاء كما ذكرنا‏.‏وعقد له على بلاد مراكش ونواحيها لابن عمه الآخر يوسف بن محمد بن أبي عياد بن الحق وعهد له بالنظر في أحوالها فسار إليها واحتل بها‏.‏ثم حدثته نفسه بالانتزاء فقتل الوالي بمراكش واستركب واستلحق واتخذ الآلة وجاهر بالخلعان‏.‏وتقبض على والي البلد فقتله بالسوط في جمادى سنة سبع وسبعماية ودعا لنفسه واتصل الخبر بالسلطان لأول قدومه فسرح إليه وزيره يوسف بن عيسى بن السعود الجشمي ويعقوب بن أصناك في خمسة آلاف من عساكره ودفعهم إلى حربه وخرج في أطرهم بكتائبه‏.‏وبرز يوسف بن أبي عباد وأجاز وادي أم ربيع فانهزم أمام الوزير وعساكره وأتبعه الوزير ففر إلى أغمات‏.‏ ثم فر إلى جبال هسكورة ولحق به موسى بن أبي سعيد الصبيحي من أغمات تدلى من سورها ودخل الوزير يوسف في مراكش‏.‏ثم خرج في أثره ولحقه فكانت بينهما جولة وقتل منهم خلقاً ولحق بهسكورة‏.‏ودخل السلطان أبو ثابت مراكش منتصف رجب من سنة سبع وأمر بقتل أوربة المداخلين كانوا له في انتزائه فاستلحموا‏.‏ولما لحق يوسف بن أبي عباد بجبال هسكورة نزل على مخلوف بن عبو وتذمم بجواره فلم يجره على السلطان‏.‏وتقبض عليه واقتاده إلى مراكش مع ثمانية من أصحابه تولوا كبر ذلك الأمر فقتلوا في مصرع واحد بعد أن مثل بهم بالسياط‏.‏وبعث رأس يوسف إلى فاس فنصب بسورها وأثخن بالقتل فيمن سواهم ممن داخله في الانتزاء فاستحم منهم أمماً بمراكش وأغمات‏.‏وسخط خلال ذلك وزيره إبراهيم بن عبد الجليل فاعتقله واعتقل عشرة من بني دولين من بني ونكاسن وقتل الحسن بن دولين منهم ثم عفا عنهم‏.‏وخرج منتصف شعبان إلى منازلة السكسيوي وتدويخ جهات مراكش فتلقاه السكسيوي بطاعته المعروفة وأسنى الهدية فتقبل طاعته وخدمته‏.‏ثم سرح قائدة يعقوب بن أصناك في اتباع زكنة حتى توغل في بلاد السوس ففروا أمامه إلى الرمال‏.‏ وانقطع أثرهم ورجع إلى معسكر السلطان‏.‏ وانكفأ السلطان بعساكره إلى مراكش فاحتل بها غرة رمضان‏.‏ ثم قفل إلى فاس بعد أن قتل جماعة من شيوخ بني دورا‏.‏وجعل طريقه على بلاد صنهاجة‏.‏وسار في بلاد تامسنا وتلفاه عرب جشم من قبائل الخلط وسفيان وبني جابر والعاصم فاستصحبهم إلى أنفى وتقبض على ستين من أشياخهم فاستحلم منهم عشرين ممن نمي عنهم إفساد السابلة‏.‏ ودخل رباط الفتح أخريات رمضان فقتل هنالك من الأعراب أمة ممن يؤثر عنه الحرابة‏.‏ ثم ارتحل منتصف شوال لغزو رياح أهل أزغار والهبط‏.‏وأثار منهم بالإحن القديمة فأثخن فيهم بالقتل والسبي‏.‏ وقفل إلى فاس فاحتل بها منتصف ذي القعدة‏.‏ وجاءه الخبر بهزيمة عبد الحق بن عثمان واستلحام الروم من عسكره ومهلك عبد الواحد الفودودي من رجالات دولته‏.‏وإن عثمان بن أبي العلاء قد استفحل أمره بجات غمارة فأجمع لغزوه‏.‏والله أعلم‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-07-2011, 05:39 PM
الخبر عن مراسلة المشرق الأقصى ومهاداتهم

ووفادة أمراء الترك على السلطان وما تخلل لما استولى السلطان على المغرب الأوسط بممالكه وأعماله وهنأته ملوك الأقطار وأعراب الضواحي والقفار وصلحت السابلة ومشت الرفاق إلى الآفاق استجد أهل المغرب عزماً في قضاء فرضهم‏.‏ ورغبوا من السلطان إذنه لركب الحاج في السفن إلى مكة فقد كان عهدهم بعد بمثلها لفساد السابلة واستهجان الدول‏.‏فسما للسلطان في ذلك أمل ودخله بحرم الله وروضة نبيه الشوق فأمر بانتساخ مصحف رائق الصنعة كتبه ونمقه أحمد بن حسن الكاتب المحسن‏.‏واستوسع في جرمه وجعل غشاءه من بديع الصنعة واستكثر فيه من مغالق الذهب المنظم بخرزات الدر والياقوت‏.‏ وجعلت منها حصاة وسط المغلق تفوت الحصيات مقداراً وشكلاً وحسناً‏.‏واستكثر من الأصونة عليه ووقفه على الحرم الشريف وبعث به مع الحاج سنة ثلاث‏.‏وعنى بشأن هذا الركب فسرح معهم حامية من زناتة تناهز خمس ماية من الأبطال‏.‏وقلد القضاء عليهم محمد بن زغبوش من أعلام أهل المغرب وخاطب صاحب الديار المصرية واستوصاه بحاج المغرب من أهل مملكته وأتحفه بهدية من طرف بلاد المغرب فاستكثر فيها من الخيل العراب والمطايا الفارهة يقال إن المطايا كانت منها أربعماية‏.‏حدثني بذلك من لقيته إلى ما يناسب ذلك من طرف المغرب وماعونه‏.‏ونهج السبيل بها للحجاج من أهل المغرب فأجمعوا الحج سنة أربع بعدها‏.‏وعقد السلطان على دلالتهم لأبي زيد الغفائري وفصلوا من تلمسان لشهر ربيع الأول‏.‏وفي شهر ربيع الآخر بعده كان مقدم الحاج الأولين حملة المصحف ووفد معهم السلطان الشريف لبيدة بن أبي نمي نازعاً عن سلطان الترك لما كان تقبض على أخويه خميصة ورميتة إثر مهلك أبيهم أبي نمي صاحب مكة سنة إحدى وسبعماية فاستبلغ السلطان في تكريمه وسرحه إلى المغرب ليجول في أقطاره ويطوف على معالم المملكة وقصوره‏.‏وأوعز إلى العمال بتكريمه وإتحافه كل على شاكلته‏.‏ورجع إلى حضرة السلطان سنة خمس وفصل منها إلى المشرق وصحبه من أعلام المغرب أبو عبد الله فوزي حاجاً‏.‏ولشعبان من سنة خمس وصل أبو زيد الغفائري دليل ركب الحاج الآخرين ومعه بيعة الشرفاء أهل مكة للسلطان لما أسفهم صاحب مصر بالتقبض على إخوانهم‏.‏وكان شأنهم ذلك حتى غاضبهم السلطان‏.‏فقد سبق في أخبار المستنصر بن أبي حفص مثلها وأهدى السلطان ثوباً من كسوة البيت شغف به واتخذ منه ثوبا للباسه جمع والأعياد يستبطنه بين ثيابه تبركاً به‏.‏ولما وصلت هدية السلطان إلى صاحب مصر لعهده الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحي حسن موقعها لديه وذهب إلى المكافأة من طرف بلاده من الثياب والحيوان ما يستغرب جنسه وشكله من نوع الفيل والزرافة‏.‏وأوفد بها من عظماء دولته الأمير التليلي وفصل من القاهرة أخريات سنة خمس ووصلت إلى تونس في ربيع من سنة ست بعدها‏.‏ثم كان وصولها إلى سدة السلطان بالمنصورة من البلد الجديد في جمادى الآخرة واهتز السلطان لقدومها واستركب الناس للقائها‏.‏واحتفل للقاء هذا الأمير التليلي ومن معه من أمراء الترك وبر وفادتهم واستبلغ‏.‏في تكريمهم نزلا وقرى وبعثهم إلى المغرب على العادة في مبرة أمثالهم‏.‏وهلك السلطان خلال ذلك وتقبل أبو ثابت سنته من بعده في تكريمهم فأحسن منقلبهم وملأ حقائبهم صلة وبراً‏.‏ وفصلوا من المغرب لذي الحجة سنة سبع‏.‏ولما انتهوا إلى بلاد بني حسن في ربيع من سنة ثمان اعترضهم الأعراب بالقفر فأنهبوهم‏.‏وخلصوا إلى مصر بجريعة الذقن فلم يعاودوا بعدها إلى المغرب سفرا ولا لفتوا إليه وجها‏.‏وطال ما أوفد عليهم ملوك المغرب بعدها من رجال دولتهم من يؤبه به يهادونهم ويكافئون ولا يزيدون في ذلك كله على الخطاب شيئاً‏.‏وكان الناس لعهدهم ذلك يتهمون أن الذين نهبوهم أعراب حصين بدسيسة من صاحب تلمسان أبي حمو لعهدهم منافسة لصاحب المغرب لما بينهم من العداوات والإحن القديمة‏.‏أخبرني شيخنا محمد بن إبراهيم الآبلي قال حضرت بين يدي السلطان وقد وصله بعد الحاج من أهل بلده مستصحباً كتاب الملك الناصر بالعتاب على شأن هؤلاء الأمراء وما أصابهم في طريقهم من بلاده وأهدى له مع ذلك كوزين بدهن البلسان المختص ببلادهم وخمسة مماليك من الترك رماة بخمسة أقواس من قسي الغز المؤنقة الصنعة من العرى والعقب فاستقل السلطان هديته تلك بنسبة ما أهدوا إلى ملك المغرب‏.‏ثم استدعى القاضي محمد بن هدية وكان يكتب عنه فقال له الآن اكتب إلى الملك الناصر ما أقول لك ولا تحرف كلمة عن موضعها إلا ما تقتضيه صناعة الأعراب وقل له أما عتابك على شأن الرسل وما أصابهم في طريقهم فقد حضروا عندي وأبنت لهم الاستعجال حذراً مما أصابهم وأريتهم مخاوف بلادنا وما فيها من غوائل الأعراب فكان جوابهم إنا جئنا من عند ملك المغرب فكيف نخاف مغترين بشأنهم يحسبون أن أمره نافذ في أعراب قبائلنا وأما الهدية فردت عليك أما دهن البلسان فنحن قوم بادية لا نعرف إلا الزيت وحسبنا به دهناً‏.‏وأما المماليك الرماة قد افتتحنا بهم إشبيلية وصرفناهم إليك لتفتح بهم بغداد والسلام‏.‏قال لي شيخنا وكان الناس إذ ذاك لا يشكون أن انتهابهم كان بإذن منه وكان هذا الكتاب دليلاً على ما في نفسه‏.‏وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون‏.‏

الخبر عن انتقاض ابن الأحمر واستيلاء الرئيس أبي سعيد على سبتة

وخروج عثمان بن أبي العلاء في غمارة لما أحكم السلطان عقد المهادنة والولاية مع السلطان ابن الأحمر المعروف الفقيه عند إجازته إليه بطنجة سنة اثنتين وتسعين كما ذكرناه وفرغ لعدوه تمسك ابن الأحمر بولايته تلك إلى أن هلك سنة إحدى وسبعماية في شهر شعبان منه‏.‏وقام بأمر الأندلس من بعده ابنه محمد المعروف بالمخلوع‏.‏واستبد عليه كاتبه أبو عبد الله بن الحكيم من مشيخة رندة كان اصطفاه لكتابته أيام أبيه فاضطلع بأموره وغلب عليه‏.‏وكان هذا السلطان المخلوع ضرير البصر ويقال إنه ابن الحكيم فغلب عليه واستبد إلى أن قتلهما أخوه أبو الجيوش نصر سنة ثمان كما نذكره‏.‏وكان من أول آرائه عند استيلائه على الأمر من بعد أبيه المادرة إلى إحكام ولاية السلطان واتصال يده بيده أوفد عليه لحين ولايته وزير أبيه أبا السلطان عزيز الداني ووزيره الكاتب أبا عبد الله من الحكيم فوفدوا على السلطان بمعسكره من حصار تلمسان وتلقيا بالقبول والمبرة‏.‏وجددت له أحكام الود والولاية وانقلبا إلى مرسلهما خير منقلب‏.‏وتقدم السلطان إليهم في المدد برجل الأندلس وناشبتهم المعودين منازلة الحصون والمناغرة بالربط فبادروا إلى إسعافه وبعثوا حصتهم لحين مرجعهم إلى سلطانهم فوصلت سنة اثنتين وسبعماية‏.‏ وكانت لها نكاية في العدو وأثر في البلد المحروب‏.‏ثم بدا لمحمد بن الأحمر المخلوع في ولاية السلطان بمنافسات جرت إلى ذلك‏.‏وبعث إلى ابن أدفونش هراندة بن شانجة احكم له عقد السلم ولاطفه في الولاية فانعقد ذلك بينهما سنة ثلاث‏.‏واتصل خبره بالسلطان فسخطه‏.‏ورجع إليهم حصتهم آخر سنة ثلاث لسنة من مقدمهم بعد أن أبلو وأثخنوا وطوى لهم على النث واعتمل ابن الأحمر وشيعته في الاستعداد لمدافعة لسلطان والإرصاد لسطوه بهم‏.‏وأوعز إلى صاحب مالقة عمه الرئيس أبي سعيد فرج بن إساعيل بن محمد بن نصر وليه من دون القرابة بما كان له الصهر على أخته والمضطلع بثغر الغربية فأوعز إليه بمداخلة أهل سبتة في خلع طاعة السلطان والقبض على بني العزفي والرجوع إلى ولاية ابن الأحمر‏.‏وكان أهل سبتة منذ هلك إبراهيم لفقيه أبو القاسم العزفي سنة سبع وسبعين قام بأمرهم ولده أبو حاتم‏.‏وكان أخوه أبو طالب رديفاً له في الأمر إلا أنه استبد عليه بصاغيته إلى الرياسة وإيثار أبي حاتم للخمول مع إيجابه حق أخيه الأكبر وإجابته الداعي متى روفع إليه فاستقام أمرهما مدة‏.‏وكان من سياستهما من أول أمرهما الأخذ بدعوة السلطان فيما لنظرهما والعمل بطاعته والتجافي عن السكنى بقصور الملك والتخرج عن أبهة السلطان لمكانهم فأنزلوا بالقصبة عبد الله بن مخلص قائداً من البيوتات اصطنعوه وجعلوا له أحكام البلد وضبط الحامية فاضطلع بذلك سنين‏.‏ثم أسفه يحيى بن أبي طالب ببعض النزعات الرياسية وحجر عليه الأحكام في ذويه‏.‏ثم أغزى به أباه وطالبه بحساب الخراج لعطاء الحامية‏.‏وغفلوا عما وراءها من التظنن فيه والريب به ثقة بمكانه واستنامة إليه‏.‏وهم مع ذلك على أولهم في موالاة السلطان والأخذ بدعوته والوفود عليه في أوقاته‏.‏ولما فسدت ولاية ابن الأحمر للسلطان وعقد على محاولة سبتة وجد السبيل إلى ذلك بما طوى صاحب الأحكام بالقصبة على النث فداخله الرئيس أبو سعيد صاحب الثغر بمالقة جارة سبتة ووعده الغدر ببني العزفي وأن يصبحهم بأساطيله فشرع الرئيس أبو سعيد في إنشاء الأساطيل البحرية واستنفار الناس للمناغرة‏.‏وإن العدو له ولمالقة بمرصد وشحنها بالفرسان والرجل والناشبة والأقوات وأخفى وجه قصده عن الناس حتى أقلعت أساطيله وبيت سبتة لسبع وعشرين من شوال سنة خمس‏.‏وأرسى بساحتها لموعد صاحب القصبة فأدخله إلى حصنه فملكه ونشر رايته بأسوارها‏.‏وسرب جيوشه إلى البلد فتسايلوا‏.‏وركب إلى ثور بني العزفي فتقبض عليهم وعلى ولدهم وحاشيتهم‏.‏وطير الخبر إلى السلطان بغرناطة فوصل الوزير أبو عبد الله بن الحكيم ونادى في الناس بالأمان وبسط المعدلة‏.‏وأركب بني العزفي في السفن إلى مالقة‏.‏ثم أجازوا إلى غرناطة وقدموا على ابن الأحمر فأجل قدومهم وأركب الناس إلى لقائهم‏.‏وجلس له جلوساً فخماً حتى أدوا بيعتهم وقضوا وفادتهم وأنزلوا بالقصور وأجريت عليهم سنيات الأرزاق‏.‏واستقروا بالأندلس إلى أن صاروا إلى المغرب بعد كما نذكر‏.‏واستبد الرئيس أبو سعيد بأمر سبتة وثقف أطرافها وسد ثغورها وأقام دعوة ابن عمه صاحب الأندلس بأنحائها‏.‏وكان عثمان بن أبي العلاء بن عبد الحق من أعياض الملك المريني أجاز معه البحر إليها أميراً على الغزاة الذين كانوا بمالقة وقائداً لعصبتهم تحت لوائه فموه بنصبه للملك بالمغرب‏.‏وخاطب قبائل غمارة بذلك فوقفوا بين الإقدام والإحجام‏.‏واتصل ذلك كله بالسلطان وهو بمعسكره من حصار تلمسان فاستشاط لها غضباً وحمى أنفه بعزه‏.‏واستنفر الصريخ فبعث ابنه الأمير أبا سالم لسد تلك الفرجة‏.‏وجمع إليه العساكر وتقدم إليه بإحشاد قبائل الريف وبلاد تازى فأغذ السير إليها‏.‏وأحاطت عساكره بها فحاصرها مدة‏.‏ثم بيته عثمان بن أبي العلاء فاختل معسكره وأفرج عنها منهزماً فسخطه السلطان وزوى عنه وجه رضاه‏.‏وسار عثمان بن أبي العلاء في نواحي سبتة وبلاد غمارة وتغلب على تيكيساس وانتهى إلى قصر ابن عبد الكريم في آخر سنة ست لسنة من استيلائهم على سبتة مقيماً رسم السلطان منادياً بالدعاء لنفسه فاعتزم السلطان على النهوض إليه عند الفراغ من أمر تلمسان لما كانت على شفا هلكة ومحاينة انفضاض لولا عائق الأقدار بمهلكه كما نذكر إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن انتقاض بني كمي من بني عبد الواد وخروجهم بأرض السوس

كان هؤلاء الرهط من بني عبد الواد ثم من بطون بني علي من شعب أبي القاسم‏.‏وكانوا يرجعون في رياستهم إلى كندوز بن بن كمي‏.‏ولما استقل برياسة أولاد علي زيان بن ثابت بن محمد من أولاد طاع الله نفس عليه كندوز هذا ما أتاه الله من الرياسة وجاذبه حبلها‏.‏ واحتقر زيان شأنه فلم يحفل به‏.‏ ثم ناشب عليه أخلاط من قومهم وواضعهم الحرب‏.‏ وهلك زيان بيد كندوز وقام بأمر أولاد علي جابر بن يوسف بن محمد‏.‏ثم تناقلت الرياسة فيهم إلى أن عادت في ولد ثابت بن محمد واستقل بها أبو عزة زكدان بن زيان ولم تطل أيامه‏.‏والتحم بين أولاد كمي وبين أولاد طاع الله وتناسوا الإحن وصارت رياسة أولاد طاع الله ليغمراسن بن زيان‏.‏واستتبعوا قبائل بني عبد الواد كافة‏.‏ واعتمل يغمراسن في الثأر بأبيه زيان من قاتله كندوز فاغتاله ببيته‏.‏ دعاه لمأدبة جمع لها بني أبيه حتى إذا اطمأن المجلس تعاوروه بأسيافهم واحتزوا رأسه‏.‏وبعثوا به إلى أمهم فنصبت عليه القدر ثالث أثافيها تشفياً منه وحفيظة‏.‏وطالب يغمراسن بقية بني كندوز ففروا أمام مطالبته وأبعدوا المذهب‏.‏ولحقوا بالأمير أبي زكرياء بن عبد الواحد بن أبي حفص فأقاموا بسدته أحوالا‏.‏ وكانوا يرجعون في رياستهم لعبد الله بن كندوز‏.‏ثم تذكروا عهد البداوة وحنوا إلى عشير زناتة فراجعوا المغرب ولحقوا ببني مرين أقتالهم‏.‏ونزل عبد الله بن كندوز على يعقوب بن عبد الحق خير نزل تلقاه من البر والترحيب بما ملأ صدره وأكد اغتباطه‏.‏وأقطعه بناحية مراكش الكفاية له ولقومه وأنزلهم هنالك‏.‏وجعل انتجاع إبله وراحلته لحسان بن أبي سعيد الصبيحي وأخيه موسى من ذويهم وحاشيتهم وألطف منزلة عبد الله ورفع مكانه بمجلسه واكتفى به في كثير من أموره‏.‏وأوفده على المستنصر صاحب إفريقية سنة خمس وستين مع عامر ابن أخيه إدريس كما قدمناه‏.‏واستمر بنو كندوز هؤلاء بالغرب الأقصى‏.‏ واستمرت الأيام على ذلك وصاروا من جملة قبائل بني مرين وفي عدادهم‏.‏وهلك عبد الله بن كندوز وصارت رياستهم لعمر ابنه من بعلى‏.‏ولما لفت السلطان يوسف بن يعقوب وجه عزائمه إلى النبي عبد الواد ونازل تلمسان وطاول حصارها واستطال بنو مرين وذووهم على بني عبد الواد وأحسوا بها أخذتهم العزة بالإثم وأدركتهم النغرة فأجمع بنو كندوز هؤلاء الخلاف والخروج على السلطان‏.‏ولحقوا بحاحة سنة ثلاث وسبعماية‏.‏ واحتفل الأمير بمراكش يعيش بن يعقوب لغزوهم سنة أربع وسبعماية فناجزوه الحرب بتادرت واستمروا على خلافهم‏.‏ثم قاتلهم يعيش وعساكره ثانية بتامطريت سنة أربع فهزمهم الهزيمة الكبرى التي قصت جناحهم وأوهنت بأسهم‏.‏وقتل جماعة من بني عبد الواد بأرعارن بامكا وأثخن يعيش بن يعقوب في بلاد السوس وهدم تارودنت قاعدة أرضها وأم قراها‏.‏كان بها عبد الرحمن بن الحسن بن يدر من بقية الأمراء على السوس من قبل بني عبد المؤمن وقد مر ذكرهم‏.‏ وكانت بينه وبين عرب المعقل من الشبانات وبني حسان منذ انقرضت دولة الموحدين حروب سجال هلك في بعضها عمه علي بن يدر سنة ثمان وستين‏.‏وصارت أمارته بعد حين إلى عبد الرحمن هذا‏.‏ولم يزالوا في حربه إلى أن تملك السوس يعيش بن يعقوب وهدم تارودانت‏.‏ثم راجع عبد الرحمن أمره وبنى بلده تارودانت هذه سنة ست بعدها‏.‏وتزعم بنويدر هؤلاء أنهم مستقرون بذلك القطر من لدن عهد الطوالع من العرب وأنهم لم يزالوا أمراء بها يعقد لهم ولاية كابر عن كابر‏.‏ولقد أدركت بفاس على عهد السلطان أبي عنان وأخيه أبي سالم من بعده شيخاً كبيراً من ولد عبد الرحمن هذا فحدثني بمثل ذلك‏.‏ وأنهم ولد أبي بكر الصديق‏.‏والله أعلم‏.‏ولم يزل بنو كندوز مشردين بصحراء السوس إلى أن هلك السلطان وراجعوا طاعة الملوك من بني مرين من بعده وعفوا لهم عما سلف من هذه الجريرة وأعادوهم إلى مكانهم من الولاية فأمحضوا النصيحة والمخالصة إلى هذا العهد كما نذكر إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن مهلك المشيخة المصامدة بتلبيس أبي الملياني

قد ذكرنا شأن أبي علي الملياني وأوليته في أخبار مغراوة الثانية وما كان من ثورته بمليانة وانتزائه عليها‏.‏ثم إزعاج العساكر إياه منها ولحاقه بيعقوب بن عبد الحق سلطان بني مرين وما أحله من مراتب التكرمة والمبرة‏.‏ وأقطعه بلد أغمات طعمة فاستقر بها‏.‏وما كان منه في العيث بأشلاء الموحدين ونبش أجداثهم وموجدة السلطان والناس عليه لذلك‏.‏وأرصد له المصامدة الغوائل لما كان منه في ذلك‏.‏ولما هلك يعقوب بن عبد الحق استعمله يوسف بن يعقوب على جباية المصامدة فلم يضطلع به‏.‏ وسعى به مشيختهم عند السلطان أنه احتجن المال لنفسه وحاسبوه فصدقوا السعاية فاعتقله السلطان فأقصاه‏.‏وهلك سنة ست وثمانين واصطنع السلطان أحمد ابن أخيه واستمعله في كتابته وأقام على ذلك ببابه وفي جملته‏.‏وكان السلطان سخطه على مشيخة المصامدة علي بن محمد كبير هنتاتة وعبد الكريم بن عيسى كبير كدميوة وأوعز إلى ابنه علي الأمير بمراكش باعتقالهما فيمن لهما من الولد والحاشية‏.‏وأحس بذلك أحمد بن الملياني فاستعجل الثأر‏.‏وكانت العلامة السلطانية على الكتاب في الدولة لم تختص بكاتب واحد بل كل منهم يضع العلامة بخطه على كتابه إذا أكمله لما كانوا كلهم ثقة أمناء وكانوا عند السلطان كأسنان المشط فكتب أحمد بن الملياني إلى ابن السلطان الأمير بمراكش سنة سبع وتسعين كتاباً عن أمر أبيه يأمره فيه بقتل مشيخة المصامدة ولا يمهلهم طرفة عين‏.‏ووضع عليه العلامة التي تنفذ بها الأوامر وختم الكتاب وبعث به مع البريد ونجا بنفسه إلى البلد الجديد وعجب الناس من شأنه‏.‏بما وصل الكتاب إلى ابن السلطان أخرج أولئك الرهط المعتقلين من المصامدة إلى مصارعهم وقتل علي بن محمد وعبد الكريم بن عيشي وولده عيسى وعلي ومنصور أبن أخيه عبد العزيز‏.‏وطير الأمير وزيره إلى أبيه بالخبر فقتله لحينه حنقا عليه وأنفذ بريد باعتقال ابنه‏.‏وحرد على ابن الملياني فافتقد ولحق بتلمسان ونزل على آل زيان ثم لحق بعدها بالأندلس عند إفراج السلطان عنها في تلك السنة كما ذكرناه وبها هلك‏.‏واقتصر السلطان من يومئد في صنع علامته على من يختاره لها من صنائعه ويثق بأمانته‏.‏وجعلها لذلك العهد لعبد الله بن أبي مدين خالصته المضطلع بأمور مملكته فاختصت من بعده لهذا العهد‏.‏والله تعالى أعلم‏.‏

الخبر عن رياسة اليهود بني رقاصة ومقتلهم

كان السلطان يوسف بن يعقوب في صباه مؤثراً للذاته مستتراً بها عن أبيه يعقوب بن عبد الحق لمكانه من الدين والوقار‏.‏وكان يشرب الخمر ويعاقر بها الندمان‏.‏وكان خليفة بن رقاصة من اليهود المعاهدين بفاس قهرماناً لداره على عادة الأمراء في مثله من المعاهدين بكان يزدلف إليه بوجوه الخدم ومذاهبها فاستعمله هذا الأمير في اعتصارها والقيام على شؤونها فكانت له بذلك خلوة منه أوجبت له الحظ عنده‏.‏ حتى إذا هلك يعقوب بن عبد الحق واستقل ابنه يوسف بأعباء ملكه واتصلت خلواته في معاقرة الندمان انفرد ابن رقاصة بخلوته لذلك مع ما كان له من القهرمة فعظمت رياسته وعلا كعبه في الدولة‏.‏وتلقى الخاصة الأوامر منه فصارت له الوجاهة بينهم وعظم قدره بعظم الدولة‏.‏أخبرنا شيخنا الآبلي أنه كان لخليفة هذا أخ يسمى إبراهيم وابن عم يسمى خليفة لقبوه بالصغير لمكانه هو من هذا الاسم‏.‏وكان له صهر يعرفون ببني السبتي كبيرهم موسى وكان رديفه في قهرمته‏.‏فلم يفق السلطان من نشوة صباه وملهاه حتى وجدهم على حال استتبعوا فيها العلية من القبيل والوزراء والشرفاء والعلماء فأهمه ذلك وترصد بهم‏.‏وتفطن لمذهبه فيهما خالصته عبد الله بن أبي مدين فسعى عنده فيهم‏.‏وأوجده السبيل عليهم فسطا بهم سطوة واحدة‏.‏واعتقلوا في شعبان من سنة إحدى وسبعماية بمعسكره من حصار تلمسان‏.‏وقتل خليفة الكبير وأخوه إبراهيم وموسى بن السبتي وإخوته بعد أن امتحنوا ومثل بهم وأتت النكبة على حاشيتهم وذويهم وأقاربهم فلم يبق منهم باقية‏.‏واستبقى منهم خليفة الصغير احتقارا لشأنه حتى كان من قتله بعدما نذكر وعبث بسائرهم وطهرت الدولة من رجسهم وأزيلت عنها معرة رياستهم‏.‏ والأمور بيد الله سبحانه‏.‏

الخبر عن مهلك السلطان أبي يعقوب

كان في جملة السلطان وحاشيته مولى من العبدي الخصيان من موالي ابن الملياني يسمى سعادة صار إلى السلطان من لدن استعماله إياه بمراكش وكان على ثبج من الجهل والغباوة‏.‏وكان السلطان يخلط الخصيان بأهله ويكشف لهم الحجاب عن ذوات محارمه ولما كانت واقعة العز مولاه واتهم بمداخلة بعض الحرم وقتل بالظنة واستراب السلطان بكثير من حاشيته الملابسين لداره اعتقل جملة من الخصيان كان فيهم عنبر الكبير عريفهم‏.‏وحجب سائرهم فارتاعوا لذلك وسولت لهذا الخصي الخبيث نفسه الشيطانية الفتك بالسلطان فعمد إليه وهو ببعض الحجر من قصره وآذنه فأذن له فألفاه مستلقياً على فراشه مختضباً بالحناء فوثب عليه فطعنه طعنات قطع بها أمعاءه وخرج هارباً‏.‏وانطلق الأولياء في أثره فأدرك من العشي بناحية تاسالة فتقبض عليه وسيق إلى القصر فقتله العبيد والحاشية‏.‏وصابر السلطان مثبته إلى آخر النهار ثم قضى رحمه الله يوم الأربعاء سابع ذي القعدة من سنة ست وقبل هنالك‏.‏ ثم نقل بعد ما سكنت الهيعة إلى مقبرتهم بشالة فدفن بها مع سلفه‏.‏والبقاء لله وحده‏.‏ولاية السلطان أبي ثابت

الخبر عن ولاية السلطان أبي ثابت واستلحامه المرشحين

وما تخلل ذلك من الأحداث كان الأمير أبو عامر ابن السلطان أبي يعقوب وولي عهده لما هلك طريداً ببلاد بني سعيد من غمارة والريف سنة ثمان وتسعين كما ذكرناه خلف ولديه عامراً وسليمان في كفالة السلطان جدهما فكان لهما بعينه حلاوة وفي قلبه لوطة لمكان حبه لأبيهما واغترابه عنه فحدب عليهما وأنزلهما من نفسه بمكان‏.‏وكان الأمير أبو ثابت عامر منهما صقر قومه إقداماً وشجاعة وجرأة وكانت له في بني ورتاجن خؤولة‏.‏فلحين مهلك السلطان عرضوا له ودعوه للبيعة فبايعوه‏.‏وحصر لها الأمير أبو يحيى بن يعقوب عم أبيه عثر بمجمعهم اتفاقاً وحملوه على الطاعة‏.‏وكان أقرب للأمر منه لو حضره رجال فأعطى القياد في المساعدة وطوى على النث‏.‏وبادر الحاشية والوزراء بالبلد الجديد عند مهلك السلطان فبايعوا ابنه الأمير أبا سالم‏.‏وكان أمر بني مرين أن يفترق وكلمتهم أن تفسد فبعث الأمير أبو ثابت لحينه إلى تلمسان للأمير أبي زيان وأبي حمو ابني عثمان بن يغمراسن‏.‏وعقد لهما حلفاً على الإفراج عنهما على أن يمداه بالآلة ويرفعا له كسر البيت إن كان غير ما أمل وحضر للعقد أبو حمو فأحكمه ومال أكثر بني مرين وأهل الحل والعقد إلى الأمير أبي ثابت‏.‏ وتفرد ببيعة أبي سالم البطانة والوزراء والحاشية والأجناد ومن إليهم وكان مسكنه بالبلد الجديد وأشاروا عليه بالمناجزة فخرج وقد عبأ كتائبه فوقف وبهت وخام عن اللقاء‏.‏ووعدهم الإقدام بالغداة وكر راجعاً إلى قصره‏.‏فيئسوا منه وتسللوا لواذاً إلى الأمير أبي ثابت وهو بمرقب من الجبل يطل عليهم حتى إذا انحجز أبو سالم بالبلد انحاش إليه الجملة دفعة واحدة‏.‏فلما استوفت العساكر والقبائل لديه زحف إلى البلد الجديد مثوى السلطان وسياج قصوره ومختط عزمه وانتهى إلى ساحتها معتماً‏.‏وخرج إليه الوزير يحلف بن عمران الفودودي فأرجل عن فرسه بأمر أبي يحيى وقتل بين يديه قعصاً بالرماح‏.‏وكان قريب عهد بالوزارة استوزره السلطان قبل مهلكه في شعبان من سنة ست‏.‏وفر أبو سالم إلى جهة المغرب وصحبه من عشيره من أولاد رحو بن عبد الله بن عبد الحق العباسي وعيسى وعلي ابنا رحو وابن أخيهم جمال الدين بن موسى‏.‏وأتبعهم الأمير أبو ثابت شرذمة من عسكره أدركوهم بندرومة فتقبضوا عليهم ونفذوا أمر السلطان بقتل أبي سالم وجمال الدين واستبقى الاخرين‏.‏وأمر بإحراق باب البلد ليفتحها العسكر فأطل عليه قهرمان دارهم عبد الله بن أبي مدين الكاتب وأخبره بفرار أبي سالم وباتفاق الناس على طاعته‏.‏ورغب إليه في المسالمة ليلتهم حتى يفجر الصباح خشية على دارهم من معرة العساكر وهجومها ففعل‏.‏وأمره الأمير أبو يحيى باعتقال أبي الحجاج بن أشقيلولة فاعتقله لقديم من العداوة كانت بينهما ثم أمر بقتله وإنفاذ رأسه فقتل‏.‏وأمر السلطان ليلتئذ بإضرام النيران حتى إذا أضاء الظلام بات راكبا‏.‏ودخل القصر لصبحه فوارى جسد السلطان بعد أن صلى عليه‏.‏وغص بمكان الأمير أبي يحيى لما تعدد فيه الترشيح وفاوض في شأنه كبير القرابة يومئذ عبد الحق بن عثمان ابن الأمير أبي معرف محمد بن عبد الحق ومن حضره من الوزراء مثل إبراهيم بن عبد الجليل الونكاسي وإبراهيم بن عيسى اليرنياني وغيرهما من الخاصة فأشاروا بقتله‏.‏ ونميت عنه كلمات في معنى التربص بالسلطان ودولته وابتغاء العصابة لأمره‏.‏وركب الأمير أبو يحيى إلى القصر ثالث البيعة فأخذ السلطان بيده ودخل معه إلى الحرم لعزائهن عن أخيه السلطان‏.‏ثم خرج على الخاصة‏.‏وتخلف عنه السلطان وقد دس إلى عبد الحق بن عثمان أن يتقبض عليه ففعل‏.‏ثم برز السلطان إليهم وهو موثق فأمر بالإجهاز عليه ولم يمهله وألحق به يومئذ وزيره عيسى بن موسى الفودودي‏.‏وفشا الخبر بمهلك هؤلاء الرهط فرغب منه القرابة ففر يعيش بن يعقوب أخو السلطان وابنه عثمان المعروف بأمه قضيب ومسعود بن أبي مالك والعباس بن رحو بن عبد الله بن عبد الحق‏.‏ ولحقوا جميعاً بعثمان بن أبي العلاء بمكانه من غمارة‏.‏وخلا الجو من المرشحين واستبد السلطان بملك قومه وأمن غوائل المنازعين‏.‏ولما تم له الأمر واستوسق الملك وفى لبني عثمان بن يغمراسن بالإفراج عنهم ونزل لهم عن جميع البلاد التي صارت إلى طاعته من بلاد المغرب الأوسط من أعمالهم وأعمال بني توجين ومغراوة‏.‏ودعاه إلى بدار المغرب ما كان من اختلال عثمان بن أبي العلاء بن عبد الله بن عبد الحق بسبتة ودعائه لنفسه بين يدي مهلك السلطان وخروجه إلى بلاد غمارة واستيلائه على قصر كتامة‏.‏واعتزم على الرحلة إلى المغرب وفوض الأمر في الرحلة بأهل المدينة الجديدة للوزير إبراهيم بن عبد الجليل لما كانت حنيئذ عامرة بالساكن مستبحرة في الاعتمار ممتلئة من الخزائن والآلة فأحسن السياسة في أمرهم وضرب لهم الآجال والمواعد أن استوفوا بالرحلة‏.‏وتركوها قواء خربها بنو عثمان بن يغمراسن عند رحلة بني مرين إلى المغرب وتحينوا لذلك فترات الفتن وطمسوا معالمها طمساً ونسفوها نسفاً‏.‏وقدم السلطان بين يديه من القرابة الحسن بن عامر بن عبد الله أتعجوب في العساكر والجنود وعقد له على حرب ابن أبي العلاء‏.‏وتلوم بالبلد الجديد لموافاة المسالح التي كانت بثغور الشرق لما نزل عنها جميعاً لبني عثمان بن يغمراسن‏.‏ وارتحل غرة ذي القعدة ودخل فاس فاتح سنة سبع وسبعماية‏.‏ والله أعلم‏.‏

الخبرعن انتزاء يوسف في أبي عياد بمراكش وتغلب السلطان عليه

لما فصل السلطان أبو ثابت من معسكرهم بتلمسان إلى الغرب قدم بين يديه من قرابته الحسن بن عامر بن عبد الله أتعجوب ابن السلطان أبي يوسف في العساكر والجنود وعقد له على حرب عثمان بن أبي العلاء كما ذكرنا‏.‏وعقد له على بلاد مراكش ونواحيها لابن عمه الآخر يوسف بن محمد بن أبي عياد بن الحق وعهد له بالنظر في أحوالها فسار إليها واحتل بها‏.‏ثم حدثته نفسه بالانتزاء فقتل الوالي بمراكش واستركب واستلحق واتخذ الآلة وجاهر بالخلعان‏.‏وتقبض على والي البلد فقتله بالسوط في جمادى سنة سبع وسبعماية ودعا لنفسه واتصل الخبر بالسلطان لأول قدومه فسرح إليه وزيره يوسف بن عيسى بن السعود الجشمي ويعقوب بن أصناك في خمسة آلاف من عساكره ودفعهم إلى حربه وخرج في أطرهم بكتائبه‏.‏وبرز يوسف بن أبي عباد وأجاز وادي أم ربيع فانهزم أمام الوزير وعساكره وأتبعه الوزير ففر إلى أغمات‏.‏ ثم فر إلى جبال هسكورة ولحق به موسى بن أبي سعيد الصبيحي من أغمات تدلى من سورها ودخل الوزير يوسف في مراكش‏.‏ثم خرج في أثره ولحقه فكانت بينهما جولة وقتل منهم خلقاً ولحق بهسكورة‏.‏ودخل السلطان أبو ثابت مراكش منتصف رجب من سنة سبع وأمر بقتل أوربة المداخلين كانوا له في انتزائه فاستلحموا‏.‏ولما لحق يوسف بن أبي عباد بجبال هسكورة نزل على مخلوف بن عبو وتذمم بجواره فلم يجره على السلطان‏.‏وتقبض عليه واقتاده إلى مراكش مع ثمانية من أصحابه تولوا كبر ذلك الأمر فقتلوا في مصرع واحد بعد أن مثل بهم بالسياط‏.‏وبعث رأس يوسف إلى فاس فنصب بسورها وأثخن بالقتل فيمن سواهم ممن داخله في الانتزاء فاستحم منهم أمماً بمراكش وأغمات‏.‏وسخط خلال ذلك وزيره إبراهيم بن عبد الجليل فاعتقله واعتقل عشرة من بني دولين من بني ونكاسن وقتل الحسن بن دولين منهم ثم عفا عنهم‏.‏وخرج منتصف شعبان إلى منازلة السكسيوي وتدويخ جهات مراكش فتلقاه السكسيوي بطاعته المعروفة وأسنى الهدية فتقبل طاعته وخدمته‏.‏ثم سرح قائدة يعقوب بن أصناك في اتباع زكنة حتى توغل في بلاد السوس ففروا أمامه إلى الرمال‏.‏ وانقطع أثرهم ورجع إلى معسكر السلطان‏.‏ وانكفأ السلطان بعساكره إلى مراكش فاحتل بها غرة رمضان‏.‏ ثم قفل إلى فاس بعد أن قتل جماعة من شيوخ بني دورا‏.‏وجعل طريقه على بلاد صنهاجة‏.‏وسار في بلاد تامسنا وتلفاه عرب جشم من قبائل الخلط وسفيان وبني جابر والعاصم فاستصحبهم إلى أنفى وتقبض على ستين من أشياخهم فاستحلم منهم عشرين ممن نمي عنهم إفساد السابلة‏.‏ ودخل رباط الفتح أخريات رمضان فقتل هنالك من الأعراب أمة ممن يؤثر عنه الحرابة‏.‏ ثم ارتحل منتصف شوال لغزو رياح أهل أزغار والهبط‏.‏وأثار منهم بالإحن القديمة فأثخن فيهم بالقتل والسبي‏.‏ وقفل إلى فاس فاحتل بها منتصف ذي القعدة‏.‏ وجاءه الخبر بهزيمة عبد الحق بن عثمان واستلحام الروم من عسكره ومهلك عبد الواحد الفودودي من رجالات دولته‏.‏وإن عثمان بن أبي العلاء قد استفحل أمره بجات غمارة فأجمع لغزوه‏.‏والله أعلم‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-07-2011, 05:43 PM
الخبر عن غزاة السلطان لمدافعة عثمان بن أبي العلاء ببلاد الهبط

ومهلكه بطنجة من بعد ظهوره لما ملك الرئيس أبو سعيد فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر بسبتة سنة خمس وسبعماية وأقام بها الدعوة لابن عمه المخلوع محمد بن محمد الفقيه بن محمد بن محمد الشيخ بن يوسف بن نصر كما ذكرناه وأجاز معه رئيس الغزاة المجاهدين بمحل أمارته من مالقة عثمان بن أبي العلاء إدريس بن عبد الله بن عبد الحق من أعياص هذا البيت كان مرشحا للملك فيهم‏.‏ واستقدمه معه ليفرق به الكلمة في المغرب ويشغل بفتنة الدولة مدافعة عن سبتة لما كانوا أهاجوا السلطان وقومه بأخذها‏.‏واستنام ملكها وطمع عثمان في ملك المغرب بإمدادهم ومظاهرتهم‏.‏وسولت له نفسه ذلك فخرج من سبتة وولى على جيش الغزاة بعده عمر ابن عمه رحو بن عبد الله‏.‏ ونجم هو ببلاد غمارة فدعا لنفسه وأجابته القبائل منهم‏.‏واحتل بحصن علودان من أمنع معاقلهم وبايعوه على الموت‏.‏ثم نهض إلى أصيلا والعرائش فغلب عليها‏.‏واتصل ذلك كله بالسلطان الهالك أبي يعقوب فلم يدركه استهانة بأمرهم‏.‏وبعث ابنه أبا سالم بالعساكر فنازل سبتة أياماً ثم أقلع عنها‏.‏وبعث بعده أخاه يعيش بن يعقوب وأنزله طنجة وجهز معه الكتائب وجعلها ثغراً‏.‏وزحف إليه عثمان بن أبي العلاء فتأخر عن طنجة إلى القصر‏.‏ثم أتبعه فخرج أهل القصر فرساناً ورجالا ورماة مع يعيش فوصلوا إلى وادي ورا ثم انهزموا إلى البلد‏.‏ومات عمر بن ياسين ونازل عثمان عليهم القصر يوماً ثم دخله من غده‏.‏ثم كان مهلك السلطان ومفر يعيش بن يعقوب خيفة من أبي ثابت فلحق بعثمان بن أبي العلاء‏.‏واستقإم أمره بتلك الجهات برهة‏.‏وكان السلطان أبو ثابت لما احتل بالمغرب شغله ما كان من انتزاء يوسف بن محمد بن أبي عياد بمراكش كما قدمناه فعقد على حرب عثمان بن أبي العلاء مكان عمه يعيش بن يمقوب لعبد الحق بن عثمان بن محمد بن عبد الحق من رجال بيته فزحف إليه‏.‏ونهض عثمان إلى لقائه منتصف ذي الحجة سنة سبع فهزمه واستلحم من كان معه من جند الروم‏.‏وهلك في تلك الواقعة عبد الواحد الفودودي من رجالات السلطان المرشحين ردفاء الوزارة‏.‏وصار عثمان إلى قصر كتامة فنازله واستولى على جهاته‏.‏وعلى تفيئة ذلك كان رجوع السلطان من غزاة مراكش‏.‏وقد حسم الداء ومحا أثر النفاق فاعتزم على الحركة إلى بلاد غمارة ليمحو منها دعوة ابن أبي العلاء التي كانت تلج عليه ممالكه بالمغرب ويرده على عقبه ويستخلص سبتة من يد ابن الأحمر لما صارت ركاباً لمن يروم الانتزاء والخروج من القرابة والأعياص المستنفرين وراء البحر غزاة في سبيل الله فنهض من فاس منتصف ذي الحجة من سنة سبع‏.‏ولما انتهى إلى قصر كتامة تلوم بها ثلاثاً حتى توافت عساكره وحشوده وكمل اعتراضها‏.‏وفر عثمان بن أبي العلاء أمامه‏.‏وارتحل السلطان في اتباعه فنازل حصن علودان واقتحمها عنوة‏.‏واستلحم بها زهاء أربعماية‏.‏ ثم نازل بلد الدمنة فاقتحمها وأثخن فيها قتلاً وسبياً لتمسكها بطاعة ابن أبي العلاء ومظاهرتها له على كبس القصر واستاحته ثم ارتحل إلى طنجة واحتل بها غرة سنة ثمان‏.‏ وانحجز ابن أبي العلاء بسبتة مع أوليائه‏.‏وسرح السلطان عساكره فتقرت نواحي سبتة بالاكتساح والغارة‏.‏وأمر باختطاط بلد تيطاوين لنزول عساكره والأخذ بمخنق سبتة‏.‏وأوفد كبير الفقهاء بمجلسه أبا يحيى بن أبي الصبر إليهم في شأن النزول له عن البلد‏.‏وفي خلال ذلك اعتل السلطان بمرض وقضى لأيام قلائل في ثامن صفر من سنته ودفن بظاهر طنجة‏.‏ ثم حمل شلوه بعد أيام إلى مدفن آبائه بشالة فووري هنالك‏.‏رحمة الله عليه وعليهم‏.‏دولة السلطان أبي الربيع

الخبر عن دولة السلطان أبي الربيع وما كان فيها من الأحداث

لما هلك السلطان أبو ثابت تصدى للقيام بالأمر عمه علي ابن السلطان أبي يعقوب المعروف بأمه رزيكة وخلص الملأ من بني مرين أهل الحل والعقد إلى أخيه أبي الربيع فبايعوه‏.‏وتقبض على عمه علي بن زريكة المستام للأمر فاعتقله بطنجة إلى أن هلك سنة عشر لجمادى وبث العطاء في الناس وأجزل الصلات وارتحل نحو فاس‏.‏واتبعه عثمان بن أبي العلاء في جيش كثيف وبيته وقد نذر به العسكر فأيقظوا ليلهم ووافاهم على الظهر بساحة علودان فناجزهم الحرب‏.‏ وكانت الدائرة على عثمان وقومه‏.‏وتقبض على ولده وكثير من عسكره‏.‏ وأثخن أولياء السلطان فيهم بالقتل والسبي وكان الظهور الذي لا كفاء له‏.‏ ووصل أبو يحيى بن أبي الصبر إلى الأندلس وقد أحكم عقدة الصلح‏.‏وقد كان ابن الأحمر جاء للقاء السلطان أبي ثابت ووصل إلى الجزيرة الخضراء فأدركه خبر مهلكه فتوقف عن الجواز‏.‏وأجاز ابن أبي الصبر بإحكام المؤاخاة‏.‏واجتاز عثمان بن أبي العلاء إلى العدوة فيمن معه من القرابة فلحق بغرناطة‏.‏وأغذ السلطان السير إلى حضرته فدخل فاس آخر ربيع من سنة ثمان‏.‏واستقامت الأمور وتمهد الملك وعقد السلم مع صاحب تلمسان موسى بن عثمان بن يغمراس فأقام وادعاً بحضرته‏.‏وكانت أيامه خير أيام هدنة وسكونة وترفاً لأهل الدولة‏.‏وفي أيامه تغالى الناس في أثمان العقار فبلغت قيمتها فوق المعتاد حتى لقد بيع كثير من الدور بفاس بألف دينار من الذهب العين‏.‏وتنافس الناس في البناء فعالوا الصروح واتخذوا القصور المشيدة بالصخر والرخام وزخرفوها بالزليج والنقوش‏.‏وتناغوا في لبس الحرير وركوب الفاره وأكل الطيب واقتناء الحلى من الذهب والفضة‏.‏واستبحر العمران وظهرت الزينة والترف والسلطان وادع بداره متمل أريكته إلى أن هلك كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبرعن مقتل عبد الله بن أبي مدين

كان أبو شعيب بن مخلوف من بني أبي عثمان من قبائل كتامة المجاورين للقصر الكبير وكان منتحلا للدين مشتهراً به‏.‏ ولما أجلب بنو مرين على المغرب وجالوا في بسائطه وتغلبوا على ضواحيه صحب البر منهم والفاجر من أهله‏.‏وكان بنو عبد الحق قد تخيروا شعيباً هذا فيمن تخيروه للصحابة من أهل الدين فكان إمام صلاتهم‏.‏ وكان يعقوب بن عبد الحق أشدهم صحابة له وأوفاهم بها ذماماً فاتصل به حبله واستمرت صحابته وعظم في الدولة قدره‏.‏وانبسط بين الناس جاه ولده وأقاربه وحاشيته‏.‏وربى بنو شعيب هذا عبد الله ومحمد المعروف بالحاج وأبو القاسم من بعدهم من إخوتهم بقصر كتامة في جو ذلك الجاه‏.‏وهلك السلطان يعقوب بن عبد الحق فاستخلصهم يوسف بن يعقوب لخدمته واستعملهم‏.‏على مختصاته‏.‏ ثم ترقى بهم في رتب خدمته وأخصائه درجة بعد أخرى إلى أن هلك أبوهم مدين شعيب سنة سبع وتسعين‏.‏وكان المقدم منهم عند السلطان عبد الله فأوفى به على ثنيات العز والوزارة والخلة والولاية‏.‏وتقدم بحظوته في مجلسه كل حظوة واختصه بوضع علامته على الرسائل والأوامر الصادرة عنه‏.‏وجعل إليه حسبان الخراج والضرب على أيدي العمال وتقييد الأوامر بالبسط والقبض‏.‏ واستخلصه لمناجاة الخلوات والإفضاء بذات الصدرة فوقف ببابه الأشراف من الخاصة والقبيل والقرابة والولد وتوددوا وخطبوا نائله‏.‏وكان عبد الله استعمل مع ذلك أخاه محمداً على جباية المصامدة بمراكش وهنأ أبا القاسم الدعة بفاس فأقام بها متملياً راحته عريضاً جاهه طاعماً كاسياً تتسرب إليه أموال العمال في سبيل الإتحاف وتقف ببابه صدور الركائب إلى أن هلك السلطان أبو يعقوب يوسف‏.‏ويقال إن له خائنة في دمه مع سعاية الملياني‏.‏ولما ولي السلطان أبو ثابت ضاعف رتبته وشفع لديه خطته ورفع على الأقدار قدرة‏.‏ثم ولي من بعده أخوه أبو الربيع فتقبل فيه مذهب سلفه‏.‏وكان بنو رقاصة اليهود حين نكبوا باشر نكبتهم لمكانه من إصدار الأوامر‏.‏ويزعمون أن له فيهم سعاية‏.‏وكان خليفة الأصغر منهم قد استبقي كما ذكرناه فلما أفضى الأمر إلى السلطان أبي الربيع استعمل خليفة بداره في بعض المهن ولابس الخدم حتى اتصل بمباشرة السلطان فجعل غايته السعاية بعبد الله بن أبي مدين‏.‏وكان يؤثر عن السلطان أبي الربيع أنه لا يؤمن بوائقه مع حزم ذويه وتعرف خليفة ذلك من مقالات الناس فدس إلى السلطان أن عبد الله بن أبي مدين يعرض باتهام السلطان في ابنته وأن صدره وغر بذلك وأنه متعرض بالدولة‏.‏وكان يخشى الغائلة لما كان عليه من مداخلة القبيل ولما كان داعية من دعاة آل يعقوب فتعجل السلطان دفع غائلته واستدعاه صبيحة زفاف ابنته زعموا على زوجها فاستحثه قائد الروم من داره بفاس‏.‏ونفر بالشر فلم يغنه النذر‏.‏ومر في طريقه إلى دار السلطان بمقبرة أبي يحيى بن العربي فطعنه القائد هنالك من ورائه طعنة أكبه على ذقنه‏.‏ واحتز رأسه فألقاه بين أيدي السلطان‏.‏ودخل الوزير سليمان بن يرزيكن فوجده بين يديه فذهبت نفسه عليه على مكانه من الدولة حسرة وأسفاً وأيقظ السلطان لمكر اليهودي فوقفه على براءة كان ابن أبي مدين بعثها معه إلى السلطان بالتنصل والحلف فتيقظ وعلم مكر اليهودي به فندم وفتك لحينه بخليفة بن رقاصة وذويه من اليهود المتصدين للخدمة وسطاً بهم سطوة الهلكة فأصبحوا مثلاً للآخرين‏.‏والله أعلم‏.‏

الخبر عن ثورة أهل سبتة بالأندلسيين ومراجعتهم طاعة السلطان

لما قفل السلطان أبو الربيع من غزاة سبتة بعد أن شرد عثمان بن أبي العلاء وأحجزه بسبتة وأجاز منها إلى العدوة ومن كان معه من القرابة كما قلناه بلغه الخبر بضجر أهل سبتة ومرض قلوبهم من ولاية الأندلسيين عليهم وسوء ملكتهم‏.‏ودس إليه بعض أشياعه بالبلد بمثل ذلك فأغزى صنيعته تاشفين بن يعقوب الوطاسي أخا وزيره في عساكر ضخمة من بني مرين وسائر الطبقات من الجند‏.‏وأوعز إليه بالتقدم إلى سبتة ومنازلتها فأغذ إليها السير ونزل بساحتها ولما أحس به أهل البلد بهشت رجالاتهم وتنادوا بشعارهم وثاروا على من كان منهم من قواد ابن الأحمر وعماله وأخرجوا منها حاميته وجنوده‏.‏واقتحمها العساكر‏.‏واحتل تاشفين بن يعقوب بقصبتها عاشر صفر من سنة تسع‏.‏وطير الفوائق بالخبر إلى السلطان فعم السرور وعظم شأن الفتح‏.‏وتقبض على قائد القصبة أبي زكرياء يحيى بن مليلة وعلى قائد البحر أبي الحسن بن كماشة وعلى قائد الحروب بها من الأعياص عمر بن رحو بن عبد الله بن عبد الحق‏.‏كان صاحب الأندلس عقد له مكان ابن عمه عثمان بن أبي العلاء عند إجازته البحر إلى الجهاد كما ذكرنا‏.‏وكتب إلى السلطان بالفتح وأوفد عليه الملأ من مشيخة سبتة وأهل الشورى‏.‏وبلغ الخبرإلى ابن الأحمر فارتاع لذلك وخشي عادية السلطان وجيوش المغرب حين انتهوا إلى الفرضة‏.‏وكان الطاغية في تلك الأيام نازل الجزيرة الخضراء وأقلع عنها على الصلح بعد أن أذاقها من الحصار شدة وبعد أن نازل جبل الفتح فتغلب عليه وملكه‏.‏وانهزم زعيم من زعمائه يعرف بالفنش هزمه أبو يحيى بن عبد الله بن أبي العلاء صاحب الجند بمالقة لقيه يجوس خلال البلاد بعد تملك الجبل فهزم النصارى وقتلوا أبرح قتل‏.‏وأهم المسلمين شأن الجبل فبادر السلطان أبو الجيوش بإنفاذ رسله راغبين في السلم خاطبين للولاية‏.‏وتبرع بالنزول عن الجزيرة ورندة وحصونها ترغيباً للسلطان في الجهاد فتقبل منه السلطان وعقد له الصلح على ما رغب‏.‏وأصهر إليه في أخته فأنكحه إياها‏.‏وبعث بالمدد للجهاد أموالا وخيولا وجنائب مع عثمان بن عيسى اليرنياني‏.‏واتصلت بينهما المهادنة والولاية إلى مهلك السلطان‏.‏ والبقاء لله وحده‏.‏

الخبر عن بيعة عبد الحق بن عثمان بممالأة الوزير والمشيخة

وظهور السلطان عليهم ثم مهلكه بعد ذلك كانت رسل ابن الأحمر خلال هذه المهادنة والمكاتبات تختلف إلى باب السلطان ووصل منهم في بعض أحيانها خلف من مترفيهم فجاهر بالكبائر فكشف صفحة وجهه في معاقرة الخمر والإدمان عليه وكان السلطان منذ شهر جمادى الأول سنة تسع قد عزل القاضي بفاس أبا غالب المغيلي وعهد بأحكام القضاء لشيخ الفتيا المذكور بها أبي الحسن الملقب بالصغير‏.‏ وكان على ثبج من تغيير المنكرات والتعسف فيها‏.‏حتى لقد كان مطاوعاً في ذلك وسواس النسك الأعجمي متجاوزاً بها الحدود المتعارفة من أهل الشريعة في سائر الأمصار‏.‏ وأحضر عنده ذات يوم هذا الرسول ثملا وحضر العدول فاستروحوه ثم أمضى حكم الله فيه وأقام عليه الحدود‏.‏ وأضرمته هذه الموجدة فاضطرم غيظاً‏.‏وتعرض للوزير رحو بن يعقوب الوطاسي منصرفه من دار السلطان في موكبه وكشف عن ظهره يريه أثر السياط وينعي عليهم سوء هذا المرتكب مع الرسل فتبرم لذلك الوزير وأدركته حفيظة وسرح وزعته وحشمه في إحضار القاضي على أسوإ الحالات من التنكيل والتل لذقنه فمضوا لذلك الوجه‏.‏واعتصم القاضي بالمسجد الجامع ونادى المسلمين فثارت العامة بهم ومرج أمر الناس‏.‏واتصل الخبر بالسلطان فتلافاه بالبعث في أولئك النفر من وزعة الوزير وضرب أعناقهم وجعلهم عظة لمن وراءهم فأسوها الوزير في نفسه وداخل الحسن بن علي بن أبي الطلاق من بني عسكر بن محمد شيخ بني مرين والمسلم له في شوراهم وقائد الروم غنصالة المنفرد برياسة العسكر وشوكته وكان لهم بالوزير اختصاص آثروه له على سلطانه فدعاهم إلى بيعة عبد الحق بن عثمان بن محمد بن عبد الحق كبير القرابة وأسد الأعياص وخلع طاعة السلطان فأجابوه وبايعوا له وتم أمرهم نجياً‏.‏ثم خرجوا عاشر جمادى من سنة عشر إلى ظاهر البلد الجديد بمكان الرمكة وجاهروا بالخلعان وأقاموا الآلة وبايعوا سلطانهم عبد الحق على عيون الملأ‏.‏وعسكروا بالعدوة القصوى من سبو تخم بلاد عسكر وإزاء نبدورة من معاقل الحسن بن علي زعيم تلك الثورة‏.‏ثم ارتحلوا من الغد إلى تازى وخرج السلطان في طلبهم فعسكر بسبو وتلوم لاعتراض العساكر وإزاحة العلل واحتل القوم برباط تازى وأوفدوا على موسى بن عثمان بن يغمراسن سلطان بني عبد الواد يدعونه إلى المظاهرة واتصال اليد والمدد بالعساكر والأموال جنوحاً إلى التي هي آثر لديه من تفريق كلمة عدوه فتثاقل عن ذلك لمكان السلم الذي عقد له السلطان أول الدولة وليستبين سبيل القوم‏.‏وقدم السلطان بين يديه يوسف بن عيسى الجشمي وعمر بن موسى الفودودي في جموع كثيفة من بني مرين‏.‏ وسار في ساقتهم فانكشف القوم عن تازى ولحقوا بتلمسان صريخاً‏.‏وحمد السلطان مغبة نظره في التثاقل عن نصرهم ووجد بها الحجة عليهم إذ غاية مظاهراته إياهم أن يملكهم تازى وقد انكشفوا عنها فيئسوا من صريخه‏.‏وأجاز عبد الحق بن عثمان ورحو بن يعقوب إلى الأندلس فأقام رحو بها إلى أن قتله أولاد ابن أبي العلاء ورجع الحسن بن علي إلى مكانه من قبيله ومحله من مجلس السلطان بعد أن اقتضى عهده بالأمان على ذلك‏.‏ولما احتل الحسن بتازى حسم الداء ومحاة أثر الشقاق وأثخن في حاشية الخوارج وذويهم بالقتل والسبي‏.‏ثم اعتل أثناء ذلك وهلك لليال من اعتلاله سلخ جمادى الآخرة من سنة عشر وووري بصحن الجامع الأعظم من تازى‏.‏وبويع السلطان أبو دولة السلطان أبي سعيد

الخبر عن دولة السلطان أبي سعيد وما كان فيها من الأحداث

لما هلك السلطان أبو الربيع بتازى تطاول للأمر عمه عثمان ابن السلطان أبي يعقوب المعروف بأمه قضيب واستلم المنصب وأسدى في ذلك وألحم‏.‏ وحضر الوزراء والمشيخة بالقصر بعد هدوء من الليل فاستشاروا بشيخ القرابة يومئذ وكبير الأعياص المرشحين العالي القعد عثمان بن يعقوب بن عبد الحق‏.‏ ودست أخته عريبة إليهم بالوعد وسربت إليهم الأموال‏.‏وجاءهم عثمان ابن السلطان أبي يعقوب مستاماً فزجروه واستدعوا السلطان أبا سعيد فحضر وبايعوه ليلتئذ وأنفذ كتبه إلى النواحي والجهات باقتضاء البيعة‏.‏وسرح ابنه الأكبر الأمير أبا الحسن إلى فاس فدخلها غرة رجب من سنة عشر‏.‏ودخل القصر واطلع على أمواله وذخيرته‏.‏وفي غد ليلته أخذت البيعة العامة للسلطان بظاهر تازى على بني مرين وسائر زناتة والقبائل والعرب والعساكر والحاشية والموالي والصنائع والعلماء والصلحاء ونقباء الناس وعرفائهم والخاصة والدهماء فقام بالأمر واستوسق له الملك‏.‏وفرق الأعطيات وأسنى الجوائز وتفقد الدواوين ورفع الظلامات وحط المغارم والمكوس‏.‏وسرح أهل السجون ورفع عن أهل فاس وظيفة الرباع‏.‏وارتحل لعشرين من شهر رجب إلى حضرته فاحتل بفاس‏.‏وقدم عليه وفود التهنئة من جميع بلاد المغرب ثم خرج لذي القعدة بعدها إلى رباط الفتح لتفقد الأحوال والنظر في أحوال الرعايا والتهمم بالجهاد وإنشاء الأساطيل للغزو في سبيل الله‏.‏ولما قضى منسك الأضحى بعده رجع إلى حضرته بفاس‏.‏ثم عقد سنة إحدى عشرة لأخيه الأمير أبي البقاء يعيش على ثغور الأندلس الجزيرة ووندة وما إليهما من الحصون‏.‏ثم نهض سنة ثلاث عشرة إلى مراكش لما كان بها من اختلال الأحوال وخروج عدي بن هنو الهسكوري ونقضه للطاعة فنزل به وحاصره مدة واقتحم حصنه عنوة عليه وحمله مقيداً إلى دار ملكه فأودعه الطبق‏.‏ثم رجع إلى غزو تلمسان‏.‏ والله أعلم‏.‏

الخبر عن حركة السلطان أبي سعيد إلى تلمسان أولي حركاته إليها

لما خرج عبد الحق بن عثمان على السلطان أبي الربيع وتغلب على تازى بمظاهرة الحسن بن علي بن أبي الطلاق كبير بني عسكر واختلفت رسلهم إلى أبي حمو موسى بن عثمان سلطان بني عبد الواد أسف ذلك بني مرين وحرك مزاجهم ولما لحق الخارجون على الدولة بالسلطان أبي حمو وأقبل عليهم أضرم ذلك حقد بني مرين‏.‏وولي السلطان أبو سعيد الأمر وفي أنفسهم من بني عبد الواد غصة‏.‏فلما استوسق أمر السلطان ودوخ الجهات المراكشية وعقد على البلاد الأندلسية وفرغ من شأن المغرب اعتزم على غزو تلمسان فنهض إليها سنة أربع عشرة‏.‏ولما انتهى إلى وادي ملوية قدم ابنيه أبا الجسن وأبا علي في عسكرين عظيمين في الجناحين وسار في ساقتهما ودخل بلاد بني عبد الواد على هذه التعبية فاكتسح نواحيها واصطلم نعمها‏.‏ونازل وجدة فقاتلها قتالاً شديداً وامتنعت عليه‏.‏ثم نهض إلى تلمسان فنزل بالملعب من ساحتها‏.‏وانحجز موسى بن عثمان من وراء أسوارها وغلب على معاقلها ورعاياها وسائر ضواحيها فحطمها حطماً ونسف جهاتها نسفاً‏.‏ودوخ جبال بني يزناسن وفتح معاقلها وأثخن فيها وانتهى إلى وجدة‏.‏وكان معه في عسكره أخوه يعيش بن يعقوب وقد أدركته بعض الاسترابة بأمره ففر إلى تلمسان ونزل على أبي حمو ورجع السلطان على تعبيته إلى تازى فأقام بها‏.‏وبعث ولده الأمير أبا علي إلى فاس فكان من خروجه على أبيه ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن انتقاض الأمير أبي علي وما كان بينه وبين أبيه من الواقعات

كان للسلطان أبي سعيد اثنان من الولد أكبرهما لأمته الحبشية وهو علي والآخر لمملوكه من سبي النصرانية وهو عمر‏.‏ وكان هذا الأصغر آثرهما لديه وأعلقهما بقلبه منذ نشأ‏.‏فكان عليه حدباً وبه مشغوفاً‏.‏ولما استولى السلطان على ملك المغرب رشحه لولاية عهده وهو شاب لم يطر شاربه‏.‏ووضعوا له ألقاب الأمارة وصير معه الجلساء والخاصة والكتاب وأمره باتخاذ العلامة في كتبه‏.‏ وعقد على وزارته لإبراهيم بن عيسى اليرنياني من صنائع دولتهم وكبار المرشحين بها‏.‏ولما رأى أخوه الأكبر أبو الحسن صاغية أبيهما إليه وكان شديد البرور لوالديه انحاش إليه وصار في جملته وخلط نفسه بحاشيته طاعة لأبيه‏.‏واستمرت حال الأمير أبي علي على هذا وخاطبه الملوك من النواحي وخاطبهم وهادوه وعقد الرايات وأثبت في الديوان ومحا وزاد في العطاء ونقص وكاد أن يستبد‏.‏ولما قفل السلطان أبو سعيد من غزاته إلى تلمسان سنة أربع عشرة أقام بتازى وبعث ولديه إلى فاس فلما استقر الأمير أبو علي بفاس حدثته نفسه بالاستبداد على أبيه وخلعه وراوضه المداخلون له في المكر بالسلطان حتى يقبض عليه فأبى وركب الخلاف وجاهر بالخلعان‏.‏ودعا لنفسه فأطاعه الناس لما كان السلطان جعل إليه من أمرهم‏.‏وعسكر بساحة البلد الجديد يريد غزو السلطان فبرز من تازى بعسكره يقدم رجلاً ويؤخر أخرى‏.‏ثم بدا للأمير أبي علي في شأن وزيره وحدثته نفسه بالقبض عليه استرابة به لما كان بلغه من المكاتبة بينه وبين السلطان فبعث لذلك عمر بن يخلف الفودودي‏.‏وتفطن الوزير لما جاء به من المكرة فتقبض عليه ونزع إلى السلطان أبي سعيد فتقبله ورضي عنه وارتحل إلى لقاء ابنه‏.‏ولما تراءى الجمعان بالقرمدة ما بين فاس وتازى اختل مصاف السلطان وانهزم عسكره‏.‏وأفلت بعد أن أصابته جراحة في يده وهن لها ولحق بتازى فليلاً جريحاً‏.‏ولحق ابنه الأمير أبو الحسن نازعاً إليه من جملة أخيه أبي علي بعد المحنة وفاء بحق أبيه فاستبشر السلطان بالظهور والفتح وحميد المغبة‏.‏وأناخ الأمير أبو علي بعساكره على تازى وسعى الخواص بين السلطان وبينه في الصلح على أن يخرج له السلطان عن الأمر ويقتصر على تازى وجهاتها فتم ذلك بينهما وانعقد‏.‏وشهد الملأ من مشيخة العرب وزناتة وأهل الأمصار فاستحكم عقده وانكفأ الأمير أبو علي إلى حضرة فاس مملكاً‏.‏وتوافت إليه بيعة الأمصار بالمغرب ووفودهم واستوسق أمره‏.‏ثم اعتل إثر ذلك واشتد وجعه وصار إلى حال الموت وخشي الناس على أنفسهم تلاشي الأمر بمهلكه فتسايلوا إلى السلطان بتازى‏.‏ثم نزع عن الأمير أبي علي وزيره أبو بكر بن النوان وكاتبه منديل بن محمد الكناني وسائر خواصه فلحقوا بالسلطان وحملوه على تلافي الأمر فنهض من تازى واجتمع إليه كافة بني مرين والجند‏.‏ وعسكر على البلد الجديد وأقام محاصراً لها وابتنى داراً لسكناه‏.‏وجعل لابنه الأمير أبي الحسن ما كان لأخيه أبي علي من ولاية العهد وتفويض الأمر‏.‏وتفرد أبو علي بطائفة من النصارى المستخدمين بدولته كان قائدهم يمت إليه بالخؤولة وضبط البلد مدة مرضه حتى إذا أفاق وتبين اختلال أمره بعث إلى أبيه في الصفح والرضى وأن ينزل له عفا انتزى عليه من الأمر على أن يقطعه سجلماسة وما إليها ويسوغه ما احتمل من المال والذخيرة من دراهم فأجابه إلى ذلك‏.‏وانعقد بينهما سنة خمس عشرة‏.‏وخرج الأمير أبو علي بخاصته وحشمه وعسكر بالزيتون من ظاهر البلد‏.‏ووفى له السلطان بما اشترط وارتحل إلى سجلماسة‏.‏ودخل السلطان إلى البلد الجديد ونزل بقصره وأصلح شؤون ملكه وأنزل ابنه الأمير أبا الحسن بالدار البيضاء من قصورهم وفوض إليه في سلطانه تفويض الاستقلال‏.‏وأذن له في اتخاذ الوزراء والكتاب ووضع العلامة على كتابه وسائر ما كان لأخيه‏.‏ووفدت عليه بيعات الأمصار بالمغرب ورجعوا إلى طاعته‏.‏ونزل الأمير أبو علي بسجلماسة فأقام لها ملكا ودون الدواوين واستلحق واستركب وفرض العطاء‏.‏واستخدم ظواعن العرب من المعقل وافتتح معاقل الصحراء وقصور توات وتيكورارين وتمنطيت وغزا بلاد السوس فافتتحها وتغلب على ضواحيها وأثخن في إعرابها من ذوي حسان والشبانات وزكنة حتى استقاموا على طاعته‏.‏وبيت عبد الرحمن بن الحسن بن يدر أمير الأمصار بالسوس في تارودانت مقره فاقتحمها عليه عنوة وقتله واصطلم نعمته وأباد سلطانه‏.‏وأقام لبني مرين في بلاد القبلة ملكاً وسلطاناً‏.‏وانتقض على السلطان سنة عشرين وتغلب على درعا وسما إلى طلب مراكش فعقد السلطان على حربه لأخيه الأمير أبي الحسن وجعله إليه وأغزاه ونهض على أثره فاحتلوا بمراكش وثقفوا أطرافها وحسموا عللها‏.‏وعقد عليها لكندوز بن عثمان من صنائع دولتهم وقفلوا بعسكرهم إلى الحضرة‏.‏ثم نهض الأمير أبو علي سنة اثنتين وعشرين بمجموعه من سجلماسة وأغذ السير إلى مراكش فاحتلت عساكره بها قبل أن يجتمع لكندوز أمره فتقبض عليه وضرب عنقه ورفعه على القناة وملك مراكش وسائر ضواحيها‏.‏وبلغ الخبرإلى السلطان فخرج من حضرته في عساكره بعد أن احتشد وأزاح العلل واستوفى الأعطيات وقدم بين يديه ابنه الأمير أبا الحسن ولي عهده والغالب على أمره في عساكره وجموعه وجاء في ساقته وسارعلى هذه التعبية‏.‏ولما انتهى إلى توتو من وادي ملوية نفروا بالبيات من أبي علي وجنوده فحذروهم وأيقظوا ليلتهم‏.‏وبيتهم بمعسكرهم ذلك فكانت الدايرة عليهم وفل عسكره‏.‏وارتحلوا من الغد في أثره‏.‏وسلك على جبال درن وافترقت جنوده في أوعاره ولحقهم من معراتها شناعات حتى ترجل الأمير أبو علي عن فرسه وسعى على قدميه‏.‏وخلصوا من ورطة ذلك الجبل بعد عصب الريق ولحق بسجلماسة ومهد السلطان نواحي مراكش واستعمل عليها ورتب الحامية بها‏.‏وعقد على جباية أموال المدد مدة ونواحي مراكش لموسى بن علي بن محمد الهنتاتي فعظم عناؤه في ذلك واضطلاعه وامتدت أيام ولايته‏.‏وارتحل السلطان إلى سجلماسة فدافعه الأمير أبو علي بالخضوع في الصفح والرضى والعودة إلى السلم فأجابه السلطان لما كان شغفه من حبه فقد كان يؤثر عنه من ذلك غرائب‏.‏ورجع إلى الحضرة وأقام الأمير أبو علي بمكانه ذلك من القبلة إلى أن هلك السلطان وتغلب عليه أخوه السلطان أبو الحسن كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن نكبة منديل الكناني ومقتله

كان أبو محمد بن محمد الكناني من علية الكتاب بدولة الموحدين ونزع من مراكش عندما انحل نظام بني عبد المؤمن وانفض جمعهم إلى مكناسة فأوطنها في إيالة بني مرين‏.‏واتصل بالسلطان يعقوب بن عبد الحق فصحبه فيمن كان يتأثر على صحابته من أعلام المغرب‏.‏وسفر عنه إلى الملوك كما ذكرنا في سفارته إلى المستنصر سنة خمس وستين‏.‏وهلك السلطان يعقوب بن عبد الحق وازداد الكناني عند ابنه يوسف حظوة ومكانة إلى أن سخطه ونكبه سنة سبع وستين‏.‏وأقصاه من يومئذ وهلك في حال سخطته‏.‏وبقي من بعده ابنه منديل هذا في جملة السلطان أبي يعقوب متبرماً بمكان عبد الله بن أبي مدين المستولي على قهرمة دار السلطان ومخالصته في خلواته غضباً لذلك متوقعاً للنكبة في أكثر أيامه مضطرمة له بالحسد جوانحه مع ما كان عليه من القيام على حسبان الديوان‏.‏عرف فيه بسبقه وشهد به صديقه وعدوه‏.‏ولما تغلب السلطان على ضاحية شلف وأمصاره من بلاد مغرارة واستعمله على حسبان الجباية وجعل إليه ديوان العسكر هنالك وإلى نظره اعتراضهم وتمحيضهم فنزل بمليانة مع من كان هنالك من الأمراء مثل علي بن محمد الخيري والحسن بن علي بن أبي الطلاق العسكري إلى أن هلك السلطان أبو يعقوب ورجع أبو ثابت البلاد إلى أبي زيان وأخيه أبو حمو ملوك بني عبد الواد‏.‏ونزل لهم عنها فرجع إلى المغرب ولحق بالسلطان أبي ثابت ومر في طريقه بأبي زيان وأخيه أبي حمو فخف عليهما وحلا بعيونهما واستبلغا في تكريمه وانصرف إلى مغربه‏.‏وكان أيام معسكر السلطان يوسف بن يعقوب على تلمسان قد صحب أخاه أبا سعيد عثمان بن يعقوب في حال خموله وتأكدت بينهما الخلة التي رعاها له السلطان أبو سعيد‏.‏فلما ولي المغرب مت بذلك إليه فعرفه له واختصه وخالصه وجعل إليه وضع علامته وحسبان جبايته ومستخلص أحواله والمفاوضة بذات صدره‏.‏ورفع مجلسه وقدمه على خاصته‏.‏وكان كثير الصاغية للأمير أبي علي ابنه المتغلب على أبيه أول مرة‏.‏ولما استبد وخلع أباه انحاش منديل هذا إليه‏.‏ثم نزع عنه حين تبين اختلال أمره‏.‏وكان الأمير أبو الحسن يحقد له ولاية أخيه أبي علي لما كان بينهما من المنافسة‏.‏وكان كثيراً ما يوغر صدره بإيجاب حق عمر عليه وامتهانه في خدمته‏.‏وطوى له على النث حتى إذا انفرد بمجلس أبيه وفصل عمر إلى سجلماسة أحكم السعاية فيه والآلاء في الهلكة التي صر السلطان عليها أذنا واعية حتى تأذن الله بإهلاكه‏.‏وكان منديل هذا كثيراً ما يغضب السلطان في المحاورة والخطاب دالة عليه وكبراً فاعتد عليه من ذلك كلمات وأحوالا وسخطه سنة ثمان عشرة‏.‏وأذن لابنه أبي الحسن في نكبته فاعتقله واستصفى ماله وطوى ديوانه وامتحنه أياما ثم قتله بمجلسه خنقاً ويقال جوعاً وذهب مثلاً في الغابرين‏.‏ والله خير الوارثين‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-07-2011, 05:43 PM
الخبر عن غزاة السلطان لمدافعة عثمان بن أبي العلاء ببلاد الهبط

ومهلكه بطنجة من بعد ظهوره لما ملك الرئيس أبو سعيد فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر بسبتة سنة خمس وسبعماية وأقام بها الدعوة لابن عمه المخلوع محمد بن محمد الفقيه بن محمد بن محمد الشيخ بن يوسف بن نصر كما ذكرناه وأجاز معه رئيس الغزاة المجاهدين بمحل أمارته من مالقة عثمان بن أبي العلاء إدريس بن عبد الله بن عبد الحق من أعياص هذا البيت كان مرشحا للملك فيهم‏.‏ واستقدمه معه ليفرق به الكلمة في المغرب ويشغل بفتنة الدولة مدافعة عن سبتة لما كانوا أهاجوا السلطان وقومه بأخذها‏.‏واستنام ملكها وطمع عثمان في ملك المغرب بإمدادهم ومظاهرتهم‏.‏وسولت له نفسه ذلك فخرج من سبتة وولى على جيش الغزاة بعده عمر ابن عمه رحو بن عبد الله‏.‏ ونجم هو ببلاد غمارة فدعا لنفسه وأجابته القبائل منهم‏.‏واحتل بحصن علودان من أمنع معاقلهم وبايعوه على الموت‏.‏ثم نهض إلى أصيلا والعرائش فغلب عليها‏.‏واتصل ذلك كله بالسلطان الهالك أبي يعقوب فلم يدركه استهانة بأمرهم‏.‏وبعث ابنه أبا سالم بالعساكر فنازل سبتة أياماً ثم أقلع عنها‏.‏وبعث بعده أخاه يعيش بن يعقوب وأنزله طنجة وجهز معه الكتائب وجعلها ثغراً‏.‏وزحف إليه عثمان بن أبي العلاء فتأخر عن طنجة إلى القصر‏.‏ثم أتبعه فخرج أهل القصر فرساناً ورجالا ورماة مع يعيش فوصلوا إلى وادي ورا ثم انهزموا إلى البلد‏.‏ومات عمر بن ياسين ونازل عثمان عليهم القصر يوماً ثم دخله من غده‏.‏ثم كان مهلك السلطان ومفر يعيش بن يعقوب خيفة من أبي ثابت فلحق بعثمان بن أبي العلاء‏.‏واستقإم أمره بتلك الجهات برهة‏.‏وكان السلطان أبو ثابت لما احتل بالمغرب شغله ما كان من انتزاء يوسف بن محمد بن أبي عياد بمراكش كما قدمناه فعقد على حرب عثمان بن أبي العلاء مكان عمه يعيش بن يمقوب لعبد الحق بن عثمان بن محمد بن عبد الحق من رجال بيته فزحف إليه‏.‏ونهض عثمان إلى لقائه منتصف ذي الحجة سنة سبع فهزمه واستلحم من كان معه من جند الروم‏.‏وهلك في تلك الواقعة عبد الواحد الفودودي من رجالات السلطان المرشحين ردفاء الوزارة‏.‏وصار عثمان إلى قصر كتامة فنازله واستولى على جهاته‏.‏وعلى تفيئة ذلك كان رجوع السلطان من غزاة مراكش‏.‏وقد حسم الداء ومحا أثر النفاق فاعتزم على الحركة إلى بلاد غمارة ليمحو منها دعوة ابن أبي العلاء التي كانت تلج عليه ممالكه بالمغرب ويرده على عقبه ويستخلص سبتة من يد ابن الأحمر لما صارت ركاباً لمن يروم الانتزاء والخروج من القرابة والأعياص المستنفرين وراء البحر غزاة في سبيل الله فنهض من فاس منتصف ذي الحجة من سنة سبع‏.‏ولما انتهى إلى قصر كتامة تلوم بها ثلاثاً حتى توافت عساكره وحشوده وكمل اعتراضها‏.‏وفر عثمان بن أبي العلاء أمامه‏.‏وارتحل السلطان في اتباعه فنازل حصن علودان واقتحمها عنوة‏.‏واستلحم بها زهاء أربعماية‏.‏ ثم نازل بلد الدمنة فاقتحمها وأثخن فيها قتلاً وسبياً لتمسكها بطاعة ابن أبي العلاء ومظاهرتها له على كبس القصر واستاحته ثم ارتحل إلى طنجة واحتل بها غرة سنة ثمان‏.‏ وانحجز ابن أبي العلاء بسبتة مع أوليائه‏.‏وسرح السلطان عساكره فتقرت نواحي سبتة بالاكتساح والغارة‏.‏وأمر باختطاط بلد تيطاوين لنزول عساكره والأخذ بمخنق سبتة‏.‏وأوفد كبير الفقهاء بمجلسه أبا يحيى بن أبي الصبر إليهم في شأن النزول له عن البلد‏.‏وفي خلال ذلك اعتل السلطان بمرض وقضى لأيام قلائل في ثامن صفر من سنته ودفن بظاهر طنجة‏.‏ ثم حمل شلوه بعد أيام إلى مدفن آبائه بشالة فووري هنالك‏.‏رحمة الله عليه وعليهم‏.‏دولة السلطان أبي الربيع

الخبر عن دولة السلطان أبي الربيع وما كان فيها من الأحداث

لما هلك السلطان أبو ثابت تصدى للقيام بالأمر عمه علي ابن السلطان أبي يعقوب المعروف بأمه رزيكة وخلص الملأ من بني مرين أهل الحل والعقد إلى أخيه أبي الربيع فبايعوه‏.‏وتقبض على عمه علي بن زريكة المستام للأمر فاعتقله بطنجة إلى أن هلك سنة عشر لجمادى وبث العطاء في الناس وأجزل الصلات وارتحل نحو فاس‏.‏واتبعه عثمان بن أبي العلاء في جيش كثيف وبيته وقد نذر به العسكر فأيقظوا ليلهم ووافاهم على الظهر بساحة علودان فناجزهم الحرب‏.‏ وكانت الدائرة على عثمان وقومه‏.‏وتقبض على ولده وكثير من عسكره‏.‏ وأثخن أولياء السلطان فيهم بالقتل والسبي وكان الظهور الذي لا كفاء له‏.‏ ووصل أبو يحيى بن أبي الصبر إلى الأندلس وقد أحكم عقدة الصلح‏.‏وقد كان ابن الأحمر جاء للقاء السلطان أبي ثابت ووصل إلى الجزيرة الخضراء فأدركه خبر مهلكه فتوقف عن الجواز‏.‏وأجاز ابن أبي الصبر بإحكام المؤاخاة‏.‏واجتاز عثمان بن أبي العلاء إلى العدوة فيمن معه من القرابة فلحق بغرناطة‏.‏وأغذ السلطان السير إلى حضرته فدخل فاس آخر ربيع من سنة ثمان‏.‏واستقامت الأمور وتمهد الملك وعقد السلم مع صاحب تلمسان موسى بن عثمان بن يغمراس فأقام وادعاً بحضرته‏.‏وكانت أيامه خير أيام هدنة وسكونة وترفاً لأهل الدولة‏.‏وفي أيامه تغالى الناس في أثمان العقار فبلغت قيمتها فوق المعتاد حتى لقد بيع كثير من الدور بفاس بألف دينار من الذهب العين‏.‏وتنافس الناس في البناء فعالوا الصروح واتخذوا القصور المشيدة بالصخر والرخام وزخرفوها بالزليج والنقوش‏.‏وتناغوا في لبس الحرير وركوب الفاره وأكل الطيب واقتناء الحلى من الذهب والفضة‏.‏واستبحر العمران وظهرت الزينة والترف والسلطان وادع بداره متمل أريكته إلى أن هلك كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبرعن مقتل عبد الله بن أبي مدين

كان أبو شعيب بن مخلوف من بني أبي عثمان من قبائل كتامة المجاورين للقصر الكبير وكان منتحلا للدين مشتهراً به‏.‏ ولما أجلب بنو مرين على المغرب وجالوا في بسائطه وتغلبوا على ضواحيه صحب البر منهم والفاجر من أهله‏.‏وكان بنو عبد الحق قد تخيروا شعيباً هذا فيمن تخيروه للصحابة من أهل الدين فكان إمام صلاتهم‏.‏ وكان يعقوب بن عبد الحق أشدهم صحابة له وأوفاهم بها ذماماً فاتصل به حبله واستمرت صحابته وعظم في الدولة قدره‏.‏وانبسط بين الناس جاه ولده وأقاربه وحاشيته‏.‏وربى بنو شعيب هذا عبد الله ومحمد المعروف بالحاج وأبو القاسم من بعدهم من إخوتهم بقصر كتامة في جو ذلك الجاه‏.‏وهلك السلطان يعقوب بن عبد الحق فاستخلصهم يوسف بن يعقوب لخدمته واستعملهم‏.‏على مختصاته‏.‏ ثم ترقى بهم في رتب خدمته وأخصائه درجة بعد أخرى إلى أن هلك أبوهم مدين شعيب سنة سبع وتسعين‏.‏وكان المقدم منهم عند السلطان عبد الله فأوفى به على ثنيات العز والوزارة والخلة والولاية‏.‏وتقدم بحظوته في مجلسه كل حظوة واختصه بوضع علامته على الرسائل والأوامر الصادرة عنه‏.‏وجعل إليه حسبان الخراج والضرب على أيدي العمال وتقييد الأوامر بالبسط والقبض‏.‏ واستخلصه لمناجاة الخلوات والإفضاء بذات الصدرة فوقف ببابه الأشراف من الخاصة والقبيل والقرابة والولد وتوددوا وخطبوا نائله‏.‏وكان عبد الله استعمل مع ذلك أخاه محمداً على جباية المصامدة بمراكش وهنأ أبا القاسم الدعة بفاس فأقام بها متملياً راحته عريضاً جاهه طاعماً كاسياً تتسرب إليه أموال العمال في سبيل الإتحاف وتقف ببابه صدور الركائب إلى أن هلك السلطان أبو يعقوب يوسف‏.‏ويقال إن له خائنة في دمه مع سعاية الملياني‏.‏ولما ولي السلطان أبو ثابت ضاعف رتبته وشفع لديه خطته ورفع على الأقدار قدرة‏.‏ثم ولي من بعده أخوه أبو الربيع فتقبل فيه مذهب سلفه‏.‏وكان بنو رقاصة اليهود حين نكبوا باشر نكبتهم لمكانه من إصدار الأوامر‏.‏ويزعمون أن له فيهم سعاية‏.‏وكان خليفة الأصغر منهم قد استبقي كما ذكرناه فلما أفضى الأمر إلى السلطان أبي الربيع استعمل خليفة بداره في بعض المهن ولابس الخدم حتى اتصل بمباشرة السلطان فجعل غايته السعاية بعبد الله بن أبي مدين‏.‏وكان يؤثر عن السلطان أبي الربيع أنه لا يؤمن بوائقه مع حزم ذويه وتعرف خليفة ذلك من مقالات الناس فدس إلى السلطان أن عبد الله بن أبي مدين يعرض باتهام السلطان في ابنته وأن صدره وغر بذلك وأنه متعرض بالدولة‏.‏وكان يخشى الغائلة لما كان عليه من مداخلة القبيل ولما كان داعية من دعاة آل يعقوب فتعجل السلطان دفع غائلته واستدعاه صبيحة زفاف ابنته زعموا على زوجها فاستحثه قائد الروم من داره بفاس‏.‏ونفر بالشر فلم يغنه النذر‏.‏ومر في طريقه إلى دار السلطان بمقبرة أبي يحيى بن العربي فطعنه القائد هنالك من ورائه طعنة أكبه على ذقنه‏.‏ واحتز رأسه فألقاه بين أيدي السلطان‏.‏ودخل الوزير سليمان بن يرزيكن فوجده بين يديه فذهبت نفسه عليه على مكانه من الدولة حسرة وأسفاً وأيقظ السلطان لمكر اليهودي فوقفه على براءة كان ابن أبي مدين بعثها معه إلى السلطان بالتنصل والحلف فتيقظ وعلم مكر اليهودي به فندم وفتك لحينه بخليفة بن رقاصة وذويه من اليهود المتصدين للخدمة وسطاً بهم سطوة الهلكة فأصبحوا مثلاً للآخرين‏.‏والله أعلم‏.‏

الخبر عن ثورة أهل سبتة بالأندلسيين ومراجعتهم طاعة السلطان

لما قفل السلطان أبو الربيع من غزاة سبتة بعد أن شرد عثمان بن أبي العلاء وأحجزه بسبتة وأجاز منها إلى العدوة ومن كان معه من القرابة كما قلناه بلغه الخبر بضجر أهل سبتة ومرض قلوبهم من ولاية الأندلسيين عليهم وسوء ملكتهم‏.‏ودس إليه بعض أشياعه بالبلد بمثل ذلك فأغزى صنيعته تاشفين بن يعقوب الوطاسي أخا وزيره في عساكر ضخمة من بني مرين وسائر الطبقات من الجند‏.‏وأوعز إليه بالتقدم إلى سبتة ومنازلتها فأغذ إليها السير ونزل بساحتها ولما أحس به أهل البلد بهشت رجالاتهم وتنادوا بشعارهم وثاروا على من كان منهم من قواد ابن الأحمر وعماله وأخرجوا منها حاميته وجنوده‏.‏واقتحمها العساكر‏.‏واحتل تاشفين بن يعقوب بقصبتها عاشر صفر من سنة تسع‏.‏وطير الفوائق بالخبر إلى السلطان فعم السرور وعظم شأن الفتح‏.‏وتقبض على قائد القصبة أبي زكرياء يحيى بن مليلة وعلى قائد البحر أبي الحسن بن كماشة وعلى قائد الحروب بها من الأعياص عمر بن رحو بن عبد الله بن عبد الحق‏.‏كان صاحب الأندلس عقد له مكان ابن عمه عثمان بن أبي العلاء عند إجازته البحر إلى الجهاد كما ذكرنا‏.‏وكتب إلى السلطان بالفتح وأوفد عليه الملأ من مشيخة سبتة وأهل الشورى‏.‏وبلغ الخبرإلى ابن الأحمر فارتاع لذلك وخشي عادية السلطان وجيوش المغرب حين انتهوا إلى الفرضة‏.‏وكان الطاغية في تلك الأيام نازل الجزيرة الخضراء وأقلع عنها على الصلح بعد أن أذاقها من الحصار شدة وبعد أن نازل جبل الفتح فتغلب عليه وملكه‏.‏وانهزم زعيم من زعمائه يعرف بالفنش هزمه أبو يحيى بن عبد الله بن أبي العلاء صاحب الجند بمالقة لقيه يجوس خلال البلاد بعد تملك الجبل فهزم النصارى وقتلوا أبرح قتل‏.‏وأهم المسلمين شأن الجبل فبادر السلطان أبو الجيوش بإنفاذ رسله راغبين في السلم خاطبين للولاية‏.‏وتبرع بالنزول عن الجزيرة ورندة وحصونها ترغيباً للسلطان في الجهاد فتقبل منه السلطان وعقد له الصلح على ما رغب‏.‏وأصهر إليه في أخته فأنكحه إياها‏.‏وبعث بالمدد للجهاد أموالا وخيولا وجنائب مع عثمان بن عيسى اليرنياني‏.‏واتصلت بينهما المهادنة والولاية إلى مهلك السلطان‏.‏ والبقاء لله وحده‏.‏

الخبر عن بيعة عبد الحق بن عثمان بممالأة الوزير والمشيخة

وظهور السلطان عليهم ثم مهلكه بعد ذلك كانت رسل ابن الأحمر خلال هذه المهادنة والمكاتبات تختلف إلى باب السلطان ووصل منهم في بعض أحيانها خلف من مترفيهم فجاهر بالكبائر فكشف صفحة وجهه في معاقرة الخمر والإدمان عليه وكان السلطان منذ شهر جمادى الأول سنة تسع قد عزل القاضي بفاس أبا غالب المغيلي وعهد بأحكام القضاء لشيخ الفتيا المذكور بها أبي الحسن الملقب بالصغير‏.‏ وكان على ثبج من تغيير المنكرات والتعسف فيها‏.‏حتى لقد كان مطاوعاً في ذلك وسواس النسك الأعجمي متجاوزاً بها الحدود المتعارفة من أهل الشريعة في سائر الأمصار‏.‏ وأحضر عنده ذات يوم هذا الرسول ثملا وحضر العدول فاستروحوه ثم أمضى حكم الله فيه وأقام عليه الحدود‏.‏ وأضرمته هذه الموجدة فاضطرم غيظاً‏.‏وتعرض للوزير رحو بن يعقوب الوطاسي منصرفه من دار السلطان في موكبه وكشف عن ظهره يريه أثر السياط وينعي عليهم سوء هذا المرتكب مع الرسل فتبرم لذلك الوزير وأدركته حفيظة وسرح وزعته وحشمه في إحضار القاضي على أسوإ الحالات من التنكيل والتل لذقنه فمضوا لذلك الوجه‏.‏واعتصم القاضي بالمسجد الجامع ونادى المسلمين فثارت العامة بهم ومرج أمر الناس‏.‏واتصل الخبر بالسلطان فتلافاه بالبعث في أولئك النفر من وزعة الوزير وضرب أعناقهم وجعلهم عظة لمن وراءهم فأسوها الوزير في نفسه وداخل الحسن بن علي بن أبي الطلاق من بني عسكر بن محمد شيخ بني مرين والمسلم له في شوراهم وقائد الروم غنصالة المنفرد برياسة العسكر وشوكته وكان لهم بالوزير اختصاص آثروه له على سلطانه فدعاهم إلى بيعة عبد الحق بن عثمان بن محمد بن عبد الحق كبير القرابة وأسد الأعياص وخلع طاعة السلطان فأجابوه وبايعوا له وتم أمرهم نجياً‏.‏ثم خرجوا عاشر جمادى من سنة عشر إلى ظاهر البلد الجديد بمكان الرمكة وجاهروا بالخلعان وأقاموا الآلة وبايعوا سلطانهم عبد الحق على عيون الملأ‏.‏وعسكروا بالعدوة القصوى من سبو تخم بلاد عسكر وإزاء نبدورة من معاقل الحسن بن علي زعيم تلك الثورة‏.‏ثم ارتحلوا من الغد إلى تازى وخرج السلطان في طلبهم فعسكر بسبو وتلوم لاعتراض العساكر وإزاحة العلل واحتل القوم برباط تازى وأوفدوا على موسى بن عثمان بن يغمراسن سلطان بني عبد الواد يدعونه إلى المظاهرة واتصال اليد والمدد بالعساكر والأموال جنوحاً إلى التي هي آثر لديه من تفريق كلمة عدوه فتثاقل عن ذلك لمكان السلم الذي عقد له السلطان أول الدولة وليستبين سبيل القوم‏.‏وقدم السلطان بين يديه يوسف بن عيسى الجشمي وعمر بن موسى الفودودي في جموع كثيفة من بني مرين‏.‏ وسار في ساقتهم فانكشف القوم عن تازى ولحقوا بتلمسان صريخاً‏.‏وحمد السلطان مغبة نظره في التثاقل عن نصرهم ووجد بها الحجة عليهم إذ غاية مظاهراته إياهم أن يملكهم تازى وقد انكشفوا عنها فيئسوا من صريخه‏.‏وأجاز عبد الحق بن عثمان ورحو بن يعقوب إلى الأندلس فأقام رحو بها إلى أن قتله أولاد ابن أبي العلاء ورجع الحسن بن علي إلى مكانه من قبيله ومحله من مجلس السلطان بعد أن اقتضى عهده بالأمان على ذلك‏.‏ولما احتل الحسن بتازى حسم الداء ومحاة أثر الشقاق وأثخن في حاشية الخوارج وذويهم بالقتل والسبي‏.‏ثم اعتل أثناء ذلك وهلك لليال من اعتلاله سلخ جمادى الآخرة من سنة عشر وووري بصحن الجامع الأعظم من تازى‏.‏وبويع السلطان أبو دولة السلطان أبي سعيد

الخبر عن دولة السلطان أبي سعيد وما كان فيها من الأحداث

لما هلك السلطان أبو الربيع بتازى تطاول للأمر عمه عثمان ابن السلطان أبي يعقوب المعروف بأمه قضيب واستلم المنصب وأسدى في ذلك وألحم‏.‏ وحضر الوزراء والمشيخة بالقصر بعد هدوء من الليل فاستشاروا بشيخ القرابة يومئذ وكبير الأعياص المرشحين العالي القعد عثمان بن يعقوب بن عبد الحق‏.‏ ودست أخته عريبة إليهم بالوعد وسربت إليهم الأموال‏.‏وجاءهم عثمان ابن السلطان أبي يعقوب مستاماً فزجروه واستدعوا السلطان أبا سعيد فحضر وبايعوه ليلتئذ وأنفذ كتبه إلى النواحي والجهات باقتضاء البيعة‏.‏وسرح ابنه الأكبر الأمير أبا الحسن إلى فاس فدخلها غرة رجب من سنة عشر‏.‏ودخل القصر واطلع على أمواله وذخيرته‏.‏وفي غد ليلته أخذت البيعة العامة للسلطان بظاهر تازى على بني مرين وسائر زناتة والقبائل والعرب والعساكر والحاشية والموالي والصنائع والعلماء والصلحاء ونقباء الناس وعرفائهم والخاصة والدهماء فقام بالأمر واستوسق له الملك‏.‏وفرق الأعطيات وأسنى الجوائز وتفقد الدواوين ورفع الظلامات وحط المغارم والمكوس‏.‏وسرح أهل السجون ورفع عن أهل فاس وظيفة الرباع‏.‏وارتحل لعشرين من شهر رجب إلى حضرته فاحتل بفاس‏.‏وقدم عليه وفود التهنئة من جميع بلاد المغرب ثم خرج لذي القعدة بعدها إلى رباط الفتح لتفقد الأحوال والنظر في أحوال الرعايا والتهمم بالجهاد وإنشاء الأساطيل للغزو في سبيل الله‏.‏ولما قضى منسك الأضحى بعده رجع إلى حضرته بفاس‏.‏ثم عقد سنة إحدى عشرة لأخيه الأمير أبي البقاء يعيش على ثغور الأندلس الجزيرة ووندة وما إليهما من الحصون‏.‏ثم نهض سنة ثلاث عشرة إلى مراكش لما كان بها من اختلال الأحوال وخروج عدي بن هنو الهسكوري ونقضه للطاعة فنزل به وحاصره مدة واقتحم حصنه عنوة عليه وحمله مقيداً إلى دار ملكه فأودعه الطبق‏.‏ثم رجع إلى غزو تلمسان‏.‏ والله أعلم‏.‏

الخبر عن حركة السلطان أبي سعيد إلى تلمسان أولي حركاته إليها

لما خرج عبد الحق بن عثمان على السلطان أبي الربيع وتغلب على تازى بمظاهرة الحسن بن علي بن أبي الطلاق كبير بني عسكر واختلفت رسلهم إلى أبي حمو موسى بن عثمان سلطان بني عبد الواد أسف ذلك بني مرين وحرك مزاجهم ولما لحق الخارجون على الدولة بالسلطان أبي حمو وأقبل عليهم أضرم ذلك حقد بني مرين‏.‏وولي السلطان أبو سعيد الأمر وفي أنفسهم من بني عبد الواد غصة‏.‏فلما استوسق أمر السلطان ودوخ الجهات المراكشية وعقد على البلاد الأندلسية وفرغ من شأن المغرب اعتزم على غزو تلمسان فنهض إليها سنة أربع عشرة‏.‏ولما انتهى إلى وادي ملوية قدم ابنيه أبا الجسن وأبا علي في عسكرين عظيمين في الجناحين وسار في ساقتهما ودخل بلاد بني عبد الواد على هذه التعبية فاكتسح نواحيها واصطلم نعمها‏.‏ونازل وجدة فقاتلها قتالاً شديداً وامتنعت عليه‏.‏ثم نهض إلى تلمسان فنزل بالملعب من ساحتها‏.‏وانحجز موسى بن عثمان من وراء أسوارها وغلب على معاقلها ورعاياها وسائر ضواحيها فحطمها حطماً ونسف جهاتها نسفاً‏.‏ودوخ جبال بني يزناسن وفتح معاقلها وأثخن فيها وانتهى إلى وجدة‏.‏وكان معه في عسكره أخوه يعيش بن يعقوب وقد أدركته بعض الاسترابة بأمره ففر إلى تلمسان ونزل على أبي حمو ورجع السلطان على تعبيته إلى تازى فأقام بها‏.‏وبعث ولده الأمير أبا علي إلى فاس فكان من خروجه على أبيه ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن انتقاض الأمير أبي علي وما كان بينه وبين أبيه من الواقعات

كان للسلطان أبي سعيد اثنان من الولد أكبرهما لأمته الحبشية وهو علي والآخر لمملوكه من سبي النصرانية وهو عمر‏.‏ وكان هذا الأصغر آثرهما لديه وأعلقهما بقلبه منذ نشأ‏.‏فكان عليه حدباً وبه مشغوفاً‏.‏ولما استولى السلطان على ملك المغرب رشحه لولاية عهده وهو شاب لم يطر شاربه‏.‏ووضعوا له ألقاب الأمارة وصير معه الجلساء والخاصة والكتاب وأمره باتخاذ العلامة في كتبه‏.‏ وعقد على وزارته لإبراهيم بن عيسى اليرنياني من صنائع دولتهم وكبار المرشحين بها‏.‏ولما رأى أخوه الأكبر أبو الحسن صاغية أبيهما إليه وكان شديد البرور لوالديه انحاش إليه وصار في جملته وخلط نفسه بحاشيته طاعة لأبيه‏.‏واستمرت حال الأمير أبي علي على هذا وخاطبه الملوك من النواحي وخاطبهم وهادوه وعقد الرايات وأثبت في الديوان ومحا وزاد في العطاء ونقص وكاد أن يستبد‏.‏ولما قفل السلطان أبو سعيد من غزاته إلى تلمسان سنة أربع عشرة أقام بتازى وبعث ولديه إلى فاس فلما استقر الأمير أبو علي بفاس حدثته نفسه بالاستبداد على أبيه وخلعه وراوضه المداخلون له في المكر بالسلطان حتى يقبض عليه فأبى وركب الخلاف وجاهر بالخلعان‏.‏ودعا لنفسه فأطاعه الناس لما كان السلطان جعل إليه من أمرهم‏.‏وعسكر بساحة البلد الجديد يريد غزو السلطان فبرز من تازى بعسكره يقدم رجلاً ويؤخر أخرى‏.‏ثم بدا للأمير أبي علي في شأن وزيره وحدثته نفسه بالقبض عليه استرابة به لما كان بلغه من المكاتبة بينه وبين السلطان فبعث لذلك عمر بن يخلف الفودودي‏.‏وتفطن الوزير لما جاء به من المكرة فتقبض عليه ونزع إلى السلطان أبي سعيد فتقبله ورضي عنه وارتحل إلى لقاء ابنه‏.‏ولما تراءى الجمعان بالقرمدة ما بين فاس وتازى اختل مصاف السلطان وانهزم عسكره‏.‏وأفلت بعد أن أصابته جراحة في يده وهن لها ولحق بتازى فليلاً جريحاً‏.‏ولحق ابنه الأمير أبو الحسن نازعاً إليه من جملة أخيه أبي علي بعد المحنة وفاء بحق أبيه فاستبشر السلطان بالظهور والفتح وحميد المغبة‏.‏وأناخ الأمير أبو علي بعساكره على تازى وسعى الخواص بين السلطان وبينه في الصلح على أن يخرج له السلطان عن الأمر ويقتصر على تازى وجهاتها فتم ذلك بينهما وانعقد‏.‏وشهد الملأ من مشيخة العرب وزناتة وأهل الأمصار فاستحكم عقده وانكفأ الأمير أبو علي إلى حضرة فاس مملكاً‏.‏وتوافت إليه بيعة الأمصار بالمغرب ووفودهم واستوسق أمره‏.‏ثم اعتل إثر ذلك واشتد وجعه وصار إلى حال الموت وخشي الناس على أنفسهم تلاشي الأمر بمهلكه فتسايلوا إلى السلطان بتازى‏.‏ثم نزع عن الأمير أبي علي وزيره أبو بكر بن النوان وكاتبه منديل بن محمد الكناني وسائر خواصه فلحقوا بالسلطان وحملوه على تلافي الأمر فنهض من تازى واجتمع إليه كافة بني مرين والجند‏.‏ وعسكر على البلد الجديد وأقام محاصراً لها وابتنى داراً لسكناه‏.‏وجعل لابنه الأمير أبي الحسن ما كان لأخيه أبي علي من ولاية العهد وتفويض الأمر‏.‏وتفرد أبو علي بطائفة من النصارى المستخدمين بدولته كان قائدهم يمت إليه بالخؤولة وضبط البلد مدة مرضه حتى إذا أفاق وتبين اختلال أمره بعث إلى أبيه في الصفح والرضى وأن ينزل له عفا انتزى عليه من الأمر على أن يقطعه سجلماسة وما إليها ويسوغه ما احتمل من المال والذخيرة من دراهم فأجابه إلى ذلك‏.‏وانعقد بينهما سنة خمس عشرة‏.‏وخرج الأمير أبو علي بخاصته وحشمه وعسكر بالزيتون من ظاهر البلد‏.‏ووفى له السلطان بما اشترط وارتحل إلى سجلماسة‏.‏ودخل السلطان إلى البلد الجديد ونزل بقصره وأصلح شؤون ملكه وأنزل ابنه الأمير أبا الحسن بالدار البيضاء من قصورهم وفوض إليه في سلطانه تفويض الاستقلال‏.‏وأذن له في اتخاذ الوزراء والكتاب ووضع العلامة على كتابه وسائر ما كان لأخيه‏.‏ووفدت عليه بيعات الأمصار بالمغرب ورجعوا إلى طاعته‏.‏ونزل الأمير أبو علي بسجلماسة فأقام لها ملكا ودون الدواوين واستلحق واستركب وفرض العطاء‏.‏واستخدم ظواعن العرب من المعقل وافتتح معاقل الصحراء وقصور توات وتيكورارين وتمنطيت وغزا بلاد السوس فافتتحها وتغلب على ضواحيها وأثخن في إعرابها من ذوي حسان والشبانات وزكنة حتى استقاموا على طاعته‏.‏وبيت عبد الرحمن بن الحسن بن يدر أمير الأمصار بالسوس في تارودانت مقره فاقتحمها عليه عنوة وقتله واصطلم نعمته وأباد سلطانه‏.‏وأقام لبني مرين في بلاد القبلة ملكاً وسلطاناً‏.‏وانتقض على السلطان سنة عشرين وتغلب على درعا وسما إلى طلب مراكش فعقد السلطان على حربه لأخيه الأمير أبي الحسن وجعله إليه وأغزاه ونهض على أثره فاحتلوا بمراكش وثقفوا أطرافها وحسموا عللها‏.‏وعقد عليها لكندوز بن عثمان من صنائع دولتهم وقفلوا بعسكرهم إلى الحضرة‏.‏ثم نهض الأمير أبو علي سنة اثنتين وعشرين بمجموعه من سجلماسة وأغذ السير إلى مراكش فاحتلت عساكره بها قبل أن يجتمع لكندوز أمره فتقبض عليه وضرب عنقه ورفعه على القناة وملك مراكش وسائر ضواحيها‏.‏وبلغ الخبرإلى السلطان فخرج من حضرته في عساكره بعد أن احتشد وأزاح العلل واستوفى الأعطيات وقدم بين يديه ابنه الأمير أبا الحسن ولي عهده والغالب على أمره في عساكره وجموعه وجاء في ساقته وسارعلى هذه التعبية‏.‏ولما انتهى إلى توتو من وادي ملوية نفروا بالبيات من أبي علي وجنوده فحذروهم وأيقظوا ليلتهم‏.‏وبيتهم بمعسكرهم ذلك فكانت الدايرة عليهم وفل عسكره‏.‏وارتحلوا من الغد في أثره‏.‏وسلك على جبال درن وافترقت جنوده في أوعاره ولحقهم من معراتها شناعات حتى ترجل الأمير أبو علي عن فرسه وسعى على قدميه‏.‏وخلصوا من ورطة ذلك الجبل بعد عصب الريق ولحق بسجلماسة ومهد السلطان نواحي مراكش واستعمل عليها ورتب الحامية بها‏.‏وعقد على جباية أموال المدد مدة ونواحي مراكش لموسى بن علي بن محمد الهنتاتي فعظم عناؤه في ذلك واضطلاعه وامتدت أيام ولايته‏.‏وارتحل السلطان إلى سجلماسة فدافعه الأمير أبو علي بالخضوع في الصفح والرضى والعودة إلى السلم فأجابه السلطان لما كان شغفه من حبه فقد كان يؤثر عنه من ذلك غرائب‏.‏ورجع إلى الحضرة وأقام الأمير أبو علي بمكانه ذلك من القبلة إلى أن هلك السلطان وتغلب عليه أخوه السلطان أبو الحسن كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن نكبة منديل الكناني ومقتله

كان أبو محمد بن محمد الكناني من علية الكتاب بدولة الموحدين ونزع من مراكش عندما انحل نظام بني عبد المؤمن وانفض جمعهم إلى مكناسة فأوطنها في إيالة بني مرين‏.‏واتصل بالسلطان يعقوب بن عبد الحق فصحبه فيمن كان يتأثر على صحابته من أعلام المغرب‏.‏وسفر عنه إلى الملوك كما ذكرنا في سفارته إلى المستنصر سنة خمس وستين‏.‏وهلك السلطان يعقوب بن عبد الحق وازداد الكناني عند ابنه يوسف حظوة ومكانة إلى أن سخطه ونكبه سنة سبع وستين‏.‏وأقصاه من يومئذ وهلك في حال سخطته‏.‏وبقي من بعده ابنه منديل هذا في جملة السلطان أبي يعقوب متبرماً بمكان عبد الله بن أبي مدين المستولي على قهرمة دار السلطان ومخالصته في خلواته غضباً لذلك متوقعاً للنكبة في أكثر أيامه مضطرمة له بالحسد جوانحه مع ما كان عليه من القيام على حسبان الديوان‏.‏عرف فيه بسبقه وشهد به صديقه وعدوه‏.‏ولما تغلب السلطان على ضاحية شلف وأمصاره من بلاد مغرارة واستعمله على حسبان الجباية وجعل إليه ديوان العسكر هنالك وإلى نظره اعتراضهم وتمحيضهم فنزل بمليانة مع من كان هنالك من الأمراء مثل علي بن محمد الخيري والحسن بن علي بن أبي الطلاق العسكري إلى أن هلك السلطان أبو يعقوب ورجع أبو ثابت البلاد إلى أبي زيان وأخيه أبو حمو ملوك بني عبد الواد‏.‏ونزل لهم عنها فرجع إلى المغرب ولحق بالسلطان أبي ثابت ومر في طريقه بأبي زيان وأخيه أبي حمو فخف عليهما وحلا بعيونهما واستبلغا في تكريمه وانصرف إلى مغربه‏.‏وكان أيام معسكر السلطان يوسف بن يعقوب على تلمسان قد صحب أخاه أبا سعيد عثمان بن يعقوب في حال خموله وتأكدت بينهما الخلة التي رعاها له السلطان أبو سعيد‏.‏فلما ولي المغرب مت بذلك إليه فعرفه له واختصه وخالصه وجعل إليه وضع علامته وحسبان جبايته ومستخلص أحواله والمفاوضة بذات صدره‏.‏ورفع مجلسه وقدمه على خاصته‏.‏وكان كثير الصاغية للأمير أبي علي ابنه المتغلب على أبيه أول مرة‏.‏ولما استبد وخلع أباه انحاش منديل هذا إليه‏.‏ثم نزع عنه حين تبين اختلال أمره‏.‏وكان الأمير أبو الحسن يحقد له ولاية أخيه أبي علي لما كان بينهما من المنافسة‏.‏وكان كثيراً ما يوغر صدره بإيجاب حق عمر عليه وامتهانه في خدمته‏.‏وطوى له على النث حتى إذا انفرد بمجلس أبيه وفصل عمر إلى سجلماسة أحكم السعاية فيه والآلاء في الهلكة التي صر السلطان عليها أذنا واعية حتى تأذن الله بإهلاكه‏.‏وكان منديل هذا كثيراً ما يغضب السلطان في المحاورة والخطاب دالة عليه وكبراً فاعتد عليه من ذلك كلمات وأحوالا وسخطه سنة ثمان عشرة‏.‏وأذن لابنه أبي الحسن في نكبته فاعتقله واستصفى ماله وطوى ديوانه وامتحنه أياما ثم قتله بمجلسه خنقاً ويقال جوعاً وذهب مثلاً في الغابرين‏.‏ والله خير الوارثين‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-07-2011, 05:45 PM
الخبر عن انتقاض العزفي بسبتة ومنازلته ثم مصيرها إلي طاعة السلطان

بعد مهلكه كان بنو العزفي لما تغلب عليهم الرئيس أبو سعيد ونقلهم إلى غرناطة سنة خمس واستقروا بها في إيالة المخلوع ثالث ملوك بني الأحمر حتى إذا استولى السلطان أبو الربيع على سبتة سنة تسع آذنوا في الإجازة إلى المغرب وأجازوا إلى فاس واستقروا بها‏.‏وكان يحيى وعبد الرحمن ابنا أبي طالب من سرواتهم وكبارهم وكانوا يغشون مجالس أهل العلم بما كانوا عليه من انتحال الطب‏.‏وكان السلطان أبو سعيد أيام أمارة بني أبيه يجالس بالمسجد الجامع للقرويين شيخ الفتيا أبا الحسن الصغير‏.‏وكان يحيى بن أبي طالب يلازمه فاتصل به وصارت له وسيلة يحسبها عنده‏.‏فلما ولي الأمر واستقل به رعى لهم زمام صحابتهم ووفى لهم مقاصدهم‏.‏وعقد ليحيى على سبتة ورجعهم إلى مقر أمارتهم منها ومحل رياستهم فارتحلوا إليها سنة عشر وأقاموا دعوة السلطان أبي سعيد والتزموا طاعته‏.‏ثم تغلب الأمير أبو علي على أمر أبيه واستبد عليه فعقد على سبتة لأبي زكرياء حبون بن أبي العلاء القرشي وعزل يحيى بن أبي طالب عنها‏.‏واستقدمه إلى فاس فقدمها هو وأبوه أبو طالب وعمه أبو حاتم واستقروا في جملة السلطان‏.‏وهلك أبو طالب‏.‏بفاس خلال ذلك حتى إذا كان من خروج الأمير أبي علي على أبيه ما قدمناه لحق يحيى بن أبي طالب وأخوه بالسلطان نازعين من جملة الأمير أبي علي‏.‏فلما احتل بالبلد الجديد ونازله السلطان بها فحينئذ عقد السلطان ليحيى بن أبي طالب على سبتة وبعثه إليها ليقيم دعوته بتلك الجهات‏.‏وتمسك بابنه محمد رهناً على طاعته فاستقل بأمارتها وأقام طاعة السلطان ودعوته بها‏.‏وأخذ بيعته على الناس واتصل ذلك سنين‏.‏وهلك عمه أبو حاتم هنالك بعد مرجعه معه من المغرب‏.‏ولسنة ست عشرة انتقض على السلطان ونبذ طاعة الأمر ورجع إلى حال سلفه عن أمر الشورى في البلد‏.‏واستقدم من الأندلس عبد الحق بن عثمان فقدم إليه وعقد له على الحرب ليفرق به الكلمة ويوهن ببأسه عزائم السلطان في مطالبته‏.‏وجهز السلطان إليه العساكر من بني مرين وعقد على حربه للوزير إبراهيم بن عيسى فزحف إليه وحاصره‏.‏وتعلل عليهم بطلب ابنه فبعث به السلطان إلى وزيره إبراهيم ليعطي الطاعة فتسلمه وجاءه الخبر من عيون كانت بالعسكر أن ابنه كان في فسطاط الوزير بساحة البحر بحيث يتأتى الفرصة في أخذه فبيت المعسكر وهجم عبد الحق بن عثمان بحشمه وذويه على فسطاط الوزيرة فاحتمله إلى أبيه‏.‏وركبت العساكر للهيعة فلم يقفوا على خبر حتى تفقد الوزير ابن العزفي‏.‏واتهموا قائدهم إبراهيم بن عيسى الوزير بممالأة العدو على ذلك فاجتمعت مشيختهم وتقبضوا عليه وحملوه إلى السلطان ابتلاء للطاعة واستنصاراً في نصح السلطان فشكر لهم وأطلق وزيره لابتلاء نصيحته‏.‏ ورغب يحيى بن العزفي بعدها في رضى السلطان وولايته‏.‏ونهض السلطان سنة تسع عشرة إلى طنجة لاختبار طاعته فعقد له على سبتة واشترط هو على نفسه الوفاء بجباية السلطان وأسنى هديته في كل سنة‏.‏ واستمرت الحال على ذلك إلى أن هلك يحيى العزفي سنة عشرين‏.‏وقام بالأمر ابنه محمد إلى نظر ابن عمه محمد بن علي بن الفقيه أبي القاسم شيخ قرابتهم‏.‏وكان قائد الأساطيل بسبتة ولي النظر فيها بعد أن نزع القائد يحيى الزنداحي إلى الأندلس واختلف الغوغاء بسبتة وانتهز السلطان الفرصة فأجمع على النهوض إليها سنة ثمان وعشرين وبادروا بإيتاء طاعتهم‏.‏وعجز محمد بن يحيى عن المناهضة وظنها محمد بن علي من نفسه فتعرض للأمر في أوغاد من اللفيف اجتمعوا إليه‏.‏ودافعهم الملأ عن ذلك وحملوهم على الطاعة واقتادوا بني العزفي إلى السلطان فانقادوا‏.‏واحتل السلطان بقصبة سبتة وثقف جهاتها ورم منثلمها وأصلح خللها‏.‏واستعمل كبار رجالاته وخواص مجلسه في أعمالها فعقد لحاجبه عامر بن فتح الله السدراتي على حاميتها‏.‏ وعقد لأبي القاسم بن أبي مدين على جبايتها والنظر في مبانيها وإخراج الأموال للنفقات فيها‏.‏وأسنى جوائز الملأ من مشيختها ووفر إقطاعاتهم وجراياتهم‏.‏وأوعز ببناء البلد المسمى أفراك أعلى سبتة فشروعوا في بنائها سنة تسع وعشرين وانكفأ راجعاً إلى حضرته‏.‏

الخبر عن استقدام عبد المهيمن للكتابة والعلامة

كان بنو عبد المهيمن من بيوتات سبتة ونسبهم في حضرموت‏.‏ وكانوا أهل تجلة ووقار منتحلين للعلم‏.‏ وكان أبوه محمد قاضياً بسبتة أيام أبي طالب وأبي حاتم وكان له معهم صهر‏.‏ونشأ ابنه عبد المهيمن هذا في حجر الطب والجلالة وقرأ صنعة العربية على الأستاذ الغافقي وحذق فيها‏.‏ولما نزلت بهم نكبة الرئيس أبي سعيد سنة خمس واحتملوا إلى غرناطة احتمل فيهم القاضي محمد بن عبد المهيمن وابنه‏.‏وقرأ عبد المهيمن بغرناطة على مشيختها وازداد علماً وبصراً باللسان والحديث‏.‏واستكتب بدار السلالان محمد المخلوع واختص بوزيره المتغلب على دولته محمد بن عبد الحكم الرندي فيمن اختص به من رؤسائهم بني العزفي ثم رجع بعد نكبة ابن الحكم إلى سبتة وكتب عن قائدها يحيى بن مسلمة مدة‏.‏ولما استخلص بنو مرين سبتة سنة تسع اقتصر عن الكتابة وأقام متقبلاً مذاهب سلفه في انتحال العلم ولزوم المروءة‏.‏ولما استولى السلطان أبو سعيد على المغرب واستقل بولاية العهد والتغلب على الأمر ابنه أبو علي وكان محباً للعلم مولعاً بأهله منتحلاً لفنونه‏.‏وكانت دولته خلواً من صناعة الترسيل منذ عهد الموحدين للبداوة الموجدة في دولتهم‏.‏وحصل للأمير أبي علي بعض البصر بالبلاغة واللسان تفطن به لشأن ذلك وخلو دولتهم من الكتاب المرسمين وأنهم إنما يحكمون الخط الذي حذقوا فيه‏.‏ورأى فيه الأصابع تشير إلى عبد المهيمن في رياسة تلك الصنائع فولع به‏.‏وكان كثير الوفادة مع أهل بلده أوقات وفادتهم فيختصه الأمير أبو علي بمزيد من بره وكرامته ويرفع مجلسه ويخطبه للكتابة وهو يمتنع عليه‏.‏حتى إذا مضى عزيمته في ذلك أوعز إلى عامله بسبتة سنة اثنتي عشرة أن يشخصه إلى بابه فقلده كتابته وعلامته‏.‏حتى إذا خرج أبو علي على أبيه تحيز عبد المهيمن إلى الأمير أبي الحسن فلما صولح أبو علي على النزول عن البلد الجديد وكتب شروطه على السلطان كان من جملتها كون عبد المهيمن معه وأمضى السلطان له ذلك‏.‏وأنف الأمير أبو الحسن منها فأقسم ليقتلنه إن عمل بذلك فرفع عبد المهيمن أمره إلى السلطان ولاذ به وألقى نفسه بين يديه فرق لشكواه وأمره باعتزالهما معاً والرجوع إلى خدمته‏.‏وأنزله بمعسكره وقام على ذلك‏.‏واختصه منديل الكناني كبير الدولة وزعيم لخاصة وأنكحه ابنته‏.‏ولما نكب منديل الكناني جعل السلطان علامته لأبي القاسم بن أبي مدين وكان غفلاً خلواً من الأدوات فكان يرجع إلى عبد المهيمن في قراءة الكتب وإصلاحها وإنشائها حتى عرف السلطان له ذلك فاقتصر عليه وجعل وضع العلامة إليه سنة ثمان عشرة فاضطلع بها‏.‏ورسخت قدمه في مجلس السلطان وارتفع صيته‏.‏واستمر على ذلك أيام السلطان وابنه أبي الحسن من بعده إلى أن هلك بتونس في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين‏.‏ والله خير الوارثين‏.‏

الخبر عن صريخ أهل الأندلس بالسلطان ومهلك بطرة على غرناطة

كان الطاغية شانجة بن أدفونش قد تكالب على أهل الأندلس من بعد أبيه هراندة الهالك سنة اثنتين وثمانين‏.‏ ومنذ غلب على طريف وشغل السلطان يوسف بن يعقوب بعدوه بني يغمراسن ثم تشاغل حفدته من بعده بأمرهم وتقاصرت مددهم وهلك شانجة سنة ثلاث وتسعين وولي ابنه هراندة ونازل الجزيرة الخضراء فرضة الجهاد لبني مرين حولاً كاملاً‏.‏ونازلت أساطيله جبل الفتح واشتد الحصار على المسلمين‏.‏وراسل هراندة بن أدفونش صاحب برشلونة أن يشغل أهل الأندلس من ورائهم ويأخذ بحجزتهم فنازل المرية وحاصرها الحصار المشهور سنة تسع ونصب عليها الالات‏.‏وكان منها برج العود المشهور طال الأسوار بمقدار ثلاث قامات وتحيل المسلمون في إحراقه فأحرق‏.‏ وحفر العدو تحت الأرض مسرباً عريض المسافة مقدار ما يسير فيه عشرون راكباً‏.‏وتفطن لهم المسلمون وحفروا قبالتهم مثاله إلى أن نفذ بعضهم لبعض واقتتلوا تحت الأرض‏.‏وعقد ابن الأحمر لعثمان بن أبي العلاء زعيم الأعياص على عسكر بعثه مدداً لأهل المرية فلقيه جمع من النصارى كان الطاغية بعثهم لحصار مرشانة فهزمهم عثمان واستلحمهم‏.‏ونزل قريباً من معسكر الطاغية وألح بمغاداتهم ومراوحتهم إلى أن رغبوا إليه في السلم وأفرج عن البلد‏.‏وتغلب الطاغية خلال ذلك على جبل الفتح وأقامت عساكره على شمانة واصطبونة‏.‏وزحف العباس بن رحو بن عبد الله وعثمان بن أبي العلاء في العساكر لإغاثة البلدين فأوقع عثمان بمعسكر اصطبونة وقتل قائدهم ألفنس بترس في نحو ثلاثة آلاف فارس واستلحموا‏.‏ثم زحف عثمان إلى إعانة العباس وكان دخل عوجين فحاصرته جموع النصرانية به فانفضوا لخبر زحفه‏.‏وبلغ الخبرإلى الطاغية بمكانه من ظاهر الجزيرة بفتك عثمان في قومه فسرح جموع النصرانية إليه ولقيهم عثمان فأوقع بهم وقتل زعماءهم‏.‏ وارتحل الطاغية يريد لقاءهم فخالفه أهل البلد إلى معسكره وانتهبوا مخلفاته وفساطيطه‏.‏واتيحت للمسلمين عليهم الكرة وإمتلأت الأيدي من غنائمهم وأسراهم‏.‏ثم هلك الطاغية إثر هذه الهزيمة سنة اثنتي عشرة وهو هراندة بن شانجة وولي من بعده ابنه الهنشة طفلاً صغيراً جعلوه إلى نظر عمه دون بطرة بن شانجة وزعيم النصرانية جوان فكفلاه‏.‏واستقام أمرهم على ذلك‏.‏وشغل السلطان أبو سعيد ملك المغرب بشأن ابنه وخروجه فاهتبل النصرانية الغرة في الأندلس وزحفوا إلى غرناطة سنة ثمان عشرة وأناخوا عليها بمعسكرهم وأممهم‏.‏وبعث أهل الأندلس صريخهم إلى السلطان واعتذر لهم بمكان أبي العلاء من دولتهم ومحله من رياستهم وأنه مرشح للأمر في قومه بني مرين يخشى معه من تفريق الكلمة‏.‏وشرط عليهم أن يدفعوه إليه برمته حتى يتم أمر الجهاد ويعيده إليهم حوطة على المسلمين‏.‏ولم يمكنهم ذلك لمكان عثمان بن أبي العلاء بصرامته وعصابته من قومه فأخفق سعيهم واستلحموا‏.‏وأحاطت أمم النصرانية بغرناطة وطمعوا في التهامها‏.‏ثم إن الله نفس مخنقهم ودافع بيد قدرته عنهم وكيف لعثمان بن أبي العلاء وعصبته واقعة فيهم كانت من أغرب الوقائع‏.‏ صمدوا إلى موقف الطاغية بجملتهم وكانوا زهاء مايتين أو أكثر‏.‏ وصابروهم حتى خالطوهم في مراكزهم فصرعوا بطرة وجوان وولوهم الأدبار‏.‏ واعترضتهم من ورائهم مسارب الماء للشرب من شنيل فتطارحوا فيها‏.‏ وهلك كثيرهم واكتسحت أموالهم وأعز الله دينه وأهلك عدوه‏.‏ ونصب رأس بطرة بسور البلد عبرة لمن يتذكر‏.‏ وهو باق هنالك لهذا العهد‏.‏

الخبر عن صهر الموحدين والحركة إلى تلمسان على أثره

وما تخلل ذلك من الأحداث ولما انفرج الحصار عن ولد عثمان بن يغمراسن ملوك بني عبد الواد سنة ست وتجافى أبو ثابت عن بلادهم ونزل لهم عما ملكه بنو مرين منها بسيوفهم‏.‏واستقل أبو حمو بملك بني عبد الواد على رأس الدول منها صرف نظره واهتمامه إلى بلاد الشرق فتغلب على بلاد مغراوة ثم على بني توجين‏.‏ ومحا أثر سلطانهم‏.‏ ولحق أعياصهم من ولد عبد القوي بن عطية وولد منديل بن عبد الرحمن بالموحدين آل أبي حفص مع من تبعهم من رؤوس قبائلهم وصاروا في جملة عساكرهم‏.‏واستلحق مولانا السلطان أبو يحيى وحاحبه يعقوب بن غمر منهم جنداً كثيفاً أثبتهم في الديوان وغالب بهم الخوارج والمنازعين للدولة‏.‏ ثم زحف أبو حمو إلى الجزائر وغلب ابن علان عليها ونقله إلى تلمسان ووفى له‏.‏ وفر بنو منصور أمراء مليكش أهل بسيط متيجة من صنهاجة فلحقوا بالموحدين واصطنعوهم‏.‏ وتملك قاصية المغرب الأوسط وتاخم عمل الموحدين بعمله‏.‏ثم تغلب على تدلس سنة اثنتي عشرة وتجنى على مولانا السلطان أبي يحيى بما وقع بينهم من المراسلة أيام انتزاء ابن خلوف ببجاية كما ذكرناه في أخباره يحث عزائمه لمنازلتها‏.‏وطلب بلاد الموحدين وأوطأ عساكره أرضهم ونازل أمصارهم بجاية وقسنطينة‏.‏واختص بجاية بشوكته من ذلك‏.‏وجهز العساكر مع مسعود إبن عمه أبي عامر إبراهيم لمضايقتها‏.‏ وكان خلال ذلك ما قدمناه من خروج محمد بن يوسف بن يغمراسن عليه وقيام بني توجين بأمره واقتطاع جبل وانشريش من عمالة ملكه‏.‏ واستمرت الحال على ذلك حتى هلك السلطان أبو حمو سنة ثمان عشرة‏.‏ وقام بأمرهم أبو تاشفين عبد الرحمن فصنع له في ابن عمه محمد بن يوسف‏.‏ ونهض إليه بعساكر بني عبد الواد حتى نازله بمعتصمه من جبل وانشريش‏.‏وداخله عمر بن عثمان كبير بني تيغرين في المكربة فتقبض عليه وقتله سنة تسع عشرة‏.‏وارتحل إلى بجاية حتى احتل بساحتها‏.‏ وأمتنع عليه الحاجب ابن غمر فأقام يوماً أو بعضه‏.‏ثم انكفأ راجعاً إلى تلمسان ورفد البعوث إلى أوطان بجاية وابتنى الحصون لتجمر الكتائب فابتنى بوادي بجاية من أعلاه حصن بكر ثم حصن تيمزيزدكت يليه‏.‏ثم اختط بنيكلات على مرحلة منها بلداً سماه تيمزيزدكت على اسم المعقل الذي كان لأوليهم بالجبل قبالة وجدة‏.‏ وامتنع يغمراسن به على السعيد كما قدمناه فاختط بلد تيكلات هذه وشحنها بالأقوات والعساكر وصيرها ثغراً لملكه وأنزل بها جنده‏.‏ وعقد عليها لموسى بن علي العزفي كبير دولته ودولة ابنه‏.‏ واستحثه أمراء الكعوب من بني سليم لملك إفريقية حين مغاضبتهم لمولانا السلطان أبي يحيى فأغرس معهم جيوش زناتة وعقد على تونس للأعياص من آل أبي حفص الأمير أبي عبد الله محمد بن أبي يحيى اللحياني وأبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن عمران وأبي إسحاق بن أبي يحيى الشهيد مرة بعد أخرى كما ذكرناه في أخبارهم جميعاً‏.‏وكانت حروبهم سجالاً إلى أن كان بين جيوش زتاتة الموحدين الزحف المشهور بالرياش من نواحي مرماجنة سنة تسع وعشرين زحفت فيه إلى السلطان أبي يحيى عساكر زناتة مع حمزة بن عمر أمير بني كعب ومن إليه من البدو وعليهم يحيى بن موسى من صنائع دولة آل يغمراسن‏.‏وقد نصبوا للملك محمد بن أبي عمران بن أبي حفص ومعهم عبد الحق بن عثمان من أعياص بني عبد الحق في بنيه وذويه‏.‏ وكان نزع إليهم من عند الموحدين كما ذكرناه فاختل مصاف مولانا السلطان أبي يحيى وانهزم واستولوا على فساطيطه بما فيها من الذخيرة والحرم وانتهبوا معسكره‏.‏وتقبضوا على ولديه الموليين أحمد وعمر وأشخصوهما إلى تلمسان‏.‏ واصيب السلطان في بدنه بجراحات أوهنته وخلص إلى بونة ناجيا برمقه‏.‏ وركب السفين منها إلى بجاية فأقام بها يدامل جراحه‏.‏ واستولت زناتة على تونس‏.‏ودخلها محمد بن أبي عمران سموه باسم السلطان ومقادته في يد يحيى بن موسى أمير زناتة‏.‏واعتزم مولانا السلطان أبو يحيى على الوفادة على ملك المغرب السلطان أبي سعيد بنفسه صريخاً على آل يغمراسن‏.‏ وأشار حاجبه محمد بن سيد الناس بإنفاذ ابنه الأمير أبي زكرياء صاحب الثغر استنكافاً له عن مثلها فتقبل إشارته وأركب ابنه البحر لذلك‏.‏وبعث معه أبا محمد عبد الله بن تافراكين من مشيخة الموحدين نافضاً أمامه طرق المقاصد والمجاورات ونزلوا بغساسة من سواحل المغرب‏.‏ وقدموا على السلطان أبي سعيد بحضرته وأبلغوه صريخ مولانا السلطان أبي يحيى فاهتز لذلك هو وابنه الأمير أبو الحسن وقال للأمير في ذلك المحفل يا بني‏!‏ لقد أكبر قومنا قصدك وموصلك ووالله لأبذلن في مظاهرتكم مالي وقومي ونفسي ولأسيرن بعساكري إلى تلمسان فأنزلها مع أبيك فانصرفوا إلى منازلهم مسرورين‏.‏ وكان فيما شرطه عليهم السلطان أبو سعيد مسير مولانا السلطان أبي يحيى بعسكره إلى منازلة تلمسان معه فقبلوا‏.‏ ونهض السلطان أبو سعيد إلى تلمسان سنة ثلاثين‏.‏ ولما انتهى إلى وادي ملوية وعسكر بصبرة جاءهم

الخبر اليقين باستيلاء السلطان أبي يحيى على حضرة تونس وإجهاضه زناتة

وسلطانهم عنها‏.‏ واستدعى مولانا السلطان الأمير أبا زكرياء يحيى ابنه ووزيره أبا محمد عبد الله بن تافراكين وأمرهم بالانصراف إلى صاحبهم وأسنى جوائزهم وحباءهم وركبوا أساطيلهم عن غساسة‏.‏وأرسل معهم للخطبة والصهر إبراهيم بن أبي حاتم العزفي والقاضي بحضرته أبا عبد الله بن عبد الرزاق وانكفأ على عقبه راجعاً إلى حضرته‏.‏ولما انعقد الصهر بين الأمير أبي الحسن والسلطان أبي يحيى في ابنته شقيقة الأمير يحيى زفها إليهم في أساطيله مع مشيخة من الموحدين كبيرهم أبو القاسم بن عتو ووصلوا بها إلى مرسى غساسة سنة إحدى وثلاثين بين يدي مهلك السلطان أبي سعيد فقاموا بها على إقدام البر والتكرمة‏.‏وبعثوا الظهر إلى غساسة لركوبها وحمل أثقالها وصيغت حكمات الذهب والفضة وقدت ولايا الحرير المغشاة بالذهب واحتفل لوفادها وأعراسها غاية الاحتفال بما لم يسمع مثله في دولتهم‏.‏وتولت قهارمة الدار من عجز من النساء ما يتولاه مثلهم من ذلك الصنيع وتحدث الناس به‏.‏وهلك السلطان أبو سعيد بين يدي موصلها‏.‏ والبقاء لله وحده‏.‏ولاية ابنه السلطان أبي الحسن

الخبر عن مهلك السلطان أبي سعيد عفا الله عنه

وولاية ابنه السلطان أبي الحسن وما تخلل ذلك من الأحداث وكان السلطان لما بلغه وصول العروس بنت مولانا السلطان أبي يحيى سنة إحدى وثلاثين واهتزت الدولة لقدومها عليهم تعظيماً لحق أبيها وقومها واحتفاء بها ارتحل السلطان أبو سعيد إلى تازى ليشارف أحوالها بنفسه استبلاغاً في تكريمها وسروراً بعروس ابنه‏.‏واعتل هنالك ومرض حتى أشفى على الهلاك وارتحل به ولي العهد الأمير أبو الحسن إلى الحضرة وحمله في فراشه على أكتاف الحاشية والخول حتى نزل بسبو ثم أدخله كذلك ليلا إلى داره‏.‏وأدركته المنية في طريقه فقضى رحمة الله عليه فوضوه بمكانه من البيت واستدعى الصالحين لمواراته فووري لشهر ذي الحجة من سنة إحدى وثلاثين‏.‏ والبقاء لله وحده وكل شيء هالك إلا وجهه‏.‏ولما هلك السلطان أبو سعيد اجتمع الخاصة من المشيخة ورجالات الدولة إلى ولي عهده الأمير أبي الحسن وعقدوا له على أنفسهم وأتوه بيعتهم‏.‏ وأمر بنقل معسكره من سبو وأضرب بالزيتون من ساحة فاس‏.‏ولما ووري السلطان خرج إلى معسكره في التعبية واجتمع إليه الناس على طبقاتهم لأداء البيعة وجلس بفسطاطه‏.‏وتولى أخذ البيعة له يومئذ على الناس المزوار عبو بن قاسم عريف الوزعة والمتصرفين وحاجب الباب القديم الولاية في ذلك بدارهم منذ عهد السلطان يوسف بن يعقوب‏.‏وزفت إليه ليلتئذ عروسه بنت مولانا السلطان أبي يحيى فأعرس بها بمكانه من المعسكر وأجمع أمره على الانتقام لأبيها من عدوه‏.‏وبدأ باستكشاف حال أخيه أبي علي وكان السلطان أبوهما يستوصيه به لما كان له بقلبه من العلاقة‏.‏ وكان ولي العهد هذا يؤثر لرضاه جهده فاعتزم على الحركة إلى سجلماسة لمشارفة أحواله‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الخبر عن حركة السلطان أبي الحسن إلى سجلمالسة وانكفائه عنها إلى تلمسان

بعد الصلح مع أخيه والاتفاق لما هلك السلطان أبو سعيد وكملت بيعة السلطان أبي الحسن وكان كثيراً ما يستوصيه بأخيه أبي علي لما كان كلفاً به شفيقاً عليه فأراد مشارفة أحواله قبل النهوض إلى تلمسان فارتحل من معسكره بالزيتون قاصداً سجلماسة‏.‏وتلقته في طريقه وفود الأمير أبي علي أخيه مؤدياً حقه موجباً مبرته مهنياً بما أتاه الله من ملك متجافياً عن المنازعة فيه قانعاً من تراث أبيه بما حصل في يده طالباً العقد له بذلك من أخيه‏.‏فأجابه السلطان أبو الحسن إلى ما سأل وعقد له على سجلماسة وما إليها من بلاد القبلة كما كان لعهد أبيهما‏.‏وشهد الملأ من القبيل وسائر زناتة والعرب وانكفأ راجعاً إلى تلمسان بإجابة صريخ الموحدين‏.‏وأغذ السير إليها‏.‏ولما انتهى إلى تلمسان نكث عنها متجاوزا إلى ناحية الشرق لوعد مولانا السلطان أبي يحيى بالنزول معه إلى تلمسان كما كان عليه وفاقهم ومشارطهم مع الأمير أبي زكريا الرسول إليهم فاحتل بتاسالة في شعبان من سنة اثنتين وثلاثين‏.‏وتلوم بها وأوعز إلى أساطيله بمراسي المغرب فأغزاها إلى سواحل تلمسان‏.‏وجهز لمولانا السلطان أبي يحيى مدداً من محس‏!‏ كره أركبهم الأساطيل من سواحل وهران وعقد عليهم لمحمد البطوي من صنائع دولته‏.‏ونزلوا بجاية ووافوا بها مولانا السلطان أبا يحيى فصاروا في جملته‏.‏ونهضوا معه إلى تيكلات ثغر بني عبد الواد المجمرة بها الكتائب لحصار بجاية وبها يومئذ ابن هزرع من قوادهم‏.‏وأجفل من كان بها من العساكر قبل وصوله إليهم فلحقوا بآخر عملهم من المغرب الأوسط‏.‏وأناخ مولانا السلطان أبو يحيى عليها بعساكره من الموحدين والعرب والبربر وسائر الحشود فخربوا عمرانها وانتهبوا ما كان من الأقوات مختزناً بها وكان بحراً لا يدرك ساحله لما كان السلطان أبو حمو من لدن اختطها قد أوعز إلى العمال بسائر البلاد الشرقية منذ عمل البطحاء أن ينقلوا أعشار الحبوب إليها وسائر الأقوات‏.‏ وتقبل ابنه السلطان أبو تاشفين مذهبه في ذلك‏.‏ولم يزل دأبهم إلى حين حلت بها هذه الفاقرة فانتهب الناس من تلك الأقوات ما لا كفاء له‏.‏وأصرعوا مختطها بالأرض فنسفوها نسفاً وذروها قاعاً صفصفاً‏.‏ والسلطان أبو الحسن خلال ذلك متشرف لأحوالهم منتظر قدوم مولانا السلطان أبي يحيى بعساكره عليه لمنازلة تلمسان حتى وافاه الخبر بانتقاض أخيه كما نذكره فانكفأ راجعاً‏.‏ واتصل الخبر بمولانا السلطان أبي يحيى فقفل إلى حضرته‏.‏وحمل البطوي معه وأسنى جائزته وجوائز عسكره فانصرفوا إلى السلطان مرسلهم في سفنهم‏.‏وانقبض عنان السلطان أبي تاشفين عن غزو البلاد الموحدين إلى أن انقرض أمره‏.‏والبقاء لله وحده‏.‏

الخبر عن انتقاض أبي علي ونهوض السلطان أبي الحسن إليه وظفره به

لما توغل السلطان أبو الحسن في غزاة تلمسان وتجاوزها إلى تاسالة لموعد مولانا السلطان أبي يحيى دس أبو تاشفين إلى الأمير أبي علي في اتصال اليد والاتفاق على السلطان أبي الحسن وأن يأخذ كل واحد منهما بحجزته عن صاحبه متى هم به وانعقد بينهما على ذلك‏.‏وانتقض الأمير أبو علي على أخيه السلطان أبي الحسن ونهض من سجلماسة إلى درعة فقتل بها عامل السلطان واستعمل عليها من ذويه وسرح العسكر إلى بلاد مراكش‏.‏واتصل الخبر بالسلطان وهو بمعسكره بتاسالة فأحفظه شأنه وأجمع على الانتقام منه فانكفأ راجعاً إلى الحضرة‏.‏وأنزل بثغر تاوريرت تخم عمله عسكراً وعقد عليه لابنه تاشفين وجعله إلى نظر وزيره منديل بن حمامة بن تيربيغين وأغذ السير إلى سجلماسة فنزل عليها وأحاطت عساكره بها وأخذ بمخنقها‏.‏وحشد الفعلة والصناع لعمل الآلات لحصارها والبناء بساحتها‏.‏وأقام يغاديها القتال ويراوحها حولاً كريتاً‏.‏ونهض أبو تاشفين في عساكره وقومه إلى ثغر المغرب ليوطئه عساكره ويعيث في نواحيه ويجاذب السلطان عن مكانه من حصاره‏.‏ولما انتهى إلى تاوريرت برز إليه ابن السلطان في وزرائه وعساكره وزحفوا إليه في التعبئة فاحتل مصافه وانهزم ولم يلق أحداً وعاد إلى منحجزه‏.‏وبادر إلى إمداد الأمير أبي علي بعسكره فعقد على حصة من جنوده وبعث بهم إليه فتسربوا إلى البلد زرافات ووحداناً حتى استكملوا عنده‏.‏وطاولهم السلطان الحصار وأنزل بهم أنواع الحرب والنكال حتى تغلب عليهم واقتحم البلد عنوة وتقبض على الأمير أبي علي عند باب قصره‏.‏وسيق إلى السلطان فأمهله واعتقله واستولى على ملكه‏.‏وعقد على سجلماسة واستعمل عليها ورحل منكفياً إلى الحضرة فاحتل بها سنة ثلاث وثلاثين‏.‏واعتقل أخاه في حدى حجر القصر إلى أن قتله لأشهر اعتقاله خنقاً بمحبسه‏.‏وعذر له هذا الفتح بفتح جبل واسترجاعه من يد العدو دمره الله بأيدي عسكره تحت راية ابنه أبي مالك‏.‏كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن منازلة جبل الفتح واستئثار الأمير أبي مالك والمسلمين به

لما هلك السلطان أبو الوليد ابن الرئيس أبي السعيد المتغلب على ملك الأندلس من يد ابن عمه أبي الجيوش قام بالأمر من بعده ابنه محمد طفلاً صغيراً إلى نظر وزيره محمد بن المحروق من بيوت الأندلس وصنائع الدولة واستبد عليه‏.‏فلما شب وناهز وأنف من الاستبداد عليه أغراه المعلوجي من حشمه بالوزير فاغتاله وقتله سنة تسع وعشرين‏.‏ وشمر للاستبداد وشيد أواخي الملك‏.‏وكان الطاغية قد أخذ جبل الفتح سنة تسع وجاورت النصرانية به ثغور الفرضة وصار شجى في صدرها وأهم الملسمين شأنه‏.‏ وشغل عنهم صاحب المغرب بما كان من فتنة ابنه فرجعوا الجزيرة وحصونها إلى ابن الأحمر منذ سنة اثنتي عشرة لأول الماية الثامنة‏.‏واستغلظ الطاغية عليهم بعد ذلك فرجعوا الجزيرة إلى صاحب المغرب سنة تسع وعشرين‏.‏وولى عليها السلطان أبو سعيد من أهل دولته سلطان بن مهلهل من عرب الخلط وأخواله‏.‏وأسف الطاغية إلى حصونها عند مهلك السلطان أبي سعيد فملك أكثرها ومنع البحر من الإجازة‏.‏ وقارن ذلك استبداد صاحب الأندلس وقتله لوزيره المحروق‏.‏وأهمه شأن الطاغية فبادر إلى إجازة البحر‏.‏ ووفد على السلطان أبي الحسن بدار ملكه بفاس سنة اثنتين وثلاثين فأكبر موصله وأركب الناس للقائه وأنزله بروض المصارة لصق داره واستبلغ في تكريمه‏.‏وفاوضه ابن الأحمر في شأن المسلمين وراء البحر وما أهمهم من عدوهم وشكا إليه حال الجبل واعتراضه شجى في صدر الثغور فأشكاه السلطان‏.‏وعامل الله في أسباب الجهاد وكان مشغوفاً به متقبلاً مذهب جده يعقوب فيه‏.‏وعقد لابنه الأمير أبي مالك على خمسة آلاف من بني مرين وأنفذه مع السلطان محمد بن إسماعيل لمنازلة الجبل فاحتل بالجزيرة وتتابع إليه الأسطول بالمدد‏.‏وأرسل ابن الأحمر حاشرين في الأندلس فتسايلوا إليه وأضربوا معسكرهم جميعاً بساحة الجبل‏.‏ وأبلوا في حربه ومنازلته البلاء الحسن إلى أن تغلبوا عليه سنة ثلاث وثلاثين واقتحمه المسلمون عنوة‏.‏ونقلهم الله من كان به من النصرانية بما معهم ووفاه الطاغية بأمم الكفر لثالثة فتحه وقد شحنه المسلمون بالأقوات نقلوها من الجزيرة على خيولهم‏.‏وباشر نقلها الأمير أبو مالك وابن الأحمر فنقلها الناس عامة‏.‏وتحيز الأمير أبو مالك إلى الجزيرة وترك بالجبل يحيى بن طلحة بن محلى من وزراء أبيه‏.‏ووصل الطاغية بعد ثلاث فأناخ عليه‏.‏ وبرز أبو مالك بعساكره فنزل قبالته‏.‏ وبعث إلى الأمير أبي عبد الله صاحب الأندلس فوصل بحشد المسلمين بعد أن دوخ أرض النصرانية‏.‏وخرج فنزل بإزاء عسكر الطاغية وتحصن العدو في محلتهم‏.‏وأقاموا كذلك عادية لقرب العهد بارتجاعه وخفة ما به من الحامية والسلاح فبادر السلطان ابن الأحمر إلى لقاء الطاغية‏.‏وسبق الناس إلى فسطاطه عجلا بائعاً نفسه من الله في رضى المسلمين وسد فرجتهم فتلقاه الطاغية راجلاً حاسراً إعظاماً لموصله‏.‏وأجابه إلى ما سأل من الإفراج عن هذا المعقل وأتحفه بذخائر مما لديه وارتحل لفوره‏.‏وأخذ الأمير أبو مالك في تثقيف أطراف الثغر وسد فروجه وإنزال الحامية به ونقل الأقوات إليه‏.‏وكان فتحاً طوى دولة السلطان أبي الحسن قلادة الفخر آخر الأيام‏.‏ثم رجع بعدها إلى شأنه من منازلة تلمسان وحصاره كما سنذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-07-2011, 05:47 PM
الخبر عن حصار تلمسان

وتغلب السلطان أبي الحسن عليها وانقراض بني عبد الواد بمهلك أبي تاشفين لما تغلب السلطان على أخيه وحسم علة انتزائه ومنازعته وسد ثغور المغرب وعظمت لديه نعمة الله بظهور عسكره على النصرانية وارتجاع جبل الفتح من أيديهم بعد أن أقام في ملكتهم نحواً من عشرين سنة فرغ لعدوه وأجمع على غزو تلمسان‏.‏ووفد عليه رسل السلطان أبي يحيى في سبيل التهنئة بالفتح والأخذ بحجزة أبي تاشفين على الثغور‏.‏وأوفد السلطان رسله إلى أبي تاشفين شفعاً وأن يتخلى عن عمل الموحدين جملة وينزل لهم عن تدلس ويرجع إلى تخم أعمالهم منذ أول الأمر ولو عامئذ ليعلم الناس جاه السلطان عند الملوك ويقدروه حق قدره‏.‏واستنكف أبو تاشفين من ذلك ولج وأغلظ للرسل في القول وأفحش بمجلسه بعض السفهاء من العبدى في الرد عليهم والنيل من مرسلهم فانقلبوا بما أحفظه فانبعثت عزائم السلطان للصعود إليهم‏.‏وعسكر بساحة البلد الجديد وبعث وزراءه إلى قاصية البلاد المراكشية لحشد القبائل والعساكر‏.‏ثم تعجل فاعترض جنوده وأزاح عللهم وعبأ مواكبه‏.‏وسار في التعبئة وفصل بمعسكره من فاس أواسط خمس وثلاثين‏.‏وسار يجر الشوك والمدد من أمم المغرب وجنوده‏.‏ ومر بوجدة فجمر الكتائب لحصارها‏.‏ثم مر بندرومة فقاتلها بعض يوم واقتحمها فقتل حاميتها واستولى عليها آخر سنة خمس‏.‏ثم سار على تعبئته حتى أناخ على تلمسان وبلغه الخبر بتغلب عساكره على وجدة سنة ست وثلاثين فأوعز إليهم بتخريب أسوارها فأصرعوها بالأرض‏.‏وتوافت إليه أمداد النواحي وحشودها وربض على فريسته‏.‏ووفدت عليه قبائل مغراوة وبني توجين فأتوه طاعتهم‏.‏ثم سرح عساكره إلى الجهات فتغلب على وهران وهنين ثم على مليانة وتنس والجزائر كل ذلك سنة ست وثلاثين‏.‏ ونزع إليه يحيى بن موسى صاحب القاصية الشرقية من عمله والمتاخم كان لعمل الموحدين والقائم حصار بجاية بعد نكبة موسى بن علي فلقاه مبرة وتكريماً ورفع مجلسه في بساطه ونظمه في طبقات وزرائه وجلسائه‏.‏وعقد على فتح البلاد الشرقية ليحيى بن سليمان العسكري كبير بني عسكر بن محمد وشيخ بني مرين وصاحب شوراهم بمجلس السلطان والمخصوص بالصهر من السلطان وعقد له على ابنته فسار في الأولوية والجنود وطوع ضاحية الشرق وقبائله وافتتح أمصاره حتى انتهى إلى المدية‏.‏ونظم لبلاد في طاعة السلطان وأحشد مقاتليها إلى معسكره فلحقوا به وكاثروا جنوده‏.‏واستعمل السلطان على وانشريش وعمل الحشم من بني توجين‏.‏وعقد لسعد بن سلامة بن علي على بني يدللتن‏.‏ وجعل الوالي بالقلعة إلى نظره‏.‏وكان خلص إليه بالمغرب قبل فصوله نازعاً عن أبي تاشفين لمكان أخيه قريعه محمد من الدولة‏.‏ واستعمل السلطان أيضاً على شلف وسائر أعمال المغرب الأوسط‏.‏واختط السلطان بقرب تلمسان البلد الجديد لسكناه‏.‏ونزل عساكره وسماه المنصورة‏.‏وأدار على البلد المخروب سياجاً من السور ونطاقاً من الخندق‏.‏ونصب المجانيق والآلات من وراء خندقه‏.‏وشيد قبالة كل برج من أبراج البلد برجاً على ساقه خندقه ينضخ رماته بالنبل رملهم وشغلوهم بأنفسهم حتى شيدوا برجاً آخر أقرب منه وترتفع شرفاته فوق خندقهم‏.‏ولم يزل يتقرب بوضع الأبراج من حد إلى ما بعده حتى اختطها من قرب على ساقة خندقهم‏.‏وتماصع المقاتلة بالسيوف من أعاليها وقربت المجانيق إلى رجمها ودكها فنالت من ذلك فوق الغاية‏.‏ واشتد الحرب وضاق نطاق الحصار‏.‏ وكان السلطان يصابحهم كل يوم بالبكور والطواف على البلد من جميع جهاته لتفقد المقاتلة في مراكزهم وربما ينفرد في تطوافه بعض الأيام عن حاشيته فاهتبلوا الأمر يحسبونه غرة‏.‏وصفوا جيوشهم من وراء السور مما يلي الجبل المطل على البلد حتى إذا حاذاه السلطان في تطوافه فتحوا أبوابهم وأرسلوا عليه عقبان جنودهم فاضطروه إلى سفح الجبل حتى لحق بأوعاره وكان أن ينزل عن فرسه هو ووليه عريف بن يحيى أمير سويد‏.‏ووصل الصائح إلى المعسكر فركب الأميران ابناه أبو عبد الرحمن وأبو مالك في ججوع بني مرين وتهاوت فرسان المعسكر من كل جانب فشمروا جنود بني عبد الواد إلى مراكزهم‏.‏ثم دفعوهم عنها وحملوهم على هوة الخندق فتطارحوا فيها وترادفوا وهلك بالكظيظ أكثر مما هلك بالقتل‏.‏واستلحم في ذلك اليوم زعماء ملاحمهم مثل عمر بن عثمان كبير الحشم من بني توجين ومحمد بن سلامة بن علي كبير بني يدللتن منهم أيضاً وغيرهم‏.‏ وكان يوماً له ما بعده‏.‏ واعتز بنو مرين عليهم من يومئذ‏.‏ ونذر بنو عبد الواد بالتغلب عليهم واتصلت الحرب عامين‏.‏ ثم اقتحمها السلطان غلاباً لسبع وعشرين من رمضان سنة سبع وثلاثين‏.‏ ووقف أبو تاشفين بساحة قصره مع خاصته‏.‏وقاتل هنالك حتى قتل ابناه عثمان ومسعود ووزيره موسى بن علي ووليه عبد الحق بن عثمان بن محمد من أعياص آل عبد الحق‏.‏نزع إليه من جملة الموحدين كما أشرنا إليه ونستوفي في أخباره‏.‏ فهلك هو وابنه وابن أخيه وأثخنت السلطان أبا تاثسفين الجراحات‏.‏ ووهن لها فتقبض عليه واحتقبه بعض الفرسان إلى السلطان فلقيه الأمير أبو عبد الرحمن صالي تلك الحروب ووارد غمرتها بنفسه فاعترضه وقد غص الطرق بموكبه فأمر به للحين فقتل واحتز رأسه‏.‏وسخط ذلك السلطان من فعله لحرصه على توبيخه وتقريعه وذهب مثلا في الغابرين‏.‏واقتحم السلطان بكافة عساكره وتواقع الناسى بباب كشوك لجنوبهم من كظيظ الزحام فهلك منهم أمم‏.‏وانطلقت أيدي النهب على البلد فلحقت الكثير من أهله معرة في أموالهم وحرمهم‏.‏وخلص السلطان إلى المسجد الجامع مع لمة من خواصه وحاشيته‏.‏واستدعى شيوخ الفتيا بالبلد أبو زيد وأبو موسى ابنا الإمام وفاء بحق العلم وأهله فخلصوا إليه بعد الجهد ووعظوه وذكروه بما نال الناس من النهب فركب لذلك بنفسه وسكن ووزع جنوده وأشياعه عن الرعية وقبض أيديهم عن الفساد وعاد إلى معسكره بالبلد الجديد‏.‏وقد كمل الفتح وعز النصر وشهد ذلك اليوم أبو محمد عبد الله بن تافراكين وافاه رسولاً عن مولانا السلطان أبي يحيى مجدداً للعهد فأعجله السلطان إلى مرسله بالخبر وسابق السابقين‏.‏ودخل تونس لسبع عشرة ليلة من نوبة الفتح فعظم السرور عند السلطان أبي يحيى بمهلك عدوه والانتقام منه بشارة واعتدها بمساعيه‏.‏ورفع السلطان أبو الحسن القتل عن بني عبد الواد أعدائهم وشفا نفسه بقتل سلطانهم وعفا عنهم وثبتهم في الديوان وفرض لهم العطاء واستتبعهم على راياتهم ومراكزهم‏.‏وجمع كلمة بني واسين من بني مرين وبني عبد الواد وتوجين بل وسائر زناتة‏.‏وأنزلهم ببلاد المغرب وسد بكل طائفة منهم ثغراً من أعماله‏.‏وساروا عصباً تحت لوائه فأنزل منهم بقاصية السوس وبلاد غمارة وأجاز منهم إلى ثغور عمله بالأندلس حامية ومرابطين واندرجوا في جملته واتسع تطاق ملكه‏.‏ وأصبح ملك زناتة بعد أن كان ملك بني مرين‏.‏ وسلطان العدوتين بعد أن كان سلطان المغرب‏.‏ والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين‏.‏

الخبر عن نكبة الأمير أبي عبد الرحمن

بمتيجة وتقبض السلطان عليه ثم مهلكه آخراً قد قدمنا ما كان من اشتراط السلطان أبي سعيد على الموحدين منازلتهم تلمسان مع عساكره وتلوم السلطان أبو الحسن بتاسالة لانتظار مولانا السلطان أبي يحيى‏.‏ ولما نازل تلمسان بعساكره المرة الثانية لم يطالبهم بذلك‏.‏وكان أبو محمد بن تافراكين يتردد إليه وهو بمعسكره من حصار تلمسان مؤدياً حقه مستخبراً مآل عدوهم‏.‏ فلما تغلب على تلمسان أسر إليه سفيرهما أبو محمد بن تافراكين بأن سلطانه قادم عليه للقائه وتهنئته بالظفر بعدوه‏.‏وتشوف السلطان أبو الحسن إليها لما كان يحب الفخر ويعنى به فارتحل من تلمسان سنة ثمان وثلاثين وعسكر ببسيط متيجة منتظراً وفادة مولانا السلطان أبي يحيى عليه‏.‏وتكاسل السلطان عنها لما أراه سيفه المتحكم في دولته محمد بن الحكيم من حذر مغبتها وقال له إن لقاء سلطانين لا يتفق إلا في يوم على أحدهما فنكره لذلك السلطان وتقاعد عنه‏.‏وطال مقام السلطان أبي الحسن في الموعد الذي ألقي إليه أبو محمد بن تافراكين واعتل لأشهر من مقامه ومرض بفسطاطه‏.‏ وتحدث أهل المعسكر بمهلكه‏.‏ وكان ابناه الأميران أبو عبد الرحمن وأبو مالك متناغيين في ولاية عهده منذ أيام جدهما أبي سعيد‏.‏وكان السلطان قد جعل لهما من أول دولته ألقاب الأمارة وأحوالها من اتخاذ الوزراء والكتاب ووضع العلامة وتدوين الدواوين وإثبات العطاء واستلحاق الفرسان والانفراد بالمعسكر فكانا من ذلك على ثبج‏.‏ وجعل لهما مع ذلك الجلوس بمقعد فصله والمناوبة لتنفيذ الأوامر السلطانية فكانا لذلك رديفين له في سلطانه‏.‏ولما اشتد وجع السلطان تمشت سماسرة الفتن بين هذين الأميرين وحزبوا أهل المعسكر لهما أحزاباً وبث كل واحد منهما المال وحمله على القربات‏.‏ وصاروا شيعاً وانقسموا فرقاً‏.‏وهم الأمير أبو عبد الرحمن بالتوثب على الأمر قبل أن يتبين حال السلطان بإغراء وزرائه وبطانته بذلك‏.‏ وتفطن خاصة السلطان لها فأخبروه الخبر وحضوه على الخروج إلى الناس قبل أن يتفاقم الأمر ويتسع الخرق فبرز إلى فسطاط جلوسه‏.‏ وتسامع أهل المعسكر به فازدحموا على مجلسه وتقبيل يديه‏.‏ وتقبض على أهل الظنة من العسكر فأودعهم السجن وسخط على الأميرين‏.‏ ورحل الناس من معسكرهما فردهما إلى معسكره‏.‏ ثم رجع إلى فسطاطه فارتاب الأميران لذلك ووجما وطفئت نار فتنتهما‏.‏ وسكن سعي المفسدين عندهما وانتبذ الناس عنهما‏.‏واشتدت روعة الأمير أبي عبد الرحمن وركب من فساطيطه وخاض الليل وأصبح بحلة أولاد زغلى أمراء زغبة الموطنين بأرض حمزة فتقبض عليه أميرهم موسى بن أبي الفضل‏.‏ورده إلى أبيه فاعتقله بوجدة ورتب العيون لحراسته من حشمه إلى أن قتله بعد ذلك سنة اثنتين وأربعين‏.‏ توثب بالسجان فقتله‏.‏ وأنفذ السلطان حاجبه علال بن محمد فقضى عليه‏.‏ولحق وزيره زيان بن عمر الوطاسي بالموحدين فأجاروه‏.‏ ورضي السلطان صبيحة نزوع أبي عبد الرحمن عن أخيه أبي مالك وعقد له على ثغور عمله بالأندلس وصرفه إليها وانكفأ إلى تلمسان‏.‏ والله أعلم‏.‏

الخبر عن خروج ابن هيدور وتلبيسه بأبي عبد الرحمن

لما تقبض السلطان على ابنه أبي عبد الرحمن وأودعه السجن تفرق خدمه وحشمه انذعروا في الجهات‏.‏وهمل جازر من مطبخه كان يعرف بابن هيدور كان شبيهاً له في الصورة فلحق ببني عامر من زغبة‏.‏وكانوا لذلك العهد منحرفين عن الطاعة خوارج على الدولة لما كان السلطان وأبوه قد اختص عريف بن يحيى أمير بني سويد أقتالهم منذ نزع إليهم عن أبي تاشفين‏.‏فركبوا سنن الخلاف ولبسوا جلدة النفاق وانتبذوا بالقفار‏.‏ورياستهم لذلك العهد لصغير بن عامر وإخوته‏.‏وعقد السلطان على حربهم لونزمار ابن وليه عريف‏.‏ وكان سيد البدو يومئذ فجمع لهم وشمر لطلبهم‏.‏ وأبعدوا إمامه في المذهب وأوقع بهم مراراً‏.‏ ولحق بهم هذا الجازر وانتسب لهم إلى السلطان أبي الحسن وأنه أبو عبد الرحمن ابنه النازع عنه فشبه لهم‏.‏ وبايعوه وأجلبوا به على نواحي المدية‏.‏ وبرز إليهم قائدها مجاهد من صنائع الدولة ففضوا جمعه وانهزم أمامهم‏.‏ثم جمع لهم ونزمار وفروا عن تلك النواحي وافترق جمعهم‏.‏ونبذوا إلى ذلك الجازر عهده فلحق ببني يراتن من زواوة ونزل على سيدتهم شمسي فقامت بأمره‏.‏ وحمل بنوها من بني عبد الصمد قومهم على طاعته‏.‏وشاع في الناس خبره فمن مصدق ومكذب حتى تبينت حاله ووقفوا على كذبه في انتسابه فنبذوا إليه عهده‏.‏ ولحق بالدواودة أمراء رياح ونزل على سيدهم يعقوب بن علي وانتسب له في مثل ذلك النسب فأجاره إلى أن صدق نسبه‏.‏وأوعز السلطان إلى مولانا السلطان أبي يحيى في شأنه فبعث إلى يعقوب بن علي فيه‏.‏وأرسل إليه زيان بن عمر وزير أبي عبد الرحمن النازع إليهم فكشف لهم عن خبثه فتقبض عليه يعقوب وأشخصه إلى السلطان مع ذويه فلحق به بمكانه من سبتة فامتحنه السلطان وقطعه من خلاف وانحسم داؤه‏.‏ وبقي بالمغرب تحت جراية من الدولة إلى أن هلك

الخبر عن شأن الجهاد وإغراء السلطان ابنه الأمير أبا مالك واستشهاده

لما فرغ السلطان من أمر عدوه وما تبع ذلك من الأحوال صرف اعتزامه إلى الجهاد لما كان كلفا به‏.‏وكان الطاغية منذ شغل بنو مرين عن الجهاد منذ عهد يوسف بن يعقوب وقد اعتزوا على المسلمين بالعدوة‏.‏ونازلوا معاقلهم وتغلبوا على الكثير منها وارتجعوا الجبل ونازلوا السلطان أبا الوليد في عقر داره بغرناطة ووضعوا عليهم الجزية فتقبلوها وأسفوا إلى التهام المسلمين بالأندلس‏.‏فلما فرغ السلطان أبو الحسن من شأن عدوه وغلب على الأيدي يده وانفسح نطاق ملكه دعته نفسه إلى الجهاد‏.‏وأوعز إلى ابنه الأمير أبي مالك أمير الثغور من عمله من الدعوة سنة أربعين بالدخول إلى دار الحرب‏.‏وجهز إليه العساكر من حضرته وأنفذ إليه الوزراء فشخص غازياً في الجحفل وتوغل في بلاد الطاغية واكتسحها وخرج بالسبي والغنائم إلى أدنى صدرة من أرضهم وأناخ بها‏.‏واتصل الخبر بأن النصارى جمعوا له وأغنوا السير في اتباعه‏.‏وأشار عليه الملأ با الخروج عن أرضهم وإجازة الوادي الذي كان تخماً بين أرض الإسلام ودار الحرب‏.‏وأن يسير إلى مدن المسلمين فيمتنع يهاة فلج في إبايته وصمم على التعريس‏.‏وكان قدماً ثبتاً إلا أنه كان غير بصير بالحروب لمكان سنه فصبحتهم عساكر النصرانية في مضاجعهم قبل أن يستركبوا وخالطوهم في أبياتهم‏.‏ وأدرك الأمير أبو مالك قبل أن يستوي على فرسه فجدلوه واستلحموا الكثير من قومه واحتووا على المعسكر بما فيه من أموال المسلمين ورجعوا على أعقابهم‏.‏واتصل الخبر بالسلطان فتفجع لمهلك ابنه واسترحم له‏.‏ واحتسب عند الله أجره وفي سبيله قتله‏.‏ وشرع في إجازة العساكر للجهاد وتجهيز الأساطيل‏.‏

الخبر عن واقعة الملند والظفر به

وظهور أساطيل المسلمين على أسطول النصارى لما بلغ الخبرإلى السلطان باستشهاد ابنه أخرج وزراءه إلى السواحل لتجهيز الأساطيل‏.‏وفتح ديوان العطاء واعترض الجنود وأزاح عللهم‏.‏واستنفر أهل المغرب وارتحل إلى سبتة ليباشر أحوال الجهاد‏.‏ وتسامعت النصرانية بذلك فاستعدوا للدفاع‏.‏وأضرج الطاغية أسطوله إلى الزقاق ليمنع السلطان من الإجازة‏.‏واستحث السلطان أساطيل المسلمين من مرسى العدوة‏.‏وبعث إلى الموحدين بتجيهز أسطولهم إليه فعقدوا عليه لزيد بن فرحون قائد أسطول بجاية من صنائع دولتهم وأوفى سبتة في ستة عشر من أساطيل إفريقية كان فيها من طرابلس وقابس وجربة وتونس وبونة وبجاية‏.‏وتوافت أساطيل المغربين بمرسى سبتة تناهز الماية‏.‏ وعقد السلطان عليها لمحمد بن علي العزفي الذي كان صاحب سبتة يوم فتحها وأمره بمناجزة أسطول النصارى بالزقاق‏.‏وقد أكمل عديدهم وعدتهم فاستلأموا وتظاهروا في السلاح‏.‏وتزاحفوا إلى أسطول النصارى وتواقفوا ملياً‏.‏ ثم قربوا الأساطيل بعضها إلى بعض وقرنوها للمصاع ولم يكن إلا كلا ولا حتى هبت ريح النصر وأظفر الله المسلمين بعدوهم وخالطوهم في أساطيلهم‏.‏واستلحموهم قهراً بالسيوف وطعناً بالرماح وألقوا أشلاءهم في اليم‏.‏وقتلوا قائدهم الملند واستاقوا أساطيلهم مجنوبة إلى مرسى سبتة فبرز الناس لمشاهدتها‏.‏ وطيفت بكثير من رؤوسهم في جوانب البلد‏.‏ ونظمت أصفاد الأسارى بدار الإنشاء‏.‏ وعظم الفتح وجلس السلطان للتهنئة وأنشدت الشعراء بين يديه‏.‏وكان يوماً من أغر الأيام‏.‏ والمنة لله سبحانه‏.‏

الخبر عن واقعة طريف وتمحيص المسلمين

لما ظفر المسلمون بأسطول النصارى وخضدوا شوكتهم عن ممانعة الجواز شرع السلطان فى إجازة العسكر الغزاة من المرتزقين‏.‏وانتظمت الأساطيل بسلسلة واحدة من العدوة إلى العدوة‏.‏ ولما استكمل إجازة العساكر أجاز هو في أسطوله وخاصته وحشمه آخر سنة أربعين‏.‏ ونزل بساحة طريف وأناخ بعساكره عليها واضطرب معسكره بفنائها وبدأ بمنازلتها‏.‏ووافاه سلطان الأندلس أبو الحجاج ابن السلطان أبي الوليد بعسكر الأندلس من غزاة زناتة وحامية الثغور ورجل البدو فعسكروا حذو معسكره وأحاطوا بطريف نطاقاً واحداً وأنزلوا بهم أنواع القتال ونصبوا عليها الآلات‏.‏وجهز الطاغية أسطولا آخر اعترض به الزقاق لقطع المرافق عن المعسكر وطال ثواهم بمكانهم من حصار البلد ففنيت أزوادهم وافتقدوا العلوفات فوهن الظهر واختلت أحوال لمعسكر‏.‏ واحتشد الطاغية أمم النصرانية وظاهره البرتغال صاحب أشبونة وغرب لأندلس فجاء معه في قومه‏.‏وزحف إليهم لستة أشهرمن نزولهم‏.‏ولما قرب من معسكرهم سرب إلى طريف جيشاً من النصارى أكمنهم بها فدخلوها ليلاً على حين غفلة من العسس الذي أرصد لهم‏.‏وأحسوا بهم آخر ليلتهم فثاروا بهم من مراصدهم‏.‏وأدركوا أعقابهم قبل دخول البلد فقتلوا منهم عدداً ولبسوا على السلطان بأن لم يدخل البلد سواهم حذراً من سطوته‏.‏وزحف الطاغية من الغد في جموعه وعبأ السلطان عساكر المسلمين صفوفاً وتزاحفوا‏.‏ولما نشب الحرب برز الجيش الكمين من البلد وخالفوهم إلى المعسكر وعمدوا إلى فساطيط السلطان‏.‏ودافعهم عنها الناشبة الذين أعدوا لحراستها فاستلحموهم‏.‏ثم دافعهم النساء عن أنفسهن فقتلوهن وخلصوا إلى حظايا السلطان عائشة بنت عمه أبي يحيى بن يعقوب وفاطمة بنت مولانا السلطان أبي يحيى ملك إفريقية وغيرهما من حظاياه فقتلوهن واستلبوهن‏.‏وانتهبوا سائر الفساطيط وأضرموا المعسكر ناراً‏.‏وأحس المسلمون بما وراءهم في معسكرهم فاختل مصافهم وارتدوا على أعقابهم بعد أن كان ابن السلطان صمم في طائفة من قومه وذويه حتى خالطهم في صفوفهم فأحاطوا به وتقبضوا عليه‏.‏وولى السلطان متحيزاً إلى فئة المسلمين‏.‏واستشهد كثير من الغزاة‏.‏ووصل الطاغية إلى فسطاط السلطان من المحلة‏.‏ونكر قتل النساء والولدان ووقف منها بمنتهى أثره وانكفأ راجعاً إلى بلاده‏.‏ولحق ابن الأحمر بغرناطة وخلص السلطان إلى الجزيرة ثم إلى الجبل‏.‏ثم ركب السفين إلى سبتة في ليلته‏.‏ومحص الله المسلمين وأجزل مثوبتهم وأرجأ لهم الكرة على عدوهم‏.‏

الخبر عن منازلة الطاغية الجزيرة ثم تغلبه عليها

بعد أن غاب علي القلعة من ثغور ابن الأحمر لما رجع الطاغية من واقعة طريف استأسد على المسلمين بالأندلس وطمع في التهامهم وجمع عساكر النصرانية ونزل قلعة بني سعيد ثغر غرناطة وعلى مرحلة منها‏.‏وجمع الآلات والأيدي على حصارها واشتد مخنقها‏.‏ وأصابهم الجهد من العطش فنزلوا على حكمه سنة اثنتين وأربعين‏.‏ وأدال الله الطيب منها بالخبيث وانصرف إلى بلده‏.‏وكان السلطان أبو الحسن لما أجاز إلى سبتة أخذ نفسه بالعودة إلى الجهاد لرجع الكرة وبعث في الأمصار للاستنفار وأحرج قواده إلى سواحل البحر لتجهيز الأساطيل حتى أكمل له منها عدد‏.‏ثم ارتحل إلى سبتة لمشارفتها وقدم عسكره إلى العدوة مع وزيره عسكر بن تاحضريت‏.‏وبعث على الجزيرة محمد بن العباس بن تاحضريت من قرابة الوزير وبعث إليها مدداً من العسكر مع موسى بن إبراهيم اليرنياني من المرشحين للوزارة ببابه‏.‏ وبلغ الطاغية خبره فجهز أسطوله وأجراه إلى بحر الزقاق لمدافعته‏.‏ وتلاقت الأساطيل فمحص الله المسلمين‏.‏واستشهد منهم أعداد‏.‏ وتغلب أسطول الطاغية على بحر الزقاق وملكوه دون المسلمين‏.‏وأقبل الطاغية من إشبيلية يجر عساكر النصرانية حتى أناخ بها على الجزيرة الخضراء مرقى أساطيل المسلمين وفرضة المجاز‏.‏ وأمل أن ينظمها في ملكته مع جارتها طريف‏.‏وحشد الفعلة والصناع للآلات وجمع الأيدي عليها وطاولها الحصار‏.‏ واتخذ أهل المعسكر بيوتاً من الخشب للمطاولة‏.‏ وجاء السلطان أبو الحجاج بعساكر الأندلس فنزل قبالة الطاغية بظاهر جبل الفتح في سبيل الممانعة‏.‏ وأقام السلطان أبو الحسن بمكانه من سبتة يسرب إليها المدد من الفرسان والمال والزرع في أحايين الغفلة من أساطيلهم وتحت جناح الليل فلم يغنهم ذلك واشتد عليهم الحصار وأصابهم الجهد‏.‏وأجاز إليه السلطان أبو الحجاج يفاوضه في شأن السلم مع الطاغية بعد أن أذن له الطاغية في الإجازة مكراً به‏.‏وترصدته بعض الأساطيل في طريقه فصدقهم المسلمون القتال وخلصوا إلى الساحل بعد عصب الريق فضاقت أحوال هذه الجزيرة ومن كان بها من عساكر السلطان‏.‏ وسألوا من الطاغية الأمان على أن ينزلوا عن البلد فبذله وخرجوا فوفى لهم‏.‏وأجازوا إلى المغرب سنة ثلات وأربعين فأنزلهم السلطان ببلاده خير نزل ولقاهم من المبرة والكرامة ما أعاضهم مما فاتهم أو خلع عليهم وحملهم وأجازهم بما تحدث به الناس‏.‏وتقبض على وزيره عسكر بن تاحضريت عقوبة على تقصيره في المدافعة مع تمكنه منها لما كان لديه من العساكر‏.‏ وانكفأ السلطان إلى حضرته موقناً بظهور أمر الله وإنجاز وعده برجع الكرة وعلو الدين‏.‏ والله متم نوره ولو كره الكافرون‏.‏

الخير عن شفاعة صاحب تونس في أولاد أبي العلاء

ووصولهم إلى السلطان كان عثمان بن أبي العلاء من أعياص آل عبد الحق شيخ الغزاة المجاهدين من زناتة والبربر بالأندلس‏.‏وكان له فيها مقام معلوم في حماية الثغور ومدافعة العدو وغزو دار الحرب ومساهمة صاحب الأندلس الجهاد كما نستوفي في أخباره‏.‏وكان السلطان أبو سعيد لما استصرخ به أهل الأندلس اعتنر بمكانه بينهم‏.‏واستشرط عليهم أن يمكنوه من قياده حتى يقضي نوبة الجهاد فلم يسعفوه بذلك‏.‏ولما هلك عثمان بن أبي العلاء قام بأمره من بعده في مراسم الجهاد بنوه وكانوا يرجعون في رياستهم إلى كبيرهم أبي ثابت عامر‏.‏وقويت عصابتهم بالأبناء الموالي وعلت على يد السلطان يدهم واستبدوا عليه في أكثر الأحوال واستنكف لها وكان ذلك مما دعاه إلى القدوم على السلطان أبي الحسن‏.‏وارتاب بنو أبي العلاء بإجازته إليه واتهموه على أ انفسهم واستعدهم إلى منازلة جبل الفتح على كره‏.‏فلما تغلب المسلمون عليه وقضى ابن الأحمر من مدافعة الطاغية عنه بالرغبة ما قضى كما ذكرناه واعتزم على القفول إلى حضرته أجمعوا الفتك به في طريقه وداخلوا في ذلك مواليه من المعلوجي لما أسفهم به إرهاف حده والتضيق عليهم في جاهه فبرموا وطووا على النث‏.‏حتى إذا وجدوا من بني أبي العلاء داعية إلى ذلك خفوا إلى إجابتها‏.‏ونذر بهم محمد بن الأحمر فبعث عن السفين يعترضه في طريقه‏.‏وساحل إليه وتسابقوا لشأنهم قبل فوته فأدركوه دون حصن أصطبونة‏.‏وعتبوه فاستعتب ثم أغلظوا في القول وقتلوا مولاه عاصماً صاحب ديوان العطاء تجنياً عليه‏.‏ونكر السلطان ذلك فتناولوه بالرماح طعناً حتى قعصوه‏.‏ورجعوا إلى المعسكر فاستدعوا من كان داخلهم من الموالي‏.‏وجاءوا بأخيه أبي الحخاج يوسف بن أبي الوليد فبايعوا له وأصفقوا على تقديمه‏.‏وسرح لحينه قائمه ابن عزون فاستولى له على دار ملكه وتم أمره‏.‏وحجبه رضوان مولى أبيهم واستبد عليه وسكن بين جنبيه من بني أبي العلاء وقتلهم لأخيه داء دخيل‏.‏حتى إذا سما السلطان أبو الحسن إلى الجهاد وأجاز المدد إلى ثغور عمله بالأندلس وعقد لابنه الأمير أبي مالك أسر إليهم في شأن بني أبي العلاء ما كان أبوه السلطان أبو سعيد اشترط عليهم في مثلها‏.‏ووافق منهم داعية لذلك فتقبض عليهم أبو الحجاج وأودعهم المطبق أجمع‏.‏ثم أشخصهم في السفين إلى مراسي إفريقية فنزلوا بتونس على مولانا السلطان أبي يحيى‏.‏وبعث فيهم السلطان أبو الحسن إليه فاعتقلهم‏.‏ثم أوعز إليه مع عريف الوزعة ببابه ميمون بن بكرون في إشخاصهم إلى حضرته فتوقف عنها‏.‏وأبى من إخفار ذمته وتوسوس إليه وزيره أبو محمد بن تافراكين بأن مقصد السلطان فيهم غير ما ظنوا به من الشر‏.‏ورغب في منة السلطان ببعثهم إليه والمبالغة في الشفاعة فيهم علماً بأن شفاعته لا ترد فأجابه إلى ذلك وجنبوهم إليه مع ابن بكرون‏.‏واتبعهم أبو محمد بن تافراكين بكتابة الشفاعة فيهم من السلطان‏.‏وقدموا على السلطان أبي الحسن مرجعه من الجهاد سنة اثنتين وأربعين فتلقاهم بالبر والترحيب إكراماً لشفيعهم‏.‏وأنزلهم بمعسكره وجنب لهم القربات بالمراكب الثقيلة وسرب لهم الفساطيط وأسنى لهم الخلع والجوائز وفرض لهم أعلى رتب العطاء وصاروا في جملته‏.‏ولما احتل بسبتة لمشارفة أحوال الجزيرة سعى عنده فيهم بأن كثيراً من المفسدين يداخلونهم في الخروج والتوثب على الملك فتقبض عليهم وأودعهم السجن بمكناسة إلى أن كان من خبرهم مع ابنه أبي عنان ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏والله أعلم‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-07-2011, 05:47 PM
الخبر عن حصار تلمسان

وتغلب السلطان أبي الحسن عليها وانقراض بني عبد الواد بمهلك أبي تاشفين لما تغلب السلطان على أخيه وحسم علة انتزائه ومنازعته وسد ثغور المغرب وعظمت لديه نعمة الله بظهور عسكره على النصرانية وارتجاع جبل الفتح من أيديهم بعد أن أقام في ملكتهم نحواً من عشرين سنة فرغ لعدوه وأجمع على غزو تلمسان‏.‏ووفد عليه رسل السلطان أبي يحيى في سبيل التهنئة بالفتح والأخذ بحجزة أبي تاشفين على الثغور‏.‏وأوفد السلطان رسله إلى أبي تاشفين شفعاً وأن يتخلى عن عمل الموحدين جملة وينزل لهم عن تدلس ويرجع إلى تخم أعمالهم منذ أول الأمر ولو عامئذ ليعلم الناس جاه السلطان عند الملوك ويقدروه حق قدره‏.‏واستنكف أبو تاشفين من ذلك ولج وأغلظ للرسل في القول وأفحش بمجلسه بعض السفهاء من العبدى في الرد عليهم والنيل من مرسلهم فانقلبوا بما أحفظه فانبعثت عزائم السلطان للصعود إليهم‏.‏وعسكر بساحة البلد الجديد وبعث وزراءه إلى قاصية البلاد المراكشية لحشد القبائل والعساكر‏.‏ثم تعجل فاعترض جنوده وأزاح عللهم وعبأ مواكبه‏.‏وسار في التعبئة وفصل بمعسكره من فاس أواسط خمس وثلاثين‏.‏وسار يجر الشوك والمدد من أمم المغرب وجنوده‏.‏ ومر بوجدة فجمر الكتائب لحصارها‏.‏ثم مر بندرومة فقاتلها بعض يوم واقتحمها فقتل حاميتها واستولى عليها آخر سنة خمس‏.‏ثم سار على تعبئته حتى أناخ على تلمسان وبلغه الخبر بتغلب عساكره على وجدة سنة ست وثلاثين فأوعز إليهم بتخريب أسوارها فأصرعوها بالأرض‏.‏وتوافت إليه أمداد النواحي وحشودها وربض على فريسته‏.‏ووفدت عليه قبائل مغراوة وبني توجين فأتوه طاعتهم‏.‏ثم سرح عساكره إلى الجهات فتغلب على وهران وهنين ثم على مليانة وتنس والجزائر كل ذلك سنة ست وثلاثين‏.‏ ونزع إليه يحيى بن موسى صاحب القاصية الشرقية من عمله والمتاخم كان لعمل الموحدين والقائم حصار بجاية بعد نكبة موسى بن علي فلقاه مبرة وتكريماً ورفع مجلسه في بساطه ونظمه في طبقات وزرائه وجلسائه‏.‏وعقد على فتح البلاد الشرقية ليحيى بن سليمان العسكري كبير بني عسكر بن محمد وشيخ بني مرين وصاحب شوراهم بمجلس السلطان والمخصوص بالصهر من السلطان وعقد له على ابنته فسار في الأولوية والجنود وطوع ضاحية الشرق وقبائله وافتتح أمصاره حتى انتهى إلى المدية‏.‏ونظم لبلاد في طاعة السلطان وأحشد مقاتليها إلى معسكره فلحقوا به وكاثروا جنوده‏.‏واستعمل السلطان على وانشريش وعمل الحشم من بني توجين‏.‏وعقد لسعد بن سلامة بن علي على بني يدللتن‏.‏ وجعل الوالي بالقلعة إلى نظره‏.‏وكان خلص إليه بالمغرب قبل فصوله نازعاً عن أبي تاشفين لمكان أخيه قريعه محمد من الدولة‏.‏ واستعمل السلطان أيضاً على شلف وسائر أعمال المغرب الأوسط‏.‏واختط السلطان بقرب تلمسان البلد الجديد لسكناه‏.‏ونزل عساكره وسماه المنصورة‏.‏وأدار على البلد المخروب سياجاً من السور ونطاقاً من الخندق‏.‏ونصب المجانيق والآلات من وراء خندقه‏.‏وشيد قبالة كل برج من أبراج البلد برجاً على ساقه خندقه ينضخ رماته بالنبل رملهم وشغلوهم بأنفسهم حتى شيدوا برجاً آخر أقرب منه وترتفع شرفاته فوق خندقهم‏.‏ولم يزل يتقرب بوضع الأبراج من حد إلى ما بعده حتى اختطها من قرب على ساقة خندقهم‏.‏وتماصع المقاتلة بالسيوف من أعاليها وقربت المجانيق إلى رجمها ودكها فنالت من ذلك فوق الغاية‏.‏ واشتد الحرب وضاق نطاق الحصار‏.‏ وكان السلطان يصابحهم كل يوم بالبكور والطواف على البلد من جميع جهاته لتفقد المقاتلة في مراكزهم وربما ينفرد في تطوافه بعض الأيام عن حاشيته فاهتبلوا الأمر يحسبونه غرة‏.‏وصفوا جيوشهم من وراء السور مما يلي الجبل المطل على البلد حتى إذا حاذاه السلطان في تطوافه فتحوا أبوابهم وأرسلوا عليه عقبان جنودهم فاضطروه إلى سفح الجبل حتى لحق بأوعاره وكان أن ينزل عن فرسه هو ووليه عريف بن يحيى أمير سويد‏.‏ووصل الصائح إلى المعسكر فركب الأميران ابناه أبو عبد الرحمن وأبو مالك في ججوع بني مرين وتهاوت فرسان المعسكر من كل جانب فشمروا جنود بني عبد الواد إلى مراكزهم‏.‏ثم دفعوهم عنها وحملوهم على هوة الخندق فتطارحوا فيها وترادفوا وهلك بالكظيظ أكثر مما هلك بالقتل‏.‏واستلحم في ذلك اليوم زعماء ملاحمهم مثل عمر بن عثمان كبير الحشم من بني توجين ومحمد بن سلامة بن علي كبير بني يدللتن منهم أيضاً وغيرهم‏.‏ وكان يوماً له ما بعده‏.‏ واعتز بنو مرين عليهم من يومئذ‏.‏ ونذر بنو عبد الواد بالتغلب عليهم واتصلت الحرب عامين‏.‏ ثم اقتحمها السلطان غلاباً لسبع وعشرين من رمضان سنة سبع وثلاثين‏.‏ ووقف أبو تاشفين بساحة قصره مع خاصته‏.‏وقاتل هنالك حتى قتل ابناه عثمان ومسعود ووزيره موسى بن علي ووليه عبد الحق بن عثمان بن محمد من أعياص آل عبد الحق‏.‏نزع إليه من جملة الموحدين كما أشرنا إليه ونستوفي في أخباره‏.‏ فهلك هو وابنه وابن أخيه وأثخنت السلطان أبا تاثسفين الجراحات‏.‏ ووهن لها فتقبض عليه واحتقبه بعض الفرسان إلى السلطان فلقيه الأمير أبو عبد الرحمن صالي تلك الحروب ووارد غمرتها بنفسه فاعترضه وقد غص الطرق بموكبه فأمر به للحين فقتل واحتز رأسه‏.‏وسخط ذلك السلطان من فعله لحرصه على توبيخه وتقريعه وذهب مثلا في الغابرين‏.‏واقتحم السلطان بكافة عساكره وتواقع الناسى بباب كشوك لجنوبهم من كظيظ الزحام فهلك منهم أمم‏.‏وانطلقت أيدي النهب على البلد فلحقت الكثير من أهله معرة في أموالهم وحرمهم‏.‏وخلص السلطان إلى المسجد الجامع مع لمة من خواصه وحاشيته‏.‏واستدعى شيوخ الفتيا بالبلد أبو زيد وأبو موسى ابنا الإمام وفاء بحق العلم وأهله فخلصوا إليه بعد الجهد ووعظوه وذكروه بما نال الناس من النهب فركب لذلك بنفسه وسكن ووزع جنوده وأشياعه عن الرعية وقبض أيديهم عن الفساد وعاد إلى معسكره بالبلد الجديد‏.‏وقد كمل الفتح وعز النصر وشهد ذلك اليوم أبو محمد عبد الله بن تافراكين وافاه رسولاً عن مولانا السلطان أبي يحيى مجدداً للعهد فأعجله السلطان إلى مرسله بالخبر وسابق السابقين‏.‏ودخل تونس لسبع عشرة ليلة من نوبة الفتح فعظم السرور عند السلطان أبي يحيى بمهلك عدوه والانتقام منه بشارة واعتدها بمساعيه‏.‏ورفع السلطان أبو الحسن القتل عن بني عبد الواد أعدائهم وشفا نفسه بقتل سلطانهم وعفا عنهم وثبتهم في الديوان وفرض لهم العطاء واستتبعهم على راياتهم ومراكزهم‏.‏وجمع كلمة بني واسين من بني مرين وبني عبد الواد وتوجين بل وسائر زناتة‏.‏وأنزلهم ببلاد المغرب وسد بكل طائفة منهم ثغراً من أعماله‏.‏وساروا عصباً تحت لوائه فأنزل منهم بقاصية السوس وبلاد غمارة وأجاز منهم إلى ثغور عمله بالأندلس حامية ومرابطين واندرجوا في جملته واتسع تطاق ملكه‏.‏ وأصبح ملك زناتة بعد أن كان ملك بني مرين‏.‏ وسلطان العدوتين بعد أن كان سلطان المغرب‏.‏ والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين‏.‏

الخبر عن نكبة الأمير أبي عبد الرحمن

بمتيجة وتقبض السلطان عليه ثم مهلكه آخراً قد قدمنا ما كان من اشتراط السلطان أبي سعيد على الموحدين منازلتهم تلمسان مع عساكره وتلوم السلطان أبو الحسن بتاسالة لانتظار مولانا السلطان أبي يحيى‏.‏ ولما نازل تلمسان بعساكره المرة الثانية لم يطالبهم بذلك‏.‏وكان أبو محمد بن تافراكين يتردد إليه وهو بمعسكره من حصار تلمسان مؤدياً حقه مستخبراً مآل عدوهم‏.‏ فلما تغلب على تلمسان أسر إليه سفيرهما أبو محمد بن تافراكين بأن سلطانه قادم عليه للقائه وتهنئته بالظفر بعدوه‏.‏وتشوف السلطان أبو الحسن إليها لما كان يحب الفخر ويعنى به فارتحل من تلمسان سنة ثمان وثلاثين وعسكر ببسيط متيجة منتظراً وفادة مولانا السلطان أبي يحيى عليه‏.‏وتكاسل السلطان عنها لما أراه سيفه المتحكم في دولته محمد بن الحكيم من حذر مغبتها وقال له إن لقاء سلطانين لا يتفق إلا في يوم على أحدهما فنكره لذلك السلطان وتقاعد عنه‏.‏وطال مقام السلطان أبي الحسن في الموعد الذي ألقي إليه أبو محمد بن تافراكين واعتل لأشهر من مقامه ومرض بفسطاطه‏.‏ وتحدث أهل المعسكر بمهلكه‏.‏ وكان ابناه الأميران أبو عبد الرحمن وأبو مالك متناغيين في ولاية عهده منذ أيام جدهما أبي سعيد‏.‏وكان السلطان قد جعل لهما من أول دولته ألقاب الأمارة وأحوالها من اتخاذ الوزراء والكتاب ووضع العلامة وتدوين الدواوين وإثبات العطاء واستلحاق الفرسان والانفراد بالمعسكر فكانا من ذلك على ثبج‏.‏ وجعل لهما مع ذلك الجلوس بمقعد فصله والمناوبة لتنفيذ الأوامر السلطانية فكانا لذلك رديفين له في سلطانه‏.‏ولما اشتد وجع السلطان تمشت سماسرة الفتن بين هذين الأميرين وحزبوا أهل المعسكر لهما أحزاباً وبث كل واحد منهما المال وحمله على القربات‏.‏ وصاروا شيعاً وانقسموا فرقاً‏.‏وهم الأمير أبو عبد الرحمن بالتوثب على الأمر قبل أن يتبين حال السلطان بإغراء وزرائه وبطانته بذلك‏.‏ وتفطن خاصة السلطان لها فأخبروه الخبر وحضوه على الخروج إلى الناس قبل أن يتفاقم الأمر ويتسع الخرق فبرز إلى فسطاط جلوسه‏.‏ وتسامع أهل المعسكر به فازدحموا على مجلسه وتقبيل يديه‏.‏ وتقبض على أهل الظنة من العسكر فأودعهم السجن وسخط على الأميرين‏.‏ ورحل الناس من معسكرهما فردهما إلى معسكره‏.‏ ثم رجع إلى فسطاطه فارتاب الأميران لذلك ووجما وطفئت نار فتنتهما‏.‏ وسكن سعي المفسدين عندهما وانتبذ الناس عنهما‏.‏واشتدت روعة الأمير أبي عبد الرحمن وركب من فساطيطه وخاض الليل وأصبح بحلة أولاد زغلى أمراء زغبة الموطنين بأرض حمزة فتقبض عليه أميرهم موسى بن أبي الفضل‏.‏ورده إلى أبيه فاعتقله بوجدة ورتب العيون لحراسته من حشمه إلى أن قتله بعد ذلك سنة اثنتين وأربعين‏.‏ توثب بالسجان فقتله‏.‏ وأنفذ السلطان حاجبه علال بن محمد فقضى عليه‏.‏ولحق وزيره زيان بن عمر الوطاسي بالموحدين فأجاروه‏.‏ ورضي السلطان صبيحة نزوع أبي عبد الرحمن عن أخيه أبي مالك وعقد له على ثغور عمله بالأندلس وصرفه إليها وانكفأ إلى تلمسان‏.‏ والله أعلم‏.‏

الخبر عن خروج ابن هيدور وتلبيسه بأبي عبد الرحمن

لما تقبض السلطان على ابنه أبي عبد الرحمن وأودعه السجن تفرق خدمه وحشمه انذعروا في الجهات‏.‏وهمل جازر من مطبخه كان يعرف بابن هيدور كان شبيهاً له في الصورة فلحق ببني عامر من زغبة‏.‏وكانوا لذلك العهد منحرفين عن الطاعة خوارج على الدولة لما كان السلطان وأبوه قد اختص عريف بن يحيى أمير بني سويد أقتالهم منذ نزع إليهم عن أبي تاشفين‏.‏فركبوا سنن الخلاف ولبسوا جلدة النفاق وانتبذوا بالقفار‏.‏ورياستهم لذلك العهد لصغير بن عامر وإخوته‏.‏وعقد السلطان على حربهم لونزمار ابن وليه عريف‏.‏ وكان سيد البدو يومئذ فجمع لهم وشمر لطلبهم‏.‏ وأبعدوا إمامه في المذهب وأوقع بهم مراراً‏.‏ ولحق بهم هذا الجازر وانتسب لهم إلى السلطان أبي الحسن وأنه أبو عبد الرحمن ابنه النازع عنه فشبه لهم‏.‏ وبايعوه وأجلبوا به على نواحي المدية‏.‏ وبرز إليهم قائدها مجاهد من صنائع الدولة ففضوا جمعه وانهزم أمامهم‏.‏ثم جمع لهم ونزمار وفروا عن تلك النواحي وافترق جمعهم‏.‏ونبذوا إلى ذلك الجازر عهده فلحق ببني يراتن من زواوة ونزل على سيدتهم شمسي فقامت بأمره‏.‏ وحمل بنوها من بني عبد الصمد قومهم على طاعته‏.‏وشاع في الناس خبره فمن مصدق ومكذب حتى تبينت حاله ووقفوا على كذبه في انتسابه فنبذوا إليه عهده‏.‏ ولحق بالدواودة أمراء رياح ونزل على سيدهم يعقوب بن علي وانتسب له في مثل ذلك النسب فأجاره إلى أن صدق نسبه‏.‏وأوعز السلطان إلى مولانا السلطان أبي يحيى في شأنه فبعث إلى يعقوب بن علي فيه‏.‏وأرسل إليه زيان بن عمر وزير أبي عبد الرحمن النازع إليهم فكشف لهم عن خبثه فتقبض عليه يعقوب وأشخصه إلى السلطان مع ذويه فلحق به بمكانه من سبتة فامتحنه السلطان وقطعه من خلاف وانحسم داؤه‏.‏ وبقي بالمغرب تحت جراية من الدولة إلى أن هلك

الخبر عن شأن الجهاد وإغراء السلطان ابنه الأمير أبا مالك واستشهاده

لما فرغ السلطان من أمر عدوه وما تبع ذلك من الأحوال صرف اعتزامه إلى الجهاد لما كان كلفا به‏.‏وكان الطاغية منذ شغل بنو مرين عن الجهاد منذ عهد يوسف بن يعقوب وقد اعتزوا على المسلمين بالعدوة‏.‏ونازلوا معاقلهم وتغلبوا على الكثير منها وارتجعوا الجبل ونازلوا السلطان أبا الوليد في عقر داره بغرناطة ووضعوا عليهم الجزية فتقبلوها وأسفوا إلى التهام المسلمين بالأندلس‏.‏فلما فرغ السلطان أبو الحسن من شأن عدوه وغلب على الأيدي يده وانفسح نطاق ملكه دعته نفسه إلى الجهاد‏.‏وأوعز إلى ابنه الأمير أبي مالك أمير الثغور من عمله من الدعوة سنة أربعين بالدخول إلى دار الحرب‏.‏وجهز إليه العساكر من حضرته وأنفذ إليه الوزراء فشخص غازياً في الجحفل وتوغل في بلاد الطاغية واكتسحها وخرج بالسبي والغنائم إلى أدنى صدرة من أرضهم وأناخ بها‏.‏واتصل الخبر بأن النصارى جمعوا له وأغنوا السير في اتباعه‏.‏وأشار عليه الملأ با الخروج عن أرضهم وإجازة الوادي الذي كان تخماً بين أرض الإسلام ودار الحرب‏.‏وأن يسير إلى مدن المسلمين فيمتنع يهاة فلج في إبايته وصمم على التعريس‏.‏وكان قدماً ثبتاً إلا أنه كان غير بصير بالحروب لمكان سنه فصبحتهم عساكر النصرانية في مضاجعهم قبل أن يستركبوا وخالطوهم في أبياتهم‏.‏ وأدرك الأمير أبو مالك قبل أن يستوي على فرسه فجدلوه واستلحموا الكثير من قومه واحتووا على المعسكر بما فيه من أموال المسلمين ورجعوا على أعقابهم‏.‏واتصل الخبر بالسلطان فتفجع لمهلك ابنه واسترحم له‏.‏ واحتسب عند الله أجره وفي سبيله قتله‏.‏ وشرع في إجازة العساكر للجهاد وتجهيز الأساطيل‏.‏

الخبر عن واقعة الملند والظفر به

وظهور أساطيل المسلمين على أسطول النصارى لما بلغ الخبرإلى السلطان باستشهاد ابنه أخرج وزراءه إلى السواحل لتجهيز الأساطيل‏.‏وفتح ديوان العطاء واعترض الجنود وأزاح عللهم‏.‏واستنفر أهل المغرب وارتحل إلى سبتة ليباشر أحوال الجهاد‏.‏ وتسامعت النصرانية بذلك فاستعدوا للدفاع‏.‏وأضرج الطاغية أسطوله إلى الزقاق ليمنع السلطان من الإجازة‏.‏واستحث السلطان أساطيل المسلمين من مرسى العدوة‏.‏وبعث إلى الموحدين بتجيهز أسطولهم إليه فعقدوا عليه لزيد بن فرحون قائد أسطول بجاية من صنائع دولتهم وأوفى سبتة في ستة عشر من أساطيل إفريقية كان فيها من طرابلس وقابس وجربة وتونس وبونة وبجاية‏.‏وتوافت أساطيل المغربين بمرسى سبتة تناهز الماية‏.‏ وعقد السلطان عليها لمحمد بن علي العزفي الذي كان صاحب سبتة يوم فتحها وأمره بمناجزة أسطول النصارى بالزقاق‏.‏وقد أكمل عديدهم وعدتهم فاستلأموا وتظاهروا في السلاح‏.‏وتزاحفوا إلى أسطول النصارى وتواقفوا ملياً‏.‏ ثم قربوا الأساطيل بعضها إلى بعض وقرنوها للمصاع ولم يكن إلا كلا ولا حتى هبت ريح النصر وأظفر الله المسلمين بعدوهم وخالطوهم في أساطيلهم‏.‏واستلحموهم قهراً بالسيوف وطعناً بالرماح وألقوا أشلاءهم في اليم‏.‏وقتلوا قائدهم الملند واستاقوا أساطيلهم مجنوبة إلى مرسى سبتة فبرز الناس لمشاهدتها‏.‏ وطيفت بكثير من رؤوسهم في جوانب البلد‏.‏ ونظمت أصفاد الأسارى بدار الإنشاء‏.‏ وعظم الفتح وجلس السلطان للتهنئة وأنشدت الشعراء بين يديه‏.‏وكان يوماً من أغر الأيام‏.‏ والمنة لله سبحانه‏.‏

الخبر عن واقعة طريف وتمحيص المسلمين

لما ظفر المسلمون بأسطول النصارى وخضدوا شوكتهم عن ممانعة الجواز شرع السلطان فى إجازة العسكر الغزاة من المرتزقين‏.‏وانتظمت الأساطيل بسلسلة واحدة من العدوة إلى العدوة‏.‏ ولما استكمل إجازة العساكر أجاز هو في أسطوله وخاصته وحشمه آخر سنة أربعين‏.‏ ونزل بساحة طريف وأناخ بعساكره عليها واضطرب معسكره بفنائها وبدأ بمنازلتها‏.‏ووافاه سلطان الأندلس أبو الحجاج ابن السلطان أبي الوليد بعسكر الأندلس من غزاة زناتة وحامية الثغور ورجل البدو فعسكروا حذو معسكره وأحاطوا بطريف نطاقاً واحداً وأنزلوا بهم أنواع القتال ونصبوا عليها الآلات‏.‏وجهز الطاغية أسطولا آخر اعترض به الزقاق لقطع المرافق عن المعسكر وطال ثواهم بمكانهم من حصار البلد ففنيت أزوادهم وافتقدوا العلوفات فوهن الظهر واختلت أحوال لمعسكر‏.‏ واحتشد الطاغية أمم النصرانية وظاهره البرتغال صاحب أشبونة وغرب لأندلس فجاء معه في قومه‏.‏وزحف إليهم لستة أشهرمن نزولهم‏.‏ولما قرب من معسكرهم سرب إلى طريف جيشاً من النصارى أكمنهم بها فدخلوها ليلاً على حين غفلة من العسس الذي أرصد لهم‏.‏وأحسوا بهم آخر ليلتهم فثاروا بهم من مراصدهم‏.‏وأدركوا أعقابهم قبل دخول البلد فقتلوا منهم عدداً ولبسوا على السلطان بأن لم يدخل البلد سواهم حذراً من سطوته‏.‏وزحف الطاغية من الغد في جموعه وعبأ السلطان عساكر المسلمين صفوفاً وتزاحفوا‏.‏ولما نشب الحرب برز الجيش الكمين من البلد وخالفوهم إلى المعسكر وعمدوا إلى فساطيط السلطان‏.‏ودافعهم عنها الناشبة الذين أعدوا لحراستها فاستلحموهم‏.‏ثم دافعهم النساء عن أنفسهن فقتلوهن وخلصوا إلى حظايا السلطان عائشة بنت عمه أبي يحيى بن يعقوب وفاطمة بنت مولانا السلطان أبي يحيى ملك إفريقية وغيرهما من حظاياه فقتلوهن واستلبوهن‏.‏وانتهبوا سائر الفساطيط وأضرموا المعسكر ناراً‏.‏وأحس المسلمون بما وراءهم في معسكرهم فاختل مصافهم وارتدوا على أعقابهم بعد أن كان ابن السلطان صمم في طائفة من قومه وذويه حتى خالطهم في صفوفهم فأحاطوا به وتقبضوا عليه‏.‏وولى السلطان متحيزاً إلى فئة المسلمين‏.‏واستشهد كثير من الغزاة‏.‏ووصل الطاغية إلى فسطاط السلطان من المحلة‏.‏ونكر قتل النساء والولدان ووقف منها بمنتهى أثره وانكفأ راجعاً إلى بلاده‏.‏ولحق ابن الأحمر بغرناطة وخلص السلطان إلى الجزيرة ثم إلى الجبل‏.‏ثم ركب السفين إلى سبتة في ليلته‏.‏ومحص الله المسلمين وأجزل مثوبتهم وأرجأ لهم الكرة على عدوهم‏.‏

الخبر عن منازلة الطاغية الجزيرة ثم تغلبه عليها

بعد أن غاب علي القلعة من ثغور ابن الأحمر لما رجع الطاغية من واقعة طريف استأسد على المسلمين بالأندلس وطمع في التهامهم وجمع عساكر النصرانية ونزل قلعة بني سعيد ثغر غرناطة وعلى مرحلة منها‏.‏وجمع الآلات والأيدي على حصارها واشتد مخنقها‏.‏ وأصابهم الجهد من العطش فنزلوا على حكمه سنة اثنتين وأربعين‏.‏ وأدال الله الطيب منها بالخبيث وانصرف إلى بلده‏.‏وكان السلطان أبو الحسن لما أجاز إلى سبتة أخذ نفسه بالعودة إلى الجهاد لرجع الكرة وبعث في الأمصار للاستنفار وأحرج قواده إلى سواحل البحر لتجهيز الأساطيل حتى أكمل له منها عدد‏.‏ثم ارتحل إلى سبتة لمشارفتها وقدم عسكره إلى العدوة مع وزيره عسكر بن تاحضريت‏.‏وبعث على الجزيرة محمد بن العباس بن تاحضريت من قرابة الوزير وبعث إليها مدداً من العسكر مع موسى بن إبراهيم اليرنياني من المرشحين للوزارة ببابه‏.‏ وبلغ الطاغية خبره فجهز أسطوله وأجراه إلى بحر الزقاق لمدافعته‏.‏ وتلاقت الأساطيل فمحص الله المسلمين‏.‏واستشهد منهم أعداد‏.‏ وتغلب أسطول الطاغية على بحر الزقاق وملكوه دون المسلمين‏.‏وأقبل الطاغية من إشبيلية يجر عساكر النصرانية حتى أناخ بها على الجزيرة الخضراء مرقى أساطيل المسلمين وفرضة المجاز‏.‏ وأمل أن ينظمها في ملكته مع جارتها طريف‏.‏وحشد الفعلة والصناع للآلات وجمع الأيدي عليها وطاولها الحصار‏.‏ واتخذ أهل المعسكر بيوتاً من الخشب للمطاولة‏.‏ وجاء السلطان أبو الحجاج بعساكر الأندلس فنزل قبالة الطاغية بظاهر جبل الفتح في سبيل الممانعة‏.‏ وأقام السلطان أبو الحسن بمكانه من سبتة يسرب إليها المدد من الفرسان والمال والزرع في أحايين الغفلة من أساطيلهم وتحت جناح الليل فلم يغنهم ذلك واشتد عليهم الحصار وأصابهم الجهد‏.‏وأجاز إليه السلطان أبو الحجاج يفاوضه في شأن السلم مع الطاغية بعد أن أذن له الطاغية في الإجازة مكراً به‏.‏وترصدته بعض الأساطيل في طريقه فصدقهم المسلمون القتال وخلصوا إلى الساحل بعد عصب الريق فضاقت أحوال هذه الجزيرة ومن كان بها من عساكر السلطان‏.‏ وسألوا من الطاغية الأمان على أن ينزلوا عن البلد فبذله وخرجوا فوفى لهم‏.‏وأجازوا إلى المغرب سنة ثلات وأربعين فأنزلهم السلطان ببلاده خير نزل ولقاهم من المبرة والكرامة ما أعاضهم مما فاتهم أو خلع عليهم وحملهم وأجازهم بما تحدث به الناس‏.‏وتقبض على وزيره عسكر بن تاحضريت عقوبة على تقصيره في المدافعة مع تمكنه منها لما كان لديه من العساكر‏.‏ وانكفأ السلطان إلى حضرته موقناً بظهور أمر الله وإنجاز وعده برجع الكرة وعلو الدين‏.‏ والله متم نوره ولو كره الكافرون‏.‏

الخير عن شفاعة صاحب تونس في أولاد أبي العلاء

ووصولهم إلى السلطان كان عثمان بن أبي العلاء من أعياص آل عبد الحق شيخ الغزاة المجاهدين من زناتة والبربر بالأندلس‏.‏وكان له فيها مقام معلوم في حماية الثغور ومدافعة العدو وغزو دار الحرب ومساهمة صاحب الأندلس الجهاد كما نستوفي في أخباره‏.‏وكان السلطان أبو سعيد لما استصرخ به أهل الأندلس اعتنر بمكانه بينهم‏.‏واستشرط عليهم أن يمكنوه من قياده حتى يقضي نوبة الجهاد فلم يسعفوه بذلك‏.‏ولما هلك عثمان بن أبي العلاء قام بأمره من بعده في مراسم الجهاد بنوه وكانوا يرجعون في رياستهم إلى كبيرهم أبي ثابت عامر‏.‏وقويت عصابتهم بالأبناء الموالي وعلت على يد السلطان يدهم واستبدوا عليه في أكثر الأحوال واستنكف لها وكان ذلك مما دعاه إلى القدوم على السلطان أبي الحسن‏.‏وارتاب بنو أبي العلاء بإجازته إليه واتهموه على أ انفسهم واستعدهم إلى منازلة جبل الفتح على كره‏.‏فلما تغلب المسلمون عليه وقضى ابن الأحمر من مدافعة الطاغية عنه بالرغبة ما قضى كما ذكرناه واعتزم على القفول إلى حضرته أجمعوا الفتك به في طريقه وداخلوا في ذلك مواليه من المعلوجي لما أسفهم به إرهاف حده والتضيق عليهم في جاهه فبرموا وطووا على النث‏.‏حتى إذا وجدوا من بني أبي العلاء داعية إلى ذلك خفوا إلى إجابتها‏.‏ونذر بهم محمد بن الأحمر فبعث عن السفين يعترضه في طريقه‏.‏وساحل إليه وتسابقوا لشأنهم قبل فوته فأدركوه دون حصن أصطبونة‏.‏وعتبوه فاستعتب ثم أغلظوا في القول وقتلوا مولاه عاصماً صاحب ديوان العطاء تجنياً عليه‏.‏ونكر السلطان ذلك فتناولوه بالرماح طعناً حتى قعصوه‏.‏ورجعوا إلى المعسكر فاستدعوا من كان داخلهم من الموالي‏.‏وجاءوا بأخيه أبي الحخاج يوسف بن أبي الوليد فبايعوا له وأصفقوا على تقديمه‏.‏وسرح لحينه قائمه ابن عزون فاستولى له على دار ملكه وتم أمره‏.‏وحجبه رضوان مولى أبيهم واستبد عليه وسكن بين جنبيه من بني أبي العلاء وقتلهم لأخيه داء دخيل‏.‏حتى إذا سما السلطان أبو الحسن إلى الجهاد وأجاز المدد إلى ثغور عمله بالأندلس وعقد لابنه الأمير أبي مالك أسر إليهم في شأن بني أبي العلاء ما كان أبوه السلطان أبو سعيد اشترط عليهم في مثلها‏.‏ووافق منهم داعية لذلك فتقبض عليهم أبو الحجاج وأودعهم المطبق أجمع‏.‏ثم أشخصهم في السفين إلى مراسي إفريقية فنزلوا بتونس على مولانا السلطان أبي يحيى‏.‏وبعث فيهم السلطان أبو الحسن إليه فاعتقلهم‏.‏ثم أوعز إليه مع عريف الوزعة ببابه ميمون بن بكرون في إشخاصهم إلى حضرته فتوقف عنها‏.‏وأبى من إخفار ذمته وتوسوس إليه وزيره أبو محمد بن تافراكين بأن مقصد السلطان فيهم غير ما ظنوا به من الشر‏.‏ورغب في منة السلطان ببعثهم إليه والمبالغة في الشفاعة فيهم علماً بأن شفاعته لا ترد فأجابه إلى ذلك وجنبوهم إليه مع ابن بكرون‏.‏واتبعهم أبو محمد بن تافراكين بكتابة الشفاعة فيهم من السلطان‏.‏وقدموا على السلطان أبي الحسن مرجعه من الجهاد سنة اثنتين وأربعين فتلقاهم بالبر والترحيب إكراماً لشفيعهم‏.‏وأنزلهم بمعسكره وجنب لهم القربات بالمراكب الثقيلة وسرب لهم الفساطيط وأسنى لهم الخلع والجوائز وفرض لهم أعلى رتب العطاء وصاروا في جملته‏.‏ولما احتل بسبتة لمشارفة أحوال الجزيرة سعى عنده فيهم بأن كثيراً من المفسدين يداخلونهم في الخروج والتوثب على الملك فتقبض عليهم وأودعهم السجن بمكناسة إلى أن كان من خبرهم مع ابنه أبي عنان ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏والله أعلم‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-08-2011, 01:12 PM
الخبر عن هدية السلطان إلى المشرق

وبعثه بنسخة المصحف من خطه إلى الحرمين والقدس كان للسلطان أبي الحسن مذاهب في ولاية ملوك المشرق والكلف بالمعاهد الشريفة تقبله من سلفه وضاعفه لديه متين ديانته‏.‏ولما قضى من أمر تلمسان ما قضى وتغلب على المغرب الأوسط وصار أهل النواحي تحت ربقة منه واستطال بجناح سلطانه وخاطب لحينه صاحب مصر والشام محمد بن قلاوون الملك الناصر وعرفه بالفتح وارتفاع العوائق عن الحاج في سابلتهم‏.‏وكان فرانقه في ذلك فارس بن ميمون بن ودرار‏.‏وعاد بجواب الكتاب وتقرير المودة بين السلف‏.‏وأجمع السلطان على كتابة نسخة أنيقة من المصحف الكريم بخط يديه ليوقفها بالحرم الشريف قربة إلى الله وابتغاء للمثوبة‏.‏فانتسخها وجمع الوراقين لمعاناة تذهيبها وتنميقها والقراء لضبطها وتهذيبها حتى اكتمل شأنها‏.‏ووضع لها وعاء مؤلف من خشب الأبنوس والعاج والصندل فائق الصنعة وغشي بصفائح الذهب ونظم بالجوهر والياقوت واتخذت له أصونة الجلد المحكمة الصناعة المرقوم أديمها بخيوط الذهب ومن فوقها غلاف الحرير والديباج وأغشية الكتان‏.‏وأخرج من خزائنه أموالاً عيناً لشراء الضياع بالمشرق لتكون وقفاً على القراء فيها‏.‏وأوفد على الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر والشام من خواص مجلسه وكبار أهل دولته عريف بن يحيى أمير زغبة والسابق القدم في بساطه على كل خالصة وعطية بن مهلهل بن يحيى كبير الخولة‏.‏ وبعث كاتبه أبا الفضل بن حمد بن أبي مدين وعريف الوزعة بدولته وصاحب الباب عبو بن قاسم المزوار‏.‏ واحتفل في الهدية للسلطان صاحب مصر احتفالاً تحدث به الناس دهراً‏.‏ ووقفت على برنامج الهدية بخط أبي الفضل بن أبي مدين هذا الرسول ووعيته وأنسيته‏.‏ وذكر لي بعض قهارمة الدار أنه كان فيها خمسماية من عتاق الخيل المقربات بسروج الذهب والفضة ولجمها خالصاً ومغشى ومموهاً‏.‏وخمسماية حمل من متاع الغرب وماعونه وأسلحته ومن نسج الصوف المحكم ثياباً وأكسية وبرانس وعمائم وازراً معلمة وغير معلمة‏.‏ ومن نسج الحرير الفائق المعلم بالذهب ملوناً وغير ملون وسادجاً منمقاً‏.‏ ومن الدرق المجلوبة من بلاد الصحراء المحكمة بالدباغ المتعارف وتنسب إلى اللمط‏.‏ ومن حرثى المغرب وماعونه ما يستظرف صناعته بالمشرق حتى لقد كان فيها مكيل من حصى الجوهر والياقوت‏.‏ واعتزمت حظية من حظايا أبيه على الحج في ركابه ذلك فأذن لها واستبلغ في تكريمها‏.‏ واستوصى بها وافده وسلطان مصر في كتابه‏.‏وفصلوا من تلمسان وأدوا رسالتهم إلى الملك الناصر وهديتهم فتقبلها وحسن لديه موقعها‏.‏وكان يوم وفادتهم عليه بمصر يوماً مشهوداً تحدث به الناس دهراً ولقاهم في طريقهم أنواع البر والتكرمة حتى قضوا فرضهم ووضعوا المصحف الكريم بحيث أمرهم صاحبهم‏.‏وأسنى هدية السلطان من فساطيطهم الغريبة الهيكل والصنعة بالمغرب ومن ثياب إسكندرية البديعة النسج المرقومة بالذهب ورجعهم بها إلى مرسلهم وقد استبلغ في تكريمهم وصلتهم‏.‏وبقي حديث هذه الهدية مذكوراً بين الناس لهذا العهد‏.‏ثم انتسخ السلطان نسخة أخرى من المصحف الكريم على القانون الأول ووقفها على القراء بالمدينة وبعثها مع من تخيره لذلك العهد من أهل دولته‏.‏واتصلت الولاية بينه وبين الملك الناصر إلى أن هلك سنة إحدى وأربعين‏.‏ وولي الأمر من بعده ابنه أبو الفداء إسماعيل فخاطبه السلطان وأتحفه وعزاه عن أبيه‏.‏ وأوفد عليه كاتبه وصاحب ديوان الخراج ببابه أبا الفضل بن عبد الله بن أبي مدين فقضى من وفادته ما حمل‏.‏وكان شأنه عجباً في إظهار أبهة سلطانه والإنفاق على المستضعفين من الحاج في سبيلهم وإتحاف رجال الدولة التركية بذات يده والتعفف عما في أيديهم‏.‏ ثم شرع السلطان بعده عند استيلائه على إفريقية كما نذكره في كتابة نسخة أخرى من المصحف الكريم ليوقفها ببيت المقدس فلم يقدر على إتمامها‏.‏ وهلك قبل فراغه من نسخها كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن هدية السلطان إلى ملك مالي من السودان المجاورين للمغرب

كان للسلطان أبي الحسن مذهب في الفخر معروف يتطاول به إلى مناغاة الملوك الأعاظم واقتفاء سننهم في مهاداة الأقتال والأنظار وإنفاذ الرسل على ملوك القاصية والتخوم البعيدة‏.‏وكان ملك مالي أعظم ملوك السودان لعهده مجاوراً لملكه بالمغرب على ماية مرحلة في القفر من ثغور ممالكه القبلية‏.‏ ولما غلب بني عبد الواد على تلمسان وابتزهم ملكهم واستولى على ممالك المغرب الأوسط وتحدث الناس بشأن أبي تاشفين وحصاره ومقتله وما كان للسلطان في ذلك من سورة التغلب وإهانة العدو شاعت أخبار ذلك في الآفاق‏.‏وسما سلطان مالي منسا موسى المتقدم ذكره في أخبارهم إلى مخاطبته فأوفد عليه فرانقين من أهل مملكته مع ترجمان من الملثمين المجاورين لممالكهم من صنهاجة فوفدوا على السلطان في التهنئة بالتغلب والظفر بالعدو فكرم وفادتهم وأحسن مثواهم ومنقلبهم‏.‏ونزع إلى طريقته في الفخر فانتخب طرفاً من متاع المغرب وماعونه من ذخيرة داره وأسناها‏.‏ وعين رجالاً من أهل دولته كان فيهم كاتب الديوان أبو طالب بن محمد بن أبي مدين ومولاه عنبر الخصي‏.‏وأنفذهم بها على ملك مالي منسا سليمان بن منسا موسى لمهلك أبيه قبل مرجع وفده‏.‏وأوعز إلى أعراب الفلاة من المعقل بالسير معهم ذاهبين وجائين فشمر لذلك علي بن غانم أمير أولاد جار الله من المعقل وصحبهم في طريقهم امتثالاً لأمر السلطان‏.‏وتوغل ذلك الركاب في القفر إلى بلد مالي بعد الجهد وطول المشقة فأحسن مبرتهم وأعظم موصلهم وكرم وفادتهم ومنقلبهم‏.‏وعادوا إلى مرسلهم في وفد من كبار مالي يعظمون سلطانه ويوجبون حقه ويؤدون من خضوع مرسلهم وقيامه بحق السلطان واعتماله في مرضاته ما استوصاهم به فأدوا رسالتهم‏.‏وبلغ السلطان إرباً من اعتزازه على الملوك وخضوعهم لسلطانه‏.‏ وقضى حق الشكر لله في صنعه‏.‏

الخبر عن إصهار السلطان إلى صاحب تونس

لما هلكت ابنة مولانا السلطان أبي يحيى بطريف فيمن هلك من حظايا السلطان أبي الحسن بفساطيطه بقي في نفسه منها شيء حنيناً إلى ما شغفته من خلالها وعزة سلطانها وقيامها على بيتها وظرفها في تصرفاتها والاستماع بأحوال الترف ولذاذة العيش في عشرتها فسما أمله إلى الاعتياض منها ببعض أخواتها‏.‏وأوفد في خطبتها وليه عريف بن يحيى أمير زغبة وكاتب الجباية والعساكر بدولته أبا الفضل بن عبد الله بن أبي مدين وفقيه الفتيا بمجلسه أبا عبد الله محمد بن سليمان السطي ومولاه عنبر الخصي فوفدوا يوم مثنى من سنة ست وأربعين‏.‏ وأنزلوا منزل البر وأستبلغ في تكريمهم‏.‏ودس الحاجب أبو محمد عبد الله بن تافراكين إلى سلطانه غرض وفادتهم فأبى عن ذلك صوناً لحرمه عن جولة الأقطار وتحكم الرجال واستعظاماً لمثل هذا العرس‏.‏ولم يزل حاجبه ابن تافراكين يخفض عليه الشأن ويعظم عليه حق السلطان أبي الحسن في رد خطبته مع الأزمة السالفة‏.‏ بينهما من الصهر والمخالطة إلى أن أجاب وأسعف‏.‏وجعل ذلك إليه فانعقد الصهر بينهما‏.‏ وأخذ الحاجب في شوار العروس وتأنق فيه واحتفل واستكثر وطال ثواء الرسل إلى أن استكمل‏.‏ وارتحلوا من تونس لشهر ربيع من سنة سبع‏.‏وأوعز مولانا السلطان أبو يحيى إلى ابنه الفضل صاحب بونة وشقيق هذه العروس أن يزفها على السلطان أبي الحسن قياماً لحقه‏.‏وبعث من بابه مشيخة من الموحدين مقدمهم عبد الواحد بن أكمازير صحبوا ركابها إليه‏.‏ووفدوا جميعاً على السلطان‏.‏ واتصل بهم الخبر أثناء طريقهم بمهلك مولانا أبي يحيى عفا الله عنه فعزاهم السلطان أبو الحسن عنه عندما وصلوا إليه‏.‏واستبلغ في تكريمهم وأجمل موعد أخيه الفضل بسلطانه ومظاهرته على تراث أبيه فاطمأنت به الدار إلى أن سار في جملة السلطان وتحت ألويته إلى إفريقية كما نذكر إن شاء الله تعالى‏.‏استيلاء السلطان ابي الحسن على افريقية

الخبرعن حركة السلطان إلى إفريقية واستيلائه عليها

كان السلطان أبو الحسن قد امتدت عينه إلى ملك إفريقية لولا مكان مولانا السلطان أبي يحيى من ولاية صهره وأقام يتحين لها الوفاة‏.‏ولما بعث إليه في الصهر وأشيع بتلمسان أن الموحدين ردوا خطبته نهض من المنصورة بتلمسان وأغذ السير إلى فاس‏.‏ ففتح ديوان العطاء وأزاح علل عساكره‏.‏وعقد على المغرب الأقصى لحافده منصور ابن الأمير أبي مالك‏.‏ وفوض إلى الحسن بن سليمان بن يرزيكن في أحكام الشرطة وعقد له على الضاحية‏.‏ وارتحل إلى تلمسان مضمر الحركة إلى إفريقية حتى إذا جاءه الخبر اليقين بالإسعاف والزفاف سكن غربه وهدأ طائره‏.‏فلما هلك السلطان أبو يحيى في رجب من سنة سبع وأربعين وكان من قيام ابنه عمر بالأمر ونزوع الحاجب أبي محمد بن تافراكين منها في رمضان ما ذكرناه تحركت عزائمه لذلك‏.‏ورغبه ابن تافراكين في ملك الموحدين فرغب وجاء على أثره

الخبر بما كان من قتل عمر لأخيه أحمد ولي العهد

وكان يستظهر على عهده بكتاب أبيه وما أودعه السلطان بطرته من الوفاق على ذلك بخطه اقتفاه منه حاجبه أبو القاسم بن عتو في سفارته إليه فامتعض السلطان لما أضاع عمر من عهد أبيه وهدر من دم أخيه‏.‏وارتكب مذاهب العقوق فيهم وخرق السياج الذي فرضه بخطه عليهم فأجمع الحركة إلى إفريقية‏.‏ولحق به خالد بن حمزة بن عمر نازعاً إليه مستغذاً مسيره ففتح ديوان العطاء ونادى في الناس بالمسير إلى إفريقية وأزاح عللهم‏.‏وكان صاحب بجاية المولى أبو عبد الله حافد مولانا السلطان أبي يحيى وفد على السلطان أبي الحسن إثر مهلك جده يقرر المتات بسفارة أبيه إليه ويطلب الإقرار على عمله‏.‏فلما استيأس منه واستيقن حركته بنفسه إلى إفريقية طلب الرجوع إلى مكانه فأسعف وفصل إلى بجاية‏.‏ ولما قضى السلطان منسك الأضحى من سنة سبع وأربعين عقد لابنه الأمير أبي عنان على المغرب الأوسط وعهد إليه بالنظر في أموره كافة وجعل إليه جبايته وارتحل يريد إفريقية‏.‏وسار في جملته هو وخالد بن حمزة أمير البدو‏.‏ولما احتل بوهران وافاه هنالك وفد قسطيلية وبلاد الجريد يقدمهم أحمد بن مكي أمير جربة ورديف أخيه عبد الملك في أمارة قابس ويحيى بن محمد بن يملول أمير توزر‏.‏سقط إليها بعد خروج الأمير أبي العباس ولي العهد عنها ومهلكه بتونس وأحمد بن عمر بن العابد رئيس نفطة رجعا إليها كذلك بعد مهلك ولي العهد فلقيه هؤلاء الرؤساء بوهران في ملأ من وجوه بلادهم فأتوه بيعتهم وقضوا حق طاعته‏.‏وتثاقل محمد بن ثابت أمير طرابلس عن اللحاق فبعث بيعته معهم فأكرم وفدهم‏.‏وعقد لهم على أمصارهم وصرفهم إلى أعمالهم‏.‏وتمسك بأحمد بن مكي لصحابة ركابه وفي جملته وأغذ السير‏.‏ولما احتل ببني حسن من أعمال بجاية وافاه بها منصور بن مزني أمير بسكرة وبلاد الزاب في وفد من أهل وطنه ويعقوب بن علي بن أحمد سيد الدواودة وأمير البدو بضاحية بجاية وقسنطينة فتلقاهم بالمبرة والاحتفاء وألزمهم ساقته‏.‏وسرح بين يديه قائده حمو بن يحيى العشري من صنائع أبيه‏.‏فلما عسكر بساحة بجاية أبي عبد الله أبى عليه أهل البلد رهبة من السلطان ورغبة فيه‏.‏وانفضوا من حوله ولحقت مشيختهم بالقضاة وأهل الفتيا والشورى بمجلس السلطان‏.‏وسابقهم إليه حاجبه فارح مولى ابن سيد الناس فأدى طاعته ورجعه إليه بالخروج للقاء ركابه‏.‏وارتحل حتى إذا أطلت راياته على البلد بادر المولى أبو عبد الله ولقيه بساحة البلد واعتذر عن تخلفه فتقبل عذره وأحله من البرور والتكرمة محل الولد العزيز‏.‏وأقطعه عمل كومية من ضواحي هنين وأسنى جرايته بتلمسان وأصحبه إلى ابنه فأبى عنان صاحب المغرب الأوسط واستوصاه به‏.‏ودخل بجاية فرفع عنهم الظلامات وحط عنهم الربع من المغارم‏.‏ونظر في أحوال ثغورها فثقف أطرافها وسد فروجها‏.‏وعقد عليها لمحمد بن الثوار من طبقة الوزراء والمرشحين لها وأنزل معه حامية بني مرين وكاتب الخراج ببابه بركات بن حسون بن البواق‏.‏وارتحل مغذاً سيره حتى احتل بقسنطينة‏.‏وتلقاه أميرها أبو زيد حافد مولانا السلطان أبي يحيى وإخوته أبو العباس أحمد وأبو يحيى زكرياء وسائر إخوتهم فأتوه بيعتهم ونزلوا عن عملهم‏.‏وأدالهم السلطان منه بندرومة من عمل تلمسان عقد للمولى أبي زيد على أمارتها وجعله أسوة إخوته في إقطاع جبايتها ودخل البلد وعقد عليها لمحمد بن العباس وأنزل معه العباس بن عمر في قومه من بني عسكر‏.‏وأمضى إقطاعات الدواودة ووافاه هنالك عمر بن حمزة سيد الكعوب لعهده وأمير البدو مستحثاً لركابه‏.‏وأخبره برحيل السلطان عمر بن مولانا أبي يحيى من تونس فيمن اجتمع إليه من أولاد مهلهل أقتالهم من الكعوب متوجهاً إلى ناحية قابس‏.‏وأشار على السلطان بتسريح العساكر لاعتراضه قبل أن يخلص إلى طرابلس فسرح معه حمو بن يحيى العشري قائده في عسكر من بني مرين والجند‏.‏وارتحلوا في اتباع السلطان أبي حفص‏.‏وتلوم السلطان أبو الحسن بقسنطينة واعترض عساكره بسطح الجعاب منها‏.‏وصرف يوسف بن مزني إلى عمله بالزاب بعد أن خلع عليه وحمله‏.‏ثم عقد للمولى الفضل ابن مولانا السلطان أبي يحيى على مكان عمله ببونة وملأ حقائبه جائزة وخلعا نفيسة وسرحه ثم ارتحل على أثرهم وأغذ حمو بن يحيى السير مع الناجعة من أحياء أولاد أبي الليل ولحقوا بالأمير أبي حفص بمباركه من ناحية قابس فأوقعوا به وتردى عن فرسه في حومة القتال هو ومولاه ظافر السنان لقائم بدولته من المعلوجي فتقبض عليهما وسيقا إلى حمو فاعتقلهما إلى الليل‏.‏ثم ذبحهما وأنفذ برؤوسهما إلى السلطان‏.‏ولحق الفل بقابس فتقبض عبد الملك بن مكي على أبي القاسم بن عتو صاحب الأمير أبي حفص وشيخ الموحدين وعلى صخر بن موسى شيخ بني سكين فيمن تقبص عليه من ذلك الفل وأشخصهم مقرنين في الأصفاد إلى السلطان‏.‏وسرح السلطان عسكره إلى تونس وعقد عليهم ليحيى بن سليمان صهره من بني عسكر على ابنته وأنفذ معه أحمد بن مكي فاحتلوا بتونس واستولوا عليها‏.‏وانطلق ابن مكي إلى مكان عمله من هنالك لما عقد له السلطان عليه وسرحه إليه بعد أن خلع عليه وعلى حاشيته وحملهم‏.‏ونزل السلطان بباجة فوافاه هنالك البريد برأس الأمير أبي حفص وعظم الفتح‏.‏ثم ارتحل إلى تونس واحتل بها يوم الإربعاء الثامن من جمادى الآخرة من سنة ثمان‏.‏وتلقاه وفد تونس وملأوها من شيوخ الشورى وأرباب الفتيل فأتوا طاعتهم وانقلبوا مسرورين بملكتهم‏.‏ثم عبأ يوم السبت لدخولها مواكبه وصف جنده سماطين من معسكره بسيجوم إلى باب البلد يناهز ثلاثة أميال أو أربعة‏.‏وركب بنو مرين في جموعهم على مراكزهم وتحت راياتهم‏.‏وركب السلطان من فسطاطه وواكبه من عن يمينه وليه عريف بن يحيى أمير زغبة ويليه أبو محمد عبد الله بن تافراكين‏.‏ومن عن يساره الأمير أبو عبد الله محمد أخو مولانا السلطان أبي يحيى ويليه الأمير أبو عبد الله ابن أخيه خالد‏.‏كانا معتقلين بقسنطينة مع ولدهما منذ خرج الأمير أبو فارس فأطلقهم السلطان أبو العباس وصحبوه إلى تونس فكانوا طزازاً في ذلك الموكب فيمن لا يحصى من أعياص بني مرين وكبرائهم‏.‏وهدرت طبوله وضقت راياته وكانت يومئذ ماية‏.‏ وجاؤوا لمواكب تجتمع عليه صفاً صفاً إلى أن وصل إلى البلد وقد ماجت الأرض بالجيوش وكان يوماً لم ير مثله فيما عقلناه‏.‏ودخل السلطان إلى القصر وخلع على أبي محمد بن تاكراكين كسوته وقرب اليد فرسه بسرجه ولجامه‏.‏وطعم الناس بين يديه وانتشروا‏.‏ودخل السلطان مع أبي محمد بن تافراكين إلى حجر القصر ومساكن الخلفاء فطاف عليها ودخل منه إلى الرياض المتصلة به المدعوة برأس الطابية فطاف على بساتينه وجوائزه وأفضى منه إلى معسكره وأنزل يحيى بن سليمان بقصبة تونس في عسكر لحمايتها‏.‏ووصل إليه فل الأمير أبي حفص والأسرى بقابس مقرنين في أصفادهم فأودعهم السجن بعد أن قطع أبا القاسم بن عتو وصخر بن موسى من خلاف لفتيا الفقهاء بجرايتهم‏.‏وارتحل من الغد إلى القيروان فجال في نواحيها‏.‏ووقف على آثار الأولين ومصانع الأقدمين والطلول الماثلة لصنهاجة والعبيديين وزار أجداث العلماء والصالحين‏.‏ثم سار إلى المهدية ووقف على ساحل البحر ونظر في عاقبة الذين كانوا من قبله أشد قوةوآثاراً في الأرض واعتبر في أحوالهم‏.‏ ومر في طريقه بقصر الأجم ورباط المنستير وانكفأ راجعاً إلى تونس واحتل بها غرة رمضان‏.‏ وأنزل المسالح على ثغور إفريقية وأقطع لبني مرين البلاد والضواحي وأمضى إقطاعات الموحدين للغرب‏.‏واستعمل على الجهات وسكن القصر وقد كمل الفتح وعظمت في الاستيلاء على الممالك والدول المنة‏.‏واتسعت ممالكه ما بين مسراتة والسوس الأقصى من هذه العدوة وإلى رندة من عدوة الأندلس‏.‏‏"‏ والملك لله يؤتيه من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ‏"‏‏.‏ورفع إليه الشعراء بتونس يهنونه بالفتح وكان سابقهم في تلك النوبة أبو القاسم الرحوي من ناشئة أهل الأدب لرفع إليه قوله أجابك شرق إذ دعوت ومغرب فمكة هشت للقاء ويثرب وناداك مصر والعراق وشامه بداراً فصدع الدين عندك يشعب وحيتك أو كادت تحيي منابر عليها دعاة الحق باسمك تخطب فسارع كل دان وشاسع إلى طاعة من طاعة الله تحسب وتاقت لك الأرواح حباً ورغبةً وأنت علم الآمال تنأى وتقرب فبالبلدة البيضاء لباك معشر وأنت بأفق الناصرية ترقب ولم تتكأ عن إباء بجاية ولكن تراضي الصعب حينا وتركب تأبت فلما أن أطلت عساكر ترى الشهب مما يستباح وينهب تبادر منهم مذعن ومسلم وأذعن منهم شاغب ومؤلب وما تونس إلا بمصر مروع وفي حرم أمست لديك تسرب وما أهلها إلا بغاث لصائد وبالعز منك استنسروا وتعقبوا وقد كنت قبل اليوم كهف زعيمهم فها أنت كهف للجميع ومهرب فكل يرى أن الزمان أداله بكم فأجاب العيش والعيش مخصب وكد لك ابن طائع وإن اعتلت به السن إجلالاً وأنت له أب وما ذاك إلا أن عدلك ينتمي إلى الخلفاء الراشدين وينسب تساميت في ملك ونسك بخطة حذياك محراب لديها وموكب إذا لذ للأملاك خمر مدارة فلذ لك القرآن تتلو وتكتب وإن أدمن القوم الصبوح فإنما على ركعات بالضحى أنت تدأب كما شدت بيتاً في ذؤابة معشر يزيد بهم قحطان فخراً ويعرب هم التاركو قلب القساور خضعاً وعن شأوهم كفت عبيد وأغلب هم الناس والأملاك تحت جوارهم هم العظم والأرض العظيمة تغرب هم المالكو الملك العظيم ودستهم على كاهل السبع الشداد مطنب لقد أصبحت بغداد تحسد فاسهم ودجلة ودت أن يكون بهاسب تجلت سماء المجد منهم كواكباً لقد حل منها شارق ومغرب فلله منهم ثلة يعربية يروم ثباها الأعجمي فيعرب لقد قام عبد الحق للحق طالباً فما فاته منه الذي قام يطلب وأعقب يعقوباً يؤم سبيله فلم يخطه وهو السبيل الملحب وخلف عثماناً فلله صارم به بأن للإسلام شرع ومذهب فكم في سبيل الله شن إغارة لما شاد أهل الكفر أمست تخرب ولما أراد الله إتمام منة تقلدها منا مطيع ومذنب وأصبح أهل الله أهلاً وشيعةً لكم ولهم منكم مكان ومنصب وحل بأهل الفتك ما حل عزمهم وقام لديهم واعظ ومثوب وجاهدت في الرحمن حق جهاده فراهب أهل الكفر بأسك يرهب وأنقذت من أيدي الإغارة أمة وأولى جهاد كان بل هو أوجب فأصبحت الدنيا عروساً يزفها لأمرك من جاري التقادير مغرب فلا مصر إلا قد تمناك أهله ولا أرض إلا بأذكارك تخصب وما الأرض إلا منزل أنت ربه وما حلها إلا الودود الموجب تملكت شطر الأرض كسباً وشطرها تراثاً فطاب الملك إرثاً ومكسب بجيش على الألواح والماء يمتطي وجيش على الضمر الصوافن يركب وجيش من الإحسان والعدل والتقى وذاك لعمر الله أغلى وأغلب فلا مركب إلا يزين راكباً ولا راكب إلا به ازدان مركب ولا رمح إلا وهو أهيف خاطر ولا سيف إلا وهو أبيض مقضب له من عجيب السحر بالقول أضرب وفي هامة القوم المضارب مضرب فها هو في الأقوال واشٍ محبر وها هو في الأمثال ثاو مجرب ومن ساحب برداً من العلم والتقى عليه ذيول الداودية تسحب له صبغة في العلم جاءت بأصبغ وشهبان فهم لم يشمهن أشهب فيا عسكراً قد ضم أعلام عالم به طاب في الدنيا لنا متقلب هم الفئة العلياء والمشعر الذي إذا حل صعباً فهو للحق مشعب لك الفضل في الدنيا على كل قاطن ومرتحل أنى يجيء ويذهب ويا ملكاً عدلاً رضى متورعاً مناقبه العلياء تعلى وتكتب شرعت من الإحسان فينا شريعة تساوى بها ناء ومن يتقرب وأسميت أهل النسك إذ كنت منهم فمنك أخو التقوى قريب مقرب وأعليت قدر العلم إذ كنت عالماً فقيهاً وفي طلابه لك مأرب فمدحك محتوم على كل قائلٍ ومن ذا الذي يحصي الرمال ويحسب وتوفي على أقصى أمانيك آمناً فلا بر يستعصي ولا يتصعب الخبر عن واقعة العرب مع السلطان بالقيروان‏.‏وما تخللها من الأحداث كان هؤلاء الكعوب من بني سليم رؤساء البدو بإفريقية وكان لهم اعتزاز على الدولة لا يعرفون غيره مذ أولها بل وما قبله إذ كان سليم هؤلاء مذ تغلب العرب من مضر على الدول والممالك أول الإسلام انتبذوا إلى الضواحي والقفار وأعطوا من صدقاتهم عن عزة وارتاب الخلفاء بهم لذلك حتى لقد أوصى المنصور ابنه المهدي أن لا يستعين بأحد منهم كما ذكر الطبري‏.‏فلما التاثت الدولة العباسية واستبد الموالي من العجم عليهم واعتز بنو سليم هؤلاء بالقفر من أرض نجد واجلبوا على الحاج بالحرمين ونالتهم منهم معرات ولما انقسم ملك الإسلام بين العباسية والشيعة واختطوا القاهرة نفقت لهم إذ ذاك أسواق الفتنة والتعزز وساموا الدولتين بالهضيمة وقطع السابلة‏.‏ثم أغزاهم العبيديون بالمغرب وأجازوا إلى برقة على إثر الهلاليين فخربوا عمرانها وأجروا في خلائها‏.‏ حتى إذا خرج ابن غانية على الموحدين وانتزى بالثغور الشرقية طرابلس وقابس واجتمع معه على ذلك قراقش الغزي مولى بني أيوب ملوك مصر والشام‏.‏وانضاف إليهم أفاريق العرب من بني سليم هؤلاء وغيرهم فاجلبوا معهم على الضواحي والأمصار وصاروا في جملتهم ومن ناعق فتنتهم‏.‏ولما هلك قراقش وابن غانية واستبد آل أبي حفص بإفريقية واعتز الدواودة على الأمير أبي زكرياء يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص استظهر عليهم ببني سليم هؤلاء وزاحمهم بظواعنهم وأقطعهم بإفريقية ونقلهم من مجالاتهم بطرابلس وأنزلهم بالقيروان فكان لهم من الدولة مكان وعليها اعتزاز‏.‏ولما افترق سلطان بني أبي حفص واستبد الكعوب برياسة البدو وضربوا بين أعياصها وسعوا في شقاقها أصابت منهم وأصابوا منها‏.‏وكان بين مولانا لأمير أبي يحيى وبين حمزة بن عمر أخي الأمير منازعة وفتن وحرب سجال أعانه عليها إ‏!‏ ن من زحف بني عبد الواد إلى إفريقية وطمعهم في تملك ثغورها فكالق‏.‏يستجر شيوشهم لذلك وينصب الأعياص من آل أبي حفص يزاحمهم بهم ثم غلبه مولانا السلطان أبو بكر آخراً وقاده إلى الطاعة ما كان من قطع كلمة الزبون عن مولانا السلطان أبي يحيى وهلاك عدوه من آل يغمراسن بسيف وليه وظهيره السلطان أبي الحسن فأذعن وسكن غرب اعتزازه‏.‏وحمل بني سليم على إعطاء صدقاتهم فأعطوها بالكراهة‏.‏ثم هلك باغتيال الدولة له فيما يزعمون وقام بالأمر بنوه فلم يعرفوا عواقب الأمور وبلوا باعتساف الدول‏.‏ ولم يعهدوا ولا سمعوا لسلفهم غير الاعتزاز فحدثتهم أنفسهم بالفتنة والاعتزاز على قائد الدولة‏.‏وحاربوه فغلبوه واجلبوا على السلطان في ملكه ونازلوه بعقر داره سنة اثنتين وأربعين‏.‏ولما سامهم الأمير عمر ابن مولانا الأمير أبي يحيى الهضيمة بعد مهلك أبيه نزعوا إلى أخيه ولي العهد فجاء إلى تونس وملكها سبعاً‏.‏ ثم اقتحمها عليه أخوه الأمير أبو حفص فقتله‏.‏وتقبض يوم اقتحامه البلد على أبي الهول بن حمزة أخيهم فقتله صبراً بباب داره بالقصبة فأسفهم بها‏.‏وتداعوا إلى السلطان أبي الحسن ورغبوه في ملك إفريقية واستغذوه إليها‏.‏ولما تغلب السلطان على الوطن وكانت حاله في اعتزاز على من في طاعته غير حال الموحدين وملكته للبدو غير ملكتهم وحين رأى اعتزازهم على الدولة وكثرة ما أقطعتهم من الضواحي ثم من الأمصار نكره وأدالهم من الأمصار التي أقطعهم الموحدون بأعطيات فرضها لهم في الديوان‏.‏واستكثر جبايتهم فنقصهم الكثير منها وشكى إليه الرعية من البدو ما ينالونهم من الظلامات والجور بفرض الأتاوة التي يسمونها الخفارة فقبض أيديهم عنها وأوعز إلى الرعايا بمنعهم منها فارتابوا لذلك‏.‏ وفسدت نياتهم وثقلت وطأة الدولة عليهم فترصدوا لها‏.‏وتسامع ذؤبانهم وبواديهم بذلك فأغاروا على قياطين بني مرين ومسالحهم بثغور إفريقية وفروجها واستاقوا أموالهم وكثر شكاتهم وأظلم الجو بمنهم وبين السلطان والدولة ووفد عليه بتونس بعد مرجعه من المهدية وفد من مشيختهم كان فيهم خالد بن حمزة مستحثه إلى إفريقية وأخوه أحمد وخليفة بن عبد الله بن مسكين وابن عمه خليفة بن بوزيد من أولاد القوس فأنزلهم ثم رفع إليه الأمير عبد الواحد ابن السلطان أبي يحيى زكرياء بن اللحياني كان في جملته‏.‏وكان من خبره أنه رجع من المشرق بعد مهلك أبيه بمصر كما قدمناه سنة اثنتين وثلاثين فدعا لنفسه بجهات طرابلس وتابعه أعراب دباب وبايع له عبد الملك بن مكي صاحب قابس‏.‏ونهض معه إلى تونس في غيبة السلطان لتخريب تيمزيزدكت كما ذكرناه فملكها أياماً‏.‏وأحس بمرجع السلطان فأجفل عنها‏.‏ولحق عبد الواحد بن اللحياني بتلمسان إلى أن دلف إليها السلطان أبو الحسن بعساكره ففارقهم وخرج إليه فأحله محل التكرمة والمبرة واستقر في جملته إلى أن ملك تونس‏.‏ورفع إليه عند مقدم هذا الوفد أنهم دسوا إليه مع بعض حشمهم وطلبوه في الخروج معهم لينصبوه للأمر بإفريقية وتبرأ إلى السلطان من ذلك فأحضروا بالقصر ووبخهم الحاجب علال بن محمد بن المصمود‏.‏ وأمر بهم فسحبوا إلى السجن‏.‏وفتح السلطان ديوان العطاء وعسكر بسيجوم بساحة البلد بعد قضائه منسك الفطر من سنته‏.‏وبعث في المسالح والعساكر فتوافوا ببابه‏.‏واتصل الخبر بأولاد أبي الليل القوس باعتقال وفدهم وعسكرة السلطان لهم فضاقت علمهم الأرض بما رحبت وتعاقدوا على موت وبعثوا إلى أقتالهم أولاد مهلهل بن قاسم في أحمد‏.‏وكانوا بعد مهلك سلطانهم أبي حفص قد لحقوا بالقفر وانتبذوا عن إفريقية فراراً من مطالبة السلطان بما كانوا شيعة لعدوه فأغذ السير إليهم أبو الليل بن حمزة متطارحماً عليهم بنفسه في الاجتماع للخروج على السلطان فأجابوه وارتحلوا معه‏.‏وتوافت أحياء بني كعب وحكيم جميعاً بتوزر من بلاد الجريد فهدروا الدماء بينهم وتدامروا وتبايعوا على الموت والتمسوا من أعياص الملك من ينصبونه للأمر فدلهم بعض سماسرة الفتن على رجل من أعقاب أبي دبوس فريسة بني مرين من حلفاء بني عبد المؤمن بمراكش وكان استولوا عليها‏.‏وكان من خبره أن أباه عثمان بن إدريس بن أبي دبوس لحق بعد مهلك أبيه بالأندلس وصحب هنالك مرغم بن صابر شيخ بني دباب وهو أسير ببرشلونة‏.‏فلما انطلق من أسره صحبه إلى وطن دباب بعد أن عقد قمص ببرشلونة بينهما حلفاً وأمدهما بالأسطول على مال التزماه له‏.‏ونزل بضواحي طرابلس وجبال البربر بها ودعا لنفسه هنالك‏.‏ وقام بدعوته كافة العرب من دباب وقاتل طرابلس فامتنعت عليه‏.‏ ثم تابعه أحمد بن أبي الليل شيخ الكعوب بإفريقية وأجلب به على تونس فلم يتم أمره لرسوخ دعوة الحفصيين بإفريقية وانقطاع أمر بني عبد المؤمن منها وآثارهم منذ الأحوال العليلة والآماد المتقادمة فنسي أمرهم‏.‏وهلك عثمان بن إدريس هذا بجرة ثم ابنه عبد السلام بعده وترك من الولد ثلاثة أصغرهم أحمد وكان صناع اليدين‏.‏ ولحقوا بتونس بعدما طوحت بهم طوائح الاغتراب وظنوا أن قد تنوسي شأن أبيهم فتقبض عليهم مولانا السلطان أبو يحيى وأودعهم السجن إلى أن غربهم إلى الإسكندرية سنة أربع وأربعين‏.‏ورجع أحمد منهم إلى إفريقية واحتل بتوزر محترفاً بحرفة الخياطة يتعيش منها فاستدعاه بنو كعب هؤلاء حين اتفقت أهواؤهم ومن اتبعهم من أحلافهم أولاد القوس وسائر شعوب علاق‏.‏وخرج إليهم من توزر فنصبوه للأمر وجمعوا له شيئاً من الفساطيط والآلة والكسى الفاخرة والمقربات‏.‏وأقاموا له رسم السلطان وعسكروا عليه بحللهم وقياطينهم وارتحلوا لمناجزة السلطان‏.‏ولما قضى منسك الأضحى من سنة ثمان وأربعين ارتحل من ساحة تونس يريدهم فوافاهم في العرج ما بين بسيط تونس وتبسط القيروان المسمى بالثنية فأجفلوا أمامه وصدقوه القتال منهزمين وهو في اتباعهم إلى أن احتل بالقيروان ورأوا أن لا ملجأ منه فتدامروا واتفقوا على الاستماتة ودس إليهم من عسكر السلطان بنو عبد الواد ومغراوة وبنو توجين فغلبوا بني مرين وعدوهم بالمناجزة صبيحة يومهم ليتحيزوا إليهم براياتهم فصبحوا معسكر السلطان‏.‏وركب إليهم في الآلة والتعبئة واحتل المصاف وتحيز إليهم الكثر‏.‏ونجا السلطان إلى القيروان فدخلها في الفل من عساكره ثامن المحرم فاتح تسع وعشرين وتدافعت ساقات العرب في أثره‏.‏وتسابقوا إلى المعسكر فانتهبوه ودخلوا فسطاط السلطان فاستولوا على ذخيرته والكثير من حرمه‏.‏ وأحاطوا بالقيروان وأحدقت حللهم بها سياجاً وتعاوت ذيابهم بأطراف القاع وأجلب ناعق الفتنة من كل مكان‏.‏وبلغ الخبر إلى تونس فاستحصن بالقصبة أولياء السلطان وحرمه ونزع ابن تافراكين من جملة السلطان بالقيروان إليهم فعقدوا له على حجابة سلطانهم أحمد بن أبي دبوس ودفعوه إلى محاربة من كان بقصبة تونس فأغذ إليها السير‏.‏وأجتمع إليه أشياع الموحدين وزعانف الغوغاء والجند وأحاطوا بالقصبة وغاداها بالقتال ونصب المنجنيق لحصارها‏.‏ووصل سلطانه أحمد على أثره وامتنعت عليهم ولم يغنوا فيها غناً وافترق أمر الكعوب وخالف بعضهم بعضاً إلى السلطان وتساقطوا إليه فتنفس مخنق الحصار عن القيروان‏.‏واختلفت إليه رسل أولاد مهلهل وأحس بهم أولاد أبي الليل‏.‏فدخل أبو الليل بن حمزة بنفسه وعاهد السلطان على الإفراج ولم يف بعهده‏.‏وداخل السلطان وأولاد مهلهل في الخروج معهم إلى سوسة فعاهدوه على ذلك‏.‏وواعد أسطوله بمرساها وخرج معهم ليلاً على تعبية فلحق بسوسة‏.‏وبلغ الخبرإلى ابن تافراكين بمكانه من حصار القصبة فركب السفين ليلاً إلى الإسكندرية‏.‏وارتاب سلطانهم ابن أبي دبوس لما وقف على خبره فانفض جمعهم وأفرجوا عن القصبة‏.‏وركب السلطان أسطوله من سوسة ونزل بتونس آخر جمادى واعتمل في إصلاح أسوارها وإدارة الخندق عليها‏.‏ وأقام لها من الامتناع والتحصين رسماً ثبت لها من بعده ودفع به نحو عدوه‏.‏واستقل من نكبة القيروان وعثرتها وخلص من هوتها‏.‏والله يفعل ما يشاء‏.‏ولحق أولاد أبي الليل وسلطانهم أحمد بن أبي دبوس بتونس فأحاطوا بالسلطان واستبلغوا في حصاره‏.‏ وخلصت ولاية أولاد مهلهل للسلطان فعول عليهم ثم راجع بنو حمزة رأيهم في طاعة السلطان ودخل كبيرهم عمر إليه في شعبان وتقبضوا على سلطانهم أحمد بن أبي دبوس وقادوه إلى السلطان استبلاغاً في الطاعة وإمحاضاً للولاية فتقبل فيئته

الشيخ عودة العقيلي
07-08-2011, 01:12 PM
الخبر عن هدية السلطان إلى المشرق

وبعثه بنسخة المصحف من خطه إلى الحرمين والقدس كان للسلطان أبي الحسن مذاهب في ولاية ملوك المشرق والكلف بالمعاهد الشريفة تقبله من سلفه وضاعفه لديه متين ديانته‏.‏ولما قضى من أمر تلمسان ما قضى وتغلب على المغرب الأوسط وصار أهل النواحي تحت ربقة منه واستطال بجناح سلطانه وخاطب لحينه صاحب مصر والشام محمد بن قلاوون الملك الناصر وعرفه بالفتح وارتفاع العوائق عن الحاج في سابلتهم‏.‏وكان فرانقه في ذلك فارس بن ميمون بن ودرار‏.‏وعاد بجواب الكتاب وتقرير المودة بين السلف‏.‏وأجمع السلطان على كتابة نسخة أنيقة من المصحف الكريم بخط يديه ليوقفها بالحرم الشريف قربة إلى الله وابتغاء للمثوبة‏.‏فانتسخها وجمع الوراقين لمعاناة تذهيبها وتنميقها والقراء لضبطها وتهذيبها حتى اكتمل شأنها‏.‏ووضع لها وعاء مؤلف من خشب الأبنوس والعاج والصندل فائق الصنعة وغشي بصفائح الذهب ونظم بالجوهر والياقوت واتخذت له أصونة الجلد المحكمة الصناعة المرقوم أديمها بخيوط الذهب ومن فوقها غلاف الحرير والديباج وأغشية الكتان‏.‏وأخرج من خزائنه أموالاً عيناً لشراء الضياع بالمشرق لتكون وقفاً على القراء فيها‏.‏وأوفد على الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر والشام من خواص مجلسه وكبار أهل دولته عريف بن يحيى أمير زغبة والسابق القدم في بساطه على كل خالصة وعطية بن مهلهل بن يحيى كبير الخولة‏.‏ وبعث كاتبه أبا الفضل بن حمد بن أبي مدين وعريف الوزعة بدولته وصاحب الباب عبو بن قاسم المزوار‏.‏ واحتفل في الهدية للسلطان صاحب مصر احتفالاً تحدث به الناس دهراً‏.‏ ووقفت على برنامج الهدية بخط أبي الفضل بن أبي مدين هذا الرسول ووعيته وأنسيته‏.‏ وذكر لي بعض قهارمة الدار أنه كان فيها خمسماية من عتاق الخيل المقربات بسروج الذهب والفضة ولجمها خالصاً ومغشى ومموهاً‏.‏وخمسماية حمل من متاع الغرب وماعونه وأسلحته ومن نسج الصوف المحكم ثياباً وأكسية وبرانس وعمائم وازراً معلمة وغير معلمة‏.‏ ومن نسج الحرير الفائق المعلم بالذهب ملوناً وغير ملون وسادجاً منمقاً‏.‏ ومن الدرق المجلوبة من بلاد الصحراء المحكمة بالدباغ المتعارف وتنسب إلى اللمط‏.‏ ومن حرثى المغرب وماعونه ما يستظرف صناعته بالمشرق حتى لقد كان فيها مكيل من حصى الجوهر والياقوت‏.‏ واعتزمت حظية من حظايا أبيه على الحج في ركابه ذلك فأذن لها واستبلغ في تكريمها‏.‏ واستوصى بها وافده وسلطان مصر في كتابه‏.‏وفصلوا من تلمسان وأدوا رسالتهم إلى الملك الناصر وهديتهم فتقبلها وحسن لديه موقعها‏.‏وكان يوم وفادتهم عليه بمصر يوماً مشهوداً تحدث به الناس دهراً ولقاهم في طريقهم أنواع البر والتكرمة حتى قضوا فرضهم ووضعوا المصحف الكريم بحيث أمرهم صاحبهم‏.‏وأسنى هدية السلطان من فساطيطهم الغريبة الهيكل والصنعة بالمغرب ومن ثياب إسكندرية البديعة النسج المرقومة بالذهب ورجعهم بها إلى مرسلهم وقد استبلغ في تكريمهم وصلتهم‏.‏وبقي حديث هذه الهدية مذكوراً بين الناس لهذا العهد‏.‏ثم انتسخ السلطان نسخة أخرى من المصحف الكريم على القانون الأول ووقفها على القراء بالمدينة وبعثها مع من تخيره لذلك العهد من أهل دولته‏.‏واتصلت الولاية بينه وبين الملك الناصر إلى أن هلك سنة إحدى وأربعين‏.‏ وولي الأمر من بعده ابنه أبو الفداء إسماعيل فخاطبه السلطان وأتحفه وعزاه عن أبيه‏.‏ وأوفد عليه كاتبه وصاحب ديوان الخراج ببابه أبا الفضل بن عبد الله بن أبي مدين فقضى من وفادته ما حمل‏.‏وكان شأنه عجباً في إظهار أبهة سلطانه والإنفاق على المستضعفين من الحاج في سبيلهم وإتحاف رجال الدولة التركية بذات يده والتعفف عما في أيديهم‏.‏ ثم شرع السلطان بعده عند استيلائه على إفريقية كما نذكره في كتابة نسخة أخرى من المصحف الكريم ليوقفها ببيت المقدس فلم يقدر على إتمامها‏.‏ وهلك قبل فراغه من نسخها كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن هدية السلطان إلى ملك مالي من السودان المجاورين للمغرب

كان للسلطان أبي الحسن مذهب في الفخر معروف يتطاول به إلى مناغاة الملوك الأعاظم واقتفاء سننهم في مهاداة الأقتال والأنظار وإنفاذ الرسل على ملوك القاصية والتخوم البعيدة‏.‏وكان ملك مالي أعظم ملوك السودان لعهده مجاوراً لملكه بالمغرب على ماية مرحلة في القفر من ثغور ممالكه القبلية‏.‏ ولما غلب بني عبد الواد على تلمسان وابتزهم ملكهم واستولى على ممالك المغرب الأوسط وتحدث الناس بشأن أبي تاشفين وحصاره ومقتله وما كان للسلطان في ذلك من سورة التغلب وإهانة العدو شاعت أخبار ذلك في الآفاق‏.‏وسما سلطان مالي منسا موسى المتقدم ذكره في أخبارهم إلى مخاطبته فأوفد عليه فرانقين من أهل مملكته مع ترجمان من الملثمين المجاورين لممالكهم من صنهاجة فوفدوا على السلطان في التهنئة بالتغلب والظفر بالعدو فكرم وفادتهم وأحسن مثواهم ومنقلبهم‏.‏ونزع إلى طريقته في الفخر فانتخب طرفاً من متاع المغرب وماعونه من ذخيرة داره وأسناها‏.‏ وعين رجالاً من أهل دولته كان فيهم كاتب الديوان أبو طالب بن محمد بن أبي مدين ومولاه عنبر الخصي‏.‏وأنفذهم بها على ملك مالي منسا سليمان بن منسا موسى لمهلك أبيه قبل مرجع وفده‏.‏وأوعز إلى أعراب الفلاة من المعقل بالسير معهم ذاهبين وجائين فشمر لذلك علي بن غانم أمير أولاد جار الله من المعقل وصحبهم في طريقهم امتثالاً لأمر السلطان‏.‏وتوغل ذلك الركاب في القفر إلى بلد مالي بعد الجهد وطول المشقة فأحسن مبرتهم وأعظم موصلهم وكرم وفادتهم ومنقلبهم‏.‏وعادوا إلى مرسلهم في وفد من كبار مالي يعظمون سلطانه ويوجبون حقه ويؤدون من خضوع مرسلهم وقيامه بحق السلطان واعتماله في مرضاته ما استوصاهم به فأدوا رسالتهم‏.‏وبلغ السلطان إرباً من اعتزازه على الملوك وخضوعهم لسلطانه‏.‏ وقضى حق الشكر لله في صنعه‏.‏

الخبر عن إصهار السلطان إلى صاحب تونس

لما هلكت ابنة مولانا السلطان أبي يحيى بطريف فيمن هلك من حظايا السلطان أبي الحسن بفساطيطه بقي في نفسه منها شيء حنيناً إلى ما شغفته من خلالها وعزة سلطانها وقيامها على بيتها وظرفها في تصرفاتها والاستماع بأحوال الترف ولذاذة العيش في عشرتها فسما أمله إلى الاعتياض منها ببعض أخواتها‏.‏وأوفد في خطبتها وليه عريف بن يحيى أمير زغبة وكاتب الجباية والعساكر بدولته أبا الفضل بن عبد الله بن أبي مدين وفقيه الفتيا بمجلسه أبا عبد الله محمد بن سليمان السطي ومولاه عنبر الخصي فوفدوا يوم مثنى من سنة ست وأربعين‏.‏ وأنزلوا منزل البر وأستبلغ في تكريمهم‏.‏ودس الحاجب أبو محمد عبد الله بن تافراكين إلى سلطانه غرض وفادتهم فأبى عن ذلك صوناً لحرمه عن جولة الأقطار وتحكم الرجال واستعظاماً لمثل هذا العرس‏.‏ولم يزل حاجبه ابن تافراكين يخفض عليه الشأن ويعظم عليه حق السلطان أبي الحسن في رد خطبته مع الأزمة السالفة‏.‏ بينهما من الصهر والمخالطة إلى أن أجاب وأسعف‏.‏وجعل ذلك إليه فانعقد الصهر بينهما‏.‏ وأخذ الحاجب في شوار العروس وتأنق فيه واحتفل واستكثر وطال ثواء الرسل إلى أن استكمل‏.‏ وارتحلوا من تونس لشهر ربيع من سنة سبع‏.‏وأوعز مولانا السلطان أبو يحيى إلى ابنه الفضل صاحب بونة وشقيق هذه العروس أن يزفها على السلطان أبي الحسن قياماً لحقه‏.‏وبعث من بابه مشيخة من الموحدين مقدمهم عبد الواحد بن أكمازير صحبوا ركابها إليه‏.‏ووفدوا جميعاً على السلطان‏.‏ واتصل بهم الخبر أثناء طريقهم بمهلك مولانا أبي يحيى عفا الله عنه فعزاهم السلطان أبو الحسن عنه عندما وصلوا إليه‏.‏واستبلغ في تكريمهم وأجمل موعد أخيه الفضل بسلطانه ومظاهرته على تراث أبيه فاطمأنت به الدار إلى أن سار في جملة السلطان وتحت ألويته إلى إفريقية كما نذكر إن شاء الله تعالى‏.‏استيلاء السلطان ابي الحسن على افريقية

الخبرعن حركة السلطان إلى إفريقية واستيلائه عليها

كان السلطان أبو الحسن قد امتدت عينه إلى ملك إفريقية لولا مكان مولانا السلطان أبي يحيى من ولاية صهره وأقام يتحين لها الوفاة‏.‏ولما بعث إليه في الصهر وأشيع بتلمسان أن الموحدين ردوا خطبته نهض من المنصورة بتلمسان وأغذ السير إلى فاس‏.‏ ففتح ديوان العطاء وأزاح علل عساكره‏.‏وعقد على المغرب الأقصى لحافده منصور ابن الأمير أبي مالك‏.‏ وفوض إلى الحسن بن سليمان بن يرزيكن في أحكام الشرطة وعقد له على الضاحية‏.‏ وارتحل إلى تلمسان مضمر الحركة إلى إفريقية حتى إذا جاءه الخبر اليقين بالإسعاف والزفاف سكن غربه وهدأ طائره‏.‏فلما هلك السلطان أبو يحيى في رجب من سنة سبع وأربعين وكان من قيام ابنه عمر بالأمر ونزوع الحاجب أبي محمد بن تافراكين منها في رمضان ما ذكرناه تحركت عزائمه لذلك‏.‏ورغبه ابن تافراكين في ملك الموحدين فرغب وجاء على أثره

الخبر بما كان من قتل عمر لأخيه أحمد ولي العهد

وكان يستظهر على عهده بكتاب أبيه وما أودعه السلطان بطرته من الوفاق على ذلك بخطه اقتفاه منه حاجبه أبو القاسم بن عتو في سفارته إليه فامتعض السلطان لما أضاع عمر من عهد أبيه وهدر من دم أخيه‏.‏وارتكب مذاهب العقوق فيهم وخرق السياج الذي فرضه بخطه عليهم فأجمع الحركة إلى إفريقية‏.‏ولحق به خالد بن حمزة بن عمر نازعاً إليه مستغذاً مسيره ففتح ديوان العطاء ونادى في الناس بالمسير إلى إفريقية وأزاح عللهم‏.‏وكان صاحب بجاية المولى أبو عبد الله حافد مولانا السلطان أبي يحيى وفد على السلطان أبي الحسن إثر مهلك جده يقرر المتات بسفارة أبيه إليه ويطلب الإقرار على عمله‏.‏فلما استيأس منه واستيقن حركته بنفسه إلى إفريقية طلب الرجوع إلى مكانه فأسعف وفصل إلى بجاية‏.‏ ولما قضى السلطان منسك الأضحى من سنة سبع وأربعين عقد لابنه الأمير أبي عنان على المغرب الأوسط وعهد إليه بالنظر في أموره كافة وجعل إليه جبايته وارتحل يريد إفريقية‏.‏وسار في جملته هو وخالد بن حمزة أمير البدو‏.‏ولما احتل بوهران وافاه هنالك وفد قسطيلية وبلاد الجريد يقدمهم أحمد بن مكي أمير جربة ورديف أخيه عبد الملك في أمارة قابس ويحيى بن محمد بن يملول أمير توزر‏.‏سقط إليها بعد خروج الأمير أبي العباس ولي العهد عنها ومهلكه بتونس وأحمد بن عمر بن العابد رئيس نفطة رجعا إليها كذلك بعد مهلك ولي العهد فلقيه هؤلاء الرؤساء بوهران في ملأ من وجوه بلادهم فأتوه بيعتهم وقضوا حق طاعته‏.‏وتثاقل محمد بن ثابت أمير طرابلس عن اللحاق فبعث بيعته معهم فأكرم وفدهم‏.‏وعقد لهم على أمصارهم وصرفهم إلى أعمالهم‏.‏وتمسك بأحمد بن مكي لصحابة ركابه وفي جملته وأغذ السير‏.‏ولما احتل ببني حسن من أعمال بجاية وافاه بها منصور بن مزني أمير بسكرة وبلاد الزاب في وفد من أهل وطنه ويعقوب بن علي بن أحمد سيد الدواودة وأمير البدو بضاحية بجاية وقسنطينة فتلقاهم بالمبرة والاحتفاء وألزمهم ساقته‏.‏وسرح بين يديه قائده حمو بن يحيى العشري من صنائع أبيه‏.‏فلما عسكر بساحة بجاية أبي عبد الله أبى عليه أهل البلد رهبة من السلطان ورغبة فيه‏.‏وانفضوا من حوله ولحقت مشيختهم بالقضاة وأهل الفتيا والشورى بمجلس السلطان‏.‏وسابقهم إليه حاجبه فارح مولى ابن سيد الناس فأدى طاعته ورجعه إليه بالخروج للقاء ركابه‏.‏وارتحل حتى إذا أطلت راياته على البلد بادر المولى أبو عبد الله ولقيه بساحة البلد واعتذر عن تخلفه فتقبل عذره وأحله من البرور والتكرمة محل الولد العزيز‏.‏وأقطعه عمل كومية من ضواحي هنين وأسنى جرايته بتلمسان وأصحبه إلى ابنه فأبى عنان صاحب المغرب الأوسط واستوصاه به‏.‏ودخل بجاية فرفع عنهم الظلامات وحط عنهم الربع من المغارم‏.‏ونظر في أحوال ثغورها فثقف أطرافها وسد فروجها‏.‏وعقد عليها لمحمد بن الثوار من طبقة الوزراء والمرشحين لها وأنزل معه حامية بني مرين وكاتب الخراج ببابه بركات بن حسون بن البواق‏.‏وارتحل مغذاً سيره حتى احتل بقسنطينة‏.‏وتلقاه أميرها أبو زيد حافد مولانا السلطان أبي يحيى وإخوته أبو العباس أحمد وأبو يحيى زكرياء وسائر إخوتهم فأتوه بيعتهم ونزلوا عن عملهم‏.‏وأدالهم السلطان منه بندرومة من عمل تلمسان عقد للمولى أبي زيد على أمارتها وجعله أسوة إخوته في إقطاع جبايتها ودخل البلد وعقد عليها لمحمد بن العباس وأنزل معه العباس بن عمر في قومه من بني عسكر‏.‏وأمضى إقطاعات الدواودة ووافاه هنالك عمر بن حمزة سيد الكعوب لعهده وأمير البدو مستحثاً لركابه‏.‏وأخبره برحيل السلطان عمر بن مولانا أبي يحيى من تونس فيمن اجتمع إليه من أولاد مهلهل أقتالهم من الكعوب متوجهاً إلى ناحية قابس‏.‏وأشار على السلطان بتسريح العساكر لاعتراضه قبل أن يخلص إلى طرابلس فسرح معه حمو بن يحيى العشري قائده في عسكر من بني مرين والجند‏.‏وارتحلوا في اتباع السلطان أبي حفص‏.‏وتلوم السلطان أبو الحسن بقسنطينة واعترض عساكره بسطح الجعاب منها‏.‏وصرف يوسف بن مزني إلى عمله بالزاب بعد أن خلع عليه وحمله‏.‏ثم عقد للمولى الفضل ابن مولانا السلطان أبي يحيى على مكان عمله ببونة وملأ حقائبه جائزة وخلعا نفيسة وسرحه ثم ارتحل على أثرهم وأغذ حمو بن يحيى السير مع الناجعة من أحياء أولاد أبي الليل ولحقوا بالأمير أبي حفص بمباركه من ناحية قابس فأوقعوا به وتردى عن فرسه في حومة القتال هو ومولاه ظافر السنان لقائم بدولته من المعلوجي فتقبض عليهما وسيقا إلى حمو فاعتقلهما إلى الليل‏.‏ثم ذبحهما وأنفذ برؤوسهما إلى السلطان‏.‏ولحق الفل بقابس فتقبض عبد الملك بن مكي على أبي القاسم بن عتو صاحب الأمير أبي حفص وشيخ الموحدين وعلى صخر بن موسى شيخ بني سكين فيمن تقبص عليه من ذلك الفل وأشخصهم مقرنين في الأصفاد إلى السلطان‏.‏وسرح السلطان عسكره إلى تونس وعقد عليهم ليحيى بن سليمان صهره من بني عسكر على ابنته وأنفذ معه أحمد بن مكي فاحتلوا بتونس واستولوا عليها‏.‏وانطلق ابن مكي إلى مكان عمله من هنالك لما عقد له السلطان عليه وسرحه إليه بعد أن خلع عليه وعلى حاشيته وحملهم‏.‏ونزل السلطان بباجة فوافاه هنالك البريد برأس الأمير أبي حفص وعظم الفتح‏.‏ثم ارتحل إلى تونس واحتل بها يوم الإربعاء الثامن من جمادى الآخرة من سنة ثمان‏.‏وتلقاه وفد تونس وملأوها من شيوخ الشورى وأرباب الفتيل فأتوا طاعتهم وانقلبوا مسرورين بملكتهم‏.‏ثم عبأ يوم السبت لدخولها مواكبه وصف جنده سماطين من معسكره بسيجوم إلى باب البلد يناهز ثلاثة أميال أو أربعة‏.‏وركب بنو مرين في جموعهم على مراكزهم وتحت راياتهم‏.‏وركب السلطان من فسطاطه وواكبه من عن يمينه وليه عريف بن يحيى أمير زغبة ويليه أبو محمد عبد الله بن تافراكين‏.‏ومن عن يساره الأمير أبو عبد الله محمد أخو مولانا السلطان أبي يحيى ويليه الأمير أبو عبد الله ابن أخيه خالد‏.‏كانا معتقلين بقسنطينة مع ولدهما منذ خرج الأمير أبو فارس فأطلقهم السلطان أبو العباس وصحبوه إلى تونس فكانوا طزازاً في ذلك الموكب فيمن لا يحصى من أعياص بني مرين وكبرائهم‏.‏وهدرت طبوله وضقت راياته وكانت يومئذ ماية‏.‏ وجاؤوا لمواكب تجتمع عليه صفاً صفاً إلى أن وصل إلى البلد وقد ماجت الأرض بالجيوش وكان يوماً لم ير مثله فيما عقلناه‏.‏ودخل السلطان إلى القصر وخلع على أبي محمد بن تاكراكين كسوته وقرب اليد فرسه بسرجه ولجامه‏.‏وطعم الناس بين يديه وانتشروا‏.‏ودخل السلطان مع أبي محمد بن تافراكين إلى حجر القصر ومساكن الخلفاء فطاف عليها ودخل منه إلى الرياض المتصلة به المدعوة برأس الطابية فطاف على بساتينه وجوائزه وأفضى منه إلى معسكره وأنزل يحيى بن سليمان بقصبة تونس في عسكر لحمايتها‏.‏ووصل إليه فل الأمير أبي حفص والأسرى بقابس مقرنين في أصفادهم فأودعهم السجن بعد أن قطع أبا القاسم بن عتو وصخر بن موسى من خلاف لفتيا الفقهاء بجرايتهم‏.‏وارتحل من الغد إلى القيروان فجال في نواحيها‏.‏ووقف على آثار الأولين ومصانع الأقدمين والطلول الماثلة لصنهاجة والعبيديين وزار أجداث العلماء والصالحين‏.‏ثم سار إلى المهدية ووقف على ساحل البحر ونظر في عاقبة الذين كانوا من قبله أشد قوةوآثاراً في الأرض واعتبر في أحوالهم‏.‏ ومر في طريقه بقصر الأجم ورباط المنستير وانكفأ راجعاً إلى تونس واحتل بها غرة رمضان‏.‏ وأنزل المسالح على ثغور إفريقية وأقطع لبني مرين البلاد والضواحي وأمضى إقطاعات الموحدين للغرب‏.‏واستعمل على الجهات وسكن القصر وقد كمل الفتح وعظمت في الاستيلاء على الممالك والدول المنة‏.‏واتسعت ممالكه ما بين مسراتة والسوس الأقصى من هذه العدوة وإلى رندة من عدوة الأندلس‏.‏‏"‏ والملك لله يؤتيه من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ‏"‏‏.‏ورفع إليه الشعراء بتونس يهنونه بالفتح وكان سابقهم في تلك النوبة أبو القاسم الرحوي من ناشئة أهل الأدب لرفع إليه قوله أجابك شرق إذ دعوت ومغرب فمكة هشت للقاء ويثرب وناداك مصر والعراق وشامه بداراً فصدع الدين عندك يشعب وحيتك أو كادت تحيي منابر عليها دعاة الحق باسمك تخطب فسارع كل دان وشاسع إلى طاعة من طاعة الله تحسب وتاقت لك الأرواح حباً ورغبةً وأنت علم الآمال تنأى وتقرب فبالبلدة البيضاء لباك معشر وأنت بأفق الناصرية ترقب ولم تتكأ عن إباء بجاية ولكن تراضي الصعب حينا وتركب تأبت فلما أن أطلت عساكر ترى الشهب مما يستباح وينهب تبادر منهم مذعن ومسلم وأذعن منهم شاغب ومؤلب وما تونس إلا بمصر مروع وفي حرم أمست لديك تسرب وما أهلها إلا بغاث لصائد وبالعز منك استنسروا وتعقبوا وقد كنت قبل اليوم كهف زعيمهم فها أنت كهف للجميع ومهرب فكل يرى أن الزمان أداله بكم فأجاب العيش والعيش مخصب وكد لك ابن طائع وإن اعتلت به السن إجلالاً وأنت له أب وما ذاك إلا أن عدلك ينتمي إلى الخلفاء الراشدين وينسب تساميت في ملك ونسك بخطة حذياك محراب لديها وموكب إذا لذ للأملاك خمر مدارة فلذ لك القرآن تتلو وتكتب وإن أدمن القوم الصبوح فإنما على ركعات بالضحى أنت تدأب كما شدت بيتاً في ذؤابة معشر يزيد بهم قحطان فخراً ويعرب هم التاركو قلب القساور خضعاً وعن شأوهم كفت عبيد وأغلب هم الناس والأملاك تحت جوارهم هم العظم والأرض العظيمة تغرب هم المالكو الملك العظيم ودستهم على كاهل السبع الشداد مطنب لقد أصبحت بغداد تحسد فاسهم ودجلة ودت أن يكون بهاسب تجلت سماء المجد منهم كواكباً لقد حل منها شارق ومغرب فلله منهم ثلة يعربية يروم ثباها الأعجمي فيعرب لقد قام عبد الحق للحق طالباً فما فاته منه الذي قام يطلب وأعقب يعقوباً يؤم سبيله فلم يخطه وهو السبيل الملحب وخلف عثماناً فلله صارم به بأن للإسلام شرع ومذهب فكم في سبيل الله شن إغارة لما شاد أهل الكفر أمست تخرب ولما أراد الله إتمام منة تقلدها منا مطيع ومذنب وأصبح أهل الله أهلاً وشيعةً لكم ولهم منكم مكان ومنصب وحل بأهل الفتك ما حل عزمهم وقام لديهم واعظ ومثوب وجاهدت في الرحمن حق جهاده فراهب أهل الكفر بأسك يرهب وأنقذت من أيدي الإغارة أمة وأولى جهاد كان بل هو أوجب فأصبحت الدنيا عروساً يزفها لأمرك من جاري التقادير مغرب فلا مصر إلا قد تمناك أهله ولا أرض إلا بأذكارك تخصب وما الأرض إلا منزل أنت ربه وما حلها إلا الودود الموجب تملكت شطر الأرض كسباً وشطرها تراثاً فطاب الملك إرثاً ومكسب بجيش على الألواح والماء يمتطي وجيش على الضمر الصوافن يركب وجيش من الإحسان والعدل والتقى وذاك لعمر الله أغلى وأغلب فلا مركب إلا يزين راكباً ولا راكب إلا به ازدان مركب ولا رمح إلا وهو أهيف خاطر ولا سيف إلا وهو أبيض مقضب له من عجيب السحر بالقول أضرب وفي هامة القوم المضارب مضرب فها هو في الأقوال واشٍ محبر وها هو في الأمثال ثاو مجرب ومن ساحب برداً من العلم والتقى عليه ذيول الداودية تسحب له صبغة في العلم جاءت بأصبغ وشهبان فهم لم يشمهن أشهب فيا عسكراً قد ضم أعلام عالم به طاب في الدنيا لنا متقلب هم الفئة العلياء والمشعر الذي إذا حل صعباً فهو للحق مشعب لك الفضل في الدنيا على كل قاطن ومرتحل أنى يجيء ويذهب ويا ملكاً عدلاً رضى متورعاً مناقبه العلياء تعلى وتكتب شرعت من الإحسان فينا شريعة تساوى بها ناء ومن يتقرب وأسميت أهل النسك إذ كنت منهم فمنك أخو التقوى قريب مقرب وأعليت قدر العلم إذ كنت عالماً فقيهاً وفي طلابه لك مأرب فمدحك محتوم على كل قائلٍ ومن ذا الذي يحصي الرمال ويحسب وتوفي على أقصى أمانيك آمناً فلا بر يستعصي ولا يتصعب الخبر عن واقعة العرب مع السلطان بالقيروان‏.‏وما تخللها من الأحداث كان هؤلاء الكعوب من بني سليم رؤساء البدو بإفريقية وكان لهم اعتزاز على الدولة لا يعرفون غيره مذ أولها بل وما قبله إذ كان سليم هؤلاء مذ تغلب العرب من مضر على الدول والممالك أول الإسلام انتبذوا إلى الضواحي والقفار وأعطوا من صدقاتهم عن عزة وارتاب الخلفاء بهم لذلك حتى لقد أوصى المنصور ابنه المهدي أن لا يستعين بأحد منهم كما ذكر الطبري‏.‏فلما التاثت الدولة العباسية واستبد الموالي من العجم عليهم واعتز بنو سليم هؤلاء بالقفر من أرض نجد واجلبوا على الحاج بالحرمين ونالتهم منهم معرات ولما انقسم ملك الإسلام بين العباسية والشيعة واختطوا القاهرة نفقت لهم إذ ذاك أسواق الفتنة والتعزز وساموا الدولتين بالهضيمة وقطع السابلة‏.‏ثم أغزاهم العبيديون بالمغرب وأجازوا إلى برقة على إثر الهلاليين فخربوا عمرانها وأجروا في خلائها‏.‏ حتى إذا خرج ابن غانية على الموحدين وانتزى بالثغور الشرقية طرابلس وقابس واجتمع معه على ذلك قراقش الغزي مولى بني أيوب ملوك مصر والشام‏.‏وانضاف إليهم أفاريق العرب من بني سليم هؤلاء وغيرهم فاجلبوا معهم على الضواحي والأمصار وصاروا في جملتهم ومن ناعق فتنتهم‏.‏ولما هلك قراقش وابن غانية واستبد آل أبي حفص بإفريقية واعتز الدواودة على الأمير أبي زكرياء يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص استظهر عليهم ببني سليم هؤلاء وزاحمهم بظواعنهم وأقطعهم بإفريقية ونقلهم من مجالاتهم بطرابلس وأنزلهم بالقيروان فكان لهم من الدولة مكان وعليها اعتزاز‏.‏ولما افترق سلطان بني أبي حفص واستبد الكعوب برياسة البدو وضربوا بين أعياصها وسعوا في شقاقها أصابت منهم وأصابوا منها‏.‏وكان بين مولانا لأمير أبي يحيى وبين حمزة بن عمر أخي الأمير منازعة وفتن وحرب سجال أعانه عليها إ‏!‏ ن من زحف بني عبد الواد إلى إفريقية وطمعهم في تملك ثغورها فكالق‏.‏يستجر شيوشهم لذلك وينصب الأعياص من آل أبي حفص يزاحمهم بهم ثم غلبه مولانا السلطان أبو بكر آخراً وقاده إلى الطاعة ما كان من قطع كلمة الزبون عن مولانا السلطان أبي يحيى وهلاك عدوه من آل يغمراسن بسيف وليه وظهيره السلطان أبي الحسن فأذعن وسكن غرب اعتزازه‏.‏وحمل بني سليم على إعطاء صدقاتهم فأعطوها بالكراهة‏.‏ثم هلك باغتيال الدولة له فيما يزعمون وقام بالأمر بنوه فلم يعرفوا عواقب الأمور وبلوا باعتساف الدول‏.‏ ولم يعهدوا ولا سمعوا لسلفهم غير الاعتزاز فحدثتهم أنفسهم بالفتنة والاعتزاز على قائد الدولة‏.‏وحاربوه فغلبوه واجلبوا على السلطان في ملكه ونازلوه بعقر داره سنة اثنتين وأربعين‏.‏ولما سامهم الأمير عمر ابن مولانا الأمير أبي يحيى الهضيمة بعد مهلك أبيه نزعوا إلى أخيه ولي العهد فجاء إلى تونس وملكها سبعاً‏.‏ ثم اقتحمها عليه أخوه الأمير أبو حفص فقتله‏.‏وتقبض يوم اقتحامه البلد على أبي الهول بن حمزة أخيهم فقتله صبراً بباب داره بالقصبة فأسفهم بها‏.‏وتداعوا إلى السلطان أبي الحسن ورغبوه في ملك إفريقية واستغذوه إليها‏.‏ولما تغلب السلطان على الوطن وكانت حاله في اعتزاز على من في طاعته غير حال الموحدين وملكته للبدو غير ملكتهم وحين رأى اعتزازهم على الدولة وكثرة ما أقطعتهم من الضواحي ثم من الأمصار نكره وأدالهم من الأمصار التي أقطعهم الموحدون بأعطيات فرضها لهم في الديوان‏.‏واستكثر جبايتهم فنقصهم الكثير منها وشكى إليه الرعية من البدو ما ينالونهم من الظلامات والجور بفرض الأتاوة التي يسمونها الخفارة فقبض أيديهم عنها وأوعز إلى الرعايا بمنعهم منها فارتابوا لذلك‏.‏ وفسدت نياتهم وثقلت وطأة الدولة عليهم فترصدوا لها‏.‏وتسامع ذؤبانهم وبواديهم بذلك فأغاروا على قياطين بني مرين ومسالحهم بثغور إفريقية وفروجها واستاقوا أموالهم وكثر شكاتهم وأظلم الجو بمنهم وبين السلطان والدولة ووفد عليه بتونس بعد مرجعه من المهدية وفد من مشيختهم كان فيهم خالد بن حمزة مستحثه إلى إفريقية وأخوه أحمد وخليفة بن عبد الله بن مسكين وابن عمه خليفة بن بوزيد من أولاد القوس فأنزلهم ثم رفع إليه الأمير عبد الواحد ابن السلطان أبي يحيى زكرياء بن اللحياني كان في جملته‏.‏وكان من خبره أنه رجع من المشرق بعد مهلك أبيه بمصر كما قدمناه سنة اثنتين وثلاثين فدعا لنفسه بجهات طرابلس وتابعه أعراب دباب وبايع له عبد الملك بن مكي صاحب قابس‏.‏ونهض معه إلى تونس في غيبة السلطان لتخريب تيمزيزدكت كما ذكرناه فملكها أياماً‏.‏وأحس بمرجع السلطان فأجفل عنها‏.‏ولحق عبد الواحد بن اللحياني بتلمسان إلى أن دلف إليها السلطان أبو الحسن بعساكره ففارقهم وخرج إليه فأحله محل التكرمة والمبرة واستقر في جملته إلى أن ملك تونس‏.‏ورفع إليه عند مقدم هذا الوفد أنهم دسوا إليه مع بعض حشمهم وطلبوه في الخروج معهم لينصبوه للأمر بإفريقية وتبرأ إلى السلطان من ذلك فأحضروا بالقصر ووبخهم الحاجب علال بن محمد بن المصمود‏.‏ وأمر بهم فسحبوا إلى السجن‏.‏وفتح السلطان ديوان العطاء وعسكر بسيجوم بساحة البلد بعد قضائه منسك الفطر من سنته‏.‏وبعث في المسالح والعساكر فتوافوا ببابه‏.‏واتصل الخبر بأولاد أبي الليل القوس باعتقال وفدهم وعسكرة السلطان لهم فضاقت علمهم الأرض بما رحبت وتعاقدوا على موت وبعثوا إلى أقتالهم أولاد مهلهل بن قاسم في أحمد‏.‏وكانوا بعد مهلك سلطانهم أبي حفص قد لحقوا بالقفر وانتبذوا عن إفريقية فراراً من مطالبة السلطان بما كانوا شيعة لعدوه فأغذ السير إليهم أبو الليل بن حمزة متطارحماً عليهم بنفسه في الاجتماع للخروج على السلطان فأجابوه وارتحلوا معه‏.‏وتوافت أحياء بني كعب وحكيم جميعاً بتوزر من بلاد الجريد فهدروا الدماء بينهم وتدامروا وتبايعوا على الموت والتمسوا من أعياص الملك من ينصبونه للأمر فدلهم بعض سماسرة الفتن على رجل من أعقاب أبي دبوس فريسة بني مرين من حلفاء بني عبد المؤمن بمراكش وكان استولوا عليها‏.‏وكان من خبره أن أباه عثمان بن إدريس بن أبي دبوس لحق بعد مهلك أبيه بالأندلس وصحب هنالك مرغم بن صابر شيخ بني دباب وهو أسير ببرشلونة‏.‏فلما انطلق من أسره صحبه إلى وطن دباب بعد أن عقد قمص ببرشلونة بينهما حلفاً وأمدهما بالأسطول على مال التزماه له‏.‏ونزل بضواحي طرابلس وجبال البربر بها ودعا لنفسه هنالك‏.‏ وقام بدعوته كافة العرب من دباب وقاتل طرابلس فامتنعت عليه‏.‏ ثم تابعه أحمد بن أبي الليل شيخ الكعوب بإفريقية وأجلب به على تونس فلم يتم أمره لرسوخ دعوة الحفصيين بإفريقية وانقطاع أمر بني عبد المؤمن منها وآثارهم منذ الأحوال العليلة والآماد المتقادمة فنسي أمرهم‏.‏وهلك عثمان بن إدريس هذا بجرة ثم ابنه عبد السلام بعده وترك من الولد ثلاثة أصغرهم أحمد وكان صناع اليدين‏.‏ ولحقوا بتونس بعدما طوحت بهم طوائح الاغتراب وظنوا أن قد تنوسي شأن أبيهم فتقبض عليهم مولانا السلطان أبو يحيى وأودعهم السجن إلى أن غربهم إلى الإسكندرية سنة أربع وأربعين‏.‏ورجع أحمد منهم إلى إفريقية واحتل بتوزر محترفاً بحرفة الخياطة يتعيش منها فاستدعاه بنو كعب هؤلاء حين اتفقت أهواؤهم ومن اتبعهم من أحلافهم أولاد القوس وسائر شعوب علاق‏.‏وخرج إليهم من توزر فنصبوه للأمر وجمعوا له شيئاً من الفساطيط والآلة والكسى الفاخرة والمقربات‏.‏وأقاموا له رسم السلطان وعسكروا عليه بحللهم وقياطينهم وارتحلوا لمناجزة السلطان‏.‏ولما قضى منسك الأضحى من سنة ثمان وأربعين ارتحل من ساحة تونس يريدهم فوافاهم في العرج ما بين بسيط تونس وتبسط القيروان المسمى بالثنية فأجفلوا أمامه وصدقوه القتال منهزمين وهو في اتباعهم إلى أن احتل بالقيروان ورأوا أن لا ملجأ منه فتدامروا واتفقوا على الاستماتة ودس إليهم من عسكر السلطان بنو عبد الواد ومغراوة وبنو توجين فغلبوا بني مرين وعدوهم بالمناجزة صبيحة يومهم ليتحيزوا إليهم براياتهم فصبحوا معسكر السلطان‏.‏وركب إليهم في الآلة والتعبئة واحتل المصاف وتحيز إليهم الكثر‏.‏ونجا السلطان إلى القيروان فدخلها في الفل من عساكره ثامن المحرم فاتح تسع وعشرين وتدافعت ساقات العرب في أثره‏.‏وتسابقوا إلى المعسكر فانتهبوه ودخلوا فسطاط السلطان فاستولوا على ذخيرته والكثير من حرمه‏.‏ وأحاطوا بالقيروان وأحدقت حللهم بها سياجاً وتعاوت ذيابهم بأطراف القاع وأجلب ناعق الفتنة من كل مكان‏.‏وبلغ الخبر إلى تونس فاستحصن بالقصبة أولياء السلطان وحرمه ونزع ابن تافراكين من جملة السلطان بالقيروان إليهم فعقدوا له على حجابة سلطانهم أحمد بن أبي دبوس ودفعوه إلى محاربة من كان بقصبة تونس فأغذ إليها السير‏.‏وأجتمع إليه أشياع الموحدين وزعانف الغوغاء والجند وأحاطوا بالقصبة وغاداها بالقتال ونصب المنجنيق لحصارها‏.‏ووصل سلطانه أحمد على أثره وامتنعت عليهم ولم يغنوا فيها غناً وافترق أمر الكعوب وخالف بعضهم بعضاً إلى السلطان وتساقطوا إليه فتنفس مخنق الحصار عن القيروان‏.‏واختلفت إليه رسل أولاد مهلهل وأحس بهم أولاد أبي الليل‏.‏فدخل أبو الليل بن حمزة بنفسه وعاهد السلطان على الإفراج ولم يف بعهده‏.‏وداخل السلطان وأولاد مهلهل في الخروج معهم إلى سوسة فعاهدوه على ذلك‏.‏وواعد أسطوله بمرساها وخرج معهم ليلاً على تعبية فلحق بسوسة‏.‏وبلغ الخبرإلى ابن تافراكين بمكانه من حصار القصبة فركب السفين ليلاً إلى الإسكندرية‏.‏وارتاب سلطانهم ابن أبي دبوس لما وقف على خبره فانفض جمعهم وأفرجوا عن القصبة‏.‏وركب السلطان أسطوله من سوسة ونزل بتونس آخر جمادى واعتمل في إصلاح أسوارها وإدارة الخندق عليها‏.‏ وأقام لها من الامتناع والتحصين رسماً ثبت لها من بعده ودفع به نحو عدوه‏.‏واستقل من نكبة القيروان وعثرتها وخلص من هوتها‏.‏والله يفعل ما يشاء‏.‏ولحق أولاد أبي الليل وسلطانهم أحمد بن أبي دبوس بتونس فأحاطوا بالسلطان واستبلغوا في حصاره‏.‏ وخلصت ولاية أولاد مهلهل للسلطان فعول عليهم ثم راجع بنو حمزة رأيهم في طاعة السلطان ودخل كبيرهم عمر إليه في شعبان وتقبضوا على سلطانهم أحمد بن أبي دبوس وقادوه إلى السلطان استبلاغاً في الطاعة وإمحاضاً للولاية فتقبل فيئته

الشيخ عودة العقيلي
07-08-2011, 01:14 PM
الخبر عن انتقاض الثغور الغربية ورجوعها إلى دعوة الموحدين

كان المولى الفضل ابن مولانا السلطان أبي يحيى لما قدم على السلطان أبي الحسن بتلمسان في زفاف شقيقته سنة سبع وأربعين بعدما اتصل به في طريقه مهلك أبيه أوسع له السلطان كنفه ومهد له جانب كرامته وبره وغمز له بوعد في المظاهرة على ملك أبيه يعزي به عن فقده‏.‏وارتحل السلطان إلى إفريقية والمولى أبو الفضل يرجي أن يجعل سلطانها إليه حتى إذا استولى السلطان على الثغرين بجاية وقسنطينة وارتحل إلى تونس عقد له على مكان أمارته أيام أبيه ببونة وصرفه إليها فانقطع أمله وفسد ضميره وطوى إلى النث حتى إذا كانت نكبة السلطان بالقيروان سما إلى التوثب على ملك سلفه‏.‏وكان أهل قسنطينة وبجاية قد برموا من الدولة واستثقلوا وطأة الإيالة لما اعتادوا من الملكة الرقيقة فاشرأبوا إلى الثورة عندما بلغهم خبر النكبة‏.‏وقد كان توافى بقسنطينة ركاب من المغرب فيه طوائف من الوفود والعساكر وكان فيهم ابن صغير من أبناء السلطان عقد له على عسكر أهل المغرب وأوعز إليه باللحاق بتونس وفيهم عمال المغرب قدموا عند رأس الدول بجبايتهم وحسبانهم‏.‏وفيهم أيضاً وفد من زعماء النصارى بعثهم الطاغية ابن أذفونش مع تاشفين ابن السلطان لما أطلقه من الأسر بعد عقد السلم والمهادنة وكان أسيراً عندهم من لدن واقعة طريف كما ذكرناه وكان أصابه مس من الجنون‏.‏فلما خلصت الولاية بين السلطان والطاغية وعظم عنده الإتحاف والمهاداة وبلغه خبر السلطان وتملكه إفريقية أطلق ابنه تاشفين‏.‏وبعث معه هؤلاء الزعماء للتهنمة وفيهم أيضا وفد من أهل مالي ملوك السودان بالمغرب‏.‏أوفدهم ملكهم منسا سليمان للتهنية بسلطان إفريقية‏.‏وكان معهم أيضاً يوسف بن مزني عامل الزاب وأميره قدم بجباية عمله‏.‏ واتصل به خبر الركاب بقسنطينة فلحق بهم مؤثراً صحابتهم إلى سدة السلطان‏.‏ وتوافى هؤلاء الوفود جميعاً بقسنطينة واعصوصبوا على ولد السلطان‏.‏ فلما وصل خبر النكبة اشرأب الغوغاء من أهل البلد إلى الثورة وتجلت شفاههم إلى ما بأيديهم من أموال الجباية وأحوال الثروة فنقموا عليهم سوء الملكة ودس مشيختهم إلى المولى الفضل ابن مولانا السلطان أبي يحيى بمكانه من بونة وقد كشف القناع في الانتزاء على عمله والدعاء لنفسه فخطبوه للأمر واستحثوه للقدوم فأغذ السير‏.‏وتسامع بخبره أولياء السلطان فخشي ابن مزني على نفسه وخرج إلى معسكره بحلة يعقوب بن علي أمير الدواودة ولجأ ابن السلطان وأولياؤه إلى القصبة‏.‏ ومكر بهم أهل البلد في الدفاع عونهم حتى إذا أطلت رايات مولانا الفضل وثبوا بهم وأحجروهم بالقصبة‏.‏ وأحاطوا بهم حتى استنزلوهم على أمان عقدوه لهم‏.‏ ولحقوا بحلة يعقوب فعسكروا بها بعد أن نقض أهل البلد عهدهم في ذات يدهم فاستصفوه فأشار عليهم ابن مزني باللحاق ببسكرة ليكون ركابهم إلى السلطان فارتحلوا جميعاً في جوار يعقوب لما له من ملك الضواحي حتى لقوا ببسكرة ونزلوا منها على ابن مزني خير نزل وكفاهم كل شيء يهمهم على طبقاتهم ومقاماتهم وعناية السلطان بمن كان وافداً منهم حتى سار بهم يعقوب بن علي إلى السلطان وأوفدهم عليه في رجب من سنته‏.‏ واتصل الخبر بأهل بجاية بالفعلة التي فعل أهل قسنطينة فساجلوهم في الثورة‏.‏وكبسوا منازل أولياء السلطان وعسكره وعماله فاستباحوها واستلبوهم وأخرجوهم من بين ظهرانيهم عراة فلحقوا بالمغرب‏.‏وطيروا بالخبر إلى المولى أبي الفضل واستحثوه للقدوم فقدم عليهم‏.‏وعقد على قسنطينة وبونة لمن استكفى به من خاصته ورجالات دولته واحتل ببجاية لشهر ربيع من سنته وأعاد ملك سلفه‏.‏واستوثق أمره بهذه الثغور إلى أن كان من خبره مع السلطان بعد خروجه من بجاية ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن انتزاء أولاد السلطان بالمغرب الأوسط والأقصى

ثم استقلال أبي عنان بملك المغرب كله لما اتصل خبر النكبة على القيروان بالأمير أبي عنان ابن السلطان وكان صاحب تلمسان والمغرب الأوسط‏.‏ وتساقط إليه الفل من عسكر أبيه عراة زرافات ووحدانا وأرجف الناس بمهلك السلطان بالقيروان فتطاول الأمير أبو عنان للاستئثار بملك أبيه دون الأبناء لما كان له من الإيثار عند أبيه لصيانته وعفافه واستظهار القرآن فكان محلاً بعين أبيه لأمثالها‏.‏وكان عثمان بن يحيى بن جرار من مشيخة بني عبد الواد وأولاد تيدوكسن بن طاع الله منهم وكان له محل من الدولة كما ذكرناه في خبره‏.‏وكان السلطان أذن له في الرجوع إلى المغرب من معسكره بالمهدية ونزل بزاوية العباد من تلمسان وكان مسمتاً وقوراً جهينة خبر ممتعاً في حديثه‏.‏وكان يرجم فيه الوقوف على الحدثان‏.‏ وكان الأمير أبو عنان متشوقاً إلى أخبار أبيه ففزع إلى عثمان بن جرار في تعرفها‏.‏واستدعاه وأنس به وكان في قلبه مرض من السلطان فأودع أذن الأمير أبي عنان ما أراد من الأقاويل من تورط السلطان في المهلكة وبشره بمصير الأمر إليه فصادف منه أذناً واعية‏.‏واشتمل عليه ابن جرار من بعد‏.‏ فلما ورد الخبر بنكبة السلطان أغراه ابن جرار بالوثب على الملك وسول له الاستئثار به على إخوانه تيقناً بمهلك السلطان‏.‏ثم أوهمه الصدق بإرجاف الناس بموت السلطان فاعتزم وشحذ عزمه في ذلك ما اتصل به من حافد السلطان منصور ابن الأمير أبي مالك صاحب فاس وأعمال المغرب من الانتزاء علم عمله وأنه فتح ديوان العطاء واستلحق واستركب لغيبة بني مرين عن بلادهم وخلو جوه من عساكرهم‏.‏وأظهر العسكر والحشد لاستنقاذ السلطان من هوة القيروان يسر منها حسواً في ارتغاء‏.‏وتفطن لشأنه الحسن بن سليمان بن يرزيكن عامل القصبة بفاس وصاحب الشرطة بالضواحي فاستأذنه في اللحق بالسلطان فأذن له راحة من مكانه‏.‏وأصحبه عمال المصامدة ونواحي مراكش ليستخدمهم على السلطان بجباياتهم فلحق بالأمير أبي عنان على حين أمضى عزيمته على التوثب والدعاء لنفسه فقبض أموالهم وأخرج ما كان بمودع السلطان بالمنصورة من المال والذخيرة‏.‏وجاهر بالدعاء لنفسه وجلس للبيعة بمجلس السلطان من قصره في ربيع من سنة تسع فبايعه الملأ‏.‏وقرأ كتاب بيعتهم على الأشهاد ثم بايعه العامة وانفض المجلس وقد انعقد سلطانه ورست قواعد ملكته‏.‏ وركب في التعبية والآلة حتى نزل بقبة الملعب‏.‏ وأهم الناس وانتشروا‏.‏وعقد على وزارته لحسن بن سليمان بن يرزيكن ثم لفارس بن ميمون بن ودرار وجعله رديفاً له وتبعاً‏.‏ ورفع مكان ابن جرار عليهم‏.‏واختص لولايته ومناجاة خلوته كاتبه أبا عبد الله بن محمد ابن القاضي عبد الله بن أبي عمر وسنذكر خبره‏.‏ثم فتح الديوان واستركب من تساقط إليه من فل أبيه وخلع عليهم ودفع إليهم أعطياتهم وأزاح عللهم‏.‏ وبينما هو يريد الرحلة إلى المغرب إذ بلغه أن ونزمار ابن ولي السلطان وخالصته عريف بن يحيى وكان أمير زغبة لعهده ومقدماً على سائر البدو وبلغه أنه قد جمع له يريد حربه وغلبه على ما صار إليه من الانتزاء والثورة على أبيه‏.‏ وأنه قصد تلمسان بجموعه من العرب وزناتة المغرب الأوسط فعقد للحسن بن سليمان وزيره على حربه‏.‏وأعطاه الآلة وسرحه للقائه وسرح معه من حضره من بني عامر أقتال سويد وارتحل الوزير بعسكره حتى احتل بتاسالة‏.‏ وناجزه ونزمار الحرب ففلت جموعه ومنحوا أكتافهم واتبع الوزير وعسكره آثارهم واكتسح أموالهم وحللهم وعاد إلى سلطانه بالفتح والغنائم‏.‏وارتحل الأمير أبو عنان إلى المغرب وعقد على تلمسان لعثمان بن جرار وأنزله بالقصر القديم منها حتى كان من أمره مع عثمان بن عبد الرحمن ما ذكرنا في أخبارهم‏.‏ولما انتهى إلى وادي الزيتون وشي إليه بالوزير الحسن بن سليمان أنه مضمر الفتك به بتازى تزلفاً إلى السلطان ووفاء بطاعته وأنه داخل في ذلك الحافد منصور صاحب أعمال المغرب بما كان يظهر من طاعة جده‏.‏ وارتاب الأمير أبو عنان به واستظهر واشيه على ذلك بكتابه‏.‏فلما قرأه تقبض عليه وقتله بالمساء خنقاً وأغذ السير إلى المغرب‏.‏ وبلغ الخبرمنصور بن أبي مالك صاحب فاس فزحف للقائه‏.‏ والتقى الجمعان بساحة تازى وبوادي أبي الأجراف فاختل مصاف منصور وانهزمت جموعه ولحق بفاس‏.‏وانحجز بالبلد الجديد وارتحل الأمير أبو عنان في أثره وتسايل الناس على طبقاتهم إليه وأتوه الطاعة‏.‏وأناخ بعساكره على البلد الجديد في ربيع الآخر من سنة تسع وأربعين وأخذ بمخنقها وجمع الأيدي والفعلة على الآلات لحصارها‏.‏ولحين نزوله على البلد الجليد أوعز إلى الوالي بمكناسة أن يطلق أولاد أبي العلاء المعتقلين بالقصبة فأطلقهم ولحقوا به‏.‏وأقاموا معه على حصار البلد الجديد وطال تمرسه بها إلى أن ضاقت أحوالهم واختلفت أهواؤهم ونزع إليه أهل الشوكة منهم‏.‏ونزع إليهم إدريس بن عثمان بن أبي العلاء فيمن إليه من الحاشية بإذنه له في ذلك سراً ليمكنه بهم فدس إليه وواعده الثورة بالبلد فثار بها‏.‏ واقتحمها الأمير أبو عنان عليهم‏.‏ونزل منصور بن أبي مالك على حكمه فاعتقله إلى أن قتله بمجبسه واستولى على دار الملك وسائر أعمال المغرب‏.‏ وتسابقت إليه وفود الأمصار للتهنية والبيعة‏.‏وتمسك أهل سبتة بطاعة السلطان والانقياد لعاملهم عبد الله بن علي بن سعيد من طبقة الوزراء حيناً‏.‏ ثم توثبوا به وعقدوا على أنفسهم للأمير أبي عنان وقادوا عاملهم إليه‏.‏وتولى كبر الثورة فيهم زعيمهم الشريف أبو العباس أحمد بن محمد بن رافع من بيت أبي الشريف من آل الحسن كانوا انتقلوا إليها من صقلية واستوسق للأمير أبي عنان ملك المغرب واجتمع إليه قومه من بني مرين إلا من أقام مع السلطان بتونس وفاء بحقه‏.‏وحص جناح أبيه عن الكرة على الكعوب الناكثين لعهده الناكبين عن طاعته فأقام بتونس يرجي الأيام ويأمل الكرة‏.‏ والأطراف تنتقض والخوارج تتجدد إلى أن ارتحل إلى المغرب بعد اليأس كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن انتقاض النواحي وانتزاء بني عبد الواد بتلمسان

ومغراوة بشلف وتوجين بالمدية لما كانت نكبة السلطان بالقيروان‏.‏ وانتثر سلك زناتة وانتقضت قواعد سلطانهم‏.‏ اجتمع كل قوم منهم لإبرام أمرهم والنظر في شأن جماعتهم وكانوا جميعاً نزعوا إلى الكعوب الخارجين على السلطان وبنزوعهم كانت الدايرة عليه‏.‏ ولحقوا بتونس مع الحاجب أبي محمد بن تافراكين ليلحقوا منها بأعمالهم‏.‏وكان في جملة السلطان جماعة من أعاصيهم منهم عثمان وإخوته الزعيم ويوسف وإبراهيم أبناء عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن بن زيان سلطان بني عبد الواد‏.‏ صاروا في أيالة السلطان منذ فتح تلمسان وأنزلهم بالجزيرة للرباط‏.‏ثم رجعوا بعد استئثار الطاغية بها إلى مكانهم من دولتهم وساروا إلى القيروان تحت لوائه‏.‏ومنهم علي بن راشد بن محمد بن ثابت بن منديل وقد ذكرنا أخبار أبيه‏.‏ربي في إيالة السلطان وجو الدولة يتيماً وكفلته نعمتها منذ نشأته حتى كأنه لا يعرف سواها‏.‏فاجتمع بنو عبد الواد بتونس وعقدوا على أنفسهم لعثمان بن عبد الرحمن بما كان كبير إخوته‏.‏وأتوه ببيعتهم في المصلى العتيق المطل على سيجوم من ساحة البلد لعهده بهم يومئذ‏.‏وقد وضعوا له بالأرض درقة من اللمط أجلسوه عليها ثم ازدحموا مكبين على يده يقبلونها للبيعة ثم اجتمع من بعدهم مغراوة إلى علي بن راشد وبايعوه وحفوا به‏.‏ وتعاهد بنو عبد الواد ومغراوة على الألفة وانتظام الكلمة وهدر الدماء‏.‏وارتحلوا إلى أعمالهم بالمغرب الأوسط فنزل علي بن راشد وقومه بموضع عملهم من ضواحي شلف وتغلبوا على أمصاره‏.‏وافتتحوا تنس وأخرجوا منها أولياء السلطان وعسكره وقتلوا القاضي بمازونة سرحان كان مقيماً لدعوة السلطان بها ثم سولت له نفسه الانتزاء والتوثب فدعا لنفسه‏.‏ وقتله علي بن راشد وقومه‏.‏وأجاز عثمان بن عبد الرحمن وقومه من بني عبد الواد إلى محل ملكهم بتلمسان ألفوا عثمان بن جرار قد انتزى بها بعد منصرف الأمير أبي عنان ودعا لنفسه فتجهم له الناس لتوثبه على المنصب الذي ليس لأبيه واستمسك بالبلد أياماً يؤمل نزوع قومه إليه‏.‏ثم زحف إليه بنو عبد الواد وسلطانهم فصدقوه الزحف وثارت به الغوغاء وكسروا أبواب البلد‏.‏وخرجوا إلى السلطان فأدخلوا إلى القصر‏.‏ واحتل به في جمادى من سنة تسع‏.‏ وتسابق الناس إلى مجلسه مثنى وفرادى وبايعوه البيعة العامة وتفقد ابن جرار‏.‏ ثم أغرى به البحث فعثر عليه ببعض زوايا القصر‏.‏واحتمل إلى المطبق فأودع به إلى أن سرب إليه الماء فمات غريقاً في هوته‏.‏ وساهم السلطان أبو سعيد عثمان أخاه أبا ثابت الزعيم في سلطانه وشركه في أمره وأردفه في ملكه وجعل إليه أمر الحرب والضواحي والبدو كلها‏.‏واستوزر قريبه يحيى بن داود بن مكن من ولد محمد بن تيدوكسن بن طاع الله واستوسق ملكهم‏.‏ وأوفدوا مشيختهم على الأمير أبي عنان صاحب المغرب وسلطان بني مرين فعقدوا معه السلم والمهادنة واشترطوا له على أنفسهم دفاع السلطان أبيه عن الخلوص إليه‏.‏وزحفوا إلى وهران من ثغور أعمالهم‏.‏ونازلوا بها أولياء السلطان وعساكره وعاملها يومئذ عبو بن جانا من صنائع السلطان إلى أن غلبوه عليها واستنزلوه صلحا لأشهر من حصارها‏.‏ واستمسك أهل الجزائر بطاعة السلطان واعتصموا بها‏.‏ وعقد عليها لقائده محمد بن يحيى العشري من صنائع أبيه بعثه إليهم من تونس بعد نكبة القيروان‏.‏ ونجم بالمدية عدي بن يوسف بن زيان بن محمد بن عبد القوي داعياً لنفسه وطالباً سلطان سلفه‏.‏وامتنع عليه معقل ملكهم بجبل وانشريش لمكان ولد عمر بن عثمان وقومهم بني تيغرين في رياسته وانحاش إليه أولاد عزيز من بني توجين أهل ضاحية المدية فقاموا أمره واعصوصبوا عليه‏.‏وكانت بينه وبين أبناء عمر بن عثمان حرب سجال إلى أن هلك وخلص أمر بني توجين لأبناء عمر بن عثمان وهم على مذهبهم من طاعة السلطان والمسك بدعوته وهو مقيم خلال ذلك بتونس إلى أن أزمع الرحلة واحتل الجزاير كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن رجوع أمراء الثغور الغربية من الموحدين إلى ثغورهم ببجاية وقسنطينة

لما توثب الأمير أبو عنان على ملك أبيه وبويع بتلمسان وكانت للأمير أبي عبد الله محمد ابن الأمير أبي زكرياء صاحب بجاية لديه خلة ومصافاة من لدن بعثه إليه السلطان أبوه من بجاية‏.‏وأنزله بتلمسان فرعى له السابقة وآثره في الأمارة وعقد له على محل أمارته من بجاية وأمده بما رضيه من المال والسلاح‏.‏ ودفعه إليها ليكون حجزاً دون السلطان بتونس‏.‏ وضمن له هذا الأمير صده عن الخلوص إليه وسد المذاهب دونه‏.‏ وأوعز أبو عنان إلى أساطيله بوهران فركبها الأمير إلى تدلس ودخلها‏.‏ ونزع إليه صنهاجة أهل ضاحية بجاية عن عمه المولى أبي العباس الفضل واعصوصبوا عليه وقاموا بأمره لقديم نعمته وسالف أمارة أبيه‏.‏ولما ارتحل الأمير أبو عنان إلى المغرب رحله في جملته المولى أبو زيد عبد الرحمن ابن مولانا الأمير أبي عبد الله صاحب قسنطينة ومعه إخوته فاختصهم يومئذ بتقريبه وخلطهم بنفسه‏.‏فلما غلب الأمير أبو عنانه منصور ابن أخيه أبي مالك على البلد الجديد واستولى على المغرب رأى أن يبعث ملوك الموحدين إلى بلادهم ويدفع في صدر أبيه بمكانهم فسرح المولى أبا زيد وجميع إخوته وكان منهم مولانا السلطان أبو العباس الذي جبر الله به الصدع ونظم الشمل ففصلوا إلى مواطن ملكهم ومحل أمارتهم‏.‏وكان مولاهم نبيل حاجب أبيهم قد تقدم إلى بجاية ولحق بالمولى أبي عبد الله بمكانه من حصارها‏.‏ثم تقدم إلى قسنطينة وبها مولى من موالي السلطان المتغلب عليها وهو المولى أبو العباس الفضل‏.‏فلحين إطلاله على جهاتها وشعور أهلها بمكانه لفحت منهم عزائز المودة وذكروا جميل الإيالة وأجمعوا التوثب بوالديهم‏.‏واحتل نبيل بظاهر قسنطينة فشرهت العامة إلى أمارته والقيام بدعوة مواليه‏.‏وتوثب أشياعهم على أولياء عمهم فأخرجوهم واستولى القائد نبيل على قسنطينة وأعمالها وأقام دعوة المولى أبي زيد وإخوته كما كانت أول مرة بها وجاء من المغرب إلى مركز أمارتهم ودعوتهم بها قائمة ورايتهم على أنحائها خافقة فاحتلوا بها حلول الآساد بعرينها والكواكب بآفاقها‏.‏ونهض المولى أبو عبد الله محمد فيمن اجتمع إليه من البطانة والأولياء إلى محاصره بلده بجاية فأحجز عمه بالبلد وأخذ بمخنقها أياماً ثم أفرج عنها ثم رجع إلى مكانه من حصارها‏.‏ودس إلى بعض أشياعه بالبلد وسرب المال بالغوغاء فواعدوه فتح أبواب الربض في إحدى ليالي رمضان سنة تسع وأربعين‏.‏واقتحم البلد وملأ الفضاء بهدير طبوله فهب الناس من مراقدهم فزعين وقد ولج الأمير وقومه البلد‏.‏ ولجأ الأمير أبو العباس الفضل إلى شعاب الجبل وكواريه المطل على القصبة راجلاً حافياً فاختفى إلى أن عثر عليه ضحى النهار وسيق إلى ابن أخيه فمن عليه وأركبه السفين إلى محل أمارته من بونة‏.‏ وخلص ملك بجاية للمولى الأمير أبي عبد الله هذا واقتعد سرير آبائه بها‏.‏ وكتبوا للأمير أبي عنان بالفتح وتجديد المخالصة والموالاة والعمل على مدافعة أبيه عن جهاته‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الخبر عن نهوض الناصر ابن السلطان

ووليه عريف بن يحيى من تونس إلى المغرب الأوسط لما بلغ السلطان خبر ما وقع بالمغرب من انتقاض أطرافه وتغلب الأعياص من قومه وسواهم على أعماله ووصل إليه يعقوب بن علي أمير الدواودة بولده وعماله ووفده نظر في تلافي أمره فسرح ولده الناصر إلى المغرب الأوسط لارتجاع ملكهم ومحو آثار الخوارج من أعمالهم‏.‏فنهض مع يعقوب بن علي وأصحبه وليه عريف بن يحيى أمير زغبة ليستظهر به على ملك المغرب وقدمهما طليعة بين يديه‏.‏ وسار الناصر إلى بسكرة واضطرب معسكره بها‏.‏ثم فصل من بلاد رياح إلى بلاد زغبة واجتمع إليه أولياؤهم من العرب ومن زناتة من بني توجين أهل وانشريش وغيرهم‏.‏وزحف إليهم الزعيم أبو ثابت من تلمسان في قومه من بني عبد الواد وغيرهم للمدافعة‏.‏والتقى الجمعان بوادي ورك وانفضت جموع الناصر وانذعروا ورجع على عقبه إلى بسكرة‏.‏وخلص عريف بن يحيى إلى قومه سويد ثم قطع القفر إلى المغرب الأقصى‏.‏ولحق بالأمير أبي عنان فنزل منه بألطف محل ورجع الناصر إلى بسكرة وارتحل مع أوليائهم أولاد مهلهل لمدافعة أولاد أبي الليل وسلطانهم المولى الفضل عن تونس كما ذكرناه‏.‏وأحسوا بهم فنهضوا إليهم وفروا أمامهم إلى أن خلص الناصر إلى بسكرة ثانية واتخذها مثوى إلى أن لحق بالجزائر عند رحتله من تونس إليها كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن رحلة السلطان أبي الحسن إلى المغرب

وتغلب المولى الفضل على تونس وما دعا إلى ذلك من الأحوال لما خلص المولى أبو العباس الفضل ابن مولانا السلطان أبي يحيى من نكبته ببجاية وامتن عليه ابن أخيه فلحق بمحل أمارته من بونة ووافته بها مشيخة أولاد أبي الليل أوفدهم عليه بنو حمزة بن عمر يستحثونه لملك إفريقية ويرغبونه فيه فأجاب داعيتهم ونهض إليهم بعد قضاء نسك الفطر من سنة تسع وأربعين‏.‏ ونزل بحللهم وأرجفوا بخيلهم وركابهم على ضواحي إفريقية وجبوها‏.‏وصمدوا إلى تونس فنازلوها وأخذوا بمخنقها أياماً ثم أخذ بحجزتهم عنها شيعة السلطان وأولياؤه من أولاد مهلهل وابنه الناصر عند قفوله من المغرب الأوسط مفلولاً فرحلوا وشردهم‏.‏ ثم رجعوا إلى مكانهم من حصارها ثم انفضوا عنها‏.‏وتحيز خالد بن حمزة إلى شيعة السلطان أبي الحسن من أولاد مهلهل وقومه فاعتزوا به‏.‏وذهب عمر بن حمزة إلى المشرق لقضاء فرضه وأجفل أبو الليل أخوه والمولى الفضل إلى القفر حتى كان من دخول أهل الجريد في طاعته ما سنذكر‏.‏وكان السلطان لما خلص من القيروان إلى تونس وفد عليه أحمد بن مكي مهنياً ومفاوضاً في شأن الثغر وما مني به من انتقاض الأطراف وفساد الرعية‏.‏وتدارك السلطان أمره عند فواته بالتولية على أهل القطر من جنسهم استئلافاً للكافة واستبقاء لطاعتهم‏.‏ فعقد على عمل قابس وجربة والحمة وما إليها لعبد الواحد ابن السلطان أبي زكرياء بن أحمد اللحياني وأنفذه مع أحمد بن مكي إلى عمله فهلك بجربة لليال من مقدمه بالطاعون وعقد لأبي القاسم بن عتو شيخ الموحدين على توزر ونفطة وسائر بلاد الجريد بعد أن كان استخلصه عند مفر أبي محمد بن تافراكين قريعه وما ظهر من سوء دخلته فنزل بتوزر وجمع أهل الجريد على الولاية والمخالصة‏.‏ولما نازل المولى أبو العباس الفضل تونس مرتين وشرد أولاد مهلهل وامتنعت عليه عمد إلى الجريد سنة خمس يحاول فيه ملكاً‏.‏وخاطب أبا القاسم بن عتو يذكره عهده وعهد سلفه وحقوقهم فتذكر وحن ونظر إلى ما ناله به السلطان من المثلة في أطرافه‏.‏واستثار كامن حقده فانحرف وحمل الناس على طاعة المولى الفضل ابن مولانا السلطان أبي يحيى فسارعوا إلى الإجابة‏.‏ وبايعه أهل توزر وقفصة ونفطة والحمة‏.‏ ثم دعا ابن مكي إلى طاعته فأجاب إليها وبايعه أهل قابس وجربة أيضاً‏.‏ وانتهى

الخبر إلى السلطان باستيلاء المولى الفضل على أمصار إفريقية

وأنه ناهض إلى تونس فأهمه الشأن وخشي على أمره‏.‏ وكانت بطانته يوسوسون إليه بالرحلة إلى المغرب لاسترجاع نعمتهم باسترجاع ملكه فأجابهم إليها‏.‏ وشحن أساطيله بالأقوات وأزاح علل المسافرين ولما قضى منسك الفطر من سنة خمسين ركب البحر أيام استفحال فصل الشتاء‏.‏ وعقد لابنه أبي الفضل على تونس ثقة بما بينه وبين أولاد حمزة من الصهر وتفادياً بمكانه عن معرة الغوغاء وثورتهم وأقلع من مرسى تونس ولخمس دخل مرسى بجاية وقد احتاجوا إلى الماء فمنعهم صاحب بجاية من الورود‏.‏ وأوعز إلى سائر سواحله بمنعهم فزحفوا إلى الساحل وقاتلوا من صدهم عن الماء إلى أن غلبوهم عليه واستقوا وأقلعوا‏.‏وعصفت بهم الريح ليلتئذ وجاءهم الموج من كل مكان وألقاهم اليم بالساحل بعد أن تكسرت الأجفان وغرق الكثير من بطانة السلطان وعامة الناس وقذف الموج بالسلطان فألقاه إلى الجزيرة قرب الساحل من بلاد زواوة مع بعض حشمه عراة فمكثوا ليلتهم وصبحهم جفن من الأساطيل كان قد سلم من ذلك العاصف فقذفوا إليه حين رأوه وقد تصايح به البربر من الجبال‏.‏وتوثبوا إليه فاختطفه أولياؤه من أهل الجفن قبل أن يصل إليه البربر وقذفوا به إلى الجزائر فنزل بها ولأم صدعه‏.‏وخلع على من وصل من فل الأساطيل ومن خلص إليه من أوليائه‏.‏ ولحق به ابنه الناصر من بسكرة‏.‏ واتصل بالمولى الفضل خبر رحيله من تونس وهو ببلاد الجريد فأغذ السير إلى تونس‏.‏ ونزل على ابنه ومن كان بها من مخلف أوليائه فغلبوهم عليها‏.‏واتصل أهل البلد بهم وأحاطوا يوم منى بالقصبة‏.‏ واستنزلوا ابن السلطان أبا الفضل الأمير بالقصبة على الأمان فخرج إلى بيت أبي الليل ابن حمزة وأنفذ معه من بلغه إلى مأمنه فلحق بالجزائر بأبيه‏.‏وبادر إلى السلطان عدي بن يوسف المنتزي بالمدينة من بني عبد القوي فصار في جملته وخرج له عن الأمر وزعم أنه إنما كان قائماً بدعوته فتقتل منه وأقره على عمله‏.‏ووفد عليه أولياؤه من المغرب سويد والحارث وحصين ومن إليهم ممن اجتمع إلى وليه ونزمار بن عريف المتمسك بطاعته‏.‏ووفد عليه أيضاً علي بن راشد أمير مغراوة وأغراه ببني عبد الواد واشترط عليه إقراره بوطنه وعمله إذا تم أمره فأبى من قبول الاشتراط ظناً بعهده عن النكث فنزع عنه وصار إلى مظاهرة بني عبد الواد عليه‏.‏وبعث أبو سعيد عثمان صاحب تلمسان إلى الأمير أبي عنان في المدد فبعث إليه بعسكر من بني مرين عقد عليهم ليحيى بن رحو بن تاشفين بن معطي من تيربيغين‏.‏وزحف الزعيم أبو ثابت إلى حرب السلطان أبي الحسن فيمن اجتمع إليه من عسكر بني مرين ومغراوة‏.‏وخرج السلطان من الجزائر وعسكر بمتيجة واحتشد ونزمار سائر العرب بحللهم ووافاه بهم وارتحلوا إلى شلف‏.‏ ولما التقى الجمعان بشدبونة صدقه مغراوة الحملة‏.‏ وصابرهم ابنه الناصر وطعن في الجولة فهلك فاحتل مصاف السلطان واستبيح معسكره وانتهبت فساطيطه وخلص مع وليه ونزمار بن عريف وقومه بعد أن استبيحت حللهم فخرجوا إلى جبل وانشريش ثم لحقوا بجبل راشد ورجع القوم عن أتباعهم وانكفؤوا إلى الجزائر فتلغبوا عليها وأخرجوا من كان بها من أولياء السلطان ومحو آثار دعوته من المغرب الأوسط جملة‏.‏ والأمر بيد الله يؤتيه من يشاء‏.‏استيلاء السلطان ابي الحسن على سجلماسة

الخبر عن استيلاء السلطان على سجلماسة ثم فراره عنها

أمام ابنه إلى مراكش ثم استيلاؤه عليها وما تخلل ذلك لما انفضت جموع السلطان بشدبونة وفلت عساكره وهلك الناصر ابنه خلص إلى الصحراء مع وليه ونزمار ولحق بحلل قومه سويد وأوطانهم قبلة جبل وانشريش وأجمع أمره على قصد المغرب موطن قومه ومنبت عزه ودار ملكه‏.‏ وارتحل معه وليه ونزمار بالناجعة من قومه وخرجوا إلى جبل راشد‏.‏ ثم أبعدوا المذهب وقطعوا المفاوز وسلكوا إلى سجلماسة في القفر‏.‏ فلما أطلوا عليها وعاين أهلها السلطان تهافتوا عليه كتهافت الفراش‏.‏ وخلص إليه العذارى من وراء ستورهن صاغية إليه وإيثارا لإيالته‏.‏وفر العامل بسجلماسة إلى منجاته‏.‏ وكان الأمير أبو عنان لما بلغه الخبر بقصده سجلماسة ارتحل إليها في قومه وكافة عساكره بعد أن أزاح عللهم وأفاض عطاءه فيهم‏.‏وكان لبني مرين نفرة عن السلطان وحذر من غائلته لجناياتهم بالتخاذل في المواقف والفرار عنه في الشدائد ولما كان يبعد بهم في الأسفار ويتجشم بهم المهالك فكانوا لذلك مجتمعين على منابذته ومخلصين في مناصحة ابنه منازعه‏.‏ فما لبث السلطان أن جاءه الخبر بوصولهم إليه في العساكر الضخمة مغذين السير إلى دفاعه وعلم من حاله أنه لا يطيق لقاءهم‏.‏ وأجفل عنه ونزمار وليه في قومه سويد‏.‏وكان من خبره أن عريف بن يحيى كان نزع إلى الأمير أبي عنان وأحله بمحله المعهود من تشريفهم وولايتهم حتى إذا بلغه الخبر بمناصحة ونزمار للسلطان ومظاهرته وقصده المغرب معه بناجعته زوى عنه وجه رضاه بعض الشيء وأقسم له لئن لم يفارق السلطان لأوقعن بك وبابنك عنتر وكان معه من جملة الأمير أبي عنان‏.‏ وأمره بأن يكتب له بذلك فآثر ونزمار رضى أبيه‏.‏وعلم أن غناءه عن السلطان في وطن المغرب قليل فأجفل عنه ولحق بالزاب وانتبذ عن قومه وألقى عصاه ببسكرة فكان ثواؤه بها إلى أن لحق بالأمير أبي عنان على ما نذكره‏.‏ولما أجفل السلطان عن سجلماسة ودخل الأمير أبو عنان إليها وثقف أطرافها وسد فروجها وعقد عليها ليحيى بن عمر بن عبد المؤمن كبير بني ونكاسن‏.‏وبلغه قصد السلطان إلى مراكش فاعتزم على الرحلة إليها وأبى عليه قومه فرجع إلى فاس إلى أن كان من خبرهم مع السلطان ما نذكره‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-08-2011, 01:27 PM
الخبر عن استيلاء السلطان على مراكش

ثم انهزامه أمام الأمير أبي عنان ومهلكه بجبل منتاتة عفا الله عنه لما أجفل السلطان من سجلماسة سنة إحدى وخمسين بين يدي الأمير أبي عنان وعساكر بني مرين وقصد مراكش وركب إليها الأوعار من جبل المصامدة‏.‏ولما شارفها تسارع إليه أهل جهاتها بالطاعة من كل أوب ونسلوا من كل حدب‏.‏ولحق عامل مراكش بالأمير أبي عنان ونزع إلى السلطان صاحب ديوان الجباية أبو المجد محمد بن أبي مدين بما كان في المودع من مال الجباية فاختصه واستكتبه وجعل إليه علامته‏.‏واستركب واستلحق وجبى الأموال وبث العطاء ودخل في طاعته قبائل العرب من جشم وسائر المصامدة وثاب له ملك بمراكش أمل معه أن يستولي على سلطانه ويرتجع فارط أمره من يد مبتزه‏.‏وكان الأمير أبو عنان لما رجع إلى فاس عسكر بساحتها وشرع في العطاء وأزاح العلل وتقبص على كاتب الجباية حمزة بن شعيب بن محمد بن أبي مدين اتهمه بممالأة بني مرين في الإباية عليه عن اللحاق بمراكش من سجلماسة‏.‏وأثار حقده في ذلك ما كان من نزوع عمه أبي المجد إلى السلطان بأموال الجباية‏.‏ووسوس إليه في السعاية به كاتبه وخالصته أبو عبد الله محمد بن محمد بن أبي عمرو لما بينهما من المنافسة فتقبض عليه وامتحنه ثم قطع لسانه وهلك في ذلك الامتحان‏.‏وارتحل الأمير أبو عنان وجموع بني مرين إلى مراكش وبرز السلطان للقائهم ومدافعتهم وانتهى كل واحد من الفريقين إلى وادي أم ربيع وتربص كل واحد بصاحبه إجازة الوادي ثم أجازه السلطان أبو الحسن وأصبحوا جميعاً في التعبية‏.‏والتقى الجمعان بتامدغرست في آخر صفر من سنة إحدى وخمسين فاختل مصاف السلطان وانهزم عسكره ولحق به أبطال بني مرين فرجعوا عنه حياء وهيبة‏.‏ وكبا به فرسه يومئذ في مفره فسقط إلى الأرض والفرسان تحوم حوله‏.‏واعترضهم دونه أبو دينار سليمان بن علي بن أحمد أمير الدواودة ورديف أخيه يعقوب كان هاجر مع السلطان من الجزائر ولم يزل في جملته إلى يومئذ‏.‏ فدافع عنه حتى ركب وسار من ورائه رداءاً له‏.‏وتقبض على حاجبه علال بن محمد فصار في يد الأمير أبي عنان وأودعه السجن إلى أن امتن عليه بعد مهلك أبيه‏.‏ ولخص السلطان إلى جبال هنتاتة ومعه كبيرهم عبد العزيز بن محمد بن علي فنزل عليه وأجاره‏.‏واجتمع إليه الملأ من هنتاتة ومن انضاف إليهم من المصامدة وتدامروا وتعاهدوا على الدفاع عنه وبايعوه على الموت‏.‏ وجاء أبو عنان على أثره حتى احتل بمراكش وأنزل عساكره على جبال هنتاتة ورتب المسالح لحصاره وحربه وطال عليه ثواؤه‏.‏وطلب السلطان من ابنه الإبقاء وبعث في حاجبه محمد بن أبي عمرو فحضر عنده وأحسن العذر عن الأمير أبي عنان‏.‏والتمس له الرضى منه فرضي عنه وكتب له بولاية عهده‏.‏ وأوعز إليه بأن يبعث له مالاً وكسى فسرخ الحاجب ابن أبي عمرو إلى إخراجها من المودع بدار ملكهم‏.‏ واعتل السلطان خلال ذلك فمرضه أولياؤه وخاصته‏.‏وافتصد لإخراج الدم ثم باشر الماء بعضوه للطهارة فورم وهلك لليال قريبة عفا الله عنه لثلاث وعشرين من ربيع الثاني سنة اثنتين وخمسين‏.‏ وبعث أولياؤه بالخبر إلى ابنه بمعسكره من ساحة مراكش ورفعوه على أعواده إليه فتلقاه حافياً حاسراً وقبل أعواده وبكى واسترجع ورضي عن أوليائه وخاصته وأنزلهم بالمحل الذي رضوه من دولته‏.‏ووارى أباه بمراكش إلى أن نقله إلى مقبرة سلفه بشالة في طريقه إلى فاس‏.‏وتلقى أبا دينار بن علي بن أحمد بالقبول والكرامة وأحله من كنفه محل الرحب والسعة وأسنى جوائزه وخلع عليه وحمله‏.‏وأنصرف من فاس إلى قومه يستحثهم للقاء السلطان أبي عنان بتلمسان لما كان أجمع على الحركة إليها بعد مهلك أبيه ورعى لعبد العزيز بن محمد أمير هنتاتة إجارته للسلطان واستماتته دونه فعقد له على قومه وأحله بالمحل الرفيع من دولته ومجلسه واستبلغ في تكريمه‏.‏والله تعالى أعلم‏.‏ولاية السلطان ابي عنان

الخبر عن حركة السلطان أبي عنان إلى تلمسان

وإيقاعه ببني عبد الواد بأنكاد ومهلك أبي سعيد سلطانهم لما هلك السلطان أبو الحسن وانقضى شأن الحصار وارتحل السلطان أبو عنان إلى فاس ونقل شلو أبيه إلى مقبرتهم بشالة فدفنه مع من هنالك من سلفه وأغذ السير إلى فاس وقد استبد بالأمر وخلت الدولة عن المنازع فاحتل بفاس وأجمع أمره على غزو بني عبد الواد لارتجاع ما بأيديهم من الملك الذي سموا لاستخلاصه‏.‏ولما كان فاتح سنة ثلاث وخمسين نادى بالعطاء وأزاح العلل وعسكر بساحة البلد الجديد واعترض العسكر وارتحل يريد تلمسان‏.‏ واتصل الخبر بأبي سعيد وأخيه فجمعوا قومهم ومن إليهم من الأشياع والأحزاب من زناتة والعرب وارتحلوا إلى لقائه‏.‏ونزل السلطان بمعسكر وادي ملوية وتلوم به أياماً لاعتراض الحشد والعرب‏.‏ثم رحل على التعبية حتى إذا احتل ببسيط أنكاد وتراءى الجمعان انفض سرعان المعسكر ولحقوا بالمغرب‏.‏وركب السلطان في التعبية وخاض بحر القتال وقد أظلم الجو به‏.‏ حتى إذا خلص إليهم من غمرة وخالطهم بصفوفهم ولوا الأدبار ومنحوهم الأكتاف‏.‏ واتبع بنو مرين آثارهم فاستولوا على معسكرهم واستباحوه‏.‏واستلحموهم قتلاً وسبياً وصفدوهم أسارى وغشيهم الليل وهم متسايلون في آثارهم وتقبض على أبي سعيد سلطانهم فسيق إلى السلطان وأمر باعتماله وأطلق أيدي بني مرين من الغذ على حلل العرب من المعقل فاستباحوهم واكتسحوا أموالهم جزاء بما شرهوا إليه من النهب بالمحلة في هيعة ذلك المجال ثم ارتحل به على تعبية إلى تلمسان فاحتل بها لربيع من سنته واستوت في ملكها قدمه‏.‏وأحضر أبا سعيد فقرعه ووبخه وأراه أعماله حسرة عليه وأحضر الفقهاء وأرباب الفتيا فأفتو بحرابته وقتله‏.‏وأمضى حكم الله فيه فذبح بمحبسه لتاسعة من اعتقاله مثلاً للآخرين‏.‏وخلص أخوه الزعيم أبو ثابت إلى قاصية الشرق فكان من خبره ما نذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم‏.‏

الخبر عن شأن أبي ثابت وإيقاع بني مرين به بوادي شلف

وتقبض الموحدين عليه ببجاية لما أوقع السلطان ببني عبد الواد بأنكاد وتقبض على أبي سعيد سلطانهم خلص أبو ثابت أخوه في فل منهم‏.‏ ومر بتلمسان فاحتمل حرمهم ومخلفهم‏.‏وأجفل إلى الشرق فاحتل بشلف من بلاد مغراوة‏.‏ وعسكر هناك واجتمع إليه أوشاب من زناتة‏.‏وحدث نفسه باللقاء ووعدها بالصبر والثبات‏.‏ وسرح السلطان وزيره فارس بن ميمون بن ودرار في عساكر بني مرين والجند فأغذ السير إليهم وارتحل من تلمسان على أثره‏.‏ولما تراءى الجمعان صدق الفريقان المجاولة وخاضوا النهر بالقراع‏.‏ ثم صدق بنو مرين الحملة وأجازوا النهر إليهم فانكشفوا واتبعوا آثارهم فاستلحموهم واستباحوا معسكرهم واستاقوا أموالهم ودوابهم ونساءهم وارتحلوا في أتباعهم‏.‏وكتب الوزير بالفتح إلى السلطان‏.‏ومر أبو ثابت بالجزائر طارقاً وأجاز إلى قاصية الشرق فاعترضتهم قبائل زواوة وأرجلوهم عن خيلهم وانتهبوا أسلابهم ومروا حفاة عراة‏.‏ واحتل الوزير بالجزائر فاستولى عليها‏.‏واقتضى بيعة السلطان منهم فأتوها‏.‏واحتل السلطان بالمدية وأوعز إلى أمير بجاية المولى أبي عبد الله محمد حافد مولانا الأمير أبي يحيى مع وليه ونزمار وخالصته يعقوب بن علي بالقبض على أبي ثابت وأشياعه فأذكوا العيون عليهم وقعدوا لهم بالمرصاد‏.‏وعثر بعض الجشم على أبي ثابت وأبي زيان ابن أخيه أبي سعيد ووزيرهم يحيى بن داود فرفعوهم إلى الأمير ببجاية فاعتقلهم‏.‏وارتحل إلى لقاء السلطان بالمدية وبعث بهم مع مقدمته وجاء على أثرهم ونزل على السلطان بمعسكره من المدية خير نزل بعد أن تلقاه بالمبرة والاحتفاء وركب إلى لقائه‏.‏ ونزل عن فرسه للسلطان فنزل السلطان براً به وأودع أبا ثابت السجن‏.‏وتوافت إليه وفود الدواودة بمكانه من المدية فأكرم وفدهم وأسنى أعطياتهم من الخلع والحملان والذهب وانقلبوا خير منقلب‏.‏ ووافته بمكانه ذلك بيعة ابن مزني عامل الزاب ووفدهم فأكرمهم ووصلهم‏.‏وفرغ السلطان من شأن المغرب الأوسط وبث العمال في نواحيه وثقف أطرافه وسما إلى ملك إفريقية كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن تملك السلطان أبي عنان بجلية وانتقال صاحبها إلى المغرب

لما وصل المولى أبو عبد الله محمد ابن الأمير أبي زكرياء يحيى صاحب بجاية إلى السلطان بمكانه من المدية في شعبان من سنته وأقبل السلطان عليه وبوأه كنف ترحيبه وكرامته خلص الأمير به نجياً وشكى إليه ما تلقاه من أهل عمله من الامتناع الجباية والسعي في الفساد وما يتبع ذلك من زبون الحامية واستبداد البطانة‏.‏وكان السلطان متشوقاً لمثلها فأشار عليه بالنزول عنها يعوضه عنها ما شاء من بلاده فسارع إلى قبول إشارته ودس إليه مع حاجبه محمد بن أبي عمرو أن يستبد بذلك على رؤوس الملأ ففعل ونقم عليه بطانته ذلك وفر بعضهم من معسكره فلحق بإفريقية ومنهم علي بن القائد محمد بن الحكم‏.‏وأمره السلطان أن يكتب بخطه إلى عامله على البلد بالنزول عنها وتمكين عمال السلطان منها ففعل‏.‏ وعقد السلطان عليها لعمر بن علي الوطاسي من أولاد الوزير الذين ذكرنا خبر انتزائهم بتازوطا من قبل‏.‏ولما قضى السلطان حاجاته من المغرب الأوسط واستولى على بجاية انكفأ راجعاً إلى تلمسان لشهود الفطر بها ودخلها في يوم مشهود‏.‏وحمل أبا ثابت ووزيره يحيى بن داود على جملين يخطران بهما في ذلك المحفل بين السماطين فكانا عبرة لمن حضر‏.‏وسيقا من الغد إلى مصارعهما فقتلا قعصاً بالرماح‏.‏وأنزل السلطان المولى الأمير أبا عبد الله صاحب بجاية خير نزل وفرض له في مجلسه تكرمة به إلى أن كان من توثب صنهاجة وأهل بجاية بعمر بن علي ما نحن ذاكروه إن شاء الله

الخبر عن ثورة أهل بجاية ونهوض الحاجب إليها في العساكر

كان صنهاجة هؤلاء من أعقاب تكلاتة ملوك القلعة وبجاية نزل أولوهم بوادي بجاية بين القبائل من برابرتها الكتاميين في مواطن بني ورياكل مذ أول دولة الموحدين وأقطعوهم على العسكر معهم‏.‏ولما ضعفت جنود الموحدين وقل عددهم انفردوا بالعسكرة مع السلطان وصار لهم بذلك اعتزاز وزبون على الدولة‏.‏وكان المولى الأمير أبو عبد الله هذا قد أصاب منهم لأول أمره وقتل محمد بن تميم من أكابر مشيختهم‏.‏وكان حاجبه فارح مولى ابن سيد الناس عريفاً عليهم من عهد أبيه الأمير أبي زكرياء وكان مستبداً على المولى أبي عبد الله‏.‏فلما نزل عن أمارته للسلطان أبي عنان سخط ذلك ونقمه عليه وأسرها في نفسه ولم يبدها له‏.‏وسرحه أميره مع عمر بن علي الوطاسي لنقل حرمه ومتاعه وماعون داره فوصل إليها‏.‏وشكى إليه الصنهاجيون مغبة أمرهم في ثقل الوطأة وسوء الملكة فأشكاهم ودعاهم إلى الثورة ببني مرين والقيام بدعوة الموحدين للمولى أبي زيد صاحب قسنطينة فأجابوه وتواعدوا للفتك بعمر بن علي بمجلسه من القصبة‏.‏وتولى كبرها منصور بن الحاج من مشيختهم وباكره بداره على عادة الأمراء ولما أكب عليه للثم أطرافه طعنه بخنجره وفر إلى بيته جريحاً فولجوا عليه واستلحموه‏.‏وركب الحاجب فارح وهتف الهاتف بدعوة المولى أبي زيد وطيروا بالخبر إليه واستدعوه فتثاقل عن إجابتهم‏.‏ وبعث مولى من المعلوجي للقيام بأمره‏.‏ وبلغ الخبرإلى السلطان فاتهم المولى أبا عبد الله بمداخلة حاجبه فاعتقله بداره‏.‏واعتقل وفداً من ملأ بجاية كان ببابه وثابت آراء المشيخة من أهل بجاية وتمشت رجالاتهم وأولوا الرأي والشورى منهم في الفتك بصنهاجة والعلج وداخلهم القائد هلال ابن سيد الناس من المعلوجي وعلي بن محمد بن الميت حاجب الأمير أبي زكرياء يحيى ومحمد بن الحاجب أبي عبد الله بن سيد الناس وتواعدوا الفتك بفارح يوم وصول النائب من قبل صاحب قسنطينة فجهروا بالنكر على الحاجب ودعوه إلى المسجد ليؤامروه‏.‏ ونذر أمرهم فاعتمدوا دار شيخ الفتيا أحمد بن إدريس‏.‏واقتحموا عليه الدار وباشره مولاه محمد بن سيد الناس فطعنه وأشواه ورمى بشلوه في سقف الدار وقطع رأسه وبعث به إلى السلطان‏.‏وفر منصور بن الحاج وقومه صنهاجة من البلد وكان بالمرسى أحمد بن سعيد القرموني من حاشية السلطان جاء في السفين لبعض حاجاته من تونس ووافى مرسى بجاية يومئذ فأنزلوه واعصوصبوا عليه وتنادوا بدعوة السلطان وطاعته‏.‏وأشار عليهم أحمد القرموني أن يبعثوا إلى قائد تدلس من مشيخة بني مرين يحياتن بن عمر بن عبد المؤمن الونكاسي فاستدعوه ووصل إليهم في لمة من العسكر وبعثوا بأخبارهم إلى السلطان وانتظروا‏.‏فلما بلغ الخبرإلى السلطان أمر حاجبه محمد بن أبي عمرو بالنهوض إلى بجاية فعسكر بساحة تلمسان‏.‏وانتقى له السلطان من قومه وجنوده خمسة آلاف فارس أزاح عللهم واستوفى أعطياتهم‏.‏وسرحه فنهض من تلمسان بعد قضاء منسك الأضحى وأغذ السير إلى بجاية‏.‏ولما نزل ببني حسن جمع له صنهاجة ثم خاموا عن اللقاء ولحقوا بقسنطينة وأجازوا منها إلى تونس‏.‏واختل الحاجب بمعسكرهم من خميس بتكلات‏.‏ وخرج إليه المشيخة والوزراء‏.‏فتقبض على القائد هلال وأشخصه إلى السلطان ودخل البلد في التعبية واحتل بقصبتها لمحرم فاتح أربع وخمسين‏.‏ وسكن الناس وخلع على المشيخة واختص علي بن الميت ومحمد بن صيد الناس واستظهر بهم على أمره‏.‏وتقبض على جماعة من الغوغاء نقباء علي من تحت أيديهم ممن يتهم بالمداخلة في التوثب يناهزون مايتين واعتقلهم وأركبهم السفين إلى المغرب فودع الناس وسكنوا‏.‏ وتوافت وفود المواودة من كل جهة وأجزل صلاتهم واقتضى على الطاعة رهنهم‏.‏ووصل عامل الزاب يوسف وسد فروجه وارتحل إلى تلمسان أول جمادى لشهرين من مدخله‏.‏وأغذ السير بمن معه من العرب والوفود وكنت يومئذ في جملتهم وقد خلع علي وحملني وأجزل صلتي‏.‏ وضرب لي الفساطيط فوفدت في ركابه‏.‏وقدم تلمسان لأول جمادى الآخرة فجلس السلطان للوفد واعترض ما جنب له من الجياد والهدية وكان يوماً مشهوداً‏.‏ ثم أسنى السلطان جوائز الوفد واختص يوسف بن مزني ويعقوب بن علي بمزيد من البر والصلة وخصوصيات من الكرامة وائتمرهم في شأن إفريقية ومنازلة قسنطينة‏.‏ ورجع معهم الحاجب ابن أبي عمرو على كره منه لما نذكره من أخباره وانصرفوا إلى مواطنهم لأول شعبان من سنة أربع وخمسين‏.‏وانقلبت معه بعد إسناء الجائزة والخلع والحملان من السلطان والوعد الجميل بتجديد ما لي ولقومي ببلدنا من الإقطاع والله أعلم‏.‏

الخبر عن الحاجب ابن أبي عمرو

وما عقد له السلطان علي ثغر بجاية وعلي منازلة قسنطينة ونهوضه لذلك سلف هذا الرجل من أهل المهدية من أجناد العرب من بني تميم بإفريقية وانتقل جده علي إلى تونس باستدعاء السلطان المستنصر وكان فقيهاً عارفاً بالفتيا والأحكام فقلده القضاء بالحضرة‏.‏واستعمله على كتابة علامته في الرسائل والأوامر الكبرى والصغرى فاضطلع بذلك وهلك على حاله من التجلة والمنصب وقلد ابنه عبد الله من بعده العلامتين أيام أبي حفص عمر ابن الأمير أبي زكرياء لما كان لأبيه فاضطلع بذلك وكان أخوه أحمد بن علي مسمتاً وقوراً منتحلاً للعلم‏.‏ونشأ ابنه محمد وقرأ بتونس وتفقه على مشيختها‏.‏ولما التاثت أمورهم وتلاشت أحوالهم خرج محمد بن أحمد بن علي مبتغياً للرزق والمعاش فطوحت به الطوائح إلى بلد القل‏.‏وكان منتحلاً للطلب والكتابة فاستعمل شاهداً بمرسى القل أيام رياسة الحاجب أبن غمر وكانت له صحبة مع حسن بن محمد السبتي المنتحل نسب الشرف‏.‏وكانا رفيقين في0 مطارح اغترابهما فسعى له في مرافقته في الشهادة فأسعف واتصلا بابن غمر فحمد مذاهبهما‏.‏ولما نزع الشريف عبد الوهاب زعيم تدلس إلى طاعة الموحدين أيام التياث أبي حمو بخروج محمد بن يوسف عليه واعتلال الدولة ودخل في أمر ابن غمر وجملته فبعث محمد بن أبي عمرو إلى تدلس واستعمل حسن الشريف في القضاء ومحمد بن عمرو في شهادة الديوان‏.‏فلما برئت الدولة من مرضها واستفحل أمر أبي حمو وتغلب على تدلس وجاء رئيس الفتيا ابن الإمام لاقتضاء طاعتها وإنفاد أهلها على السلطان كانوا في الوفد‏.‏واستقروا بتلمسان من يومئذ واستعملا معا في خطة القضاء متعاقبين أيام بني عبد الواد وأيام السلطان أبي الحسن‏.‏ وتعصب على ابن أبي عمرو أيام قضائه جماعة من مشيخة البلد وسعوا به إلى السلطان أبي الحسن‏.‏وتظلموا فأشكاهم على علم من براءته واختصه بتأديب ولده فارس هذا وتعليمه فأفرغ وسعه في ذلك‏.‏وربي ولده محمد هذا الحاجب مع السلطان أبي عنان مرقاً جليلاً وألقى عليه محبته حتى إذا أخلص له الملك رفع رتبة محمد بن أبي عمرو هذا ورقاه من منزلة إلى أخرى حتى إذا أوفى به على سائر المراتب وجعل إليه العلامة والقيادة والحجابة والسفارة وديوان الجند والحساب والقهرمة وسائر ألقاب دولته وخصوصيات داره فانصرفت إليه الوجوه ووقعت ببابه أشراف من الأعياص والقبائل والشرفاء والعلماء‏.‏وسرب إليه العمال أموال الجباية تزلقاً وطال أمره واستيلاؤه على السلطان ونفس عيه رجال الدولة ووزراؤها ما أتاه الله من الحظ حتى إذا خلا لهم وجه السلطان منه عند نهوضه إلى بجاية حامت أعراض السعاية على مكانه فقرطست وألقى السلطان أذنه لاستماعها‏.‏فلما رجع من بجاية وكانت له الدالة على السلطان وجد عليه في قبول الألاقي‏.‏ولقيه مغاضباً فتنكر له السلطان ثم تجنى فطلب الغيبة عن الدولة وأن يعقد له على بجاية متوهماً أن السلطان ضنين به فبادر السلطان إلى إسعافه وبدا له ما يحتسب من الإعراض عنه‏.‏ورجع إلى الرغبة في الإقالة فلم يسعف‏.‏وعقد له على حرب قسنطينة وحكمه في المال والجيش وارتحل في شعبان من سنة أربع وخمسين واحتل بجاية آخرها وأشتى بها‏.‏ونصب الموحدون تاشفين ابن السلطان أبي الحسن المعتقل عندهم من لدن عهد المولى الفضل واعتقاله إياه فنصبوه للأمر لتفريق كلمة بني مرين وأجمعوا له الآلة والفساطيط وقام بأمره ميمون بن علي لمنافسة مع أخيه يعقوب‏.‏وسمع بخبره يعقوب فأغد السير إليه بحلله من بلاد الزاب وفرق جمعهم وردهم على أعقابهم وأحجزهم بالبلد ولما انصرم الشتاء وقضى منسك الأضحى عسكر بساحة البلد واعترض العساكر وأزاح عللهم وفرق أعطياتهم وارتحل إلى منازلة قسنطينة‏.‏واجتمع إليه الدواودة بحللهم وجمع المولى أبو زيد صاحب قسنطينة من كان على دعوته من أحياء بونة وميمون بن علي بن أحمد وشيعته من الدواودة وعقد عليهم لحاجبه نبيل وسرحه للقاء ابن أبي عمرو وعساكره فأوقع بهم الحاجب لجمادى من سنة خمس واكتسح أموالهم‏.‏ونازل قسنطينة حتى تفادوا منه بتمكينه من تاشفين ابن السلطان أبي الحسن المنصوب للأمر فاقتادوه إليه وأشخصه إلى أخيه السلطان‏.‏وأوفد المولى أبو زيد ابنه على السلطان أبي عنان فتقبل وفادته وشكر مراجعته وانكفأ الحاجب ابن أبي عمرو إلى بجاية وأقام بها إلى أن هلك في المحرم فاتح سنة ست وستين فذهب حميد السيرة عند أهل البلد وتفجعوا لمهلكه‏.‏وبعث السلطان دوابه لارتحال عياله وولده ونقل شلوه إلى مقبرة أبيه بتلمسان‏.‏وسرح ابنه أبا زيان في عسكر بني مرين لمواراته بها‏.‏وعقد على بجاية لعبد الله بن علي بن سعيد وزيره فنهض إليها في شهر ربيع من سنة ست وخمسين واستقر بها‏.‏ وتقبل ما حمده الناس من مذاهب الحاجب وسيره فيها على ما نذكره‏.‏وجهز العساكر إلى حصار قسنطينة إلى أن كان من فتحها ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن خروج أبي الفضل ابن السلطان بجبل السكسيوي

ومكر عامل درعة به ومهلكه كان السلطان أبو عنان بعد مهلك أبيه لحق به في جملته أخواه أبو الفضل محمد وأبو سالم إبراهيم وتدبر في ترشيحهما وحذر عليهما مغبته فأشخصهما إلى الأندلس واستقرا بها في إيالة أبي الحجاج ابن السلطان أبي الوليد ابن الرئيس أبي سعيد ثم ندم على ما أتاه من ذلك فلما استولى علي تلمسان والمغرب الأوسط ورأى أن قد استفحل أمره واعتز سلطانه أوعز إلى أبي الحجاج أن يشخصهما إليه ليكون مقامهما لديه أحوط على الكلمة من أن يعتمد على تفريقهما سماسرة الفتن‏.‏وخشي أبو الحجاج عليهما غائلته فأبى من إسلامهما إليه وأجاب الرسل بأنه لا يخفر ذمته وجوار المسلمين المجاهدين فأحفظ السلطان كلمته‏.‏وأوعز إلى حاجبه محمد بن أبي عمرو بأن يخاطبه في ذلك بالتوبيخ واللائمة فكتب له كتاباً أبدع فيه وقفني عليه الحاجب ببجاية أيام كوني معه فقضيت العجب من فصوله وأغراضه‏.‏ولما قرأه أبو الحجاج دس إلى كبيرهما أبي الفضل باللحاق بالطاغية وكانت بينهما ولاية ومخالصة منذ مهلك أبيه ألهنشة على جبل الفتح سنة إحدى وخمسين فنزع إليه أبو الفضل وأجاره وجهز له أسطولاً إلى مراسي المغرب‏.‏ وأنزله بساحل السوس فلحق بالسكسيوي عبد الله ودعا لنفسه‏.‏وبلغ الخبرإلى السلطان بين يدي مقدم حاجبه ابن أبي عمرو من فتح بجاية سنة أربع وخمسين فجهز عساكره إلى المغرب‏.‏ وعقد على حرب السكسيوي لوزيره فارس بن ميمون بن ودرار وسرحه إليه فنهض من تلمسان لربيع من سنة أربع وخمسين‏.‏وأغذ السير إلى السكسيوي ونزل بمخنقه وأحاط به واختط مدينة لمعسكره وتجهيز كتائبه بسفح جبلة وسماها القاهرة‏.‏ واشتد الحصار على السكسيوي وراسل الوزير في الرجوع إلى الطاعة المعروفة وأن ينتبذ العهد إلى أبي الفضل ففارقه وتنقل في جبال المصامدة‏.‏ودخل الوزير فارس إلى أرض السوس فدوخ أقطاره ومهد أنحاءه وسارت الألوية والجيوش في جهاته‏.‏ ورتب المسالح في ثغوره وأمصاره مثل إيفري وفوريان وتارودانت وثقف أطرافه وسد فروجه‏.‏وسار أبو الفضل في جبال المصامدة إلى أن انتهى إلى صناكة وألقى بنفسه على ابن حميدي منهم مما يلي بلاد درعة فأجاره وقام بأمره‏.‏ونازله عامل درعة يومئذ عبد الله بن مسل الزردالي من مشيخة دولة بني عبد الواد كان اصطنعه السلطان أبو الحسن منذ تغلبه عليهم وفتحه لتلمسان سنة سبع وثلاثين فاستقر في دولتهم ومن جملة صنائعهم فأخذ بمخنق ابن حميدي وأرهبه بوصول العساكر والوزراء إليه وداخله في التقبض على أبي الفضل وأن يبذل له في ذلك ما أحب من المال فأجاب ولاطف عبد الله بن مسلم الأمير أبا الفضل ووعده من نفسه الدخول في أمره‏.‏ وطلب لقاه فركب إليه أبو الفضل‏.‏ولما استمكن منه عبد الله بن مسلم تقبض عليه ودفع لابن حميدي ما اشترط له من المال وأشخصه معتقلاً إلى أخيه السلطان أبي عنان سنة خمس وخمسين فأودعه السجن وكتب بالفتح إلى القاصية‏.‏ ثم قتله لليال من اعتقاله خنقاً بمحبسه‏.‏وانقضى أمر الخوارج وتمهدت الدولة إلى أن كان مما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن انتقاض عيسى بن الحسن بجبل الفتح ومهلكه

كان عيسى بن الحسن بن علي بن أبي الطلاق هذا من مشيخة بني مرين وكان صاحب شوراهم لعهده‏.‏ وقد كنا قصصنا من قبل أخبار أبيه الحسن عند ذكر دولة أبي الربيع‏.‏وكان السلطان أبو الحسن قد عقد له على ثغور عمله بالأندلس وأنزله بجبل الفتح عندما أكمل بناه وجعل إليه النظر في مسالح الثغور وتفريق العطاء على مسالحها فطال عهد ولايته ورسخ فيها قدمه‏.‏ وكان السلطان أبو الحسن يبعث عنه في الشورى متى عنت‏.‏وحضره عند سفره إلى إفريقية وأشار عليه بالإقصار عنها وأراه أن قبائل بني مرين لا تفي أعدادهم بمسالح الثغور إذا رتبت شرقاً وغرباً وعدوة البحر وأن إفريقية تحتاج من ذلك إلى أوفر الأعداد وأشد الشوكة لتغلب العرب عليها وبعد عهدهم بالانقياد فأعرض السلطان عن نصيحته لما كان شره إلى تملكها وصرفه إلى مكان عمله بالثغور الأندلسية‏.‏ولما كانت نكبة القيروان وانتزى الأبناء بفاس وتلمسان أجاز البحر لحسم الداء ونزل بغساسة‏.‏ثم انتقل إلى وطنه بتازى وجمع قومه بني عسكر‏.‏وألفى السلطان أبا عنان قد هزم عساكر ابن أخيه وأخذ بمخنقه فأجلب عليه وبيته بمعسكر من ساحة البلد الجديد‏.‏وعقد السلطان أبو عنان على حربه لصنيعه سعيد بن موسى العجيسي وأنزله بثغر بلاد بني عسكر على واد بوحلو‏.‏وتواقفا كذلك أياماً حتى تغلب السلطان أبو عنان على البلد الجديد‏.‏ثم راسل عيسى بن الحسن في الرجوع إلى طاعته‏.‏وأبطأ عنه صريخ السلطان أبي الحسن بإفريقية فراجعه واشترط عليه فتقبل وسار إليه فتلقاه السلطان وامتلأ سروراً بمقدمه‏.‏ وأنزله قصوره وجعل الشورى إليه في مجلسه واستمرت على ذلك حاله‏.‏ولما تمكنت حال ابن أبي عمرو بعد مهلك السلطان أبي الحسن وانفرد بخلة السلطان ومناجاته وحجب عن الخاصة والبطانة أحفظه ذلك ولم يبدها‏.‏واستأذن السلطان في الحج فأذن له وقضى فرضه ورجع إلى محله من بساط السلطان سنة ست وخمسين‏.‏ولقي ابن أبي عمرو ببجاية وتطارح عليه في أن يصلح حاله عند سلطانه فوعده في ذلك‏.‏ولما وفد على السلطان وجده قد استبد في الشورى وتنكر للخاصة والجلساء فاستأذنه في الرجوع إلى مجلسه من الثغر لإقامة رسم الجهاد فأذن له‏.‏وأجاز البحر إلى جبل الفتح من سنته وكان صاحب ديوان العطاء بالجبل يحيى الفرقاجي وكان مستظهراً على العمال وكان ابنه أبو يحيى قد برم بمكانه‏.‏فلما وصل عيسى إلى الجبل اتبعه السلطان بأعطيات المسالح مع مسعود بن كندوز من صنائع دولته فسرب الفرقاجي إلى الضرب على يده شأنه مع ابنه أيام مغيبه وأنف عيسى من ذلك فتقبض عليه وأودعه المطبق ورد ابن كندوز على عقبيه وأركبه السفين من ليلته إلى سبتة وجاهر بالخلعان‏.‏ وبلغ الخبرإلى السلطان أبي عنان فقلق لذلك وقام في ركائبه وقعد وأوعز بتجهيز الأساطيل وظن أنه تدبير من الطاغية وابن الأحمر‏.‏وبعث أحمد بن الخطيب قائد البحر بطنجة عيناً على شأنهم فوصل إلى مرسى الجبل‏.‏وكان عيسى بن الحسن لما جاهر بالخلعان تمشت رجالات الثغر وعرفاء الرجل من غمارة الغزاة الموطنين بالجبل وتحدثوا في شأنه وامتنعوا من الخروج على السلطان وتوامروا في إسلامه برمته‏.‏وخلا به سليمان بن داود بن أعراب العسكري كان من خواصه وأهل شوراه‏.‏وكان عيسى قد مكن قدمه عند السلطان واستعمله على رندة‏.‏فلما جاهر عيسى بالخلعان وركب له ظهر الغدر خالفه سليمان هذا إلى طاعة السلطان وأنفذ كتبه وطاعته‏.‏ واشتبه عليه الأمر فندم إذ لم يكن بنى أمره على أساس من الرأي‏.‏فلما احتل أسطول أحمد بن الخطيب بمرسى الجبل خرج إليه وناشده الله والعهد أن يبلغ السلطان طاعته والبراءة مما صنع أهل الجبل ونسبها إليهم‏.‏ فعند ذلك خشي غمارة على أنفسهم فثاروا به‏.‏ ولجأ إلى الحصن فاقتحموه عليه وشدوه وابنه وثاقاً وألقوه في أسطول ابن الخطيب‏.‏ وأنزله بسبتة وطير إلى السلطان بالخبر فخلع عليه وأمر خاصته فخلعوا عليه‏.‏وبعث عمر ابن وزيره عبد الله بن علي وعمر بن العجوز وقائد جند النصارى فأحضروهما بدار السلطان يوم منى من سنة ست‏.‏وجلس لهما السلطان ووقفا بين يديه وتنصلاً واعتذراً فلم يقبل منهما وأودعهما السجن وشد وثاقهما حتى مضى منسك الأضحى‏.‏ ولما كان خاتم سنته أمر بهما فجنبا إلى مصارعهما وقتل عيسى قعصاً بالرماح وقطع ابنه أبو يحيى من خلاف وأبى من مداواة قطعه فلم يزل يتشحط في دمه إلى أن هلك لثانية قطعه وأصبحا مثلاً في الآخرين‏.‏وعقد على جبل الفتح وسائر ثغور الأندلس لسليمان بن داود إلى أن كان من الأمر ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-08-2011, 01:29 PM
الخبر عن نهوض السلطان إلى قسنطينة وفتحها ثم فتح تونس عقبها

لما هلك الحاجب محمد بن أبي عمرو عقد السلطان على الثغور ببجاية وما وراءها من بلاد إفريقية لوزيره عبد الله بن علي بن سعيد وسرحه إليها وأطلق يده في الجباية والعطاء‏.‏وكانت جبال ضواحي قسنطينة قد تملكها السلطان بما كانت الدواودة متغلبة عليها‏.‏وكان عامة أهل ذلك الوطن قبائل سدويكش وعقد السلطان عليهم لموسى بن إبراهيم بن عيسى وأنزله بتاوريرت آخر عمل بجاية في أقاربه وولده وصنائعه‏.‏ولما نزل ابن أبي عمرو بجاية وأخذ بمخنق قسنطينة ثم ارتحل عنها على ما عقد من السلم مع المولى الأمير أبي زيد أنزل موسى بن إبراهيم بميلة فاستقر بها‏.‏ولما ولي الوزير عبد الله بن علي أمر إفريقية أوعز إليه السلطان بمنازلة قسنطينة فنازلها سنة سبع وأخذ بمخنقها‏.‏ونصب المنجنيق عليها واشتد الحصار بأهلها وكادوا أن يلقوا باليد لولا ما بلغ المعسكر من الإرجاف بمهلك السلطان فأفرجوا عنها‏.‏ ولحق المولى أبو زيد ببونة‏.‏وأسلم البلد إلى أخيه مولانا أمير المؤمنين أبي العباس أيده الله تعالى عندما وصل إليه من إفريقية كان بها مع العرب طالباً ملكهم بتونس ومجلباً بهم على ابن تافراكين منذ نازلوا تونس سنة ثلاث وخمسين كما مر‏.‏فلما رجع الآن إلى قسنطينة مع خالد بن حمزة داخل خالد المولى أبا زيد في خروجه إلى حصار تونس وإقامة مولانا أبي العباس بقسنطينة فأجاب لذلك وخرج معه‏.‏ ودخل مولانا أبو العباس إلى قسنطينة فدعا لنفسه‏.‏ وضبط قسنطينة وكان مدلاً ببأسه وإقدامه‏.‏وداخله بعض المنحرفين عن بني مرين من أولاد يوسف رؤساء سدويكش في تبييت موسى بن إبراهيم بمعسكره من ميلة فبيتوه وانتهبوا معسكره وقتلوا أولاده وخلصوا إلى تاوريرت ثم إلى بجاية ولحق بمولانا السلطان مفلولاً‏.‏ونكر السلطان على وزيره عبد الله بن علي ما وقع بموسى بن إبراهيم وأنه قصر في إمداده فسرح شعيب بن ميمون وتقبض عليه وأشخصه إلى السلطان معتقلاً وعقد على بجاية مكانه ليحيى بن ميمون بن أمصمود من صنائع دولته‏.‏وفي خلال ذلك راسل المولى أبو زيد الحاجب أبا عبد الله بن تافراكين المتغلب على عمه إبراهيم في النزول لهم عن بونة والقدوم عليهم بتونس فتقبلوه وأحلوه محل ولي العهد واستعملوا على بونة من صنائعهم‏.‏ولما بلغ خبر موسى بن إبراهيم إلى السلطان أيام التشريق من سنة سبع وخمسين اعتزم على الحركة إلى إفريقية‏.‏ واضطرب معسكره بساحة البلد الجديد‏.‏وبعث في الحشد إلى مراكش‏.‏وأوعز إلى بني مرين فأخذ الأهبة للسفر وجلس للعطاء والاعتراض من لدن وصول الخبر إليه إلى شهر ربيع من سنة ثمان‏.‏ثم ارتحل من فاس وسرح في مقدمته وزيره فارس بن ميمون في العساكر وسار في الساقة على التعبية إلى أن احتل بجاية وتلوم لإزاحة العلل‏.‏ ونازل الوزير قسنطينة ثم جاء السلطان على أثره‏.‏ولما أطلت راياته وماجت الأرض بعساكره ذعر أهل البلد وألقوا بأيديهم إلى الإذعان وانفضوا من حول سلطانهم مهطعين إلى السلطان وتحيز صاحب البلد في خاصته إلى القصبة‏.‏ووصل أخوه المولى الفضل يطلب الأمان فبذله السلطان لهم وخرجوا وأنزلهم بمعسكره أياماً‏.‏ثم بعث بالسلطان في الأسطول إلى سبتة فاعتقله بها إلى أن كان من أمره ما نذكره بعد‏.‏وعقد على قسنطينة لمنصور بن الحاج مخلوف الياباني من مشيخة بني مرين وأهل الشورى منهم وأنزله بالقصبة منها في شعبان من سنته‏.‏ووصل إليه بمعسكره من ساحة قسطنينة بيعة يحيى بن يملول صاحب توزر وبيعة علي بن الخلف صاحب نفطة‏.‏ ووفد ابن مكي فجدد طاعته‏.‏ووصل إليه أولاد مهلهل أمراء الكعوب وأقتال بني أبي الليل يستحثونه لملك تونس فسرح معهم العساكر وعقد عليها ليحيى بن رحو بن تاشفين وبعث أسطوله في البحر مدداً لهم وعقد عليه للرئيس محمد بن يوسف الأبكم وساروا إلى تونس وأخرج الحاجب أبو محمد بن تافراكين سلطانه أبا إسحاق إبراهيم ابن مولانا السلطان أبي يحيى مع أولاد أبي الليل وجهز له العساكر لما أحس بقدوم عساكر السلطان‏.‏ووصل الأسطول إلى مرسى تونس فقاتلهم يوما أبو بعض يوم وركب الليل إلى المهدية فتحصن بها‏.‏ ودخل أولياء السلطان إلى تونس في رمضان من سنة ثمان وأقاموا بها دعوته‏.‏واحتل يحيى بن رحو بالقصبة وأنفذ الأوامر وكتبوا إلى السلطان بالفتح‏.‏ونظر السلطان بعد ذلك في أحوال الوطن وقبض أيدي العرب من رياح عن الأتاوة التي يسمونها الخفارة فارتابوا وطالبهم بالرهن فأجمعوا على الخلاف‏.‏وأرهف لهم حده وتبين يعقوب بن علي أميرهم مكره فخرج معهم ولحقوا جميعاً بالزاب وارتحل في أثرهم‏.‏وسار يوسف بن مزني عامل الزاب ينفض الطريق أمامه حتى نزل بسكرة‏.‏ ثم ارتحل إلى طولقة فتقبض على مقدمها عبد الرحمن بن أحمد بإشارة ابن مزني‏.‏ وخرب حصون يعقوب بن علي وأجفلوا إلى القفر أمامه ورجع عنهم‏.‏وحمل له ابن مزني جباية الزاب بعد أن وعد عامة معسكره بالقرى من الحنطة والأدم واللحمان والعلوفة لثلاث ليالٍ نفذت في ذلك وكافأه السلطان عن صنيعه فخلع عليه وعلى ولده وأسنى جوائزهم ورجع إلى قسنطينة وأعزم على الرحلة إلى تونس‏.‏وضاق ذرع العسكر بشأن النفقات والأبعاد في المذاهب وارتكاب الخطر في دخول إفريقية فتمشت رجالاتهم في الانفضاض عن السلطان وداخلوا الوزير فارس بن ميمون فوافقهم عليه وأفن المشيخة والنقباء لمن تحت أيديهم من القبائل في اللحاق بالمغرب حتى تفرعوا‏.‏ونمي الخبر إلى السلطان أنهم توامروا في قتله‏.‏ونصب إدريس بن عثمان بن أبي العلاء للأمر فأسرها بنفسه ولم يبدها لهم‏.‏ ورأى قلة العساكر وعلم بانفضاضهم فكر راجعاً إلى المغرب بعد أن ارتحل عن قسنطينة مرحلتين إلى المشرق وأغذ السير إلى فاس واحتل بها غرة في الحجة من سنته‏.‏وتقبض يوم دخوله على وزيره فارس بن ميمون اتهمه في مداخلة بني مرين في شأنه وقتله رابع أيام التشريق قعصاً بالرماح‏.‏ وتقبض على مشيخة بني مرين فاستلحمهم وأودع منهم السجن‏.‏وبلغ إلى الجهات خبر رجوعه من قسنطينة إلى المغرب فارتحل أبو محمد بن تافراكين من المهدية إلى تونس‏.‏ولما أطل عليها ثار شيعته بالبلد على من كان بها من عساكر السلطان وخلصوا إلى السفين فنجوا إلى المغرب‏.‏وجاء على أثرهم يحيى بن رحو بمن معه من العساكر كان مع أولاد مهلهل بناحية الجريد لاقتضاء جبايتهم‏.‏واجتمعوا بباب السلطان وأرجأ حركته إلى اليوم القابل فكان ما نذكره أن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن وزارة سليمان بن داود ونهوضه بالعساكر إلى إفريقية

لما رجع السلطان من إفريقية ولم يستتم فتحها بقي في نفسه منها شيء‏.‏ وخشي على ضواحي قسنطينة من يعقوب بن علي ومن معه من الدواودة المخالفين فأهمه شأنهم واستدعى سليمان بن داود من مكان ولايته بثغور الأندلس وعقد له على وزارته‏.‏ وسرحه في العساكر إلى إفريقية فارتحل إليها لربيع من سنة تسع وخمسين‏.‏وكان يعقوب بن علي لما كشف عن وجهه في الخلاف أقام السلطان مكانه أخاه ميمون بن علي منازعه وقدمه على أولاد محمد من الدواودة وأحله بمكانه من رياسة البدو والضواحي‏.‏ونزع إليه عن أخيه يعقوب الكثير من قومه وتمسك بطاعة السلطان طوائف من أولاد سباع بن يحيى وكبيرهم يومئذ عثمان بن يوسف بن سليمان فانحاشوا جميعاً إلى الوزير ونزلوا على معسكره بحللهم‏.‏وارتحل السلطان في أثره حتى احتل بتلمسان فأقام بها لمشارفة أحواله منها واحتل الوزير سليمان بوطن قسنطينة‏.‏وأوعز السلطان إلى عامل الزاب يوسف بن مزني بأن يكون يده معه وأن يؤامره في أحوال الدواودة لرسوخه في معرفتها فارتحل إليه من بسكرة ونازلوا جبل أوراس واقتضوا جبايته ومغارمه‏.‏وشردوا المخالفين من الدواودة عن العيث في الوطن فتم غرضهم من ذلك‏.‏وانتهى الوزير وعساكر السلطان إلى أول أوطان إفريقية من آخر مجالات رياح وانكفأ راجعا إلى المغرب‏.‏ووافى السلطان بتلمسان ووصلت معه وفود العرب الذين أبلوا في الخدمة فوصلهم السلطان وخلع عليهم وحملهم وفرض لهم العطاء بالزاب وكتب لهم به وانقلبوا إلى أهلهم‏.‏ووفد على أثرهم أحمد بن يوسف بن مزني أوفده أبوه بهديته إلى السلطان من الخيل والرقيق والدرق فتقبلها السلطان وأكرم وفادته وأنزله‏.‏ واستصحبه إلى فاس ليريه أحوال كرامته ويستبلغ في الاحتفاء به‏.‏ واحتل بدار ملكه منتصف ذي القعدة من سنة تسع وخمسين‏.‏ والله أعلم‏.‏

الخبر عن مهلك السلطان أبي عنان ونصب السعيد للأمر

باستبداد الوزير الحسن بن عمر في ذلك لما وصل السلطان إلى دار ملكه بفاس احتل بها بين يدي العيد الأكبر حتى إذا قضى الصلاة من يوم الأضحى أدركه المرض وأعجله طائف الوجع عن الجلوس يوم العيد على العادة فدخل إلى قصره ولزم فراشه واشتد به وأطاف به النساء يمرضنه‏.‏وكان ابنه أبو زيان ولي عهده وكان وزيره موسى بن عيسى العقولي من صنائع دولتهم وأبناء وزرائهم قد عقد السلطان له على وزارته واستوصاه به فتعجل الأمر ودخل رؤوس بني مرين في الانحياش إلى أميرهم والفتك بالوزير الحسن بن عمر‏.‏وداخله في ذلك عمر بن ميمون لعداوة بينهما وبين الوزير فخشيهم الحسن بن عمر على نفسه‏.‏وفاوض عليه أهل المجلس بذات صدره وكانت نفرتهم عن ولي العهد مستحكمة لما بلوا من سوء دخلته وشر ملكته فاتفقوا على تحويل الأمر عنه‏.‏ثم نمي لهم أن السلطان مشرف على الهلكة لا محالة وأنه موقع بهم من قبل مهلكه فأجمعوا أمرهم على الفتك به والبيعة لأخيه السعيد طفلاً خماسياً‏.‏وباكروا دار السلطان وتقبضوا على وزيره موسى بن عيسى وعمر بن ميمون فقتلوهما وأجلسوا السعيد للبيعة‏.‏وأوعز وزيره مسعود بن رحو بن ماساي بالتقبض على أبي زيان من نواحي القصر فدخل إليه وتلطف في إخراجه من بين الحرم‏.‏ وقاده إلى أخيه فبايعه وتله إلى بعض حجر القصر فأتلف فيها مهجته‏.‏واستقل الحسن بن عمر بالأمر يوم الأربعاء الرابع والعشرين لذي الحجة من سنة تسع وخمسين والسلطان أثناء ذلك على فراشه يجود بنفسه‏.‏ وارتق الناس دفنه يوم الخميس والجمعة بعده فلم يدفن فارتابوا‏.‏وفشا الكلام وارتاب الجماعة فأدخل الوزير زعموا إليه بمكانه من بيته من غطه حتى أتلفه‏.‏ودفن يوم السبت وحجب الحسن بن عمر الولد السعيد المنصوب للأمر وأغلق عليه بابه وتفرد بالأمر والنهي دونه‏.‏ولحق عبد الرحمن ابن السلطان أبي عنان بجبل لكاي يوم بيعة أخيه وكان أسن منه وإنما آثروه لمكان ابن عمه مسعود بن ماساي من وزارته فبعثوا إليه من لاطفه واستنزله على الأمان وجاء به إلى أخيه فاعتقله الحسن بالقصبة من فاس‏.‏وبعث عن أبناء السلطان الأصاغر الأمراء بالثغور فجاء المعتصم من سجلماسة وامتنع المعتمد بمراكش كان بها كفالة عامر بن محمد الهنتاتي استوصاه به السلطان وجعله هنالك لنظره فمنعه من الوصول وخرج به من مراكش إلى معقله من جبل هنتاتة وجهز الوزير العساكر لمحاربته‏.‏ولم يزل هنالك إلى أن استنزله عمه السلطان أبو سالم عند استيلائه على ملك المغرب كما نذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم‏.‏

الخبر عن تجهيز العساكر إلى مراكش

ونهوض الوزير سليمان بن داود لمحاربة عامر بن محمد بن علي كان عامر بن محمد بن علي شيخ هنتاتة من قبائل المصامدة‏.‏وكان السلطان يعقوب قد استعمل أباه محمد بن علي على جباياتهم والسلطان أبو سعيد استعمل عمه موسى بن علي‏.‏ وربي عامر هذا في كفالة الدولة وسار في جملة السلطان إلى إفريقية وولاه السلطان أحكام الشرطة بتونس‏.‏ولما ركب البحر إلى المغرب أركب حرمه وحظاياه في السفين وجعلهم إلى نظر عامر بن محمد‏.‏ وأجازوا البحر إلى الأندلس فنزلوا المرية‏.‏وبلغهم غرق الأسطول بالسلطان أبي الحسن وعساكره فأقام بهم بمكانه في المرية‏.‏ وبعث السلطان أبو عنان عنه فلم يجب داعيه وفاء ببيعة أبيه‏.‏حتى إذا هلك السلطان أبو الحسن بدارهم بالجبل ورعى لهم السلطان أبو عنان إجارتهم لأبيه حين لفظته البلاد وتحاماه الناس أجمع أمره على الوفادة عليه فوفد بمن معه من الحرم‏.‏وأكرم السلطان أبو عنان وفادته وأحسن نزله‏.‏ثم عقد له على جباية المصامدة سنة أربع وخمسين وبعثه لها من تلمسان فاضطلع بهذه الولاية‏.‏وأحسن الغناء فيها والكفاية عليها حتى كان السلطان أبو عنان يقول وددت لو أصبت رجلاً يكفيني ناحية الشرق من سلطاني كما كفاني عامر بن محمد ناحية الغرب وأتورع‏.‏ونافسه الوزراء في مقامه ذلك عند السلطان ورتبته‏.‏وانفرد الحسن بن عامر آخر الأمر بوزارة السلطان فاشتدت منافستهم وانتهت إلى العداوة والسعاية‏.‏وكان السلطان بين يدي مهلكه ولى أبناءه الأصاغر على أعمال ملكه فعقد لابنه محمد المعتمد على مراكش واستوزر له وجعله إلى نظر عامر واستوصاه به‏.‏فلما هلك السلطان وانتقل الحسن بن عمر بالأمر ونصب السعيد للملك استقدم الأبناء من الجهات فبعث عن المعتمد بمراكش فأبى عليه عامر من الوفادة عليهم وصعد به إلى معقله من جبل هنتاتة‏.‏ وبلغ الحسن بن عمر خبره فجهز إليه العساكر وأزاح عللهم‏.‏وعقد على حربه للوزير سليمان بن داود مساهمة في القيام بالأمر وسرحه في المحرم من سنة ستين فأغذ السير إلى مراكش واستولى عليها‏.‏وصمد إلى الجبل فأحاط به وضيق على عامر وطاول منازلته‏.‏وأشرف على اقتحام معقله إلى أن بلغ خبر افتراق في مرين وخروج منصور بن سليمان من أعياص الملك على الدولة وأنه منازل للبلد الجديد فانفض المعسكر من حوله وتسابقوا إلى منصور بن سليمان فلحق به الوزير سليمان بن داود وتنفس المخنق عن عامر إلى أن استولى السلطان أبو سالم على ملك المغرب في شعبان من سنة ستين‏.‏ واستقدم عامر والمعتمد ابن أخيه من مكانهم بالجبل فقدم الخبر عن ظهور أبي حمو بنواحي تلمسان وتجهيز العساكر لمدافعته ثم تغلبه عليها وما تخلل ذلك من الأحداث كان أبناء عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن هؤلاء أربعة كما ذكرناه في أخبارهم وكان يوسف كبيرهم وكان سكوناً منتحلاً لطرق الخير لا يريد علوا في الأرض‏.‏ ولما ملك أخوه عثمان بتلمسان عقد له على تنس‏.‏وكان ابنه موسى متقبلاً مذهبه في السكون والدعة ومجانبة أهل الشر‏.‏ ولما تغلب السلطان أبو عنان عليهم سنة ثلاث وخمسين وفر أبو ثابت إلى قاصية الشرق واهتبلتهم قبائل زواوة وأرجلوهم عن خيلهم سعوا على أقدامهم‏.‏وانتبذ أبو ثابت وأبو زيان ابن أخيه أبي سعيد وموسى ابن أخيه يوسف ووزيرهم يحيى بن داود ناحية عن قومهم وسلكوا غير طريقهم وتقبض على أي ثابت ويحيى بن داود ومحمد بن عثمان وخلص موسى إلى تونس فنزل على الحاجب أبي محمد بن تافراكين وسلطانه خير نزل وأجاره مع فل من قومه خلصوا إليهم وأسنوا جرايتهم‏.‏ وبعث السلطان أبو عنان فيهم إلى ابن تافراكين فأبى من إسلامهم وجاهر بإجارتهم على السلطان‏.‏ولما استولت عساكر السلطان على تونس وأجفل عنها سلطانها أبو إسحاق إبراهيم ابن مولانا السلطان أبي يحيى خرج موسى بن يوسف هذا في جملته‏.‏ولما رجع السلطان إلى المغرب صمد المولى أبو إسحاق إبراهيم ابن مولانا السلطان أبي يحيى وابن أخيه المولى أبو زيد صاحب قسنطينة مع يعقوب بن علي وقومه من الدواودة إلى منازلة قسنطينة وإرتجاعها‏.‏ وسار في جملتهم موسى بن يوسف هذا فيمن كان عندهم من زناتة قومه‏.‏وكان بنو عامر بن زغبة خارجين على السلطان أبي عنان منذ غلبه بني عبد الواد على تلمسان‏.‏وكانت رياستهم إلى صغير بن عامر بن إبراهيم فلحق بإفريقية في قومه‏.‏ ونزلوا على يعقوب بن علي وجاوروه بحللهم وظعنهم‏.‏فلما أفرجوا عن قسنطينة بعد امتناعها واعتزم صغير على الرحلة بقومه إلى وطنهم من صحراء المغرب الأوسط دعوا موسى بن يوسف هذا إلى الرحلة معهم لينصبوه للأمر ويجلبوا به على تلمسان فخلى الموحدون سبيله وأعانوه بما اقتدروا عليه لوقتهم وعلى حال سفرهم من آلة وفسطاط‏.‏وارتحل مع بني عامر وارتحل معهم صولة بن يعقوب بن علي وزيان بن عثمان بن سباع من أمراء الدواودة ودغار بن عيسى في حلله من بني سعيد إحدى بطون رياح‏.‏ وأغذ السير إلى المغرب للعيث في نواحيه‏.‏ وجمع لهم أقتالهم من سويد أولياء السلطان والدولة‏.‏والتقوا بقبلة تلمسان فانهزمت سويد وهلك عثمان ابن كبيرهم ونزمار وكان مهلك السلطان في خلال ذلك‏.‏وكان السلطان حين استعمل الأبناء على الجهات عقد لمحمد المهدي من أولاده على تلمسان‏.‏ولما اتصل خبر وفاة السلطان بالعرب أغذوا السير إلى تلمسان وملكوا ضواحيها‏.‏ وجهز الحسن بن عمر إليها عسكراً عقد عليه وعلى الحامية الذين بها لسعيد بن موسى العجيسي من صنائع السلطان وسرحه إليها وسار في جملته أحمد بن مزني فاصلاً إلى عمله بعد أن وصله وخلع عليه وحمله‏.‏وسار سعيد بن موسى في العساكر إلى تلمسان فاحتل بها في صفر من سنة ستين‏.‏وزحف إليهم جموع بني عامر وسلطانهم أبو موسى بن يوسف فغلبوهم على الضاحية وأحجزوهم بالبلد‏.‏ثم نازلوهم الحرب أياماً واقتحموها عليهم لثمان خلون من ربيع واستباحوا من كان بها من العسكر وامتلأت أيديهم من أسلابهم ونهابهم‏.‏وخلص سعيد بن موسى بابن السلطان إلى حفة صغير بن عامر فأجاره ومن جاء على أثره من قومه وأوفد معهم رجالات من بني عامر ينفضون الطريق أمامه إلى أن أبلغوه مأمنه من دار ملكهم‏.‏واستولى أبو حمو على ملك تلمسان واستأثر بالهدية التي ألفى بمودعها كان السلطان انتقاها وبعث بها إلى صاحب برشلونة بطره بن ألقنط وبعث إليه بها بفرس أدهم من مقرباته بمركب ولجام ذهبيين ثقيلين‏.‏فاتخذ أبو حمو ذلك الفرس لركوبه وصرف الهدية في مصارفه ووجوه مذاهبه‏.‏والله غالب على أمره‏.‏

الخبر عن نهوض الوزير مسعود بن ماساي إلي تلمسان وتغلبه عليها

ثم انتقاضه ونصبه منصور بن سليمان للأمر لما بلغ الوزير الحسن بن عمر خبر تلمسان واستيلاء أبي حمو عليها جمع مشيخة بني مرين وأمرهم في النهوض إليها فأبوا عليه من النهوض بنفسه وأشاروا بتجهيز العسكر ووعدوه بمسيرهم كافة ففتح ديوان العطاء وفرق الأموال وأسنى الصلات وأزاح العلل وعسكر بساحة البلد الجديد‏.‏ثم عقد عليهم لمسعود بن رحو بن ماساي وحمل من المال وأعطاه الآلة وسار في الألوية والعساكر‏.‏ وكان في جملته منصور بن سليمان بن أبي مالك بن يعقوب بن عبد الحق وكان الناس يرجون بأن سلطان المغرب صائر إليه بعد مهلك أبي عنان‏.‏وشاع ذلك في ألسنة الناس وذاع وتحدث به السمر والندمان وخشي منصور على نفسه لذلك فجاء إلى الوزير وشكا إليه ذلك فانتهره بأن لا يختلج بفكره مثل هذا الوسواس انتهاراً خلا من وجه السياسة فازدجر واقتصر‏.‏ولقد شهدت هذا الموطن ورجمت ذلة انكساره وخضوعه في موقفه‏.‏ ورحل الوزير مسعود في التعبية‏.‏وأفرج أبو حمو عن تلمسان ودخلها مسعود في ربيع الثاني واستولى عليها‏.‏ وخرج أبو حمو إلى الصحراء وقد اجتمعت إليه جموع العرب من رغبة والمعقل‏.‏ثم خالفوا بني مرين إلى المغرب واحتلوا بأنكاد بحللهم وظواعنهم وجهز مسعود بن رحو ي إليهم عسكراً من جنوده انتقى فيه مشيخة من بني مرين وأمرائهم وعقد عليهم لعامر ابن عمه عبو بن ماساي‏.‏ وسرحهم فزحفوا إليهم بساحة وجدة‏.‏وصدقهم العرب الحملة فانكشفوا واستبيح معسكرهم واستلبت مشيختهم وأرجلوا عن خيلهم ودخلوا إلى وجدة عراة‏.‏وبلغ الخبرإلى بني مرين بتلمسان وكان في قلوبهم مرض من استبداد الوزير عليهم وحجزه لسلطانهم فكانوا يتربصون بالدولة‏.‏ فلما بلغ الخبروجاض الناس له جيضة الحمر خلص بعضهم نجياً بساحة البلد واتفقوا على البيعة ليعيش بن علي بن أبي زيان ابن السلطان أبي يعقوب فبايعوه‏.‏ وانتهى

الخبر إلى الوزير مسعود بن رحو

وكان متحيناً سلطان منصور بن سليمان فاستدعاه وأكرهه على البيعة وبايعه معه الرئيس الأكبر من بني الأحمر وقائد جند النصارى القمندوز وتسايل إليه الناس وتسامع الملأ من بني مرين بالخبر فبادروا إليه من كل جانب‏.‏وذهب يعيش ابن أبي زيان لوجه فركب البحر وخلص إلى الأندلس وانعقد الأمر لمنصور بن سليمان‏.‏ واجتمع بنو مرين على كلمته وارتحل بهم من تلمسان يريد المغرب‏.‏واعترضتهم جموع العرب بطريقهم فأوقعوا بهم وامتلأت أيديهم من أسلابهم وظعنهم‏.‏وأغذوا السير إلى المغرب واحتلوا بسبو في منتصف جمادى الآخرة وبلغ الخبرإلى الحسن بن عمرة فاضطرب معسكره بساحة البلد‏.‏وأخرج السلطان في الآلة والتعبية إلى أن أنزله بفسطاطه‏.‏ولما غشيهم الليل انفضوا عنه ونزع الملأ إلى السلطان منصور بن سليمان فأوقد الشموع وأذكى النيران حول الفسطاط وجمع الموالي والجند وأركب السلطان ودخل إلى قصره وانحجز بالبلد الجديد‏.‏وأصبح منصور بن سليمان فارتحل في التعبية حتى نزل بكدية العرائس في الثاني والعشرين لجمادى واضطرب معسكره بها وغدا عليها بالقتال وشد عليها الحملات وامتنعت ليومها‏.‏ثم جمع الأيدي على اتخاذ الآلات للحصار‏.‏ واجتمعت إليه وفود الأمصار بالمغرب للبيعة‏.‏ولحقت به كتائب بني مرين التي كانت مجمرة بمراكش لحصار عامر مع الوزير سليمان بن داود فاستوزره وأطلق عبد الله بن علي وزير السلطان أبي عنان من معتقله فاستوزره أيضاً‏.‏وأوعز بإطلاق مولانا أبي العباس صاحت قسنطينة من معتقله بسبتة فخلص منه خلوص الإبريز بعد السبك‏.‏ وأمر منصور بن سليمان بتسريح السجون فخرج من كان بها من دغار بجاية وقسنطينة وكانوا معتقلين من لدن استحواذ السلطان أبي عنان على بلادهم‏.‏وانطلقوا إلى مواطنهم وأقام على البلد الجديد يغاديها بالقتال ويراوحها‏.‏ ونزع عنه إلى الوزير الحسن بن عمر طائفة من بني مرين‏.‏ ولحق آخرون ببلادهم وانتقضوا عليه ينتظرون مآل أمره‏.‏ولبث على هذه الحال إلى غرة شعبان فكان من قدوم السلطان أبي سالم لملك سلفه بالمغرب واستيلائه عليه ما نذكره إن شاء الله

الخبر عن نزول المولى أبي سالم بجبال غمارة واستيلائه على ملك المغرب

ومقتل منصور بن سليمان كان السلطان أبو سالم بعد مهلك أبيه واستقراره بالأندلس وخروج أبي الفضل بالسوس لطلب الأمر ثم ظفر السلطان أبي عنان به ومهلكه كما ذكرنا قد تورع وسكن وسالمه السلطان‏.‏ ثم هلك سلطان الأندلس أبو الحجاج سنة خمس وخمسينيوم الفطر بمصلى العيد طعنه أسود موسوس كان ينسب إلى أخيه محمد من بعض إماء قصرهم‏.‏ونصبوا للأمر ابنه محمداً وأحجبه مولاه رمضان واستبد عليه‏.‏ وكان للسلطان أبي عنان اعتزاز كما ذكرناه وكان يؤمل ملك الأندلس‏.‏وأوعز إليهم عندما طرقه من طائف المرض سنة سبع وخمسين أن يبعثوا إليه طبيب دارهم إبراهيم بن زرزر الذمي وامتنع من ذلك اليهودي واعتذروا عذره فنكر لهم السلطان قبله‏.‏ولما وصل إلى فاس من فتح قسنطينة وإفريقية وتقبض على وزيره والمشيخة من قبله تجنياً عليهم إن لم يبادر السلطان بنفسه وحاجبه للتهنية‏.‏وأظلم الجو بينهم واعتزم على النهوض إليهم وكانوا منحاشين بالجملة إلى الطاغية بطره بن أذفونش صاحب قشتالة منذ مهلك أبيه ألهنشة على جبل المفتح سنة إحدى وخمسين‏.‏ثم استبد رضوان على الدولة بعد مهلك أبي الحجاج كانت له صاغية إليهم ظاهرها النظر للمسلمين بمسالمة عدوهم‏.‏وكان السلطان أبو عنان يعتد ذلك عليهم وعلم أنه لا بد أن يمدهم بأساطيله ويدافعوه عن الإجازة إليهم‏.‏وكان بين الطاغية بطرة وبين قمص برشلونة فتنة هلك فيها أهل ملتهم فصرف السلطان قصده إلى قمص برشلونة وخاطبه في اتصال اليد على أدفونش واجتماع أسطول المسلمين وأسطول القمص بالزقاق وضربوا بذلك الموعد‏.‏وأتحفه السلطان بهدية سنية من متاع المغرب وماعونه ومركب ذهبي صنيع ومقرب من جياده‏.‏ وأنفذها إليه فبلغت تلمسان وهلكت قبل وصولها إلى محلها‏.‏ولما هلك السلطان أبو عنان أمل أخوه المولى أبو سالم ملك أبيه وطمع في مظاهرة أهل الأندلس له على ذلك لما كان بينهم وبين أخيه‏.‏واستدعاه أشياع من أهل المغرب ووصل البعض منهم إليه بمكانه من غرناطة وطلب الإذن من رضوان في الإجازة فأبى عليه فاحفظه ذلك‏.‏ ونزع إلى ملك قشتالة متطارحاً بنفسه عليه أن يجهز له الأسطول للإجازة إلى المغرب فاشترط عليه وتقبل شرطه‏.‏وأجازه في أسطوله إلى مراكش فامتنع عامر من قبوله لما كان فيه من التضييق والحصار بحصة سليمان بن داود كما ذكرناه فانكفأ راجعاً على عقبه‏.‏فلما حاذى طنجة وبلاد غمارة ألقى بنفسه إليهم ونزل بالصفيحة من بلادهم‏.‏واشتملت عليه قبائلهم وتسايلو وملك سبتة وطنجة وبها يومئذ السلطان أبو العباس ابن أبي حفص صاحب قسنطينة لحق بها بعد الخروج من اعتقاله بسبتة كما ذكرناه فاختصه المولى أبو سالم‏.‏ بالصحابة والخلة وألفه في اغترابه ذلك إلى أن استولى على ملكه‏.‏وألقى بطنجة الحسن بن يوسف الورتاجني وكاتب ديوان الجند أبا الحسن علي بن السعود والشريف أبا القاسم التلمساني‏.‏كان منصور بن سليمان ارتاب بهم واتهمهم بمداخلة الحسن بن عمر بمكانه من البلد الجديد فصرفهم من معسكره إلى الأندلس فوافوا المولى أبا سالم عند استيلائه على طنجة فساروا في إيالته‏.‏واستوزر الحسن بن يوسف واستكتب لعلامته أبا الحسن علي بن السعود واختص الشريف بالمجالسة والمراكبة‏.‏ ثم قام أهل الثغور الأندلسية بدعوته‏.‏وأجاز يحياتن بن عمر صاحب جبل الفتح إليه بمن كان معه من المعسكر‏.‏ وطنت حصاة المولى أبي سالم واتسع معسكره وبلغ خبره إلى الثائر على البلد الجديد منصور بن سليمان فجهز عسكراً لدفاعه‏.‏ وعقد عليه لأخويه عيسى وطلحة وأنزلهم قصر كتامة‏.‏وقاتلوه فهزموه واعتصم بالجبل‏.‏ وبادر الحسن بن عمر من وراء الجدران فبعث إليه بطاعته ووعده بالتمكن من دار ملكه‏.‏وداخل بعض أشياع المولى أبي تسالم مسعودك بن رحو بن ماساي وزير منصور في النزوع إلى السلطان وكان قد ارتاب بمنصور وابنه علي فنزع وانفض الناس من حول منصور وتخاذل أشياعه من بني مرين ولحق ببادس من سواحل المغرب‏.‏ومشى أهل المعسكر بأجمعهم في ساقاتهم ومواكبهم على التعبية فلحقوا بالسلطان أبي سالم واستغذوه إلى دار ملكه فأغذ السير وخلع الحسن بن عمر سلطانه السعيد عن الأمر وأسلمه إلى عمه وخرج إليه فبايعه‏.‏ودخل السلطان إلى البلد الجديد يوم الجمعة منتصف شعبان من سنة ستين‏.‏ واستولى على ملك المغرب وتوافت وفود النواحي بالبيعات‏.‏وعقد للحسن بن عمر كلى مراكش وجهزه إليها بالعساكر ريبة بمكانه‏.‏ واستوزر مسعود بن رخو بن ماساي والحسن بن يوسف الورتاجني واصطفى من خواصه خطيب أبيه الفقيه أبا عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق وجعل إلى مؤلف هذا الكتاب توقيعه وكتابة سره‏.‏وكنت نزعت إليه من معسكر منصور بن سليمان بكدية العرائس لما رأيت من اختلال أحواله ومصير الأمر إلى السلطان فأقبل علي وأنزلني بمحل البنوة واستخلصني لكتابته‏.‏واستوسق أمره بالمغرب‏.‏ وتقبض شيعة السلطان ببادس على منصور بن سليمان وابنه علي وقادوهم مصفدين إلى سدته فأحضرهم ووبخهم‏.‏ وجنبوا إلى مصارعهم فقتلوا قعصاً بالرماح آخر شعبان من سنته‏.‏ وجمع الأبناء والقرابة المرشحين من ولد أبيه وعمه فأشخصهم إلى رندة من ثغورهم بالأندلس ووكل بهم من يحرسهم‏.‏ ونزع محمد بن أبي أخيه أبي عبد الرحمن منهم إلى غرناطة‏.‏ ثم لحق منها بالطاغية واستقر لديه حتى كان من تملكه المغرب ما نقصه‏.‏وهلك الباقون غرقاً في البحر بإيعاز السلطان بذلك بعد مدة من سلطانه أركبهم السفين إلى المشرق ثم غرقهم‏.‏وخلص الملك من الخوارج والمنازعين واستوسق له الأمر والله غالب على أمره‏.‏احتفل السلطان في كرامة مولانا السلطان أبي العباس وشاد ببره وأوعز باتخاذ دار عامر بن فتح الله وزير أبيه لنزله ومهد له المجلس لصق أريكته ووعده بالمظاهرة على ملكه إلى أن بعثه من تلمسان عند استيلائه عليها كما نذكر إن شاء الله تعالى‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-08-2011, 01:31 PM
الخبر عن خلع ابن الأحمر صاحب غرناطة ومقتل رضوان

ومقدمه على السلطان لما هلك السلطان أبو الحجاج سنة خمس وخمسين ونضب ابنه محمد للأمر واستبد عليه رضوان مولى أبيه وكان قد رشح ابنه الأصغر إسماعيل بما ألقى عليه وعلى أمه من محبته‏.‏فلما عدلوا بالأمر عنه حجبوه ببعض قصورهم وكان له صهر من ابن عمه محمد بن إسماعيل ابن الرئيس أبي سعيد في شقيقه فكان يدعوه سراً إلى القيام بأمره حتى أمكنته فرصة في الدولة فخرج السلطان إلى بعض متنزهاته برياضه فصعد سور الحمراء ليلة سبع وعشرين لرمضان من سنة ستين في أوشاب جمعهم من الطغام لثورته‏.‏ وعمد إلى دار الحاجب رضوان فاقتحم عليه الدار وقتله بين حرمه وبناته‏.‏وقربوا إلى إسماعيل فرسه وركبه فأدخلوه القصر وأعلنوا ببيعته‏.‏ وقرعوا طبولهم بسور الحمراء وفر السلطان من مكانه بمتنزهه فلحق بوادي آش‏.‏ وغدا الخاصة والعامة على إسماعيل فبايعوه‏.‏ واستبد عليه هذا الرئيس ابن عمه‏.‏ثم قتله لأشهر من بيعته واستقل بسلطان الأندلس ولما لحق السلطان أبو عبد الله بوادي آش بعد مقتل حاجبه رضوان واتصل الخبر بالسلطان المولى أبي سالم امتعض لمهلك رضوان وخلع السلطان رعيا لما سلف له في جوارهم‏.‏وأزعج لحينه أبا القاسم الشريف من أهل مجلسه لاستقدامه فوصل إلى الأندلس وعقد مع أهل الدولة على إجازة المخلوع من وادي آش إلى المغرب وأطلق من اعتقالهم الوزير الكاتب أبا عبد الله بن الخطيب كانوا اعتقلوه لأول أمره لما كان رديفاً للحاجب رضوان وركنا لدولة المخلوع فأوصر المولى أبو سالم إليهم بإطلاقه فأطلقوه‏.‏ولحق الرسول أبو القاسم بسلطانه المخلوع بوادي آش للإجازة إلى المغرب وأجاز لذي القعدة من سنته‏.‏ وتم على السلطان بفاس فأجل قدومه وركب للقائه ودخل به إلى مجلس ملكه وقد احتفل بزينته وغص بالمشيخة والعلية‏.‏ووقف وزيره ابن الخطيب فأنشد السلطان قصيدته الرائية يستصرخه لسلطانه ويستحثه لمظاهرته على أمره‏.‏ واستعطف واسترحم بما أبكى الناس شفقة ورحمة‏.‏ونص القصيدة سلا هل لديها من مخبرة ذكر وهل أعشب الوادي ونم به الزهر وهل باكر الوسمي داراً على اللوا عفت آيها إلا التوهم والذكر وجوي الذي ربى جناحي وكره فها أنا ذا مالي جناح ولا وكر نبت بي لا عن جفوة وملالة ولا نسخ الوصل الهني بها هجر ولكنها الدنيا قليل متاعها ولذاتها دأباً تزور وتزور فمن لي بنيل القرب منها ودوننا مدى طال حتى يومه عندنا شهر ولله عيناً من رآنا وللأسى ضرام له في كل جانحة جمر وقد بددت در الدموع يد النوى وللبين أشجان يضيق لها الصدر بكينا على النهر السرور عشية فعاد أجاجاً بعدنا ذلك النهر أقول لأظغاني وقد غالها السرى وآنسها الحادي وأوحشها الزجر رويدك بعد العسر يسر فابشري بإنجاز وعد الله قد ذهب العسر ولله فينا سر غيب وربما أتى النفع من حال يكون بها الضر وإن تجبن الأثام لم يجبن النهى وإن تخذل الأقوام لم يخذل الصبر وإن عركت مني الخطوب مجرياً نفاقاً تساوى عنده الحلو والمر بمنتخب من آل يعقوب كلما دجا الخطب لم يكذب لعزمته فخر تناقلت الركبان طيب حديثه فلما رأته صدق الخبر

الخبر ندى لو حواه البحر لذ مذاقه ولم يتعقب مده أبداً جزر

وبأس غدا يرتاع من خوفه الردى وترفل في أذياله البتكة البكر أطاعته حتى العصم في قنن الربا وهشت إلى تأميله الأنجم الزهر قصدنا لك يا مولى الملوك على النوى لتنصفنا مما جنى عبدك الدهر كففنا بك الأيام عن غلوائها وقد رابنا منها التعسف والكبر وعدنا بذاك المجد فانصرف الردى ولذنا بذاك العز فانهزم الذعر ولما أتينا البحر يرهب موجه ذكرنا بذاك الغمر فاحتقر البحر خلافتك العظمى ومن لم يدن بها فإيمانه لغو وعرفانه نكر ووصفك يهدي المدح قصد صوابه إذا ضل في أوصاف من دونك الشعر دعتك قلوب المسلمين وأخلصت ولد طاب منها السر لله والجهر وأمنت بالسلم البلاد وأهلها فلا ضيمة تعدو ولا روعة تعرو وقد كان مولانا أبوك مصرحاً بأنك في أبنائه الولد البر وكنت حقيقاً بالخلافة بعده على الفور لكن كل شيء له قدر فأوحشت من دار الخلافة هالة أقامت زماناً لا يلوح بهما البدر ورد عليك الله حقك إذ قضى بأن تشمل النعمى وينسدل الستر وقاد إليك الملك رفقاً بخلقه وقد عدموا ركن الأمانة واضطروا وزادك بالتمحيص عزاً ورفعة وأجراً ولولا السبك ما عرف التبر وأنت الذي تدعى إذا دهم الردى وأنت الذي ترجى إذا أخلف القطر وأنت إذا جار الزمان بحكمه لك النقض والإبرام والنهي والأمر وهذا ابن نصر قد أتى وجناحه كسير ومن علياك يلتمس الجبر غريب يرجي منك ما أنت أهله فإن كنت تبغي الفخر قد جاءك الفخر فعد يا أمير المسلمين لبيعة موثقة قد حل عقدتها الغدر فإن قيل مال مالك الدثر وافر وإن قيل جيش عندك العسكر المجر يكف بك العادي ويحيا بك الهدى ويبني بك الإسلام ما هدم الكفر أعده إلى أوطانه عنك ثانياً وقلده نعماك التي ما لها حصر وعاجل قلوب الناس فيه بجبرها فقد صدهم عنه التغلب والقهر وهم يرقبون الفعل منك وصفقة تحاولها يمناك ما بعدها خسر مرامك سهل لا يؤدك كفله سوى عرض ما إن له في العلى حظر وما العمر إلا زينة مستعارة ترد ولكن الثناء هو العمر ومن باع ما يفنى بباق مخلد فقد انجح المسعى وقد ربح التجر ومن دون ما يبغيه يا مالك العلا جياد المذاكي والمحجلة الغر وراد وشقر واضحات شياتها فأجسامها تبر وأرجلها در وشهب إذا ما ضمرت يوم غارة مطهمة غارت بها الأنجم الزهر وأسد رجال من مرين أعزة عمائمها بيض وآسالها سمر وإن سمعوا العوراء فروا بأنفس حرام على هماتها في الوغى الفر وإن مدحوا اهتزوا ارتياحاً كأنهم نشاوى تمشت في معاطفهم خمر وتبسم ما بين الوشيج ثغورهم وما بين قضب الدوح يبتسم الزهر أمولاي غاضت فكرتي وتبلدت طباعي فلا طبع يعين ولا فكر ولولا حنان منك داركتني به وأحييتني لم يبق عين ولا إثر فأوجدت مني فائتاً أي فائت وأنشرت ميتاً ضم أشلاءه قبر بدأت بفضل لم أكن لعظيمه بأهل فجل اللطف وانشرح الصدر وطوقتني النعمى المضاعفة التي يقل عليها مني الحمد والشكر وأنت بتتميم الصنائع كافل إلى أن يعود العز والجاه والوقر جزاك الذي أسنى مقامك رحمة تفك بها العاني وينعش مضطر إذا نحن أثنينا عليك بمدحة فهيهات يحصى الرمل أو يحصر القطر ولكننا نأتي بما نستطيعه ومن بذل المجهود حق له العذر الصنائع‏.‏وانحفظ عليه رسم سلطانه في الموكب والرجل ولم يفقد من ألقاب ملكه إلا الآلة أدباً مع السلطان‏.‏واستقر في جملته إلى أن كان من لحاقه بالأندلس وارتجاع ملكه سنة ثلاث وستين ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن انتقاض الحسن بن عمر وخروجه بتادلا وتغلب السلطان عليه ومهلكه

لما فصل الوزير الحسن بن عمر إلى مراكش واستقر بها تأثل له بها سلطان ورياسة نفسها عليه الوزراء بمجلس السلطان وسعوا في تنكر السلطان له حتى أظلم الجو بينهما‏.‏وشعر الوزير بذلك فارتاب بمكانه وخشي بادرة السلطان على نفسه‏.‏وخرج من مراكش في شهر صفر من سنة إحدى وستين فلحق بتادلا منحرفاً عن الطاعة مرتكباً في أمره‏.‏ وتلقاه بنو جابر من جشم واعصوصبوا عليه وأجاروه‏.‏وجهز السلطان عساكره إلى حربه وعقد عليها لوزيره الحسن بن يوسف وسرحه إليه فاحتل بتادلا‏.‏ولحق الحسن بن عمر بالجبل واعتصم به مع حسين بن علي الورديغي كبيرهم‏.‏وأحاطت بهم العساكر وأخذوا بمخنقهم‏.‏ وداخل الوزير بعض أهل الجبل من صناكة في الثورة بهم‏.‏ وسرب إليهم المال فثاروا بهم وانفض جمعهم‏.‏وتقبض على الحسن بن عمر وقادوه برفته إلى عسكر السلطان فاعتقله الوزير وانكفأ راجعاً إلى الحضرة وقدم به على السلطان في يوم مشهود استركب السلطان فيه العسكر‏.‏وجلس ببرج الذهب مقعده من ساحة البلد لاعتراض عساكره‏.‏ وحمل الحسن بن عمر على جمل طائف به بين أهل ذلك المحشر‏.‏وقرب إلى المجلس فأومأ إلى تقبيل الأرض فوق جمله وركب السلطان إلى قصره‏.‏ وانفض الجميع وقد شهدوا عبرة من عبر الدنيا‏.‏ ودخل السلطان قصره واقتعد أريكته واستدعى خاضته وجلساءه‏.‏ وأحضره فوبخه وقرر عليه مرتكبه فتلوى بالمعاذير وفزع إلى الإنكار‏.‏حضرت يومئذ هذا المجلس فيمن حضره من العلية والخاصة فكان مقاماً تسيل فيه العيون رحمة وعبرة‏.‏ثم أمر به السلطان فسحب على وجهه ونتفت لحيته وضرب بالعصا‏.‏ وتل إلى محبسه وقتل لليال من اعتقاله قعصاً بالرماح بساحة البلد‏.‏ وصلب شلوه بسور البلد عند باب المحروق وأصبح مثلاً في الآخرين‏.‏

الخبر عن وفد السودان وهديتهم وإغرابهم فيها بالزرافة

كان السلطان أبو الحسن لما أهدى إلى ملك السودان منسا سليمان بن منسا موسى هديته المذكورة في خبره اعتمل في مكافأته وجمع لمهاداته من طرف أرضه وغرائب بلاده‏.‏وهلك السلطان أبو الحسن خلال ذلك‏.‏ ووصلت الهدية إلى أقصى تخومهم من والأتن‏.‏ هلك منسا سليمان قبل وصولها‏.‏ واختلف أهل مالي وافترق ملكهم‏.‏ وتواثب ملوكهم على الأمر وقتل بعضهم بعضاً‏.‏وشغلوا بالفتنة حتى قام فيهم منسا جاطه واستوسق له أمرهم ونظر في أعطاف ملكه‏.‏وأخبر بشأن الهدية وأخبر أنها بوالاتن فأمر بإنفاذها إلى ملك المغرب‏.‏ وضم إليها الزرافة الحيوان الغريب الشكل العظيم الهيكل المختلف الشبه بالحيوانات‏.‏ وفصلوا بها من بلادهم فوصلوا إلى فاس في صفر من سنة اثنتين وستين‏.‏ وكان يوم وفادتهم يوماً مشهوداً جلس لهم السلطان ببرج الذهب مجلس العرض‏.‏ونودي في الناس بالبروز إلى الصحراء فبرزوا ينسلون من كل حدب حتى غص بهم الفضاء وركب بعضهم بعضاً في الازدحام على الزرافة إعجابا بخلقها‏.‏ وأنشد الشعراء في عرض المدح والتهنية ووصف الحال‏.‏وحضر الوفد بين يدي السلطان وأدوا رسالاتهم بتأكيد الود والمخالصة والعذر عن إبطاء الهدية بما كان من اختلاف أهل مالي وتواثبهم على الأمر وتعظيماً سلطانهم وما صاروا إليه والترجمان يترجم عنهم وهم يصدقونه بالنزع في أوتار قسيهم عادة معروفة لهم‏.‏ وحيوا السلطان يحثون التراب على رؤوسهم على سنة ملوك العجم‏.‏ ثم ركب السلطان وانفض ذلك المجلس وقد طار به الذكر‏.‏واستقر ذلك الوفد في إيالة السلطان وتحت جرايته وهلك السلطان قبل انصرافهم فوصلهم القائم بالأمر من بعده‏.‏ وانصرفوا إلى مراكش وأجازوا منها إلى ذوي حسان عرب السوس من المعقل المتصلين ببلادهم‏.‏

الخبر عن حركة السلطان إلى تلمسان واستيلائه عليها

وإيثار أبي زيان حافد أبي تاشفين بملكها‏.‏ وما كان مع ذلك من صرف أمراء الموحدين إلى بلدهم لما استقل السلطان بملك المغرب سنة ستين كما ذكرناه وكان العامل على درعة عبد الله بن مسلم الزردالي من أخلاف بني عبد الواد وشيعة آل زيان اصطنعه السلطان أبو الحسن عند تغلبه على تلمسان‏.‏ واستعمله ابنه أبو عنان بعد ذلك على بلاد درعة كما ذكرناه‏.‏وتولى المكر بأبي الفضل ابن السلطان أبي الحسن حين خروجه على أخيه السلطان أبي عنان بجبل ابن حميدي فارتاب عند استقلال المولى أبي سالم بالأمر‏.‏وخشي بادرته لما نابهم من حقده عليه بسبب أخيه أبي الفضل لما بينهما من لحمة الاغتراب فداخل بطانة له من عرب المعقل واحتمل ذخائره وأمواله وأهله وقطع القفر والى تلمسان‏.‏ولحق بالسلطان أبي حمو آخر سنة ستين فنزل منه خير نزل‏.‏وعقد له لحين وصوله على وزارته وبإهابه وبمكانه‏.‏ وفوض إليه في التدبير والحال والعقد‏.‏وشمر هو عن ساعده في الخدمة‏.‏ وجاجأ بعرب المعقل من مواطنيهم رغبة في ولايته وإيثاراً لمكانه من الدولة‏.‏ ورهبة من السلطان بالمغرب لما كانوا ارتكبوه من مواقفة بني مرين كرة بعد أخرى فاستقروا بتلمسان وانحاشوا جميعاً إلى بني عبد الواد‏.‏وبعث السلطان إلى أبي حمو في شأن عاملهم عبد الله بن مسلم فلم يرجع له جواباً عنه‏.‏وحظر عليه ولاية المعقل أهل وطنه فلج في شأنهم فأجمع السلطان أمره على النهوض إليه‏.‏واضطرب معسكره بساحة البلد وفتح ديوان العطاء‏.‏ ونادى في الناس بالنفير إلى تلمسان وأزاح العلل‏.‏وبعث الحاشرين من وزرائه إلى مراكش فتوافت حشود الجهات ببابه وفصل من فاس في جمادى من سنة إحدى وستين‏.‏وجمع أبو حمو في إيالته وعلى التشيع لدولته من زنانة والعرب من بني عامر والمعقل كافة ما عدا العمارنة كان أميرهم الزبير بن طلحة متحيزاً إلى السلطان‏.‏ وأجفلوا عن تلمسان وخرجوا إلى الصحراء‏.‏ ودخل السلطان إلى تلمسان ثالث رجب‏.‏وخالفه أبو حمو وأشياعه إلى المغرب فنزلوا كرسيف بلد ونزمار بن عريف وخربوه‏.‏واكتسحوا ما وجدوا فيه حنقاً على ونزمار وقومه بولاية بني مرين‏.‏ وتخطوا إلى وطاط فعاثوا في نواحيه‏.‏ وانقلبوا إلى أنكاد‏.‏ وبلغ السلطان خبرهم فتلافى أمر المغرب‏.‏وعقد على تلمسان لحافد من حفدة السلطان أبى تاشفين كان ربي في حجرهم وتحت كفالة نعمتهم وهو أبو زيان محمد بن عثمان وشهرته بالفتى‏.‏ وأنزله بالقصر القديم من تلمسان وعسكر عليه زناتة الشرق كلهم‏.‏واستوزر له ابن عمته عمر بن محمد بن إبراهيم بن مكن ومن أبناء وزرائهم سعيد بن موسى بن علي وأعطاه عشرة أحمال‏.‏ من المال دنانير ودراهم‏.‏ ودفع إليه الآلة‏.‏وذكر حينئذ لمولانا السلطان أبي العباس سوابقه وإيلافه في المنزل الخشن فنزل له عن محل إمارته قسنطينة‏.‏وصرف أيضاً المولى أبا عبد الله صاحب بجاية لاسترجاع بلده بجاية فعقد لهما بذلك وحملهما‏.‏وخلع عليهما وأعطاهما حملين من المال‏.‏وكانت بجاية لذلك العهد قد تغلب عليها عمهم المولى أبو إسحاق إبراهيم صاحب تونس فكتب إلى عاملهم على قسنطينة منصور بن الحاج خلوف أن ينزل عن بلده لمولانا السلطان أبي العباس ويمكنه منها‏.‏وودع هؤلاء الأمراء وانكفأ راجعاً إلى حضرته لسد ثغور المغرب وحسم داء العدوة فدخل فاس في شعبان من سنته‏.‏ولم يلبث أن رجع أبو زيان على أثره بعد أن أجفل عن تلمسان ولحق بوانشريش‏.‏ وتغلب عليه أبو حمو وفض جموعه فلحق بالسلطان‏.‏ واستقل أبو حمو بملك تلمسان‏.‏ وبعث في السلم إلى السلطان فعقد له من ذلك ما رضيه كما نذكره‏.‏

الخبر عن مهلك السلطان أبي سالم

واستيلاء حمو بن عبد الله علي ملك المغرب‏.‏ ونصبه للملوك واحدا بعد آخر إلى أن هلك كان السلطان قد غلب على هواه الخطيب أبو عبد الله بن مرزوق وكان من خبره أن سلفه من أهل رباط الشيخ أبي مدين وكان جده قائماً على خدمة قبره ومسجده واتصل القيام على هذا الرباط في عقبه‏.‏ وكان جده الثالث محمد معروفاً بالولاية‏.‏ ولما مات دفنه يغمراسن بالقصر القديم ليجاوره بجدثه تبركاً به‏.‏ وكان ابنه أحمد أبو محمد هذا قد ارتحل إلى المشرق‏.‏ وجاور الحرمين إلى أن هلك وربي محمد ابنه بالمشرق ما بين الحجاز ومصر‏.‏ وقفل إلى المغرب بعد أن شدا شيئاً في الطلب وتفقه على أولاد الإمام‏.‏ ولما ابتنى السلطان أبو الحسن مسجد العباد ولاه الخطابة به وسمعه يخطب على المنبر وقد أحسن في ذكره والدعاء له فحلي بعينه واستخلصه لنفسه وأحله محل القرب من مجلسه‏.‏ وجعله خطيباً حيث يصلي في مساجد المغرب وسفر عنه إلى الملوك‏.‏ولما كانت نكبة القيروان خلص إلى المغرب واستقر برباط العباد محل سلفه بعد أحوال أضربنا عن ذكرها اختصاراً‏.‏ولما خلص السلطان إلى الجزائر داخله أبو سعيد صاحب تلمسان في السفارة عنه إلى السلطان أبي الحسن وإصلاح بينهما فسار لذلك‏.‏ ونقمه أبو ثابت وبنو عبد الواد ونكروه على سلطانهم‏.‏وسرحوا صغير بن عامر في اتباعه فتقبض عليه وأودعه المطبق‏.‏ثم شخصوه بعد حين إلى الأندلس فاتصل بأبي الحجاج صاحب غرناطة‏.‏ وولاه ظابته ولما اشتهر به من إجادة الخطبة للملوك بزعمهم‏.‏ وألف السلطان أبا سالم في مثوى غربته من غرناطة وشاركه عند أبي الحجاج في مهماته‏.‏ ولما نزل بجبال غمارة داخل بني مرين والوزراء في القيام بدعوته‏.‏وكان له في ذلك مقام محمود فرعى السلطان وسائله وموالاته القديمة والحادثة إلى مقامه عند أبيه‏.‏ فلما استوسق له ملك المغرب اختصه بولايته وألقى عليه محبته وعنايته‏.‏ وكان مؤامره ونجي خلوته والغالب على هواه فانصرفت إليه الوجوه وخضعت له الرقاب ووطئ عتبته الأشراف والوزراء وعكف على بابه القواد والأمراء وصار زمام الدولة بيده‏.‏ وكان يتجافى عن ذلك أكثر أوقاته حذراً من المغبة‏.‏ ويزجر من يتعرض له في الشكاية ويردهم إلى أصحاب المراتب والخطط بباب السلطان وهم يعلمون أنه قد ضرب على أيديهم فنقموا ذلك عليه وسخطوا الدولة من أجله‏.‏ ومرضت قلوب أهل الحل والعقد من تقدمه‏.‏ ونفس عليه الوزراء ما تعين له عند السلطان من الحظ فتربصوا بالدولة‏.‏ وشمل هذا الداء الخاصة والعامة‏.‏وكان عمر بن عبد الله بن علي لما هلك أبوه الوزير عبد الله بن علي في جمادى سنة ستين عند استيلاء السلطان على ملكه تجلت شفاه الدولة إلى تراثه‏.‏وكان مثرياً فاستجار منهم بابن مرزوق وساهمه من تراث أبيه بعد أن حملوا السلطان على النبل منه والإهانة به فأجاره منهم‏.‏ ورفع عند السلطان رتبته وحمله على الإصهار إليه بأخته‏.‏ وقلده السلطان أمانة البلد الجديد دار ملكه متى عنت له الرحلة عنها‏.‏ وأصهر عمر إلى وزير الدولة مسعود بن ماساي تسكيناً لغربه واستخلاصا لمودته‏.‏ وسفر عن السلطان إلى صاحب تلمسان في شعبان من سنة اثنتين وستين‏.‏ ونمي عنه أنه داخل صاحب تلمسان في بعض المكر فهم بنكبته وقتله‏.‏ ودافع عنه ابن مرزوق فخلص من عقابه‏.‏ وطوى من ذلك على النث وتربص الدولة‏.‏ وأعيد إلى مكانه من الأمانة على دار الملك أول ذي القعدة مرجعه من تلمسان لما كان السلطان قد تحول عنها إلى القصبة بفاس واختط إيواناً فخماً لجلوسه بها لصق قصوره متعنياً الأبردين‏.‏ فلما استولى عمر على دار الملك حدثته نفسه بالتوثب‏.‏وسول له ذلك ما اطلع عليه من مرض القلوب والنكير على الدولة بمكان ابن مرزوق من السلطان فداخل قائد جند النصارى غرسية بن أنطون‏.‏ وتعدوا لذلك ليلة الثلاثاء لسبع عشرين ذي القعدة سنة اثنتين وستين‏.‏وخلصوا إلى تاشفين الموسوس ابن السلطان أبي الحسن بمكانه من البلد الجديدة فخلعوا عليه وألبسوه شارة الملك‏.‏ وقربوا له مركبة وأخرجوه إلى أريكة السلطان فأقعدوه عليها‏.‏ وأكرهوا شيخ الحامية والناشبة محمد بن الزرقاء على البيعة له‏.‏ وجهروا بالخلعان وقرعوا الطبول ودخلوا إلى مودع المال فأفاضوا العطاء من غير تقدير ولا حسبان‏.‏وماج أهل البلد الجديد من الجند بعضهم في بعض واختطفوا ما وصل إليهم من العطاء‏.‏وانتهبوا ما كان بالمخازن الخارجة من السلع والعدة‏.‏ وأضرموا النار في بيوتها ستراً على ما ضاع منها‏.‏ وأصبح السلطان بمكانه من القصبة فركب واجتمع إليه من حضر من الأولياء والقبائل‏.‏وغدا على البلد الجديد وطاف بها يروم فيها منفذاً فاستصعبت واضطرب معسكره بكدية العرايس لحصارها‏.‏ ونادى في الناس بالاجتماع إليه‏.‏ونزل عند قائلة الهاجرة بفسطاطه فتسايل الناس عنه إلى البلد الجديد فوجاً بعد فوج بمرأى منه إلى أن سار إليها أهل خاصته ومجلسه فطلب النجاة بنفسه وركب في لمة من الفرسان مع وزرائه مسعود بن رحو وسليمان بن داود ومقدم الموالي والجند ببابه سليمان بن ونصار‏.‏وأذن لابن مرزوق في الدخول إلى داره ومضى على وجهه‏.‏ ولما غشيهم الليل انفضوا عنه‏.‏ورجع الوزيران إلى دار الملك فتقبض عليهما عمر بن عبد الله ومساهمه غرسية بن أنطون واعتقلاهما متفرقين‏.‏وأشخص علي بن مهدي بن يرزيجن في طلب السلطان فعثر عليه نائماً في بعض المجاشر بوادي ورغة وقد نزع عنه لباسه اختفاء بشخصه‏.‏ وتوارى عن العيون بمكانه فتقبض عليه وحمله على بغل‏.‏ وطير بالخبر إلى عمر بن عبد الله فأزعج لتلقيه شعيب بن ميمون بن داود وفتح الله بن عامر بن فتح الله‏.‏وأمرهما بقتله وإنفاذ رأسه فلقياه بخندق القصب وراء كدية العرائس‏.‏ وأمرا بعض جند النصارى أن يتولى ذبحه‏.‏ وحمل رأسه في مخلاة فوضعه بين يده الوزير والمشيخة‏.‏ واستقل عمر بالأمر ونصب الموسوس تاشفين يموه به على الناس‏.‏ وجرت الأمور إلى غايتها‏.‏ ولكل أجل كتاب‏.‏

الخبر عن الفتكة بابن أنطون قائد العسكر من النصارى

ثم خروج يحيي بن رحو وبني مرين عن الطاعة لما تقبض عمر بن عبد الله على الوزير جعل معتقل سليمان بن داود بدار غرسية قائد النصارى ومعتقل ابن ماساي بداره صيانة عن الامتهان لمكان صهره ولما كان يؤمل منه من الاستظهار على أمره بعصابته من الأبناء والأخوة والقرابة‏.‏وكان غرسية بن أنطون صديقاً لسليمان بن ونصار‏.‏ فلما رجح عن السلطان ليلة انفضاضهم نزل عليه وكان يعاقره الخمر فباثه شجوه وتفاوضاً في اغتيال عمر وإقامة معتقله سليمان بن داود في الوزارة بما هو عليه من السن ورسوخ القدم في الأمر‏.‏ونمي إلى عمر الخبر فارتاب وكان خلواً من العصابة ففزع إلى القائد الموكب السلطاني من الرجل الأندلسيين يومئذ إبراهيم البطروحي فباثه أمره وبايعه على الاستماتة دونه‏.‏ثم استقل عصابتهم ففزع إلى يحيى بن رحو شيخ بني مرين وصاحب شوراهم فشكا إليه فأشكاه ووعده الفتك بابن أنطون وأصحابه‏.‏وانبرم عقد ابن أنطون وسليمان بن ونصار على شأنهم وغدوا إلى القصر‏.‏وأدخل ابن أنطون طائفة من النصارى للاستظهار بهم‏.‏ولما توافت بنو مرين بمجلس السلطان على عادتهم وطعموا دعا عمر بن عبد الله القائد ابن أنطون بين يدي يحيى بن رحو وقد أحضر البطروحي رجل الأندلسيين فسأله تحويل سليمان بن داود من داره إلى السجن فأبى وضن به عن الإهانة ينال مثلها من ابن ماساي صاحبه فأمر عمر بن عبد الله بالتقبض عليه فكشر في وجوه الرجال واخترط سكينه للمدافعة فتواثب به بنو مرين وقتلوه لحينه‏.‏واستلحموا من وجدوا بالدار من جند النصارى بعد جولة‏.‏وفروا إلى معسكرهم ويعرف بالملاح جوار البلد الجديد‏.‏ وأرجف الغوغاء بالمدينة أن ابن أنطون غدر بالوزيرة فقتل جند النصارى حيث وجدوا من سكك المدينة‏.‏ وتزاحفوا إلى الملاح لاستلحام من به من الجند‏.‏وركب بنو مرين لحماية جندهم من معرة الغوغاء‏.‏ وانتهب يومئذ الكثير من أموالهم وأمتعتهم وقتل النصارى كثيراً من المجان كانوا يعاقرون الخمر بالملاح‏.‏ واستبد عمر بالدار واعتقل سليمان بن ونصار إلى الليل وبعث من قتله بمحبسه‏.‏وحول سليمان بن داود إلى بعض الدور بدار الملك واعتقله بها واستولى على أمره‏.‏ورجع في الشورى إلى يحيى بن رخو واعصوصب بنو مرين عليه واعتز على الوزراء والدولة‏.‏ وكان عدوا لخاصة السلطان أبي سالم حريصاً على قتلهم‏.‏ وكان عمر يريد استبقاءهم لما أمله في ابن ماساي فاختلفت أهواؤهما‏.‏وتبين ليحيى بن رحو والمشيخة صاغيته إلى ابن ماساي فخشنت صدورهم عليه ودبروا في شأنه وخاطب هو عامر بن محمد باتصال اليد واقتسام ملك المغرب‏.‏وبعث إليه بأبي الفضل ابن السلطان أبي سالم اعتده عنده وليجة لخلاصه من ربقة الحصار الذي هم به مشيخة بني مرين‏.‏ وكان أبو الفضل هذا بالقصبة تحت الرقبة والأرصاد‏.‏فتفقد من مكانه‏.‏ وأغلظ المشيخة في العتب لعمر على ذلك فلم يستعتب‏.‏ونبذ إليهم العهد وامتنع بالبلد الجديد ومنعهم من الدخول إليه فاعصوصبوا على كبيرهم يحيى بن رحو وعسكروا بباب الفتوح‏.‏ وجاءوا بعبد الحليم ابن السلطان أبي علي‏.‏ وكان من خبرهم معه ما نذكره‏.‏ وأطلق عمر ببن عبد الله مسعود بن ماساي من محبسه وسرحه إلى مراكش وواعدوه في الأجلاب عليهم أن حاصروه كما نذكر‏.‏

الخبر عن وصول عبد الحليم ابن السلطان أبي علي من تلمسان

وحصار البلد الجديد كان السلطان أبو الحسن لما قتل أخاه الأمير أبا علي وقضى الحق الذي له في دمه عمل بالحق الذي عليه في ولده وحرمه فكفلهم وأغذاهم نعمته‏.‏ وساواهم بولده في كافة شؤونهم وأنكح ابنته تاحضريت العزيزة عليه علياً منهم المكنى بأبي يفلوسن‏.‏ونزع عنه وهو بالقيروان أيام النكبة ولحق بالعرب‏.‏ وأجلب معهم على السلطان بالقيروان وتونس‏.‏ ثم انصرف من إفريقية ولحق بتلمسان‏.‏ونزل على سلطانها أبي سعيد عثمان بن عبد الرحمن فبوأه كرامته‏.‏ ثم شرع في الإجازة إلى الأندلس‏.‏ وبعث فيه السلطان أبو عنان قبل فصوله فأشخصوه إليه فاعتقله‏.‏ ثم أحضره ووبخه على مرتكبه مع السلطان أبي الحسن وجحده حقه ثم قتله لليلتين من شهور إحدى وخمسين‏.‏ ولما هلك السلطان أبو الحسن ولحقت جملته من الخاصة والأبناء بالسلطان أبي عنان وأشخص إخوته إلى الأندلس لشخص معهم ولد الأمير أبي علي هؤلاء عبد الحليم وعبد المؤمن والمنصور والناصر وسعيد ابن أخيهم أبي زيان فاستقروا بالأندلس في جوار ابن الأحمر‏.‏ثم طلب أبو عنان إشخاصهم بعد كما طلب إشخاص أخيه فأجارهم ابن الأحمر جميعاً وامتنع من إسلامهم إليه‏.‏ وكان من المغاضبة لذلك ما قدمناه‏.‏ ولما اعتقل السلطان أبو سالم الأبناء المرشحين برندة كما قدمناه نزع منهم عبد الرحمن بن علي أبي يفلوسن إلى غرناطة فلحق بأعمامه‏.‏وكان السلطان أبو سالم ضجراً بمكانهم مستريباً بشأنهم حتى لقد قتل محمد بن أبي يفلوسن ابن أخته تاحضريت وهو في حجرها وحجره استرابة بما نمي عنه‏.‏ولما أجاز أبو عبد الله المخلوع ابن أبي الحجاج إلى المغرب ونزل عليه وصار إلى إيالته رأى أنه قد ملك أمره في هؤلاء المرشحين بغرناطة‏.‏وراسل الرئيس محمد بن إسماعيل عند توثبه على الأمر واستلحامه أبناء السلطان أبي الحجاج فراسله في اعتقالهم على أن يمسك المخلوع عن التهامه ويقبض عنانه عن الهوى عليه فاعتقلهم‏.‏ ثم فسد ما بين الرئيس والطاغية‏.‏ وزحف إليهم والتهم كثيراً من حصون المسلمين‏.‏وبعث إلى السلطان أبي سالم في أن يخلي سبيل المخلوع إليه فامتنع وفاء للرئيس‏.‏ثم دافع الطاغية عن ثغوره بإسعاف طلبه فجهز المخلوع وملأ حقائبه صلات وأعطاه الآلة‏.‏وأوعز إلى أسطوله بسبتة فجهز وبعث علال بن محمد ثقة إليه فأركبه الأسطول وركب معه إلى الطاغية‏.‏ وخلص

الخبر إلى الرئيس بمكانه من سلطان غرناطة

وكان أبو حمو صاحب تلمسان يراسله في أولاد أبي علي‏.‏ وأن يجهزهم إليه ليجدهم زبوناً على السلطان أبي سالم فبادر لحينه وأطلقهم من مكان اعتقالهم وأركب عبد الحليم وعبد المؤمن وعبد الرحمن ابن أخيهما على أبي يفلوسن في الأسطول‏.‏وأجازهم إلى هنين بين يدي مهلك السلطان أبي سالم فنزلوا من صاحب تلمسان بأعز جوار‏.‏ونصب عبد الحليم منهم لملك المغرب‏.‏وكان محمد السبيع بن موسى بن إبراهيم نزع عن عمر ولحق بتلمسان فتوافى معهم وأخبرهم بمهلك السلطان وبايع له وأغراه بالدخلة إلى المغرب ثم تتابعت رسل بني مرين بمثلها فسرحه أبو حمو وأعطاه الآلة واستوزر له محمد السبيع وارتحل معه يغذان السير‏.‏ولقيه بطريقه محمد بن زكدان من أولاد علي من شيوخ بني ونكاسن أهل دبدو ثغر المغرب منذ دخول بني مرين إليه فبايعه وحمل قومه على طاعته وأغذ السير وكان يحيى بن رخو والمشيخة لما نبذ عمر بن عبد الله إليهم العهد وعسكروا بباب الفتوح أوفدوا مشيخة منهم على تلمسان لاستقدام السلطان عبد الحريم فوافوه بتازى ورجعوا معه‏.‏وتلقته جماعة بني مرين بسبو‏.‏ونزلوا على البلد الجديد يوم السبت سابع محرم من سنة ثلاث وستين وأضربوا معسكرهم بكدية العرائس‏.‏وغادوا البلد بالقتال وراوحوها سبعة أيام وبيعات الأمصار توافيهم والحشود تسايل إليهم‏.‏ثم إن عمر بن عبد الله برز من السبت القابل في مقدمة السلطان أبي عمر بمن معه من الجند المسلمين والنصارى رامحة وناشبة‏.‏ووكل السلطان من جاذبه في الساقة على التعبية المحكمة‏.‏وناشبهم الحرب فدلفوا إليه فاستطردهم ليتمكن الناشبة من عقرهم من الأسوار حتى فشت فيهم الجراحات‏.‏ ثم صمم نحوهم فانفرج القلب وانفضت الجموع‏.‏ وزحف السلطان في الساقة فانذعروا في الجهات‏.‏ وافترق بنو مرين إلى مواطنهم‏.‏ ولحق يحيى بن رحو بمراكش مع مبارك بن إبراهيم شيخ الخلط‏.‏ولحق عبد الحليم وإخوته بتازى بعد أن شهد لهم أهل المقام بصدق الجلاد وحسن البلاء في ذلك المجال وصابر عمر بن عبد الله أمره ينتظر قدوم محمد بن أبي عبد الرحمن كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-08-2011, 01:31 PM
الخبر عن خلع ابن الأحمر صاحب غرناطة ومقتل رضوان

ومقدمه على السلطان لما هلك السلطان أبو الحجاج سنة خمس وخمسين ونضب ابنه محمد للأمر واستبد عليه رضوان مولى أبيه وكان قد رشح ابنه الأصغر إسماعيل بما ألقى عليه وعلى أمه من محبته‏.‏فلما عدلوا بالأمر عنه حجبوه ببعض قصورهم وكان له صهر من ابن عمه محمد بن إسماعيل ابن الرئيس أبي سعيد في شقيقه فكان يدعوه سراً إلى القيام بأمره حتى أمكنته فرصة في الدولة فخرج السلطان إلى بعض متنزهاته برياضه فصعد سور الحمراء ليلة سبع وعشرين لرمضان من سنة ستين في أوشاب جمعهم من الطغام لثورته‏.‏ وعمد إلى دار الحاجب رضوان فاقتحم عليه الدار وقتله بين حرمه وبناته‏.‏وقربوا إلى إسماعيل فرسه وركبه فأدخلوه القصر وأعلنوا ببيعته‏.‏ وقرعوا طبولهم بسور الحمراء وفر السلطان من مكانه بمتنزهه فلحق بوادي آش‏.‏ وغدا الخاصة والعامة على إسماعيل فبايعوه‏.‏ واستبد عليه هذا الرئيس ابن عمه‏.‏ثم قتله لأشهر من بيعته واستقل بسلطان الأندلس ولما لحق السلطان أبو عبد الله بوادي آش بعد مقتل حاجبه رضوان واتصل الخبر بالسلطان المولى أبي سالم امتعض لمهلك رضوان وخلع السلطان رعيا لما سلف له في جوارهم‏.‏وأزعج لحينه أبا القاسم الشريف من أهل مجلسه لاستقدامه فوصل إلى الأندلس وعقد مع أهل الدولة على إجازة المخلوع من وادي آش إلى المغرب وأطلق من اعتقالهم الوزير الكاتب أبا عبد الله بن الخطيب كانوا اعتقلوه لأول أمره لما كان رديفاً للحاجب رضوان وركنا لدولة المخلوع فأوصر المولى أبو سالم إليهم بإطلاقه فأطلقوه‏.‏ولحق الرسول أبو القاسم بسلطانه المخلوع بوادي آش للإجازة إلى المغرب وأجاز لذي القعدة من سنته‏.‏ وتم على السلطان بفاس فأجل قدومه وركب للقائه ودخل به إلى مجلس ملكه وقد احتفل بزينته وغص بالمشيخة والعلية‏.‏ووقف وزيره ابن الخطيب فأنشد السلطان قصيدته الرائية يستصرخه لسلطانه ويستحثه لمظاهرته على أمره‏.‏ واستعطف واسترحم بما أبكى الناس شفقة ورحمة‏.‏ونص القصيدة سلا هل لديها من مخبرة ذكر وهل أعشب الوادي ونم به الزهر وهل باكر الوسمي داراً على اللوا عفت آيها إلا التوهم والذكر وجوي الذي ربى جناحي وكره فها أنا ذا مالي جناح ولا وكر نبت بي لا عن جفوة وملالة ولا نسخ الوصل الهني بها هجر ولكنها الدنيا قليل متاعها ولذاتها دأباً تزور وتزور فمن لي بنيل القرب منها ودوننا مدى طال حتى يومه عندنا شهر ولله عيناً من رآنا وللأسى ضرام له في كل جانحة جمر وقد بددت در الدموع يد النوى وللبين أشجان يضيق لها الصدر بكينا على النهر السرور عشية فعاد أجاجاً بعدنا ذلك النهر أقول لأظغاني وقد غالها السرى وآنسها الحادي وأوحشها الزجر رويدك بعد العسر يسر فابشري بإنجاز وعد الله قد ذهب العسر ولله فينا سر غيب وربما أتى النفع من حال يكون بها الضر وإن تجبن الأثام لم يجبن النهى وإن تخذل الأقوام لم يخذل الصبر وإن عركت مني الخطوب مجرياً نفاقاً تساوى عنده الحلو والمر بمنتخب من آل يعقوب كلما دجا الخطب لم يكذب لعزمته فخر تناقلت الركبان طيب حديثه فلما رأته صدق الخبر

الخبر ندى لو حواه البحر لذ مذاقه ولم يتعقب مده أبداً جزر

وبأس غدا يرتاع من خوفه الردى وترفل في أذياله البتكة البكر أطاعته حتى العصم في قنن الربا وهشت إلى تأميله الأنجم الزهر قصدنا لك يا مولى الملوك على النوى لتنصفنا مما جنى عبدك الدهر كففنا بك الأيام عن غلوائها وقد رابنا منها التعسف والكبر وعدنا بذاك المجد فانصرف الردى ولذنا بذاك العز فانهزم الذعر ولما أتينا البحر يرهب موجه ذكرنا بذاك الغمر فاحتقر البحر خلافتك العظمى ومن لم يدن بها فإيمانه لغو وعرفانه نكر ووصفك يهدي المدح قصد صوابه إذا ضل في أوصاف من دونك الشعر دعتك قلوب المسلمين وأخلصت ولد طاب منها السر لله والجهر وأمنت بالسلم البلاد وأهلها فلا ضيمة تعدو ولا روعة تعرو وقد كان مولانا أبوك مصرحاً بأنك في أبنائه الولد البر وكنت حقيقاً بالخلافة بعده على الفور لكن كل شيء له قدر فأوحشت من دار الخلافة هالة أقامت زماناً لا يلوح بهما البدر ورد عليك الله حقك إذ قضى بأن تشمل النعمى وينسدل الستر وقاد إليك الملك رفقاً بخلقه وقد عدموا ركن الأمانة واضطروا وزادك بالتمحيص عزاً ورفعة وأجراً ولولا السبك ما عرف التبر وأنت الذي تدعى إذا دهم الردى وأنت الذي ترجى إذا أخلف القطر وأنت إذا جار الزمان بحكمه لك النقض والإبرام والنهي والأمر وهذا ابن نصر قد أتى وجناحه كسير ومن علياك يلتمس الجبر غريب يرجي منك ما أنت أهله فإن كنت تبغي الفخر قد جاءك الفخر فعد يا أمير المسلمين لبيعة موثقة قد حل عقدتها الغدر فإن قيل مال مالك الدثر وافر وإن قيل جيش عندك العسكر المجر يكف بك العادي ويحيا بك الهدى ويبني بك الإسلام ما هدم الكفر أعده إلى أوطانه عنك ثانياً وقلده نعماك التي ما لها حصر وعاجل قلوب الناس فيه بجبرها فقد صدهم عنه التغلب والقهر وهم يرقبون الفعل منك وصفقة تحاولها يمناك ما بعدها خسر مرامك سهل لا يؤدك كفله سوى عرض ما إن له في العلى حظر وما العمر إلا زينة مستعارة ترد ولكن الثناء هو العمر ومن باع ما يفنى بباق مخلد فقد انجح المسعى وقد ربح التجر ومن دون ما يبغيه يا مالك العلا جياد المذاكي والمحجلة الغر وراد وشقر واضحات شياتها فأجسامها تبر وأرجلها در وشهب إذا ما ضمرت يوم غارة مطهمة غارت بها الأنجم الزهر وأسد رجال من مرين أعزة عمائمها بيض وآسالها سمر وإن سمعوا العوراء فروا بأنفس حرام على هماتها في الوغى الفر وإن مدحوا اهتزوا ارتياحاً كأنهم نشاوى تمشت في معاطفهم خمر وتبسم ما بين الوشيج ثغورهم وما بين قضب الدوح يبتسم الزهر أمولاي غاضت فكرتي وتبلدت طباعي فلا طبع يعين ولا فكر ولولا حنان منك داركتني به وأحييتني لم يبق عين ولا إثر فأوجدت مني فائتاً أي فائت وأنشرت ميتاً ضم أشلاءه قبر بدأت بفضل لم أكن لعظيمه بأهل فجل اللطف وانشرح الصدر وطوقتني النعمى المضاعفة التي يقل عليها مني الحمد والشكر وأنت بتتميم الصنائع كافل إلى أن يعود العز والجاه والوقر جزاك الذي أسنى مقامك رحمة تفك بها العاني وينعش مضطر إذا نحن أثنينا عليك بمدحة فهيهات يحصى الرمل أو يحصر القطر ولكننا نأتي بما نستطيعه ومن بذل المجهود حق له العذر الصنائع‏.‏وانحفظ عليه رسم سلطانه في الموكب والرجل ولم يفقد من ألقاب ملكه إلا الآلة أدباً مع السلطان‏.‏واستقر في جملته إلى أن كان من لحاقه بالأندلس وارتجاع ملكه سنة ثلاث وستين ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن انتقاض الحسن بن عمر وخروجه بتادلا وتغلب السلطان عليه ومهلكه

لما فصل الوزير الحسن بن عمر إلى مراكش واستقر بها تأثل له بها سلطان ورياسة نفسها عليه الوزراء بمجلس السلطان وسعوا في تنكر السلطان له حتى أظلم الجو بينهما‏.‏وشعر الوزير بذلك فارتاب بمكانه وخشي بادرة السلطان على نفسه‏.‏وخرج من مراكش في شهر صفر من سنة إحدى وستين فلحق بتادلا منحرفاً عن الطاعة مرتكباً في أمره‏.‏ وتلقاه بنو جابر من جشم واعصوصبوا عليه وأجاروه‏.‏وجهز السلطان عساكره إلى حربه وعقد عليها لوزيره الحسن بن يوسف وسرحه إليه فاحتل بتادلا‏.‏ولحق الحسن بن عمر بالجبل واعتصم به مع حسين بن علي الورديغي كبيرهم‏.‏وأحاطت بهم العساكر وأخذوا بمخنقهم‏.‏ وداخل الوزير بعض أهل الجبل من صناكة في الثورة بهم‏.‏ وسرب إليهم المال فثاروا بهم وانفض جمعهم‏.‏وتقبض على الحسن بن عمر وقادوه برفته إلى عسكر السلطان فاعتقله الوزير وانكفأ راجعاً إلى الحضرة وقدم به على السلطان في يوم مشهود استركب السلطان فيه العسكر‏.‏وجلس ببرج الذهب مقعده من ساحة البلد لاعتراض عساكره‏.‏ وحمل الحسن بن عمر على جمل طائف به بين أهل ذلك المحشر‏.‏وقرب إلى المجلس فأومأ إلى تقبيل الأرض فوق جمله وركب السلطان إلى قصره‏.‏ وانفض الجميع وقد شهدوا عبرة من عبر الدنيا‏.‏ ودخل السلطان قصره واقتعد أريكته واستدعى خاضته وجلساءه‏.‏ وأحضره فوبخه وقرر عليه مرتكبه فتلوى بالمعاذير وفزع إلى الإنكار‏.‏حضرت يومئذ هذا المجلس فيمن حضره من العلية والخاصة فكان مقاماً تسيل فيه العيون رحمة وعبرة‏.‏ثم أمر به السلطان فسحب على وجهه ونتفت لحيته وضرب بالعصا‏.‏ وتل إلى محبسه وقتل لليال من اعتقاله قعصاً بالرماح بساحة البلد‏.‏ وصلب شلوه بسور البلد عند باب المحروق وأصبح مثلاً في الآخرين‏.‏

الخبر عن وفد السودان وهديتهم وإغرابهم فيها بالزرافة

كان السلطان أبو الحسن لما أهدى إلى ملك السودان منسا سليمان بن منسا موسى هديته المذكورة في خبره اعتمل في مكافأته وجمع لمهاداته من طرف أرضه وغرائب بلاده‏.‏وهلك السلطان أبو الحسن خلال ذلك‏.‏ ووصلت الهدية إلى أقصى تخومهم من والأتن‏.‏ هلك منسا سليمان قبل وصولها‏.‏ واختلف أهل مالي وافترق ملكهم‏.‏ وتواثب ملوكهم على الأمر وقتل بعضهم بعضاً‏.‏وشغلوا بالفتنة حتى قام فيهم منسا جاطه واستوسق له أمرهم ونظر في أعطاف ملكه‏.‏وأخبر بشأن الهدية وأخبر أنها بوالاتن فأمر بإنفاذها إلى ملك المغرب‏.‏ وضم إليها الزرافة الحيوان الغريب الشكل العظيم الهيكل المختلف الشبه بالحيوانات‏.‏ وفصلوا بها من بلادهم فوصلوا إلى فاس في صفر من سنة اثنتين وستين‏.‏ وكان يوم وفادتهم يوماً مشهوداً جلس لهم السلطان ببرج الذهب مجلس العرض‏.‏ونودي في الناس بالبروز إلى الصحراء فبرزوا ينسلون من كل حدب حتى غص بهم الفضاء وركب بعضهم بعضاً في الازدحام على الزرافة إعجابا بخلقها‏.‏ وأنشد الشعراء في عرض المدح والتهنية ووصف الحال‏.‏وحضر الوفد بين يدي السلطان وأدوا رسالاتهم بتأكيد الود والمخالصة والعذر عن إبطاء الهدية بما كان من اختلاف أهل مالي وتواثبهم على الأمر وتعظيماً سلطانهم وما صاروا إليه والترجمان يترجم عنهم وهم يصدقونه بالنزع في أوتار قسيهم عادة معروفة لهم‏.‏ وحيوا السلطان يحثون التراب على رؤوسهم على سنة ملوك العجم‏.‏ ثم ركب السلطان وانفض ذلك المجلس وقد طار به الذكر‏.‏واستقر ذلك الوفد في إيالة السلطان وتحت جرايته وهلك السلطان قبل انصرافهم فوصلهم القائم بالأمر من بعده‏.‏ وانصرفوا إلى مراكش وأجازوا منها إلى ذوي حسان عرب السوس من المعقل المتصلين ببلادهم‏.‏

الخبر عن حركة السلطان إلى تلمسان واستيلائه عليها

وإيثار أبي زيان حافد أبي تاشفين بملكها‏.‏ وما كان مع ذلك من صرف أمراء الموحدين إلى بلدهم لما استقل السلطان بملك المغرب سنة ستين كما ذكرناه وكان العامل على درعة عبد الله بن مسلم الزردالي من أخلاف بني عبد الواد وشيعة آل زيان اصطنعه السلطان أبو الحسن عند تغلبه على تلمسان‏.‏ واستعمله ابنه أبو عنان بعد ذلك على بلاد درعة كما ذكرناه‏.‏وتولى المكر بأبي الفضل ابن السلطان أبي الحسن حين خروجه على أخيه السلطان أبي عنان بجبل ابن حميدي فارتاب عند استقلال المولى أبي سالم بالأمر‏.‏وخشي بادرته لما نابهم من حقده عليه بسبب أخيه أبي الفضل لما بينهما من لحمة الاغتراب فداخل بطانة له من عرب المعقل واحتمل ذخائره وأمواله وأهله وقطع القفر والى تلمسان‏.‏ولحق بالسلطان أبي حمو آخر سنة ستين فنزل منه خير نزل‏.‏وعقد له لحين وصوله على وزارته وبإهابه وبمكانه‏.‏ وفوض إليه في التدبير والحال والعقد‏.‏وشمر هو عن ساعده في الخدمة‏.‏ وجاجأ بعرب المعقل من مواطنيهم رغبة في ولايته وإيثاراً لمكانه من الدولة‏.‏ ورهبة من السلطان بالمغرب لما كانوا ارتكبوه من مواقفة بني مرين كرة بعد أخرى فاستقروا بتلمسان وانحاشوا جميعاً إلى بني عبد الواد‏.‏وبعث السلطان إلى أبي حمو في شأن عاملهم عبد الله بن مسلم فلم يرجع له جواباً عنه‏.‏وحظر عليه ولاية المعقل أهل وطنه فلج في شأنهم فأجمع السلطان أمره على النهوض إليه‏.‏واضطرب معسكره بساحة البلد وفتح ديوان العطاء‏.‏ ونادى في الناس بالنفير إلى تلمسان وأزاح العلل‏.‏وبعث الحاشرين من وزرائه إلى مراكش فتوافت حشود الجهات ببابه وفصل من فاس في جمادى من سنة إحدى وستين‏.‏وجمع أبو حمو في إيالته وعلى التشيع لدولته من زنانة والعرب من بني عامر والمعقل كافة ما عدا العمارنة كان أميرهم الزبير بن طلحة متحيزاً إلى السلطان‏.‏ وأجفلوا عن تلمسان وخرجوا إلى الصحراء‏.‏ ودخل السلطان إلى تلمسان ثالث رجب‏.‏وخالفه أبو حمو وأشياعه إلى المغرب فنزلوا كرسيف بلد ونزمار بن عريف وخربوه‏.‏واكتسحوا ما وجدوا فيه حنقاً على ونزمار وقومه بولاية بني مرين‏.‏ وتخطوا إلى وطاط فعاثوا في نواحيه‏.‏ وانقلبوا إلى أنكاد‏.‏ وبلغ السلطان خبرهم فتلافى أمر المغرب‏.‏وعقد على تلمسان لحافد من حفدة السلطان أبى تاشفين كان ربي في حجرهم وتحت كفالة نعمتهم وهو أبو زيان محمد بن عثمان وشهرته بالفتى‏.‏ وأنزله بالقصر القديم من تلمسان وعسكر عليه زناتة الشرق كلهم‏.‏واستوزر له ابن عمته عمر بن محمد بن إبراهيم بن مكن ومن أبناء وزرائهم سعيد بن موسى بن علي وأعطاه عشرة أحمال‏.‏ من المال دنانير ودراهم‏.‏ ودفع إليه الآلة‏.‏وذكر حينئذ لمولانا السلطان أبي العباس سوابقه وإيلافه في المنزل الخشن فنزل له عن محل إمارته قسنطينة‏.‏وصرف أيضاً المولى أبا عبد الله صاحب بجاية لاسترجاع بلده بجاية فعقد لهما بذلك وحملهما‏.‏وخلع عليهما وأعطاهما حملين من المال‏.‏وكانت بجاية لذلك العهد قد تغلب عليها عمهم المولى أبو إسحاق إبراهيم صاحب تونس فكتب إلى عاملهم على قسنطينة منصور بن الحاج خلوف أن ينزل عن بلده لمولانا السلطان أبي العباس ويمكنه منها‏.‏وودع هؤلاء الأمراء وانكفأ راجعاً إلى حضرته لسد ثغور المغرب وحسم داء العدوة فدخل فاس في شعبان من سنته‏.‏ولم يلبث أن رجع أبو زيان على أثره بعد أن أجفل عن تلمسان ولحق بوانشريش‏.‏ وتغلب عليه أبو حمو وفض جموعه فلحق بالسلطان‏.‏ واستقل أبو حمو بملك تلمسان‏.‏ وبعث في السلم إلى السلطان فعقد له من ذلك ما رضيه كما نذكره‏.‏

الخبر عن مهلك السلطان أبي سالم

واستيلاء حمو بن عبد الله علي ملك المغرب‏.‏ ونصبه للملوك واحدا بعد آخر إلى أن هلك كان السلطان قد غلب على هواه الخطيب أبو عبد الله بن مرزوق وكان من خبره أن سلفه من أهل رباط الشيخ أبي مدين وكان جده قائماً على خدمة قبره ومسجده واتصل القيام على هذا الرباط في عقبه‏.‏ وكان جده الثالث محمد معروفاً بالولاية‏.‏ ولما مات دفنه يغمراسن بالقصر القديم ليجاوره بجدثه تبركاً به‏.‏ وكان ابنه أحمد أبو محمد هذا قد ارتحل إلى المشرق‏.‏ وجاور الحرمين إلى أن هلك وربي محمد ابنه بالمشرق ما بين الحجاز ومصر‏.‏ وقفل إلى المغرب بعد أن شدا شيئاً في الطلب وتفقه على أولاد الإمام‏.‏ ولما ابتنى السلطان أبو الحسن مسجد العباد ولاه الخطابة به وسمعه يخطب على المنبر وقد أحسن في ذكره والدعاء له فحلي بعينه واستخلصه لنفسه وأحله محل القرب من مجلسه‏.‏ وجعله خطيباً حيث يصلي في مساجد المغرب وسفر عنه إلى الملوك‏.‏ولما كانت نكبة القيروان خلص إلى المغرب واستقر برباط العباد محل سلفه بعد أحوال أضربنا عن ذكرها اختصاراً‏.‏ولما خلص السلطان إلى الجزائر داخله أبو سعيد صاحب تلمسان في السفارة عنه إلى السلطان أبي الحسن وإصلاح بينهما فسار لذلك‏.‏ ونقمه أبو ثابت وبنو عبد الواد ونكروه على سلطانهم‏.‏وسرحوا صغير بن عامر في اتباعه فتقبض عليه وأودعه المطبق‏.‏ثم شخصوه بعد حين إلى الأندلس فاتصل بأبي الحجاج صاحب غرناطة‏.‏ وولاه ظابته ولما اشتهر به من إجادة الخطبة للملوك بزعمهم‏.‏ وألف السلطان أبا سالم في مثوى غربته من غرناطة وشاركه عند أبي الحجاج في مهماته‏.‏ ولما نزل بجبال غمارة داخل بني مرين والوزراء في القيام بدعوته‏.‏وكان له في ذلك مقام محمود فرعى السلطان وسائله وموالاته القديمة والحادثة إلى مقامه عند أبيه‏.‏ فلما استوسق له ملك المغرب اختصه بولايته وألقى عليه محبته وعنايته‏.‏ وكان مؤامره ونجي خلوته والغالب على هواه فانصرفت إليه الوجوه وخضعت له الرقاب ووطئ عتبته الأشراف والوزراء وعكف على بابه القواد والأمراء وصار زمام الدولة بيده‏.‏ وكان يتجافى عن ذلك أكثر أوقاته حذراً من المغبة‏.‏ ويزجر من يتعرض له في الشكاية ويردهم إلى أصحاب المراتب والخطط بباب السلطان وهم يعلمون أنه قد ضرب على أيديهم فنقموا ذلك عليه وسخطوا الدولة من أجله‏.‏ ومرضت قلوب أهل الحل والعقد من تقدمه‏.‏ ونفس عليه الوزراء ما تعين له عند السلطان من الحظ فتربصوا بالدولة‏.‏ وشمل هذا الداء الخاصة والعامة‏.‏وكان عمر بن عبد الله بن علي لما هلك أبوه الوزير عبد الله بن علي في جمادى سنة ستين عند استيلاء السلطان على ملكه تجلت شفاه الدولة إلى تراثه‏.‏وكان مثرياً فاستجار منهم بابن مرزوق وساهمه من تراث أبيه بعد أن حملوا السلطان على النبل منه والإهانة به فأجاره منهم‏.‏ ورفع عند السلطان رتبته وحمله على الإصهار إليه بأخته‏.‏ وقلده السلطان أمانة البلد الجديد دار ملكه متى عنت له الرحلة عنها‏.‏ وأصهر عمر إلى وزير الدولة مسعود بن ماساي تسكيناً لغربه واستخلاصا لمودته‏.‏ وسفر عن السلطان إلى صاحب تلمسان في شعبان من سنة اثنتين وستين‏.‏ ونمي عنه أنه داخل صاحب تلمسان في بعض المكر فهم بنكبته وقتله‏.‏ ودافع عنه ابن مرزوق فخلص من عقابه‏.‏ وطوى من ذلك على النث وتربص الدولة‏.‏ وأعيد إلى مكانه من الأمانة على دار الملك أول ذي القعدة مرجعه من تلمسان لما كان السلطان قد تحول عنها إلى القصبة بفاس واختط إيواناً فخماً لجلوسه بها لصق قصوره متعنياً الأبردين‏.‏ فلما استولى عمر على دار الملك حدثته نفسه بالتوثب‏.‏وسول له ذلك ما اطلع عليه من مرض القلوب والنكير على الدولة بمكان ابن مرزوق من السلطان فداخل قائد جند النصارى غرسية بن أنطون‏.‏ وتعدوا لذلك ليلة الثلاثاء لسبع عشرين ذي القعدة سنة اثنتين وستين‏.‏وخلصوا إلى تاشفين الموسوس ابن السلطان أبي الحسن بمكانه من البلد الجديدة فخلعوا عليه وألبسوه شارة الملك‏.‏ وقربوا له مركبة وأخرجوه إلى أريكة السلطان فأقعدوه عليها‏.‏ وأكرهوا شيخ الحامية والناشبة محمد بن الزرقاء على البيعة له‏.‏ وجهروا بالخلعان وقرعوا الطبول ودخلوا إلى مودع المال فأفاضوا العطاء من غير تقدير ولا حسبان‏.‏وماج أهل البلد الجديد من الجند بعضهم في بعض واختطفوا ما وصل إليهم من العطاء‏.‏وانتهبوا ما كان بالمخازن الخارجة من السلع والعدة‏.‏ وأضرموا النار في بيوتها ستراً على ما ضاع منها‏.‏ وأصبح السلطان بمكانه من القصبة فركب واجتمع إليه من حضر من الأولياء والقبائل‏.‏وغدا على البلد الجديد وطاف بها يروم فيها منفذاً فاستصعبت واضطرب معسكره بكدية العرايس لحصارها‏.‏ ونادى في الناس بالاجتماع إليه‏.‏ونزل عند قائلة الهاجرة بفسطاطه فتسايل الناس عنه إلى البلد الجديد فوجاً بعد فوج بمرأى منه إلى أن سار إليها أهل خاصته ومجلسه فطلب النجاة بنفسه وركب في لمة من الفرسان مع وزرائه مسعود بن رحو وسليمان بن داود ومقدم الموالي والجند ببابه سليمان بن ونصار‏.‏وأذن لابن مرزوق في الدخول إلى داره ومضى على وجهه‏.‏ ولما غشيهم الليل انفضوا عنه‏.‏ورجع الوزيران إلى دار الملك فتقبض عليهما عمر بن عبد الله ومساهمه غرسية بن أنطون واعتقلاهما متفرقين‏.‏وأشخص علي بن مهدي بن يرزيجن في طلب السلطان فعثر عليه نائماً في بعض المجاشر بوادي ورغة وقد نزع عنه لباسه اختفاء بشخصه‏.‏ وتوارى عن العيون بمكانه فتقبض عليه وحمله على بغل‏.‏ وطير بالخبر إلى عمر بن عبد الله فأزعج لتلقيه شعيب بن ميمون بن داود وفتح الله بن عامر بن فتح الله‏.‏وأمرهما بقتله وإنفاذ رأسه فلقياه بخندق القصب وراء كدية العرائس‏.‏ وأمرا بعض جند النصارى أن يتولى ذبحه‏.‏ وحمل رأسه في مخلاة فوضعه بين يده الوزير والمشيخة‏.‏ واستقل عمر بالأمر ونصب الموسوس تاشفين يموه به على الناس‏.‏ وجرت الأمور إلى غايتها‏.‏ ولكل أجل كتاب‏.‏

الخبر عن الفتكة بابن أنطون قائد العسكر من النصارى

ثم خروج يحيي بن رحو وبني مرين عن الطاعة لما تقبض عمر بن عبد الله على الوزير جعل معتقل سليمان بن داود بدار غرسية قائد النصارى ومعتقل ابن ماساي بداره صيانة عن الامتهان لمكان صهره ولما كان يؤمل منه من الاستظهار على أمره بعصابته من الأبناء والأخوة والقرابة‏.‏وكان غرسية بن أنطون صديقاً لسليمان بن ونصار‏.‏ فلما رجح عن السلطان ليلة انفضاضهم نزل عليه وكان يعاقره الخمر فباثه شجوه وتفاوضاً في اغتيال عمر وإقامة معتقله سليمان بن داود في الوزارة بما هو عليه من السن ورسوخ القدم في الأمر‏.‏ونمي إلى عمر الخبر فارتاب وكان خلواً من العصابة ففزع إلى القائد الموكب السلطاني من الرجل الأندلسيين يومئذ إبراهيم البطروحي فباثه أمره وبايعه على الاستماتة دونه‏.‏ثم استقل عصابتهم ففزع إلى يحيى بن رحو شيخ بني مرين وصاحب شوراهم فشكا إليه فأشكاه ووعده الفتك بابن أنطون وأصحابه‏.‏وانبرم عقد ابن أنطون وسليمان بن ونصار على شأنهم وغدوا إلى القصر‏.‏وأدخل ابن أنطون طائفة من النصارى للاستظهار بهم‏.‏ولما توافت بنو مرين بمجلس السلطان على عادتهم وطعموا دعا عمر بن عبد الله القائد ابن أنطون بين يدي يحيى بن رحو وقد أحضر البطروحي رجل الأندلسيين فسأله تحويل سليمان بن داود من داره إلى السجن فأبى وضن به عن الإهانة ينال مثلها من ابن ماساي صاحبه فأمر عمر بن عبد الله بالتقبض عليه فكشر في وجوه الرجال واخترط سكينه للمدافعة فتواثب به بنو مرين وقتلوه لحينه‏.‏واستلحموا من وجدوا بالدار من جند النصارى بعد جولة‏.‏وفروا إلى معسكرهم ويعرف بالملاح جوار البلد الجديد‏.‏ وأرجف الغوغاء بالمدينة أن ابن أنطون غدر بالوزيرة فقتل جند النصارى حيث وجدوا من سكك المدينة‏.‏ وتزاحفوا إلى الملاح لاستلحام من به من الجند‏.‏وركب بنو مرين لحماية جندهم من معرة الغوغاء‏.‏ وانتهب يومئذ الكثير من أموالهم وأمتعتهم وقتل النصارى كثيراً من المجان كانوا يعاقرون الخمر بالملاح‏.‏ واستبد عمر بالدار واعتقل سليمان بن ونصار إلى الليل وبعث من قتله بمحبسه‏.‏وحول سليمان بن داود إلى بعض الدور بدار الملك واعتقله بها واستولى على أمره‏.‏ورجع في الشورى إلى يحيى بن رخو واعصوصب بنو مرين عليه واعتز على الوزراء والدولة‏.‏ وكان عدوا لخاصة السلطان أبي سالم حريصاً على قتلهم‏.‏ وكان عمر يريد استبقاءهم لما أمله في ابن ماساي فاختلفت أهواؤهما‏.‏وتبين ليحيى بن رحو والمشيخة صاغيته إلى ابن ماساي فخشنت صدورهم عليه ودبروا في شأنه وخاطب هو عامر بن محمد باتصال اليد واقتسام ملك المغرب‏.‏وبعث إليه بأبي الفضل ابن السلطان أبي سالم اعتده عنده وليجة لخلاصه من ربقة الحصار الذي هم به مشيخة بني مرين‏.‏ وكان أبو الفضل هذا بالقصبة تحت الرقبة والأرصاد‏.‏فتفقد من مكانه‏.‏ وأغلظ المشيخة في العتب لعمر على ذلك فلم يستعتب‏.‏ونبذ إليهم العهد وامتنع بالبلد الجديد ومنعهم من الدخول إليه فاعصوصبوا على كبيرهم يحيى بن رحو وعسكروا بباب الفتوح‏.‏ وجاءوا بعبد الحليم ابن السلطان أبي علي‏.‏ وكان من خبرهم معه ما نذكره‏.‏ وأطلق عمر ببن عبد الله مسعود بن ماساي من محبسه وسرحه إلى مراكش وواعدوه في الأجلاب عليهم أن حاصروه كما نذكر‏.‏

الخبر عن وصول عبد الحليم ابن السلطان أبي علي من تلمسان

وحصار البلد الجديد كان السلطان أبو الحسن لما قتل أخاه الأمير أبا علي وقضى الحق الذي له في دمه عمل بالحق الذي عليه في ولده وحرمه فكفلهم وأغذاهم نعمته‏.‏ وساواهم بولده في كافة شؤونهم وأنكح ابنته تاحضريت العزيزة عليه علياً منهم المكنى بأبي يفلوسن‏.‏ونزع عنه وهو بالقيروان أيام النكبة ولحق بالعرب‏.‏ وأجلب معهم على السلطان بالقيروان وتونس‏.‏ ثم انصرف من إفريقية ولحق بتلمسان‏.‏ونزل على سلطانها أبي سعيد عثمان بن عبد الرحمن فبوأه كرامته‏.‏ ثم شرع في الإجازة إلى الأندلس‏.‏ وبعث فيه السلطان أبو عنان قبل فصوله فأشخصوه إليه فاعتقله‏.‏ ثم أحضره ووبخه على مرتكبه مع السلطان أبي الحسن وجحده حقه ثم قتله لليلتين من شهور إحدى وخمسين‏.‏ ولما هلك السلطان أبو الحسن ولحقت جملته من الخاصة والأبناء بالسلطان أبي عنان وأشخص إخوته إلى الأندلس لشخص معهم ولد الأمير أبي علي هؤلاء عبد الحليم وعبد المؤمن والمنصور والناصر وسعيد ابن أخيهم أبي زيان فاستقروا بالأندلس في جوار ابن الأحمر‏.‏ثم طلب أبو عنان إشخاصهم بعد كما طلب إشخاص أخيه فأجارهم ابن الأحمر جميعاً وامتنع من إسلامهم إليه‏.‏ وكان من المغاضبة لذلك ما قدمناه‏.‏ ولما اعتقل السلطان أبو سالم الأبناء المرشحين برندة كما قدمناه نزع منهم عبد الرحمن بن علي أبي يفلوسن إلى غرناطة فلحق بأعمامه‏.‏وكان السلطان أبو سالم ضجراً بمكانهم مستريباً بشأنهم حتى لقد قتل محمد بن أبي يفلوسن ابن أخته تاحضريت وهو في حجرها وحجره استرابة بما نمي عنه‏.‏ولما أجاز أبو عبد الله المخلوع ابن أبي الحجاج إلى المغرب ونزل عليه وصار إلى إيالته رأى أنه قد ملك أمره في هؤلاء المرشحين بغرناطة‏.‏وراسل الرئيس محمد بن إسماعيل عند توثبه على الأمر واستلحامه أبناء السلطان أبي الحجاج فراسله في اعتقالهم على أن يمسك المخلوع عن التهامه ويقبض عنانه عن الهوى عليه فاعتقلهم‏.‏ ثم فسد ما بين الرئيس والطاغية‏.‏ وزحف إليهم والتهم كثيراً من حصون المسلمين‏.‏وبعث إلى السلطان أبي سالم في أن يخلي سبيل المخلوع إليه فامتنع وفاء للرئيس‏.‏ثم دافع الطاغية عن ثغوره بإسعاف طلبه فجهز المخلوع وملأ حقائبه صلات وأعطاه الآلة‏.‏وأوعز إلى أسطوله بسبتة فجهز وبعث علال بن محمد ثقة إليه فأركبه الأسطول وركب معه إلى الطاغية‏.‏ وخلص

الخبر إلى الرئيس بمكانه من سلطان غرناطة

وكان أبو حمو صاحب تلمسان يراسله في أولاد أبي علي‏.‏ وأن يجهزهم إليه ليجدهم زبوناً على السلطان أبي سالم فبادر لحينه وأطلقهم من مكان اعتقالهم وأركب عبد الحليم وعبد المؤمن وعبد الرحمن ابن أخيهما على أبي يفلوسن في الأسطول‏.‏وأجازهم إلى هنين بين يدي مهلك السلطان أبي سالم فنزلوا من صاحب تلمسان بأعز جوار‏.‏ونصب عبد الحليم منهم لملك المغرب‏.‏وكان محمد السبيع بن موسى بن إبراهيم نزع عن عمر ولحق بتلمسان فتوافى معهم وأخبرهم بمهلك السلطان وبايع له وأغراه بالدخلة إلى المغرب ثم تتابعت رسل بني مرين بمثلها فسرحه أبو حمو وأعطاه الآلة واستوزر له محمد السبيع وارتحل معه يغذان السير‏.‏ولقيه بطريقه محمد بن زكدان من أولاد علي من شيوخ بني ونكاسن أهل دبدو ثغر المغرب منذ دخول بني مرين إليه فبايعه وحمل قومه على طاعته وأغذ السير وكان يحيى بن رخو والمشيخة لما نبذ عمر بن عبد الله إليهم العهد وعسكروا بباب الفتوح أوفدوا مشيخة منهم على تلمسان لاستقدام السلطان عبد الحريم فوافوه بتازى ورجعوا معه‏.‏وتلقته جماعة بني مرين بسبو‏.‏ونزلوا على البلد الجديد يوم السبت سابع محرم من سنة ثلاث وستين وأضربوا معسكرهم بكدية العرائس‏.‏وغادوا البلد بالقتال وراوحوها سبعة أيام وبيعات الأمصار توافيهم والحشود تسايل إليهم‏.‏ثم إن عمر بن عبد الله برز من السبت القابل في مقدمة السلطان أبي عمر بمن معه من الجند المسلمين والنصارى رامحة وناشبة‏.‏ووكل السلطان من جاذبه في الساقة على التعبية المحكمة‏.‏وناشبهم الحرب فدلفوا إليه فاستطردهم ليتمكن الناشبة من عقرهم من الأسوار حتى فشت فيهم الجراحات‏.‏ ثم صمم نحوهم فانفرج القلب وانفضت الجموع‏.‏ وزحف السلطان في الساقة فانذعروا في الجهات‏.‏ وافترق بنو مرين إلى مواطنهم‏.‏ ولحق يحيى بن رحو بمراكش مع مبارك بن إبراهيم شيخ الخلط‏.‏ولحق عبد الحليم وإخوته بتازى بعد أن شهد لهم أهل المقام بصدق الجلاد وحسن البلاء في ذلك المجال وصابر عمر بن عبد الله أمره ينتظر قدوم محمد بن أبي عبد الرحمن كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-08-2011, 01:33 PM
الخبر عن قدوم محمد ابن الأمير أبي عبد الرحمن

وبيعته بالبلد الجليد في كفالة عمر بن لما نبذ عمر إلى بني مرين عهدهم واعصوصبوا عليه ونكروا ما جاء به من البيعة لأبي عمر مع فقدانه العقل الذي هو شرط الخلافة شرعاً وعادة ونقموه عليه اتهم نفسه في نظره وفزع إلى التماس المرشحين فوقع نظره على حافد السلطان أبي الحسن محمد ابن الأمير أبي عبد الرحمن النازع لأول دولة السلطان أبي سالم من رندة إلى الطاغية‏.‏وكان قد نزل منه بخير مثوى فبعث إليه مولاه عتيقاً الخصي ثم تلاه بعثمان ابن الياسمين ثم تلاهما بالرئيس الأبكم من بني الأحمر وفي كل ذلك يستحث قدومه‏.‏وخاطب المخلوع ابن الأحمر وهو في جوار الطاغية كما قدمناه وقريب عهد بجوارهم فخاطبه في استحثاثه واستخلاصه من يد الطاغية‏.‏وكان المخلوع يرتاد لنفسه نزولاً من ثغور المسلمين لما كان فسد بينه وبين الطاغية ورام النزوع عن إيالته فاشترط على الوزير عمر النزول له عن رندة فتقبل شرطه وبعث إليه الكتاب بالنزول عنها بعد أن وضع الملأ عليه خطوطهم من بني مرين والخاصة والشرفاء فسار ابن الأحمر إلى الطاغية‏.‏وسأل منه تسريح محمد هذا إلى ملكه وأن قبيله دعوه إلى ذلك فسرحه بعد أن شرط عليه وكتب الكتاب بقبوله‏.‏ وفصل من إشبيلية في شهر المحرم فاتح ثلاث وستين‏.‏ونزل بسبتة وبها سعيد بن عثمان من قرابة عمر بن عبد الله‏.‏ وأرصده لقدومه فطير بالخبر إليه فخلع أبا عمر من الملك وأنزله بداره مع حرمه‏.‏وبعث إلى السلطان أبي زيان محمد بالبيعة والآلة والفساطيط‏.‏ ثم جهز عسكراً للقائه فتلقوه بطنجة‏.‏ وأغذ السير إلى الحضرة فنزل منتصف شهر صفر بكدية العرائس‏.‏واضطرب معسكره بها وتلقاه الوزير يومئذ وبايعه وأخرج فسطاطه فاضطر به بمعسكره وتلوم السلطان هنالك ثلاثاً‏.‏ ثم دخل في الرابعة إلى قصره واقتعد أريكته وتودع ملكه‏.‏وعمر مستبد عليه لا يكل إليه أمراً ولا نهيأ‏.‏ واستطال عند ذلك المنازعون أولاد علي كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن تجهيز السلطان عبد الحليم وإخوته إلى سجلماسة

بعد الواقعة عليهم بمكناسة لما سمع عبد الحليم بقدوم محمد بن أبي عبد الرحمن من سبتة إلى فاس وهو بمكانه من تازى سرح أخاه عبد المؤمن وعبد للرحمن ابن أخيه إلى اعتراضه فانتهوا إلى مكناسة وخاموا عن لقائه‏.‏فلما دخل إلى البلد الجديد أجلبوا بالغارة على النواحي وكثر العيث‏.‏وأجمع الوزير عمر على الخروج إليهم بالعسكر فبرز في التعبية والآلة وبات بوادي النجا‏.‏ثم أصبح على تعبية وأغذ السير إلى مكناسة فزحف إليه عبد المؤمن وابن أخيه عبد الرحمن في جموعهم فجاولهم القتال ساعة ثم صمد إليهم فدفعهم عن مكناسة‏.‏وانكشفوا فلحقوا بأخيهم السلطان عبد الحليم بتازى‏.‏ ونزل الوزير عمر بساحة مكناسة وأوفد بالفتح على السلطان وكنت وافده إليه يومئذ فعمت البشرى واتصل السرور‏.‏ وتهنأ السلطان ملكه وتودع من يومئذ سلطانه‏.‏ولما وصل عبد المؤمن إلى أخيه عبد الحليم بتازى مفلولاً انفض معسكره ونزعوا عنه إلى فاس وذهب لوجهه هو وإخوانه مع وزيرهم السبيع ومن كان معهم من العرب المعقل فلحقوا بسجلماسة‏.‏ وكان أهلها قد دخلوا في بيعتهم ودانوا بطاعتهم واستقروا بها‏.‏وجددوا رسم الملك والسلطان إلى أن كان من خروجهم عنها ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن قدوم عامر في محمد ومسعود بن ماساي من مراكش

وما كان من وزارة ابن ماساي واستبداد عامر بن محمد بمراكش كان السلطان أبو سالم لما استقل بملك المغرب استعمل على جباية المصامدة وولاية مراكش محمد بن أبي العلاء بن أبي طلحة من أبناء العمال‏.‏ وكان مضطلعاً بها‏.‏ ونافس الكثير من ذوي عامر فأحفظه ذلك‏.‏وربما تكررت سعايته في عامر عند السلطان ولم يقبل‏.‏ولما بلغ عامر خبر مهلك السلطان أبي سالم وقيام عمر بالأمر وكانت بينهما خلة بيت محمد بن أبي العلاء فتقبض عليه وامتحنه وقتله واستقل بأمر مراكش‏.‏وبعث إليه الوزير عمر بأبي الفضل ابن السلطان أبي سالم يعتده لما توقع من حصار بني مرين إياه أن يجلب به عامر عليهم ويستنقذه كما ذكرناه‏.‏ ثم سرح مسعود بن ماساي كما ذكرناه‏.‏ولما أحاط بنو مرين بالبلد الجديد جمع عامر من إليه من الجند والحشود وزحف بأبي الفضل ابن السلطان أبي سالم إلى أنفى ونزل بوادي أم ربيع‏.‏ولما انفض جمعهم من على البلد الجديد لحق به يحيى بن رحو وكان له صديقاً ملاطفاً فتنكر له توفية لعمر بن عبد الله وصاحبه مسعود‏.‏ وبعثه إلى الجبل ولم يشهده الجمع فذهب مغاضباً‏.‏ولحق بسجلماسة بالسلطان عبد الحليم‏.‏ وهلك في بعض حروبه مع العرب‏.‏ ولما انفض عبد المؤمن وأجفل عبد الحليم من تازى ولحقوا بسجلماسة واستوسق الأمر لعمر بن عبد الله وفرغ من شأن المنازعين ومضايقتهم له رجع إلى ما كان يؤمله من الاستظهار على أمره بمسعود بن رحو وإخوته وأقاربه لمكان الصهر الني بينهما فاستقدمه للوزارة مرضاة لبني مرين لما كان عليه من استمالتهم لجميع المذاهب والإغضاء عما نالوه به من النكاية‏.‏وكان عامر بن محمد مجمعاً القدوم على السلطان فقدم في صحابته ونزل من الدولة خير منزل‏.‏ وعقد السلطان لمسعود بن رحو على وزارته بإشارة الوزير عمر واضطلع بها‏.‏ودفعه عمر إليها استنامة إليه وثقة بمكانه واستظهارا بعصابته‏.‏ وعقد مع عامر بن محمد الحلف على مقاسمة المغرب من تخم وادي أم ربيع وجعل أمارة مراكش لأبي الفضل ابن السلطان أبي سالم إسعافاً بغرض عامر بن محمد في ذلك‏.‏وأصهر عامر إليهم في بنت مولانا السلطان أبي يحيى المتوفى عنها السلطان أبو الحسن فحملوا أولياءها على العقد له عليها‏.‏وانكفأ راجعاً إلى مكان عمله بمراكش يجر الدنيا وراءه عزاً وثروة وتابعاً لجمادى من سنة ثلاث وستين‏.‏ وصرف عمر عزيمته إلى تشريد عبد الحليم وأخيه من سجلماسة كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبرعن زحف الوزير عمر بن عبد الله إلى سجلماسة

لما احتل عبد الحليم وإخوته بسجلماسة اجتمع إليهم عرب المعقل بكافة حللهم‏.‏ واقتضوا خراج البلاد فوزعوه فيهم واقتضوا على الطاعة رهنهم‏.‏ وأقطعهم جهات المختص بأسرها واعصوصبوا عليه‏.‏ واستحثه يحيى بن رحيم ومن هناك من شيخه بني مرين إلى النهوض للمغرب فأجمع أمره على ذلك‏.‏وتدبر الوزير عمر أمره وخشي أن يضطرم جمره فأجمع الحركة إليه‏.‏ وناس في الناس بالعطاء والصلة فاجتمعوا إليه وبث العطاء فيهم‏.‏ واعترض العساكر وأزاح العلل‏.‏وارتحل من ظاهر فاس في شعبان من سنة ثلاث وستين وارتحل معه ظهيره مسعود بن ماساي وبرز السلطان عبد الحليم إلى لقائهم‏.‏ولما تراءت الفئتان بتاعزوطت عند فرج الجبل المفضي من تلول المغرب إلى الصحراء هموا باللقاء‏.‏ ثم تواقفوا أياماً وتمشت بينهم رجالات العرب في الصلح والتجافي لعبد الحليم عن سجلماسة تراث أبيه فانعقد مسعود ما بينهما وافترقا‏.‏ورجع كل واحد منهما إلى عمله ومكانه من سلطانه‏.‏ ودخل عمر والوزير مسعود إلى البلد الجديد في رمضان من سنته وتلقاهما سلطانهما بأنواع المبرة والكرامة‏.‏ونزع الوزير محمد السبيع عن السلطان عبد الحليم إلى الوزير عمر وسلطانه فتقبل وحل محل الكرامة والردافة للوزارة واستقر كل بمكانه‏.‏وتودعوا أمرهم إلى أن كان من خلع عبد المؤمن لأخيه عبد الحليم ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر في بيعة العرب لعبد المؤمن وخروج عبد الحليم إلى المشرق

لما رجع عبد الحليم بعد عقد السلم مع الوزير عمر إلى سجلماسة واستقر بها‏.‏ وكان عرب المعقل من ذوي منصور فريقين الأحلاف وأولاد حسين‏.‏ وكانت سجلماسة وطناً للأحلاف وفي مجالاتهم مذ أول أمرهم ودخولهم المغرب‏.‏ وكان من أولاد حسين في ممالأة الوزير عمر ما قدمناه فكانت صاغية السلطان عبد الحليم إلى الأحلاف بسبب ذلك أكثر فأسف ذلك أولاد حسين على الأحلاف وتجددت بينهما لذلك فتنة وتزاحفاً‏.‏وأخرج السلطان عبد الحليم أخاه عبد المؤمن لرقع ما بينهما من الخرق ولأمته فلما قدم على أولاد حسين دعوه إلى البيعة والقيام بأمره فأبى وأكرهوه عليها وبايعوه‏.‏وزحفوا إلى سجلماسة في صفر من سنة أربع وستين‏.‏ وبرز عبد الحليم إليهم في أوليائه من الأحلاف‏.‏ وتواقفوا ملياً وعقلوا رواحلهم‏.‏ ثم انكشف الأحلاف وانهزموا‏.‏ وهلك يحيى بن رحو كبير المشيخة من بني مرين يومئذ في حربهم‏.‏ وتغلبوا على سجلماسة ودخل إليها عبد المؤمن وتخلى له أخوه عبد الحليم عن الأمر وخرج إلى المشرق لقضاء فرضه فودعه وزوده بما أراد‏.‏ وارتحل إلى الحج وقطع المفازة إلى بلد مالي من السودان‏.‏ وصحب منها ركاب الحاج إلى مصر‏.‏ونزل على أميرها المتغلب على سلطانها يومئذ وهو يلبغا الخاصكي وأنهى خبره إليه‏.‏وعرف بمقامه فاستبلغ في تكريمه بما يناسب بيته وسلطانه‏.‏وقضى حجه وانصرف إلى المغرب فهلك بقرب الإسكندرية سنة ست وستين واستقل عبد المؤمن بأمرسجلماسة حتى كان من نهوض العسكر إليه ما نذكره إن شاء افه تعالى‏.‏

الخبر عن نهوض ابن ماساي بالعسكر إلى سجلماسة واستيلائه عليها

ولحاق عبد المؤمن بمراكش لما افترقت كلمة أولاد السلطان أبي علي وخلع عبد المؤمن أخاه تطاول الوزير عمر إلى التغلب عليهم‏.‏ونزع إليه الأحلاف عدو أولاد حسين وشيعة عيد الحليم المخلوع فجهز العساكر وبث العطاء وأزاح العلل‏.‏ وسرح ظهيره مسعود بن ماساي إلى سجلماسة فنهض إليها في ربيع من سنة أريع‏.‏وتلقاه الأحلاف يحللهم وناجعتهم وأغذ السير ونزع الكثير من أولاد حسين إلى الوزير مسعود‏.‏وبعث عامر بن محمد عن عبد المؤمن فرحل عن سجلماسة وتركها‏.‏ولحق بعامر فتقبض عليه واعتقله بداره من جبل هنتاتة‏.‏ ودخل الوزير مسعود إلى سجلماسة واستولى عليها‏.‏ واقتلع منها جرثومة الشقاق باقتلاع دعوة أولاد أبي على منها‏.‏وكر راجعاً إلى المغرب لشهرين من حركته فاحتل بفاس إلى أن كان من خبره وانتقاضه على عمر وفساد ما بينهما ما نذكره‏.‏

الخبر عن انتقاض عامر ثم انتقاض الوزير ابن ماساي على أثره

لما استقل عامر بالناحية الغربية من جبال المصامدة ومراكش وما إلى ذلك من الأعمال واستبد بها ونصب لأمره أبا الفضل ابن السلطان أبي سالم واستوزر له واستكتب وصارت كأنها دولة مستقلة فصرف إليه النازعون من بني مرين على الدولة وجوه مفرهم ولجأوا إليه فأجارهم على الدولة واجتمع إليه منهم ملأ‏.‏وأشاروا عليه باستقدام عبد المؤمن وأنه أبلغ ترشيحاً من أبي الفضل بنسبه وقيامه على أمره وصاغية بني مرين إليه فاستدعاه وأظهر لعمر أنه يروم بذلك مصلحته والمكر لعبد المؤمن‏.‏ونمي ذلك كله إلى عمر فارتاب به‏.‏ ونزع إليه آخر من نزع السبيع بن موسى بن إبراهيم الوزير‏.‏ كان لعبد الحليم فكشف عمر القناع في مطالبته وتجهيز العسكر إليه‏.‏واستراب بأهل ولايته‏.‏ وعثر على كتاب من الوزير مسعود بن ماساي إليه يخالصه وببذل له النصيحة فتقبض على حامله وأودعه السجن فتنكر مسعود‏.‏وأغزاه صحابته الملابسون له من بني مرين بالخروج ومنازعة عمر في الأمر‏.‏ووعدوه النصر منه فاضطرب معسكره بالزيتون من خارج فاس مورياً بالنزعة إبان الربيع وزخرف الأرض في شهر رجب من سنة خمس‏.‏وبنى أصحابه الفساطيط في معسكره حتى إذا استوفوا جمعهم واعتزم على الخروج ارتحل مجاهراً بالخلاف وعسكر بوادي النجا من كان يعده الخروج معه من بني مرين‏.‏ثم ارتحل إلى مكناسة‏.‏وكتب إلى عبد الرحمن بن علي أبي يفلوسن يستقدمه للبيعة وكان بجهات تادلاً قد خرج بها بعد انصرافهم من سجلماسة وتخلفه عن أخيه عبد المؤمن‏.‏وبعث عامر إليه بعثاً فهزموه ثم لحق ببني ونكاسن فبعث إليه ابن ماساي وأصحابه فقدم عليهم وبايعوه‏.‏ وأخرج عمر سلطانه محمد بن أبي عبد الرحمن وعسكر بكدية العرائس‏.‏وبث العطاء وأزاح العلل‏.‏ ثم ارتحل إلى وادي النجا فبيته مسعود وقومه فثبت هو ومعسكره في مراكزهم حتى انجاب الظلام وفروا أمامهم فاتبعوا لمم آثارهم وانفض جمعهم‏.‏وبدا لهم ما لم ولحق مسعود بن ماساي بن رحو بتادلا‏.‏ ولحق الأمير عبد الرحمن ببلاد بني ونكاسن‏.‏ ورجع عمر والسلطان إلى مكانهم من الحضرة‏.‏ واستمال مشيخة بني مرين فرجعوا إليه وعفا لهم عنها واستصلحهم‏.‏وتمسك أبو بكر بن حمامة بدعوة عبد الرحمن بن أبي يفلوسن وأقامها في نواجيه‏.‏وبايعه عليه موسى بن سيد الناس من بني علي أهل جبل دبدو من بني ونكاسن بما كان صهراً له‏.‏ وخالفه قومه إلى الوزير عمر‏.‏ وأغراه بالنهوض إلى أبي بكر بن حمامة فنهض وغلبه على بلاده‏.‏ واقتحم حصنه إيكلوان‏.‏ وفر هو وصهره موسى وفارقوا سلطانهم عبد الرحمن ونبذوا إليه عهده‏.‏ ورجعوا إلى طاعة صاحب فاس فلحق هو بتلمسان ونزل على السلطان أبي حمو‏.‏ فاستبلغ في تكريمه‏.‏ ولحق وزيره مسعود بن ماساي بدبدة ونزل على أميره محمد بن زكدان صاحب ذلك الثغر‏.‏ ثم بدا له في أمره وداخل صاحب الثغر وبعث عن الأمير عبد الرحمن من تلمسان ليطارد به لفرصة ظنها في المغرب ينتهزها‏.‏وأبى عليه أبو حمو من ذلك فركب مطية الفرار ولحق بابن ماساي وأصحابه فنصبوه للأمر وأجلبوا على تازى‏.‏ ونهض الوزير إليهم في العساكر داخل بتازى‏.‏ وتعرضوا للقائه ففض جموعهم وردهم على أعقابهم إلى جبل دبدو‏.‏وسعى بينهم ونزمار بن عريف ولي الدولة في قبض عنانهم عن المنازعة والتجافي عن طلب الأمر وأن يتحيزوا إلى الأندلس للجهاد فأجاز عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ووزيره ابن ماساي من غساسة فاتح سبع وستين‏.‏وخلا الجو من أجلابهم وعنادهم ورجع الوزير إلى فاس واحتشد إلى مراكش كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن نهوض الوزير عمر وسلطانه إلى مراكش

لما فرغ عمر من شأن مسعود وعبد الرحمن بن أبي يفلوسن صرف نظره إلى ناحية مراكش وانتزاء عامر بن محمد بها‏.‏وأجمع أمره على الحركة إليه فأفاض العطاء وناس بالسفر إلى حرب عامر وأزاح العلل وارتحل إليه لرجب من سنة سبع‏.‏وصعد عامر وسلطانه أبو الفضل إلى الجبل فاعتصم به وأطلق عبد المؤمن من معقله‏.‏ونصب له الآلة وأجلسه على سرير حذاء سرير أبي الفضل يوهم أنه بايع له وأنه قد حكم أمره يجأجئ بذلك لبني مرين لما علم من صاغيتهم إليه‏.‏وخشي عمر مغبة ذلك فألان له في القول ولاطفه في الخطاب وسعى بينهما في الصلح حسون بن علي الصبيحي فعقد له عمر من ذلك ما ابتغاه وانقلب إلى فاس‏.‏ورجع عامر عبد المؤمن إلى معتقله وأجرى الأحوال على ما كانت من قبل إلى أن بلغهم قتل الوزير عمر لسلطانه كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏ولاية عبدالعزيز ابن السلطان ابي الحسن

الخبر عن مهلك السلطان محمد بن أبي عبد الرحمن وبيعة عبد العزيز

ابن السلطان ابني الحسن كان شأن هذا الوزير عمر في الاستبداد على سلطانه محمد هذا عجباً حتى بلغ مبلغ الحجر للسفهاء من الصبيان‏.‏ وقد جعل عليه العيون والرقباء حتى من حرمه وأهل قصره‏.‏وكان السلطان كثيراً ما يتنفس الصعداء من ذلك مع ندمائه ومن يختصه بذلك من حرمه إلى أن حدث نفسه باغتيال الوزير‏.‏ وأمر بذلك طائفة من العبدى كانوا يختصون به فنمي القول‏.‏وأرسل به الوزير بعض الحرم كانوا عيناً له عليه فخشيه على نفسه‏.‏وكان من الاستبداد والدالة أن الحجاب مرفوع له عن خلوات السلطان وحرمه ومكاشفة رتبه فخلص إليه في حشمه وهو معاقر لندمائه فطردوهم عنه وتناولوه غطاً حتى فاض وألقوه في بئر بروض الغزلان‏.‏واستدعى الخاصة فأراهم مكانه وأنه سقط عن دابته وهو ثمل في تلك البئر وذلك في المحرم فاتح ثمان وستين‏.‏واستدعى من حينه عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن وكان في بعض الدور بالقصبة من فاس تحت رقابة وحراسة من الوزير لما كان السلطان محمد يروم الفتك به غيرة منه على الملك لمكان ترشيحه فحضر بالقصر وجلس على سرير الملك‏.‏وفتحت الأبواب لبني مرين والخاصة والعامة فزدحموا على تقبيل يده معطين الصفقة على طاعته‏.‏ وكمل أمره وباشر الوزير من حينه إلى تجهيز العساكر إلى مراكش‏.‏ونادى بالعطاء وفتح الديوان وكمل الاعتراض‏.‏ وارتحل بسلطانه من فاس في شهر شعبان وأغذ السير إلى مراكش‏.‏ونازل عامر بن محمد بمعقله من جبل هنتاتة ومعه الأمير أبو الفضل ابن السلطان أبي سالم وعبد المؤمن ابن السلطان أبي علي أطلقه من الاعتقال أيضاً وأجلسه موازي ابن عمه واتخذ له الآلة يموه به شأنه الأول ثم سعى بينه وبين عامر في الصلح فانعقد بينهما وانكفأ راجعاً بسلطانه إلى فاس في شهر شوال فكان حتفه إثر ذلك كما نذكره إن شاء الله‏.‏

الخبر عن مقتل الوزير عمر بن عبد الله واستبداد السلطان عبد العزيز بأمره

كان عمر قد عظم استبداده على السلطان عبد العزيز فحجره ومنعه من التصرف في شيء من أمره‏.‏ ومنع الناس من التعرض له في شيء من أمورهم‏.‏ وكان أمه حذرة عليه إشفاقاً وحباً‏.‏وكان عمر لما ملك أمره واستبد عليهم سما إلى الإصهار إليهم في بنت السلطان أبي عنان‏.‏واشترط لها زعموا تولية أخيه الأمر‏.‏ ونمي ذلك إلى السلطان وأن عم مغتاله لا محالة‏.‏وقارن ذلك أن عمر أوعز إلى السلطان بالتحول عن قصره إلى القصبة فركب أسنة الغرر لاضطراره واعتزم على الفتك به‏.‏ وأكمن بزوايا داره جماعة من الرجل وأعدهم للتوثب به‏.‏ثم استدعاه إلى بيته للمؤامرة معه على سنته فدخل معه‏.‏ وأغلق الموالي من الخصيان باب القصر من ورائه‏.‏ ثم أغلظ له السلطان في القول وعتبه‏.‏ ودلف الرجل إليه من زوايا الدار فتناولوه بالسيوف هبراً‏.‏وصرخ ببطانته بحيث أسمعهم فحملوا على الباب وكسروا أغلاقه فألفوه مضرجاً بدمائه فولوا الأدبار وانفضوا من القصر وانذعروا‏.‏ وخرج السلطان إلى مجلسه فاقتعد أريكته واستدعى خاصته‏.‏وعقد لعمر بن مسعود بن منديل بن حمامة من بني مرين وشعيب بن ميمون بن ودرار من الجشم ويحيى بن ميمون أمصمود من الموالي‏.‏ وكملت بيعته منتصف في القعدة سنة ثمان وستين‏.‏وتقبض على ابن الوزير عمر وأخيه وعمه وحاشيتهم وذويهم واعتقلهم حتى أتى القتل عليهم لليال‏.‏ واستأصل النكال شأفتهم‏.‏ وسكن وأمن ورد المنافرين بأمانه وبسط لهم في وجه بشره‏.‏ثم تقبض لأيام على سليمان بن داود ومحمد السبيع وكانا من مخالصة عمر بمكان فاعتقلهما استرابة بهما ولشيء نمي له عنهما‏.‏وأودعهما السجن إلى أن هلك واعتقل معهما علال بن محمد والشريف أبا القاسم ريبة بصحابتهما‏.‏ ثم امتن عليهما بشفاعة ابن الخطيب وزير ابن الأحمر وأقصاه‏.‏ ثم أطلق عنانه في الاستبداد‏.‏ وقبض أيدي الخاصة والبطانة‏.‏ عن التصرف في شيء من سلطانه إلا بإذنه وعن أمره‏.‏ وهلك لأشهر من استبداده الوزير

الخبر عن انتزاء أبي الفضل ابن المولي أبي سالم ثم نهوض السلطان إليه ومهلكه

لما فتك السلطان عبد العزيز بعمر بن عبد الله المتغلب كليه سولت لأبي الفضل ابن السلطان أبي سالم نفسه مثلها في عامر بن محمد لمكان استبداده عليه وأغراه بذلك بطانته‏.‏وتوجس لها عامر فتمارض بداره‏.‏واستأذنه في الصعود إلى معتصمه بالجبل ليمرضه هناك حرمه وأقاربه وارتحل بجملته‏.‏ويئس أبو الفضل من الاستمكان منه‏.‏وأغراه حشمه بالراحة من عبد المؤمن‏.‏ولليال من منصرف عامر ثمل أبو الفصل ذات ليلة وبعث عن قائد الجند من النصارى فأمره بقتل عبد المؤمن بمكان معتقله من قصبة مراكش فجاء برأسه إليه‏.‏وطار الخبر إلى عامر فارتاع وحمد الله أن خلص من غائلته‏.‏وبعث ببيعته إلى السلطان عبد العزيز وأغراه بأبي الفضل ورغبه في ملك مراكش‏.‏ووعده بالمظاهرة فأجمع السلطان أمره على النهوض إلى مراكش‏.‏ونادى في الناس بالعطاء وقضى أسباب حركته‏.‏واوتحل من فاس سنة تسع وستين‏.‏واستبد أبو الفضل بعد مهلك عبد المؤمن‏.‏واستوزر طلحة السنوري وجعل علامته لمحمد بن محمد بن منديل الكناني وجعل شوراه لمبارك بن إبراهيم عطية الخلطي‏.‏ثم سخط طلحة التينوري بسعاية الكناني فقتله واعتمد بعساكره منازلة عامر‏.‏ولما فصل لذلك من مراكش جاءه الخبر بحركة السلطان عبد العزيز إليه فانفض معسكره‏.‏ولحق بتادلا ليعتصم بها في معتقل بني جابر‏.‏ وعاج السلطان عن مراكش بعساكره إليها فنازله وأخذ بمخنقه وقاتله ففل عسكره‏.‏وداخله بعض بني جابر في الإخلال بمصافه يوم الحرب مع مال بذله لهم ففعلوا وانهزمت عساكر أبي الفضل وجموعه وتقبض على أشياعه‏.‏وسيق مبارك بن إبراهيم إلى السلطان فاعتقله إلى أن قتله مع عامر عند مهلكه كما نذكره‏.‏وفر الكناني إلى حيث لم يعلم مسقطه‏.‏ثم لحق بعامر بن محمد ولحق أبو الفضل بقبائل صناكة من ورائهم‏.‏وداخلهم أشياع السلطان من بني جابر وبذلوا لهم المال الدثر في إسلامه فأسلموه‏.‏وبعث السلطان إليهم وزيره يحيى بن ميمون فجاء به أسب وأحضره السلطان فوبخه وقرعه واعتقله بفسطاط في جواره ثم غط من الليل‏.‏وكان مهلكه في رمضان من سنة تسع‏.‏وبعث السلطان إلى عامر يختبر طاعته بذلك فأبى عليه‏.‏وجاهر بالخلاف إلى أن كان من شأنه ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن نكبة الوزير يحيى بن ميمون بن المصمود ومقتله

كان يحيى بن ميمون هذا من رجالات دولتهم وربي في دولة السلطان أبي الحسن وكان عمه علال عدواً له لعداوة أبيه‏.‏ولما انتزى السلطان أبو عنان على ملك أبيه استخلص يحيى هذا سائر أيامه وهلك كما ذكرناه‏.‏واستعمل يحيى ببجاية فلم يزل بها إلى أن تقبض عليه الموحدون لما استخلصوا بجاية من يده‏.‏وصار إلى تونس واعتقل بها مدة ‏.‏ ثم صرفوه إلى المغرب أيام عمر فاختص به‏.‏ولما عقد له السلطان عبد العزيز على وزارته وكان قوي الشكيمة شديد الحزم وصعب العداوة مرهف الحد وكان عمه علال بعد أن أطلقه السلطان من الاعتقال مكنه من إذنه وأقامه متصرفاً بين يديه فألقى إلى السلطان استبداد يحيى عليه وحذره من شأنه‏.‏ورفع إليه أنه يروم تحويل الدعوة لبعد القرابة من آل عبد الحق وأنه داخل في ذلك قواد الجند من النصارى‏.‏وأصاب الوزير وجع قعد به عن مجلس السلطان فاختلف الناس إلى زيارته ‏.‏وعكف ببابه قواد النصارى فاستراب بأمرهم‏.‏وتيقن الأمر بعكوفهم فأرسل السلطان من حشمه من تقبض عليه وأودعه السجن‏.‏ثم جنب إلى مصرعه من الغد وقتل قعصاً بالرماح‏.‏ وقتل المتهمون من القرابة وقواد الجند واستلحموا جميعاً وصاروا مثلاً في الآخرين‏.‏ والأمر لله‏.‏

الخبر عن حركة السلطان إلى عامر بن محمد ومنازلته بجبله ثم الظفر به

لما فرغ السلطان من شأن أبي الفضل عقد على مراكش لعلي بن محمد بن أجانا من صنائع دولتهم‏.‏وأوعز إليه بالتضييق على عامر والأخذ بمخنقه وإلجائه إلى الطاعة‏.‏ وانقلب إلى فاس واعتزم على الحركة إلى تلمسان‏.‏ وبينما هو في الاستغفار كذلك إذ جاء الخبر بأن علي بن أجانا نهض إلى عامر وحاصره أياماً‏.‏ وأن عامراً زحف إليه ففض معسكره‏.‏وتقبض على ابن أجانا والكثير من العسكر فاعتقلهم فقام السلطان في ركائبه وقعد وأجمع أمره على النهوض إليه بكافة بني مرين وأهل المغرب فبعث في الحشود وبث العطاء‏.‏وعسكر بظاهر البلد حتى استوفى الغرض وعقد على وزارته لأبي بكر بن غازي بن يحيى بن الكاس لما كان فيه من مخايل الرياسة والكفاية ورفع محله‏.‏وارتحل سنة سبعين فاحتل بمراكش ثم خرج إلى منازلته وكان عامر بن محمد قد نصب بعض الأعياص من آل عبد الحق من ولد أبي ثابت بن يعقوب بن عبد الله اسمه تاشفين‏.‏ولحق به علي بن عمر بن ويغلان من شيوخ بني ورتاجن كبير بني مرين وصاحب الشورى فيهم لعهده فاشتد أزره به‏.‏وتوافى به كثير من الجند النازعين عن السلطان رهبة من بأسه أو سخطة بحاله أو رغبة فيما عند عامر قريبهم‏.‏ وأمسك الله يده عن العطاء فلم يسل بقطرة‏.‏ وطال مثوى السلطان بساحته وعلى حصاره‏.‏ وبوأ المقاعد للمقاتلة وغاداه بالقتال وراوحه‏.‏ وتغلب على حصونه شيئاً فشيئاً إلى أن تعلق بأعلى الجبل تامسكروط وكان لأبي بكر بن غازي غناء مذكور ويئس أصحاب عامر وأشياعه من عطائه‏.‏وفسد ما بينه وبين علي بن عمر هذا فدس إلى السلطان بطلب الأمان ويتوثق لنفسه ثم نزع إليه‏.‏ وداخله فارس بن عبد العزيز ابن أخي عامر في القيام بدعوة السلطان والخلاف على عمه لما كان يوسق به من إرهاف الحد وتفضيل ابنه أبي بكر عليه فبلغ خبره إلى السلطان‏.‏واقتضى له وثيقة من الأمان والعهد به بها إليه فثار بعمه‏.‏ واستدعى القبائل من الجبل إلى طاعة السلطان فأجابوه‏.‏واستحث السلطان للزحف إليهم فزحفت العساكر والجنود واستوت على معتصم الجبل‏.‏ولما استيقن عامر أن قد أحيط به أوعز إلى ابنه أن يلحق بالسلطان مموهاً بالنزوع فألقى بنفسه إليه وبذل له الأمان ولحقه بجملته‏.‏وانتبذ عامر عن الناس وذهب لوجهه ليخلص إلى السوس فرده الثلج وقد كانت السماء أرسلت به منذ أيام برداً وثلجاً حتى تراكم بالجبل بعضه على بعض‏.‏ وسد المسالك فاقتحمه عامر وهلك فيه بعض حرمه ونفق مركوبه‏.‏وعاين الهلكة العاجلة فرجع مخفياً أثره إلى غار أوى إليه مع أدلاء بذل لهم المال ليسلكوا به ظهر الخبل إلى الصحراء بالسوس‏.‏ وأقاموا ينتظرون إمساك الثلج‏.‏ وأغرى السلطان بالبحث عنه فدلهم عليه بعض البربر وعثروا عليه فسيق إلى السلطان وأحضره بين يديه‏.‏ووبخه فاعتذر وبخع بالطاعة‏.‏ورغب في الإقالة واعترف بالذنب فحمل إلى مضرب بني له وراء فسطاط السلطان واعتقل هنالك‏.‏ وتقبض يومئذ على محمد بن الكناني فاعتقل‏.‏ وانطلقت الأيدي على معاقل عامر ودياره فانتهب من الأموال والسلاح والذخيرة والزرع والأقوات والخرثى ما لا عين رأت ولا خطر على قلب أحد منهم‏.‏واستولى السلطان على الجبل ومعاقله في رمضان من سنة إحدى وسبعين لحول من يوم حصاره‏.‏وعقد على هنتاتة لفارس بن عبد العزيز بن محمد بن علي وارتحل إلى فاس واحتل بها آخر رمضان ودخلها في يوم مشهود برز فيه الناس‏.‏وحمل عامر وسلطانه تاشفين على جملين وقد أفرغ عليهما الرث وعبثت بهما أيدي الإهانة فكان ذلك عبرة لمن رآه‏.‏ ولما قضى منسك الفطر أحضر عامراً فقرعه بذنوبه‏.‏ وأوتي كتابه بخطه يخاطب به أبا حمو يستنجده على السلطان فشهد عليه‏.‏وأمر السلطان فامتحن ولم يزل يجلد حتى انتثر لحمه وضرب بالعصا حتى ورمت أعضاؤه وهلك بين يدي الوزعة‏.‏ واحضر الكناني ففعل به مثله‏.‏ وجنب تاشفين سلطانهم إلى مصرعه فقتل قعصاً بالرماح‏.‏ وجنب مبارك بن إبراهيم من محبسه بعد طول الاعتقال فألحق بهم‏.‏ولكل أجل كتاب‏.‏ وصفا الجو للسلطان من المنازعين‏.‏ وفرغ لغزو تلمسان كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-08-2011, 01:34 PM
الخبر عن ارتجاع الجزيرة

قد تقدم لنا ذكر تغلب الطاغية ألهنشة على الجزيرة سنة ثلاث وأربعين‏.‏ وأنه نازل بعدها جبل الفتح سنة إحدى وخمسين‏.‏ وهلك بالطاعون وهو محاصر له عندما استفحل أمره واشتدت شوكته فكفى الله به شأنه‏.‏ وولي أمر الجلالقة بعده ابنه بطرة وعدا على سائر إخوته‏.‏وفر أخوه القمط ابن حظية أبيه المسماة بلغتهم ألريق ‏"‏ بهمزة ‏"‏ إلى قمص برشلونة فأجاره وأنزله خير نزل‏.‏ ولحق به من الزعماء المركش ابن خالته وغيره من أقماصهم‏.‏وبعث إليه بطرة ملك قشتالة في إسلام أخيه فأبى من إخفار جواره‏.‏ وحدثت بينهما بسبب ذلك الفتنة الطويلة افتتح بطرة فيها كثيراً من معاقل صاحب برشلونة وأوطأ عساكره نواحي أرضه وحاصر بلنسية قاعدة شرق الأندلس مراراً وأرجف عليها بعساكره وملأ البحر إليها بأساطيله إلى أن ثقلت على النصرانية وطأته وساءت فيهم ملكته فانتقضوا عليه ودعوا القمط أخاه فزحف إلى قرطبة‏.‏وثار على بطرة أهل إشبيلية وتيقن صاغية النصارى إليه ففر عن ممالكه ولحق بملك الإفرنج وراء جليقية وفي الجوف عنها وهو صاحب أنكلطرة واسمه ألفنس غالس‏.‏ووفد عليه صريخاً سنة سبع وستين فجمع قومه وخرج في صريخه إلى أن استولى على ممالكه‏.‏ورجع ملك الإفرنج فعاد النصارى إلى شأنهم مع بطرة‏.‏ وغلب القمط على سائر الممالك فتحيز بطرة إلى ثغوره مما يلي بلاد المسلمين‏.‏ ونادى صريخه بابن الأحمر فانتهز فيها الفرصة‏.‏ودخل بعساكره المسلمين فأثخن في أرض النصرانية وخرب معاقلهم ومدنهم مثل أبدة وجيان وغيرهما من أمهات أمصارهم‏.‏ثم رجع إلى غرناطة ولم تزل الفتنة قائمة بين بطرة وأخيه القمط إلى أن غلبه القمط وقتله‏.‏وفي خلال هذه الفتن بقيت ثغورهم مما يلي أرض المسلمين عورة‏.‏وتشوف المسلمون إلى ارتجاع الجزيرة التي قرب عهدهم بانتظامها في ملكة المسلمين‏.‏وكان صاحب المغرب في شغل عن ذلك بما كان فيه من انتقاض أبي الفضل ابن أخيه وعامر بن محمد فراسل صاحب الأندلس في أن يزحف إليها بعساكره على أن عليه عطاءهم وإمداده بالمال والأساطيل وعلى أن يكون مثوبة جهادها خالصة له فأجابه إلى ذلك وبعث إليه أحمال المال‏.‏وأوعز إلى أساطيله بسبتة فعمرت وأقلعت إلى مرسى الجزيرة لحصارها‏.‏وزحف ابن الأحمر بعساكر المسلمين على أثرها بعد أن قسم فيهم العطاء وأزاح العلل واستعد الآلة للحصار فنازلها أياما قلائل‏.‏ثم أيقن النصارى بالهلكة لبعدهم عن الصريخ ويأسهم من مدد ملوكهم فألقوا باليد وسألوا النزول على حكم السلم فأجابهما السلطان عليه‏.‏ونزلوا عن البلد وأقيمت فيها شعائر الإسلام ومراسمه ومحيت منها كلمة الكفر وطواغيته‏.‏وكتب الله أجرها لمن أخلص في معاملته وذلك سنة سبعين‏.‏ وولى ابن الأحمر عليها من قبله‏.‏ولم تزل لنظره إلى أن تمحض النظر عن هدمها خشية استيلاء النصرانية عليها فهدمت أعوام ثمانين وأصبحت خاوية كأن لم تغن بالأمس‏.‏ والبقاء لله وحده‏.‏

الخبر عن حركة السلطان إلى تلمسان واستيلائه عليها وعلي سائر بلادها

وفرار أبي حمو عنها كان عرب المعقل موطنين بصحراء المغرب من لدن السوس ودرعة تافليلالت وملوية وصا‏.‏ وكان بنو منصور منهم أولاد حسين والأحلاف مختصين بطاعة بني مرين وفي وطنهم‏.‏ كانوا مغلبين للدولة وتحت قهر من سلطانها‏.‏ولما ارتجع بنو عبد الواد ملكهم بتلمسان على يد أبي حمو وكان الاختلاف بالمغرب عاث هؤلاء المعقل وأكثروا في الوطن الفساد‏.‏ولما استقلت الدولة من عثرها تحيزوا إلى بني عبد الواد وأقطعوهم في أوطانهم‏.‏ واستقروا هنالك من لدن نزوع عبد الله بن مسلم العامل كان بدرعة إلى أبي حمو ووزارته له‏.‏وفسد ما بين سلطان المغرب وبين أبي حمو من جراء ذلك‏.‏ونهض أبو حمو سنة ست وستين إلى المغرب وعاث في نواحي دبدو ثغر المغرب فشبت لذلك نار العداوة بينه وبين صاحب الثغر محمد بن زكدان فكان داعية لعداء صاحب المغرب على الأيام‏.‏ولما استبد السلطان عبد العزيز وهلك عبد الله بن مسلم صاحبهم وترددت الرسل بين أبي حمو وبين السلطان عبد العزيز كان فيما اشترط عليه التجافي عن قبول المعقل عرب وطنه لما فيه من الاستكثار بهم عليه‏.‏وأبى عليهم أبو حمو منها لاستظهاره بهم على زغبة من أهل وطنه وغيرهم‏.‏ وكثر التلاحي في ذلك وأحفظ السلطان وهم بالنهوض إليه سنة سبعين‏.‏ وأقصر لما أخذ بحجرته من خلاف عامر‏.‏وصاحب الثغر محمد بن زكدان أثناء ذلك يحرضه على الحركة إلى أبي حمو ويرغبه في ملك تلمسان‏.‏ ولما قضى السلطان من حركة مراكش وفرغ من شأن عامر ورجع إلى فاس وافاه بها أبو بكر بن عريف أمير سويد في قومه من بني مالك بحللهم وناجعتهم صريخاً على أبي حمو لما نال منهم‏.‏وتقبض على أخيهم محمد ورؤساء بني مالك جزاء بما يعرف لهم ولسلفهم من ولاية صاحب المغرب‏.‏ ووفد عليه معهم رسل أهل الجزائر ببيعتهم يستحثون السلطان لاستنقاذهم من لهواته‏.‏ووامر السلطان في ذلك وليه وفزمار بن عريد ومحمد بن زكدان صاحب دبدو فزعموا له بالغناء في ذلك‏.‏واعتزم على النهوض إلى تلمسان وبعث الحاشرين إلى مراكش للاحتشاد‏.‏ وتوافى الناس ببابه على طبقاتهم أيام منى من سنة إحدى وسبعين‏.‏وأفاض العطاء وأزاح العلل ولما قضى نسكه في الأضحى اعترض العساكر وارتحل إلى تلمسان واحتل بتازى‏.‏وبلغ خبر نهوضه إلى أبي حمو فجمع من إليه من زناتة الشرق وسني عامر من عرب زغبة‏.‏وتوافت جموعه بساحة تلمسان وأضرب هنالك معسكره واستعرض جنوده واعتزم على الزحف إلى لقاء بني مرين ثقة بمكان المعقل‏.‏وتحيز من كان معه من عرب المعقل الأحلاف وعبيد الله إلى السلطان عبد العزيز بمداخلة وليهم ونزمار‏.‏واجتمعوا إليه وسرح معهم صنائعه فارتحلوا بين يديه وسلكوا طريق الصحراء‏.‏وبلغ خبر تحيزهم وإقبالهم إلى أبي حمو فأجفل هو وجنوده وأشياعه من بني عامر وسلكوا على البطحاء‏.‏ثم ارتحلوا عنها وعاجوا على منداس وخرجوا إلى بلاد الديالم‏.‏ ثم لحقوا بوطن رياح ونزلوا على أولاد سباع بن علي بن يحيى‏.‏وارتحل السلطان عبد العزيز من تازى وقدم بين يديه وزيره أبا بكر بن غازي فدخل تلمسان وملكها‏.‏ورحل السلطان على أثره واحتل بتلمسان يوم عاشوراء من سنة اثنتين وسبعين فدخلها في يوم مشهود واستولى عليها وعقد لوزيره أبي بكر بن غازي على العسكر من بني مرين والجنود والعرب من المعقل وسويد وسرحه في أتباعهم وجعل شوراه إلى وليه ونزمار وفوض إليه في ذلك‏.‏وارتحلوا من تلمسان آخر المحرم وكنت وافداً على أبي حمو فلما أجفل عن تلمسان ودعته وانصرفت إلى هنين للإجازة إلى الأندلس‏.‏ووشى بعض المفسدين عند السلطان بأني احتملت مالاً للأندلس فبعث جريدة من عسكره للقبض علي‏.‏ ووافوه بوادي الزيتون قبل مدخله إلى تلمسان فأحضرني وسألني‏.‏وتبين كذب الواشين فأطلقني وخلع علي وحملني ولما ارتحل الوزير في أتباع أبي حمو استدعاني وأمرني بالنهوض إلى رياح والقيام فيهم بطاعته وصرفهم عن طاعة أبي حمو وصريخه فنهضت لذلك ولحقت بالوزير بالبطحاء وارتحلت معه إلى وادي وراك من بلاد العطاف فودعته وذهبت لوجهي وجمعت رياحاً على طاعة السلطان ونكبت بهم عن صريخ أبي حمو فنكبوا عنه‏.‏وخرج أبو زيان من محل بؤرته بحصين فلحق بأولاد محمد بن علي بن سباع من الدواودة‏.‏وارتحل أبو حمو من المسيلة فنزل بالدوسن وتلوم بها‏.‏وأوفدت من الدواودة على الوزير ونزمار فكانوا أدلاءهم في النهوض إليه‏.‏ووافوه بمكانه من الدوسن في معسكره من في زناتة وحلل بني عامر والوزير في التعبية‏.‏وأمم زناتة والعرب من المعقل وزغبة ورياح محدقة به فأجهضوه عن ماله ومعسكره فانتهب بأسره‏.‏ واكتسحت أموال العرب الذين معه ونجا بدمه إلى مصاب‏.‏ وتلاحق به ولده وقومه متفرقين على كل مفازة وتلوم الوزير بالدوسن أياماً‏.‏ ووافاه هنالك إتحاف بن مزني وانقلب إلى المغرب‏.‏ومر على قصور بني عامر بالصحراء فاستباحها وشردهم عنها إلى قاصية القفر ومفازة العطش‏.‏ ولحق بتلمسان في ربيع الثاني‏.‏ووفدت أنا بالدواودة على السلطان ورئيسهم أبو الدينار بن علي بن أحمد فبر السلطان مقدمه ورعى له سوابقه عند أبيه وخلع عليه وحمله‏.‏ وخلع على الوفد كافة وانصرفوا إلى مواطنهم‏.‏وبعث السلطان عماله في الأمصار وعقد لصنائعه على النواحي وجهز الكتائب مع وزيره عمر بن مسعود بن منديل بن حمامة لحصار حمزة بن علي بن راشد من آل ثابت بن منديل كان ربي في حجر الدولة ونشأ في جو نعمتها وسخط حاله لديهم فنزع إلى وطن سلفه من بلاد معراوة‏.‏ ونزل بجبل بني بو سعيد فأجاروه وبايعوه على الموت دونه‏.‏ وسرح السلطان وزيره إلى الأخذ بمخنقهم فنزل عليهم وقاتلهم‏.‏وامتنعوا في رأس شاهق لهم فأوطن الوزير بالخميس من وادي شلف وأحجرهم بمعتصمهم‏.‏وتوافت لديه الأمداد من العساكر من تلمسان فجمرها كتائب وبوأهم المقاعد للحصار وأقام هنالك‏.‏ واستولى السلطان على سائر الوطن من الأمصار والأعمال وعقد عليها‏.‏ واستوسق له ملك المغرب الأوسط كما كان لسلفه‏.‏ والملك بيد الله يؤتيه من يشاء من عباده‏.‏

الخبر عن اضطراب المغرب الأوسط ورجوع أبي زيان إلى تيطرى

وأجلاب العرب بأبي حمو على تلمسان إلي أن غلبهم السلطان جميعاً على الأمر واستوسق له الملك لما خلص أبو حمو من واقعة الدوسن هو وأحياء بني عامر وأشياعه لحقوا بالصحراء وأبعدوا فيها عن قصورهم قبلة جبل راشد‏.‏ ورجع الوزير ونزمار بن عريف بأحياء العرب كافة من زغبة والمعقل‏.‏وكان السلطان لما احتل بتلمسان طلب العرب منه إطلاق أيديهم على ما أقطعهم أبو حمو إياه من الوطن على الزبون والاعتزاز عليه فاستنكف من ذلك لعظم سلطانه واستبداد ملكه فسخطوا أحواله ورجوا أن يكون لأبي حمو ظهور ينالون به ما أملوه‏.‏ فلما انهزم وفلت عساكره وظهر السلطان ظهوراً لا كفاء له فيئسوا‏.‏وأزمع رحو بن منصور بن يعقوب أمير الخوارج من عبيد الله إحدى بطون المعقل الخروج على السلطان‏.‏ ولما خرج العرب إلى مشاتيهم لحق بأبي حمو وأحياء بني عامر وكاثرهم وقادهم إلى العيث في الأوطان‏.‏وأجلبوا على ممالك السلطان ونازلوا وجدة في رجب من سنة اثنتين وسبعين‏.‏ وصمد نحوهم العساكر من تلمسان فأجفلوا وعادوا إلى البطحاء واكتسحوا أوطانهم‏.‏ونهض إليهم الوزير في العساكر ففروا أمامه واتبع آثارهم إلى أن أصحروا‏.‏ واستنسر خلال ذلك بغاث حمزة بن علي بن راشد فبيت معسكر الوزير بمكانه من حصاره بشلف ففض جموعه ولحق مفلولاً بالبطحاء‏.‏ وبلغ الخبرإلى حصين وكانوا راهبين من السلطان لما اشتهر عنهم من الخلاف على الدول والقيام بأمر الخوارج فجأجئوا بأبي زيان الثائر كان عندهم من مكانه بأحياء أولاد يحيى بن علي بن سباع من الدواودة فلحق بهم وأجلبوا على ضواحي المدية ونازلوا عسكر السلطان بها‏.‏ واضطرم المغرب الأوسط ناراً واتصل ذلك مدة‏.‏ولما كانت سنة ثلاث وسبعين واستمال السلطان رخو بن منصور عن أبي حمو وبذل له مالاً وأقطعه ما أحب من الضواحي وفعل ذلك بسائرهم وملأ صدورهم ترغيباً‏.‏واعتزم على تجهيز العساكر معهم لحسم أدواء الفساد وإخراج الثوار من النواحي‏.‏واتهم وزيره عمر بن مسعود بالمداهنة في أمر المغراوي فسرح من ذويه من تقبض عليه وأشخصه إلى حضرته مقيداً واعتقله بفاس‏.‏وجهز عساكره واعترض جنوده وعقد لوزيره أبي بكر بن غازي على حراب الثوار والخوارج فنهض من تلمسان في رجب من سنة ثلاث وسبعين‏.‏واعتمد حمزة بن علي بن راشد في معتصمه بجبل بني بوسعيد وألح عليهم بالقتال فعضتهم الحرب بنابها وداخلهم الرعب وأوفدوا مشيختهم على الوزير بالطاعة‏.‏ونبذ العهد إلى حمزة فعقد لهم ما ابتغوه‏.‏ ولحق حمزة بأبي زيان بمكانه من حصين‏.‏ثم أثنى عزمه عن ذلك ورجع إلى ضواحي شلف‏.‏ وبيته بعض الحامية بتيمروغت فثبتوا في مراكزهم وانفض جمعه وتقبض عليه وسيق إلى الوزير فاعتقله‏.‏وبعث إلى السلطان في شأنه فأمر بقتله فاحتز رأسه ورؤوس أشياعه وبعث بهم إلى السلطان وعلق أشلاءهم بأسوار مليانة‏.‏ ثم زحف إلى حصين فأحجرهم بمعقلهم بتيطرى‏.‏ واجتمعت إليه أحياء زغبة كافة‏.‏فأحاط بهم من كل جانب وطاولهم الحصار وغاداهم الحرب وخاطبني السلطان بمكاني من الزاب وأوعز إلي بنفير رياح كافة إلى معسكر الوزير فاستنفرتهم بأحيائهم وناجعتهم‏.‏ونازلنا الجليل من جانب الصحراء مما يلي ضواحي رياح فأصابهم الجهد وداخلهم الرعب وانفضوا من المعقل وانذعروا في الجهات في المحرم فاتح أربع وسبعين ولحق أبو زيان بواركلي واستولى الوزير على المعقل وانتهب ما فيه‏.‏واقتضى رهن حصين على الطاعة وقرر عليهم الوضائع والمغارم فأعطوها عن يد‏.‏وكان أبو حمو في خلال ذلك قد أجلب على تلمسان ينتهز فرصة في انتباذ العساكر عن السلطان‏.‏وكان وليه خالد بن عامر أمير بني عامر من زغبة مريد الطاعة لما اتهم أبو حمو به بولاية رديفه عبد الله بن عسكر بن معرف دونه فأسخطه ذلك وداخل السلطان عبد العزيز في الأنحراف إليه عن أبي حمو على مال إليه فنزع عنه‏.‏وجهز له السلطان عسكراً لحرب أبي حمو وأشياعه في ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين من بني عامر وأولاد يغمور من المعقل وعقد عليهم لمحمد بن عثمان من قرابة أبي بكر بن غازي‏.‏وتعرضوا للقائهم فانفض جمعهم ومنحوا أكتافهم‏.‏وأحيط بمعسكر أبي حمو وحلل العرب فاكتسح ما واستولى بنو مرين على أمواله وحرمه وولده فاستاقوهم إلى السلطان فأشخصهم إلى فاس فأنزلهم بقصوره‏.‏ وتقبض على مولاه عطية بن موسى صاحب شلف فامتن عليه وألحقه جملته‏.‏ونجا أبو حمو وألقى بنفسه إلى عبد الله بن صغير مستميتاً فامتن عليه وبعث معه الأدلاء إلى تيكورارين من بلاد القبلة فنزلها وكان ذلك بين يدي فتح تيطرى بليال‏.‏واستوت قدم السلطان في ملكه واستولى على المغرب الأوسط ودفع الثوار والخوارج عنه‏.‏واستمال كافة العرب إلى طاعته فأتوها راغبين وراهبين‏.‏ ووفد عليه الوزير أبو بكر‏.‏

الخبر عن قدوم الوزير ابن الخطيب

علم السلطان بتلمسان نازعاً إليه من سلطانه الأحمر صاحب الأندلس أصل هذا الرجل من لوشة على مرحلة من غرناطة من البسيط الذي في ساحتها المسمى بالمرج على وادي شنجيل ويقال شنيل المختوق في ذلك البسيط من الجنوب إلى الشمال كان له بها سلف معدود في وزرائها‏.‏وانتقل أبوه عبد الله إلى غرناطة واستخدم لملوك بني الأحمر واستعمل على مخازن الطعام‏.‏ونشأ ابنه محمد هذا بغرناطة وتأدب على مشيختها واختص بصحبة الحكيم المشهور يحيى بن هذيل وأخذ عنه العلوم الفلسفية وبرز في الطب وانتحل الأدب وأخذ عن أشياخه وامتلأ من خوض اللسان نظمه ونثره مع انتقاء الجيد منه‏.‏ ونبغ في الشعر والترسل بحيث لا يجارى فيهما‏.‏وامتدح السلطان أبا الحجاج من ملوك بني الأحمر لعصره وملأ الدولة بمدائحه وانتشرت في الآفاق فرقاه السلطان إلى خدمته وأثبته في ديوان الكتاب ببابه مرؤوساً بأبي الحسن بن الجياب شيخ العدوتين في النظم والنثر وسائر العلوم الأدبية‏.‏وكاتب السلطان بغرناطة من لدن أيام محمد المخلوع من سلفه عندما قتل وزيره محمد بن الحكيم المستبد عليه كما مر في أخبارهم‏.‏فاستبد ابن الجياب برياسة الكتاب من يومئذ إلى أن هلك في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين وسبعماية فولى السلطان أبو الحجاج حينئذ محمد بن الخطيب هذا رياسة الكتاب ببابه مثناة بالوزارة‏.‏ ولقبه بها فاستقل بذلك‏.‏ وصدرت عنه غرائب من الترسل في مكاتبات جيرانهم من ملوك العدوة‏.‏ ثم داخله السلطان في تولية العمال على يده بالمشارطات فجمع له بها أموالاً‏.‏ وبلغ في المخالصة إلى حيث لم يبلغ بأحد ممن قبله‏.‏ وسفر عنه إلى السلطان أبي عنان ملك بني مرين بالعدوة مقرباً بأبيه السلطان أبي الحسن فجلى في أغراض سفارته‏.‏ثم هلك السلطان أبو الحجاج سنة خمس وخمسين عدا عليه بعض الزعانف يوم الفطر بالمسجد في سجوده للصلاة وطعنه فأشواه وفاض لوقته‏.‏وتعاورت سيوف الموالي المعلوجي هذا القاتل فمزقوه أشلاء‏.‏ وبويع ابنه محمد لوقته‏.‏وأقام بأمره مولاهم رضوان الراسخ القدم في قيادة عساكرهم وكفالة الأصاغر من ملوكهم واستبد بالدولة‏.‏ وأفرد ابن الخطيب بوزارته كما كان لأبيه واتخذ لكتابته غيره‏.‏وجعل ابن الخطيب رديفاً له في أمره ومشاركاً في استبداده معنى فجرت الدولة على أحسن حال وأقوم طريقة‏.‏ثم بعثوا الوزير ابن الخطب سفيراً إلى السلطان أبي عنان مستمداً له على عدوهم الطاغية على عادتهم مع سلفه‏.‏فلما قدم على السلطان ومثل بين يديه تقدم الوفد الذين معه من وزراء الأندلس وفقهائها واستأذنه في إنشاد شيء من الشعر خليفة الله ساعد القدر علاك ما لاح في الدجى قمر ودافعت عنك كف قدرته ما ليس يستطيع دفعه البشر وجهك في النائبات بدر دجى لنا وفي المحل كفك المطر والناس طراً بأرض أندلس لولاك ما أوطنوا ولا عمروا وجملة الأمر أنه وطن في غير علياك ما له وطر ومن به مذ وصلت حبلهم ما جحدوا نعمة ولا كفروا وقد أهمتهم نفوسهم فوجهوني إليك وانتظروا فاهتز السلطان لهذه الأبيات وأذن له في الجلوس‏.‏ وقال له قبل أن يجلس ما ترجع إليهم إلا بجميع طلباتهم‏.‏ ثم أثقل كاهلهم بإحسانه وردهم بجميع ما طلبوه‏.‏وقال لي شيخنا القاضي أبو القاسم الشريف وكان معه في ذلك الوفد لم يسمع بسفي قضى سفارته قبل أن يسلم على السلطان إلا هذا‏.‏ ومكثت دولتهم هذه بالأندلس خمس سنين‏.‏ثم ثار بهم محمد الرئيس ابن عم السلطان شركه في جده الرئيس أبي سعيد‏.‏ وتحين خروج السلطان إلى متنزهه خارج الحمراء‏.‏ وتسور دار الملك المعروفة بالحمراء وكبس رضواناً في بيته فقتله‏.‏ ونصب للملك إسماعيل ابن السلطان أبي الحجاج بما كان صهره على شقيقته‏.‏ وكان معتقلاً بالحمراء فأخرجه وبايعه وقام بأمره مستبداً عليه‏.‏ وأحس السلطان محمد بقرع الطبول وهو بالبستان فركب ناجياً إلى وادي آش وضبطها‏.‏وبعث بالخبر إلى السلطان أبي سالم إثر ما استولى على ملك آبائه بالمغرب‏.‏وقد كان مثواه أيام أخيه أبي عنان عندهم بالأندلس‏.‏ واعتقل الرئيس القائم بالدولة هذا الوزير ابن الخطيب وضيق عليه في محبسه‏.‏ وكانت بينه وبين الخطيب ابن مرزوق مودة استحلمت أيام مقامه بالأندلس كما مر‏.‏وكان غالباً على هوى السلطان أبي سالم فزين له استدعاء هذا السلطان المخلوع من وادي آش يعده زبوناً على أهل الأندلس ويكف به عادية القرابة المرشحين هنالك متى طمحوا إلى ملك المغرب فقبل ذلك منه‏.‏وخاطب أهل الأندلس في تسهيل طريقه من وادي آش إليه‏.‏ وبعث من أهل مجلسه الشريف أبا القاسم التلمساني وحمله مع ذلك الشفاعة في ابن الخطيب‏.‏وحل معتقله فانطلق وصحب الشريف أبا القاسم إلى وادي آش وسار في ركاب سلطانه‏.‏وقدموا على السلطان أبي سالم فاهتز لقدوم ابن الأحمر وركب في موكب لتلقيه وأجلسه إزاء كرسيه‏.‏وأنشد ابن الخطيب قصيدته كما مر يستصرخ السلطان لنصره فوعده وكان يوماً مشهوداً وقد مر ذكره‏.‏ ثم أكرم مثواه وأرغد نزله ووفر أرزاق القادمين في ركابه وانتظر به وأرغد عيش ابن الخطيب في الجراية والأقطاع‏.‏ثم استأنس واستأذن السلطان في التحول بجهات مراكش والوقوف على آثار الملك بها فأذن له وكتب إلى العمال بإتحافه فتبارزوا في ذلك وحصر منه على حظ‏.‏وعندما مر بسلا في قفوله من سفره‏.‏ دخل مقبرة الملوك بشالة ووقف على قبر السلطان أبي الحسن وأنشد قصيدة على روي الراء يرثيه ويستجير به في استرجاع ضياعه بقرطبة ومطلعها إن بان منزله وشطت داره قامت مقام عيانه أخباره قسم زمانك غيرة أو عبرة هذا ثراه وهذه آثاره فكتب السلطان أبو سالم في ذلك إلى أهل الأندلس بالشفاعة فشفعوه‏.‏واستقر هو بسلا منتبذاً عن سلطانه طول مقامته بالعدوة‏.‏ ثم عاد السلطان محمد المخلوع إلى مكانه بالأندلس سنة ثلاث وستين كما مر في أخباره‏.‏وبعث عن مخلفه بفاس من الأهل والولد القائم بالدولة يومئذ عمر بن عبد الله بن علي فاستقدم ابن الخطيب من سلا وبعثهم لنظره‏.‏وسر السلطان بقدومه ورده إلى منزلته كما كان مع رضوان كافله‏.‏ وكان عثمان بن يحيى بن عمر شيخ الغزاة وابن شيوخهم قد لحق بالطاغية في ركاب أبيه عندما أحس بالشر من الرئيس صاحب غرناطة‏.‏وأجاز يحيى من هنالك إلى العدوة وأقام عثمان بدار الحرب فصحب السلطان في مثوى اغترابه هنالك وتقلب في هذا مذاهب خدمته‏.‏وانحرفوا عن الطاغية عندما يئسوا من الفتح على يديه فتحولوا عنه إلى ثغور بلاده‏.‏وخاطبوا عمر بن عبد الله في أن يمكنهم من بعض الثغور الغربية التي لطاعتهم بالأندلس يرتقبون منها الفتح‏.‏وخاطبني السلطان المخلوع في ذلك وكانت بيني وبين عمر بن عبد الله أزفة مرعية ومخالصة متأكدة فوفيت للسلطان بذلك من عمر بن عبد الله‏.‏وحملته على أن يرد عليه مدينة رندة إذ هي تراث سلفه فقبل إشارتي في ذلك‏.‏ وتسوغها السلطان المخلوع ونزل بها وعثمان بن يحيى في جملته وهو المقدم في بطانته‏.‏ ثم غزوا منها مالقة فكانت ركاباً للفتح‏.‏وملكها السلطان واستولى بعده على دار ملكه بغرناطة وعثمان بن يحيى متقدم القدم في الدولة غريق في المخالصة وله على السلطان دالة واستبداد على هواه‏.‏فلما وصل ابن الخطيب بأهل السلطان وولده وأعاده السلطان إلى مكانه في الدولة من علو يده وقبول إشارته فأدركته الغيرة من عثمان ونكر على السلطان الاستكفاء به والتخوف من هؤلاء الأعياص على ملكه فحذره السلطان وأخذ في التدبير عليه حتى نكبه وأباه وإخوته في رمضان سنة أربع وستين وأودعهم المطبق‏.‏ثم غربهم بعد ذلك وخلا لابن الخطيب الجو وغلب على هوى السلطان ودفع إليه تدبير الدولة وخلط بينه بندمانه وأهل خلوته‏.‏وانفرد ابن الخطيب بالحل والعقد وانصرفت إليه الوجوه وعلقت به الآمال وغشي بابه الخاصة والكافة وغصت به بطانة السلطان وحاشيته فتفننوا في السعايات فيه وقد صم السلطان عن قبولها‏.‏ ونمي الخبر بذلك إلى ابن الخطيب فشمر عن ساعده في التقويض عنهم‏.‏واستخدم للسلطان عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن ملك العدوة يومئذ قي القبض على ابن عمه عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ابن السلطان أبي علي كانوا قد نصبوه شيخاً على الغزاة بالأندلس لما أجاز من العدوة بعد ما جاس خلالها لطلب الملك وأضرم بها نار الفتنة في كل ناحية وأحسن دفاعه الوزير عمر بن عبد الله القائم حينئذ بدولة بني مرين فاضطر إلى الإجازة إلى الأندلس فأجاز هو ووزيره مسعود بن ماسي ونزلوا على السلطان المخلوع أعوام سبعة وستين فأكرم نزلهم‏.‏وتوفي علي بن بدر الدين شيخ الغزاة فقدم عبد الرحمن مكانه‏.‏وكان السلطان عبد العزيز قد استبد بملكه بعد مقتل الوزير عمر بن عبد الله فغص بما فعله السلطان المخلوع من ذلك‏.‏ وتوقع انتقاض أمره منهم‏.‏ ووقف على مخاطبات من عبد الرحمن يسربها في بني مرين فجزع لذلك‏.‏وداخله ابن الخطيب في اعتقال ابن أبي يفلوسن وابن ماساي وإراحة نفسه من شغبهم على أن يكون له المكان من دولته متى نزع إليه فأجابه إلى ذلك وكتب له العهد بخطه على يد سفيره إلى أندلس وكاتبه أبي يحيى بن أبي مدين‏.‏وأغرى ابن الخطيب سلطانه بالقبض على ابن أبي يفلوسن وابن ماساي فتقبض عليهما واعتقلهما‏.‏وفي خلال ذلك استحكمت نفرة ابن الخطيب لما بلغه عن البطانة من القدح فيه والسعاية‏.‏وربما تخيل له أن السلطان مال إلى قبولها وأنهم قد أحفظوه عليه فأجمع التحويلع عن الأندلس إلى المغرب‏.‏واستأذن السلطان في تفقد الثغور الغربية‏.‏وسار إليها في لمة من فرسانه ومعه ابنه علي الذي كان خالصة للسلطان وذهب لطبنة‏.‏فلما حاذى جبل الفتح فرضة المجاز إلى العدوة مال إليه وسرح أذنه بين يديه فخرج قائد الجبل لتلقيه‏.‏وقد كان السلطان عبد العزيز أوعز إليه بذلك وجهز له الأسطول من حينه فأجاز إلى سبتة‏.‏وتلقاه ولاتها بأنواع التكرمة وامتثال المراسيم‏.‏ثم سلك لقصد السلطان فقدم عليه سنة ثلاث وسبعين بمقامته من تلمسان فاهتزت له الدولة‏.‏وأركب السلطان خاصته لتلفيه وأحله من مجلسه محل الأمن والغبطة ومن دولته بمكان البنوة والعزة‏.‏وأخرج لوقته كاتبه أبا يحيى بن مدين سفيراً إلى صاحب الأندلس في طلب أهله وولده فجاء بهم على أكمل حالات الأمن والتكرمة‏.‏ثم لغط المنافسون له في شأنه وأغروا السلطان بتتبع عثراته وأبدى ما كان كامناً في نفسه من سقطات دالته وإحصاء معائبه‏.‏وشاع على ألسنة أعدائه كلمات منسوبة إلى الزندقة أحصوها عليه ونسبوها إليه‏.‏ورفعت إلى قاضي الحضرة أبي الحسن ابن أبي الحسن فاستردها وسجل عليه بالزندقة‏.‏وراجع صاحب الأندلس رأيه فيه‏.‏وبعث القاضي ابن الحسن إلى السلطان عبد العزيز في الانتقام منه بتلك السجلات وإمضاء حكم الله فيه فصمم عن ذلك وأنف لذمته أن تخفر ولجواره أن يرد وقال لهم هلا انتقمتم منه وهو عندكم وأنتم عالمون بما كان عليه وأما أنا فلا يخلص إليه بذلك أحد ما كان في جواري‏.‏ثم وفر الجراية والإقطاع له ولبنيه ومن جاء من أهل الأندلس في جملته‏.‏فلما هلك السلطان عبد العزيز سنة أربع وسبعين ورجع بنو مرين إلى المغرب وتركوا تلمسان سار هو في ركاب الوزير أبي بكر بن غازي القائم بالدولة فنزل بفاس واستكثر من شراء الضياع وتأنق في بناء المساكن وأغراس الجنات‏.‏ وحفظ عليه القائم بالدولة الرسوم التي رسمها له السلطان المتوفى‏.‏ واتصلت حاله على ذلك إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-08-2011, 01:34 PM
الخبر عن ارتجاع الجزيرة

قد تقدم لنا ذكر تغلب الطاغية ألهنشة على الجزيرة سنة ثلاث وأربعين‏.‏ وأنه نازل بعدها جبل الفتح سنة إحدى وخمسين‏.‏ وهلك بالطاعون وهو محاصر له عندما استفحل أمره واشتدت شوكته فكفى الله به شأنه‏.‏ وولي أمر الجلالقة بعده ابنه بطرة وعدا على سائر إخوته‏.‏وفر أخوه القمط ابن حظية أبيه المسماة بلغتهم ألريق ‏"‏ بهمزة ‏"‏ إلى قمص برشلونة فأجاره وأنزله خير نزل‏.‏ ولحق به من الزعماء المركش ابن خالته وغيره من أقماصهم‏.‏وبعث إليه بطرة ملك قشتالة في إسلام أخيه فأبى من إخفار جواره‏.‏ وحدثت بينهما بسبب ذلك الفتنة الطويلة افتتح بطرة فيها كثيراً من معاقل صاحب برشلونة وأوطأ عساكره نواحي أرضه وحاصر بلنسية قاعدة شرق الأندلس مراراً وأرجف عليها بعساكره وملأ البحر إليها بأساطيله إلى أن ثقلت على النصرانية وطأته وساءت فيهم ملكته فانتقضوا عليه ودعوا القمط أخاه فزحف إلى قرطبة‏.‏وثار على بطرة أهل إشبيلية وتيقن صاغية النصارى إليه ففر عن ممالكه ولحق بملك الإفرنج وراء جليقية وفي الجوف عنها وهو صاحب أنكلطرة واسمه ألفنس غالس‏.‏ووفد عليه صريخاً سنة سبع وستين فجمع قومه وخرج في صريخه إلى أن استولى على ممالكه‏.‏ورجع ملك الإفرنج فعاد النصارى إلى شأنهم مع بطرة‏.‏ وغلب القمط على سائر الممالك فتحيز بطرة إلى ثغوره مما يلي بلاد المسلمين‏.‏ ونادى صريخه بابن الأحمر فانتهز فيها الفرصة‏.‏ودخل بعساكره المسلمين فأثخن في أرض النصرانية وخرب معاقلهم ومدنهم مثل أبدة وجيان وغيرهما من أمهات أمصارهم‏.‏ثم رجع إلى غرناطة ولم تزل الفتنة قائمة بين بطرة وأخيه القمط إلى أن غلبه القمط وقتله‏.‏وفي خلال هذه الفتن بقيت ثغورهم مما يلي أرض المسلمين عورة‏.‏وتشوف المسلمون إلى ارتجاع الجزيرة التي قرب عهدهم بانتظامها في ملكة المسلمين‏.‏وكان صاحب المغرب في شغل عن ذلك بما كان فيه من انتقاض أبي الفضل ابن أخيه وعامر بن محمد فراسل صاحب الأندلس في أن يزحف إليها بعساكره على أن عليه عطاءهم وإمداده بالمال والأساطيل وعلى أن يكون مثوبة جهادها خالصة له فأجابه إلى ذلك وبعث إليه أحمال المال‏.‏وأوعز إلى أساطيله بسبتة فعمرت وأقلعت إلى مرسى الجزيرة لحصارها‏.‏وزحف ابن الأحمر بعساكر المسلمين على أثرها بعد أن قسم فيهم العطاء وأزاح العلل واستعد الآلة للحصار فنازلها أياما قلائل‏.‏ثم أيقن النصارى بالهلكة لبعدهم عن الصريخ ويأسهم من مدد ملوكهم فألقوا باليد وسألوا النزول على حكم السلم فأجابهما السلطان عليه‏.‏ونزلوا عن البلد وأقيمت فيها شعائر الإسلام ومراسمه ومحيت منها كلمة الكفر وطواغيته‏.‏وكتب الله أجرها لمن أخلص في معاملته وذلك سنة سبعين‏.‏ وولى ابن الأحمر عليها من قبله‏.‏ولم تزل لنظره إلى أن تمحض النظر عن هدمها خشية استيلاء النصرانية عليها فهدمت أعوام ثمانين وأصبحت خاوية كأن لم تغن بالأمس‏.‏ والبقاء لله وحده‏.‏

الخبر عن حركة السلطان إلى تلمسان واستيلائه عليها وعلي سائر بلادها

وفرار أبي حمو عنها كان عرب المعقل موطنين بصحراء المغرب من لدن السوس ودرعة تافليلالت وملوية وصا‏.‏ وكان بنو منصور منهم أولاد حسين والأحلاف مختصين بطاعة بني مرين وفي وطنهم‏.‏ كانوا مغلبين للدولة وتحت قهر من سلطانها‏.‏ولما ارتجع بنو عبد الواد ملكهم بتلمسان على يد أبي حمو وكان الاختلاف بالمغرب عاث هؤلاء المعقل وأكثروا في الوطن الفساد‏.‏ولما استقلت الدولة من عثرها تحيزوا إلى بني عبد الواد وأقطعوهم في أوطانهم‏.‏ واستقروا هنالك من لدن نزوع عبد الله بن مسلم العامل كان بدرعة إلى أبي حمو ووزارته له‏.‏وفسد ما بين سلطان المغرب وبين أبي حمو من جراء ذلك‏.‏ونهض أبو حمو سنة ست وستين إلى المغرب وعاث في نواحي دبدو ثغر المغرب فشبت لذلك نار العداوة بينه وبين صاحب الثغر محمد بن زكدان فكان داعية لعداء صاحب المغرب على الأيام‏.‏ولما استبد السلطان عبد العزيز وهلك عبد الله بن مسلم صاحبهم وترددت الرسل بين أبي حمو وبين السلطان عبد العزيز كان فيما اشترط عليه التجافي عن قبول المعقل عرب وطنه لما فيه من الاستكثار بهم عليه‏.‏وأبى عليهم أبو حمو منها لاستظهاره بهم على زغبة من أهل وطنه وغيرهم‏.‏ وكثر التلاحي في ذلك وأحفظ السلطان وهم بالنهوض إليه سنة سبعين‏.‏ وأقصر لما أخذ بحجرته من خلاف عامر‏.‏وصاحب الثغر محمد بن زكدان أثناء ذلك يحرضه على الحركة إلى أبي حمو ويرغبه في ملك تلمسان‏.‏ ولما قضى السلطان من حركة مراكش وفرغ من شأن عامر ورجع إلى فاس وافاه بها أبو بكر بن عريف أمير سويد في قومه من بني مالك بحللهم وناجعتهم صريخاً على أبي حمو لما نال منهم‏.‏وتقبض على أخيهم محمد ورؤساء بني مالك جزاء بما يعرف لهم ولسلفهم من ولاية صاحب المغرب‏.‏ ووفد عليه معهم رسل أهل الجزائر ببيعتهم يستحثون السلطان لاستنقاذهم من لهواته‏.‏ووامر السلطان في ذلك وليه وفزمار بن عريد ومحمد بن زكدان صاحب دبدو فزعموا له بالغناء في ذلك‏.‏واعتزم على النهوض إلى تلمسان وبعث الحاشرين إلى مراكش للاحتشاد‏.‏ وتوافى الناس ببابه على طبقاتهم أيام منى من سنة إحدى وسبعين‏.‏وأفاض العطاء وأزاح العلل ولما قضى نسكه في الأضحى اعترض العساكر وارتحل إلى تلمسان واحتل بتازى‏.‏وبلغ خبر نهوضه إلى أبي حمو فجمع من إليه من زناتة الشرق وسني عامر من عرب زغبة‏.‏وتوافت جموعه بساحة تلمسان وأضرب هنالك معسكره واستعرض جنوده واعتزم على الزحف إلى لقاء بني مرين ثقة بمكان المعقل‏.‏وتحيز من كان معه من عرب المعقل الأحلاف وعبيد الله إلى السلطان عبد العزيز بمداخلة وليهم ونزمار‏.‏واجتمعوا إليه وسرح معهم صنائعه فارتحلوا بين يديه وسلكوا طريق الصحراء‏.‏وبلغ خبر تحيزهم وإقبالهم إلى أبي حمو فأجفل هو وجنوده وأشياعه من بني عامر وسلكوا على البطحاء‏.‏ثم ارتحلوا عنها وعاجوا على منداس وخرجوا إلى بلاد الديالم‏.‏ ثم لحقوا بوطن رياح ونزلوا على أولاد سباع بن علي بن يحيى‏.‏وارتحل السلطان عبد العزيز من تازى وقدم بين يديه وزيره أبا بكر بن غازي فدخل تلمسان وملكها‏.‏ورحل السلطان على أثره واحتل بتلمسان يوم عاشوراء من سنة اثنتين وسبعين فدخلها في يوم مشهود واستولى عليها وعقد لوزيره أبي بكر بن غازي على العسكر من بني مرين والجنود والعرب من المعقل وسويد وسرحه في أتباعهم وجعل شوراه إلى وليه ونزمار وفوض إليه في ذلك‏.‏وارتحلوا من تلمسان آخر المحرم وكنت وافداً على أبي حمو فلما أجفل عن تلمسان ودعته وانصرفت إلى هنين للإجازة إلى الأندلس‏.‏ووشى بعض المفسدين عند السلطان بأني احتملت مالاً للأندلس فبعث جريدة من عسكره للقبض علي‏.‏ ووافوه بوادي الزيتون قبل مدخله إلى تلمسان فأحضرني وسألني‏.‏وتبين كذب الواشين فأطلقني وخلع علي وحملني ولما ارتحل الوزير في أتباع أبي حمو استدعاني وأمرني بالنهوض إلى رياح والقيام فيهم بطاعته وصرفهم عن طاعة أبي حمو وصريخه فنهضت لذلك ولحقت بالوزير بالبطحاء وارتحلت معه إلى وادي وراك من بلاد العطاف فودعته وذهبت لوجهي وجمعت رياحاً على طاعة السلطان ونكبت بهم عن صريخ أبي حمو فنكبوا عنه‏.‏وخرج أبو زيان من محل بؤرته بحصين فلحق بأولاد محمد بن علي بن سباع من الدواودة‏.‏وارتحل أبو حمو من المسيلة فنزل بالدوسن وتلوم بها‏.‏وأوفدت من الدواودة على الوزير ونزمار فكانوا أدلاءهم في النهوض إليه‏.‏ووافوه بمكانه من الدوسن في معسكره من في زناتة وحلل بني عامر والوزير في التعبية‏.‏وأمم زناتة والعرب من المعقل وزغبة ورياح محدقة به فأجهضوه عن ماله ومعسكره فانتهب بأسره‏.‏ واكتسحت أموال العرب الذين معه ونجا بدمه إلى مصاب‏.‏ وتلاحق به ولده وقومه متفرقين على كل مفازة وتلوم الوزير بالدوسن أياماً‏.‏ ووافاه هنالك إتحاف بن مزني وانقلب إلى المغرب‏.‏ومر على قصور بني عامر بالصحراء فاستباحها وشردهم عنها إلى قاصية القفر ومفازة العطش‏.‏ ولحق بتلمسان في ربيع الثاني‏.‏ووفدت أنا بالدواودة على السلطان ورئيسهم أبو الدينار بن علي بن أحمد فبر السلطان مقدمه ورعى له سوابقه عند أبيه وخلع عليه وحمله‏.‏ وخلع على الوفد كافة وانصرفوا إلى مواطنهم‏.‏وبعث السلطان عماله في الأمصار وعقد لصنائعه على النواحي وجهز الكتائب مع وزيره عمر بن مسعود بن منديل بن حمامة لحصار حمزة بن علي بن راشد من آل ثابت بن منديل كان ربي في حجر الدولة ونشأ في جو نعمتها وسخط حاله لديهم فنزع إلى وطن سلفه من بلاد معراوة‏.‏ ونزل بجبل بني بو سعيد فأجاروه وبايعوه على الموت دونه‏.‏ وسرح السلطان وزيره إلى الأخذ بمخنقهم فنزل عليهم وقاتلهم‏.‏وامتنعوا في رأس شاهق لهم فأوطن الوزير بالخميس من وادي شلف وأحجرهم بمعتصمهم‏.‏وتوافت لديه الأمداد من العساكر من تلمسان فجمرها كتائب وبوأهم المقاعد للحصار وأقام هنالك‏.‏ واستولى السلطان على سائر الوطن من الأمصار والأعمال وعقد عليها‏.‏ واستوسق له ملك المغرب الأوسط كما كان لسلفه‏.‏ والملك بيد الله يؤتيه من يشاء من عباده‏.‏

الخبر عن اضطراب المغرب الأوسط ورجوع أبي زيان إلى تيطرى

وأجلاب العرب بأبي حمو على تلمسان إلي أن غلبهم السلطان جميعاً على الأمر واستوسق له الملك لما خلص أبو حمو من واقعة الدوسن هو وأحياء بني عامر وأشياعه لحقوا بالصحراء وأبعدوا فيها عن قصورهم قبلة جبل راشد‏.‏ ورجع الوزير ونزمار بن عريف بأحياء العرب كافة من زغبة والمعقل‏.‏وكان السلطان لما احتل بتلمسان طلب العرب منه إطلاق أيديهم على ما أقطعهم أبو حمو إياه من الوطن على الزبون والاعتزاز عليه فاستنكف من ذلك لعظم سلطانه واستبداد ملكه فسخطوا أحواله ورجوا أن يكون لأبي حمو ظهور ينالون به ما أملوه‏.‏ فلما انهزم وفلت عساكره وظهر السلطان ظهوراً لا كفاء له فيئسوا‏.‏وأزمع رحو بن منصور بن يعقوب أمير الخوارج من عبيد الله إحدى بطون المعقل الخروج على السلطان‏.‏ ولما خرج العرب إلى مشاتيهم لحق بأبي حمو وأحياء بني عامر وكاثرهم وقادهم إلى العيث في الأوطان‏.‏وأجلبوا على ممالك السلطان ونازلوا وجدة في رجب من سنة اثنتين وسبعين‏.‏ وصمد نحوهم العساكر من تلمسان فأجفلوا وعادوا إلى البطحاء واكتسحوا أوطانهم‏.‏ونهض إليهم الوزير في العساكر ففروا أمامه واتبع آثارهم إلى أن أصحروا‏.‏ واستنسر خلال ذلك بغاث حمزة بن علي بن راشد فبيت معسكر الوزير بمكانه من حصاره بشلف ففض جموعه ولحق مفلولاً بالبطحاء‏.‏ وبلغ الخبرإلى حصين وكانوا راهبين من السلطان لما اشتهر عنهم من الخلاف على الدول والقيام بأمر الخوارج فجأجئوا بأبي زيان الثائر كان عندهم من مكانه بأحياء أولاد يحيى بن علي بن سباع من الدواودة فلحق بهم وأجلبوا على ضواحي المدية ونازلوا عسكر السلطان بها‏.‏ واضطرم المغرب الأوسط ناراً واتصل ذلك مدة‏.‏ولما كانت سنة ثلاث وسبعين واستمال السلطان رخو بن منصور عن أبي حمو وبذل له مالاً وأقطعه ما أحب من الضواحي وفعل ذلك بسائرهم وملأ صدورهم ترغيباً‏.‏واعتزم على تجهيز العساكر معهم لحسم أدواء الفساد وإخراج الثوار من النواحي‏.‏واتهم وزيره عمر بن مسعود بالمداهنة في أمر المغراوي فسرح من ذويه من تقبض عليه وأشخصه إلى حضرته مقيداً واعتقله بفاس‏.‏وجهز عساكره واعترض جنوده وعقد لوزيره أبي بكر بن غازي على حراب الثوار والخوارج فنهض من تلمسان في رجب من سنة ثلاث وسبعين‏.‏واعتمد حمزة بن علي بن راشد في معتصمه بجبل بني بوسعيد وألح عليهم بالقتال فعضتهم الحرب بنابها وداخلهم الرعب وأوفدوا مشيختهم على الوزير بالطاعة‏.‏ونبذ العهد إلى حمزة فعقد لهم ما ابتغوه‏.‏ ولحق حمزة بأبي زيان بمكانه من حصين‏.‏ثم أثنى عزمه عن ذلك ورجع إلى ضواحي شلف‏.‏ وبيته بعض الحامية بتيمروغت فثبتوا في مراكزهم وانفض جمعه وتقبض عليه وسيق إلى الوزير فاعتقله‏.‏وبعث إلى السلطان في شأنه فأمر بقتله فاحتز رأسه ورؤوس أشياعه وبعث بهم إلى السلطان وعلق أشلاءهم بأسوار مليانة‏.‏ ثم زحف إلى حصين فأحجرهم بمعقلهم بتيطرى‏.‏ واجتمعت إليه أحياء زغبة كافة‏.‏فأحاط بهم من كل جانب وطاولهم الحصار وغاداهم الحرب وخاطبني السلطان بمكاني من الزاب وأوعز إلي بنفير رياح كافة إلى معسكر الوزير فاستنفرتهم بأحيائهم وناجعتهم‏.‏ونازلنا الجليل من جانب الصحراء مما يلي ضواحي رياح فأصابهم الجهد وداخلهم الرعب وانفضوا من المعقل وانذعروا في الجهات في المحرم فاتح أربع وسبعين ولحق أبو زيان بواركلي واستولى الوزير على المعقل وانتهب ما فيه‏.‏واقتضى رهن حصين على الطاعة وقرر عليهم الوضائع والمغارم فأعطوها عن يد‏.‏وكان أبو حمو في خلال ذلك قد أجلب على تلمسان ينتهز فرصة في انتباذ العساكر عن السلطان‏.‏وكان وليه خالد بن عامر أمير بني عامر من زغبة مريد الطاعة لما اتهم أبو حمو به بولاية رديفه عبد الله بن عسكر بن معرف دونه فأسخطه ذلك وداخل السلطان عبد العزيز في الأنحراف إليه عن أبي حمو على مال إليه فنزع عنه‏.‏وجهز له السلطان عسكراً لحرب أبي حمو وأشياعه في ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين من بني عامر وأولاد يغمور من المعقل وعقد عليهم لمحمد بن عثمان من قرابة أبي بكر بن غازي‏.‏وتعرضوا للقائهم فانفض جمعهم ومنحوا أكتافهم‏.‏وأحيط بمعسكر أبي حمو وحلل العرب فاكتسح ما واستولى بنو مرين على أمواله وحرمه وولده فاستاقوهم إلى السلطان فأشخصهم إلى فاس فأنزلهم بقصوره‏.‏ وتقبض على مولاه عطية بن موسى صاحب شلف فامتن عليه وألحقه جملته‏.‏ونجا أبو حمو وألقى بنفسه إلى عبد الله بن صغير مستميتاً فامتن عليه وبعث معه الأدلاء إلى تيكورارين من بلاد القبلة فنزلها وكان ذلك بين يدي فتح تيطرى بليال‏.‏واستوت قدم السلطان في ملكه واستولى على المغرب الأوسط ودفع الثوار والخوارج عنه‏.‏واستمال كافة العرب إلى طاعته فأتوها راغبين وراهبين‏.‏ ووفد عليه الوزير أبو بكر‏.‏

الخبر عن قدوم الوزير ابن الخطيب

علم السلطان بتلمسان نازعاً إليه من سلطانه الأحمر صاحب الأندلس أصل هذا الرجل من لوشة على مرحلة من غرناطة من البسيط الذي في ساحتها المسمى بالمرج على وادي شنجيل ويقال شنيل المختوق في ذلك البسيط من الجنوب إلى الشمال كان له بها سلف معدود في وزرائها‏.‏وانتقل أبوه عبد الله إلى غرناطة واستخدم لملوك بني الأحمر واستعمل على مخازن الطعام‏.‏ونشأ ابنه محمد هذا بغرناطة وتأدب على مشيختها واختص بصحبة الحكيم المشهور يحيى بن هذيل وأخذ عنه العلوم الفلسفية وبرز في الطب وانتحل الأدب وأخذ عن أشياخه وامتلأ من خوض اللسان نظمه ونثره مع انتقاء الجيد منه‏.‏ ونبغ في الشعر والترسل بحيث لا يجارى فيهما‏.‏وامتدح السلطان أبا الحجاج من ملوك بني الأحمر لعصره وملأ الدولة بمدائحه وانتشرت في الآفاق فرقاه السلطان إلى خدمته وأثبته في ديوان الكتاب ببابه مرؤوساً بأبي الحسن بن الجياب شيخ العدوتين في النظم والنثر وسائر العلوم الأدبية‏.‏وكاتب السلطان بغرناطة من لدن أيام محمد المخلوع من سلفه عندما قتل وزيره محمد بن الحكيم المستبد عليه كما مر في أخبارهم‏.‏فاستبد ابن الجياب برياسة الكتاب من يومئذ إلى أن هلك في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين وسبعماية فولى السلطان أبو الحجاج حينئذ محمد بن الخطيب هذا رياسة الكتاب ببابه مثناة بالوزارة‏.‏ ولقبه بها فاستقل بذلك‏.‏ وصدرت عنه غرائب من الترسل في مكاتبات جيرانهم من ملوك العدوة‏.‏ ثم داخله السلطان في تولية العمال على يده بالمشارطات فجمع له بها أموالاً‏.‏ وبلغ في المخالصة إلى حيث لم يبلغ بأحد ممن قبله‏.‏ وسفر عنه إلى السلطان أبي عنان ملك بني مرين بالعدوة مقرباً بأبيه السلطان أبي الحسن فجلى في أغراض سفارته‏.‏ثم هلك السلطان أبو الحجاج سنة خمس وخمسين عدا عليه بعض الزعانف يوم الفطر بالمسجد في سجوده للصلاة وطعنه فأشواه وفاض لوقته‏.‏وتعاورت سيوف الموالي المعلوجي هذا القاتل فمزقوه أشلاء‏.‏ وبويع ابنه محمد لوقته‏.‏وأقام بأمره مولاهم رضوان الراسخ القدم في قيادة عساكرهم وكفالة الأصاغر من ملوكهم واستبد بالدولة‏.‏ وأفرد ابن الخطيب بوزارته كما كان لأبيه واتخذ لكتابته غيره‏.‏وجعل ابن الخطيب رديفاً له في أمره ومشاركاً في استبداده معنى فجرت الدولة على أحسن حال وأقوم طريقة‏.‏ثم بعثوا الوزير ابن الخطب سفيراً إلى السلطان أبي عنان مستمداً له على عدوهم الطاغية على عادتهم مع سلفه‏.‏فلما قدم على السلطان ومثل بين يديه تقدم الوفد الذين معه من وزراء الأندلس وفقهائها واستأذنه في إنشاد شيء من الشعر خليفة الله ساعد القدر علاك ما لاح في الدجى قمر ودافعت عنك كف قدرته ما ليس يستطيع دفعه البشر وجهك في النائبات بدر دجى لنا وفي المحل كفك المطر والناس طراً بأرض أندلس لولاك ما أوطنوا ولا عمروا وجملة الأمر أنه وطن في غير علياك ما له وطر ومن به مذ وصلت حبلهم ما جحدوا نعمة ولا كفروا وقد أهمتهم نفوسهم فوجهوني إليك وانتظروا فاهتز السلطان لهذه الأبيات وأذن له في الجلوس‏.‏ وقال له قبل أن يجلس ما ترجع إليهم إلا بجميع طلباتهم‏.‏ ثم أثقل كاهلهم بإحسانه وردهم بجميع ما طلبوه‏.‏وقال لي شيخنا القاضي أبو القاسم الشريف وكان معه في ذلك الوفد لم يسمع بسفي قضى سفارته قبل أن يسلم على السلطان إلا هذا‏.‏ ومكثت دولتهم هذه بالأندلس خمس سنين‏.‏ثم ثار بهم محمد الرئيس ابن عم السلطان شركه في جده الرئيس أبي سعيد‏.‏ وتحين خروج السلطان إلى متنزهه خارج الحمراء‏.‏ وتسور دار الملك المعروفة بالحمراء وكبس رضواناً في بيته فقتله‏.‏ ونصب للملك إسماعيل ابن السلطان أبي الحجاج بما كان صهره على شقيقته‏.‏ وكان معتقلاً بالحمراء فأخرجه وبايعه وقام بأمره مستبداً عليه‏.‏ وأحس السلطان محمد بقرع الطبول وهو بالبستان فركب ناجياً إلى وادي آش وضبطها‏.‏وبعث بالخبر إلى السلطان أبي سالم إثر ما استولى على ملك آبائه بالمغرب‏.‏وقد كان مثواه أيام أخيه أبي عنان عندهم بالأندلس‏.‏ واعتقل الرئيس القائم بالدولة هذا الوزير ابن الخطيب وضيق عليه في محبسه‏.‏ وكانت بينه وبين الخطيب ابن مرزوق مودة استحلمت أيام مقامه بالأندلس كما مر‏.‏وكان غالباً على هوى السلطان أبي سالم فزين له استدعاء هذا السلطان المخلوع من وادي آش يعده زبوناً على أهل الأندلس ويكف به عادية القرابة المرشحين هنالك متى طمحوا إلى ملك المغرب فقبل ذلك منه‏.‏وخاطب أهل الأندلس في تسهيل طريقه من وادي آش إليه‏.‏ وبعث من أهل مجلسه الشريف أبا القاسم التلمساني وحمله مع ذلك الشفاعة في ابن الخطيب‏.‏وحل معتقله فانطلق وصحب الشريف أبا القاسم إلى وادي آش وسار في ركاب سلطانه‏.‏وقدموا على السلطان أبي سالم فاهتز لقدوم ابن الأحمر وركب في موكب لتلقيه وأجلسه إزاء كرسيه‏.‏وأنشد ابن الخطيب قصيدته كما مر يستصرخ السلطان لنصره فوعده وكان يوماً مشهوداً وقد مر ذكره‏.‏ ثم أكرم مثواه وأرغد نزله ووفر أرزاق القادمين في ركابه وانتظر به وأرغد عيش ابن الخطيب في الجراية والأقطاع‏.‏ثم استأنس واستأذن السلطان في التحول بجهات مراكش والوقوف على آثار الملك بها فأذن له وكتب إلى العمال بإتحافه فتبارزوا في ذلك وحصر منه على حظ‏.‏وعندما مر بسلا في قفوله من سفره‏.‏ دخل مقبرة الملوك بشالة ووقف على قبر السلطان أبي الحسن وأنشد قصيدة على روي الراء يرثيه ويستجير به في استرجاع ضياعه بقرطبة ومطلعها إن بان منزله وشطت داره قامت مقام عيانه أخباره قسم زمانك غيرة أو عبرة هذا ثراه وهذه آثاره فكتب السلطان أبو سالم في ذلك إلى أهل الأندلس بالشفاعة فشفعوه‏.‏واستقر هو بسلا منتبذاً عن سلطانه طول مقامته بالعدوة‏.‏ ثم عاد السلطان محمد المخلوع إلى مكانه بالأندلس سنة ثلاث وستين كما مر في أخباره‏.‏وبعث عن مخلفه بفاس من الأهل والولد القائم بالدولة يومئذ عمر بن عبد الله بن علي فاستقدم ابن الخطيب من سلا وبعثهم لنظره‏.‏وسر السلطان بقدومه ورده إلى منزلته كما كان مع رضوان كافله‏.‏ وكان عثمان بن يحيى بن عمر شيخ الغزاة وابن شيوخهم قد لحق بالطاغية في ركاب أبيه عندما أحس بالشر من الرئيس صاحب غرناطة‏.‏وأجاز يحيى من هنالك إلى العدوة وأقام عثمان بدار الحرب فصحب السلطان في مثوى اغترابه هنالك وتقلب في هذا مذاهب خدمته‏.‏وانحرفوا عن الطاغية عندما يئسوا من الفتح على يديه فتحولوا عنه إلى ثغور بلاده‏.‏وخاطبوا عمر بن عبد الله في أن يمكنهم من بعض الثغور الغربية التي لطاعتهم بالأندلس يرتقبون منها الفتح‏.‏وخاطبني السلطان المخلوع في ذلك وكانت بيني وبين عمر بن عبد الله أزفة مرعية ومخالصة متأكدة فوفيت للسلطان بذلك من عمر بن عبد الله‏.‏وحملته على أن يرد عليه مدينة رندة إذ هي تراث سلفه فقبل إشارتي في ذلك‏.‏ وتسوغها السلطان المخلوع ونزل بها وعثمان بن يحيى في جملته وهو المقدم في بطانته‏.‏ ثم غزوا منها مالقة فكانت ركاباً للفتح‏.‏وملكها السلطان واستولى بعده على دار ملكه بغرناطة وعثمان بن يحيى متقدم القدم في الدولة غريق في المخالصة وله على السلطان دالة واستبداد على هواه‏.‏فلما وصل ابن الخطيب بأهل السلطان وولده وأعاده السلطان إلى مكانه في الدولة من علو يده وقبول إشارته فأدركته الغيرة من عثمان ونكر على السلطان الاستكفاء به والتخوف من هؤلاء الأعياص على ملكه فحذره السلطان وأخذ في التدبير عليه حتى نكبه وأباه وإخوته في رمضان سنة أربع وستين وأودعهم المطبق‏.‏ثم غربهم بعد ذلك وخلا لابن الخطيب الجو وغلب على هوى السلطان ودفع إليه تدبير الدولة وخلط بينه بندمانه وأهل خلوته‏.‏وانفرد ابن الخطيب بالحل والعقد وانصرفت إليه الوجوه وعلقت به الآمال وغشي بابه الخاصة والكافة وغصت به بطانة السلطان وحاشيته فتفننوا في السعايات فيه وقد صم السلطان عن قبولها‏.‏ ونمي الخبر بذلك إلى ابن الخطيب فشمر عن ساعده في التقويض عنهم‏.‏واستخدم للسلطان عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن ملك العدوة يومئذ قي القبض على ابن عمه عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ابن السلطان أبي علي كانوا قد نصبوه شيخاً على الغزاة بالأندلس لما أجاز من العدوة بعد ما جاس خلالها لطلب الملك وأضرم بها نار الفتنة في كل ناحية وأحسن دفاعه الوزير عمر بن عبد الله القائم حينئذ بدولة بني مرين فاضطر إلى الإجازة إلى الأندلس فأجاز هو ووزيره مسعود بن ماسي ونزلوا على السلطان المخلوع أعوام سبعة وستين فأكرم نزلهم‏.‏وتوفي علي بن بدر الدين شيخ الغزاة فقدم عبد الرحمن مكانه‏.‏وكان السلطان عبد العزيز قد استبد بملكه بعد مقتل الوزير عمر بن عبد الله فغص بما فعله السلطان المخلوع من ذلك‏.‏ وتوقع انتقاض أمره منهم‏.‏ ووقف على مخاطبات من عبد الرحمن يسربها في بني مرين فجزع لذلك‏.‏وداخله ابن الخطيب في اعتقال ابن أبي يفلوسن وابن ماساي وإراحة نفسه من شغبهم على أن يكون له المكان من دولته متى نزع إليه فأجابه إلى ذلك وكتب له العهد بخطه على يد سفيره إلى أندلس وكاتبه أبي يحيى بن أبي مدين‏.‏وأغرى ابن الخطيب سلطانه بالقبض على ابن أبي يفلوسن وابن ماساي فتقبض عليهما واعتقلهما‏.‏وفي خلال ذلك استحكمت نفرة ابن الخطيب لما بلغه عن البطانة من القدح فيه والسعاية‏.‏وربما تخيل له أن السلطان مال إلى قبولها وأنهم قد أحفظوه عليه فأجمع التحويلع عن الأندلس إلى المغرب‏.‏واستأذن السلطان في تفقد الثغور الغربية‏.‏وسار إليها في لمة من فرسانه ومعه ابنه علي الذي كان خالصة للسلطان وذهب لطبنة‏.‏فلما حاذى جبل الفتح فرضة المجاز إلى العدوة مال إليه وسرح أذنه بين يديه فخرج قائد الجبل لتلقيه‏.‏وقد كان السلطان عبد العزيز أوعز إليه بذلك وجهز له الأسطول من حينه فأجاز إلى سبتة‏.‏وتلقاه ولاتها بأنواع التكرمة وامتثال المراسيم‏.‏ثم سلك لقصد السلطان فقدم عليه سنة ثلاث وسبعين بمقامته من تلمسان فاهتزت له الدولة‏.‏وأركب السلطان خاصته لتلفيه وأحله من مجلسه محل الأمن والغبطة ومن دولته بمكان البنوة والعزة‏.‏وأخرج لوقته كاتبه أبا يحيى بن مدين سفيراً إلى صاحب الأندلس في طلب أهله وولده فجاء بهم على أكمل حالات الأمن والتكرمة‏.‏ثم لغط المنافسون له في شأنه وأغروا السلطان بتتبع عثراته وأبدى ما كان كامناً في نفسه من سقطات دالته وإحصاء معائبه‏.‏وشاع على ألسنة أعدائه كلمات منسوبة إلى الزندقة أحصوها عليه ونسبوها إليه‏.‏ورفعت إلى قاضي الحضرة أبي الحسن ابن أبي الحسن فاستردها وسجل عليه بالزندقة‏.‏وراجع صاحب الأندلس رأيه فيه‏.‏وبعث القاضي ابن الحسن إلى السلطان عبد العزيز في الانتقام منه بتلك السجلات وإمضاء حكم الله فيه فصمم عن ذلك وأنف لذمته أن تخفر ولجواره أن يرد وقال لهم هلا انتقمتم منه وهو عندكم وأنتم عالمون بما كان عليه وأما أنا فلا يخلص إليه بذلك أحد ما كان في جواري‏.‏ثم وفر الجراية والإقطاع له ولبنيه ومن جاء من أهل الأندلس في جملته‏.‏فلما هلك السلطان عبد العزيز سنة أربع وسبعين ورجع بنو مرين إلى المغرب وتركوا تلمسان سار هو في ركاب الوزير أبي بكر بن غازي القائم بالدولة فنزل بفاس واستكثر من شراء الضياع وتأنق في بناء المساكن وأغراس الجنات‏.‏ وحفظ عليه القائم بالدولة الرسوم التي رسمها له السلطان المتوفى‏.‏ واتصلت حاله على ذلك إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-08-2011, 01:36 PM
الخبر عن مهلك السلطان عبد العزيز وبيعة ابنه السعيد

واستبداد أبي بكر بن غازي عليه ورجوع بني مرين إلى المغرب كان السلطان منذ أول نشأته قد أزمنت به الحمى بما أصابه من مرض النحول ولأجل ذلك تجافى السلطان أبو سالم عن احتماله مع الأبناء إلى رندة‏.‏ولما شب أفاق من مرضه وصلح بدنه‏.‏ثم عاوده وجعه في مثواه بتلمسان وتزايد نحوله‏.‏ولما كمل الفتح واستفحل الأمر اشتد به الوجع وصابر المرض وكتمه عن الناس خشية الإرجاف واضطرب معسكره خارج تلمسان للحاق بالمغرب‏.‏ولما كانت ليلة الثاني والعشرين من ربيع الآخر سنة أربع وسبعين قضى متودعاً بين أهله وولده ودس الخدم بالخبر إلى الوزير فخرج على الناس وقد احتمل محمد السعيد ابن السلطان على كتفه فعزى الناس عن خليفتهم وألقى ابنه بين أيديهم فازدحموا عليه باكين متفجعين يعطونه الصفقة ويقبلون يده للبيعة وأخرجوه إلى المعسكر‏.‏ثم أخرج الوزير شلو السلطان على أعواده وأنزله بفساطيطه وأيقظ بالليل بحراسة العسكر‏.‏وأذن في الناس بالرحيل فخرجوا أفواجاً إلى المحلة‏.‏ ثم ارتحلوا لثلاث وأغنوا السير إلى المغرب واحتلوا بتازى‏.‏ ثم أغذوا السير إلى فاس‏.‏ واحتل ابن السلطان بدار ملكه وجلس للبيعة العامة بقصره‏.‏ وتوافت وفود الأمصار ببيعاتهم على العادة‏.‏واستبد عليه الوزير أبو بكر وحجبه وحجره عن التصرف في شيء من سلطانه ولم يكن في سن التصرف‏.‏ واستعمل على الجهات وجلس بمجلس الفضل‏.‏ واشتغل بأمر المغرب إبراماً ونقضاً إلى أن كان ما نذكره‏.‏

الخبر عن استيلاء أبي حمو علي تلمسان والمغرب الأوسط

لما فصل بنو مرين من تلمسان إثر مهلك السلطان عبد العزيز واحتلوا بتازى اجتمع المشيخة وعقدوا على تلمسان لإبراهيم بن السلطان أبي تاشفين كان ربي في كفالة دولتهم منذ مهلك أبيه فآثروه بذلك لخلوصه‏.‏وبعثوه مع رخو بن منصور أمير عبيد الله من المعقل وسرحوا معهما من كان بالمغرب من مغراوة إلى وطن ملكهم بشلف‏.‏وعقدوا عليهم لعلي بن هارون بن منديل بن عبد الرحمن وأخيه رحمون وانصرفوا إلى بلادهم‏.‏وكان عطية بن موسى مولى أبي حمو قد صار إلى السلطان عبد العزيز فألحقه بجملته وبطانته‏.‏فلما هلك السلطان خرج من القصر واختفى بالبلد حتى إذا فصل بنو مرين من معسكرهم ظاهر البلد خرج من مكان اختفائه وقام بدعوة مولاه أبي حمو‏.‏ واجتمع إليه شيعته من أهل البلد مع من تأشب إليهم من الغوغاء‏.‏وحملوا الخاصة على البيعة لأبي حمو وصلهم إبراهيم بن أبي تاشفين مع رحو بن منصور وقومه من عبيد الله فنابذوه وامتنعوا عليه فرجع عنهم إلى المغرب‏.‏ وطير أولاد يغمور أولياء أبي حمو من عبيد الله بالخبر إليه وهو بمثواه من تيكورارين‏.‏واتصل بابنه أبي تاشفين وهو بحي بني عامر فبادر إلى تلمسان ودخلها ومن معه من بني عبد الواد‏.‏ وتساقط إليه فلهم من كل جانب‏.‏ووصل السلطان على أثرهم بعد اليأس منه فدخلها في جمادى من سنة أربع وسبعين واستقل بملكه‏.‏ وتقبض على بطانته الذين أسفوه في اغترابه ونمي له عنهم السعي عليه فقتلهم ورجع ملك بني عبد الواد وسلطانهم ونهض إلى مغراوة أولياء بني مرين بمكانهم من شلف فغلبهم عليه بعد مطاولة وحروب سجال هلك فيها رحمون بن هارون‏.‏ومحا دعوة بني مرين من ضواحي المغرب الأوسط وأمصاره واستقل بالأمر حسبما ذكرناه في أخباره‏.‏ واتصل الخبر بالوزير أبي بكر بن غازي فهم بالنهوض إليه ثم ثنى عزمه ما كان من خروج الأمير عبد الرحمن بناحية

الخبر عن إجازة الأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن إلى المغرب

واجتماع بطوية إليه وقيامهم بدعوته كان محمد المخلوع بن الأحمر قد رجع من رندة إلى ملكه بغرناطة في جمادى من سنة ثلاث وستين وقتل له الطاغية عدوه الرئيس المنتزي على ملكه حين هرب من غرناطة إليه وفاء بعهد المخلوع واستوى على كرسيه واستقل بملكه‏.‏ولحق به كاتبه وكاتب أبيه محمد بن الخطيب فاستخلصه وعقد له على وزارته وفوض إليه في القيام بملكه فاستولى عليه وملك هواه‏.‏وكانت عينه ممتدة إلى المغرب وسكناه إن نزلت به آفة في رياسته فكان لذلك يقدم السوابق والوسائل عند ملوكه‏.‏وكان لأبناء السلطان أبي الحسن كلهم غيرة من ولد عمهم السلطان أبي علي ويخشونهم على أمرهم‏.‏ ولما لحق الأمير عبد الرحمن بالأندلس اصطفاه ابن الخطيب واستخلصه لنجواه ورفع في الدولة رتبته وأعلى منزلته وحمل السلطان على أن عقد له على الغزاة المجاهدين من زناتة مكان بني عمه من الأعياص فكانت له آثار في الاضطلاع بها‏.‏ولما استبد السلطان عبد العزيز بأمره واستقل بملكه وكان ابن الخطيب ساعياً في مرضاته عند السلطان فدس إليه باعتقال عبد الرحمن بن كأبي يفلوسن ووزيره المطارد به مسعود بن ماساي‏.‏وأدار ابن الخطيب في ذلك مكره وحمل السلطان عليهما إلى أن سطا بهما واعتقلهما سائر أيام السلطان عبد العزيز‏.‏وتغير الجو بين ابن الأحمر ووزيره ابن الخطيب وأظلم فتنكر له فنزع عنه إلى عبد العزيز سلطان المغرب سنة اثنتين وسبعين لما قدم من الوسائل ومهد من السوابق فتقبله السلطان وأحله من مجلسه محل الاصطفاء والقرب‏.‏وخاطب ابن الأحمر في أهله وولده فبعثهم إليه واستقر في جملة السلطان‏.‏ثم تأكدت العداوة بينه وبين ابن الأحمر فرغب السلطان في ملك الأندلس وحمله عليه وتواعدوا لذلك عند مرجعه من تلمسان إلى المغرب‏.‏ونمي ذلك إلى ابن الأحمر فبعث إلى السلطان بهدية لم يسمع بمثلها انتقى فيها من متاع الأندلس وماعونها وبغالها الفارهة ومعلوجي السبي وجواريه وأوفد بها رسله يطلب إسلام وزيره ابن الخطيب إليه وأبى السلطان من ذلك ونكره‏.‏ولما هلك واستبد الوزير ابن غازي بالأمر تحيز إليه ابن الخطيب وداخله وخاطبه ابن الأحمر فيه بمثل ما خاطب السلطان فلج واستنكف عن ذلك وأقبح الرد‏.‏وانصرف رسوله إليه وقد رهب سطوته فأطلق ابن الأحمر لحينه عبد الرحمن بن أبي يفلوسن وأركبه الأسطول وقذف به إلى ساحل بطوية‏.‏ ونهض إلى جبل الفتح ونازله بعساكره‏.‏ونزل عبد الرحمن ببطوية في ذي القعدة من سنة أربع وسبعين ومعه وزيره مسعود بن ماساي فاجتمع قبائل بطوية إليه وبايعوه على القيام بدعوته والموت دونه‏.‏ واتصل الخبر بالوزير أبي بكر فعقد لابن عمه محمد بن عثمان على سبتة وبعثه لسد ثغورها لما خشي عليها من ابن الأحمر‏.‏ ونهض من فاس بالعساكر والآلة‏.‏ ونازل عبد الرحمن ببطوية فامتنع عليه وقاتله أياماً‏.‏ ثم رجع إلى تازى ثم إلى فاس‏.‏ودخل الأمر عبد الرحمن تازى واستولى عليها ودخل الوزير إلى فاس وقعد بمجلس الفصل وهو مجمع العودة إلى تازى لتشريد عدوه إلى أن جاءه الخبر ببيعة السلطان أبي العباس أحمد ابن السلطان أبي سالم حسبما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏ولاية السلطان أبي العباس

الخبر عن بيعة السلطان أبي العباس أحمد بن أبي سالم واستقلاله بالملك

وما كان خلال ذلك من الأحداث ولما نزل محمد بن عثمان بالثغر من سبتة لسد فروجها ومدافعة ما يخشى من عادية ابن الأحمر عليها وكان قد طاول حصار جبل الفتح وأخذ بمخنقه‏.‏وتكررت المواصلة بينه وبين محمد بن عثمان بالعتاب فاستعتب له وقبح ما جاء به ابن عمه من الاستغلاظ فوجد ابن الأحمر بذلك السبيل إلى غرضه‏.‏وداخله في البيعة لابن السلطان أبي سالم من الأبناء الذين كانوا بطنجة تحت الرقبة والحوطة وأن يقيمه للمسلمين سلطاناً مستبداً يجول بسياجهم ويدافع عنهم ولا يتركهم فوضى وهملاً‏.‏ويجب بيعة الصبي الذي لم تنعقد بيعته شرعاً‏.‏واختص هذا بالسلطان من بين أولئك الأولاد وفاء بحقوق أبيه ووعده بالمظاهرة على ذلك واشترط عليه أن ينزلوا له عن الجبل إذا انعقد أمرهم ويشخصوا إليه بيعة الأبناء والقرابة من طنجة ليكونوا في إيالته وتحت حوطته‏.‏ وأن يبعثوا إليه بابن الخطيب متى قدروا عليه فتقبل محمد بن عثمان شرطه‏.‏وكان سفيره في ذلك أحمد الرعيني من طبقة كتاب الأشغال بسبتة كان السلطان أبو الحسن تزوج أمه ليلة إجازته من واقعة طريف وافتقاد حظاياه حتى لحق به الحرم من فاس فردها إلى أهلها‏.‏ونشأ الرعيني في توهم هذه الكفالة فانتفخ نحره لذلك ويحسبها وصلة إلى أبناء السلطان أبي الحسن‏.‏ وكان سفيراً بين محمد بن عثمان وابن الأحمر فأمل رياسة في هذه الدولة‏.‏ ركب محمد بن عثمان من سبتة إلى طنجة وقصد مكان اعتقالهم‏.‏واستدعى أبا العباس أحمد ابن السلطان أبي سالم من مكانه مع الأبناء فبايع له وحمل الناس على طاعته‏.‏واستقدم أهل سبتة بكتاب البيعة فقدموا وخاطب أهل الجبل فبايعوا وأفرج ابن الأحمر عنهم‏.‏وبعث إليه محمد بن عثمان عن سلطانه بالنزول له عن جبل الفتح وخاطبوا أهله بالرجوع إلى طاعته فارتحل من مالقة إليه ودخله واستولى عليه ومحا دعوة بني مرين مما وراء البحر‏.‏وأهدى للسلطان أبي العباس وأمده وكان محمد بن عثمان عند فصوله من فاس ودعه الوزير ابن عمه وفاوضه في شأن السلطان وأن يقدم للناس إماماً يرجعون إليه ويترك لهم أمرهم وأمره في ذلك ولم يفترقا على مبرم من أمرهم‏.‏فلما ارتكب هذا المرتكب وجاء بهذا الأمر خاطب الوزير يموه عليه بأنه فعل بمقتضى المؤامرة وأنه عن إذنه والله أعلم بما دار بينهما‏.‏ولج الوزير في تكذيبه والبراءة للناس مما رمي به ولاطفه في نقض ذلك الأمر ورد أبي العباس إلى مكانه مع الأبناء تحت الحوطة‏.‏ وأبي محمد بن عثمان من ذلك ودافعه باجتماع الناس وانعقاد الأمر‏.‏ وبينما الوزير يروم ذلك جاءه الخبر بأن محمد بن عثمان أشخص الأبناء المعتقلين كلهم إلى الأندلس وأنهم حصلوا في كفالة ابن الأحمر فوجم وأعرض عن ابن عمه وسلطانه‏.‏ونهض إلى تازى ليفرغ من عدوه إليهم فنازله الأمير عبد الرحمن وأخذ بمخنقه‏.‏واهتبل محمد بن عثمان الغرة في ملك المغرب‏.‏ووصله ممد السلطان ابن الأحمر وعسكره تحت رايته وعقدها عليهم ليوسف بن سليمان بن عثمان بن أبي العلاء من مشيخة الغزاة المجاهدين وعسكر آخر من رجال الأندلس الناشبة يناهزون سبعماية‏.‏وبعث ابن الأحمر رسله إلى الأمير عبد الرحمن باتصال اليد بابن عمه السلطان أبي العباس أحمد ومظاهرته على ملك سلفه بفاس واجتماعهما لمنازلتهما‏.‏وعقد بينهما الاتفاق والمواصلة وأن يختص عبد الرحمن بملك سلفه فتراضيا‏.‏وزحف محمد بن عثمان وسلطانه إلى فاس خالفوا إليها الوزير وانتهوا إلى قصر عبد الكريم‏.‏وبلغ الخبرإلى الوزير بمكانه من حصار تازى فانفض معسكره ورجع إلى فاس ونزل بكدية العرئس‏.‏وانتهى السلطان أبو العباس أحمد إلى زرهون فصمد إليه الوزير بعساكرع وصمم نحوه بمكانة من قنة الجبل فاختل مصافه وانهزمت ساقة العسكر من ورائه‏.‏ورجع على عقبه مفلولاً وانتهب المعسكر ودخل إلى البلد الجديد‏.‏وجأجأ بالعرب من أولاد حسين أن يعسكروا له بالزيتون ظاهر فاس ويخرج بمجموعه إلى حللهم فنهض إليهم عبد الرحمن من تازى لمن كان معه من العرس الأحلاف وشردهم إلى الصحراء‏.‏وشارف السلطان أبا العباس أحمد بمجموعة من العرب وزناتة وبعثوا إلى والي سلفهم ونزمار بن عريف بمكانه من قصر مرادة الذي اختطه بملوية فجاءهم واطلعوه على كامن أسرارهم فأشار عليهم بالاجتماع والاتفاق فاجتمعوا بوادي النجا‏.‏وحضر لعقدهم واتفاقهم وحلفهم على اتصال اليد على عدوهم ومنازلته بالبلد الجديد حتى تمكن إليه منه‏.‏وارتحلوا بزحفهم إلى كدية العرائس في ذي القعدة من سنة خمس وسبعين‏.‏وبرز إليهم بعساكره فدارت الحرب وحمي الوطيس واشتد القتال ملياً ثم زحف إليه العسكران بساقتهما وآلتهما واختل مصافه وانهزمت جموعه وأحيط به وخلص إلى البلد الجديد بعد عصب الريق‏.‏وأضرب السلطان أبو العباس معسكره بكدية العرائس ونزل الأمير عبد الرحمن بإزائه وضربوا على البلد الجديد سياجاً بالبناء للحصار وأنزلوا بها أنواع القتال والإرهاب‏.‏ووصله مدد السلطان ابن الأحمر من الرجالة الأندلسية فضيقوا حصارها‏.‏واحتكموا في ضياع ابن الخطيب بفاس فهدموها وعاثوا فيها‏.‏ولما كان فاتح سنة ست داخل محمد بن عثمان ابن عمه أبا بكر في النزول عن البلد الجديد والبيعة للسلطان لما كان الحصار قد اشتد به‏.‏ويئس من الصريخ وأعجزه المال فأجاب‏.‏واشترط عليهم الأمير عبد الرحمن التجافي عن أعمال مراكش وأن يدينوه بها من سجلماسة فعقدوا له على كره وواطؤوا على المكر‏.‏وخرج الوزير أبو بكر إلى السلطان أبي العباس أحمد وبايعه واقتضى عهده بالأمان وتخلية سبيله من الوزارة فبذله‏.‏ودخل السلطان أبو العباس إلى البلد الجليد سابع المحرم‏.‏وارتحل الأمير عبد الرحمن يومئذ إلى مراكش واستولى عليها وارتحل معه علي بن عمر بن ويغلان شيخ بني مرين والوزير ابن ماساي‏.‏ثم نزع عنه ابن ماساي آل فاس لعهد كان اقتضاه من السلطان أبي العباس‏.‏ وأجاز البحر إلى الأندلس واستقر بها في إيالة ابن الأحمر واستقل السلطان أبو العباس ابن السلطان أبي سالم بملك المغرب ووزيره محمد بن عثمان بن ألكاس وفوض إليه شؤونه وغلب على هواه‏.‏وصار أمر الشورى إلى سليمان بن داود كان نزع إليهم من البلد الجديد من جملة أبي بكر بن غازي بعد أن كان أطلقه من محبسه واستخلصه‏.‏وجعل إليه مرجع إبرامه ونقضه فتركه أحوج ما كان إليه‏.‏ولحق بالسلطان أبي العباس بمكانه من حصار البلد الجديد‏.‏فلما استوسق ملكه ألقى الوزير محمد بن عثمان إليه بمقاد الدولة وأصار إليه أمر الشورى ورياسة المشيخة‏.‏واستحكمت المودة بينهم وبين السلطان ابن الأحمر وتأكدت المداخلة وجعلوا إليه المرجع في نقضهم وإبرامهم لمكان الأبناء المرشحين في إيالته‏.‏ولما ارتحل الأمير عبد الرحمن إلى مراكش نبذوا إليه العهد وتعللوا عليه بأن العقد الأول له إنما كان على ملك سلفه ومراكش إنما ألجأهم إلى العقد عليها إلجاء‏.‏واعتزموا على النهوض إليه ثم أقصروا وانعقدت بينهم السلم سنة ست وسبعين وجعلوا التخم بينهم أزمور‏.‏وعقدوا على ثغرها لحسون بن علي الصبيحي فلم يزل عليها إلى أن هلك كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن مقتل ابن الخطيب

لما استولى السلطان أبو العباس على البلد الجديد دار ملكه فاتح سنة ست وسبعين واستقل بسلطانه والوزير محمد بن عثمان مستبد عليه وسليمان بن داود من أعراب بني عسكر رديف له وقد كان الشرط وقع بينه وبين السلطان ابن الأحمر عندما بويع بطنجة على نكبة ابن الخطيب وإسلامه إليه لما نمي إليه عنه أنه كان يغري السلطان عبد العزيز بملك الأندلس‏.‏فلما زحف السلطان أبو العباس من طنجة ولقيه أبو بكر بن غازي بساحة البلد الجديد فهزمه السلطان ولاذ منه بالحصار أوى معه ابن الخطيب إلى البلد الجديد خوفاً على نفسه‏.‏ولما استولى السلطان على البلد الجديد أقام أياماً ثم أغراه سليمان بن داود بالقبض عليه فقبضوا عليه وأودعوه السجن وطيروا بالخبر إلى السلطان ابن الأحمر‏.‏وكان سليمان بن داود شديد العداوة لابن الخطيب بما كان سليمان بن داود قد بايعه السلطان ابن الأحمر على مشيخة الغزاة بالأندلس متى أعاده الله إلى ملكه‏.‏فلما استقر له سلطانه أجاز إليه سفيراً عن عمر بن عبد الله ومقتضياً عهده من السلطان فصده ابن الخطيب عن ذلك بأن تلك الرياسة لأعياص الملك من آل عبد الحق لأنهم يعسوب زناتة فرجع سليمان يائساً وحقد ذلك لابن الخطيب‏.‏ثم جاور الأندلس بمحل أمارته من جبل الفتح فكانت تقع يينه وبين ابن الخطيب مكاتبات يتنفس كل واحد منهما بصاحبه بما يحفظه لما كمن في صدورهما‏.‏وحين بلغ الخبربالقبض على ابن الخطيب إلى السلطان ابن الأحمر بعث كاتبه ووزيره بعد ابن الخطيب وهو أبو عبد الله بن زمرك فقدم على السلطان أبي العباس وأحضر ابن الخطيب بالشورى في مجلسه الخاصة وأهل الشورى وعرض عليه بعد كلمات وقعت له في كتابته فعظم عليه النكير فيها فوبخ ونكل وامتحن بالعذاب بمشهد ذلك الملأ من الناس ثم تل إلى محبسه‏.‏اشتوروا في قتله بمقتضى تلك المقالات المسجلة عليه وأفتى بعض الفقهاء فيه‏.‏ودس سليمان بن داود لبعض الأوغاد من حاشيته بقتله فطرقوا السجن ليلاً ومعهم زعانفة جاءوا في لفيف الخدم مع سفراء السلطان ابن الأحمر وقتلوه خنقاً في محبسه وأخرج شلوه من الغد فدفن بمقبرة باب المحروق‏.‏ثم أصبح من الغد علي شافة قبره طريحاً وقد جمعت له أعواد وأضرمت عليه ناراً فاحترق شعره واسود بشره فأعيد إلى حفرته وكان في ذلك انتهاء محنته‏.‏وعجب الناس من هذه الشنعاء التي جاء بها سليمان واعتدوها من هناته‏.‏وعظم النكير فيها عليه وعلى قومه وأهل دولته‏.‏والله الفعال لما يريد‏.‏وكان عفا الله عنه أيام امتحانه بالسجن يتوقع مصيبة الموت فتجيش هواتفه لشعر يبكي نفسه‏.‏ومما قال في ذلك بعدنا وإن جاورتنا البيوت وجئنا لوعد ونحن صموت وأنفاسنا سكنت دفعة كجهر الصلاة تلاه القنوت وكنا عظاماً فصرنا عظاما وكنا نقوت فها نحن قوت وكنا شموس سماء العلا غربن فباحت علينا السموت فكم جدلت ذا الحسام الظبا وذو البخت كم خذلته البخوت فقل للعدا ذهب ابن الخطيب وفات فمن ذا الذي لا يفوت ومن كان يفرح منهم له فقل يفرح اليوم من لا يموت

الخبر عن إجازة سليمان بن داود إلي الأندلس ومقامه بها

إلى أن هلك كان سليمان بن داود هذا منذ عضته الخطوب واختلفت عليه النكايات يروم الفرار بنفسه إلى الأندلس للمقامة مع الغزاة المجاهدين من قومه‏.‏ولما استقر السلطان ابن الأحمر بفاس عند خلعه ووفادته على السلطان أبي سالم سنة إحدى وستين داخله سليمان بن داود في تأميل الكون عنده فعاهده على ذلك وأن يقدمه على الغزاة المجاهدين‏.‏فلما عاد إلى ملكه وفد عليه سليمان بن داود بغرناطة في سبيل السفارة عن عمر بن عبد الله سنة ست وستين وأن يؤكد عقده من السلطان فحال دونه ابن الخطيب وثنى رأى السلطان عن ذلك بأن شياخة الغزاة مخصوصة بأعياص الملك من آل عبد الحق لمكان عصابتهم من الأندلس فأخفق أمل سليمان حينئذ وحقدها على ابن خطيب ورجع إلى مرسله‏.‏ثم كانت نكبته أيام السلطان عبد العزيز فلم يخلص منها إلا بعد مهلكه أطلقه أبو بكر بن غازي بالأمر من بعده ليعتضد بمكانه على شأنه‏.‏فلما اشتد الحصار على ابن غازي خرج عنه سليمان ولحق بالسلطان أبي العباس ابن المولى أبي سالم بمكانه من ظاهر البلد الجديد فكان ذلك من أسباب الفتح‏.‏ولما دخل السلطان إلى دار ملكه من البلد الجديد فاتح سنة ست وسبعين واستوسق أمره رفع مجلس سليمان وأحله محل الشورى واعتضد به وزيره محمد بن عثمان واستخلصه كما ذكرناه‏.‏وكان يرجع إلى رأيه وهو في خلال ذلك يحاول اللحاق بالأندلس فكان من أول أمره التقرب إلى السلطان ابن الأحمر بإغراء الوزير محمد بن عثمان بقتل ابن الخطيب مشنونه فتم ذلك لأول الدولة‏.‏وجرت الأمور بعدها على الاعتمال في مرضاته إلى أن حاول السفارة إليه في أغراض سلطانه سنة ثمان وسبعين في صحبة ونزمار بن عريف فتلقاهما السلطان ابن الأحمر بما يتلقى به أمثالهما وأغرب في تكرمتهما‏.‏فأما ونزمار فانقلب راجعاً لأول بداية الرسالة اقتضى من السلطان خطته لقواد أسطوله بتسهيل الإجازة متى رامها‏.‏وخرج يتصيد فلحق بمرسى مالقة ودفع أمر السلطان بخطه إلى قائد الأسطول فأجازه إلى سبتة ولحق بمكانه‏.‏وأما سليمان فاعتزم على المقام عند ابن الأحمر وأقام هنالك خالصة ونجياً ومشاوراً إلى أن هلك سنة إحدى وثمانين‏.‏

الخبر عن شأن الوزير أبي بكر بن غازي

وما كان من تغريبه إلى ميورقة ثم رجوعه لما اشتد الحصار بالوزير أبي بكر بن غازي وفنيت أمواله وأموال السلطان وظن أنه أحيط به داخله الوزير محمد بن عثمان من مكانهم بحصاره بالنزول عن البلد على الأمان والإبقاء فأجاب‏.‏وخرج إلى السلطان أبي العباس بن أبي سالم فعقد له أماناً بخطه وتحول إلى داره بفاس‏.‏وسلم سلطانه المنصوب للأمر فتسلمه منه الوزير محمد بن عثمان واشتد في الاحتياط عليه إلى أن بعثه إلى السلطان بن الأحمر فكان في جملة الأبناء عنده‏.‏ودخل السلطان أبو العباس إلى دار ملكه واقتعد سريره ونفذت في الممالك أوامره‏.‏وأقام أبو بكر بن غازي على حاله بداره والخاصة يباكرونه والنفوس منطوية على تأميله فغص به أهل الدولة وترددت فيه السعاية‏.‏وتقبض عليه السلطان وأشخصه إلى غساسة وركب منها السفين إلى ميورقة آخر سنة ست وسبعين فأقام بها شهراً ومخاطباته مترددة إلى الوزير محمد بن عثمان‏.‏ثم عطفته عليه رحم فأذن له في القدوم على المغرب والمقامة بغساسة قدمها أوائل سنة سبع واستبد بأمارتها‏.‏وبدا له رأي في تأميل الرتبة وظهر ما كان يخفيه لابن عمه من المنافسة فخاطب السلطان ابن الأحمر من وراء البحر ولاطفه بالتحف والهدايا فكتب إلى ابن عمه محمد بن عثمان يحضه على إعادته إلى مكانه دفعاً لغوائله فأبى من ذلك‏.‏ وداخله ونزمار بن عريف في بعضها كذلك فلج في الامتناع‏.‏ وعمل سلطانه على نبذ العهد إلى أبي بكر بن غازي فتنكر له وأجمع المسير إليه بعساكر العرب فخرج من فاس سنة تسع وسبعين‏.‏وبلغ الخبرإلى أبي بكر بن غازي فاستجاش بالعرب واستحثهم للوصول فوصل إليه الأحلاف من المعقل وسرب فيهم أمواله‏.‏وخرج من غساسة فألقى بينهم وعمد إلى بعض العرب الطارئين فنصبه للأمر مشبهاً ببعض أولاد السلطان أبي الحسن وزحف إليه السلطان حتى نزل بتازى فأجفلت أحياء العرب أمام العساكر من بني مرين والجند‏.‏ ونجا ابن غازي منهم ندمائه‏.‏ثم داخله ونزمار بن عريف في الإذعان للسلطان والتنكيب عن سنن الخلاف فأجاب ووصل به إلى سدة الملك فبعث به السلطان محتاطاً عليه إلى فاس فاعتقل بها‏.‏ونزلت مقدمات العساكر بوادي ملوية وداخل صاحب تلمسان منها رعب فأوفد على السلطان من قومه وكبار مجلسه ملاطفاً ومدارياً فتقبل منه وعقد له السلم وأصدر به كتابه وعهده بخطه وانكفأ راجعاً إلى حضرته بعد أن بعث العمال في تلك النواحي على جبايتها فجمعوا له منها ما رضي‏.‏ولما احتل بدار ملكه أنفذ أمره بقتل أبي بكر بن غازي فقتل بمحبسه طعناً بالخناجر وذهب مثلاً في الأيام واستوسق السلطان أمره‏.‏وأحكم العقد مع الأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن صاحب مراكش واتصل بينهما وترددت المهاداة منها بعض إلى بعض وإلى صاحب الأندلس واليهما منه فامتلأت المغرب هدنة وأمناً وانبعثت الآمال بساطاً وغبطة‏.‏والحال متصلة على ذلك لهذا انتقاض الصلح بين عبد الرحمن صاب مراكش والسلطان أبي العباس صاحب فاس واستيلاء عبد الرحمن علي أزمور ومقتل عاملها حسون بن علي كان علي بن عمر كبير بني ورتاجن وشيخ بني ويغلان منهم قد تحيز إلى الأمير عبد الرحمن منذ إجازته من الأندلس واستيلائه على تازى ثم زحفه إلى حصار البلد الجديد مع السلطان أبي العباس كما مر‏.‏ فوصل في جملته إلى مراكش وكان صاحب شوراه وكبير دولته‏.‏وكان يضطغن على خالد بن إبراهيم المبدازي شيخ حاحة من قبائل المصامدة ما بين مراكش وبلاد السوس‏.‏وقد كان علي بن عمر انتقض على ابن غازي الوزير المستبد بعد عبد العزيز ولحق بالسوس‏.‏ومر بخالد بن إبراهيم هذا فاعترضه في طريقه وأخذ الكثير من أثقاله ورواحله‏.‏وخلص هو إلى منجاته بالسوس وقد حقد ذلك لخالد‏.‏ ثم بعث عن شيوخ المعقل عندما أجاز الأمير عبد الرحمن من الأندلس إلى نواحي تازى يروم اللحاق به فوفدوا عليه‏.‏وسار معهم إلى أحيائهم وأقام معهم وهو في طاعة الأمير عبد الرحمن ودعوته إلى أن اتصل به بين يدي حصاره البلد الجديد مع السلطان أبي العباس‏.‏فلما فتح السلطان البلد الجديد أول سنة ست وسبعين واستولى على ملكهم بها وفصل عبد الرحمن إلى مراكش كما كان الوفاق بينهم سار علي بن عمر في جملة الأمير عبد الرحمن إلى مراكش‏.‏واستأذنه في قتل خالد صاحبه فلم يأذن له فأحفظه ذلك وطوى عليه‏.‏ وبعد أيام صعد إلى جبل وريكة في غرض من أغراض الدولة‏.‏ وتقدم إلى حافده عامر ابن ابنه محمد بقتل خالد فقتله في بعض الأيام بظاهر مراكش‏.‏ولحق بجده علي بن عمر بوريكة فتلطف له الأمير عبد الرحمن وراسله بالملاينة والاستعطاف‏.‏ثم ركب إليه بنفسه واستخلصه ونزل به إلى مراكش فأقام معه أياماً‏.‏ ثم ارتاب ولحق بأزمور وعاملها يومئذ حسون بن علي الصبيحي وأغراه بالأجلاب على عمل مراكش وزحفوا جميعاً إلى عمل صنهاجة‏.‏وسرح الأمير عبد الرحمن لمدافعتهم كبير دولته يومئذ وابن عمه عبد الكريم بن عيسى بن سليمان بن منصور بن بي مالك وهو عبد الواحد بن يعقوب بن عبد الحق فخرج في العساكر ومعه منصور مولى الأمير عبد الرحمن فلقوا علي بن عمر وهزموه وأخذوا سواده ونجا إلى أزمور‏.‏ثم وفد هو وحسون بن علي على السلطان بفاس‏.‏ ووقعت أثناء ذلك المراسلة بين السلطانين وانعقد بينهما الصلح‏.‏وأقام علي بن عمر بفاس ورجع حسون بن علي إلى مكان عمله بأزمور ثم انتقض ما بين السلطانين ثانياً‏.‏وكان للأمير عبد الرحمن أخوان من ولد محمد بن يعقوب بن حسان الصبيحي وهما علي وأحمد جرثوما بغي وفساد‏.‏وعدا على كبيرهما علي ابن عمه علي بن يعقوب بن علي بن حسان فقتله‏.‏واستعدى أخوه موسى عليه السلطان فأعداه‏.‏وأذن له أن يثأر منه بأخيه فيقتله فجزع لذلك أحمد أخو علي وهم بقتل موسى فاستجار موسى بيعقوب بن موسى بن سيد الناس كبير بني ونكاسن وصهر الأمير عبد الرحمن وأقام أياماً في جواره ثم هرب إلى أزمور فلفحت نار الفتنة‏.‏ونهض الأمير عبد الرحمن إلى أزمور فالم يطق حسون بن علي دفاعه فملكها عليه وقتله واستباحها‏.‏وبلغ الخبرإلى السلطان بفاس فنهض في عساكره وانتهى إلى سلا‏.‏ورجع الأمير عبد الرحمن إلى مراكش وسار السلطان في أتباعه حتى نزل بفحص أكلميم قريباً من مراكش‏.‏وأقام هنالك نحو من ثلاثة أشهر والقتال يتردد بينهم‏.‏ثم سعى بين السلطانين في الصلح فاصطلحوا على حدود العمالات أولاً وانكفأ صاحب فاس إلى بلاط‏.‏وبعث الحسن بن يحيى بن حسون الصنهاجي عاملاً على الثغر بأزمور فأقام بها وكان أصله من صنهاجة أهل وطن أزمور وله سلف في خدمة بني مرين مذ أول دولتهم‏.‏وكان أبوه يحيى في دولة السلطان أبي الحسن عاملاً في الجباية بأزمور وغيرها‏.‏وهلك في خدمته بتونس أيام مقام السلطان بها وترك ولده يستعملون في مثل ذلك‏.‏ونزع الحسن هذا منهم إلى الجندية فلبس شارتها وتصرف في الولايات المناسبة لها‏.‏واتصل بخدمة السلطان أبي العباس لأول بيعته بطنجة وكان يومئذ عاملا بالقصر الكبير فدخل في دعوته وصار في جملته‏.‏وشهد معه الفتح واستعمله في خطط السيف حتى ولاه أزمور هذه الولاية فقام بها كما ذكرناه‏.‏وأما الصبيحيون فالخبر عن أوليتهم أن جدهم حسان من قبيلة صبيح من أفاريق سويد جاء مع عبد الله بن كندوز الكمي من بني عبد الواد حين جاء من تونس وافداً على السلطان يعقوب بن عبد الحق إليه بتنجداع كما مر‏.‏وكان حسان من رعاة إبله‏.‏فلما استقر عبد الله بن كندوز بناحية مراكش وأقطعه السلطان يعقوب في أعمالها وكان الظهر الذي يحمل عليه السلطان مفترقاً في شاوية المغرب فجمعه وجعله لنظر عبد الله بن كندوز فجمع له الرعاة وكبيرهم يومئذ حسان الصبيحي فكان يباشر السلطان في شأن ذلك الظهر ويطالعه في مهماته فحصلت له بذلك مداخلة واجتلبت إليه الحظ حتى ارتفع وأثرى وكبر‏.‏ونشأ ولده في ظل الدولة وعزها وتصرفوا في الولايات فيها‏.‏وانفردوا بالشاوية فلم تزل ولايتها متوارثة فيهم منقسمة بينهم لهذا العهد إلى ما كانوا يتصرفون فيه من غير ذلك من الولايات‏.‏وكان لحسان من ولد علي ويعقوب وطلحة غيرهم‏.‏ومن حسان هذا تفرعت شعوبهم في ولده وهم لهذا العهد متصرفون في الدولة على ما كان سلفهم من ولاية الشاوية والنظر في رواحل السلطان والظهر الذي يحمل من الإبل ولهم عدد وكثرة ونباهة في الدولة‏.‏والله أعلم‏.‏الانتقاض الثاني بين صاحب فاس وصاحب مراكش ونهوض صاحب فاس إليه وحصاره ثم عودهما إلى الصلح ولما رجع السلطان إلى فاس على ما استقر من الصلح وطلب الأمير عبد الرحمن أن يدخل عمالة صنهاجة ودكاكه في أعماله‏.‏وكتب السلطان إلى الحسن بن يحيى عامل أزمور وتلك العمالة بأن يتوجه إليه ويسد المذاهب دونه في ذلك‏.‏وكان الحسن بن يحيى مضطغناً على الدولة‏.‏فلما وصل إليه داخله في الخلاف وأن يملكه تلك العمالة فازداد الأمير عبد الرحمن بذلك قوة على أمره‏.‏وتعلل على صاحب فاس بأن يكون الحدود بين الدولتين وادي أم ربيع‏.‏واستمر صاحب فاس على الإباية من ذلك فنهض الأمير عبد الرحمن من مراكش‏.‏ودخل الحسن بن يحيى في طاعته فملكها وبعث مولاه منصوراً في العساكر إلى أنف فاستولى عليها وصادر أعيانها وقاضيها وواليها وبلغ الخبرإلى السلطان فنهض من فاس في عساكره‏.‏وانتهى إلى سلا فهرب منصور من أنف وتركها‏.‏ولحق بمولاه عبد الرحمن فأجفل من أزمور إلى مراكش والسلطان في أثره حتى انتهى إلى قنطرة الوادي على غلوة من البلد وأقام خمسة أشهر يحاصرها‏.‏واتصل الخبر بالسلطان ابن الأحمر صاحب الأندلس فبعث خالصته الوزير أبا القاسم ابن الحكيم الرندي ليعقد الصلح بينهما فعقده على أن استرهن السلطان أولاد الأمير عبد الرحمن وحافدا أبي الحسن‏.‏وانكفأ السلطان راجعاً إلى سلا‏.‏ولحق به جماعة من جملة الأمير عبد الرحمن من بني مرين وغيرهم نزعوا عنه وكان منهم أحمد بن محمد بن يعقوب الصبيحي‏.‏ولقي في طريقه مولى الأمير عبد الرحمن فجاء به مكرهاً إلى السلطان‏.‏وكان من النازعين أيضاً يعقوب بن سيد الناس كبير بني ونكاسن وأبو بكر بن رحو بن الحسن بن علي بن أبي الطلاق ومحمد بن مسعود الإدريسي وزيان بن علي بن عمر الوطاسي وغيرهم من المشاهير‏.‏وقدموا على السلطان بسلا فتقبلهم وأحسن كرامتهم ورحل راجعاً إلى فاس‏.‏والله أعلم‏.‏انتقاض علي بن زكريا شيخ الهساكرة علي الأمير عبد الرحمن وفتك بمولاه منصور لما رجع السلطان إلى فاس وبدا من الخلل في دولة الأمير عبد الرحمن وانتقاض الناس عليه ما قدمناه نزع يده من التعويد على العساكر وشرع في تحصين البلد‏.‏وضرب الأسوار على القصبة وحفر الخنادق وتبين بذلك اختلال أمره‏.‏وكان علي بن زكرياء شيخ هسكورة كبير المصامدة في دعوته مذ دخل مراكش فتلافى أمره مع صاحب فاس ومد إليه يداً من طاعته‏.‏ثم انتقض على الأمير عبد الرحمن ودخل في دعوة السلطان فبعث إليه الأمير عبد الرحمن مولاه منصوراً يستألفه فأرصد إليه في طريقه من حاشيته من قتله‏.‏ثم بعث برأسه إلى فاس فنهض السلطان في عساكره إلى مراكش‏.‏واعتصم الأمير عبد الرحمن بالقصبة وقد كان افردها عن المدينة بالأسوار‏.‏وخندق عليها فملك السلطان المدينة ورتب على القصبة المقاتلة من كل جهة ونصب الآلة‏.‏وأدار عليها من جهة المدينة حائطاً وأقام يحاصرها سبعة أشهر يغاديها بالقتال ويراوحها‏.‏وكان أحمد بن محمد الصبيحي من الذين بوئوا المقاعد لقتالها فهم بالانتقاض وحددثته نفسه بغمرة السلطان والتوثب به‏.‏وسعى بذلك إل السلطان فتقبض عليه وحبسه‏.‏وبعث السلطان بالنفير إلى أعماله فتوافت الأمداد من كل ناحية‏.‏وبعث صاحب الأندلس إليه مداداً من العسكر‏.‏فلما اشتد الحصار بالأمير عبد الرحمن ونفدت الأقوات وأيقن أصحابه بالهلاك وأهمتهم أنفسهم فهرب عنه وزيره نحو بن العلم من بقية بيت محمد بن عمر شيخ الهساكرة والمصامدة لعهد السلطان أبي الحسن وابنه وقد مر ذكره فلما لحق نحو هذا بالسلطان وعلم أنه إنما جاء مضطراً قبض عليه وحبسه‏.‏ثم انفض الناس عن الأمير عبد الرحمن ونزلوا من الأسوار ناجين إلى السلطان‏.‏وأصبح في قصبته منفرداً وقد بات ليلته يراوض ولديه على الإستماتة وهما أبو عامر وسليم‏.‏وركب السلطان من الغد في التعبية‏.‏وجاء إلي القصبة فاقتحمها بمقدمته‏.‏ولقيهم الأمير عبد الرحمن وولداه باساراك الميدان الذي بين أبواب دورهم فجالوا معهم جولة قتل فيها هو وولداه‏.‏تولى قتلهم علي بن إدريس الثنالقتي وزيان بن عمر الوطاسي‏.‏وطالما كان زيان يمتري ثدي نعمتهم ويجر ذيله خيلاء في جاههم فذهب مثلاً في كفران النعمة وسوء الجزاء‏.‏والله لا يظلم مثقال ذرة‏.‏وكان ذلك خاتم جمادى الآخرة سنة أربع وثمانين‏.‏ثم رحل السلطان منقلباً إلى فاس وقد استولى على أعمال المغرب وظفر بعدوه ودفع المنازعين عن مكة‏.‏والله أعلم‏.‏اجلاب العرب إلى الغرب في مغيب السلطان بقريبه من ولد أبي علي وبأبي تاشفين في أبي حمو صاب تلمسان ومجيء أبي حمو على أثرهم كان أولاد حسين من عرب المعقل مخالفين علي السلطان قبل مسيره إلى مراكش‏.‏وكان شيخهم يوسف بن علي بن غانم قد حدثت بينه وبين الوزير القائم على الدولة محمد بن عثمان منافرة وفتنة‏.‏وبعث العساكر إلى سجلماسة فخرب ما كان له بها من العقار والأملاك‏.‏وأقام منتقضاً بالقفر‏.‏فلما حاصر السلطان الأمير عبد الرحمن بمراكش وأخذ بمخنقه أرسل أبا العشائر ابن عمه منصور إلى يوسف بن علي وقومه ليجلبوا به على المغرب ولأخذوا بحجزة السلطان عن حصاره فسار لذلك‏.‏ولما قدم على يوسف سار به إلى تلمسان مستجيشاً بالسلطان أبي حمو لذلك القصد بما كان بينه وبين الأمير عبد الرحمن من العهد على ذلك‏.‏فبعث أبو حمو معهم ابنه أبا تاشفين في بعض عساكره وسار في الباقين على أثرهم‏.‏ووصل أبو تاشفين وأبو العشائر إلى أحياء العرب فدخلوا إلى أحواز مكناسة وعاثوا فيها‏.‏وكان السلطان عند سفره إلى مراكش استخلف على دار ملكه بفاس علي بن مهدي العسكري في جماعة من الجند‏.‏واستنجد بوزمار ابن عريف شيخ سويد وولي الدولة المقيم بأحيائه بنواحي ملوية فخالف بين العرب المعقل واستألف منهم العمارنة المنبات وهم الأحلاف‏.‏واجتمعوا مع علي بن مهدي وساروا لمدافعة العدو بنواحي مكناسة فصدوهم عن مرامهم ومنعوهم من دخول البلاد فأقاموا متوافقين أياماً‏.‏وقصد أبو حمو في عسكره مدينة تازى وحاصرها سبعا‏.‏وخرب قصر الملك هنالك ومسجده المعروف بقصر تازورت‏.‏وبينما هم على ذلك بلغ الخبراليقين بفتح مراكش وقتل الأمير عبد الرحمن فأجفلوا من كل ناحية‏.‏وخرج أولاد حسين وأبو العشائر وأبو تاشفين والعرب الأحلاف في اتباعهم وأجفل أبو حمو من تازى راجعاً إلى تلمسان ومر بقصر ونزمار في نواحي بطوية المعروف بمرادة فهدمه ووصل السلطان إلى فاس وقد تم له الظهور والفتح إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏نهوض السلطان إلى تلمسان وفتحها وتخريبها كان السلطان لما بلغه ما فعله العرب وأبو حمو بالمغرب لم يشغله ذلك عن أنه ونقم على أبي حمو ما أتاه من ذلك وأنه نقض عهده من غير داع إلى النقض‏.‏فلما احتل بدار ملكه بفاس أراح أياماً ثم أجمع عزمه على النهوض إلى تلمسان‏.‏وخرج في عساكره على عاداتهم وانتهى إلى تاوريرت‏.‏وبلغ إلى أبي حمو فاضطرب في أمره واعتزم على الحصار وجمع أهل البلد عليه واستعدوا له‏.‏ثم خرج في بعض تلك الليالي بولده وأهله وفي خاصته وأصبح مخيماً بالصفصيف وانفض أهل البلد إليه وبعضهم بعياله وولده مستمسكين به متفادين من معرة هجوم عساكر المغرب‏.‏ولم يزعه ذلك عن قصده وارتحل ذاهباً إلى البطحاء‏.‏ثم قصد بلاد مغراوة فنزل في بني بوسعيد قريباً من شلف وأنزل ولده الأصاغر وأهله بحصن تاجحمومت‏.‏وجاء السلطان إلى تلمسان فملكها واستقر بها أياماً‏.‏ثم هدم أسوارها وقصور الملك بها بإغراء وليه ونزمار جزاء بما فعله أبو حمو من تخريب قصر تازروت وحصن مرادة‏.‏ثم خرج من تلمسان في اتباع أبي حمو ونزل على مرحلة منها‏.‏وبلغه الخبر هنالك بإجازة السلطان موسى ابن عمه أبي عنان من الأندلس إلى المغرب وإنه خالفه إلى دار الملك فأكفأ راجعاً وأغذ السير إلى المغرب كما نذكر‏.‏ورجع أبو حمو إلى تلمسان واستقر في ملكها كما تقدم في أخباره‏.‏إجازة السلطان موسى ابن السلطان أبي عنان من الأندلس إلى المغرب‏.‏واستيلائه علي الملك وظفره بابن عمه السلطان أبي العباس وإزعاجه إليه الأندلس قد تقدم لنا أن السلطان محمد بن الأحمر المخلوع كان له تحكم في دولة السلطان أبي العباس بن أبي سالم صاحب المغرب بما كان من إشارته على محمد عثمان ببيعته وهو معتقل بطنجة ثم بما أمده من مدد العساكر والأموال حتى تم أمره واستولى على البلد الجديد كما تقدم في أول خبره وبما كان له من الزبون عليهم بالقرابة المرشحين الذين كانوا معتقلين بطنجة مع السلطان أبي العباس من أسباط السلطان أبي الحسن من ولد أبي عنان وأبي سالم والفضل وأبي عامر وأبي عبد الرحمن وغيرهم‏.‏وكانوا متعاهدين في معتقلهم أن من أتاح الله له الملك منهم فيخرجهم من الاعتقال ويجيزهم إلى الأندلس‏.‏فلما بويع السلطان أبو العباس وفى لهم بهذا العهد وأجازهم فنزلوا على السلطان ابن الأحمر أكرم نزل أنزلهم بقصور ملكه بالحمراء وقرب لهم المراكب وأفاض عليهم العطاء ووسع عليهم الجرايات والأرزاق‏.‏وأقاموا هنالك في ظل ظليل من كنفه فكان له بهم زبون على الدولة بالمغرب‏.‏وكان الوزير القائم بها محمد بن عثمان يقدر له قدر ذلك كله فيجري في أغراضه وقصوده وتحكمه في الدولة ما شاء الله أن يحكم حتى توجهت الوجوه إلى ابن الأحمر وراء البحر من شيوخ بني مرين والعرب وأصبح المغرب كأنه من بعض أعمال الأندلس‏.‏ولما نهض السلطان إلى تلمسان خاطبوه وأوصوه بالمغرب‏.‏وأنزل محمد بن عثمان بدار الملك كاتبه محمد بن حسن وكان مصطنعاً عنده من بقية شيع الموحدين ببجاية فاختصه ووقاه واستخلفه في سفره هذا على دار الملك‏.‏فلما انتهوا إلى تلمسان وحصل لهم من الفتح ما حصل كتبوا بالخبر إلى السلطان ابن الأحمر مع شيطان من ذرية عبو بن قاسم المزوار كان بدارهم‏.‏وهو عبد الواحد بن محمد بن عبو وكان يسمو بنفسه إلى العظائم التي ليس لها بأهل ويتربص لذلك بالدولة‏.‏وكان ابن الأحمر مع كثرة تحكمه فيهم يجني عليهم بعض الأوقات بما يأتونه من تقصير في شفاعة أو مخالفته في أمر لا يجدون عنه وليجة فيضطغن لهم ذلك‏.‏فلما قدم عليه عبد الواحد هذا بخبر الفتح وقص عليه القصص دس له أن أهل الدولة مضطربون على سلطانهم ومستبدلون به لو وجدوا وأبلغ من ذلك ما حمل ولم يحمل‏.‏وأشار له بخلاء المغرب من الحامية جملة وأن دار الملك ليس بها إلا كاتب حضري لا يحسن المدافعة وهو أعرف به فانتهز ابن الأحمر الفرصة وجهز موسى ابن السلطان أبي عنان من الأسباط المقيمين عنده‏.‏واستوزر له مسعود بن رحو بن ماساي من طبقة الوزراء لبني مرين ومن بني فودود من أحلافهم‏.‏وله في ذلك سلف وكان قد بعثه من قبل وزيراً للأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن حين أجاز إلى المغرب أيام استبداد أبي بكر بن غازي‏.‏فلم يزل معه حتى كان حصار البلد الجديد واستيلاء السلطان أبي العباس عليها‏.‏وذهب الأمير عبد الرحمن إلى مراكش فاستأذنه مسعود في الانصراف إلى الأندلس فأذن له ورجع عنه إلى فاس‏.‏ثم فارقهم وأجاز إلى الأندلس متودعاً ومتودداً للكل ومعولاً على ابن الأحمر فتلقاه بالقبول وأوسع له بالنزل والجراية وخلطه بنفسه وأحضره مع ندمائه‏.‏ولم يزل كذلك إلى أن جهزه وزيراً للمغرب مع موسى ابن السلطان أبي عنان وبعث معهم عسكراً‏.‏ثم ركب معهم السفين إلى سبتة وكانت بينه وبين شرفائها ورؤساء الشورى بها مداخلة فقاموا بدعوة السلطان موسى وأدخلوه وقبضوا على عاملها رحو بن الزعيم المكدولي وجاؤوا به إلى السلطان فملكها غرة صفر من سنة ست وثمانين‏.‏وسلمها لابن الأحمر فدخلت في طاعته‏.‏وسار هو إلى فاس فوصلها لأيام قريبة فأحاط بدار الملك واجتمع إليه الغوغاء‏.‏ونزل الدهش بمحمد بن حسن فبادر بطاعته‏.‏ودخل السلطان موسى إلى دار الملك وقبض عليه لوقته وذلك في عاشر ربيع الأول من السنة وجاء الناس بطاعتهم من كل جانب‏.‏وبلغ الخبرإلى السلطان أبي العباس بمكانه من نواحي تلمسان بأن السلطان موسى قد نزل سبتة فجهز علي بن منصور ترجمان الجند النصارى ببابه مع طائفة منهم‏.‏وبعثهم حامية لدار الملك فانتهوا إلى تازى وبلغهم خبر فتحها فأقاموا هنالك‏.‏وأغذ السلطان أبو العباس السير إلى فاس فلقيه خبر فتحها بتاوريرت فتقدم إلى ملوية وتردد في رأيه بين المسير إلى سجلماسة مع العرب أو قصد المغرب‏.‏ثم استمر عزمه ونازل بتازى وأقام بها أربعاً‏.‏وتقدم إلى الركن وأهل دولته خلال ذلك يخوضون في الانتقاض عليه ميلاً مع ابن عمه السلطان موسى المستولي على فاس‏.‏ويوم أصبح مرتحلاً من الركن أرجفوا به‏.‏ثم انفضوا عنه طوائف قاصدين فاس ورجع هو إلى تازى بعد أن انتهب معسكره واضرمت النار في خيامه وخزائنه‏.‏ثم صبح تازى من ليلته فدخلها وعاملها يومئذ الخير من موالي السلطان أبي الحسن‏.‏وذهب محمد بن عثمان إلى ولي الدولة ونزمار ابن عريف وأمراء العرب من المعقل‏.‏ولما دخل السلطان أبو العباس إلى تازى كتب إلى ابن عمه السلطان موسى يذكره العهد بينهما‏.‏وقد كان السلطان ابن الأحمر عهد إليه أن يبعث به إليه إن ظفر به فبادر السلطان موسى باستدعائه مع جماعة من وجوه بني عسكر أهل تلك الناحية وهم زكرياء بن يحيى بن سليمان ومحمد بن سليمان بن داود بن عراب ومعهم العباس بن عمر الوسناني فجاؤوا به وأنزلوه بالزاوية بغدير الحمص من ظاهر فاس فقيد هنالك‏.‏ثم بعث إلى الأندلس موكلاً به مع عمر بن رخو أخي الوزير مسعود بن ماساي‏.‏واستصحب معه ابنه أبا فارس‏.‏وترك سائرهم بفاس وأجاز البحر من سبتة فأنزله السلطان ابن الأحمر بقلعة ملكه الحمراء‏.‏وفك قيوده ووكل به ووسع له الجراية‏.‏وأقام هنالك محتاطاً به إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-08-2011, 01:37 PM
الخبر عن مهلك السلطان عبد العزيز وبيعة ابنه السعيد

واستبداد أبي بكر بن غازي عليه ورجوع بني مرين إلى المغرب كان السلطان منذ أول نشأته قد أزمنت به الحمى بما أصابه من مرض النحول ولأجل ذلك تجافى السلطان أبو سالم عن احتماله مع الأبناء إلى رندة‏.‏ولما شب أفاق من مرضه وصلح بدنه‏.‏ثم عاوده وجعه في مثواه بتلمسان وتزايد نحوله‏.‏ولما كمل الفتح واستفحل الأمر اشتد به الوجع وصابر المرض وكتمه عن الناس خشية الإرجاف واضطرب معسكره خارج تلمسان للحاق بالمغرب‏.‏ولما كانت ليلة الثاني والعشرين من ربيع الآخر سنة أربع وسبعين قضى متودعاً بين أهله وولده ودس الخدم بالخبر إلى الوزير فخرج على الناس وقد احتمل محمد السعيد ابن السلطان على كتفه فعزى الناس عن خليفتهم وألقى ابنه بين أيديهم فازدحموا عليه باكين متفجعين يعطونه الصفقة ويقبلون يده للبيعة وأخرجوه إلى المعسكر‏.‏ثم أخرج الوزير شلو السلطان على أعواده وأنزله بفساطيطه وأيقظ بالليل بحراسة العسكر‏.‏وأذن في الناس بالرحيل فخرجوا أفواجاً إلى المحلة‏.‏ ثم ارتحلوا لثلاث وأغنوا السير إلى المغرب واحتلوا بتازى‏.‏ ثم أغذوا السير إلى فاس‏.‏ واحتل ابن السلطان بدار ملكه وجلس للبيعة العامة بقصره‏.‏ وتوافت وفود الأمصار ببيعاتهم على العادة‏.‏واستبد عليه الوزير أبو بكر وحجبه وحجره عن التصرف في شيء من سلطانه ولم يكن في سن التصرف‏.‏ واستعمل على الجهات وجلس بمجلس الفضل‏.‏ واشتغل بأمر المغرب إبراماً ونقضاً إلى أن كان ما نذكره‏.‏

الخبر عن استيلاء أبي حمو علي تلمسان والمغرب الأوسط

لما فصل بنو مرين من تلمسان إثر مهلك السلطان عبد العزيز واحتلوا بتازى اجتمع المشيخة وعقدوا على تلمسان لإبراهيم بن السلطان أبي تاشفين كان ربي في كفالة دولتهم منذ مهلك أبيه فآثروه بذلك لخلوصه‏.‏وبعثوه مع رخو بن منصور أمير عبيد الله من المعقل وسرحوا معهما من كان بالمغرب من مغراوة إلى وطن ملكهم بشلف‏.‏وعقدوا عليهم لعلي بن هارون بن منديل بن عبد الرحمن وأخيه رحمون وانصرفوا إلى بلادهم‏.‏وكان عطية بن موسى مولى أبي حمو قد صار إلى السلطان عبد العزيز فألحقه بجملته وبطانته‏.‏فلما هلك السلطان خرج من القصر واختفى بالبلد حتى إذا فصل بنو مرين من معسكرهم ظاهر البلد خرج من مكان اختفائه وقام بدعوة مولاه أبي حمو‏.‏ واجتمع إليه شيعته من أهل البلد مع من تأشب إليهم من الغوغاء‏.‏وحملوا الخاصة على البيعة لأبي حمو وصلهم إبراهيم بن أبي تاشفين مع رحو بن منصور وقومه من عبيد الله فنابذوه وامتنعوا عليه فرجع عنهم إلى المغرب‏.‏ وطير أولاد يغمور أولياء أبي حمو من عبيد الله بالخبر إليه وهو بمثواه من تيكورارين‏.‏واتصل بابنه أبي تاشفين وهو بحي بني عامر فبادر إلى تلمسان ودخلها ومن معه من بني عبد الواد‏.‏ وتساقط إليه فلهم من كل جانب‏.‏ووصل السلطان على أثرهم بعد اليأس منه فدخلها في جمادى من سنة أربع وسبعين واستقل بملكه‏.‏ وتقبض على بطانته الذين أسفوه في اغترابه ونمي له عنهم السعي عليه فقتلهم ورجع ملك بني عبد الواد وسلطانهم ونهض إلى مغراوة أولياء بني مرين بمكانهم من شلف فغلبهم عليه بعد مطاولة وحروب سجال هلك فيها رحمون بن هارون‏.‏ومحا دعوة بني مرين من ضواحي المغرب الأوسط وأمصاره واستقل بالأمر حسبما ذكرناه في أخباره‏.‏ واتصل الخبر بالوزير أبي بكر بن غازي فهم بالنهوض إليه ثم ثنى عزمه ما كان من خروج الأمير عبد الرحمن بناحية

الخبر عن إجازة الأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن إلى المغرب

واجتماع بطوية إليه وقيامهم بدعوته كان محمد المخلوع بن الأحمر قد رجع من رندة إلى ملكه بغرناطة في جمادى من سنة ثلاث وستين وقتل له الطاغية عدوه الرئيس المنتزي على ملكه حين هرب من غرناطة إليه وفاء بعهد المخلوع واستوى على كرسيه واستقل بملكه‏.‏ولحق به كاتبه وكاتب أبيه محمد بن الخطيب فاستخلصه وعقد له على وزارته وفوض إليه في القيام بملكه فاستولى عليه وملك هواه‏.‏وكانت عينه ممتدة إلى المغرب وسكناه إن نزلت به آفة في رياسته فكان لذلك يقدم السوابق والوسائل عند ملوكه‏.‏وكان لأبناء السلطان أبي الحسن كلهم غيرة من ولد عمهم السلطان أبي علي ويخشونهم على أمرهم‏.‏ ولما لحق الأمير عبد الرحمن بالأندلس اصطفاه ابن الخطيب واستخلصه لنجواه ورفع في الدولة رتبته وأعلى منزلته وحمل السلطان على أن عقد له على الغزاة المجاهدين من زناتة مكان بني عمه من الأعياص فكانت له آثار في الاضطلاع بها‏.‏ولما استبد السلطان عبد العزيز بأمره واستقل بملكه وكان ابن الخطيب ساعياً في مرضاته عند السلطان فدس إليه باعتقال عبد الرحمن بن كأبي يفلوسن ووزيره المطارد به مسعود بن ماساي‏.‏وأدار ابن الخطيب في ذلك مكره وحمل السلطان عليهما إلى أن سطا بهما واعتقلهما سائر أيام السلطان عبد العزيز‏.‏وتغير الجو بين ابن الأحمر ووزيره ابن الخطيب وأظلم فتنكر له فنزع عنه إلى عبد العزيز سلطان المغرب سنة اثنتين وسبعين لما قدم من الوسائل ومهد من السوابق فتقبله السلطان وأحله من مجلسه محل الاصطفاء والقرب‏.‏وخاطب ابن الأحمر في أهله وولده فبعثهم إليه واستقر في جملة السلطان‏.‏ثم تأكدت العداوة بينه وبين ابن الأحمر فرغب السلطان في ملك الأندلس وحمله عليه وتواعدوا لذلك عند مرجعه من تلمسان إلى المغرب‏.‏ونمي ذلك إلى ابن الأحمر فبعث إلى السلطان بهدية لم يسمع بمثلها انتقى فيها من متاع الأندلس وماعونها وبغالها الفارهة ومعلوجي السبي وجواريه وأوفد بها رسله يطلب إسلام وزيره ابن الخطيب إليه وأبى السلطان من ذلك ونكره‏.‏ولما هلك واستبد الوزير ابن غازي بالأمر تحيز إليه ابن الخطيب وداخله وخاطبه ابن الأحمر فيه بمثل ما خاطب السلطان فلج واستنكف عن ذلك وأقبح الرد‏.‏وانصرف رسوله إليه وقد رهب سطوته فأطلق ابن الأحمر لحينه عبد الرحمن بن أبي يفلوسن وأركبه الأسطول وقذف به إلى ساحل بطوية‏.‏ ونهض إلى جبل الفتح ونازله بعساكره‏.‏ونزل عبد الرحمن ببطوية في ذي القعدة من سنة أربع وسبعين ومعه وزيره مسعود بن ماساي فاجتمع قبائل بطوية إليه وبايعوه على القيام بدعوته والموت دونه‏.‏ واتصل الخبر بالوزير أبي بكر فعقد لابن عمه محمد بن عثمان على سبتة وبعثه لسد ثغورها لما خشي عليها من ابن الأحمر‏.‏ ونهض من فاس بالعساكر والآلة‏.‏ ونازل عبد الرحمن ببطوية فامتنع عليه وقاتله أياماً‏.‏ ثم رجع إلى تازى ثم إلى فاس‏.‏ودخل الأمر عبد الرحمن تازى واستولى عليها ودخل الوزير إلى فاس وقعد بمجلس الفصل وهو مجمع العودة إلى تازى لتشريد عدوه إلى أن جاءه الخبر ببيعة السلطان أبي العباس أحمد ابن السلطان أبي سالم حسبما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏ولاية السلطان أبي العباس

الخبر عن بيعة السلطان أبي العباس أحمد بن أبي سالم واستقلاله بالملك

وما كان خلال ذلك من الأحداث ولما نزل محمد بن عثمان بالثغر من سبتة لسد فروجها ومدافعة ما يخشى من عادية ابن الأحمر عليها وكان قد طاول حصار جبل الفتح وأخذ بمخنقه‏.‏وتكررت المواصلة بينه وبين محمد بن عثمان بالعتاب فاستعتب له وقبح ما جاء به ابن عمه من الاستغلاظ فوجد ابن الأحمر بذلك السبيل إلى غرضه‏.‏وداخله في البيعة لابن السلطان أبي سالم من الأبناء الذين كانوا بطنجة تحت الرقبة والحوطة وأن يقيمه للمسلمين سلطاناً مستبداً يجول بسياجهم ويدافع عنهم ولا يتركهم فوضى وهملاً‏.‏ويجب بيعة الصبي الذي لم تنعقد بيعته شرعاً‏.‏واختص هذا بالسلطان من بين أولئك الأولاد وفاء بحقوق أبيه ووعده بالمظاهرة على ذلك واشترط عليه أن ينزلوا له عن الجبل إذا انعقد أمرهم ويشخصوا إليه بيعة الأبناء والقرابة من طنجة ليكونوا في إيالته وتحت حوطته‏.‏ وأن يبعثوا إليه بابن الخطيب متى قدروا عليه فتقبل محمد بن عثمان شرطه‏.‏وكان سفيره في ذلك أحمد الرعيني من طبقة كتاب الأشغال بسبتة كان السلطان أبو الحسن تزوج أمه ليلة إجازته من واقعة طريف وافتقاد حظاياه حتى لحق به الحرم من فاس فردها إلى أهلها‏.‏ونشأ الرعيني في توهم هذه الكفالة فانتفخ نحره لذلك ويحسبها وصلة إلى أبناء السلطان أبي الحسن‏.‏ وكان سفيراً بين محمد بن عثمان وابن الأحمر فأمل رياسة في هذه الدولة‏.‏ ركب محمد بن عثمان من سبتة إلى طنجة وقصد مكان اعتقالهم‏.‏واستدعى أبا العباس أحمد ابن السلطان أبي سالم من مكانه مع الأبناء فبايع له وحمل الناس على طاعته‏.‏واستقدم أهل سبتة بكتاب البيعة فقدموا وخاطب أهل الجبل فبايعوا وأفرج ابن الأحمر عنهم‏.‏وبعث إليه محمد بن عثمان عن سلطانه بالنزول له عن جبل الفتح وخاطبوا أهله بالرجوع إلى طاعته فارتحل من مالقة إليه ودخله واستولى عليه ومحا دعوة بني مرين مما وراء البحر‏.‏وأهدى للسلطان أبي العباس وأمده وكان محمد بن عثمان عند فصوله من فاس ودعه الوزير ابن عمه وفاوضه في شأن السلطان وأن يقدم للناس إماماً يرجعون إليه ويترك لهم أمرهم وأمره في ذلك ولم يفترقا على مبرم من أمرهم‏.‏فلما ارتكب هذا المرتكب وجاء بهذا الأمر خاطب الوزير يموه عليه بأنه فعل بمقتضى المؤامرة وأنه عن إذنه والله أعلم بما دار بينهما‏.‏ولج الوزير في تكذيبه والبراءة للناس مما رمي به ولاطفه في نقض ذلك الأمر ورد أبي العباس إلى مكانه مع الأبناء تحت الحوطة‏.‏ وأبي محمد بن عثمان من ذلك ودافعه باجتماع الناس وانعقاد الأمر‏.‏ وبينما الوزير يروم ذلك جاءه الخبر بأن محمد بن عثمان أشخص الأبناء المعتقلين كلهم إلى الأندلس وأنهم حصلوا في كفالة ابن الأحمر فوجم وأعرض عن ابن عمه وسلطانه‏.‏ونهض إلى تازى ليفرغ من عدوه إليهم فنازله الأمير عبد الرحمن وأخذ بمخنقه‏.‏واهتبل محمد بن عثمان الغرة في ملك المغرب‏.‏ووصله ممد السلطان ابن الأحمر وعسكره تحت رايته وعقدها عليهم ليوسف بن سليمان بن عثمان بن أبي العلاء من مشيخة الغزاة المجاهدين وعسكر آخر من رجال الأندلس الناشبة يناهزون سبعماية‏.‏وبعث ابن الأحمر رسله إلى الأمير عبد الرحمن باتصال اليد بابن عمه السلطان أبي العباس أحمد ومظاهرته على ملك سلفه بفاس واجتماعهما لمنازلتهما‏.‏وعقد بينهما الاتفاق والمواصلة وأن يختص عبد الرحمن بملك سلفه فتراضيا‏.‏وزحف محمد بن عثمان وسلطانه إلى فاس خالفوا إليها الوزير وانتهوا إلى قصر عبد الكريم‏.‏وبلغ الخبرإلى الوزير بمكانه من حصار تازى فانفض معسكره ورجع إلى فاس ونزل بكدية العرئس‏.‏وانتهى السلطان أبو العباس أحمد إلى زرهون فصمد إليه الوزير بعساكرع وصمم نحوه بمكانة من قنة الجبل فاختل مصافه وانهزمت ساقة العسكر من ورائه‏.‏ورجع على عقبه مفلولاً وانتهب المعسكر ودخل إلى البلد الجديد‏.‏وجأجأ بالعرب من أولاد حسين أن يعسكروا له بالزيتون ظاهر فاس ويخرج بمجموعه إلى حللهم فنهض إليهم عبد الرحمن من تازى لمن كان معه من العرس الأحلاف وشردهم إلى الصحراء‏.‏وشارف السلطان أبا العباس أحمد بمجموعة من العرب وزناتة وبعثوا إلى والي سلفهم ونزمار بن عريف بمكانه من قصر مرادة الذي اختطه بملوية فجاءهم واطلعوه على كامن أسرارهم فأشار عليهم بالاجتماع والاتفاق فاجتمعوا بوادي النجا‏.‏وحضر لعقدهم واتفاقهم وحلفهم على اتصال اليد على عدوهم ومنازلته بالبلد الجديد حتى تمكن إليه منه‏.‏وارتحلوا بزحفهم إلى كدية العرائس في ذي القعدة من سنة خمس وسبعين‏.‏وبرز إليهم بعساكره فدارت الحرب وحمي الوطيس واشتد القتال ملياً ثم زحف إليه العسكران بساقتهما وآلتهما واختل مصافه وانهزمت جموعه وأحيط به وخلص إلى البلد الجديد بعد عصب الريق‏.‏وأضرب السلطان أبو العباس معسكره بكدية العرائس ونزل الأمير عبد الرحمن بإزائه وضربوا على البلد الجديد سياجاً بالبناء للحصار وأنزلوا بها أنواع القتال والإرهاب‏.‏ووصله مدد السلطان ابن الأحمر من الرجالة الأندلسية فضيقوا حصارها‏.‏واحتكموا في ضياع ابن الخطيب بفاس فهدموها وعاثوا فيها‏.‏ولما كان فاتح سنة ست داخل محمد بن عثمان ابن عمه أبا بكر في النزول عن البلد الجديد والبيعة للسلطان لما كان الحصار قد اشتد به‏.‏ويئس من الصريخ وأعجزه المال فأجاب‏.‏واشترط عليهم الأمير عبد الرحمن التجافي عن أعمال مراكش وأن يدينوه بها من سجلماسة فعقدوا له على كره وواطؤوا على المكر‏.‏وخرج الوزير أبو بكر إلى السلطان أبي العباس أحمد وبايعه واقتضى عهده بالأمان وتخلية سبيله من الوزارة فبذله‏.‏ودخل السلطان أبو العباس إلى البلد الجليد سابع المحرم‏.‏وارتحل الأمير عبد الرحمن يومئذ إلى مراكش واستولى عليها وارتحل معه علي بن عمر بن ويغلان شيخ بني مرين والوزير ابن ماساي‏.‏ثم نزع عنه ابن ماساي آل فاس لعهد كان اقتضاه من السلطان أبي العباس‏.‏ وأجاز البحر إلى الأندلس واستقر بها في إيالة ابن الأحمر واستقل السلطان أبو العباس ابن السلطان أبي سالم بملك المغرب ووزيره محمد بن عثمان بن ألكاس وفوض إليه شؤونه وغلب على هواه‏.‏وصار أمر الشورى إلى سليمان بن داود كان نزع إليهم من البلد الجديد من جملة أبي بكر بن غازي بعد أن كان أطلقه من محبسه واستخلصه‏.‏وجعل إليه مرجع إبرامه ونقضه فتركه أحوج ما كان إليه‏.‏ولحق بالسلطان أبي العباس بمكانه من حصار البلد الجديد‏.‏فلما استوسق ملكه ألقى الوزير محمد بن عثمان إليه بمقاد الدولة وأصار إليه أمر الشورى ورياسة المشيخة‏.‏واستحكمت المودة بينهم وبين السلطان ابن الأحمر وتأكدت المداخلة وجعلوا إليه المرجع في نقضهم وإبرامهم لمكان الأبناء المرشحين في إيالته‏.‏ولما ارتحل الأمير عبد الرحمن إلى مراكش نبذوا إليه العهد وتعللوا عليه بأن العقد الأول له إنما كان على ملك سلفه ومراكش إنما ألجأهم إلى العقد عليها إلجاء‏.‏واعتزموا على النهوض إليه ثم أقصروا وانعقدت بينهم السلم سنة ست وسبعين وجعلوا التخم بينهم أزمور‏.‏وعقدوا على ثغرها لحسون بن علي الصبيحي فلم يزل عليها إلى أن هلك كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن مقتل ابن الخطيب

لما استولى السلطان أبو العباس على البلد الجديد دار ملكه فاتح سنة ست وسبعين واستقل بسلطانه والوزير محمد بن عثمان مستبد عليه وسليمان بن داود من أعراب بني عسكر رديف له وقد كان الشرط وقع بينه وبين السلطان ابن الأحمر عندما بويع بطنجة على نكبة ابن الخطيب وإسلامه إليه لما نمي إليه عنه أنه كان يغري السلطان عبد العزيز بملك الأندلس‏.‏فلما زحف السلطان أبو العباس من طنجة ولقيه أبو بكر بن غازي بساحة البلد الجديد فهزمه السلطان ولاذ منه بالحصار أوى معه ابن الخطيب إلى البلد الجديد خوفاً على نفسه‏.‏ولما استولى السلطان على البلد الجديد أقام أياماً ثم أغراه سليمان بن داود بالقبض عليه فقبضوا عليه وأودعوه السجن وطيروا بالخبر إلى السلطان ابن الأحمر‏.‏وكان سليمان بن داود شديد العداوة لابن الخطيب بما كان سليمان بن داود قد بايعه السلطان ابن الأحمر على مشيخة الغزاة بالأندلس متى أعاده الله إلى ملكه‏.‏فلما استقر له سلطانه أجاز إليه سفيراً عن عمر بن عبد الله ومقتضياً عهده من السلطان فصده ابن الخطيب عن ذلك بأن تلك الرياسة لأعياص الملك من آل عبد الحق لأنهم يعسوب زناتة فرجع سليمان يائساً وحقد ذلك لابن الخطيب‏.‏ثم جاور الأندلس بمحل أمارته من جبل الفتح فكانت تقع يينه وبين ابن الخطيب مكاتبات يتنفس كل واحد منهما بصاحبه بما يحفظه لما كمن في صدورهما‏.‏وحين بلغ الخبربالقبض على ابن الخطيب إلى السلطان ابن الأحمر بعث كاتبه ووزيره بعد ابن الخطيب وهو أبو عبد الله بن زمرك فقدم على السلطان أبي العباس وأحضر ابن الخطيب بالشورى في مجلسه الخاصة وأهل الشورى وعرض عليه بعد كلمات وقعت له في كتابته فعظم عليه النكير فيها فوبخ ونكل وامتحن بالعذاب بمشهد ذلك الملأ من الناس ثم تل إلى محبسه‏.‏اشتوروا في قتله بمقتضى تلك المقالات المسجلة عليه وأفتى بعض الفقهاء فيه‏.‏ودس سليمان بن داود لبعض الأوغاد من حاشيته بقتله فطرقوا السجن ليلاً ومعهم زعانفة جاءوا في لفيف الخدم مع سفراء السلطان ابن الأحمر وقتلوه خنقاً في محبسه وأخرج شلوه من الغد فدفن بمقبرة باب المحروق‏.‏ثم أصبح من الغد علي شافة قبره طريحاً وقد جمعت له أعواد وأضرمت عليه ناراً فاحترق شعره واسود بشره فأعيد إلى حفرته وكان في ذلك انتهاء محنته‏.‏وعجب الناس من هذه الشنعاء التي جاء بها سليمان واعتدوها من هناته‏.‏وعظم النكير فيها عليه وعلى قومه وأهل دولته‏.‏والله الفعال لما يريد‏.‏وكان عفا الله عنه أيام امتحانه بالسجن يتوقع مصيبة الموت فتجيش هواتفه لشعر يبكي نفسه‏.‏ومما قال في ذلك بعدنا وإن جاورتنا البيوت وجئنا لوعد ونحن صموت وأنفاسنا سكنت دفعة كجهر الصلاة تلاه القنوت وكنا عظاماً فصرنا عظاما وكنا نقوت فها نحن قوت وكنا شموس سماء العلا غربن فباحت علينا السموت فكم جدلت ذا الحسام الظبا وذو البخت كم خذلته البخوت فقل للعدا ذهب ابن الخطيب وفات فمن ذا الذي لا يفوت ومن كان يفرح منهم له فقل يفرح اليوم من لا يموت

الخبر عن إجازة سليمان بن داود إلي الأندلس ومقامه بها

إلى أن هلك كان سليمان بن داود هذا منذ عضته الخطوب واختلفت عليه النكايات يروم الفرار بنفسه إلى الأندلس للمقامة مع الغزاة المجاهدين من قومه‏.‏ولما استقر السلطان ابن الأحمر بفاس عند خلعه ووفادته على السلطان أبي سالم سنة إحدى وستين داخله سليمان بن داود في تأميل الكون عنده فعاهده على ذلك وأن يقدمه على الغزاة المجاهدين‏.‏فلما عاد إلى ملكه وفد عليه سليمان بن داود بغرناطة في سبيل السفارة عن عمر بن عبد الله سنة ست وستين وأن يؤكد عقده من السلطان فحال دونه ابن الخطيب وثنى رأى السلطان عن ذلك بأن شياخة الغزاة مخصوصة بأعياص الملك من آل عبد الحق لمكان عصابتهم من الأندلس فأخفق أمل سليمان حينئذ وحقدها على ابن خطيب ورجع إلى مرسله‏.‏ثم كانت نكبته أيام السلطان عبد العزيز فلم يخلص منها إلا بعد مهلكه أطلقه أبو بكر بن غازي بالأمر من بعده ليعتضد بمكانه على شأنه‏.‏فلما اشتد الحصار على ابن غازي خرج عنه سليمان ولحق بالسلطان أبي العباس ابن المولى أبي سالم بمكانه من ظاهر البلد الجديد فكان ذلك من أسباب الفتح‏.‏ولما دخل السلطان إلى دار ملكه من البلد الجديد فاتح سنة ست وسبعين واستوسق أمره رفع مجلس سليمان وأحله محل الشورى واعتضد به وزيره محمد بن عثمان واستخلصه كما ذكرناه‏.‏وكان يرجع إلى رأيه وهو في خلال ذلك يحاول اللحاق بالأندلس فكان من أول أمره التقرب إلى السلطان ابن الأحمر بإغراء الوزير محمد بن عثمان بقتل ابن الخطيب مشنونه فتم ذلك لأول الدولة‏.‏وجرت الأمور بعدها على الاعتمال في مرضاته إلى أن حاول السفارة إليه في أغراض سلطانه سنة ثمان وسبعين في صحبة ونزمار بن عريف فتلقاهما السلطان ابن الأحمر بما يتلقى به أمثالهما وأغرب في تكرمتهما‏.‏فأما ونزمار فانقلب راجعاً لأول بداية الرسالة اقتضى من السلطان خطته لقواد أسطوله بتسهيل الإجازة متى رامها‏.‏وخرج يتصيد فلحق بمرسى مالقة ودفع أمر السلطان بخطه إلى قائد الأسطول فأجازه إلى سبتة ولحق بمكانه‏.‏وأما سليمان فاعتزم على المقام عند ابن الأحمر وأقام هنالك خالصة ونجياً ومشاوراً إلى أن هلك سنة إحدى وثمانين‏.‏

الخبر عن شأن الوزير أبي بكر بن غازي

وما كان من تغريبه إلى ميورقة ثم رجوعه لما اشتد الحصار بالوزير أبي بكر بن غازي وفنيت أمواله وأموال السلطان وظن أنه أحيط به داخله الوزير محمد بن عثمان من مكانهم بحصاره بالنزول عن البلد على الأمان والإبقاء فأجاب‏.‏وخرج إلى السلطان أبي العباس بن أبي سالم فعقد له أماناً بخطه وتحول إلى داره بفاس‏.‏وسلم سلطانه المنصوب للأمر فتسلمه منه الوزير محمد بن عثمان واشتد في الاحتياط عليه إلى أن بعثه إلى السلطان بن الأحمر فكان في جملة الأبناء عنده‏.‏ودخل السلطان أبو العباس إلى دار ملكه واقتعد سريره ونفذت في الممالك أوامره‏.‏وأقام أبو بكر بن غازي على حاله بداره والخاصة يباكرونه والنفوس منطوية على تأميله فغص به أهل الدولة وترددت فيه السعاية‏.‏وتقبض عليه السلطان وأشخصه إلى غساسة وركب منها السفين إلى ميورقة آخر سنة ست وسبعين فأقام بها شهراً ومخاطباته مترددة إلى الوزير محمد بن عثمان‏.‏ثم عطفته عليه رحم فأذن له في القدوم على المغرب والمقامة بغساسة قدمها أوائل سنة سبع واستبد بأمارتها‏.‏وبدا له رأي في تأميل الرتبة وظهر ما كان يخفيه لابن عمه من المنافسة فخاطب السلطان ابن الأحمر من وراء البحر ولاطفه بالتحف والهدايا فكتب إلى ابن عمه محمد بن عثمان يحضه على إعادته إلى مكانه دفعاً لغوائله فأبى من ذلك‏.‏ وداخله ونزمار بن عريف في بعضها كذلك فلج في الامتناع‏.‏ وعمل سلطانه على نبذ العهد إلى أبي بكر بن غازي فتنكر له وأجمع المسير إليه بعساكر العرب فخرج من فاس سنة تسع وسبعين‏.‏وبلغ الخبرإلى أبي بكر بن غازي فاستجاش بالعرب واستحثهم للوصول فوصل إليه الأحلاف من المعقل وسرب فيهم أمواله‏.‏وخرج من غساسة فألقى بينهم وعمد إلى بعض العرب الطارئين فنصبه للأمر مشبهاً ببعض أولاد السلطان أبي الحسن وزحف إليه السلطان حتى نزل بتازى فأجفلت أحياء العرب أمام العساكر من بني مرين والجند‏.‏ ونجا ابن غازي منهم ندمائه‏.‏ثم داخله ونزمار بن عريف في الإذعان للسلطان والتنكيب عن سنن الخلاف فأجاب ووصل به إلى سدة الملك فبعث به السلطان محتاطاً عليه إلى فاس فاعتقل بها‏.‏ونزلت مقدمات العساكر بوادي ملوية وداخل صاحب تلمسان منها رعب فأوفد على السلطان من قومه وكبار مجلسه ملاطفاً ومدارياً فتقبل منه وعقد له السلم وأصدر به كتابه وعهده بخطه وانكفأ راجعاً إلى حضرته بعد أن بعث العمال في تلك النواحي على جبايتها فجمعوا له منها ما رضي‏.‏ولما احتل بدار ملكه أنفذ أمره بقتل أبي بكر بن غازي فقتل بمحبسه طعناً بالخناجر وذهب مثلاً في الأيام واستوسق السلطان أمره‏.‏وأحكم العقد مع الأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن صاحب مراكش واتصل بينهما وترددت المهاداة منها بعض إلى بعض وإلى صاحب الأندلس واليهما منه فامتلأت المغرب هدنة وأمناً وانبعثت الآمال بساطاً وغبطة‏.‏والحال متصلة على ذلك لهذا انتقاض الصلح بين عبد الرحمن صاب مراكش والسلطان أبي العباس صاحب فاس واستيلاء عبد الرحمن علي أزمور ومقتل عاملها حسون بن علي كان علي بن عمر كبير بني ورتاجن وشيخ بني ويغلان منهم قد تحيز إلى الأمير عبد الرحمن منذ إجازته من الأندلس واستيلائه على تازى ثم زحفه إلى حصار البلد الجديد مع السلطان أبي العباس كما مر‏.‏ فوصل في جملته إلى مراكش وكان صاحب شوراه وكبير دولته‏.‏وكان يضطغن على خالد بن إبراهيم المبدازي شيخ حاحة من قبائل المصامدة ما بين مراكش وبلاد السوس‏.‏وقد كان علي بن عمر انتقض على ابن غازي الوزير المستبد بعد عبد العزيز ولحق بالسوس‏.‏ومر بخالد بن إبراهيم هذا فاعترضه في طريقه وأخذ الكثير من أثقاله ورواحله‏.‏وخلص هو إلى منجاته بالسوس وقد حقد ذلك لخالد‏.‏ ثم بعث عن شيوخ المعقل عندما أجاز الأمير عبد الرحمن من الأندلس إلى نواحي تازى يروم اللحاق به فوفدوا عليه‏.‏وسار معهم إلى أحيائهم وأقام معهم وهو في طاعة الأمير عبد الرحمن ودعوته إلى أن اتصل به بين يدي حصاره البلد الجديد مع السلطان أبي العباس‏.‏فلما فتح السلطان البلد الجديد أول سنة ست وسبعين واستولى على ملكهم بها وفصل عبد الرحمن إلى مراكش كما كان الوفاق بينهم سار علي بن عمر في جملة الأمير عبد الرحمن إلى مراكش‏.‏واستأذنه في قتل خالد صاحبه فلم يأذن له فأحفظه ذلك وطوى عليه‏.‏ وبعد أيام صعد إلى جبل وريكة في غرض من أغراض الدولة‏.‏ وتقدم إلى حافده عامر ابن ابنه محمد بقتل خالد فقتله في بعض الأيام بظاهر مراكش‏.‏ولحق بجده علي بن عمر بوريكة فتلطف له الأمير عبد الرحمن وراسله بالملاينة والاستعطاف‏.‏ثم ركب إليه بنفسه واستخلصه ونزل به إلى مراكش فأقام معه أياماً‏.‏ ثم ارتاب ولحق بأزمور وعاملها يومئذ حسون بن علي الصبيحي وأغراه بالأجلاب على عمل مراكش وزحفوا جميعاً إلى عمل صنهاجة‏.‏وسرح الأمير عبد الرحمن لمدافعتهم كبير دولته يومئذ وابن عمه عبد الكريم بن عيسى بن سليمان بن منصور بن بي مالك وهو عبد الواحد بن يعقوب بن عبد الحق فخرج في العساكر ومعه منصور مولى الأمير عبد الرحمن فلقوا علي بن عمر وهزموه وأخذوا سواده ونجا إلى أزمور‏.‏ثم وفد هو وحسون بن علي على السلطان بفاس‏.‏ ووقعت أثناء ذلك المراسلة بين السلطانين وانعقد بينهما الصلح‏.‏وأقام علي بن عمر بفاس ورجع حسون بن علي إلى مكان عمله بأزمور ثم انتقض ما بين السلطانين ثانياً‏.‏وكان للأمير عبد الرحمن أخوان من ولد محمد بن يعقوب بن حسان الصبيحي وهما علي وأحمد جرثوما بغي وفساد‏.‏وعدا على كبيرهما علي ابن عمه علي بن يعقوب بن علي بن حسان فقتله‏.‏واستعدى أخوه موسى عليه السلطان فأعداه‏.‏وأذن له أن يثأر منه بأخيه فيقتله فجزع لذلك أحمد أخو علي وهم بقتل موسى فاستجار موسى بيعقوب بن موسى بن سيد الناس كبير بني ونكاسن وصهر الأمير عبد الرحمن وأقام أياماً في جواره ثم هرب إلى أزمور فلفحت نار الفتنة‏.‏ونهض الأمير عبد الرحمن إلى أزمور فالم يطق حسون بن علي دفاعه فملكها عليه وقتله واستباحها‏.‏وبلغ الخبرإلى السلطان بفاس فنهض في عساكره وانتهى إلى سلا‏.‏ورجع الأمير عبد الرحمن إلى مراكش وسار السلطان في أتباعه حتى نزل بفحص أكلميم قريباً من مراكش‏.‏وأقام هنالك نحو من ثلاثة أشهر والقتال يتردد بينهم‏.‏ثم سعى بين السلطانين في الصلح فاصطلحوا على حدود العمالات أولاً وانكفأ صاحب فاس إلى بلاط‏.‏وبعث الحسن بن يحيى بن حسون الصنهاجي عاملاً على الثغر بأزمور فأقام بها وكان أصله من صنهاجة أهل وطن أزمور وله سلف في خدمة بني مرين مذ أول دولتهم‏.‏وكان أبوه يحيى في دولة السلطان أبي الحسن عاملاً في الجباية بأزمور وغيرها‏.‏وهلك في خدمته بتونس أيام مقام السلطان بها وترك ولده يستعملون في مثل ذلك‏.‏ونزع الحسن هذا منهم إلى الجندية فلبس شارتها وتصرف في الولايات المناسبة لها‏.‏واتصل بخدمة السلطان أبي العباس لأول بيعته بطنجة وكان يومئذ عاملا بالقصر الكبير فدخل في دعوته وصار في جملته‏.‏وشهد معه الفتح واستعمله في خطط السيف حتى ولاه أزمور هذه الولاية فقام بها كما ذكرناه‏.‏وأما الصبيحيون فالخبر عن أوليتهم أن جدهم حسان من قبيلة صبيح من أفاريق سويد جاء مع عبد الله بن كندوز الكمي من بني عبد الواد حين جاء من تونس وافداً على السلطان يعقوب بن عبد الحق إليه بتنجداع كما مر‏.‏وكان حسان من رعاة إبله‏.‏فلما استقر عبد الله بن كندوز بناحية مراكش وأقطعه السلطان يعقوب في أعمالها وكان الظهر الذي يحمل عليه السلطان مفترقاً في شاوية المغرب فجمعه وجعله لنظر عبد الله بن كندوز فجمع له الرعاة وكبيرهم يومئذ حسان الصبيحي فكان يباشر السلطان في شأن ذلك الظهر ويطالعه في مهماته فحصلت له بذلك مداخلة واجتلبت إليه الحظ حتى ارتفع وأثرى وكبر‏.‏ونشأ ولده في ظل الدولة وعزها وتصرفوا في الولايات فيها‏.‏وانفردوا بالشاوية فلم تزل ولايتها متوارثة فيهم منقسمة بينهم لهذا العهد إلى ما كانوا يتصرفون فيه من غير ذلك من الولايات‏.‏وكان لحسان من ولد علي ويعقوب وطلحة غيرهم‏.‏ومن حسان هذا تفرعت شعوبهم في ولده وهم لهذا العهد متصرفون في الدولة على ما كان سلفهم من ولاية الشاوية والنظر في رواحل السلطان والظهر الذي يحمل من الإبل ولهم عدد وكثرة ونباهة في الدولة‏.‏والله أعلم‏.‏الانتقاض الثاني بين صاحب فاس وصاحب مراكش ونهوض صاحب فاس إليه وحصاره ثم عودهما إلى الصلح ولما رجع السلطان إلى فاس على ما استقر من الصلح وطلب الأمير عبد الرحمن أن يدخل عمالة صنهاجة ودكاكه في أعماله‏.‏وكتب السلطان إلى الحسن بن يحيى عامل أزمور وتلك العمالة بأن يتوجه إليه ويسد المذاهب دونه في ذلك‏.‏وكان الحسن بن يحيى مضطغناً على الدولة‏.‏فلما وصل إليه داخله في الخلاف وأن يملكه تلك العمالة فازداد الأمير عبد الرحمن بذلك قوة على أمره‏.‏وتعلل على صاحب فاس بأن يكون الحدود بين الدولتين وادي أم ربيع‏.‏واستمر صاحب فاس على الإباية من ذلك فنهض الأمير عبد الرحمن من مراكش‏.‏ودخل الحسن بن يحيى في طاعته فملكها وبعث مولاه منصوراً في العساكر إلى أنف فاستولى عليها وصادر أعيانها وقاضيها وواليها وبلغ الخبرإلى السلطان فنهض من فاس في عساكره‏.‏وانتهى إلى سلا فهرب منصور من أنف وتركها‏.‏ولحق بمولاه عبد الرحمن فأجفل من أزمور إلى مراكش والسلطان في أثره حتى انتهى إلى قنطرة الوادي على غلوة من البلد وأقام خمسة أشهر يحاصرها‏.‏واتصل الخبر بالسلطان ابن الأحمر صاحب الأندلس فبعث خالصته الوزير أبا القاسم ابن الحكيم الرندي ليعقد الصلح بينهما فعقده على أن استرهن السلطان أولاد الأمير عبد الرحمن وحافدا أبي الحسن‏.‏وانكفأ السلطان راجعاً إلى سلا‏.‏ولحق به جماعة من جملة الأمير عبد الرحمن من بني مرين وغيرهم نزعوا عنه وكان منهم أحمد بن محمد بن يعقوب الصبيحي‏.‏ولقي في طريقه مولى الأمير عبد الرحمن فجاء به مكرهاً إلى السلطان‏.‏وكان من النازعين أيضاً يعقوب بن سيد الناس كبير بني ونكاسن وأبو بكر بن رحو بن الحسن بن علي بن أبي الطلاق ومحمد بن مسعود الإدريسي وزيان بن علي بن عمر الوطاسي وغيرهم من المشاهير‏.‏وقدموا على السلطان بسلا فتقبلهم وأحسن كرامتهم ورحل راجعاً إلى فاس‏.‏والله أعلم‏.‏انتقاض علي بن زكريا شيخ الهساكرة علي الأمير عبد الرحمن وفتك بمولاه منصور لما رجع السلطان إلى فاس وبدا من الخلل في دولة الأمير عبد الرحمن وانتقاض الناس عليه ما قدمناه نزع يده من التعويد على العساكر وشرع في تحصين البلد‏.‏وضرب الأسوار على القصبة وحفر الخنادق وتبين بذلك اختلال أمره‏.‏وكان علي بن زكرياء شيخ هسكورة كبير المصامدة في دعوته مذ دخل مراكش فتلافى أمره مع صاحب فاس ومد إليه يداً من طاعته‏.‏ثم انتقض على الأمير عبد الرحمن ودخل في دعوة السلطان فبعث إليه الأمير عبد الرحمن مولاه منصوراً يستألفه فأرصد إليه في طريقه من حاشيته من قتله‏.‏ثم بعث برأسه إلى فاس فنهض السلطان في عساكره إلى مراكش‏.‏واعتصم الأمير عبد الرحمن بالقصبة وقد كان افردها عن المدينة بالأسوار‏.‏وخندق عليها فملك السلطان المدينة ورتب على القصبة المقاتلة من كل جهة ونصب الآلة‏.‏وأدار عليها من جهة المدينة حائطاً وأقام يحاصرها سبعة أشهر يغاديها بالقتال ويراوحها‏.‏وكان أحمد بن محمد الصبيحي من الذين بوئوا المقاعد لقتالها فهم بالانتقاض وحددثته نفسه بغمرة السلطان والتوثب به‏.‏وسعى بذلك إل السلطان فتقبض عليه وحبسه‏.‏وبعث السلطان بالنفير إلى أعماله فتوافت الأمداد من كل ناحية‏.‏وبعث صاحب الأندلس إليه مداداً من العسكر‏.‏فلما اشتد الحصار بالأمير عبد الرحمن ونفدت الأقوات وأيقن أصحابه بالهلاك وأهمتهم أنفسهم فهرب عنه وزيره نحو بن العلم من بقية بيت محمد بن عمر شيخ الهساكرة والمصامدة لعهد السلطان أبي الحسن وابنه وقد مر ذكره فلما لحق نحو هذا بالسلطان وعلم أنه إنما جاء مضطراً قبض عليه وحبسه‏.‏ثم انفض الناس عن الأمير عبد الرحمن ونزلوا من الأسوار ناجين إلى السلطان‏.‏وأصبح في قصبته منفرداً وقد بات ليلته يراوض ولديه على الإستماتة وهما أبو عامر وسليم‏.‏وركب السلطان من الغد في التعبية‏.‏وجاء إلي القصبة فاقتحمها بمقدمته‏.‏ولقيهم الأمير عبد الرحمن وولداه باساراك الميدان الذي بين أبواب دورهم فجالوا معهم جولة قتل فيها هو وولداه‏.‏تولى قتلهم علي بن إدريس الثنالقتي وزيان بن عمر الوطاسي‏.‏وطالما كان زيان يمتري ثدي نعمتهم ويجر ذيله خيلاء في جاههم فذهب مثلاً في كفران النعمة وسوء الجزاء‏.‏والله لا يظلم مثقال ذرة‏.‏وكان ذلك خاتم جمادى الآخرة سنة أربع وثمانين‏.‏ثم رحل السلطان منقلباً إلى فاس وقد استولى على أعمال المغرب وظفر بعدوه ودفع المنازعين عن مكة‏.‏والله أعلم‏.‏اجلاب العرب إلى الغرب في مغيب السلطان بقريبه من ولد أبي علي وبأبي تاشفين في أبي حمو صاب تلمسان ومجيء أبي حمو على أثرهم كان أولاد حسين من عرب المعقل مخالفين علي السلطان قبل مسيره إلى مراكش‏.‏وكان شيخهم يوسف بن علي بن غانم قد حدثت بينه وبين الوزير القائم على الدولة محمد بن عثمان منافرة وفتنة‏.‏وبعث العساكر إلى سجلماسة فخرب ما كان له بها من العقار والأملاك‏.‏وأقام منتقضاً بالقفر‏.‏فلما حاصر السلطان الأمير عبد الرحمن بمراكش وأخذ بمخنقه أرسل أبا العشائر ابن عمه منصور إلى يوسف بن علي وقومه ليجلبوا به على المغرب ولأخذوا بحجزة السلطان عن حصاره فسار لذلك‏.‏ولما قدم على يوسف سار به إلى تلمسان مستجيشاً بالسلطان أبي حمو لذلك القصد بما كان بينه وبين الأمير عبد الرحمن من العهد على ذلك‏.‏فبعث أبو حمو معهم ابنه أبا تاشفين في بعض عساكره وسار في الباقين على أثرهم‏.‏ووصل أبو تاشفين وأبو العشائر إلى أحياء العرب فدخلوا إلى أحواز مكناسة وعاثوا فيها‏.‏وكان السلطان عند سفره إلى مراكش استخلف على دار ملكه بفاس علي بن مهدي العسكري في جماعة من الجند‏.‏واستنجد بوزمار ابن عريف شيخ سويد وولي الدولة المقيم بأحيائه بنواحي ملوية فخالف بين العرب المعقل واستألف منهم العمارنة المنبات وهم الأحلاف‏.‏واجتمعوا مع علي بن مهدي وساروا لمدافعة العدو بنواحي مكناسة فصدوهم عن مرامهم ومنعوهم من دخول البلاد فأقاموا متوافقين أياماً‏.‏وقصد أبو حمو في عسكره مدينة تازى وحاصرها سبعا‏.‏وخرب قصر الملك هنالك ومسجده المعروف بقصر تازورت‏.‏وبينما هم على ذلك بلغ الخبراليقين بفتح مراكش وقتل الأمير عبد الرحمن فأجفلوا من كل ناحية‏.‏وخرج أولاد حسين وأبو العشائر وأبو تاشفين والعرب الأحلاف في اتباعهم وأجفل أبو حمو من تازى راجعاً إلى تلمسان ومر بقصر ونزمار في نواحي بطوية المعروف بمرادة فهدمه ووصل السلطان إلى فاس وقد تم له الظهور والفتح إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏نهوض السلطان إلى تلمسان وفتحها وتخريبها كان السلطان لما بلغه ما فعله العرب وأبو حمو بالمغرب لم يشغله ذلك عن أنه ونقم على أبي حمو ما أتاه من ذلك وأنه نقض عهده من غير داع إلى النقض‏.‏فلما احتل بدار ملكه بفاس أراح أياماً ثم أجمع عزمه على النهوض إلى تلمسان‏.‏وخرج في عساكره على عاداتهم وانتهى إلى تاوريرت‏.‏وبلغ إلى أبي حمو فاضطرب في أمره واعتزم على الحصار وجمع أهل البلد عليه واستعدوا له‏.‏ثم خرج في بعض تلك الليالي بولده وأهله وفي خاصته وأصبح مخيماً بالصفصيف وانفض أهل البلد إليه وبعضهم بعياله وولده مستمسكين به متفادين من معرة هجوم عساكر المغرب‏.‏ولم يزعه ذلك عن قصده وارتحل ذاهباً إلى البطحاء‏.‏ثم قصد بلاد مغراوة فنزل في بني بوسعيد قريباً من شلف وأنزل ولده الأصاغر وأهله بحصن تاجحمومت‏.‏وجاء السلطان إلى تلمسان فملكها واستقر بها أياماً‏.‏ثم هدم أسوارها وقصور الملك بها بإغراء وليه ونزمار جزاء بما فعله أبو حمو من تخريب قصر تازروت وحصن مرادة‏.‏ثم خرج من تلمسان في اتباع أبي حمو ونزل على مرحلة منها‏.‏وبلغه الخبر هنالك بإجازة السلطان موسى ابن عمه أبي عنان من الأندلس إلى المغرب وإنه خالفه إلى دار الملك فأكفأ راجعاً وأغذ السير إلى المغرب كما نذكر‏.‏ورجع أبو حمو إلى تلمسان واستقر في ملكها كما تقدم في أخباره‏.‏إجازة السلطان موسى ابن السلطان أبي عنان من الأندلس إلى المغرب‏.‏واستيلائه علي الملك وظفره بابن عمه السلطان أبي العباس وإزعاجه إليه الأندلس قد تقدم لنا أن السلطان محمد بن الأحمر المخلوع كان له تحكم في دولة السلطان أبي العباس بن أبي سالم صاحب المغرب بما كان من إشارته على محمد عثمان ببيعته وهو معتقل بطنجة ثم بما أمده من مدد العساكر والأموال حتى تم أمره واستولى على البلد الجديد كما تقدم في أول خبره وبما كان له من الزبون عليهم بالقرابة المرشحين الذين كانوا معتقلين بطنجة مع السلطان أبي العباس من أسباط السلطان أبي الحسن من ولد أبي عنان وأبي سالم والفضل وأبي عامر وأبي عبد الرحمن وغيرهم‏.‏وكانوا متعاهدين في معتقلهم أن من أتاح الله له الملك منهم فيخرجهم من الاعتقال ويجيزهم إلى الأندلس‏.‏فلما بويع السلطان أبو العباس وفى لهم بهذا العهد وأجازهم فنزلوا على السلطان ابن الأحمر أكرم نزل أنزلهم بقصور ملكه بالحمراء وقرب لهم المراكب وأفاض عليهم العطاء ووسع عليهم الجرايات والأرزاق‏.‏وأقاموا هنالك في ظل ظليل من كنفه فكان له بهم زبون على الدولة بالمغرب‏.‏وكان الوزير القائم بها محمد بن عثمان يقدر له قدر ذلك كله فيجري في أغراضه وقصوده وتحكمه في الدولة ما شاء الله أن يحكم حتى توجهت الوجوه إلى ابن الأحمر وراء البحر من شيوخ بني مرين والعرب وأصبح المغرب كأنه من بعض أعمال الأندلس‏.‏ولما نهض السلطان إلى تلمسان خاطبوه وأوصوه بالمغرب‏.‏وأنزل محمد بن عثمان بدار الملك كاتبه محمد بن حسن وكان مصطنعاً عنده من بقية شيع الموحدين ببجاية فاختصه ووقاه واستخلفه في سفره هذا على دار الملك‏.‏فلما انتهوا إلى تلمسان وحصل لهم من الفتح ما حصل كتبوا بالخبر إلى السلطان ابن الأحمر مع شيطان من ذرية عبو بن قاسم المزوار كان بدارهم‏.‏وهو عبد الواحد بن محمد بن عبو وكان يسمو بنفسه إلى العظائم التي ليس لها بأهل ويتربص لذلك بالدولة‏.‏وكان ابن الأحمر مع كثرة تحكمه فيهم يجني عليهم بعض الأوقات بما يأتونه من تقصير في شفاعة أو مخالفته في أمر لا يجدون عنه وليجة فيضطغن لهم ذلك‏.‏فلما قدم عليه عبد الواحد هذا بخبر الفتح وقص عليه القصص دس له أن أهل الدولة مضطربون على سلطانهم ومستبدلون به لو وجدوا وأبلغ من ذلك ما حمل ولم يحمل‏.‏وأشار له بخلاء المغرب من الحامية جملة وأن دار الملك ليس بها إلا كاتب حضري لا يحسن المدافعة وهو أعرف به فانتهز ابن الأحمر الفرصة وجهز موسى ابن السلطان أبي عنان من الأسباط المقيمين عنده‏.‏واستوزر له مسعود بن رحو بن ماساي من طبقة الوزراء لبني مرين ومن بني فودود من أحلافهم‏.‏وله في ذلك سلف وكان قد بعثه من قبل وزيراً للأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن حين أجاز إلى المغرب أيام استبداد أبي بكر بن غازي‏.‏فلم يزل معه حتى كان حصار البلد الجديد واستيلاء السلطان أبي العباس عليها‏.‏وذهب الأمير عبد الرحمن إلى مراكش فاستأذنه مسعود في الانصراف إلى الأندلس فأذن له ورجع عنه إلى فاس‏.‏ثم فارقهم وأجاز إلى الأندلس متودعاً ومتودداً للكل ومعولاً على ابن الأحمر فتلقاه بالقبول وأوسع له بالنزل والجراية وخلطه بنفسه وأحضره مع ندمائه‏.‏ولم يزل كذلك إلى أن جهزه وزيراً للمغرب مع موسى ابن السلطان أبي عنان وبعث معهم عسكراً‏.‏ثم ركب معهم السفين إلى سبتة وكانت بينه وبين شرفائها ورؤساء الشورى بها مداخلة فقاموا بدعوة السلطان موسى وأدخلوه وقبضوا على عاملها رحو بن الزعيم المكدولي وجاؤوا به إلى السلطان فملكها غرة صفر من سنة ست وثمانين‏.‏وسلمها لابن الأحمر فدخلت في طاعته‏.‏وسار هو إلى فاس فوصلها لأيام قريبة فأحاط بدار الملك واجتمع إليه الغوغاء‏.‏ونزل الدهش بمحمد بن حسن فبادر بطاعته‏.‏ودخل السلطان موسى إلى دار الملك وقبض عليه لوقته وذلك في عاشر ربيع الأول من السنة وجاء الناس بطاعتهم من كل جانب‏.‏وبلغ الخبرإلى السلطان أبي العباس بمكانه من نواحي تلمسان بأن السلطان موسى قد نزل سبتة فجهز علي بن منصور ترجمان الجند النصارى ببابه مع طائفة منهم‏.‏وبعثهم حامية لدار الملك فانتهوا إلى تازى وبلغهم خبر فتحها فأقاموا هنالك‏.‏وأغذ السلطان أبو العباس السير إلى فاس فلقيه خبر فتحها بتاوريرت فتقدم إلى ملوية وتردد في رأيه بين المسير إلى سجلماسة مع العرب أو قصد المغرب‏.‏ثم استمر عزمه ونازل بتازى وأقام بها أربعاً‏.‏وتقدم إلى الركن وأهل دولته خلال ذلك يخوضون في الانتقاض عليه ميلاً مع ابن عمه السلطان موسى المستولي على فاس‏.‏ويوم أصبح مرتحلاً من الركن أرجفوا به‏.‏ثم انفضوا عنه طوائف قاصدين فاس ورجع هو إلى تازى بعد أن انتهب معسكره واضرمت النار في خيامه وخزائنه‏.‏ثم صبح تازى من ليلته فدخلها وعاملها يومئذ الخير من موالي السلطان أبي الحسن‏.‏وذهب محمد بن عثمان إلى ولي الدولة ونزمار ابن عريف وأمراء العرب من المعقل‏.‏ولما دخل السلطان أبو العباس إلى تازى كتب إلى ابن عمه السلطان موسى يذكره العهد بينهما‏.‏وقد كان السلطان ابن الأحمر عهد إليه أن يبعث به إليه إن ظفر به فبادر السلطان موسى باستدعائه مع جماعة من وجوه بني عسكر أهل تلك الناحية وهم زكرياء بن يحيى بن سليمان ومحمد بن سليمان بن داود بن عراب ومعهم العباس بن عمر الوسناني فجاؤوا به وأنزلوه بالزاوية بغدير الحمص من ظاهر فاس فقيد هنالك‏.‏ثم بعث إلى الأندلس موكلاً به مع عمر بن رخو أخي الوزير مسعود بن ماساي‏.‏واستصحب معه ابنه أبا فارس‏.‏وترك سائرهم بفاس وأجاز البحر من سبتة فأنزله السلطان ابن الأحمر بقلعة ملكه الحمراء‏.‏وفك قيوده ووكل به ووسع له الجراية‏.‏وأقام هنالك محتاطاً به إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-08-2011, 01:39 PM
نكبة الوزير محمد بن عثمان ومقتله

أصل هذا الوزير من بني الكاس إحدى بطون بني ورتاجن‏.‏ وكان بنو عبد الحق عندما تأثلوا ملكهم بالمغرب يستعملون منهم في الوزارة‏.‏وربما وقعت بينهم وبين الحشم وبني فودود المختصين بالوزارة عندهم مزاحمة أجازوا بسببها إلى الأندلس‏.‏وربما وقع بينهم هنالك وبين بني إدريس وبني عبد الله منافسات فقتلوا فيها بعض بني الكاس ونشأ غازي بن ألكاس منهم في دولة السلطان أبي سعيد وابنه أبي الحسن وتهذب بالخلال‏.‏ثم استوزره السلطان أبو الحسن بعد مهلك وزيره يحيى بن طلحة بن محلى بمكانه من حصار تلمسان وقام بوزارته أعواماً وحضر معه واقعة طريف سنة إحدى وأربعين من هذه الماية واستشهد فيها‏.‏ونشأ ابنه أبو بكر في ظل الدولة ممتعاً بحسن الكفالة وسعة الرزق‏.‏وكانت أمه أم ولد وخلفه عليها ابن عمه محمد بن عثمان هذا الوزير فنشأ أبو بكر في حجره‏.‏وكان أعلى رتبة منه بأولية أبيه وسلفه حتى إذا بلغ أشده واستوى سمت به الخلال وجالت أبصار الملوك في اختياره وترشيحه حتى استوزره السلطان عبد العزيز كما قلناه وقام بوزارته أحسن قيام وأصبح محمد بن عثمان هذا رديفه‏.‏وهلك السلطان عبد العزيز فنصب الوزير أبو بكر ابنه السعيد للملك صبياً لم يثغر‏.‏وكان من انتقاض أمره وحصاره بالبلد الجديد واستيلاء السلطان أبي العباس عليه ما قدمناه‏.‏وقام محمد بن عثمان بوزارة السلطان أبي العباس مستبداً عليه ودفع إليه أمور ملكه وشغل بلذاته فعانى محمد بن عثمان من أمور الدولة ما عاناه حتى كان من استيلاء السلطان موسى على ملكهم ما مر‏.‏وانفض بنو مرين عن السلطان أبو العباس وفارقه محمد بن عثمان إلى ولي الدولة ونزمار بن عريف وهو مقيم بظاهر تازى‏.‏وتذمم له فتجهم له ونزمار وأعرض عنه فسار مغذاً إلى أحياء المنبات من عرب المعمل‏.‏كانوا هنالك قبلة تازى لذمة صحابة كانت بينه وبين شيخهم أحمد بن عبوة فنزل عليه متذمماً فخادعه وبعث بخبره إلى السلطان فجهز إليه عسكراً مع المزوار عبد الواحد بن محمد بن عبو بن قاسم وزروق بن توقريطت والحسن أوافو من الموالي فتبرأ منه العرب وأسلموه إليهم فجاءوا به وأشهره يوم دخوله إلى فاس‏.‏واعتقل أياماً وامتحن في سبيل المصادرة حتى استصفى ثم قتل ذبيحاً بمحبسه‏.‏والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين‏.‏خروج الحسن بن الناصر بغمارة ونهوض الوزير ابن ماساي إليه بالعساكر لما استقل السلطان موسى بملك المغرب وقام مسعود بن ماساي بوزارته مستبداً عليه وكان من تغريبهم السلطان أبا العباس إلى الأندلس ونكبتهم وزيره محمد بن عثمان وقتلهم إياه وافتراق أشياع الوزير محمد بن عثمان من قرابته وبطانته فطلبوا بطن الأرض ولحق منهم ابن أخيه العباس بن المقداد بتونس فوجد هنالك الحسن بن الناصر ابن السلطان أبي علي قد لحق بها من مقره بالأندلس في سبيل طلب الملك فثاب له رأي في الرجوع إلى المغرب لطلب الأمر هنالك‏.‏فسرح به من تونس وقطع المفاوز والمشاق إلى أن انتهى إلى جبل غمارة ونزل على أهل الصفيحة منها فأكرموا مثواه وتلقيه وأعلنوا بالقيام بدعوته‏.‏واستوزر العباس بن المقداد‏.‏وبلغ الخبرإلى مسعود بن ماساي بفاس فجهز العساكر لطلبه مع أخيه مهدي بن ماساي فحاصرها بجبل الصفيحة أياماً وامتنع عليهم فتجهز الوزير مسعود بن ماساي بالعساكر من دار الملك ولاية المنتصر ابن السلطان أبي العباس وفاة السلطان موسى والبيعة للمنتصر ابن السلطان أبي العباس كان السلطان موسى لما استقل بملك المغرب استنكف من استبداد ابن ماساي عليه وداخل بطانته في الفتك به‏.‏وأكثر ما كان يفاوض في ذلك كاتبه وخالصته محمد ابن كاتب أبيه وخالصته محمد بن أبى عمرو‏.‏وكان للسلطان موسى ندمان يطلعهم على الكثير من أموره منهم العباس بن عمرو بن عثمان الوسناقي وكان الوزير مسعود بن ماساي قد خلف أباه عمر على أمه وربي في حجره فكان يدلي إليه بذلك ويشي له بما يدور في مجلس السلطان في شأنه فحصلت للوزير بسبب ذلك نفرة طلب لأجلها البعد عن السلطان‏.‏وبادر الخروج لمدافعة الحسن القائم بغمارة واستخلف على دار الملك أخاه يعيش بن رخو بن ماساي‏.‏فلما انتهى إلى القصر الكبير لحقه الخبر بوفاة السلطان موسى وكانت وفاته في شهر جمادى الآخرة‏.‏طرقه المرض فهلك ليوم وليلة حتى كان الناس يرمون يعيش أخا الوزير بأنه سمه‏.‏وبادر يعيش فنصب ابن أخيه للملك وهو المنتصر ابن السلطان أبي العباس‏.‏وانكفأ الوزير مسعود راجعاً من القصر وقتل السبيع محمد بن موسى بن إبراهيم من طبقة الوزراء وقد مر ذكر قومه وكان أعتقله أيام إجازة الواثق محمد بن أبي الفضل ابن السلطان أبي الحسن من الأندلس والبيعة له بفاس كان الوزير مسعود بن ماساي لما استوحش من السلطان موسى بعث ابنه يحيى وعبد الواحد المزوار إلى السلطان ابن الأحمر يسأل منه إعادة السلطان أبي العباس إلى ملكه فأخرجه ابن الأحمر من الاعتقال وجاء به إلى جبل الفتح يروم إجازته إلى العدوة‏.‏فلما توفي السلطان موسى بدا للوزير مسعود في أمره ودس للسلطان ابن الأحمر برده وأن يبعث إليه بالواثق محمد بن أبي الفضل ابن السلطان أبي الحسن من القرابة المقيمين عنده‏.‏ورآه أليق بالاستبداد والحجر فأسعفه ابن الأحمر في ذلك ورد السلطان أحمد إلى مكانه بالحمراء‏.‏وجاء بالواثق فحضر بجبل الفتح عنده وفى خلال ذلك وصل جماعة من أهل الدولة انتقضوا على الوزير مسعود ولحقوا بسبتة وأجازوا إلى السلطان ابن الأحمر وهم يعيش بن علي بن فارس الياباني وسيور بن يحياتن بن عمر الونكاسني وأحمد بن محمد الصبيحي فدفع إليهم الواثق ورجعوا به إلى المغرب على أنهم في خدمة الوزير حتى إذا انتهوا إلى جبل زرهون المطل على مكناسة اظهروا الخلاف على الوزير وصعدوا إلى قبائل زرهون واعتصموا بجبلهم‏.‏ولحق بهم من كان على مثل دينهم من الخلاف على ابن ماساي وصاروا معهم يداً مثل طلحة بن الزبير الورتاجني وسيور بن يحياتن بن عمر الونكاسني ومحمد التونسي من بني أبي الطلاق وفارح بن مهدى من معلوجي السلطان وأصله من موالي بني زيان ملوك تلمسان‏.‏وكان أحمد بن محمد الصبيحي من حين جاء مع الواثق قد استطال على أصحابه وأظهر الاستبداد بما كان من طائفة الجند المستخدمين فغص به أهل الدولة وتبرأوا منه السلطان الواثق فأظهر لهم البراءة منه فوثبوا به وقتلوه عند باب خيمة السلطان‏.‏وتولى كبر ذلك يعيش بن علي بن فارس الياباني كبير بني مرين فذهب مثلاً في الغابرين ولم تبك عليه سماء ولا أرض‏.‏وكان زورق ابن توقريطت من موالي بني علي بن زيان من شيوخ بني وانكاسن وكان من أعيان الدولة ومقدمي الجند قد انتقض على الدولة أيام السلطان موسى ولحق بأحياء أولاد حسين من عرب المعقل المخالفين منذ أيام السلطان موسى‏.‏ونزل على شيخهم موسى بن علي بن غانم لذمة صحابة بينهما من جوارهم في المواطن‏.‏وكان معه في ذلك الخلاف محمد بن يوسف بن علال كان أبوه يوسف من صنائع السلطان أبي الحسن ونشأة دولته استوحشا من الوزير فلحقا بالمغرب‏.‏فلما جاء هذا السلطان الواثق قدما عليه فلقيهما بالتكرمة وأحلهما في مقامهما من الدولة‏.‏وخرج الوزير ابن ماساي في العساكر ونزل قبالتهم بجبل مغيلة وقاتلهم هناك أياماً‏.‏وداخل الذين مع الواثق واستمالهم‏.‏وبعث عساكر إلى مكناسة فحاصروها وكان بها يومئذ عبد الحق بن الحسن بن يوسف الورتاجني فاستنزله منها وملكها‏.‏وترددت المراسلات بينه وبين الواثق وأصحابه على أن ينصبه للأمر‏.‏وبعث بالمنتصر المنصوب عنده إلى أبيه السلطان أبي العباس بالأندلس وانعقد الأمر بينهم على ذلك‏.‏ وسار الواثق في أصحابه إلى الوزير ابن ماساي فنزل عليه‏.‏ومضى يعيش بن علي بن فارس عنهم ذاهباً لوجهه‏.‏ وسار الوزير بالواثق إلى دار الملك فبايعه في شوال سنة ثمان وثمانين بعد أن اشترط عليه لنفسه وأصحابه ما شاء‏.‏وأجاز سلطانه المنتصر إلى أبيه السلطان أبي العباس بالأندلس وقبض على جماعة ممن كان مع الواثق مثل المزوار عبد الواحد وقتله وعلى فارح بن مهدي وحبسه‏.‏ وعلى الخير مولى الأمير عبد الرحمن وامتحنه‏.‏ وعلى آخرين سواهم‏.‏ثم قبض على جماعة من بطانة السلطان موسى كانوا يداخلونه في الفتك به فحبسهم وقتل بعضهم‏.‏ وعلى جند الأندلس الذين جاءوا مداداً للواثق‏.‏ وعلى قوادهم من معلوجي ابن الأحمر فأودعهم السجون‏.‏ثم قبض على كاتب السلطان موسى بن أبي الفضل محمد بن أبي عمر مرجعه من السفارة عن سلطانه إلى الأندلس فاعتقله وصادره ثم أخلى سبيله‏.‏ثم بعث إلى الحسن بن الناصر الثائر بجبل الصفيحة من غمارة مع إدريس بن موسى بن يوسف الياباني فخادعه باستدعائه للملك والبيعة له خدعه واستنزله‏.‏الفتنة بين الوزير ابن ملساي وبين السلطان ابن الأحمر وإجازة السلطان أبي العباس إلى سبتة لطلب ملكها واستيلاؤه عليها لما بايع الوزير ابن ماساي للواثق ورأى أنه قد استقل بالدولة ودفع عنها الشواغب صرف نظره إلى استرجاع ما فرط من أعمال الدولة وافتتح أمره بسبتة‏.‏وكان السلطان موسى لأول إجازته أعطاها لابن الأحمر كما مر فبعث إليه الآن الوزير ابن ماساي في ارتجاعها منه على سبيل الملاطفة فاستشاط لها ابن الأحمر ولج في الرد فنشأت الفتنة لذلك‏.‏وجهز ابن ماساي العساكر لحصار سبتة مع العباس ابن عمر بن عثمان الوسناني ويحمى بن علال بن أمصمود والرئيس محمد بن محمد الأبكم من بني الأحمر ثم من بيت السلطان الشيخ فاتح أمرهم وممهد دولتهم‏.‏وراسل سلطان إشبيلية والجلالقة من بني أدفونش وراء البحر بأن يبعث إليه ابن عم السلطان ابن الأحمر محمد بن إسماعيل مع الرئيس الأبكم ليجلبا من ناحيته على الأندلس‏.‏وجاءت عساكر الوزير إلى سبتة فحاصروها ودخلوها عنوة‏.‏ واعتصم حامية الأندلس الذين كانوا بها بالقصبة‏.‏ واتصلت الجولة بين الفريقين وسط البلد‏.‏ وأوقد أهل القصبة النيران بالجبل علامة على أمرهم ليراها ابن الأحمر‏.‏ وكان مقيماً بمالقة فبادر بتجهيز الأسطول مشحوناً بالمقاتلة ممداً لهم‏.‏ ثم استدعى السلطان أبا العباس من مكانه بالحمراء وأركبه السفين إلى سبتة فأصبح بالقصبة في غرة صفر سنة تسع وثمانين‏.‏ وأشرف عليهم من الغد وناداهم من السور يدعوهم إلى طاعته‏.‏ فلما رأوه اضطربوا وافترقوا‏.‏ وخرج إليهم فنهب سواددهم ودخلوا في طاعته متسايلين‏.‏ ورجع جمهور العرب ومقدموهم إلى طنجة‏.‏ واستولى السلطان على مدينة سبتة‏.‏وبعث إليه ابن الأحمر بالنزول عنها وردها إليه فاستقرت في ملكه وكملت بها بيعته‏.‏وكان يوليه أمور الضيفان الواردين‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-08-2011, 01:41 PM
مسير السلطان أبي العباس من سبتة لطلب ملكه

بفاس ونهوض ابن ماساي لدفاعه ورجوعه منهزماً لما استولى السلطان أبو العباس على سبتة وتم له ملكها اعتزم على المسير لطلب ملكه بفاس‏.‏وأغراه ابن أحمر بذلك ووعده بالمداد بما كان من مداخلة ابن ماساي لجماعة من بطانته في أن يقتلوه ويملكوا الرئيس الأبكم‏.‏يقال إن الذي داخله في ذلك من بطانة ابن الأحمر يوسف بن مسعود البلنسي ومحمد ابن الوزير أبي القاسم بن الحكيم الرندي‏.‏وشعر بهم السلطان ابن الأحمر وهو يومئذ على جبل الفتح يطالع أمور السلطان أبي العباس فقتلهم جميعاً وأخوالهم‏.‏ويقال إن ذلك كان بسعاية القائم على دولته مولاه خالد كان يغص بهم ويعاودهم فاحتال عليهم بهذه وتمت سعايته بهم فاستشاط ابن الأحمر غضباً على ابن ماساي‏.‏وبعث إلى السلطان أبي العباس يستنفره للرحلة إلى طلب ملكه فاستخلف على سبتة رخو ابن الزعيم المكدودي عاملها من قبل كما مر‏.‏وصار إلى طنجة وعاملها من قبل الواثق صالح بن حمو الياباني ومعه بها الرئيس الأبكم من قبل العساكر فحاصرها أياماً وامتنعت عليه فجمر عليها عسكراً وسار عنها إلى أصيلاً فدخلت في دعوته وملكها‏.‏ونهض الوزير ابن فارس في العساكر بعد أن استخلف أخاه يعيش على دار الملك وسار‏.‏ولحقت مقدمته باصيلاً ففارقها السلطان أبو العباس وصعد إلى جبل الصفيحة فاعتصم به‏.‏وجاء الوزير ابن ماساي فتقدم إلى حصاره بالجبل وجمع عليه رماة الرجل من الأندلس الذين كانوا بطنجة‏.‏وأقام يحاصره بالصفيحة شهرين‏.‏وكان يوسف بن علي بن غانم شيخ أولاد حسين من عرب المعقل مخالفاً على الوزير مسعود وداعية للسلطان أبي العباس وشيعة له وكان يراسل ابن الأحمر في شأنه‏.‏فلما سمع باستيلائه على سبتة وإقباله على فاس جمع أشياعه من العرب ودخل إلى بلاد المغرب ونزل ما بين فاس ومكناسة‏.‏وشن الغارات على البسائط واكتسحها‏.‏وأرجف الرعايا وأجفلوا إلى الحصون‏.‏وكان ونزمار بن عريف ولي الدولة شيعة للسلطان وكان يكاتبه وهو بالأندلس ويكاتب ابن الأحمر في شأنه‏.‏فلما اشتد الحصار على السلطان بالصفيحة بعث ابنه أبا فارس إلى ونزمار بمكانه من نواحي تازى‏.‏وبعث معه سيور بن يحياتن بن عمرة فقام ونزمار بدعوته وسار به إلى مدينة نازى وعاملها سليمان بن بوحياة الفودوي من قرابة الوزير ابن ماساي‏.‏فلما نزل به أبو فارس ابن السلطان بادر إلى طاعته وأمكنه من البلد فاستولى عليها واستوزر سليمان هذا‏.‏وسار إلى صفروي ومعه ونزمار للإجتماع بعرب المعقل واصفاقهم على حصار فاس‏.‏وكان محمد بن الدمعة عاملاً على ورغة فبعث إليه السلطان عسكراً مع العباس بن المقداد ابن أخت الوزير محمد بن عثمان فقتلوه وجاءوا برأسه‏.‏ونجم الخلاف على يعيش نائب البلد الجديد من كل جهة وطير يعيش بن ماساي النائب بدار الملك بالخبر بذلك كله إلى أخيه بمكانه من حصار السلطان بالصفيحة فانفضت عنه العساكر وأجفل راجعاً إلى فاس‏.‏وسار السلطان في اتباعه‏.‏ودخل في طاعته عامل مكناسة الخير مولى الأمير عبد الرحمن‏.‏ولقيه يوسف بن علي بن غانم ومن معه من أحياء العرب وساروا جميعاً إلى فاس‏.‏وكان أبو فارس ابن السلطان قد رحل من تازى إلى صفروي للقاء أبيه فاعترضه الوزير ابن ماساي في العساكر ورجا أن يفله‏.‏ولقيه ببني بهلول فنزع أهل العسكر إلى أبي فارس‏.‏ورجع الوزير منهزماً ودخل البلد الجديد فاعتصم بها‏.‏وبلغ خبره إلى السلطان وهو بمكناسة فارتحل يغذ السير إلى فاس‏.‏وسار ابنه أبو فارس للقائه فلقيه على وادي النجا‏.‏وصبحوا البلد الجديد فنزلوا عليها بجموعهم‏.‏وقد اعتصم بها الوزير في أوليائه وبطانته ومعه يغمراسن بن محمد الثنالقني ورهائن بني مرين الذين استرهنهم عند مسيره معهم للقاء السلطان بأصيلا‏.‏والله أعلم‏.‏

ظهور دعوة السلطان أبي العباس في مراكش واستيلاء أوليائه عليها

كان الوزير مسعود بن ماساي قد ولى على مراكش وأعمال المصامدة أخاه عمر ابن رحو وكانت البلاد منتظمة في طاعته‏.‏فلما بلغ الخبربوصول السلطان إلى سبتة واستيلائه عليها تطاولت رؤوس أوليائه إلى إظهار دعوته بجبل الهساكرة وشيخهم علي بن زكريا‏.‏وبعث الوزير مسعود من مكانه بحصار السلطان بالصفيحة في إمداده بالعساكر من مراكش فخف إليه مخلوف بن سليمان الوارتني صاحب الأعمال ما بين مراكش والسوس وقعد الباقون عن قصده وتفرقوا‏.‏وصعد أبو ثابت حافد علي بن عمر إلي جبل الهساكرة ومعه يوسف بن يعقوب بن علي الصبيحي فاستمد من علي بن زكرياء ورجع إلى مراكش مجلباً على عمر بن رخو فناوشه القتال ساعة‏.‏ثم غلبه على البلد وملكها من يده ونزل بقصبة الملك‏.‏وحبس عمر بن رحو بها وكتب إلى السلطان بذلك وهو بمكناسة متوجهاً إلى فاس فكتب إليه بأن يصله بعساكر مراكش لحصار دار الملك فجمع العساكر واستخلف على قصبة مراكش بعض بني عمه ولحق بالسلطان وأقام معه في حصار البلد الجديد‏.‏والله أعلم‏.‏

ولاية المنتصر ابن السلطان على مراكش واستقلاله بها

كان السلطان أبو العباس حين ملك المغرب بعث ابنه محمد المنتصر في البحر إلى سلا واستوزر له عبد الحق بن الحسن بن يوسف فوصل إلى سلا وأقام بها‏.‏ومر به زروق بن توقريطت راجعاً من دكالة‏.‏وقد بلغة نزول السلطان على البلد الجديد فتلطف في استدعائه ثم قبض عليه وبعث به إلى أبيه مقيداً فأودعه السجن وقتل بعد ذلك في محبسه‏.‏ثم بعث السلطان إلى ابنه المنتصر بولاية مراكش وأن يسير إليها فلما وصل امتنع النائب بالقصبة من أن يمكنه من البلد إلا أن يدخل إليه منفرداً عن أصحابه وبطانته‏.‏وكان علي بن عبد العزيز شيخ هنتاتة مداخلاً لنائب القصبة فدس لعبد الحق وزير المنتصر أن النائب قد هم بقتله‏.‏وحينئذ تمكن المنتصر من القصبة فأجفل بالمنتصر وصعد إلى جبل هنتاتة‏.‏وطير بالخبر إلى السلطان فتغير لأبي ثابت وأمره بأن يكاتب نائبه بتمكين ابنه من القصبة‏.‏واستوزر له سعيد بن عبدون وبعثه بالكتاب وعزل عبد الحق عن وزارة ابنه‏.‏واستدعاه إلى فاس فوصل سعيد بن عبدون إلى مراكش ودفع إلى النائب بالقصبة كتاب مستخلفه فأجاب إلى الامتثال وأمكنه من القصبة واعتزل منها فدخلها‏.‏وبعث عن المنتصر ابن السلطان واستولوا عليها وقبضوا على نائب عامر الذي كان بها وسائر شيعته وبطانته‏.‏وامتحنوهم واستصفوهم إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏حصار البلد الجديد وفتحها ونكبة الوزير ابن ماساي ومقتله لما نزل السلطان على البلد الجديد واجتمع إليه سائر قبيله وأوليائه وبطانته داخل الوزير مسعود الحنق على وجوه بني مرين لانتباذهم عنه‏.‏وهم بقتل أبنائهم الذين استرهنهم على الوفاء له فلاطفه يغمراسن السالفي في المنع من ذلك فأقصر عنه‏.‏وضيق السلطان مخنقه بالحصار ثلاث أشهر حتى دعا إلى النزول والطاعة فبعث السلطان إليه ولي الدولة ونزمار بن عريف وخالصته محمد بن يوسف‏.‏بن علال فعقد معهم الأمان لنفسه ولمن معه على أن يستمر على الوزارة ويبعث بسلطانه الواثق إلى الأندلس‏.‏واستحلفهم على ذلك وخرج معهم إلى السلطان فدخل السلطان البلد الجديد خامس رمضان سنة تسع وثمانين لثلاثة أعوام وأربعة أشهر من خلعه‏.‏ولحين دخوله قبض على الواثق وبعث به معتقلاً إلى طنجة حتى قتل بها بعد ذلك‏.‏ولما استوى على أمره قبض على الوزير مسعود ليومين من دخوله وعلى إخوانه وحاشيته‏.‏وامتحنهم جميعاً فهلكوا في العذاب‏.‏ثم سلط على مسعود من العذاب والانتقام ما لا يعبر عنه‏.‏ونقم عليه ما فعله بدور بني مرين النازعين إلى السلطان بأنه كان متى هرب منه أحد منهم يعمد إلى بيوته فينهبها ويخربها فأمر السلطان بعقابه في أطلالها فكان يوتى به إلى كل بيت منها فيضرب عشرين سوطاً إلى أن أفحش فيه العذاب وتجاوز الحد‏.‏ثم أمر به فقطع فهلك عند قطع الثانية من الأربعة فذهب مثلاً في الآخرين‏.‏وزارة محمد بن هلال كان أبوه يوسف بن هلال من نشأة الدولة وصنيعة السلطان أبي الحسن‏.‏وربي في داره‏.‏ولما ضخم أمره سما به إلى ولاية الأعمال فولاه على درعة فأثرى وأنجب وباهى أولياء الدولة‏.‏ثم ولاه السلطان أبو عنان أمر مطبخه ومائدته وضيوفه واستكفى في ذلك وولاه أخوه أبو سالم بعده كذلك‏.‏ثم بعثه على سجلماسة فعانى بها من أمور العرب مشقة‏.‏وعزله عنها فهلك بفاس‏.‏وكان له جماعة عن ولد نشأوا في ظل هذه النعمة وحدثت النجابة بمحمد منهم‏.‏فلما ولي السلطان أبو العباس استعمله في أمور الضياف والمائدة كما كانت لأبيه‏.‏ثم رقاه إلى المخالصة وخلطه بنفسه‏.‏فلما خلع السلطان واستولى الوزير ابن ماساي على المغرب وكانت بينه وبين أخيه يعيش بن ماساي إحن قديمة فسكن لصولتهم‏.‏حتى إذا اضطرمت نار الفتنة بالمغرب وأجلب عرب المعقل في الخلاف استوحش محمد هذا فلحق بأحيائهم مع زروق بن توقريطت كما مر ذكره‏.‏ونزلا على يوسف بن علي بن غانم شيخ أولاد حسين وأقاما معه في خلافه‏.‏حتى إذا أجاز السلطان الواثق من الأندلس ووصل مع أصحابه إلى جبل زرهون وأظهروا الخلاف على الوزير ابن ماساي بادر محمد هذا وزروق إلى السلطان ودخلا في طاعته متبرئين من النفاق الذي حملهم عليه عداوة الوزير ابن ماساي‏.‏فما كان إلا أن انعقد الصلح بين الواثق وابن ماساي وسار به وبأصحابه إلى فاس‏.‏وحصلوا في قبضة ابن ماساي فعف لهم عما كان منهم واستعملهم في معهود ولايتهم ثم جاء الخبر بإجازة السلطان أبي العباس إلى سبتة فاضطرب محمد بن يوسف وذكر لخالصة السلطان ومنافرة بني ماساي فأجمع أمره ولحق بسبتة فتلقاه السلطان بالكرامة‏.‏وير بمقدمه ودفعه إلى القيام بأمر دولته فلم يزل متصرفاً بين يديه إلى أن نزل على البلد الجديد‏.‏ولأيام من حصارها خلع عليه للوزارة ودفعه إليها فقام بها أحسن قيام‏.‏ثم كان الفتح وانتظمت أمور الدولة ومحمد هذا يصرف الوزارمة على ظهور محمد بن السلطان عبد الحليم بسجلماسة قد تقدم لنا عند ذكر السلطان عبد الحليم ابن السلطان أبي علي وكان يدعى حلى كيف بايع له بنو مرين وأجلبوا به على عمر بن عبد الله سنة ثلاث وستين أيام بيعته للسلطان أبي عمر ابن السلطان أبي الحسن‏.‏وحاصروا معه البلد الجديد حتى خرج لدفاعهم وقاتلهم فانهزموا وافترقوا‏.‏ولحق السلطان عبد الحليم بتازى وأخوه عبد المؤمن بمكناسة ومعه ابن أخيهما عبد الرحمن بن أبي يفلوسن‏.‏ثم بايع الوزير عمر بن عبد الله لمحمد بن أبي عبد الرحمن ابن السلطان أبي الحسن‏.‏واستبدل به من أبي عمر لما كان بنو مرين يرمونه به من الجنون والوسوسة‏.‏فاستدعى محمد بن أبي عبد الرحمن من مطرح اغترابه بإشبيلية وبايع له‏.‏وخرج في العساكر لمدافعه عبد المؤمن وعبد الرحمن عن مكناسة فلقيهما وهزمهما ولحقا بالسلطان عبد الحليم بتازى وساروا جميعاً إلى سجلماسة فاستقروا فيها والسلطان لعبد الحليم‏.‏وقد تقدم خبر ذلك كله في أماكنه‏.‏ثم كان الخلاف بين عرب المعقل أولاد حسين والأحلاف‏.‏وخرج عبد المؤمن للإصلاح بينهم فبايع له أولاد حسين ونصبوه كرهاً للملك‏.‏وخرج السلطان عبد الحليم إليهم في جموع الأحلاف فقاتلوه وهزموه‏.‏وقتلوا كبار قومه كان منهم يحيى بن رحو بن تاشفين بن معطي شيخ بني تيربيغين وكبير دولة بني مرين أجلت المعركة عن قتله‏.‏ ودخل عبد المؤمن البلد منفرداً بالملك‏.‏ وصرف السلطان أخاه عبد الحليم إلى المشرق لقضاء فرضه لرغبته في ذلك فسار على طريق القفر مسلك الحاج من التكرور إلى أن وصل القاهرة والمستبد بها يومئذ يلبغا الخاصكي على الأشرف شعبان بن حسين من أسباط الملك الناصر محمد بن قلاوون فأكرم وفادته ووسع نزله وجرايته وأدر لحاشيته الأرزاق‏.‏ ثم أعانه على طريقه إلى الحج بالأزواد والآنية والظهر من الكراع والخف‏.‏ ولما انصرف من حجه زوده لسفر المغرب‏.‏ وهلك بتروجه سنة سبع وستين‏.‏ورجع حاشيته إلى المغرب بحرمه وولده‏.‏وكان ترك محمداً هذا رضيعاً فشب متقلباً بين الدول من ملك إلى آخر منتبذاً عن قومه لغيرة بني السلطان أبي الحسن من بني عمهم السلطان أبي علي‏.‏وكان أكثر ما يكون مقامه عند أبي حمو سلطان بني عبد الواد بتلمسان لما يروم به من الأجلاب على المغرب ودفع عادية بني مرين عنهم‏.‏فلما وقع بالمغرب من انتقاض عرب المعقل على الوزير مسعود بن ماساي سنة تسع وثمانين ما وقع واستمروا على الخلاف عليه انتهز أبو حمو الفرصة وبعث بمحمد بن علي هذا إلى المعقل ليجلبوا به على المغرب ويمزقوا من ملكه ما قدروا عليه فلحق بأحيائهم ونزل على الأحلاف الذين هم أمس رحماً بسجلماسة وأقرب موطناً إليها‏.‏وكان الوزير مسعود بن ماساي قد ولي عليها من قرابته علي بن إبراهيم بن عبو بن ماساي‏.‏فلما ظهر عليه السلطان أبو العباس وضيق مخنقه بالبلد الجديد دس إلى الأحلاف وإلى قريبه علي بن إبراهيم أن ينصبوا محمد ابن السلطان عبد الحليم يملكوه سجلماسة ويجلبوا به على تخوم المغرب ليأخذوا بحجزة السلطان أبي العباس عنه وينفسوا من خناقه ففعلوا ذلك‏.‏ودخل محمد إلى سجلماسة فملكها وقام علي بن إبراهيم بوزارته حتى إذا استولى السلطان أبو العباس على البلد الجديد وفتك بالوزير مسعود بن ماساي وبإخوته وسائر قرابته اضطرب علي بن إبراهيم وفسد ما بينه وبين سلطانه محمد فخرج عنه من سجلماسة وعاد إلى أبي حمو سلطان تلمسان كما كان‏.‏ثم زادت هواجس علي بن إبراهيم وارتيابه فخرج عن سجلماسة وتركها ولحق بأحياء العرب‏.‏وسارت طائفة منهم معه إلى أن أبلغوه مأمنه‏.‏ونزل على السلطان أبي حمو إلى أن هلك فسار إلى تونس وحضر وفاة السلطان أبي العباس بها سنة ست وتسعين‏.‏ ولحق محمد ابن السلطان عبد الحليم بعد مهلك أبي حمو بتونس‏.‏ ثم ارتحل بعدد وفاة السلطان أبي العباس إلى المشرق في سبيل جولة ومطاوعة واغتراب والله تعالى أعلم‏.‏لما استقل السلطان بملكه واقتعد سريره صرف نظره إلى أولياء تلك الدولة ومن يرتاب منه‏.‏وكان محمد بن أبي عمرو وقدتقدم ذكره وأوليته من جملة خواصه وندمائه‏.‏ وكان السلطان يقسم له من عنايته وجميل نظره ويرفعه على نظرائه‏.‏ فلما ولى السلطان موسى نزعت به إليه نوازع المخالصة لأبيه من السلطان أي عنان‏.‏ فقد كان أبوه من أعز بطانته كما مر فاستخلصه السلطان موسى للشورى ورفعه على منابر أهل الدولة‏.‏ وجعل إليه كتابه علامته على المراسم السلطانية كما كان لأبيه‏.‏ وكان يفاوضه في مهماته ويرجع إليه في أموره حتى غص به أهل الدولة ونمي عنه للوزير مسعود بن ماساي أنه يداخل السلطان في نكبته‏.‏وربما سعى عند سلطانه في جماعة من بطانة السلطان أحمد فأتى عليهم النكال والقتل لفلتات كانت بينهم وبينه في مجالس المنادمة عند السلطان حقدها لهم‏.‏ فلما ظفر بالحظ من سطات سعى بهم فقتلهم‏.‏وكان القاضي أبو إسحاق إبراهيم اليزناسي من بطانة سلطانه وكان يحضر مع ندمائه فحقد له ابن أبي عمرو بعض الكلمات‏.‏ وأغرى به سلطانه فضربه وأطافه وجاء بها شنعاء غريبة في القبح‏.‏وسفر عن سلطانه إلى الأندلس وكان يمر بمنزل السلطان هذا ومكان اعتقاله‏.‏ وربما تلقاه فلم يلم بتحية ولا يوجب له حقاً فاحفظ ذلك السلطان‏.‏ ولما فرغ من أمر ابن ماساي قبض على ابن أبي عمرو هذا وأودعه السجن‏.‏ ثم امتحنه بعد أيام إلى أن هلك ضرباً بالسياط عفا الله عنه‏.‏وحمل إلى داره‏.‏ وبينما أهله يجهزونه إلى قبره إذا بالسلطان قد أمر بأن يسحب في نواحي البلد إبلاغاً في التنكيل فحمل من نعشه وقد ربط حبل من رجله وسحب في سائر أنحاء المدينة‏.‏ثم ألقي على بعض الكثبان من أطرافها وأصبح مثلاً في الآخرين‏.‏ ثم قبض السلطان على حركات بن حسون النياطي وكان مخباً في الفتنة موضعاً‏.‏وكان العرب المخالفون من المعقل ولما أجاز السلطان إلى سبتة وحركات هذا بتادلا أرادوه على طاعة السلطان فامتنع أولاً‏.‏ثم أكرهوه وجاءوا به إلى السلطان فطوى له على ذلك حتى استقام أمره‏.‏ وملك البلد الجديد فقبض عليه وامتحنه إلى أن هلك‏.‏ والله وارث الأرض ومن عليها‏.‏

خلاف علي بن زكرياء بجبل الهساكرة ونكبته

لما ملك السلطان البلد الجديد واستوى على ملكه وفد عليه علي بن زكرياء شيخ هسكورة مستصباً بما قدم من سوابقه‏.‏وقد كان حضر معه حصار البلد الجديد واستدعاه فجاء بقومه وعساكر المصامدة‏.‏وأبلى في حصارها فرعى السلطان سوابقه وولاه الولاية الكبرى على المصامدة على عادة الدولة في ذلك‏.‏ ثم وفد بعده محمد بن إبراهيم المبرازي من شيوخ المصامدة وكانت له ذمة صهر مع الوزير محمد بن يوسف بن علال على أخته فولاه السلطان مكان علي بن زكرياء فغضب لها علي واستشاط وبادر إلى الانتقاض والخلاف‏.‏ونصب بعض القرابة من بني عبد الحق فجهز إليه السلطان العساكر مع محمد بن يوسف بن علال وصالح بن حمو الياباني‏.‏وأمر صاحب درعة وهو يومئذ عمر بن عبد المؤمن بن عمر أن ينهد إليه بعساكر درعة من جهة القبلة فساروا إليه وحاصروه في جبلة‏.‏ وجاولوه مرات ينهزم في جميعها حتى غلبوه على جبلة‏.‏ وسار إلى إبراهيم بن عمران الصناكي المجاور له في جبلة فاستذم به‏.‏ وخشي إبراهيم معرة الخلاف والغلب ورغبه الوزير محمد بن يوسف بمال بذله له فأمكنه منه وقبض عليه الوزير وجاء به إلى فاس فأدخله في يوم مشهود وشفره واعتقل‏.‏ فلم يزل في الاعتقال إلى أن هلك السلطان أبو العباس‏.‏ وارتاب به أهل الدولة بعده فقتلوه كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏وفادة أبي تاشفين علي السلطان أبي العباس صريخا علي أبيه ومسيره بالعساكر ومقتل أبيه السلطان أبي حمو كان أبو تاشفين ابن السلطان أبي حمو قد وثب على أبيه آخر ثمان وثمانين بممالأته لغيره من إخوته واعتقله بوهران‏.‏وخرج في العساكر لطلب إخوته المنتصر وأبي زيان وعمير وامتنعوا عند حصين بجبل تيطرى فحاصرهم أياماً‏.‏ثم تذكر غائلة أبيه فبعث ابنه أبا زيان في جماعة من بطانته منهم موسى ابن الوزير عمران بن موسى وعبد الله ابن جابر الخراساني فقتلوا بعض ولده بتلمسان ومضوا إليه وهو بمحبسه في وهران‏.‏فلما شعر بهم أسرف من الحصن وناس في أهل المدينة متذمماً بهم فهرعوا إليه‏.‏ وتدلى إليهم في عمامته وقد احتزم بها فأنزلوه وأحدقوا به وأجلسوه على سريره‏.‏وتولى كبر ذلك خطيب البلد ابن خزورت ولحق أبو زيان بن أبي تاشفين ناجياً إلى تلمسان‏.‏واتبعه السلطان أبو حمو ففر منها إلى أبيه‏.‏ ودخل أبو حمو تلمسان وهي طلل وأسوارها خراب فأقام فيها رسم دولته‏.‏ وبلغ الخبرإلى أبي تاشفين فأجفل من تيطرى‏.‏وأغذ السير فدخلها‏.‏ واعتصم أبوه بمأذنة المسجد فاستنزله منها وتجافى عن قتله‏.‏ ورغب إليه أبو حمو في رحلة المشرق لقضاء فرضه فأسعفه وأركبه السفين مع بعض تجار النصارى إلى الإسكندرية موكلاً به‏.‏فلما حاذى مرسى بجاية لاطف النصارى في تخلية سبيله فأسعف وملك أمره‏.‏ وبعث إلى صاحب الأمر ببجاية يستأذنه في النزول فأذن له‏.‏وسار منها إلى الجزائر واستخدم العرب واستصعب عليه أمر تلمسان فخرج إلى الصحراء‏.‏وجاء إلى تلمسان من جهة المغرب وهزم عساكر ابنه أبي تاشفين وملكها‏.‏ وخرج أبو تاشفين هارباً منها فلحق بأحياء سويد في مشاتيهم‏.‏ ودخل أبو حمو تلمسان قي رجب سنة تسعين‏.‏وقد تقدم شرح هذه الأخبار كلها مستوعبة‏.‏ ثم وفد أبو تاشفين مع محمد بن عريف شيخ سويد على السلطان أبي العباس صريخاً على أبيه ومؤملاً الكرة بإمداده فتقبله السلطان وأجمل له المواعيد‏.‏وأقام أبو تاشفين في انتظارها والوزير محمد بن يوسف بن علال يعده ويمنيه ويحلف له على الوفاء‏.‏ وبعث السلطان أبو حمو إلى السلطان ابن الأحمر لما علم من استطالته على دولة بني مرين كما مر يتوسل إليه في أن يصدهم عن صريخ أبي تاشفين وإمداده عليه فخلا ابن الأحمر في ذلك وجعلها من أهم حاجاته‏.‏وخاطب السلطان أبا العباس في أن يجهز إليه أبا تاشفين فتعلل عليه في ذلك بأنه استجار بابنه أبي فارس وأستذم به‏.‏ ولم يزل الوزير ابن علال يفتل لسلطانه ولابن الأحمر في الذروة والغارب حتى تم أمره وأنجز له السلطان بالنصر موعده‏.‏وبعث ابنه الأمير أبا فارس والوزير ابن علال في العساكر صريخين له وانتهوا إلى تازى‏.‏وبلغ الخبرإلى أبي حمو فخرج من تلمسان في عساكره واستألف أولياءه من عبد الله‏.‏ونزل بالغيران من وراء جبل بني ورنيد المطل على تلمسان وأقام هنالك متحصناً بالجبل وجاءت العيون إلى عساكر بني مرين بتازى من مكانه هو وأعرابه من الغيران فأجمعوا غزوه‏.‏وسار الوزير ابن علال وأبو تاشفين وسلكوا القفر ودليليهم سليمان بن ناجي من الأحلاف‏.‏ثم صبحوا أبا حمو ومن معه من أحياء الخراج بمكانهم من الغيران فجاولوهم ساعة ثم ولوا منهزمين وكبا بالسلطان أبي حمو فرسه فسقط وأدركه بعض أصحاب أبي تاشفين فقتلوه قعصاً بالرماح وجاءوا برأسه إلى ابنه أبي تاشفين والوزير ابن علال فبعثوا به إلى السلطان وجيء بابنه عمير أسيراً فهم أخوه أبو تاشفين بقتله فمنعه بنو مرين أياماً‏.‏ ثم أمكنوه منه فقتله ودخل إلى تلمسان آخر سنة إحدى وتسعين‏.‏وخيم الوزير وعساكر بني مرين بظاهر البلد حتى دفع إليهم ما شارطهم عليه من المال‏.‏ثم قفلوا إلى المغرب وأقام أبو تاشفين بتلمسان يقيم دعوة السلطان أبي العباس صاحب المغرب ويخطب له على منابر تلمسان وأعمالها ويبعث إليه بالضريبة كل سنة كما اشترط على نفسه‏.‏وكان أبو حمو ملك تلمسان ولى ابنه أبا زيان على الجزائر‏.‏ فلما بلغه مقتل أبيه امتعض ولحق بأحياء حصين ناجياً وصريخاً‏.‏ وجاءه وفد بني عامر من زغبة يدعونه للملك فسار إليهم‏.‏وقام بدعوته شيخهم المسعود بن صغير ونهضوا جميعاً إلى تلمسان في رجب سنة اثنتين وتسعين فحاصروها أياماً‏.‏ثم سرب أبو تاشفين المال في العرب فتفرقوا عن أبي زيان‏.‏ وخرج إليه أبو تاشفين ابنه صريخاً إلى المغرب فجاءه بمدد من العسكر‏.‏ ولما انتهى إلى تاوريرت أفرج أبو زيان عن تلمسان وأجفل إلى الصحراء‏.‏ ثم أجمع رأيه على الوفادة إلى صاحب المغرب فوقد عليه صريخاً فتلقاه بالتكرمة وبر مقدمه ووعده النصر من عدوه‏.‏ وأقام عنده إلى حين مهلك أبي تاشفين‏.‏ والله أعلم‏.‏

وفاة أبي تاشفين واستيلاء صاحب المغرب على تلمسان

لم يزل هذا الأمير أبو تاشفين مملكاً على تلمسان ومقيماً فيها لدعوة صاحب المغرب أبي العباس ابن السلطان أبي سالم ومؤدياً الضريبة التي فرضها عليه منذ ملك‏.‏وأخوه الأمير أبو زيان مقيم عند صاحب المغرب ينتظر وعمه في النصر عليه حتى تغير السلطان أبو العباس على أبي تاشفين في بعض النزعات الملوكية فأجاب داعي أبي زيان وجهزه بالعساكر لملك تلمسان‏.‏فسار لذلك منتصف سنة خمس وتسعين وانتهى إلى تازى وكان أبو تاشفين قد طرقه مرض أزمنه ثم هلك منه في رمضان من السنة‏.‏وكان القائم في دولته أحمد بن العز من صنائعهم وكان يمت إليه بخؤولة فولى بعده مكانه صبياً من أبنائه وقام بكفالته‏.‏وكان يوسف بن أبي حمو وهو ابن الزابية والياً على الجزائر من قبل أبي تاشفين فلما بلغه الخبر أغذ السير مع العرب ودخل تلمسان وقتل أحمد بن العز والصبي المكفول ابن أخيه أبى تاشفين‏.‏فلما بلغ الخبرإلى السلطان أبي العباس صاحب المغرب خرج إلى تازى وبعث من هنالك ابنه أبا فارس في العساكر ورد أبا زيان ابن أبي حمو إلى فاس ووكل به‏.‏وسار أبو فارس إلى تلمسان فملكها وأقام فيها دعوة أبيه‏.‏وتقدم وزير أبيه صالح بن حمو إلى مليانة فملكها وما بعدها من الجزائر وتدلس إلى حدود بجاية‏.‏واعتصم يوسف بن الزابية بحصون تاجحمومت‏.‏وأقام الوزير صالح يحاصره‏.‏وانقرضت دولة بني عبد الواد من المغرب الأوسط‏.‏والله غالب على أمره‏.‏

وفاة السلطان أبي العباس صاحب المغرب

واستيلاء أبي زيان ابن أبي حمو على تلمسان والمغرب الأوسط كان السلطان أبو العباس بن أبي سالم لما وصل إلى تازى وبعث ابنه أبا فارس إلى تلمسان فملكها أقام هو بتازى يشارف أحوال ابنه ووزير صالح الذي تقدم لفتح البلاد الشرقية وكان يوسف بن علي بن غانم أمير أولاد حسين من المعقل قد حج سنة ثلاث وتسعين واتصل بملك مصر من الترك الملك الظاهر برقوق‏.‏وتقدمت إلى السلطان فيه وأخبرته بمحله من قومه فأكرم تلقيه وحمله بعد قضاء حجه هدية إلى صاحب المغرب يطرفه فيها بتحف من بضائع بلده على عادة الملوك‏.‏فلما قدم يوسف بها على السلطان أبي العباس أعظم موقعه‏.‏وجلس في مجلس حفل لعرضها والمباهاة بها‏.‏وشرع في المكافأة عليها بتجهيز الجياد والبضائع والثياب حتى استكمل من ذلك ما رضيه‏.‏واعتزم على إنفاذها مع يوسف بن علي حاملها الأول‏.‏وإنه يرسله من تازى لأيام مقامته تلك فطرقه هنالك مرض كان فيه حتفه في شهر محرم سنة ست وتسعين‏.‏واستدعوا ابنه أبا فارس من تلمسان فبايعوه بتازى وولوه مكانه ورجعوا به إلى فاس‏.‏وأطلقوا أبا زيان بن أبي حمو من الاعتقال‏.‏وبعثوا به إلى تلمسان أميراً عليها وقائماً بدعوة السلطان أبي فارس فيها فسار إليها وملكها‏.‏وكان أخوه يوسف بن الزابية قد اتصل بأحياء بني عامر يروم ملك تلمسان والاجلاب عليها فبعث إليهم أبو زيان عندما بلغه ذلك‏.‏وبذل لهم عطاء جزيلاً على أن يبعثوا به إليه فأجابوه إلى ذلك وأسلموه إلى ثقاة أبي زيان‏.‏وساروا به فاعترضهم بعض أحياء العرب ليستنقذوه منهم فبادروا بقتله وحملوا رأسه إلى أخيه أبي زيان فسكنت أحواله وذهبت الفتنة بذهابه واستقامت أمور دولته‏.‏وهم ذلك لهذا العهد‏.‏ والله غالب على أمره‏.‏وقد انتهى بنا القول في دولة بني عبد الواد من زناتة الثانية وبقي علينا خبر الرهط الذين تحيزوا منهم إلى بني مرين من أول الدولة‏.‏وهم بنو كمي من فصائل علي بن القاسم إخوة طاع الله بن علي وخبر بني كندوز أمرائهم بمراكش‏.‏فلنرجع إلى ذكر أخبارهم وبها نسوق الكلام في أخبار بني عبد الواد‏.‏والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-08-2011, 01:43 PM
الخبر عن القرابة المرشحين من آل عبد الحق

الأمراء على الغزاة المجاهدين بالأندلس الذين قاسموا ابن الأحمر في ملكه وانفردوا برساسة جهاده كانت الجزيرة الأندلسية من وراء البحر منذ انقضاء أمر بني عبد المؤمن وقيام ابن الأحمر بأمرها قليلة الحامية ضعيفة الأحوال إلا من يلهمه الله إلى عمل الجهاد من قبائل زناتة المتلقفين كرة الملك والمقتسمين ممالك الغرب خصوصاً بني مرين أهل المغرب الأقصى لاتصال عدوة الأندلس ببسائطه وتعدد الفراض ببحر للزقاق القريب العدوتين‏.‏وما زال هذا الزقاق على قديم الزمان لأجل ذلك فرضة دون سواحل المغرب‏.‏ولما استولى بنو مرين على ممالكه وضاقت أحوال المسلمين بالأندلس‏.‏وتحيقهم الطاغية حتى ألجأهم إلى سيف البحر واستأثر بالفرنتيرة وما وراءها‏.‏واستأثر بنو القمط أهل برشلونة وقطلونية بشرق الأندلس‏.‏وأنتشر في الأقطار ما كان من أمر قرطبة وأختيها إشبيلية وبلنسية‏.‏وامتعض لذلك المسلمون وتنافسوا في الجهاد وإمداد الأندلس بأموالهم وأنفسهم وسابق الناس إلى ذلك الأمير أبو زكريا بن أبي حفص بما كان صاحب الوقت والمؤمل للكرة فاستنقذ الكثير من أمواله ومقرباته في مددهم بعد أن كانوا آثروا القيام بدعوته وأوفدوا عليه المشيخة ببيعته‏.‏وكان ليعقوب بن عبد الحق أمل في الجهاد وحرص عليه‏.‏واعتزم في سلطان أخيه أبي يحيى على الإجارة فمنعه ضنانة به على الاغتراب منه‏.‏وأوعز إلى صاحب سبتة يومئذ أبي علي بن خلاص بمنعه منها فوعر له السبيل وشبه عليه المذاهب‏.‏ولم ينشب يعقوب بن عبد الحق أن قام بسلطان المغرب بعد أخيه أبي يحيى وشغل بشأنه‏.‏وأهمه شأن بني أخيه إدريس بن عبد الحق بما كان فيهم من الترشيح والمنافسة لبنيه‏.‏واستأذنه عامر بن إدريس منهم في الجهاد بالعداوة فاغتنمها منه وعقد له من مطوعة زناتة على ثلاثة آلاف أو يزيدون‏.‏ وأجاز معه رحو ابن عمه عبد الله بن عبد الحق‏.‏ وفصلوا إلى الأندلس سنة إحدى وستين فحسنت آثارهم في الجهاد وكرمت مقاماتهم‏.‏ ثم رجع عامر بن إدريس إلى المغرب وككثر انتقاض القرابة‏.‏ونافسهم أقيال زناتة في مثلها فاجتمع أبناء الملوك بالمغرب الأوسط مثل عبد الملك بن يغمراسن ابن زيان وعايد بن منديله بن عبد الرحمن وزيان بن محمد بن عبد القوي فتعاقدوا على الإجازة إلى الجهاد فأجازوا فيمن خف معهم من قومهم سنة ست وسبعين وستماية فامتلأت الأندلس بأقيال زناته وأعياص الملك منهم‏.‏وكان فيمن أجاز من أعياصهم بنو عيسى بن يحيى بن وسناف بن عبو بن أبي بكر بن حمامة‏.‏ومنهم سليمان بن إبراهيم وكانت لهم آثار في الجهاد ومقامات محمودة وكان موسى بن رحو لما نازله السلطان وبني عبد الله بن عبد الحق بحصن علودان ونزلوا على عهده لحق يتلمسان‏.‏وكان بنو عبد الله بن عبد الحق وإدريس بن عبد الحق عصبة من بين سائرهم لأن عبد الله وإدريس كانا شقيقين لسوط النساء بنت عبد الحق فاقتفى أثر يعقوب بن عبد الله بن محمد ابن عمه إدريس وخرج على السلطان بقصر كتامة سنة ثلاث وستين‏.‏ ثم استرضاه عمه واستنزله‏.‏وبقي يعقوب بن عبد الله في انتقاضه ينتقل في الجهات إلى أن قتله طلحة بن محلى من أولياء السلطان سنه ثمان وستين بجهة سلا فكفى السلطان شأنه‏.‏ولما كان من عهد السلطان لابنه أبي مالك ما قدمناه نفس عليه هؤلاء القرابة هذا الشان فانتقضوا ولحق محمد بن إدريس بحصن علودان‏.‏ولحق موسى بن رحو بن عبد الله بجبال غمارة ومعه أولاد عمه أبي عياد بن عبد الحق‏.‏ونازلهم السلطان حتى نزلوا على عهده‏.‏ وأجازهم إلى الأندلس سنة سبعين فأقاموا بها للجهاد سوقاً‏.‏ ونافستهم أقيال زنانة في مثلها بتلمسان‏.‏وأجاز منها إلى الأندلس سنة سبعين فولاه السلطان ابن الأحمر على جميع الغزاة المجاهدين هنالك بما كان كبش كتيبتهم وفحل شولهم‏.‏ ولم يلبث أن عاد إلى المغرب فولى السلطان مكانه أخاه عبد الحق‏.‏ثم رجع عنهم مغاضباً إلى تلمسان فولى مكانه على الغزاة المجاهدين إبراهيم بن عيسى بن يحيى بن وسناف إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن موسى بن رحو فاتح هذه الرياسة بالأندلس

وخبر ابنه عبد الحق من بعده وابنه حمو بن عبد الحق بعدهما لما هلك السلطان الشيخ ابن الأحمر وولي ابنه السلطان الفقيه ووفد على السلطان يعقوب‏.‏ بن عبد الحق صريخان للمسلمين فأجاز إليه أول إجازته سنة ثلاث وسبعين وأوقع بجيوش النصرانية‏.‏وقتل الزعيم دننه واستوى له الغلب على الأندلس فبدا لابن الأحمر في أمره وخشي مغبته‏.‏وتوقع أن يكون شأنه معه شأن يوسف بن تاشفين والمرابطين مع ابن عباد وكان بالأندلس من قرابته بنو أشقيلولة قد قاسموه في ممالكها وانفردوا بوادي آش ومالقة وقمارش حسبما ذكرناه في أخباره مع السلطان‏.‏وانتقض عليه أيضاً من رؤساء الأندلس أبو عبدويل وابن الدليل فكانوا يجلبون على بلاد المسلمين‏.‏ وكانوا قد استنجدوا جيوش النصرانية ونازلوا غرناطة وعاثوا في الجهات‏.‏فلما استوت قدم السلطان يعقوب بن عبد الحق بالأندلس وصل هؤلاء الثوار به أيديهم فخشيهم ابن الأحمر جميعاً على نفسه‏.‏وقلب للسلطان أبي يوسف ظهر المجن واستظهر عليه بالأعاص من قرابته‏.‏ وكان هؤلاء القرابة من أولاد رحو بن عبد الله وإدريس بن عبد الله وإدريس بن عبد الحق وينسبون جميعاً إلى سوط النساء كما ذكرناه من أولاد أبي عياد بن عبد الحق لما أوجسوا الخيفة من السلطان واستشعروا النكير منه لحقوا بالأندلس تورية بالجهاد وانتباذاً عن الشول فراراً عن محله‏.‏وقد كان السلطان أبو يوسف متى أحس بريية منهم في ذلك إذا انتقضوا عليه يشخصهم إلى الأندلس فاجتمعت منهم عند ابن الأحمر عصابة من أولاد عبد الحق كما قلناه وأولاد وسناف وأولاد نزول وتاشفين بن معطي كبير تيربيغين من بني محمد‏.‏وتبعهم أولاد محلي أخوال السلطان أبي يوسف وكان ابن الأحمر كثيراً ما يعقد لهم على الغزاة المجاهدين من زناتة لدار الحرب فعقد أولاً لموسى بن رحو سنة ثلاث وسبعين ولأخيه عبد الحق بعد انصرافه إلى المغرب ثم لإبراهيم بن عيسى بعد انصرافهما معاً كما قلناه‏.‏ثم رجعا فعقد لموسى بن رحو ثانية على شياخه وثبت له قدماً في الرياسة ليحسن به دفاع السلطان أبي يوسف عنهم‏.‏ ثم تداولت الإمارة فيهم ما بينهم وبين عمومتهم‏.‏وربما عقد قبل ذلك أزمان الفترة لعلي بن أبي عياد بن عبد الحق في بعض الغزوات ولتاشفين بن معطي في أخرى سنة تسع وسبعين ومعه طلحة بن محلي فاعترضوا الطاغية دون حصن المسلمين وكان لهم الظهور‏.‏ ثم حدثت الفتنة بينه وبين السلطان أبي يوسف‏.‏ وعقد ابن الأحمر في إحدى حروبه معه لعلي بن أبي عياد على زناتة جميعاً وحاشهم إلى رايته فانفضت جموع السلطان أبى يوسف وظهروا عليه‏.‏وتقبضوا في المعركة على ابنه منديل واستاقوه أسيراً إلى أن أطلقه السلطان ابن الأحمر في سلم عقده بعد مهلكه مع ابنه يوسف بن يعقوب‏.‏واستبد موسى بن رخو من بعدهما بإمارة الغزاة بالأندلس إلى أن هلك فوليها من بعده أخوه عبد الحق إلى أن هلك سنة تسع وتسعين وكان مظفر الراية على عدو المسلمين‏.‏ولما هلك ولي من بعده ابنه حمو بن عبد الحق فكانت هذه الإمارة متصلة في بني رحو إلى أن انتقلت منهم إلى إخوانهم من بني أبي العلاء وغيرهم‏.‏ واندرج حمر في جملة عثمان بن أبي العلاء من بعده حسبما نذكر‏.‏وأما إبراهيم بن عيسى الوسنافي فرجع إلى المغرب ونزل على يوسف بن يعقوب وقتله بمكانه من حصار تلمسان بعد حين من الدهر وبعد أن كبر وعمي‏.‏ والله مالك الأمور لا رب غيره‏.‏وكان مهلك يعلى بن أبي عياد سنة سبع وثمانين ومعطي بن بوتاشفين سنة تسع وثمانين‏.‏وطلحة بن محلي سنة ست وثمانين‏.‏ والله أعلم‏.‏

الخبر عن عبد الحق بن عثمان شيخ الغزاة بالأندلس

كان عبد الحق هذا من أعياص الملك المويني ويعاسيبهم وهو من ولد محمد بن عبد الحق ثاني الأمراء على بني مرين بعد أبيهم عبد الحق‏.‏ وهلك أبوه عثمان بن محمد بالأندلس إحدى أيام الجهاد سنة تسع وسبعين‏.‏ وربي ابنه عبد الحق هذا في حجر السلطان يوسف بن يعقوب إلى أن كان من أمر خروجه مع الوزير رحو بن يعقوب على السلطان أبي الربيع ما ذكرناه في أخباره‏.‏ولحق بتلمسان وأجاز منها إلى الأندلس وسلطانها يومئذ أبو الجيوش ابن السلطان الفقيه‏.‏وشيخ زناتة بها حمو بن عبد الحق بن رحو بن رحو‏.‏وخاطبهم السلطان أبو العباس ملك المغرب في اعتقاله فأجابوه وفر من محبسه ولحق بدار الحرب‏.‏ ولما انتقض أبو الوليد ابن الرئيس أبي سعيد وبايع لنفسه بمالقة وزحف إلى غرناطة فنازلها ووقعت الحرب بظاهرها بين الفريقين‏.‏وأخذ في بعض أيامها حمو بن عبد الحق أسيراً وسيق إلى السلطان أبي الوليد‏.‏وكان معه عمه العباس بن رحو فأبى من أسار ابن أخيه وخلى عنه فرجع إلى سلطانه فارتاب به لذلك‏.‏وعقد على الغزاة مكانه لعبد الحق بن عثمان استدعاه من مكانه بدار الحرب‏.‏ ثم غلبهم أبو الوليد على غرناطة‏.‏ وتحول أبو الجيوش إلى وادي آش على سلم انعقد بينهم وسار معه عبد الحق بن عثمان على شأنه‏.‏ثم وقعت بينه وبين أبي الجيوش مغاضبة لحق لأجلها بالطاغية وأجاز إلى سبتة فاستظهر به يحيى بن أبي طالب العزفي أيام حصار السلطان أبي سعيد إياه فكان له في حماية ثغره والدفاع دونه آثار مذكورة‏.‏ثم عقد السلطان أبو سعيد السلم ليحمى العزفي وأفرج عنه فارتحل عبد الحق بن عثمان إلى إفريقية‏.‏ونزل ببجاية سنة تسع عشره على أبي عبد الرحمن بن عمر صاحب السلطان أبي يحيى المستبد بالثغر فأكرم نزله وأوسع قراه‏.‏وضرب له الفساطيط بالرشة من ساحة البلد استبلاغاً في تكريمه وحمله وأصحابه على ماية وخمسين من الخيل ثم أقدمهم على السلطان بتونس فبر مقدمهم وخلط عبد الحق بنفسه وآثره بالخلة والصحابة وأخله بمكان الاستظهار به بعصابته‏.‏ولما عقد السلطان لمحمد بن سيد الناس على حجابته سنة سبع وعشرين واستقدمه لذلك من ثغر بجاية كما ذكرناه فعظمت رياسته واستغلظ حجابه‏.‏ وحجب عبد الحق ذات يوم عن بابه فسخطها وانصرف مغاضباً‏.‏وداخل أبا فارس في الخروج على أخيه فأي به وخرج معه من تونس فكان من خبرهم ومقتل أبي فارس وخلوص عبد الحق إلى تلمسان ونزوله على أبي تاشفين وغزوه إلى إفريقية مع عساكر بني عبد الواد سنة تسع وعشرين ما ذكرناه في أخبار الدولة الحفصية‏.‏ثم لما رجع بنو عبد الخالق إلى تلمسان صمد مولانا السلطان أبو يحيى إلى تونس في أخريات سنته‏.‏وفر ابن أبي عمران السلطان المنصوب بتونس من بني أبي حفص إلى أحياء العرب‏.‏وتقبض على أبي زيان ابن أخي عبد الحق بن عثمان في لمة من أصحابه فقتلوا قعصاً بالرماح‏.‏ورجع عبد الحق بن عثمان إلى مكانه من تلمسان فأقام بمثواه عند أبي تاشفين متبوئاً من الكرامة والاعتزاز ما شاء إلى أن هلك بمهلك أبي تاشفين يوم اقتحم السلطان أبو الحسن تلمسان عليهم سنة سبع وثلاثين‏.‏وقتلوا جميعاً عند قصر الملك أبو تاشفين وابناه عثمان ومسعود وحاجبه موسى بن علي ونزيله عبد الحق هذا وأبو ثابت ابن أخيه فقطعت رؤوسهم وتركت أشلاؤهم بساحة القصر عبرة للمعتبرين حسبما ذكرناه في أخبار أبي تاشفين‏.‏ والبقاء لله وحده‏.‏

الخبر عن عثمان بن أبي العلاء من أمراء الغزاة المجاهدين بالأندلس

كان أولاد سوط النساء من ولد عبد الحق أهل عصابة واعتزاز على قومهم وهم أولاد إدريس وعبد الله ابنيها لشقيقين كما ذكرناه‏.‏ وكان مهلك إدريس الأكبر يوم مهلك أبيه بتافرطنيت ومهلك عبد الله قبله‏.‏ وخلف عبد الله ثلاثة من الولد تشعب فيهم نسله وهم يعقوب ورحو وإدريس‏.‏واستعمل أبو يحيى بن عبد الحق يعقوباً منهم على سلا عند افتتاحه إياها سنة تسع وأربعين‏.‏ثم انتزى بها بعد ذلك على عمه يعقوب سنة ثمان وخمسين وكان من شأن ثورة النصارى بها ما ذكرناه واستخلصها يعقوب بن عبد الحق‏.‏ ولحق يعقوب بن عبد الله بعلودان من بلاد غمارة وامتنع بها‏.‏خرج على أثره بنو عمه إدريس وهما عامر ومحمد وانتزوا بالقصر الكبير ولحق بهم كافة أولاد سوط النساء‏.‏وطلبهم السلطان فلحقوا بجبال غمارة ونازلهم ثم استنزلهم بعد ذلك على الأمان‏.‏وعقد لعامر على الغزو إلى الأندلس سنة ستين كما ذكرناه وأجاز معه رحو ابن عمه عبد الله‏.‏ورجع محمد بن عامر وفر إلى تلمسان سنة ثمانين وأجاز منها إلى الأندلس‏.‏ثم خرجوا على السلطان يعقوب بن عبد الحق سنة تسع وستين ومعهم أولاد أبي عياد بن عبد الحق واعتصموا بعلودان‏.‏ واستنزلهم السلطان على اللحاق بتلمسان فلحقوا بها‏.‏ وأجاز أولاد سوط النساء وأولاد أبي عياد كافة إلى الأندلس واستقروا بها يومئذ‏.‏ ورجع عامر منهم ومحمد وكان من خبرهم ما نذكر‏.‏ وهلك يعقوب بن عبد الله سنة ثمان وستين في غوايته وانتزائه بغبولة من رباط الفتح قتله طلحة بن محلى‏.‏ واستقر بنوه من أولاد سوط النساء بالمغرب‏.‏وكان ابنه أبو ثابت أميراً على بلاد السوس أيام السلطان يوسف بن يعقوب وأوقع بزكنة سنة تسع وتسعين ولم يزل وبنوه بالمغرب من يومئذ‏.‏وكان من إخوانه أبو العلاء ورخو ابنا عبد الله بن عبد الحق تشعب نسله فيهما وأجاز رحو ألى الأندلس مع عامر ومحمد ابني عمه إدريس‏.‏ثم أجاز ابنه موسى سنة تسع وستين مع أولاد أبي عياد وأولاد سوط النساء‏.‏ثم رجع إلى محله من الدولة وفر بابنه سنة خمس وسبعين إلى تلمسان فأجاز منها إلى الأندلس واستقر بها‏.‏وأجاز أولاد أبي العلاء سنة خمس وثمانين مع أولاد أبي يحيى بن عبد الحق وأولاد عمان بن نزول واستقروا بالأندلس وكانوا يرجعون في رياستهم إلى كبيرهم عبد الله بن أبي العلاء وعقد له ابن الأحمر على الغزاة من زناتة فيمن كان يعقد لهم من زناتة قبل استقرار المنصب إلى أن هلك شهيداً في إحدى غزواته سنة ثلاث وتسعين‏.‏وعقد المخلوع ابن الأحمر لأخيه عثمان بن أبي العلاء على حامية مالقة وغربيها من الغزاة‏.‏لنظر ابن عمه الرئيس أبي سعيد فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر‏.‏ولما غدر الرئيس أبو سعيد بسبتة سنة خمس‏.‏ ما وتمت له الحيلة في تملكها واضطرمت نار العداوة بينهم وبين صاحب المغرب فنصبوا عثمان هذا للأمر وأجازوه إلى غمامرة فثار بها ودعا لنفسه وتغلب على أصيلاً والعرائش ثم على القصر‏.‏وكان من ذلك ما ذكرناه إلى أن غلبه أبو الربيع سنة ثمان ورجع إلى مكانه من الأندلس‏.‏ولما اعتزم أبو الوليد ابن الرئيس أبي سعيد على الخروج على أبي الجيوش صاحب غرناطة وداخل في ذلك شيخ الغزاة بمالقة عثمان بن أبي العلاء فساعده عليه واعتقل أباه الرئيس أبا سعيد وزحف إلى غرناطة سنة أربع عشرة‏.‏فلما استولى عليها عقد لعثمان هذا على إمارة الغزاة المجاهدين من زناتة وصرف عنها عثمان بن عبد الحق بن عثمان فلحق بوادي آش مع أبي الجيوش‏.‏وصار حمد بن عبد الحق بن رحو في جملته بعد أن كان شيخاً على الغزاة كما قلناه‏.‏واستمرت أيام ولاية عثمان هذا وبعد فيها صيته وغص صاحب المغرب أبو سعيد بمكانه‏.‏ولما استصرخه المسلمون للجهاد سنة ثمان عشرة اعتذر بمكان عثمان هذا واشترط عليهم القبض عليه حتى يرجع عنهم فلم يمكن ذلك‏.‏ ونازل الطاغية غرناطة وحاصرها وكان لعثمان وبنيه في ذلك آثار مذكورة‏.‏وأتاح الله للمسلمين في النصرانية على يد عثمان هذا وبنيه ما لم تخطر على قلب أحد منهم فتأكد اغتباط الدولة والمسلمين بمكانهم إلى أن هلك أبو الوليد سنة خمس وعشرين باغتيال بعض الرؤساء من قرابته بمداخلة عثمان هذا زعموا في غدره ونصب للأمر ابنه محمد صبياً لم يبلغ الحلم‏.‏وقام بأمره وزيره محمد بن المحروق من صنائع دولتهم فاستبد عليه وألقى زمام الدولة بيد عثمان في النقض والإبرام فاعتز عليهم وقاسمهم في الأمر فاستأثر في اعطيات الغزاة بكثير من أموال الجباية حتى خشيه الوزير على الدولة‏.‏وأدار الرأي في كبحه عن التغلب فجمح وفسد ما بينه وبين الوزير ابن المحروق فانتقض عليه وخرج مغاضباً فضرب فساطيطه بمرج غرناطة‏.‏ واعصوصب جماعة الغزاة من قبائل زناتة عليه‏.‏ واعتصم الوزير وأهل الدولة بالحمراء وسعى النائب بينهما أياماً‏.‏وأدار الوزير الرأي في أن ينصب له كفؤاً من قرابته يجاذبه الحبل ويشغله بشأنه عن الدولة فجأجأ بيحيى بن رخو بن عبد الحق وكان في جملة عثمان وصهرا له فدخل إليه وعقد له على الغزاة فتسايلوا إليه‏.‏وتفرد عثمان بمعسكره في عشيره وولده وعقد معه السلم على أن يجيز إلى المغرب‏.‏ووافدد بطانته لذلك على السلطان أبي سعيد سنة ثمان وعشرين‏.‏ وارتحل من ساحة غرناطة في ألف فارس زعموا من ذويه وأقاربه وحشمه‏.‏ وقصد المرية ليجعلها فرضة لمجازه حته إذا حاذى اندوس‏.‏وكان بينه وبين رؤسائها مداخلة فخرجوا إليه مؤدين حق مبرته فغدر بهم وركب إليها فملكها وأنزل بها حرمه وأثقاله‏.‏ ودعا محمد ابن الرئيس أبي سعيد من شلوبانية وكان نازلاً بها فخف إليه ونصبه للأمر‏.‏وشن الغارات على غرناطة صباحاً ومساء واضطرمت نار الفتنة‏.‏ واستركب يحيى بن رحو من قدر عليه زناته‏.‏وطالت الحرب سنين حتى إذا فتك السلطان محمد بن الأحمر بوزيره ابن المحروق واستدعى عثمان بن أبي العلاء وعقد له السلم على أن يجهز عمه محمد إلى المغرب ويلحق بغرناطة لشأنه من رياسة الغزاة فتم ذلك سنة تسع وعشرين ورجع إلى مكانه الدولة وهلك أثر ذلك‏.‏والبقاء لله وحده‏.‏

الخبر عن رياسة ابنه أبي ثابت من بعده ومصير أمرهم

لما هلك شيخ الغزاة ويعسوب زناتة عثمان بن أبي العلاء قام بأمره في قومه ابنه أبو ثابت عامر‏.‏ وعقد له السلطان أبو عبد الله بن أبي الوليد على الغزاة المجاهدين كما كان أبوه فعظم شأنه قوه شكيمة وكثرة عصابة ونفوذ رأي وبسالة‏.‏وكان لقومه اعتزاز على الدولة بما عجموا من عودها وكانوا أولي بأس وقوة فيها واستبداد عليها‏.‏وكان السلطان محمد بن أبي الوليد مستنكفاً من الاستبداد عليه في القلة والكثرة فكان كثيراً ما يحقدهم بتسفيه آرائهم والتضييق عليهم في جاههم‏.‏ولما وفد على السلطان أبي الحسن سنة اثنتين وثلاثين صريخاً على الطاغية واستغذ ابنه الأمير أبا مالك لمنازلته جبل الفتح اتهموه بمداخلة السلطان أبي الحسن في شأنهم فتنكروا وأجمعوا الفتك وداخلوا في ذلك بعض صنائعه ممن كان متربصاً بالدولة فساعدهم‏.‏ولما افتتح الجبل وكان من شأنه ما قدمنا ذكره وزحف الطاغية فأناخ عليه وقصد ابن الأحمر الطاغية في بينه راغباً أن يرجع عن الحصن فرجع وافترقت عساكر المسلمين ارتحل السلطان الأحمر إلى غرناطة سنة ثلاث وثلاثين وقد قعدوا له بمرصد من طريقه‏.‏ونمي إليه الخبر ودعا بأسطوله لركوب البحر إلى مالقة‏.‏واستبق إليهم الخبر بذلك فتبادروا إليه ولقوه بطريقه من ساحل اصطبونة فلاحوه وعاتبوه في شأن صنيعته عاصم من معلوجاته‏.‏وحاجهم عنه فاعتوروا عاصماً بالرماح فنكر ذلك عليهم فألحقوه به وخر صريعاً عن مركوبهوبعثوا إلى أخيه يوسف فأعطوه بيعتهم وصفقة أيمانهم ورجعوا به إلى غرناطة وهو حذر منهم لفعلتهم التي فعلوا واستمرت الحال على ذلك‏.‏ولما استكمل السلطان أبو الحسن فتح تلمسان وصرف عزائمه إلى الجهاد داخل ابن الأحمر في إزاحتهم عن الأندلس مكان جهاده فصادف منه إسعافاً وقبولاً وحرصاً على ذلك‏.‏وتقبض على أبي ثابت وإخوته إدريس ومنصور وسلطان‏.‏وفر أخوه سليمان فلحق بالطاغية وكان له في يوم طريف أثر في الإيقاع بالمسلمين‏.‏ولما تقبض ابن الأحمر على أبي ثابت وإخوته أودعهم جميعاً المطبق أياماً‏.‏ثم غربهم إلى إفريقية فنزلوا بتونس على مولانا السلطان أبي يحيى‏.‏وأوعز إليه السلطان أبو الحسن بالتوثق منهم أن يتصلوا بنواحي المغرب ويخالفوه إليها أيام شغله بالجهاد في الأندلس فاعتقلهم وأوفد بهم أبا محمد عبد الله بن تافر كين إلى سدة السلطان أبي الحسن‏.‏ وكتب إليه شفيعاً فيهم فتقبل شفاعته‏.‏وأحسن نزلهم وكرامتهم حتى إذا احتل بسبتة أيام حصار الجزيرة سنة ثلاث وأربعين سعى بهم عنده فتقبض عليهم واعتقلهم بمكناسة‏.‏ولما انتزى ابنه الأمير أبو عنان على الأمر وهزم منصور ابن أخيه أبي مالك صاحب فاس ونازله بالبلد الجديد بعث فيهم إلى مكناسة فأطلقهم من الاعتقال وأفاض فيهم الإحسان والعطاء واستظهر بهم على شأنه‏.‏وأحل أبا ثابت محل الخلة والشورى من مجلسه وداخل إدريس أخاه في المكر بالبلد الجديدة فنزع إليها ومكر بهم وثار عليهم إلى أن نزلوا على حكم السلطان أبي عنان فعقد لأبي ثابت على سبتة وبلاد الريف ليشارف منها الأندلس محمل إمارته‏.‏وأطلق يده في المال والجند وفصل لذلك فهلك بالطاعون يومئذ سنة تسع وأربعين بمعسكره إزاء معسكر السلطان من حصار البلد الجديد‏.‏واستقر إخوانه في إيالة السلطان أبي عنان بالمغرب الأقصى إلى أن كان من مفر أخيه إدريس وولايته على الغزاة بالأندلس ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

الخبر عن يحيي بن رحو وإمارته علم الغزاة بالأندلس أولى وثانية ومبدأ ذلك

وتصاريفه كان رحو بن عبد الله كبير ولد عبد الله بن عبد الحق وكان له بنون كثيرون تشعب نسله فيهم منهم موسى وعبد الحق والعباس وعمر ومحمد وعلي ويوسف‏.‏وأجازوا كلهم إلى الأندلس مع أولاد سوط النساء من تلمسان كما قدمناه‏.‏وأقام عمر بعدهم بتلمسان مدة واتخذ بها الأهل والولد‏.‏ثم لحقهم وولى موسى إمارة الغزاة بعد إبراهيم ابن عيسى الوسناني وبعده أخوه عبد الحق على الغزاة أقام بها مدة وأجاز منها إلى سبتة مع الرئيس أبي سعيد وعثمان بن أبي العلاء سنة خمس وولي بها على الغزاة المجاهدين‏.‏ثم رجع إلى الأندلس ولم يلبث بعدها أن أجاز إلى المغرب‏.‏ ونزل على السلطان أبي سعيد فأكرم نزله ثم رجع إلى الأندلس‏.‏ولما ولي إمارة الغزاة عثمان بن أبي العلاء وكان بينهم من المنافسة ما يكون بين فحول الشول فأشخص بني رحو جميعاً إلى إفريقية فنزلوا على مولانا السلطان أبي يحيى خير نزل اصطفاهم واستخلصهم واستظهر بهم في حروبه وهلك عمر بن رحو ببلاد الجريد وقبره ببشرى من نفزاوة معروف ونزع ابنه يحيى من بين اخوته عن مولانا السلطان أبي يحيى وصار في جملة ابن أبي عمران ثم لحق بزواوة وأقام في بني يراتن سنين ثم أجاز إلى الأندلس واستقر بمكانه من قومه‏.‏ واصطفاه عثمان بن أبي العلاء وأصهر إليه في ابنته‏.‏ولما فسد ما بينه وبين ابن المحروق وزير السلطان بغرناطة سنة سبع وعشرين واعصوصب عليه الغزاة بمعسكر من مرج غرناطة فدس يومئذ ابن المحروق إلى يحيى بن عمر هذا ودعاه إلى مكان عثمان ليغيظه بذلك فأجاب ونزع عن عثمان وقومه إلى ابن المحروق وسلطانه‏.‏وعقد له على الغزاة فتسايلوا إليه من عثمان شيخهم وانصرف إلى المدية وكان من شأنه ما قصصناه في أخباره‏.‏وأقام يحيى بن عمر في رياسته إلى أن هلك ابن المحروق بفتكة سلطانه‏.‏ واستدعى عثمان بن أبي العلاء لرياسته فرجع إليها‏.‏وصرف يحيى بن عمر إلى وادي آش وعقد له على الغزاة بها فأقام حيناً ثم رجع إلى مكانه بين قومه‏.‏ واصطفاه عثمان بن أبي العلاء وابنه أبو ثابت بما كانت أمه بنت موسى بن رحو فكان بتعصب لخؤولته فيهم‏.‏ثم هلك عثمان وكان ما قدمناه من شأن ولده وفتكهم بالسلطان المخلوع‏.‏ وتقبض أخوه أبو الحجاج عليهم وأشخصهم إلى إفريقية وقوض مباني رياستهم‏.‏ وعقد على الغزاة مكانهم ليحيى بن عمر هذا فاضطلع بها أحسن اضطلاع‏.‏ واستمرت حاله وحضر مشاهد أبي الحجاج مع السلطان أبي الحسن‏.‏ فظهرت كفايته وغناؤه‏.‏ولما هلك أبو الحجاج سنة خمس وخمسين طعيناً بمصلى العيد في آخر سجدة من صلاته بيد عبد من عبيد اصطبله مصاب في عقله أغري زعموا به وقتل لحينه صبراً بالسيوف‏.‏وبوسع لابنه محمد أخذ له البيعة على الناس يومئذ مولاه رضوان من معلوجيهم حاجب أبيه وعمه‏.‏وقام بأمره وأستبد عليه وحجره فقاسم يحيى بن عمر هذا في شأنه وشاركه في أمر وشد أزر سلطانه به حتى إذا ثار بالحمراء الرئيس ابن عمهم محمد بن إسماعيل بن محمد بن الرئيس أبي سعيد قائماً بدعوة إسماعيل بن أبي الحجاج أخي السلطان محمد كان ساكناً بالحمراء‏.‏وتحينوا لذلك مغيب السلطان في متنزهه بروضة خارج الحمراء فخالفوه إليها وكبسوها ليلاً فقتلوا الحاجب المستبد رضوان‏.‏ وجلس السلطان على سرير ملكه ونادوا بالناس إلى بيعته‏.‏ولما أصبح غدا عليهم يحيى ين عمر بعد أن يئسوا منه وخشوا عاديته فأتاهم بيعته وأعطاهم عليها صفقته وانصرف إلى منزله‏.‏وبعد أيام من استيلائهم استخلصوا إدريس بن عثمان بن أبي العلاء كان وصل إليهم من دار الحرب بأرض برشلونة كم نذكر‏.‏ وولوه إمارة الغزاة وائتمروا في التقبض على يحيى بن عمر‏.‏ونذر بذلك فركب في حاشيته يؤم دار الحرب من أرض الجلالقة‏.‏ واتبعه إدريس فيمن إليه من قومه فقاتلهم صدر نهاره وفض جموعهم‏.‏ثم خلص إلى تخوم النصرانية ولحق منها بسدة ملك المغرب على أثر سلطانه محمد المخلوع بن أبي الحجاج وخلف ابنه أبا سعيد عثمان بدار الحرب‏.‏ونزل يومئذ على السلطان أبي سالم سنة إحدى وستين فأكرم مثواه وأحله من مجلسه محل الشورى والمؤامرة‏.‏واستقر في جملته إلى أن بعث ملك قشتالة في السلطان المخلوع بإشارة ابنه أبي سعيد وسعايته في ذلك ليجلب به على أهل الأندلس بما نقضوا من عهده‏.‏ وجهزه السلطان أبو سالم سنة ثلاث وستين فصحبه يحيى بن عمر هذا‏.‏ولقيهم ابنه أبو سعيد عثمان وقاموا بأمر سلطانهم واستولى على الأندلس بمظاهرتهم وكان لهم في ذلك آثار‏.‏ ولما استولى على غرناطة سنة ثلاث وستين عقد ليحيى بن عمر على إمارة الغزاة كما كان وأعلى يداً‏.‏ واستخلص عثمان لشوراه وخلطه ببطانته‏.‏ ونافسه الوزير يومئذ محمد بن الخطيب فسعى فيهم‏.‏ وأغرى السلطان بهم فتقبض عليهم سنة أربع وستين وأودعهم المطبق‏.‏ثم أشخص يحيى سنة ست وستين إلى المشرق وركب السفين من المرية فنزل بالإسكندرية‏.‏ورجع منها إلى المغرب ونزل على عمر بن عبد الله أيام استبداده واستقر به في كرامة وخير مقام‏.‏ولم يزل بالمغرب على أعز أحوال إلى أن هلك سنة اثنتين وثمانين ثم أشخص ابنه أيا سعيد عثمان من الاعتقال سنة سبع وستين إلى إفريقية فنزل ببجاية على مولانا السلطان أبي العباس حافد مولانا السلطان أبي يحيى واستقر في جملته‏.‏ وحضر معهم فتح تونس وأبلى فيه‏.‏وأقطع له السلطان وأسنى له الجراية وخلطه بنفسه واصطفاه لشوراه وأخلته وهو لهذا العهد من عظماء مجلسه وظهرائه في مقامات حروبه وإخوته بالأندلس على مراكز عزهم وفي ظلال عصبيتهم مع قومهم وقد ذهب مواجداً السلطان بالأندلس عليهم وصار إلى جميل رأيه فيهم‏.‏والله مالك الملك ومقلب القلوب لا رب غيره‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-08-2011, 01:45 PM
الخبر عن إدريس بن عثمان أبي العلاء وإماراته بالأندلس ومصائر أمره

لما هلك أبو ثابت بن عثمان بن أبي العلاء سنة خمسين وسبعماية استقر إخوانه في جملة السلطان أبي عنان ملك المغرب وأقطعهم وأسنى جراياتهم وكان في إدريس منهم بقية من الترشيح يراه الناس بها‏.‏فلما نهض السلطان لفتح قسنطينة سنة ثمان وخمسين وتوغل في ديار إفريقية وحام قومه على مواقعها تحيلوا عليه في الرجوع به عن ضمه منها‏.‏وأذنت المشيخة لمن معهم من قيمهم في الانطلاق إلى المغرب حتى خفي المعسكر من أهله وتوامروا زعموا في اغتيال السلطان والإدالة منه بإدريس هذا‏.‏ونذر بذلك فكر راجعاً كما ذكرناه في أخباره‏.‏ولما أشيع ذلك بلغ إدريس شأنه فركب ظهر الغدر وفر من المعسكر ليلاً‏.‏ولحق بتونس فنزل على القائم بالدولة يومئذ الحاجب أبي محمد بن تافراكين خير نزل وأبره‏.‏وركب السفين من تونس إلى العدوة فنزل على ابن القمط صاحب برشلونة في حشمه وذويه‏.‏وأقام هنالك إلى إن كان من مهلك رضوان الحاجب المستبد بالأندلس سنة ستين ما قدمناه فنزع إلى منبت من غرناطة‏.‏ونزل على إسماعيل بن محمد بن الرئيس أبي سعيد فلقوه مبرة وتكريماً‏.‏ورجوه للادالة به من يحيى بن عمر أمير الغزاة يومئذ لما كانوا يتهمونه من ممالأة المخلوع صاحب الأمر عليهم‏.‏ولما نزع يحيى بن عمر إلى الطاغية ولحق بدار الحرب سنة إحدى وستين عقموا لإدريس بن عثمان هذا على الغزاة مكانه‏.‏وولوه خطة أبيه وأخيه بدولتهم فاضطلع بها‏.‏ثم قتل الرئيس محمد سلطانه إسماعيل ابن عمه أبي الحجاج واستبد بالأمر‏.‏ولسنتين من ولايته غلبهم المخلوع أبو عبد الله محمد على أمرهم‏.‏وزحف إليهم من رندة كان نزل بها بعد خروجه من دار الحرب مغاضباً للطاغية‏.‏وأذن له وزير المغرب عمر بن عبد الله في نزلها فنزلها‏.‏ثم زحف إلى الثائر بغرناطة‏.‏على ملكهم الرئيس وحاشيته وأجفلوا‏.‏ولحق الرئيس بقشتالة ونزلوا في جملتهم وحاشيتهم على الطاغية فتقبض عليهم وقتل الرئيس محمداً وحاشيته جزاء بما أتوه من غدر رضوان‏.‏ثم غدر السلطان إسماعيل من بعده وأودع إدريس ومن معه من الغزاة السجن بإشبيلية فلم يزل في أسره إلى أن تحيل في الفرار بمداخلة مسلم من الدجن أعد له فرساً إزاء معتقله ففك قيده‏.‏ونقب البيت وامتطى فرسه ولحق بأرض المسلمين سنة ست وستين‏.‏واتبعوه فأعجزهم وجاء إلى السلطان أبي عبد الله محمد بن أبي الحجاج فأكرم نزله وأحسن مبرته‏.‏ثم طلب إذنه في اللحاق بالمغرب فأذن له وأجاز إلى سبتة وبلغ شأنه إلى صاحب الأمر بالمغرب يومئذ عمر بن عبد الله فأوعز إلى عامل سبتة بالتقبض عليه لمكان ما يؤنس من ترشيحه‏.‏وأودعه السجن بمكناسة قم نقله السلطان عبد العزيز إلى سجن الغور بفاس ثم قتلوه خنقاً سنة سبعين‏.‏والله وارث الأرض ومن عليها‏.‏

الخبر عن إمارة علي بن بدر الدين علي الغزاة بالأندلس ومصائر أمره

قد ذكرنا أن موسى بن رحو بن عبد الله بن عبد الحق كان أجاز إلى الأندلس مع محمد وعامر ابني إدريس بن عبد الحق وقومهم أولاد سوط النساء سنة تسع وستين‏.‏ثم رجع إلى المغرب وفر إلى تلمسان وأجاز منها إلى الأندلس‏.‏وولي إمارة الغزاة بها إلى أن هلك بعد أن أصهر إليه السلطان يوسف بن يعقوب في ابنته فعقد له عليها وزفها إليه سنة تسع وسبعين مع وفد من قومهم‏.‏وكان لموسى بن رحو من الولد جماعة أكبرهم المحمدان جمال الدين وبدر الدين وضع عليهما هذين اللقبين‏.‏على طريقة أهل المشرق الشريف المكي الوافد على المغرب لذلك العهد من شرفاء مكة‏.‏وكان هؤلاء الاعياص ملوكهم وأقيالهم يعظمون أهل البيت النبوي ويلتمسون الدعاء والبركة منهم فيما تيسر من أحوالهم فحمل موسى بن رحو ولدية هذين إلى الشريف عند وضعهما يحنكهما ويدعو لهما فقال له الشريف خذ إليك جمال الدين‏.‏وقال في الآخر خذ إليك بدر الدين فاستحب موسى دعاءهما بهذين اللقبين تبركاً بتسمية الشريف بهما فاشتهرا بهذين الإسمين‏.‏ولما بلغا الأشد وشاركا أباهما في حمل الرياسة وكان من مهلكه ما ذكرناه وانحرفت الغزاة عنهما إلى عنهما عبد الحق وابنه فلحق جمال الدين منهما بالطاغية سنة ثلاث ثم أجاز البحر من قرطاجنة إلى السلطان يوسف بن يعقوب بمعسكره من حصار تلمسان واستقر في جملته حتى إذا هلك السلطان وتصدى ابنه أبو سالم للقيام بالأمر وكان مغفلاً مضعفاً فلم يتم أمره وتناول الملك أبو ثابت حافد السلطان واستولى عليه‏.‏وفر أبو سالم عشي مهلكه ومعه من القرابة جمال الدين هذا وأعمامه العباس وعيسى وعلي بنو رحو بن عبد الله فتقبض عليهم في طريقهم بمديونة وسيقوا إلى السلطان أبي ثابت فقتل عمه أبا سالم وجمال الدين بن موسى بن رحو وامتن على الباقين واستحياهم‏.‏وانصرف العباس بعدها إلى الأندلس فكانت له في الجهاد آثار كما ذكرناه قبل‏.‏وأما بدر الدين فلم يزل بالأندلس مع قومه‏.‏ومحله من الرياسة والتجلة محله من النسب إلى أن هلك فقام بالأمر من بعده ابنه علي بن بدر الدين مزاحماً في الرياسة مباهياً لهم بالترشيح‏.‏وكان كثيراً ما يعقد له ملوك بني الأحمر على الغزاة من زناتة المرابطين بالثغور فيما بعد عن الحضرة من قواعد الأندلس مثل مالقة والمرية ووادي آش سبيل المرشحين من أهل بيته وكانت إمارة الغزاة بالأندلس مستأثرة بأمر السيف والحرب مقاسمة للسلطان أكثر الجباية في الأعطية والأرزاق بما كانت الحاجة إليهم في مدافعة العدو ومقارعة ملك الأندلس فكانوا يغضون لهم عن استطالتهم عليهم لمكان حاجتهم إلى دفاع العدوين حتى إذا سكن ريح الطاغية بما كان من شغله بفتنة أهل دينه منذ منتصف هذه الماية وشغل بني مرين أيضاً بعد مهلك السلطان أبي الحسن وتناسوا عهد الغلب على اقتالهم وجيرانهم‏.‏وتنوسي عهد ذلك أجمع فاعتزم صاحب الأندلس على محو هذه الخطة من دولته‏.‏وأغراه بذلك وزيره ابن الخطيب كما ذكرناه حرصاً على إخلاء الجولة فتقبض على يحيى بن عمر وعلى بنيه سنة أربع وستين كما ذكرناه‏.‏وعقد على الغزاة المجاهدين لابنه ولي عهده الأمير يوسف‏.‏ومحا رسم الخطة ببني مرين بالجملة إلى أن توهم فناء الحامية منهم بفناء بيوت العصبية الكبرى فراجع رأيه في ذلك‏.‏وكان علي بن بدر الدين خالصة له وكان مقدماً على الغزاة بوادي آش‏.‏ولما لحق السلطان به ناجياً ليلة مهلك رضوان مانع دونه وظاهره على أمره حتى إذا ارتحل إلى المغرب إرتحل معه‏.‏ونزلوا جميعاً على السلطان أبي سالم سنه إحدى وستين كما ذكرناه‏.‏ولما رجع إلى الأندلس رجع في جملته فكان له بذلك عهد وذمة رعاهما السلطان له وكان يستخلصه ويناجيه‏.‏فلما تفقد مكان الأمير على الغزاة ونظر فيمن يوليه عثر اختياره على هذا لسابقته ووسائله وما بلاه من نصحه ووقوفه عند حده فعقد له سنة سبع وستين على الغزاة كما كان أولوه فقام بها واضطلع بأمورها‏.‏واستمرت حاله إلى لأن هلك سنة ثمان وستين‏.‏ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام‏.‏

خبر عن إمارة عبد الرحمن بن علي أبي يفلوسن

ابن السلطان أبي علي على الغزاة بالأندلس ومصير أمره كان ولد السلطان أبي علي قد استوقروا بالأندلس وأجازوا إلى طلب الأمر بالمغرب‏.‏وكان من أمرهم ما شرحناه إلى أن أجاز عبد الرحمن هذا مع وزيره المطارد به مسعود بن رحو سنة ست وستين غساسة على سلم عقده لهم وزير المغرب المستبد بأمره يومئذ عمر بن عبد الله‏.‏ونزل عبد الرحمن هذا بالمنكب وكان السلطان يومئذ معسكراً بها فتلقاه من الإحتفاء والبر ما يناسبه‏.‏وأكرم مثواه وأسنى الجائزة له ولوزيره ولحاشيته‏.‏واستقروا في جملة الغزاة المجاهدين حتى إذا هلك علي بن بدر الدين سنة ثمان وستين نظر السلطان فيمن يوليه أمرهم فعثر اختياره على عبد الرحمن هذا لما عرف به من البسالة والإقدام ولقرب الوشائج بينه وبين ملك المغرب يومئذ التي هي ملاك الترشيح لهذه الخطة بالأندلس كما قدمناه لما كانت وشائج أولاد عبد الله بن عبد الحق قد بعدت باتصال الملك في عمود نسب صاحب المغرب دون نسبهم فآثره صاحب الأندلس بها وعقد له على الغزاة المجاهدين سنة ثمان وستين وأضفى عليه لبوس الكرامة والتجلة وأقعده مجلس الوزارة كما كان للأمراء قبله‏.‏واتصل الخبر بسلطان المغرب يومئذ عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن فغص بمكانه وتوهم أن هذه الإمارة زيادة في ترشيحه ووسيلة لملكه‏.‏وكانت لوزير الأندلس محمد بن الخطيب مداخلة مع صاحب المغرب بما أمل أن يجعله فيئة لاعتصامه فأوعز إليه بالتحيل على إفساد ما بينه وبين صاحب الأندلس فجهد في ذلك جهده‏.‏ولبست عليه وعلى وزيره مسعود بن ماساي كتب إلى عظماء القبيل وبعض البطانة من أهل الدولة بالتحبيب والدعوة إلى الخروج على صاحب المغرب فأحضرهم السلطان ابن الأحمر وأعطاهم كتابهم فشهد عليهم وأمر بهم فاعتقلوا بالمطبق سنة سبعين‏.‏واسترضى صاحب المغرب بفعلته فيهم‏.‏ونزع الوزير ابن الخطيب بعد ذلك إلى السلطان عبد العزيز وتبين لسلطانه مكره واحتياله عليهم في شأنهم‏.‏ولما هلك عبد العزيز وأظلم الجو بين صاحب الأندلس وبين القائم بالدولة أبي بكر بن غازي كما قدمناه وامتعض ابن الأحمر للمسلمين من الفوضى أطلق عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ووزيره مسعود بن ماساي من الاعتقال وجهز له الأسطول فأجازوا فيها إلى المغرب ونزل بمرسى غساسة على بطوية داعياً لنفسه فقاموا بأمره وكان من شأنهم مع الوزير أبي بكر بن غازي ما قصصناه‏.‏واستقر آخر بمراكش وتقاسم ممالك المغرب وأعماله مع السلطان أبي العباس أحمد بن أبي سالم صاحب المغرب لهذا العهد‏.‏وصار التخم بينهما وادي ملوية‏.‏ووقف كل واحد منهم عند حده‏.‏والله مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء‏.‏وأغفل صاحب الأندلس هذه الخطة من دولته ومحا رسمها من ملكه‏.‏وصار أمر الغزاة المجاهدين إليه ويباشر أحوالهم بنفسه وعمهم بنظره‏.‏وخص القرابة المرشحين منهم بمزيد تكرمته وعنايته‏.‏والأمر على ذلك لهذا العهد وهو سنة ثلاث وثمانين وسبعماية والحمد لله على كل حال‏.‏وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً‏.‏تم كتاب أخبار الدول الإسلامية بالمغرب لولي الدين أبي زيد عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي الاشبيلي المالكي‏.‏والحمد لله رب العالمين‏.‏بسم الله الرحمن الرحيم التعريف بابن خلدون مؤلف الكتاب ورحلته غرباً وشرقاً وأصل هذا البيت من إشبيلية انتقل سلفنا - عند الجلاء وغلب ملك الجلالقة ابن أدنونش عليها - إلى تونس في أواسط المائة السابعة نسبه عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خلدون‏.‏لا أذكر من نسبي إلى خلدون غير هؤلاء العشرة ويغلب على الظن أنهم أكثر وأنه سقط مثلهم عدداً لأن خلدون هذا هو الداخل إلى الأندلس فإن كان أول الفتح فالمدة لهذا العهد سبعمائة سنة فيكونون زهاء العشرين ثلاثة لكل مائة كما تقدم في أول الكتاب الأول‏.‏ونسبنا حضرموت من عرب اليمن إلى وائل بن حجر من أقيال العرب معروف وله صحبة‏.‏قال أبو محمد بن حزم في كتاب الجمهرة‏:‏ وهو وائل بن حجر بن سعيد بن مسروق بن وائل بن النعمان بن ربيعة بن الحارث بن عوف بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن شرحبيل بن الحارث بن مالك بن مرة بن حميري بن زيد بن الحضرمي بن عمرو بن عبد الله بن هانئ بن جرشم بن عبد شمس بن زيد بن لأي بن شبت بن قدامة بن أعجب بن مالك بن لأي بن قحطان‏.‏ وابنه علقمة بن وائل وعبد الجبار بن وائل‏.‏وذكره أبو عمر بن عبد البر في حرف الواو من الاستيعاب وأنه وفد على النبي صلى الله عليه وسلم فبسط له رداءه وأجلسه عليه وقال‏:‏ اللهم بارك في وائل بن حجر وولده وولد ولده إلى يوم القيامة‏.‏وبعث معه جارية بن أبي سفيان إلى قومه يعلمهم القرآن والإسلام فكانت له بذلك صحابة مع معاوية‏.‏ووفد عليه لأول خلافته وأجازه فرد عليه جائزته ولم يقبلها‏.‏ولما كانت واقعة حجر بن عدي الكندي بالكوفة اجتمع رؤوس أهل اليمن وفيهم هذا فكانوا مع زياد بن أبي سفيان عليه حتى أوثقوه وجاؤوا به إلى معاوية فقتله كما هو معروف‏.‏قال ابن حزم‏:‏ ويذكر بنو خلدون الإشبيليون من ولده وجدهم الداخل من الشرق خالد المعروف بخلدون بن عثمان بن هانئ بن الخطاب بن كريب بن معد يكرب بن الحارث بن وائل بن حجر‏.‏قال‏:‏ وكان من عقبه كريب بن عثمان بن خلدون وأخوه خالد وكانا من أعظم ثوار الأندلس‏.‏قال ابن حزم‏:‏ وأخوه محمد كان من عقبه أبو العاصي عمرو بن محمد بن خالد بن محمد بن خلدون‏.‏وبنو أبي العاصي‏:‏ محمد وأحمد وعبد الله‏.‏قال‏:‏ - وأخوهم عثمان وله عقب‏.‏ومنهم الحكيم المشهور بالأندلس من تلاميذ مسلمة المجريطي وهو أبو مسلم عمر بن محمد بن بقي بن عبد الله بن بكر بن خالد بن عثمان بن خالد بن عثمان بن خلدون الداخل‏.‏وابن عمه أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله‏.‏قال‏:‏ ولم يبق من ولد كريب الرئيس المذكور إلا أبو الفضل بن محمد بن خلف بن أحمد بن عبد الله بن كريب - انتهى كلام ابن حزم‏.‏سلفه بالأندلس ولما دخل خلدون بن عثمان جدنا إلى الأندلس نزل بقرمونة في رهط من قومه حضرموت ونشأ بيت بنيه بها ثم انتقلوا إلى إشبيلية‏.‏وكانوا في جند اليمن وكان لكريب من عقبه وأخيه خالد الثورة المعروفة بإشبيلية أيام الأمير عبد الله المرواني نار على ابن أبي عبدة وملكها من يده أعواماً ثم ثار عليه إبراهيم بن حجاج بإملاء الأمير عبد الله وقتله وذلك في أواخر المائة الثالثة‏.‏وتلخيص الخبر عن ثورته على ما نقله ابن سعيد عن الحجاري وابن حيان وغيرهما وينقلونه عن ابن الأشعث مؤرخ إشبيلية‏:‏ أن الأندلس لما اضطربت بالفتن أيام الأمير عبد الله تطاول رؤساء إشبيلية إلى الثورة والاستبداد وكان رؤساؤها المتطاولون إلى تلك في ثلاثة بيوت‏:‏ بيت بني أبي عبدة ورئيسهم يومئذ أمية بن عبد الغافر بن أبي عبدة وكان عبد الرحمن الداخل ولى أبا عبده إشبيلية وأعمالها وكان حافده أمية من أعلام الدولة بقرطبة ويولونه الممالك الضخمة‏.‏وبيت بني خلدون هؤلاء ورئيسهم كريب المذكور ويردفه أخوه خالد‏.‏قال ابن حيان‏:‏ وبيت بني خلدون إلى الآن في إشبيلية نهاية في النباهة ولم تزل أعلامه بين رياسة سلطانية ورياسة علمية‏.‏ثم بيت بني حجاج ورئيسهم يومئذ عبد الله‏.‏قال ابن حيان‏:‏ هم - يعني بني حجاج - من لخم وبيتهم إلى الآن في إشبيلية ثابت الأصل نابت الفرع موسوم بالرياسة السلطانية والعلمية‏.‏فلما عظمت الفتنة بالأندلس أعوام الثمانين والمائتين وكان الأمير عبد الله قد ولى على إشبيلية أمية بن عبد الغافر وبعث معه ابنه محمداً وجعله في كفالته فاجتمع هؤلاء النفر وثاروا بمحمد ابن الأمير عبد الله وبأمية صاحبهم وهو يمالئهم على ذلك ويكيد بابن الأمير عبد الله‏.‏وحاصروهما في القصر حتى طلب منهم اللحاق بأبيه فأخرجوه واستبد أمية بإشبيلية ودس على عبد الله بن حجاج من قتله وأقام أخاه إبراهيم مكانه‏.‏وضبط إشبيلية واسترهن أولاد بني خلدون وبني حجاج ثم ثاروا به وهم بقتل أبنائهم فراجعوا طاعته‏.‏وحلفوا له فأطلق أبناءهم فانتقضوا ثانية‏.‏وحاربوه فاستمات وقتل حرمه وعقر خيوله وأحرق موجوده‏.‏وقاتلهم حتى قتلوه مقبلاً غير مدبر وعاثت العامة في رأسه‏.‏وكتبوا إلى الأمير عبد الله بأنه خلع فقتلوه فقبل منهم مداراة وبعث عليهم هشام بن عبد الرحمن من قرابته فاستبدوا عليه وفتكوا بابنه وتولى كبر ذلك كريب بن خلدون واستقل بإمارتها‏.‏وكان إبراهيم بن حجاج بعد ما قتل أخوه عبد الله - على ما ذكره ابن سعيد عن الحجاري - سمت نفسه إلى التفرد فظاهر ابن حفصون أعظم ثوار الأندلس يومئذ وكان بمالقة وأعمالها إلى رندة فكان له منه ردء‏.‏ثم انصرف إلى مداراة كريب بن خلدون وملابسته فردفه في أمره وشركه في سلطانه وكان في كريب تحامل على الرعية وتعصب فكان يتجهم لهم ويغلظ عليهم وابن حجاج يسلك بهم الرفق والتلطف في الشفاعة لهم عنده فانحرفوا عن كريب إلى إبراهيم‏.‏ثم دس إلى الأمير عبد الله يطلب منه الكتاب بولاية إشبيلية لتسكن إليه العامة فكتب إليه العهد بذلك‏.‏وأطلع عليه عرفاء البلد مع ما أشريوا من حبه والنفرة عن كريب ثم أجمع الثورة وهاجت العامة بكريب فقتلوه وبعث برأسه إلى الأمير عبد الله واستقر بإمارة إشبيلية‏.‏قال ابن حيان‏:‏ وحصن مدينة قرمرنة من أعظم معاقل الأندلس وجعلها مرتبطاً لخيوله وكان ينتقل بينها وبين إشبيلية‏.‏واتخذ الجند ورتبهم طبقات وكان يصانع الأمير عبد الله بالأموال والهدايا وببعث إليه المدد في الصوائف‏.‏وكان مقصوداً ممدحاً قصده أهل البيوتات فوصلهم ومدحه الشعراء فأجازهم وانتجعه أبو عمر بن عبد ربه صاحب العقد وقصده من بين سائر الثوار فعرف حقه وأعظم جائزته‏.‏ولم يزل بيت بني خلدون بإشبيلية - كما ذكره ابن حيان وابن حزم وغيرهما - سائر أيام بني أمية إلى أزمان الطوائف - وانمحت عنهم الإمارة بما ذهب لهم من الشوكة‏.‏ولما علا كعب ابن عباد بإشبيلية واستبد على أهلها استوزر من بني خلدون هؤلاء واستعملهم في رتب دولته وحضروا معه وقعة الزلاقة كانت لابن عباد وليوسف بن تاشفين على ملك الجلالقة فاستشهد فيها طائفة كبيرة من بني خلدون هؤلاء ثبتوا في الجولة مع ابن عباد فاستلحموا في ذلك الموقف‏.‏ثم كان الظهور للمسلمين ونصرهم الله على عدوهم‏.‏ثم تغلب يوسف بن تاشفين والمرابطون على الأندلس واضمحلت دولة العرب وفنيت قبائلهم‏.‏سلفه بأفريقية ولما استولى الموحدون على الأندلس وملكوها من يد المرابطين وكان ملوكهم‏:‏ عبد المؤمن وبنيه‏.‏وكان الشيخ أبو حفص كبير هنتاتة زعيم دولتهم وولوه على إشبيلية وغرب الأندلس مراراً ثم ولوا ابنه عبد الواحد عليها في بعض أيامهم ثم ابنه أبا زكرياء كذلك فكان لسلفنا بإشبيلية اتصال بهم وأهدى بعض أجدادنا من قبل الأمهات ومجرف بابن المحتسب للأمير أبي زكرياء يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص أيام ولايته عليهم جارية من سبي الجلالقة اتخذها أم ولد وكان له منها ابنه أبو يحيى زكريا ولي عهده الهالك في أيامه وأخواه‏:‏ عمر وأبو بكر وكانت تلقب أم الخلفاء‏.‏انتقل الأمير أبو زكريا إلى ولاية إفريقية سني العشرين والستمائة‏.‏ودعا لنفسه بها وخلع دعوة بني عبد المؤمن سنة خمس وعشرين‏.‏واستبد بإفريقية وانتقضت دولة الموحدين بالأندلس وثار عليهم ابن هود‏.‏ثم هلك واضطربت الأندلس وتكالب الطاغية عليها وردد الغزو إلى الفرنتيرة بسيط قرطبة وإشبيلية إلى جيان وثار ابن الأحمر بغرب الأندلس من حصن أرجونة يرجو التماسك لما بقي من رمق الأندلس‏.‏وفاوض أهل الشورى يومئذ بإشبيلية‏.‏وهم بنو الباجي وبنو الجد وبنو الوزير وبنو سيد الناس وبنو خلدون‏.‏وداخلهم في الثورة على ابن هود وأن يتجافوا للطاغية عن الفرنتيرة ويتمسكوا بالجبال الساحلية وأمصارها المتوعرة من مالقه إلى غرناطة إلى المرية فلم يوافقوه على بلدهم‏.‏وكان مقدمهم أبو مروان الباجي فنابذهم ابن الأحمر وخلع طاعة الباجي وبايع مرة لابن هود ومره لصاحب مراكش من بني عبد المؤمن ومرة للأمير أبي زكرياء صاحب إفريقية‏.‏ونزل غرناطة واتخذها دارا لملكه وبقيت الفرنتيرة وأمصارها ضاحية من ظل الملك فخشي بنو خلدون سوء العاقبة مع الطاغية وارتحلوا من إشبيلية إلى العدوة ونزلوا سبتة وأجلب الطاغية على تلك الثغور فملك قرطبة وإشبيلية وقرمونة وجيان وما إليها في مدة عشرين سنة‏.‏ولما نزل بنو خلدون سبتة أصهر إليهم العزفي بأبنائه وبناته فاختلط بهم وكان له معهم صهر مذكور‏.‏وكان جدنا الحسن بن محمد وهو سبط ابن المحتسب قد أجاز فيمن أجاز معهم فذكر سوابق سلفه عند الأمير أبي زكرياء فقصده وقدم عليه فأكرم قدومه‏.‏وارتحل إلى المشرق فقضى فرضه‏.‏ثم رجع ولحق بالأمير أبي زكرياء على بونة فأكرمه واستقر في ظل دولته ومرعى نعمته وفرض له الأرزاق وأقطع الإقطاع‏.‏وهلك هنالك فدفن ببونة‏.‏وخلف ابنه محمداً أبا بكر فنشأ في جو تلك النعمة ومرعاها‏.‏وهلك الأمير أبو زكرياء ببونة سنة سبع وأربعين وولي ابنة المستنصر محمد فأجرى جدنا أبا بكر على ما كان لأبيه‏.‏ثم ضرب الدهر ضربانه وهلك المستنصر سنة خمس وسبعين وولي ابنه يحيى وجاء أخوه الأمير أبو اسحق من الأندلس بعد أن كان فر أمام أخيه المستنصر‏.‏فخلع يحيى واستقل هو بملك إفريقية ودفع جدونا أبا بكر محمداً إلى عمل الأشغال في الدولة على سنن عظاء الموحدين فيها قبله من الإنفراد بولاية العمال وعزلهم وحسبانهم على الجباية فاضطلع بتلك الرتبة‏.‏ثم عقد السلطان أبو إسحق لابنه محمد وهو جدنا الأقرب على حجابة ولي عهده ابنه أبي فارس أيام أقصاه إلى بجاية‏.‏ثم استعفى جدنا من ذلك فأعفاه ورجع إلى الحضرة‏.‏ولما غلب الدعي ابن أبي عمارة عل ملكهم بتونس اعتقل جدنا أبا بكر محمداً وصادره على الأموال ثم قتله خنقاً في محبسه‏.‏وذهب ابنه محمد جدنا الأقرب مع السلطان أبي إسحق وأبنائه إلى بجاية فقبض عليه ابنه أبو فارس وخرج في العساكر هو وإخوته لمدافعة الدعي ابن أبي عمارة وهو يشبه بالفضل ابن المخلوع حتى إذا استلحموا بمرماجنة خلص جدنا محمد مع أبي حفص ابن الأمير أبي زكرياء من الملحمة ومعهما الفازازي وأبو الحسين بن سيد الناس فلحقوا بمنجاتهم من قلعة سنان‏.‏وكان الفازازي من صنائع المولى أبي حفص وكان يؤثره عليهم‏.‏فأما أبو الحسين بن سيد الناس فاستنكف من إيثار الفازازي عليه بما كان أعلى رتبة منه ببلده إشبيلية ولحق بالمولى أبي زكرياء الأوسط بتلمسان وكان من شأنه ما ذكرناه‏.‏وأما محمد بن خلدون فأقام مع الأمير أبي حفص وسكن لإيثار الفازازي‏.‏ولما استولى أبو حفص على الأمر رعى له سابقته وأقطعه ونظمه في جملة القواد ومراتب أهل الحروب واستكفى به في الكثير من أهل ملكه ورشحه لحجابته من بعد الفازازي‏.‏وهلك فكان من بعده حافد أخيه المستنصر أبو عصيدة واصطفى لحجابته محمد بن إبراهيم الدباغ كاتب الفازازي وجعل محمد بن خلدون رديفاً في حجابته‏.‏فكان كذلك إلى أن هلك السلطان وجاءت دولة الأمير خالد فأبقاه على حاله من التجلة والكرامة ولم يستعمله ولا عقد له إلى أن كانت دولة أبي يحيى بن اللحياني فاصطنعه واستكفى به عندما نبضت عروق التغلب للعرب ودفعه إلى حماية الجزيرة من دلاج أحد بطون سليم الموطنين بنواحيها فكانت له في ذلك آثار مذكورة‏.‏ولما انقرضت دولة ابن اللحياني خرج إلى المشرق وقضى فرضه سنة ثمان عشرة وأظهر التوبة والإقلاع وعاود الحج متنفلاً سنة ثلاث وعشرين ولزم كسر بيته‏.‏وأبقى السلطان أبو يحيى عليه نعمته في كثير مما كان بيده من الاقطاع والجراية ودعاه إلى حجابته مراراً فامتنع‏.‏أخبرني محمد بن منصور بن مزنى قال‏:‏ لما هلك الحاجب محمد ابن عبد العزيز الكردي المعروف بالمزوار سنة سبع وعشرين وسبعمائة استدعىالسلطان جدك محمد بن خلدون وأراده على الحجابة وأن يفوض إليه في أمره فأبى واستعفى فأعفاه ووامره فيمن يوليه حجابته فأشار عليه بصاحب الثغر‏:‏ بجاية محمد بن أبي الحسين بن سيد الناس لاستحقاقة ذلك بكفايته واضطلاعه ولقديم صحابة بين صلفهما بتونس وبإشبيلية من قبل‏.‏وقال له‏:‏ هو أقدر على ذلك بما هو عليه من الحاشية والذوين فعمل السلطان على إشارته واستدعى ابن سيد الناس وولاه حجابته‏.‏وكان السلطان أبو يحيى إذا خرج من تونس يستعمل جدنا محمداً عليها وثوقاً بنظره واستنامة إليه إلى أن هلك سنة سبع وثلاثين ونزع ابنه وهو والدي محمد أبو بكر عن طريقة السيف والخدمة إلى طريقة العلم والرباط لما نشأ عليها في حجر أبي عبد الله الزبيدي الشهير بالفقيه كان كبير تونس لعهده في العلم والفتيا وانتحال طرق الولاية التي ورثها عن أبيه حسين وعمه حسن الوليين الشهيرين‏.‏وكان جدنا رحمه الله قد لزمه من يوم نزوعه عن طريقه وألزمه ابنه وهو والدي رحمه الله فقرأ وتفقه وكان مقدماً في صناعة العربية وله بصر بالشعر وفنونه‏.‏عهدي بأهل الأدب بتحاكمون إليه فيه ويعرضون حوكهم عليه وهلك في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين وسبعمائة‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-08-2011, 01:47 PM
نشأته ومشيخته وحاله

أما نشأتي فإني ولدت بتونس في غرة رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة وربيت في حجر والدي رحمه الله إلى أن أيفعت وقرأت القرآن العظيم على الأستاذ المكتب أبي عبد الله محمد بن سعد بن برال الأنصاري أصله من جالية الأندلس من أعمال بلنسية أخذ عن مشيخة بلنسية وأعمالها وكان إماماً في القراءات لا يلحق شأوه وكان من أشهر شيوخه ففي القراءات السبع أبو العباس أحمد بن محمد البطرني ومشيخته فيها وأسانيده معروفة‏.‏وبعد أن استظهرت القرآن الكريم من حفظي قرأته عليه بالقراءات السبع المشهورة إفراداً وجمعاً في إحدى وعشرين ختمة ثم جمعتها في ختمة واحدة أخرى ثم قرأت برواية يعقوب ختمة واحدة جمعاً بين الروايتين عنه وعرضت عليه رحمه الله قصيدتي الشاطبي اللامية في القراءات والرائية في الرسم وأخبرني بهما عن الأستاذ أبي العباس البطرني وغيره من شيوخه وعرضت عليه كتاب التقصي لأحاديث الموطأ لابن عبد البر حذو به حذو كتابه التمهيد على الموطأ مقتصراً على الأحاديث فقط‏.‏ودارست عليه كتباً جمة مثل كتاب التسهيل لابن مالك ومختصر ابن الحاجب في الفقه ولم أكملهما بالحفظ وفي خلال ذلك تعلمت صناعة العربية على والدي وعلى أستاذي تونس‏:‏ منهم الشيخ أبو عبد الله بن العربي الحصايري وكان إماماً في النحو وله شرخ مستوفى على كتاب التسهيل‏.‏ومنهم أبو عبد الله محمد بن الشواش الزرزالي‏.‏ومنهم أبو العباس أحمد بن القصار كان ممتعاً في صناعة النحو وله شرح على قصيدة البردة المشهورة في مدح الجناب النبوي وهو حي لهذا العهد بتونس‏.‏ومنهم‏:‏ إمام العربية والأدب بتونس أبو عبد الله محمد بن بحر لازمت مجلسه وأفدت عليه وكان بحراً زاخراً في علوم اللسان‏.‏وأشار علي بحفظ الشعر فحفظت كتاب الأشعار الستة والحماسة للأعلم وشعر حبيب وطائفة من شعر المتنبي ومن أشعار كتاب الأغاني‏.‏ولازمت أيضاً مجلس إمام المحدثين بتونس شمس الدين أبي عبد الله بن جابر بن سلطان القيسي الوادياشي صاحب الرحلتين وسمعت عليه كتاب فسلم بن الحجاج إلا فوتاً يسيراً من كتاب الصيد وسمعت عليه كتاب الموطأ من أوله إلى آخره وبعضاً من الأمهات الخمس وناولني كتباً كثيرة في العربية والفقة وأجازني إجازة عامة وأخبرني عن مشايخه المذكورين في برنامجه أشهرهم بتونس قاضي الجماعة أبو العباس أجمد بن الغماز الخزرجي‏.‏وأخذت الفقه بتونس عن جماعة منهم أبو عبد الله بن عبد الله الجياني وأبو القاسم محمد القصير قرأت عليه كتاب التهذيب لأبي سعيد البرادعي مختصر المدونة وكتاب المالكية وتفقهت عليه‏.‏وكنت في خلال ذلك أنتاب مجلس شيخنا الإمام قاضي الجماعة أبي عبد الله بن عبد السلام مع أخي محمد رحمة الله عليهما‏.‏وأفدت منه وسمعت عليه أثناء ذلك كتاب الموطأ للإمام مالك وكانت له فيه طرق عالية عن أبي محمد بن هارون الطائي قبل اختلاطه إلى غير هؤلاء من مشيخة تونس وكفهم في الطاعون الجارف‏.‏وكان قدم علينا في جملة السلطان أبي الحسن عندما ملك إفريقية سنة ثمان وأربعين جماعة من أهل العلم وكان يلزمهم شهود مجلسه ويتجمل بمكانهم فيه‏:‏ فمنهم شيخ الفتيا بالمغرب وإمام مذهب مالك أبو عبد الله محمد بن سليمان السطي فكنت أنتاب مجلسه وأفدت عليه‏.‏ومنهم كاتب السلطان أبي الحسن وصاحب علامته التي توضع أسافل مكتوباته إمام المحدثين والنحاة بالمغرب أبو محمد بن عبد المهيمن بن عبد المهيمن الحضرمي لازمته وأخذت عنه سماعاً وإجازة الأمهات الست وكتاب الموطأ والسير لابن اسحق وكتاب ابن الصلاح في الحديث وكتباً كثيرة شذت عن حفظي‏.‏وكانت بضاعته في الحديث وافرة ونحلته في التقييد والحفظ كاملة كانت له خزانة من الكتب تزيد على ثلاثة آلاف سفر في الحديث والفقه والعربية والأدب والمعقول وسائر الفنون مضبوطة كلها مقابلة‏.‏ولا يخلو ديوان منها عن ثبت بخط بعض شيوخه المعروفين في سنده إلى مؤلفه حتى الفقه والعربية الغريبة الإسناد إلى مؤلفيها في هذه العصور‏.‏ومنهم الشيخ أبو العباس أحمد الزواوي إمام المقرئين بالمغرب‏.‏قرأت عليه القرآن العظيم بالجمع الكبير بين القراءات السبع من طريق أبي عمرو الداني وابن شريح في ختمة لم أكملها وسمعت عليه عدة كتب وأجازنى بالإجازة العامة‏.‏ومنهم شيخ العلوم العقلية أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الآبلي‏.‏أصله من تلمسان وبها نشأ وقرأ كتب التعاليم وحنق فيها‏.‏وأظله الحصار الكبير بتلمسان أمام المائة السابعة فخرج منها وحج ولقي أعلام المشرق يومئذ فلم يأخذ عنهم لأنه كان مختلطاً بعارض عرض في عقله‏.‏ثم رجع من المشرق وأفاق وقرأ المنطق والأصلين على الشيخ أبي موسى عيسى ابن الإمام وكان قرأ بتونس مع أخيه أبي زيد عبد الرحمن على تلاميذ ابن زيتون الشهير الذكر وجاء إلى تلمسان بعلم كثير من المعقول والمنقول فقرأ الآبلي على أبي موسى منهما كما قلناه‏.‏ثم خرج من تلمسان هارباً إلى المغرب لأن سلطانها يومئذ أبو حمو من ولد يغمراسن بن زيان كان يكرهه على التصرف في أعماله وضبط الجباية بحسبانه ففر إلى المغرب ولحق بمراكش ولزم العالم الشهير أبا العباس بن البناء الشهير الذكر فحصل عنه سائر العلوم العقلية وورث مقامه فيها وأرفع ثم صعد إلى جبال الهساكرة بعد وفاة الشيخ باستدعاء علي بن محمد بن تروميت ليقرأ عليه فأفاده وبعد أعوام استنزله ملك المغرب السلطان أبو سعيد وأسكنه بالبلد الجديد والآبلي معه‏.‏ثم اختصه السلطان أبو الحسن ونظمه في جملة العلماء بمجلسه وهو في خلال ذلك يعلم العلوم العقلية ويبثها بين أهل المغرب حتى حذق فيها الكثير منهم من سائر أمصارها وألحق الأصاغر بالأكابر في تعليمه‏.‏ولما قدم على تونس في جملة السلطان أي الحسن لزمته وأخذت عنه الأصلين والمنطق وسائر الفنون الحكمية والتعليمية وكان رحمه الله يشهد لي بالتبريز في ذلك‏.‏وممن قدم في جملة السلطان أبي الحسن‏:‏ صاحبنا أبو القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان المالقي‏.‏كان يكتب عن السلطان ويلازم خدمة أبي محمد عبد المهيمن رئيس الكتاب يومئذ وصاحب العلامة التي توضع عن السلطان أسفل المراسيم والمخاطبات وبعضها يضعه السلطان بخطه‏.‏وكان ابن رضوان هذا من مفاخر المغرب في براعة خطه وكثرة علمه وحسن سمته وإجادته في فقه الوثائق والبلاغة في الترسيل عن السلطان وحوك الشعر والخطابة على المنابر لأنه كان كثيراً ما يصلي بالسلطان‏.‏فلما قدم علينا بتونس صحبته واغتبطت به وإن لم أتخذه شيخاً لمقاربة السن فقد أفدت منه كما أفدت منهم‏.‏وقد مدحه صاحبنا أبو القاسم الرحوي شاعر تونس في قصيدة علي روي النون يرغب منه تذكرة شيخه أبي محمد عبد المهيمن في إيصال مدحه إلى السلطان أبي الحسن في قصيدته على روي الباء وقد تقدم ذكرها في أخبار السلطان‏.‏وذكر في مدح ابن رضوان أعلام العلماء القادمين مع السلطان وهي هذه‏:‏ عرفت زماني حين أنكرت عرفاني وأيقنت أن لاحظ في كف كيوان وأن لا اختيار في اختيار مقوم وأن لا قراع بالقوان لأقران وأن نظام الشكل أكمل نظمه لأضعف قاض في الدليل برجحان وإن افتقار المرء في فقراته ومن ثقله يغني اللبيب بأوزان ولم يعشني للنار لمع شعاعها فما كل نار نار موسى بن عمران ولم يبق لي في الغيب من أمل سوى لقاء ابن رضوان وجنة رضوان هنالك ألفيت العلا تنتمي إلى أناس ضئيل عندهم فخر غسان وأرعيت من روض التأدب يانعاً وحييت من كنز العلوم بقعيان وردت فلم تجدب لديه ريادتي وصدق طرفي ما تلقته آذاني فحسبك من آدابه كل زاخر يحييك معسولاً بدر ومرجان يحييك بالسلك الذي لم تحط به طروس ابن سهل أو سوالف بوران فقل بابلي إن ينافثك لفظة وفي وشيه الأطراس قل هو صنعاني خلائق لم تخلق سدى بل تكملت بإسداء إنعام وإبلاء إحسان ثم يقول في ذكر العلماء القادمين‏:‏ هم القوم كل القوم أما حلومهم فأرسخ من طودي ثبير وثهلان فلا طيش يعروهم وأما علومهم فأعلامها تهديك من غير نيران فلم يبق نأي ابن الإمام شماخة على مدن الدنيا لأنف تلمسان وبعد نوى السطي لم تسط فأسه بفخر على بغدان في عصر بغدان وبالأبلي استسقت الأرض وبلها ومستوبل ما مال عنه لأظعان وهامت على عبد المهيمن تونس وقد ظفرت منه بوصل وقربان وما علقت مني الضمائر غيره وإن هويت كلاً بحب ابن رضوان وكتب هذا الشاعر‏:‏ صاحبنا الرحوي يذكر عبد المهيمن بذلك‏:‏ لهي النفس في اكتساب وسعي وهو العمر في انتهاب وفي وأربى الناس بين ساع لرشد يتوخى الهدى وساع لغي وأرى العلم للبرية زيناً فتزي منه بأحسن زي وأرى الفضل قد تجمع كلاً في ابن عبد المهيمن الحضرمي حل بالرتبة العلية في حض رة ملك سامي العماد علي قلم أوسع الأقاليم أمراً فله قد أطاع كل عصي هو أعلى الأقلام في كل عصر حيث ينمى إلى الإمام علي حليت تلكم الرياسة منه بفريد في كل معنى سني سالك ففي النظام دراً وطوراً ناثر دره بنشر وطي بدع للبديع ترمي بحصر ولصابي بني بويه بعي ويرى أخرس العراق لديه إنه بالشام كالأعجمي وعلوم هي البحور ولكن يثني الواردون منها بري تصدر الأمة العظيمة عنه بحديث مجود مروي ويفقه فيه وحسن مقال يضع النور في لحاظ العمي وبنحو ينحي على سيبويه ببيان في المبهمات جلي عمي الأخفشان عنه وسدت عن خفاياه فطنة الفارسي يا أخا الحكم في الأنام إني لأنادي رب الندى والندي بنت فكري تعرضت لحماكم فألقها راضياً بوجه رضي ثم كانت واقعة العرب على السلطان بالقيروان في فاتحة تسع وأربعين فشغلوا عن ذلك ولم يظفر هذا الرحوي بطلبته‏.‏ثم جاء الطاعون الجارف فطوى البساط بما فيه وهلك عبد المهيمن فيمن هلك ودفن بمقبرة سلفنا بتونس لخلة كانت بينه وبين والدي رحمه الله أيام قدومهم علينا‏.‏فلما كانت واقعة القيروان ثار أهل تونس بمن كان عندهم من أشياع السلطان أبي الحسن فاعتصموا بالقصبة دار الملك حيث كان ولد السلطان وأهله وانتقض عليه ابن تافراكين وخرج من القيروان إلى العرب وهم يحاصرون السلطان وقد اجتمعوا على ابن أبي دبوس وبايعوا له كما مر في أخبار السلطان فبعثوا ابن تافراكين إلى تونس فحاصر القصبة وامتنعت عليه‏.‏وكان عبد المهيمن يوم ثورة أهل تونس ووقوع الهيعة خرج من بيته إلى دارنا فاختفى عند أبي رحمه الله وأقام مختفياً عندنا نحواً من ثلاثة أشهر‏.‏ثم نجا السلطان من القيروان إلى سوسة وركب البحر إلى تونس وفر ابن تافراكين إلى المشرق‏.‏وخرج عبد المهيمن من الاختفاء وأعاده السلطان إلى ما كان عليه من وظيفة العلامة والكتابة وكان كثيراً ما يخاطب والدي رحمه الله ويشكره على موالاته ومما كتب إليه وحفظته من خطه‏:‏ لحمد ذوي المكارم قد ثناني فعال شكره أبداً عناني فكم أولى ووالى من جميل وبر بالفعال وباللسان وراعى الحضرمية في الذي قد حبا من وده ومن الحنان أبا بكر ثناءك طول دهرى أردد باللسان وبالجنان وعن علياك ما امتدت حياتي أكافح بالحسام وباللسان فمنك أفدت خلاً لست دهري أرى عن حبه أثني عنان وهؤلاء الأعلام الذين ذكرهم الرحوي في شعره هم سباق الحلبة في مجلس السلطان أبي الحسن اصطفاهم لصحابته من بين أهل المغرب‏.‏فأما ابنا الإمام منهم فكانا أخوين من أهل برشك من أعمال تلمسان واسم أكبرهما‏:‏ أبو زيد عبد الرحمن واسم الأصغر‏:‏ أبو موسى عيسى وكان أبوهما إماماً ببعض مساجد برشك واتهمه المتغلب يومئذ على البلد زيرم بن حماد بأن عنده وديعة من المال لبعض أعدائه فطالبه بها فلاذ بالامتناع وبيته زيرم لينتزع المال من يده فدافعه وقتل وارتحل ابناه هذان الأخوان إلى تونس في المئة السابعة وأخذا العلم بها عن تلاميذ ابن زيتون وتفقها على أصحاب أبي عبد الله بن شعيب الدكالي وانقلبا إلى المغرب بحظ وافر من العلم‏.‏وأقاما بالجزائر يبثان بها العلم لامتناع برشك عليهما من أجل ضرر زيرم المتغلب عليها والسلطان أبو يعقوب يومئذ صاحب المغرب الأقصى من بني مرين جاثم على تلمسان يحاصرها الحصار الطويل المشهور وقد بث جيوشه في نواحيها وغلب على الكثير من أعمالها وأمصارها وملك عمل مغراوة بشلف وحاضرته مليانة فبعث عليها الحسن بن علي بن أبي الطلاق من بني عسكر وعلي بن محمد الخيري من بني ورتاجن ومعهما - لضبط الجباية واستخلاص الأموال - الكاتب منديل بن محمد الكناني فارتحل هذان الأخوان يومئذ من الجزائر واحتلا بمليانة فحليا بعين منديل الكناني فقربهما واصطفاهما واتخذهما لتعليم ولده محمد‏.‏ثم هلك يوسف بن يعقوب سلطان المغرب بمكانه من حصار تلمسان سنة خمس وسبعمائة على يد خصي من خصانه طعنه فأشواه وهلك‏.‏وقام بالملك بعده حافده أبو ثابت بعد خطوب ذكرناها في أخبارهم ووقع بينه وبين صاحب تلمسان يومئذ أبي زيان محمد بن عثمان بن يغمراسن وأخيه أبي حمو العهد المتأكد على الإفراج عن تلمسان ورد أعمالها عليهم فوفى لهم بذلك وعاد إلى المغرب‏.‏وارتحل ابن أبي الطلاق والخيري والكناني من مليانة راجعين إلى المغرب‏.‏ومروا بتلمسان ومع الكناني هذان الأخوان فأوصلهما إلى أبي حمو وأثنى عليهما‏.‏وعزفه بمقامهما في العلم فاغتبط بهما أبو حمو واختط لهما المدرسة المعروفة بهما بتلمسان‏.‏وأقاما عنده على هدي أهل العلم وسننهم‏.‏وهلك أبو حمو فكانا كذلك مع ابنه أبي تاشفين إلى أن زحف السلطان أبو الحسن المريني إلى تلمسان وملكها عنوة سنة سبع وثلاثين‏.‏وكانت لهما شهرة في أقطار المغرب أثبتت لهما في نفس السلطان عقيدة صالحة فاستدعاهما لحين دخوله وأدنى مجلسهما وأشاد بتكرمتهما ورفع محلهما على أهل طبقتهما‏.‏وصار يجمل بهما متى مر بلمسان أو وفداً عليه في الأوقات التي يفد فيها أعيان بلدهما‏.‏ثم استنفرهما للغزو وحصرا معه واقعة طريف وعادا إلى بلدهما‏.‏وتوفي أبو زيد منهما إثر ذلك وبقي أخوه أبو موسى متبوئاً ما شاء من ظلال تلك الكرامة‏.‏ولما سار السلطان أبو الحسن إلى إفريقية سنة ثمان وأربعين كما مر في أخباره استصحب أبا موسى ابن الإمام معه مكرماً فوقراً عالي المحل قريب المجلس منه‏.‏فلما استولى على إفريقية سرحه إلى بلده فأقام بها يسيراً وهلك في الطاعون الجارف سنة سبع وأربعين‏.‏وبقي أعقابهما بتلمسان دارجين في مسالك تلك الكرامة ومتوقلين قللها طبقاً عن طبق إلى هذا العهد‏.‏وأما السطي واسمه محمد بن علي بن سليمان من قبيلة سطة من بطون أوربة بنواحي فاس‏.‏نزل أبوه سليمان مدينة فاس ونشأ محمد بها وأخذ العلم عن الشيخ أبي الحسن الصغير إمام المالكية بالمغرب والطائر الذكر وقاضي الجماعة بفاس وتفقه عليه‏.‏وكان أحفظ الناس لمذهب مالك وأفقههم فيه‏.‏وكان السلطان أبو الحسن للينه وسراوته وبعد شأوه في الفضل يتشوف إلى تنويه مجلسه بالعلماء واختار منهم جماعة لصحابته ومجالسته‏.‏كان منهم هذا الإمام محمد بن سليمان‏.‏وقدم علينا بتونس في جملته وشهدنا وفور فضائله‏.‏وكان في الفقه من بينها لا يجارى حفظاً وفهماً عهدي به وأخي محمد رحمه الله يقرأ عليه من كتاب التبصرة لأبي الحسن اللخمي وهو يصححه عليه من إملائه وحفظه في مجالس عديدة‏.‏وكذا كان حاله في أكثر ما يعاني حمله من الكتب‏.‏وحضر مع السلطان أبي الحسن واقعة القيروان وخلص معه إلى تونس وأقام بها نحواً من سنتين‏.‏وانتقض المغرب على السلطان واستقل به ابنه أبو عنان‏.‏ثم ركب السلطان أبو الحسن في أساطيله من تونس آخر سنة خمسين ومر ببجاية فأدركه الغرق في سواحلها فغرقت أساطيله وغرق أهله وأكثر من كان معه من هؤلاء الفضلاء وغيرهم‏.‏وألقاه البحر ببعض الجزرهناك حتى استنفذه منه بعض أساطيله ونجا إلى الجزائر بعد أن تلف موجوده وهلك الكثير من عياله وأصحابه وكان من أمره ما مر في أخباره‏.‏وإما الآبلي واسمه محمد بن إبراهيم فمنشؤه بتلمسان وأصله من جالية الأندلس من أهل آبلة من بلاد الجوف منها أجاز أبوه وعمه أحمد فاستخدمهم بغمراسن بن زيان وولده في جندهم وأصهر إبراهيم منهما إلى القاضي بتلمسان محمد بن غلبون في ابنته فولدت له محمداً هذا‏.‏ونشأ بتلمسان في كفالة جده القاضي فنشأ له بذلك ميل إلى انتحال العلم عن الجندية التي كانت منتحل أبيه وعمه‏.‏فلما يفع وأدرك سبق إلى ذهنه محبة التعاليم فبرع فيها واشتهر‏.‏وعكف الناس عليه في تعلمها وهو في سن البلوغ‏.‏ثم أطل السلطان يوسف بن يعقوب على تلمسان وجثم عليها يحاصرها‏.‏وسير بعوثه إلى الأعمال فافتتح أكثرها‏.‏وكان إبراهيم الآبلي قائداً بهنين‏.‏مرسى تلمسان في لمة من الجند‏.‏فلما ملكها يوسف بن يعقوب اعتقل من وجد بها من شيع ابن زيان واعتقل إبراهيم الآبلي فيهم‏.‏وشاع الخبر في تلمسان بأن يوسف بن يعقوب يسترهن أبناءهم ويطلقهم فتشوف ابنه محمد إلى اللحاق به من أجل ذلك‏.‏وأغراه أهله بالعزم عليه فتسور الأسوار وخرج إلى أبيه فلم يجد خبر للاسترهان صحيحاً‏.‏واستخدمه يوسف بن يعقوب قائداً على الجند الأندلسيين بتاوريرت فكره المقام على ذلك ونزع عن طوره ولبس المسوح وسار قاصداً الحج‏.‏وانتهى إلى رباط العباد مختفياً في صحبة الفقراء فوجد هنالك رئيساً من كربلاء ثم من بني الحسين جاء إلى المغرب يروم إقامة دعوتهم فيه وكان معقلاً فلما رأى عساكر يوسف بن يعقوب وشدة هيبته غلب عليه اليأس من مرامه ونزع عن ذلك واعتزم الرجوع إلى بلده فسار شيخنا محمد بن إبراهيم في جملته‏.‏قال لي رحمه الله‏:‏ وبعد حين انكشف لي حاله وما جاء له واندرجت في جملة أصحابه وتابعه‏.‏قال‏:‏ وكان يتلقاه في كل بلد من أصحابه وأشياعه وخدمه من يأتيه بالأزواد والنفقات من بلده إلى أن ركبنا البحر من تونس إلى الإسكندرية‏.‏قال‏:‏ واشتدت علي الغلمة في البحر واستحييت من كثرة الاغتسال لكان هذا الرئيس فأشار علي بعض بطنته بشرب الكافور فاغترفت منه غرفة فشربتها فاختلطت‏.‏وقدم الديار المصرية على تلك الحال وبها يومئذ تقي الدين بن دقيق العيد وابن الرفعة وصفي الدين الهندي والتبريزي وابن البديع وغيرهم من فرسان المعقول والمنقول فلم يكن قصاراه إلا تمييز أشخاصهم إذا ذكرهم لنا لما كان به من الاختلاط‏.‏ثم في مع ذلك الرئيس وسار في جملته إلى كربلاء فبعث معه من أصحابه من أوصله إلى مأمنه من بلاد زواوة من أطراف المغرب‏.‏وقال لي شيخنا رحمه الله‏:‏ كان معي دنانير كثيرة تزودتها من المغرب واستبطنتها في جبة كنت ألبسها فلما نزل بي ما نزل انتزعها مني حتى إذا بعث أصحابه يشيعونني إلى المغرب دفعها إليهم حتى إذا أوصلوني إلى المأمن أعطوني إياها وأشهدوا علي بها في كتاب حملوه معهم إليه كما أمرهم‏.‏ثم قارن وصول شيخنا إلى المغرب مهلك يوسف بن يعقوب وخلاص أهل تلمسان من الحصار فعاد إلى تلمسان وقد أفاق من اختلاطه وانبعثت همته إلى تعلم العلم‏.‏وكان مائلاً إلى العقليات فقرأ المنطق على أبي موسى ابن الإمام وجملة من الأصلين وكان أبو حمو صاحب تلمسان يومئذ قد استفحل ملكه وكان ضابطاً لأموره وبلغه عن شيخنا تقدمه في علم الحساب فدفعه إلى ضبط أمواله ومشارفة عماله‏.‏وتفادى شيخنا من ذلك فأكرهه عليه فأعمل الحيلة في الفرار منه ولحق بفاس أيام السلطان أبي الربيع‏.‏وبعث فيه أبو حمو فاختفى بفاس عند شيخ التعاليم من اليهود خلوف المغيلي فاستوفى عليه فنونها وحذق‏.‏وخرج متوارياً من فاس فلحق بمراكش أعوام العشر والسبع مائة‏.‏ونزل على الإمام أبي العباس بن البناء شيخ المعقول والمنقول والمبرز في التصوف علماً وحالاً فلزمه وأخذ عنه‏.‏وتضلع من علم المعقول والتعاليم والحكمة‏.‏ثم استدعاه شيخ الهساكرة علي بن محمد بن تروميت ليقرأ عليه وكان ممرضاً في طاعته للسلطان فصعد إليه شيخنا وأقام عنده مدة قرأ عليه فيها وحصل‏.‏واجتمع طلبة العلم هنالك على الشيخ فكثرت إفادته واستفادته وعلي بن محمد في ذلك على تعظيمه ومحبته وامتثال إشارته فغلب على هواه وعظمت رياسته بين تلك القبائل‏.‏ولما استنزل السلطان أبو سعيد علي بن تروميت من جبله نزل الشيخ معه وسكن بفاس‏.‏وانثال عليه طلبة العلم من كل ناحية فانتشر علمه واشتهر ذكره فلما فتح السلطان أبو الحسن تلمسان ولقي أبا موسى ابن الإمام ذكره له بأطيب الذكر ووصفه بالتقدم في العلوم‏.‏وكان السلطان معنياً بجمع العلماء لمجلسه كما ذكرنا‏.‏فاستدعاه من مكانه بفاس ونظمه في طبقة العلماء بمجلسه وعكف على التدريس والتعليم ولازم صحابة السلطان وحضر معه واقعة طريف وواقعة القيروان بإفريقية‏.‏وكانت قد حصلت بينه وبين والدي رحمه الله صحابة كنت وسيلتي إليه في القراءة عليه فلزمت مجلسه وأخذت عنه‏.‏وافتتحت العلوم العقلية بالتعاليم‏.‏ثم قرأت المنطق وما بعده من الأصلين وعلوم الحكمة‏.‏وعرض أثناء ذلك ركوب السلطان أساطيله من تونس إلى المغرب وكان الشيخ في نزلنا وكفالتنا فأشرنا عليه بالمقام وثبطناه عن السفر فقبل وأقام‏.‏طالبنا به السلطان أبو الحسن فأحسنا له العذر‏.‏وتجافى عنه وكان من حديث غرقه في البحر ما قدمناه‏.‏وأقام الشيخ بتونس ونحن وأهل بلدنا جميعاً نتساجل هنتاتة وفرغ ابنه أبو عنان من شواغله وملك تلمسان من بني عبد الواد كتب فيه يطلبه من صاحب تونس وسلطانها يومئذ أبو إسحق إبراهيم ابن السلطان أبي يحيى في كفالة شيخ الموحدين أبي محمد بن تافراكين فأسلمه إلى سفيره وركب معه البحر في أسطول السلطان الذي جاء فيه السفير‏.‏ومر ببجاية ودخلها وأقام بها شهراً حتى قرأ عليه طلبة العلم بها مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه برغبتهم في ذلك منه ومن صاحب الأسطول‏.‏ثم ارتحل ونزل بمرسى هنين وقدم على السلطان بتلمسان وأحله محل التكرمة ونظمه في طبقة أشياخه من العلماء‏.‏وكان يقرأ عليه ويأخذ عنه إلى أن هلك بفاس سنة سبع وخمسين وسبعمائة‏.‏وأخبرني رحمه الله أن مولده بتلمسان سنة إحدى وثمانين وستمائة‏.‏وأما عبد المهيمن كاتب السلطان أبي الحسن فأصله من سبتة وبيتهم بها قديم ويعرفون ببني عبد المهيمن وكان أبوه محمد قاضيها أيام بني العزفي‏.‏ونشأ ابنه عبد المهيمن في كفالته وأخذ عن مشيختها‏.‏واختص بالأستاذ أبي إسحق الغافقي‏.‏ولما ملك عليهم الرئيس أبو سعيد صاحب الأندلس سبتة ونقل بني العزفي مع جملة أعيانها إلى غرناطة ونقل معهم القاضي محمد بن عبد المهيمن وابنه عبد المهيمن فأستكمل قراءة العلم هنالك وأخذ عن أبي جعفر بن الزبير ونظرائه وتقدم في معرفة كتاب سيبويه وبرز في علو الإسناد وكثرة المشيخة‏.‏وكتب له أهل المغرب والأندلس والمشرق فاستكتبه رئيس الأندلس يومئذ الوزير أبو عبد الله بن الحكيم الرندي المستبد على السلطان المخلوع من بني الأحمر فكتب عنه ونظمه في طبقة الفضلاء الذين كانوا بمجلسه مثل المحدث الرحالة أبي عبد الله بن رشيد الفهري وأبي العباس أحمد بن العزفي والعالم الصوفي المتجرد أبي عبد الله محمد بن خميس التلمساني وكانا لا يجاريان في البلاغة والشعر إلى غير هؤلاء ممن كان مختصاً به وقد ذكرهم ابن الخطيب في تاريخ غرناطة‏.‏فلما نكب الوزير ابن الحكيم وعادت سبتة إلى طاعة بني مرين عاد عبد المهيمن إليها واستقر بها ثم ولى السلطان أبو سعيد وغلب عليه ابنه أبو علي واستبد بحمل الدولة‏.‏تشوف إلى استدعاء الفضلاء وتجمل الدولة بمكانه فاستقدم عبد المهيمن من سبتة واستكتبه سنة اثنتي عشرة‏.‏ثم خالف على أبيه سنة أربع عشرة وامتنع بالبلد الجديد وخرج منها إلى سجلماسة بصلح عقده مع أبيه فتمسك السلطان أبو سعيد بعبد المهيمن واتخذه كاتباً إلى أن دفعه لرياسة الكتاب ورسم علامته في الرسائل والأوامر فتقدم لذلك سنة ثمان عشرة ولم يزل عليها سائر أيام السلطان أبي سعيد وابنه أبي الحسن‏.‏وسار مع أبي الحسن إلى إفريقية وتخلف عن واقعة القيروان بتونس لما كان به علة النقرس‏.‏فلما كانت الهيعة بتونس ووصل خبر الواقعة وتحيز أشياع السلطان إلى القصبة مع حرمه تسرب عبد المهيمن في المدينة منتبذاً عنهم وتوارى في بيتنا خشية أن يصاب معهم بمكروه‏.‏فلما انجلت تلك الغيابة‏.‏وخرج السلطان من القيراوان إلى سوسة وركب منها البحر إلى تونس أعرض عن عبد المهيمن لما سخط غيبته عن قومه بالقصبة وجعل العلامة لأبي الفضل ابن الرئيس عبد الله بن أبي مدين وقد كانت مقصورة من قبل على هذا البيت وأقام عبد المهيمن عطلاً من العمل مدة أشهر‏.‏ثم اعتبه السلطان ورضي عنه وأعاد إليه العلامة كما كان وهلك لأيام قلائل بتونس في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين‏.‏ومولده سنة خمس وسبعين من المائة قبلها وقد استوعب ابن الخطيب التعريف به في تاريخ غرناطة فليطالعه هناك من أحب الوقوف عليه‏.‏وإما ابن رضوان الذي ذكره الرحوي في قصيدته فهو أبو القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان النجاري أصله من الأندلس نشأ بمالقة وأخذ عن مشيختها وحنق في العربية والأدب وتفنن في العلوم ونظم ونثر وكان مجيداً في الترسيل وحسناً في كتابة الوثائق‏.‏وارتحل بعد واقعة طريف ونزل بسبتة ولقي بها السلطان أبا الحسن ومدحه وأجازه واختص بالقاضي إبراهيم بن أبي يحيى وهو يومئذ قاضي العساكر وخطيب السلطان وكان يستنيبه في القضاء والخطابة ثم نظمه في حلبة الكتاب بباب السلطان‏.‏واختص بخدمة عبد المهيمن رئيس الكتاب والأخذ عنه إلى أن رحل السلطان إلى إفريقية وكانت واقعة القيروان وانحصر بقصبة تونس من انحصر بها من أشياعه مع أهله وحرمه‏.‏وكان السلطان قد تخلف ابن رضوان هذا بتونس في بعض خدمه فجلى عند الحصار فيما عرض لهم من المكاتبات وتولى كبر ذلك فقام فيه أحسن قيام إلى أن وصل السلطان من القيروان فرعى له حق خدمته تأنيساً وقرباً وكثرة استعمال إلى أن ارتحل من تونس في الأسطول إلى المغرب سنة خمسين كما مر‏.‏واستخلف بتونس ابنه أبا الفضل وخلف أبا القاسم بن رضوان كاتباً له فأقام كذلك أياماً‏.‏ثم غلبهم على تونس سلطان الموحدين الفضل ابن السلطان أبي يحيى‏.‏ونجا أبو الفضل إلى أبيه ولم يطق ابن رضوان الرحلة معه فأقام بتونس حولاً ثم ركب البحر إلى الأندلس وأقام بالمرية مع جملة من هنالك من أشياع السلطان أبي الحسن كان فيهم عامر بن محمد بن علي شيخ هنتاتة كافلاً لحرم السلطان أبي الحسن وابنه‏.‏أركبهم السفين معه من تونس عندما ارتحل فخلصوا إلى الأندلس ونزلوا بالمرية وأقاموا بها تحت جراية سلطان الأندلس فلحق بهم ابن رضوان وأقام معهم‏.‏ودعاه أبو الحجاج سلطان الأندلس إلى أن يستكتبه فامتنع ثم هلك السلطان أبو الحسن وارتحل مخلفه الذين كانوا بالمرية‏.‏ووفدوا على السلطان أبي عنان‏.‏ووفد معهم ابن رضوان فرعى له وسائله في خدمة أبيه واستكتبه واختصه بشهود مجلسه مع طلبة العلم بحضرته‏.‏وكان محمد بن أبي عمرو يومئذ رئيس الدولة ونجي الخلوة وصاحب العلامة وحسبان الجباية والعساكر قد غلب على هوى السلطان واختص به فاستخدم له ابن رضوان حتى غلق منه بدمه‏.‏ولاية وصحبه وانتظاماً في السمر وغشيان المجالس الخاصة وهو من ذلك يدنيه من السلطان‏.‏وينفق سوقه عنده ويستكفي به في مواقف خدمته إذا غاب عنها لما هو أهم فحلي بعين السلطان ونفقت عنده فضائله‏.‏فلما سار ابن أبي عمرو في العساكر إلى بجاية سنة أربع وخمسين انفرد ابن رضوان بقلم الكتاب عن السلطان‏.‏ثم رجع ابن أبي عمرو وقد سخطه السلطان فأقصاه إلى بجاية وولاه عليها وعلى سائر أعمالها وعلى حرب الموحدين بقسنطيط‏.‏وأفرد ابن رضوان بالكتابة وجعل إليه العلامة كما كانت لابن أبي عمرو فاستقل بها موفر الاقطاع والإسهام والجاه‏.‏ثم سخطه آخر سبع وخمسين وجعل العلامة لمحمد بن أبي القاسم بن أبي مدين والإنشاء والتوقيع لأبي إسحق إبراهيم بن الحاج الغرناطي‏.‏فلما كانت دولة السلطان أبي لسالم جعل العلامة لعلي بن محمد بن سعود صاحب ديوان العساكر والإنشاء والتوقيع والسر لمؤلف الكتاب عبد الرحمن بن خلدون‏.‏ثم هلك أبو سالم سنة اثنتين وستين واستبد الوزير عمر بن عبد الله على من كفله من أبنائهم فجعل العلامة لابن رضوان سائر أيامه وقتله عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن واستبد بملكه فلم يزل ابن رضوان على العلامة وهلك عبد العزيز وولى ابنه السعيد في كفالة الوزير أبي بكر بن غازي بن الكاس وابن رضوان على حاله ثم غلب السلطان أحمد على الملك وانتزعه من السعيد وأبي بكر بن غازي وقام بتدبير دولته محمد بن عثمان بن الكاس مستبداً عليه والعلامة لابن رضوان كما كانت إلى أن هلك بأزمور في بعض حركات السلطان أحمد إلى مراكش لحصار عبد الرحمن بن بويفلوسن ابن السلطان أبي علي سنة‏.‏وكان في جملة السلطان أبي الحسن جماعة كبيرة من فضلاء المغرب وأعيانه هلك كثيرون منهم في الطاعون الجارف بتونس وغرق جماعة منهم في أسطوله لما غرق وتخطت النكبة منهم آخرين إلى أن استوفوا ما قدر من آجالهم‏.‏فممن حضر معه بإفريقية من العلماء شيخنا أبو العباس أحمد بن محمد الزواوي شيخ القراءات بالمغرب‏:‏ أخذ العلم والعربية عن مشيخة فاس وروى عن الرحالة أبي عبد الله محمد بن رشيد وكان إماماً في فن القراءات وصاحب ملكة فيها لا تجارى‏.‏وله مع ذلك صوت من مزامير آل داود وكان يصلي بالسلطان التراويح ويقرأ عليه بعض الأحيان حزبه‏.‏وممن حضر معه بإفريقية الفقيه أبو عبد الله محمد بن محمد بن الصباغ من أهل مكناسة‏.‏كان مبرزاً في المنقول والمعقول وعارفاً بالحديث وبرجاله وإماماً في معرفة كتاب الموطأ وإقرائه أخذ العلوم عن مشيخة فاس ولقي شيخنا أبا عبد الله الآبلي ولازمه وأخذ عنه العلوم العقلية فاستنفد بقية طلبه عليه فبرز آخراً واختاره السلطان لمجلسه فاستدعاه ولم يزل معه إلى أن هلك غريقاً في ذلك الأسطول‏.‏ومنهم القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد النور من أعمال ندرومة ونسبه في صنهاجة كان مبرزاً في الفقه على مذهب الإمام مالك بن أنس تفقه فيه على الأخوين أبي زيد وأبي موسى ابني الإمام وكان من جلة أصحابهما‏.‏ولما استولى السلطان أبو الحسن على تلمسان رفع من منزلة ابني الإمام واختصهما بالشورى في بلدهما‏.‏وكان يستكثر من أهل العلم في دولته ويجري لهم الأرزاق ويعمر بهم مجلسه فطلب يومئذ من ابن الإمام أن يختار له من أصحابه من ينظمه في فقهاء المجلس فأشاروا عليه بابن عبد النور هذا فأدناه وقرب مجلسه وولاه قضاء عسكره ولم يزل في جملته إلى أن هلك في الطاعون بتونس سنة تسع وأربعين‏.‏وكان قد خلف بتلمسان أخاه علياً رفيقه في دروس ابن الإمام إلا أنه أقصر باعاً منه في الفقه‏.‏فلما خلع السلطان أبو عنان طاعة أبيه السلطان أبي الحسن ونهض إلى فاس استنفره في جملته‏.‏وولاه قضاء مكناسة فلم يزل بها حتى إذا تغلب عمر بن عبد الله على الدولة كما مر نزع إلى قضاء فرضه فسرحه‏.‏وخرج حاجاً سنة أربع وستين فلما قدم على مكة وكان به بقية مرض هلك في طواف القدوم‏.‏وأوصى أمير الحاج على ابنه محمد وأن يبلغ وصيته به للأمير المتغلب على الديار المصرية يومئذ يلبغا الخاصكي فأحسن خلافته فيه وولاه من وظائف الفقهاء ما سد به خلته وصان عن سؤال الناس وجهه وكان له - عفا الله عنه - كلف بعمل الكيمياء تابعاً لمن غلظ في ذلك من أمثاله‏.‏فلم يزل يعاني من ذلك ما يورطه مع الناس في دينه وعرضه إلى أن دعته الضرورة للترحل عن مصر ولحق ببغداد‏.‏وناله مثل ذلك فلحق بماردين واستقر عند صاحبها وأحسن جواره إلى أن بلغنا بعد التسعين أنه هلك هنالك حتف أنفه والبقاء لله وحده‏.‏ومنهم شيخ التعاليم أبو عبد الله محمد بن النجار من أهل تلمسان أخذ العلم ببلده عن مشيختها وعن شيخنا الآيلي وبرز عليه‏.‏ثم ارتحل إلى المغرب فلقي بسبتة إمام التعاليم أبا عبد الله محمد بن هلال شارح المجصطي في الهيئة وأخذ بمراكش عن الإمام أبي العباس بن البناء وكان إماماً في علوم النجامة وأحكامها وما يتعلق بها ورجع إلى تلمسان بعلم كثير واستخلصته الدولة‏.‏فلما هلك أبو تاشفين وملك السلطان أبو الحسن نظمه في جملته وأجرى له رزقه فحضر معه بإفريقية وهلك في الطاعون‏.‏ومنهم أبو العباس أحمد بن شعيب من أهل فاس برع في اللسان والأدب والعلوم العقلية من الفلسفة والتعاليم والطب وغيرها ونظمه السلطان أبو سعيد في حلبة الكتاب وأجرى عليه الرزق مع الأطباء لتقدمه فيهم فكان كاتبه وطبيبه وكذا مع السلطان أبي الحسن بعده فحضر بإفريقية وهلك بها في ذلك الطاعون‏.‏وكان له شعر سابق به الفحول من المتقدمين والمتأخرين وكانت له إمامة في نقد الشعر وبصر به ومما حضرني الآن من شعره‏:‏ دار الهوى نجد وساكنها أقصى أماني النفس من نجد هل باكر الوسمي ساحتها واستن في قيعانها الجرد أو بات معتل النسيم بها مستشفياً بالبان الرند يتلو أحاديث الذين هم قصدي وإن جاروا عن القصد أيام سمر ظلالها وطني منها وزرق مياهها وردي ومطارح النظرات في رشإ أحوى المدامع أهيف القد حتى أجد على عجل ريث الخطوب وعاثر الجد فقدوا فلا وأبيك بعدهم ما عشت لا آسى على الفقد وغدوا‏:‏ دفينا قد تضمنه بطن الثرى وقرارة اللحد ومشرداً من دون رؤيته قذف النوى وتنوفة البعد أجرى علي العيش بعدهم أني فقدت جميعهم وحدي لا تلحني يا صاح في شجن أخفيت منه فوق ما أبدي بالغرب لي سكن تأوبني من ذكره سهد على سهد فرخان قد تركا بمضيعة زويت عن الرفداء والرفد ومنهم صاحبنا الخطيب أبو عبد الله بن أحمد بن مرزوق من أهل تلمسان كان سلفه نزلاء الشيخ أبي مدين بالعباد ومتوارثين خدمة تربته من لدن جدهم خادمه في حياته‏.‏وكان جده الخامس أو السادس واسمه أبو بكر بن مرزوق معروفاً بالولاية فيهم‏.‏ولما هلك دفنه يغواسن بن زيان سلطان تلمسان من بني عبد الواد ففي التربة بقصره ليدفن بإزائه متى قدر بوفاته‏.‏ ونشأ محمد هذا بتلمسان‏.‏ومولده - فيما أخبرني - سنة عشر وسبعمائة وارتحل مع أبيه إلى المشرق‏.‏وجاور أبوه بالحرمين الشريفين ورجع هو إلى القاهرة فأقام بها‏.‏وقرأ على برهان الدين الصفاقسي المالكي وأخيه‏.‏وبرع في الطب والرواية وكان يجيد الخطين ثم رجع سنة خمس وثلاثين إلى المغرب ولقي السلطان أبا الحسن بمكانه في تلمسان وقد شيد بالعباد مسجداً عظيماً وكان عمه محمد بن مرزوق خطيباً به على عادتهم بالعباد‏.‏وتوفي فولاه السلطان خطابة ذلك المسجد مكان عمه‏.‏وسمعه يخطب على المنبر ويشيد بذكره والثناء عليه فحلي بعينه واختصه وقربه وهو مع ذلك يلازم مجلس الشيخين ابني الإمام ويأخذ نفسه بلقاء الفضلاء والأكابر والأخذ عنهم والسلطان في كل يوم يزيده رتبة وحضر معه واقعة طريف التي كان فيها تمحيص المسلمين فكان يستعمله في السفارة عنه إلى صاحب الأندلس‏.‏ثم سفر عنه بعد أن ملك إفريقية إلى ابن أدفونش ملك قشتاله في تقرير الصلح واستنقاذ أبي عمر تاشفين‏.‏كان أسر يوم طريف فغاب في تلك السفارة عن واقعة القيروان‏.‏ورجع بأبي تاشفين مع طائفة من زعماء النصرانية جاءوا في السفارة عن ملكهم ولقيهم خبر واقعة القيروان بقسنطينة من بلاد إفريقية وبها عامل السلطان وحاميته فثار أهل قسنطينة بهم جميعاً ونهبوهم وخطبوا للفضل ابن السلطان أبي يحيى وراجعوا دعوة الموحدين واستدعوه فجاء إليهم وملك البلد‏.‏وانطلق ابن مرزوق عائداً إلى المغرب مع جماعة من الأعيان والعمال والسفراء عن الملوك‏.‏ووفد على السلطان أبي عنان بفاس مع أمه حظية أبي الحسن وأثيرته‏.‏كانت راحلة إليه فأدركها الخبر بقسنطينة‏.‏وحضرت الهيعة‏.‏واتصل بها الخبر بتوثب ابنها أبي عنان على ملك أبيه واستيلائه على فاس فرجعت إليه وابن مرزوق في خدمتها ثم طلب اللحاق بتلمسان فسرحوه إليها وأقام بالعباد مكان سلفه‏.‏وعلى تلمسان يومئذ أبو سعيد عثمان بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن بن زيان قد بايع له قبيله بنو عبد الواد بعد واقعة القيروان بتونس وابن تافراكين يومئذ محاصر للقصبة كما مر في أخبارهم‏.‏وانصرفوا إلى تلمسان فوجدوا بها أبا سعيد عثمان بن جرار من بيت ملوكهم قد استعمله عليها السلطان أبو عنان عند انتقاضه على أبيه ومسيره إلى فاس فانتقض ابن جرار من بعده ودعا لنفسه وصمد إليه عثمان بن عبد الرحمن ومعه أخوه أبو ثابت وقومهما فملكوا تلمسان من يد ابن جرار وحبسوه ثم قتلوه واستبد أبو سعيد بملك تلمسان وأخوه أبو ثابت يرادفه‏.‏وركب السلطان أبو الحسن البحر من تونس وغرق أسطوله ونجا هو إلى الجزائر فاحتل بها وأخذ في الحشد إلى تلمسان فرأى أبو سعيد أن يكف كربه عنهم بمواصلة تقع بينهما واختار لذلك الخطيب بن مرزوى فاستدعاه وأسر إليه بما يلقيه عنه للسلطان أبي الحسن وذهب لذلك على طريق الصحراء‏.‏واطلع أبو ثابت وقومهم على الخبر فنكروه على أبي سعيد وعاتبوه فبعثوا ضفير ابن عامر في اعتراض ابن مرزوق فجاء به وحبسوه أياماً‏.‏ثم أجازوه البحر إلى الأندلس فنزل على السلطان أبي الحجاج بغرناطة وله إليه وسيلة منذ اجتماعه به بمجلس السلطان أبي الحسن بسبتة إثر واقعة طريف فرعى له أبو الحجاج ذمة تلك المعرفة وأدناه واستعمله في الخطابة بجامعه بالحمراء فلم يزل خطيبه إلى إن استدعاه السلطان أبو عنان سنة أربع وخمسين بعد مهلك أبيه واستيلائه على تلمسان وأعمالها فقدم عليه ورعى له وسائله ونظمه في أكابر أهل مجلسه‏.‏وكان يقرأ الكتاب بين يديه في مجلسه العلمي ويدرس في نوبته مع من يدرس في مجلسه منهم‏.‏ثم بعثه إلى تونس عام ملكها سنة ثمان وخمسين ليخطب له ابنة السلطان أبي يحيى فردت تلك الخطبة واختفت بتونس‏.‏ووشي إلى السلطان أبي عنان أنه كان مطلعاً على مكانها فسخطه لذلك ورجع السلطان من قسنطينة فثار أهل تونس بمن كان بها من عماله وحاميته‏.‏واستقدموا أبا محمد بن تافراكين من المهدية فجاء وملك البلد‏.‏وركب القوم الأسطول ونزلوا بمراسي تلمسان‏.‏وأوعز السلطان أبو عنان باعتقال ابن مرزوق وخرج لذلك يحيى بن شعيب من مقدمي الجنادرة ببابه فلقيه بتاسالة فقيده هنالك‏.‏وجاء به فأحضره السلطان وقرعه ثم حبسه مدة وأطلقه بين يدي مهلكه واضطربت الدولة بعد موت السلطان أبي عنان وبايع بنو مرين لبعض الأعياص من بني يعقوب بن عبد الحق‏.‏وحاصروا البلد الجديد وبها ابنه السعيد ووزيره المستبد عليه الحسن بن عمر وكان السلطان أبو سالم بالأندلس غربه إليها أخوه السلطان أبو عنان مع بني عمهم ولد السلطان أبي علي بعد وفاة السلطان أبي الحسن وحصولهم جميعاً في قبضته‏.‏فلما توفى أراد أبو سالم النهوض لملكه بالمغرب فمنعه رضوان القائم يومئذ بملك الأندلس مستبداً على ابن السلطان أبي الحجاج فلحق هو بإشبيلية من دار الحرب ونزل على بطره ملكهم يومئذ فهيأ له السفين وأجازه إلى العدوة فنزل بجبل الصفيحة من بلاد غمارة وقام بدعوته بنو مثنى وبنو منير أهل ذلك الجبل منهم حتى تم أمره واستولى على ملكه في خبر طويل ذكرناه في أخبار دولتهم‏.‏وكان ابن مرزوق يداخله وهو بالأندلس ويستخدم له ويفاوضه في أموره وربما كان يكاتبه وهو بجبل الصفيحة ويداخل زعماء قومه في الأخذ بدعوته‏.‏فلما ملك السلطان أبو سالم رعى له تلك الوسائل أجمع ورفعه على الناس وألقى عليه محبته وجعل زمام الأمور بيده فوطئ الناس عقبه وغشي أشراف الدولة بابه وصرفوا الوجوه إليه فمرضت لذلك قلوب أهل الدولة ونقموه على السلطان وتربصوا به حتى توثب عمر ابن عبد الله بالبلد الجديد وافترق الناس عن السلطان‏.‏وقتله عمر بن عبد الله آخر اثنتين وستين وحبس ابن مرزوق وأغرى به سلطانه الني نصبه محمد بن عبد الرحمن بن أبي الحسن فامتحنه واستصفاه ثم أطلقه بعد أن رام كثير من أهل الدولة قتله فمنعه منهم‏.‏ولحق بتونس سنة أربع وستين ونزل‏.‏على السلطان أبي إسحق وصاحب دولته المستبد عليه أبي محمد بن تافراكين فأكرموا نزله وولوه الخطابة بجامع الموحدين بتونس‏.‏وأقام بها إلى أن هلك السلطان أبو إسحق سنة سبعين وولي ابنه خالد‏.‏وزحف السلطان أبو العباس حافد السلطان أبي يحيى مقره بقسنطينة إلى تونس فملكها وقتل خالداً سنة اثنتين وسبعين‏.‏وكان ابن مرزوق يستريب منه لما كان يميل وهو بفاس مع ابن عمه أبي عبد الله محمد صاحب بجاية ويؤثره عند السلطان أبي سالم عليه فعزله السلطان أبو العباس عن الخطبة بتونس فوجم لها وأجمع الرحلة إلى المشرق‏.‏وسرحه السلطان فركب السفين ونزل بالإسكندرية ثم ارتحل إلى القاهرة ولقي أهل العلم وأمراء الدولة ونفقت بضائعه عندهم وأوصلوه إلى السلطان وهو يومئذ الأشرف‏.‏فكان يحضر مجلسه وولوه الوظائف العلمية وكان ينتجع منها معاشه‏.‏وكان الذي وصل حبله بالسلطان إستداره محمد بن أقبغا آص لقيه أول قدومه فحلي بعينه واستظرف جملته فسعى له وأنجحت سعايته ولم يزل مقيماً بالقاهرة موقر الرتبة معروف الفضيلة مرشحاً لقضاء المالكية ملازماً للتدريس في وظائفه إلى إن هلك سنة إحدى وثمانين‏.‏هذا ذكر من حضرنا من جملة السلطان أبي الحسن من أشياخنا وأصحابنا وليس موضوع ولاية العلامة بتونس والرحلة إلى المغرب ولاية العلامة بتونس ثم الرحلة بعدها إلى المغرب والكتابة عن السلطان أبي عنان لم أزل منذ نشأت وناهزت مكباً على تحصيل العلم حريصاً على اقتناء الفضائل متنقلاً بين دروس العلم وحلقاته إلى أن كان الطاعون الجارف وذهب بالأعيان والصدور وجميع المشيخة وهلك أبواي رحمهما الله‏.‏ولزمت مجلس شيخنا أبي عبد الله الآبلي وعكفت على القراءة عليه ثلاث سنين إلى أن شدوت بعض الشيء واستدعاه السلطان أبو عنان فارتحل إليه واستدعاني أبو محمد بن تافراكين المستبد على الدولة يومئذ بتونس إلى كتابة العلامة عن سلطانه أبي إسحق‏.‏وقد نهض إليهم من قسنطينة صاحبها الأمير أبو زيد حافد السلطان أبي يحيى في عساكره ومعه العرب أولاد مهلهل الذين استنجدوه لذلك فأخرج ابن تافراكين سلطانه أبا إسحق مع العرب أولاد أبي الليل وبث العطاء في عسكره وعمر له المراتب والوظائف‏.‏وتعلل عليه صاحب العلامة أبو عبد الله بن عمر بالاستزادة من العطاء فعزله وأدالني منه فكتبت العلامة للسلطان وهي وضع الحمد لله والشكر لله بالقلم الغليظ مما بين البسملة وما بعدها من مخاطبة أو مرسوم وخرجت معهم أول سنة ثلاث وخمسين‏.‏وقد كنت منطوياً على مفارقتهم لما أصابني من الاستيحاش لذهاب أشياخي وعطلتي عن طلب العلم‏.‏فلما رجع بنو مرين إلى مراكزهم بالمغرب وانحسر تيارهم عن إفريقية وأكثر من كان معهم من الفضلاء صحابة وأشياخ فاعتزمت على اللحاق بهم‏.‏وصدني عن ذلك أخي وكبيري محمد رحمه الله فلما دعيت إلى هذه الوظيفة سارعت إلى الإجابة لتحصيل غرضي من اللحاق بالمغرب وكان كذلك فإنا لما خرجنا من تونس نزلنا بلاد هوارة وزحفت العساكر بعضها إلى بعض بفحص مرماجنة وانهزم صفنا ونجوت أنا إلى أبة فأقمت بها عند الشيخ عبد الرحمن الوشتاتي من كبراء المرابطين‏.‏ثم تحولت إلى تبسة ونزلت بها على محمد بن عبدون صاحبها فأقمت عنده ليالي حتى هيأ لي الطريق وبذرق لي مع رفيق من العرب وسافرت إلى قفصة وأقمت بها أياماً أترصد الطريق حتى قدم علينا بها الفقيه محمد بن الرئيس منصور بن مزني وأخوه يوسف يومئذ صاحب الزاب‏.‏وكان هو بتونس فلما حاصرها الأمير أبو زيد خرج إليه فكان معه‏.‏ثم بلغهم الخبر بأن السلطان أبا عنان ملك المغرب نهض إلى تلمسان فملكها وقتل سلطانها عثمان بن عبد الرحمن وأخاه أبا ثابت وأنه انتهى إلى المدية وملك بجاية من يد صاحبها الأمير أبي عبد الله من حفدة السلطان أبي يحيى راسله عندما أطل على بلده فسار إليه ونزل له عنها وصار في جملته وولى أبو عنان على بجاية عمر بن علي شيخ بني وطاس من بني الوزير شيوخهم‏.‏فلما بلغ هذا الخبر أجفل الأمير عبد الرحمن من مكانه على حصار تونس ومر بقفصة فدخل إلينا محمد بن مزني ذاهباً إلى الزاب فرافاقته إلى بسكرة ودخلت إلى أخيه هنالك‏.‏ونزل هو ببعض قرى الزاب تحت جراية أخيه إلى أن انصرم الشتاء‏.‏وكان أبو عنان لما ملك بجاية ولى عليها عمر بن علي بن الوزير من شيوخ بني وطاس وجاء فارح مولى الأمير أبي عبد الله لنقل حرمه وولده فداخل بعض السفهاء من صنهاجة في قتل عمر بن علي فقتله في مجلسه‏.‏ووثب هو على البلد وبعث إلى الأمير أبي زيد يستدعيه من قسنطينة فتمشت رجالات البلد فيما بينهم خشية من سطوة السلطان‏.‏ثم ثاروا بفارح فقتلوه وأعادوا دعوة السلطان كما كانت‏.‏وبعثوا عن عامل السلطان بتدلس يحياتن بن عمر بن عبد المؤمن شيخ بني ونكاسن من بني مرين فملكوه قيادهم‏.‏وبعثوا إلى السلطان بطاعتهم فأخرج لوقته حاجبه محمد بن أبي عمرو وأكثف له الجند وصرف معه وجوه دولته وأعيان بطانته‏.‏وارتحلت أنا من بسكرة وافداً على السلطان أبي عنان بتلمسان فلقيت ابن أبي عمرو بالبطحاء وتلقاني من الكرامة بما لم أحتسبه وردني معه إلى بجاية فشهدت الفتح‏.‏وتسايلت وفود إفريقية إليه فلما رجع السلطان وفدت معهم فنالني من كرامته وإحسانه ما لم أحتسبه إذ كنت شاباً لم يطر شاربي‏.‏ثم انصرفت مع الوفود ورجع ابن أبي عمرو إلى بجاية فأقمت عنده حتى انصرم الشتاء من أواخر أربع وخمسين وعاد السلطان أبو عنان إلى فاس وجمع أهل العلم للتحليق بمجلسه وجرى ذكري عنده وهو ينتقي طلبة العلم للمذاكرة في ذلك المجلس فأخبره الذين لقيتهم بتونس عني ووصفوني له فكتب إلى الحاجب يستقدمني فقدمت عليه سنة خمس وخمسين ونظمني في أهل مجلسه العلمي وألزمني شهود الصلوات معه ثم استعملني في كتابته والتوقيع بين يديه على كره مني إذ كنت لم أعهد مثله لسلفي‏.‏وعكفت على النظر والقراءة ولقاء المشيخة من أهل المغرب ومن أهل الأندلس الوافدين في غرض السفارة وحصلت من الإفادة منهم على البغية‏.‏وكان في جملته يومئذ الأستاذ أبو عبد الله محمد بن الصفار من أهل مراكش إمام القراءات لوقته أخذ عن جماعة من مشيخة المغرب كبيرهم شيخ المحدثين الرحالة أبو عبد الله محمد بن رشيد الفهري سند أهل المغرب وكان يعارض السلطان القرآن برواياته السبع إلى أن تولى‏.‏ومنهم‏:‏ قاضي الجماعة بفاس أبو عبد الله محمد المقري صاحبنا من أهل تلمسان‏.‏أخذ العلم بها عن أبي عبد الله السلاوي ورد عليها من المغرب خلواً من المعارف‏.‏ثم دعته همته إلى التحلي بالعلم فعكف في بيته على مدارسة القرآن فحفظه وقرأه بالسبع‏.‏ثم عكف على كتاب التسهيل في العربية فحفظه ثم على مختصري ابن الحاجب في الفقه والأصول فحفطهما ثم لزم الفقيه عمران المشدالي من تلاميذ أبي علي ناصر الدين وتفقه عليه وبرز في العلوم إلى حيث لم تلحق غايته‏.‏وبنى السلطان أبو تاشفين مدرسته بتلمسان فقدمه للتدريس بها يضاهي به أولاد الإمام‏.‏وتفقه عليه بتلمسان جماعة كان من أوفرهم سهماً في العلوم أبو عبد الله المقري هذا‏.‏ولما جاء شيخنا أبو عبد الله الآبلي إلى تلمسان عند استيلاء السلطان أبي الحسن عليها وكان أبو عبد الله السلاوي قد قتل يوم فتح تلمسان قتله بعض أشياع السلطان لذنب أسلفه في خدمة أخيه أبي علي بسجلماسة قبل انتحاله العلم وكان السلطان يعتده عليه فقتل بباب المدرسة فلزم أبو عبد الله المقري بعده مجلس شيخنا الآبلي ومجالس ابني الإمام واستبحر في العلوم وتفنن‏.‏ولما انتقض السلطان أبو عنان سنة تسع وأربعين وخلع أباه ندبه إلى كتاب البيعة فكتبها وقرأه على الناس في يوم مشهود‏.‏وارتحل مع السلطان إلى فاس فلما ملكها عزل قاضيها الشيخ المعمر أبا عبد الله بن عبد الرزاق وولاه مكانه فلم يزل قاضياً بها إلى أن سخطه لبعض النزعات الملوكية فعزل وأدال منه بالفقيه أبي عبد الله الفشتالي آخر سنة ست وخمسين ثم بعثه في سفارة إلى الأندلس فامتنع من الرجوع‏.‏وقام السلطان لها في ركائبه ونكر على صاحب الأندلس ابن الأحمر تمسكه به وبعث إليه فيه يستقدمه فلاذ منه ابن الأحمر بالشفاعة فيه واقتضى له كتاب أمان بخط السلطان أبي عنان وأوفده مع الجماعة من شيوخ العلم بغرناطة ومنهم‏:‏ القاضيان بغرناطة شيخنا أبو القاسم الشريف السبتي شيخ الدنيا جلالة وعلماً ووقاراً ورياسة وإمام اللسان حوكاً ونقداً في نظمه ونثره‏.‏وشيخنا الآخر أبو البركات محمد بن محمد بن إبراهيم بن الحاج البلفيقي من أهل المرية شيخ المحدثين والفقهاء والأدباء والصوفية والخطباء بالأندلس وسيد أهل العلم بإطلاق والمتفنن في إساليب المعارف وآداب الصحابة للملوك فمن دونهم فوفدا به على السلطان شفيعين على عظيم تشوقه للقائهما فقبلت الشفاعة وأنجحت الوسيلة‏.‏حضرت بمجلس السلطان يوم وفادتهما سنة سبع وخمسين وكان يوماً مشهوداً‏.‏واستقر القاضي المقري في مكانه بباب السلطان عطلاً من الولاية والجراية‏.‏وجرت عليه بعد ذلك محنة من السلطان بسبب خصومة وقدت بينه وبين أقاربه امتنع من الحضور معهم عند القاضي الفشتالي فتقدم السلطان إلى بعض أكابر الوزعة ببابه بأن يسحبه إلى مجلس القاضي حتى انفذ فيه حكمه فكان الناس يعدونها محنة‏.‏ثم ولاه السلطان بعد ذلك قضاء العساكر في دولته عندما ارتحل إلى قسنطينة‏.‏فلما افتتحها وعاد إلى دار ملكه بفاس آخر ثمان وخمسين اعتل ومنهم صاحبنا الإمام العالم الفذ فارس المعقول والمنقول صاحب الفروع والأصول أبو عبد الله محمد بن أحمد الشريف الحسني ويعرف بالعلوي نسبة إلى قرية من أعمال تلمسان تسمى العلوين وكان أهل بيته لا يدافعون في نسبهم وربما يغمز فيه بعض الفجرة ممن يزعه دينه ولا معرفته بالأنساب فيعد من اللغو ولا يلتفت إليه‏.‏نشأ هذا الرجل بتلمسان وأخذ العلم عن مشيختها واختص بأولاد الإمام وتفقه عليهما في الفقه والأصول والكلام ثم لزم شيخنا أبا عبد الله الآبلي‏.‏وتضلع من معارفه فاستبحر وتفجرت ينابيع العلوم من مداركه ثم ارتحل إلى تونس في بعض مذاهبه سنة أربعين ولقي شيخنا القاضي أبا عبد الله بن عبد السلام وحضر مجلسه وأفاد منه واستعظم رتبته في العلم‏.‏وكان ابن عبد السلام يصغي إليه ويؤثر محله ويعرف حقه حتى لزعموا أنه كان يخلو به في بجته فيقرأ عليه فصل التصوف من كتاب الإشارات لابن سينا بما كان هو قد أحكم ذلك الكتاب على شيخنا الآبلي وقرأ عليه كثيراً من كتاب الشفاء لابن سينا ومن تلاخيص كتب أرصطو لابن رشد ومن الحساب والهيئة والفرائض علاوة على ما كان يحمله من الفقه والعربية وسائر علوم الشريعة‏.‏وكانت له في كتب الخلافيات يد طولى وقدم عالية فعرف له ابق عبد السلام ذلك كله وأوجب حقه وانقلب إلى تلمسان وانتصب لتدريس العلم وبثه فملأ المغرب معارف وتلاميذ إلى اضطراب المغرب بعد واقعة القيروان ثم هلك السلطان أبو الحسن وزحف ابنه أبو عنان إلى تلمسان فملكها سنة ثلاث وخمسين فاستخلص الشريف أبا عبد الله واختاره لمجلسه العلمي مع من اختار من المشيخة‏.‏ورحل به إلى فاس فتبرم الشريف من الاغتراب وردد الشكوى فأحفظ السلطان بذلك وارتاب به‏.‏ثم بلغه أثناء ذلك أن عثمان بن عبد الرحمن سلطان تلمسان أوصاه على ولده وأودع له مالاً عند بعض الأعيان من أهل تلمسان وأن الشريف مطلع على ذلك فانتزع الوديعة وسخط الشريف بذلك ونكبه وأقام في اعتقاله أشهراً ثم أطلقه أول ست وخمسين وأقصاه ثم أعتبه بعد فتح قسنطينة وأعاده إلى مجلسه إلى أن هلك السلطان آخر تسع وخمسين‏.‏وملك أبو حمو بن يوسف بن عبد الرحمن تلمسان من يد بني مرين واستدعى الشريف من فاس فسرحه القائم بالأمر يومئذ الوزير عمر بن عبد الله فانطلق إلى تلمسان‏.‏وتلقاه أبو حمو براحتيه وأصهر له في ابنته فزوجها إياه وبنى له مدرسة جعل في بعض جوانبها مدفن أبيه وعمه‏.‏وأقام الشريف يدرس العلم إلى أن هلك سنة إحدى وسبعين‏.‏وأخبرني رحمه الله إن مولده سنة عشر‏.‏ومنهم صاحبنا الكاتب القاضي أبو القاسم محمد بن يحيى البرجي من برجة الأندلس‏.‏كان كاتب السلطان أبي عنان وصاحب الإنشاء والسر في دولته وكان مختصاً به وأثيراً لديه‏.‏وأصله من برجة الأندلس نشأ بها واجتهد في العلم والتحصيل وقرأ وسمع وتفقه على مشيخة الأندلس واستبحر في الأدب وبرز في النظم والنثر‏.‏وكان لا يجارى في كرم الطباع وحسن المعاشرة ولين الجانب وبذل البشر والمعروف وارتحل إلى بجاية في عشر الأربعين والسبعمائة وبها الأمير أبو زكرياء ابن السلطان أبي يحيى منفرداً بملكها على حين أقفرت من رسم الكتابة والبلاغة فبادرت أهل الدولة إلى اصطفائه وإيثاره بخطة الإنشاء والكتابة عن السلطان إلى أن هلك الأمير أبو زكرياء ونصب ابنه محمد مكانه فكتب عنه على رسمه ثم هلك السلطان أبو يحيى وزحف السلطان أبو الحسن إلى إفريقية واستولى على بجاية ونقل الأمير محمداً بأهله وحاشيته إلى تلمسان كما تقدم في أخباره‏.‏فنزل أبو القاسم البرجي تلمسان وأقام بها واتصل خبره بأبي عنان ابن السلطان أبي الحسن وهو يومئذ أميرها‏.‏ولقيه فوقع من قليه بمكان إلى أن كانت واقعة القيروان‏.‏وخلع أبو عنان واستبد بالأمر فاستكتبه وحمله معه إلى المغرب ولم يسم به إلى العلامة لأنه آثر بها محمد بن أبي عمرو بما كان أبوه يعلمه القرآن والعلم‏.‏وربي محمد بداره فولاه العلامة والبرجي مرادف له في رياسته إلى أن انقرضوا جميعاً‏.‏وهلك السلطان أبو عنان واستولى أخوه أبو سالم على ملك المغرب وغلب ابن مرزوق على هواه كما قدمناه فنقل البرجي من الكتابة واستعمله في قضاء العساكر فلم يزل على القضاء إلى أن هلك سنة‏.‏وثمانين‏.‏وأخبرني رحمه الله أن مولده سنة عشر‏.‏ومنهم شيخنا المعمر الرحالة أبو عبد الله محمد بن عبد الرزاق شيخ وقته جلالة وتربية وعلماً وخبرة بأهل بلده وعظمة فيهم‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-08-2011, 01:47 PM
نشأته ومشيخته وحاله

أما نشأتي فإني ولدت بتونس في غرة رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة وربيت في حجر والدي رحمه الله إلى أن أيفعت وقرأت القرآن العظيم على الأستاذ المكتب أبي عبد الله محمد بن سعد بن برال الأنصاري أصله من جالية الأندلس من أعمال بلنسية أخذ عن مشيخة بلنسية وأعمالها وكان إماماً في القراءات لا يلحق شأوه وكان من أشهر شيوخه ففي القراءات السبع أبو العباس أحمد بن محمد البطرني ومشيخته فيها وأسانيده معروفة‏.‏وبعد أن استظهرت القرآن الكريم من حفظي قرأته عليه بالقراءات السبع المشهورة إفراداً وجمعاً في إحدى وعشرين ختمة ثم جمعتها في ختمة واحدة أخرى ثم قرأت برواية يعقوب ختمة واحدة جمعاً بين الروايتين عنه وعرضت عليه رحمه الله قصيدتي الشاطبي اللامية في القراءات والرائية في الرسم وأخبرني بهما عن الأستاذ أبي العباس البطرني وغيره من شيوخه وعرضت عليه كتاب التقصي لأحاديث الموطأ لابن عبد البر حذو به حذو كتابه التمهيد على الموطأ مقتصراً على الأحاديث فقط‏.‏ودارست عليه كتباً جمة مثل كتاب التسهيل لابن مالك ومختصر ابن الحاجب في الفقه ولم أكملهما بالحفظ وفي خلال ذلك تعلمت صناعة العربية على والدي وعلى أستاذي تونس‏:‏ منهم الشيخ أبو عبد الله بن العربي الحصايري وكان إماماً في النحو وله شرخ مستوفى على كتاب التسهيل‏.‏ومنهم أبو عبد الله محمد بن الشواش الزرزالي‏.‏ومنهم أبو العباس أحمد بن القصار كان ممتعاً في صناعة النحو وله شرح على قصيدة البردة المشهورة في مدح الجناب النبوي وهو حي لهذا العهد بتونس‏.‏ومنهم‏:‏ إمام العربية والأدب بتونس أبو عبد الله محمد بن بحر لازمت مجلسه وأفدت عليه وكان بحراً زاخراً في علوم اللسان‏.‏وأشار علي بحفظ الشعر فحفظت كتاب الأشعار الستة والحماسة للأعلم وشعر حبيب وطائفة من شعر المتنبي ومن أشعار كتاب الأغاني‏.‏ولازمت أيضاً مجلس إمام المحدثين بتونس شمس الدين أبي عبد الله بن جابر بن سلطان القيسي الوادياشي صاحب الرحلتين وسمعت عليه كتاب فسلم بن الحجاج إلا فوتاً يسيراً من كتاب الصيد وسمعت عليه كتاب الموطأ من أوله إلى آخره وبعضاً من الأمهات الخمس وناولني كتباً كثيرة في العربية والفقة وأجازني إجازة عامة وأخبرني عن مشايخه المذكورين في برنامجه أشهرهم بتونس قاضي الجماعة أبو العباس أجمد بن الغماز الخزرجي‏.‏وأخذت الفقه بتونس عن جماعة منهم أبو عبد الله بن عبد الله الجياني وأبو القاسم محمد القصير قرأت عليه كتاب التهذيب لأبي سعيد البرادعي مختصر المدونة وكتاب المالكية وتفقهت عليه‏.‏وكنت في خلال ذلك أنتاب مجلس شيخنا الإمام قاضي الجماعة أبي عبد الله بن عبد السلام مع أخي محمد رحمة الله عليهما‏.‏وأفدت منه وسمعت عليه أثناء ذلك كتاب الموطأ للإمام مالك وكانت له فيه طرق عالية عن أبي محمد بن هارون الطائي قبل اختلاطه إلى غير هؤلاء من مشيخة تونس وكفهم في الطاعون الجارف‏.‏وكان قدم علينا في جملة السلطان أبي الحسن عندما ملك إفريقية سنة ثمان وأربعين جماعة من أهل العلم وكان يلزمهم شهود مجلسه ويتجمل بمكانهم فيه‏:‏ فمنهم شيخ الفتيا بالمغرب وإمام مذهب مالك أبو عبد الله محمد بن سليمان السطي فكنت أنتاب مجلسه وأفدت عليه‏.‏ومنهم كاتب السلطان أبي الحسن وصاحب علامته التي توضع أسافل مكتوباته إمام المحدثين والنحاة بالمغرب أبو محمد بن عبد المهيمن بن عبد المهيمن الحضرمي لازمته وأخذت عنه سماعاً وإجازة الأمهات الست وكتاب الموطأ والسير لابن اسحق وكتاب ابن الصلاح في الحديث وكتباً كثيرة شذت عن حفظي‏.‏وكانت بضاعته في الحديث وافرة ونحلته في التقييد والحفظ كاملة كانت له خزانة من الكتب تزيد على ثلاثة آلاف سفر في الحديث والفقه والعربية والأدب والمعقول وسائر الفنون مضبوطة كلها مقابلة‏.‏ولا يخلو ديوان منها عن ثبت بخط بعض شيوخه المعروفين في سنده إلى مؤلفه حتى الفقه والعربية الغريبة الإسناد إلى مؤلفيها في هذه العصور‏.‏ومنهم الشيخ أبو العباس أحمد الزواوي إمام المقرئين بالمغرب‏.‏قرأت عليه القرآن العظيم بالجمع الكبير بين القراءات السبع من طريق أبي عمرو الداني وابن شريح في ختمة لم أكملها وسمعت عليه عدة كتب وأجازنى بالإجازة العامة‏.‏ومنهم شيخ العلوم العقلية أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الآبلي‏.‏أصله من تلمسان وبها نشأ وقرأ كتب التعاليم وحنق فيها‏.‏وأظله الحصار الكبير بتلمسان أمام المائة السابعة فخرج منها وحج ولقي أعلام المشرق يومئذ فلم يأخذ عنهم لأنه كان مختلطاً بعارض عرض في عقله‏.‏ثم رجع من المشرق وأفاق وقرأ المنطق والأصلين على الشيخ أبي موسى عيسى ابن الإمام وكان قرأ بتونس مع أخيه أبي زيد عبد الرحمن على تلاميذ ابن زيتون الشهير الذكر وجاء إلى تلمسان بعلم كثير من المعقول والمنقول فقرأ الآبلي على أبي موسى منهما كما قلناه‏.‏ثم خرج من تلمسان هارباً إلى المغرب لأن سلطانها يومئذ أبو حمو من ولد يغمراسن بن زيان كان يكرهه على التصرف في أعماله وضبط الجباية بحسبانه ففر إلى المغرب ولحق بمراكش ولزم العالم الشهير أبا العباس بن البناء الشهير الذكر فحصل عنه سائر العلوم العقلية وورث مقامه فيها وأرفع ثم صعد إلى جبال الهساكرة بعد وفاة الشيخ باستدعاء علي بن محمد بن تروميت ليقرأ عليه فأفاده وبعد أعوام استنزله ملك المغرب السلطان أبو سعيد وأسكنه بالبلد الجديد والآبلي معه‏.‏ثم اختصه السلطان أبو الحسن ونظمه في جملة العلماء بمجلسه وهو في خلال ذلك يعلم العلوم العقلية ويبثها بين أهل المغرب حتى حذق فيها الكثير منهم من سائر أمصارها وألحق الأصاغر بالأكابر في تعليمه‏.‏ولما قدم على تونس في جملة السلطان أي الحسن لزمته وأخذت عنه الأصلين والمنطق وسائر الفنون الحكمية والتعليمية وكان رحمه الله يشهد لي بالتبريز في ذلك‏.‏وممن قدم في جملة السلطان أبي الحسن‏:‏ صاحبنا أبو القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان المالقي‏.‏كان يكتب عن السلطان ويلازم خدمة أبي محمد عبد المهيمن رئيس الكتاب يومئذ وصاحب العلامة التي توضع عن السلطان أسفل المراسيم والمخاطبات وبعضها يضعه السلطان بخطه‏.‏وكان ابن رضوان هذا من مفاخر المغرب في براعة خطه وكثرة علمه وحسن سمته وإجادته في فقه الوثائق والبلاغة في الترسيل عن السلطان وحوك الشعر والخطابة على المنابر لأنه كان كثيراً ما يصلي بالسلطان‏.‏فلما قدم علينا بتونس صحبته واغتبطت به وإن لم أتخذه شيخاً لمقاربة السن فقد أفدت منه كما أفدت منهم‏.‏وقد مدحه صاحبنا أبو القاسم الرحوي شاعر تونس في قصيدة علي روي النون يرغب منه تذكرة شيخه أبي محمد عبد المهيمن في إيصال مدحه إلى السلطان أبي الحسن في قصيدته على روي الباء وقد تقدم ذكرها في أخبار السلطان‏.‏وذكر في مدح ابن رضوان أعلام العلماء القادمين مع السلطان وهي هذه‏:‏ عرفت زماني حين أنكرت عرفاني وأيقنت أن لاحظ في كف كيوان وأن لا اختيار في اختيار مقوم وأن لا قراع بالقوان لأقران وأن نظام الشكل أكمل نظمه لأضعف قاض في الدليل برجحان وإن افتقار المرء في فقراته ومن ثقله يغني اللبيب بأوزان ولم يعشني للنار لمع شعاعها فما كل نار نار موسى بن عمران ولم يبق لي في الغيب من أمل سوى لقاء ابن رضوان وجنة رضوان هنالك ألفيت العلا تنتمي إلى أناس ضئيل عندهم فخر غسان وأرعيت من روض التأدب يانعاً وحييت من كنز العلوم بقعيان وردت فلم تجدب لديه ريادتي وصدق طرفي ما تلقته آذاني فحسبك من آدابه كل زاخر يحييك معسولاً بدر ومرجان يحييك بالسلك الذي لم تحط به طروس ابن سهل أو سوالف بوران فقل بابلي إن ينافثك لفظة وفي وشيه الأطراس قل هو صنعاني خلائق لم تخلق سدى بل تكملت بإسداء إنعام وإبلاء إحسان ثم يقول في ذكر العلماء القادمين‏:‏ هم القوم كل القوم أما حلومهم فأرسخ من طودي ثبير وثهلان فلا طيش يعروهم وأما علومهم فأعلامها تهديك من غير نيران فلم يبق نأي ابن الإمام شماخة على مدن الدنيا لأنف تلمسان وبعد نوى السطي لم تسط فأسه بفخر على بغدان في عصر بغدان وبالأبلي استسقت الأرض وبلها ومستوبل ما مال عنه لأظعان وهامت على عبد المهيمن تونس وقد ظفرت منه بوصل وقربان وما علقت مني الضمائر غيره وإن هويت كلاً بحب ابن رضوان وكتب هذا الشاعر‏:‏ صاحبنا الرحوي يذكر عبد المهيمن بذلك‏:‏ لهي النفس في اكتساب وسعي وهو العمر في انتهاب وفي وأربى الناس بين ساع لرشد يتوخى الهدى وساع لغي وأرى العلم للبرية زيناً فتزي منه بأحسن زي وأرى الفضل قد تجمع كلاً في ابن عبد المهيمن الحضرمي حل بالرتبة العلية في حض رة ملك سامي العماد علي قلم أوسع الأقاليم أمراً فله قد أطاع كل عصي هو أعلى الأقلام في كل عصر حيث ينمى إلى الإمام علي حليت تلكم الرياسة منه بفريد في كل معنى سني سالك ففي النظام دراً وطوراً ناثر دره بنشر وطي بدع للبديع ترمي بحصر ولصابي بني بويه بعي ويرى أخرس العراق لديه إنه بالشام كالأعجمي وعلوم هي البحور ولكن يثني الواردون منها بري تصدر الأمة العظيمة عنه بحديث مجود مروي ويفقه فيه وحسن مقال يضع النور في لحاظ العمي وبنحو ينحي على سيبويه ببيان في المبهمات جلي عمي الأخفشان عنه وسدت عن خفاياه فطنة الفارسي يا أخا الحكم في الأنام إني لأنادي رب الندى والندي بنت فكري تعرضت لحماكم فألقها راضياً بوجه رضي ثم كانت واقعة العرب على السلطان بالقيروان في فاتحة تسع وأربعين فشغلوا عن ذلك ولم يظفر هذا الرحوي بطلبته‏.‏ثم جاء الطاعون الجارف فطوى البساط بما فيه وهلك عبد المهيمن فيمن هلك ودفن بمقبرة سلفنا بتونس لخلة كانت بينه وبين والدي رحمه الله أيام قدومهم علينا‏.‏فلما كانت واقعة القيروان ثار أهل تونس بمن كان عندهم من أشياع السلطان أبي الحسن فاعتصموا بالقصبة دار الملك حيث كان ولد السلطان وأهله وانتقض عليه ابن تافراكين وخرج من القيروان إلى العرب وهم يحاصرون السلطان وقد اجتمعوا على ابن أبي دبوس وبايعوا له كما مر في أخبار السلطان فبعثوا ابن تافراكين إلى تونس فحاصر القصبة وامتنعت عليه‏.‏وكان عبد المهيمن يوم ثورة أهل تونس ووقوع الهيعة خرج من بيته إلى دارنا فاختفى عند أبي رحمه الله وأقام مختفياً عندنا نحواً من ثلاثة أشهر‏.‏ثم نجا السلطان من القيروان إلى سوسة وركب البحر إلى تونس وفر ابن تافراكين إلى المشرق‏.‏وخرج عبد المهيمن من الاختفاء وأعاده السلطان إلى ما كان عليه من وظيفة العلامة والكتابة وكان كثيراً ما يخاطب والدي رحمه الله ويشكره على موالاته ومما كتب إليه وحفظته من خطه‏:‏ لحمد ذوي المكارم قد ثناني فعال شكره أبداً عناني فكم أولى ووالى من جميل وبر بالفعال وباللسان وراعى الحضرمية في الذي قد حبا من وده ومن الحنان أبا بكر ثناءك طول دهرى أردد باللسان وبالجنان وعن علياك ما امتدت حياتي أكافح بالحسام وباللسان فمنك أفدت خلاً لست دهري أرى عن حبه أثني عنان وهؤلاء الأعلام الذين ذكرهم الرحوي في شعره هم سباق الحلبة في مجلس السلطان أبي الحسن اصطفاهم لصحابته من بين أهل المغرب‏.‏فأما ابنا الإمام منهم فكانا أخوين من أهل برشك من أعمال تلمسان واسم أكبرهما‏:‏ أبو زيد عبد الرحمن واسم الأصغر‏:‏ أبو موسى عيسى وكان أبوهما إماماً ببعض مساجد برشك واتهمه المتغلب يومئذ على البلد زيرم بن حماد بأن عنده وديعة من المال لبعض أعدائه فطالبه بها فلاذ بالامتناع وبيته زيرم لينتزع المال من يده فدافعه وقتل وارتحل ابناه هذان الأخوان إلى تونس في المئة السابعة وأخذا العلم بها عن تلاميذ ابن زيتون وتفقها على أصحاب أبي عبد الله بن شعيب الدكالي وانقلبا إلى المغرب بحظ وافر من العلم‏.‏وأقاما بالجزائر يبثان بها العلم لامتناع برشك عليهما من أجل ضرر زيرم المتغلب عليها والسلطان أبو يعقوب يومئذ صاحب المغرب الأقصى من بني مرين جاثم على تلمسان يحاصرها الحصار الطويل المشهور وقد بث جيوشه في نواحيها وغلب على الكثير من أعمالها وأمصارها وملك عمل مغراوة بشلف وحاضرته مليانة فبعث عليها الحسن بن علي بن أبي الطلاق من بني عسكر وعلي بن محمد الخيري من بني ورتاجن ومعهما - لضبط الجباية واستخلاص الأموال - الكاتب منديل بن محمد الكناني فارتحل هذان الأخوان يومئذ من الجزائر واحتلا بمليانة فحليا بعين منديل الكناني فقربهما واصطفاهما واتخذهما لتعليم ولده محمد‏.‏ثم هلك يوسف بن يعقوب سلطان المغرب بمكانه من حصار تلمسان سنة خمس وسبعمائة على يد خصي من خصانه طعنه فأشواه وهلك‏.‏وقام بالملك بعده حافده أبو ثابت بعد خطوب ذكرناها في أخبارهم ووقع بينه وبين صاحب تلمسان يومئذ أبي زيان محمد بن عثمان بن يغمراسن وأخيه أبي حمو العهد المتأكد على الإفراج عن تلمسان ورد أعمالها عليهم فوفى لهم بذلك وعاد إلى المغرب‏.‏وارتحل ابن أبي الطلاق والخيري والكناني من مليانة راجعين إلى المغرب‏.‏ومروا بتلمسان ومع الكناني هذان الأخوان فأوصلهما إلى أبي حمو وأثنى عليهما‏.‏وعزفه بمقامهما في العلم فاغتبط بهما أبو حمو واختط لهما المدرسة المعروفة بهما بتلمسان‏.‏وأقاما عنده على هدي أهل العلم وسننهم‏.‏وهلك أبو حمو فكانا كذلك مع ابنه أبي تاشفين إلى أن زحف السلطان أبو الحسن المريني إلى تلمسان وملكها عنوة سنة سبع وثلاثين‏.‏وكانت لهما شهرة في أقطار المغرب أثبتت لهما في نفس السلطان عقيدة صالحة فاستدعاهما لحين دخوله وأدنى مجلسهما وأشاد بتكرمتهما ورفع محلهما على أهل طبقتهما‏.‏وصار يجمل بهما متى مر بلمسان أو وفداً عليه في الأوقات التي يفد فيها أعيان بلدهما‏.‏ثم استنفرهما للغزو وحصرا معه واقعة طريف وعادا إلى بلدهما‏.‏وتوفي أبو زيد منهما إثر ذلك وبقي أخوه أبو موسى متبوئاً ما شاء من ظلال تلك الكرامة‏.‏ولما سار السلطان أبو الحسن إلى إفريقية سنة ثمان وأربعين كما مر في أخباره استصحب أبا موسى ابن الإمام معه مكرماً فوقراً عالي المحل قريب المجلس منه‏.‏فلما استولى على إفريقية سرحه إلى بلده فأقام بها يسيراً وهلك في الطاعون الجارف سنة سبع وأربعين‏.‏وبقي أعقابهما بتلمسان دارجين في مسالك تلك الكرامة ومتوقلين قللها طبقاً عن طبق إلى هذا العهد‏.‏وأما السطي واسمه محمد بن علي بن سليمان من قبيلة سطة من بطون أوربة بنواحي فاس‏.‏نزل أبوه سليمان مدينة فاس ونشأ محمد بها وأخذ العلم عن الشيخ أبي الحسن الصغير إمام المالكية بالمغرب والطائر الذكر وقاضي الجماعة بفاس وتفقه عليه‏.‏وكان أحفظ الناس لمذهب مالك وأفقههم فيه‏.‏وكان السلطان أبو الحسن للينه وسراوته وبعد شأوه في الفضل يتشوف إلى تنويه مجلسه بالعلماء واختار منهم جماعة لصحابته ومجالسته‏.‏كان منهم هذا الإمام محمد بن سليمان‏.‏وقدم علينا بتونس في جملته وشهدنا وفور فضائله‏.‏وكان في الفقه من بينها لا يجارى حفظاً وفهماً عهدي به وأخي محمد رحمه الله يقرأ عليه من كتاب التبصرة لأبي الحسن اللخمي وهو يصححه عليه من إملائه وحفظه في مجالس عديدة‏.‏وكذا كان حاله في أكثر ما يعاني حمله من الكتب‏.‏وحضر مع السلطان أبي الحسن واقعة القيروان وخلص معه إلى تونس وأقام بها نحواً من سنتين‏.‏وانتقض المغرب على السلطان واستقل به ابنه أبو عنان‏.‏ثم ركب السلطان أبو الحسن في أساطيله من تونس آخر سنة خمسين ومر ببجاية فأدركه الغرق في سواحلها فغرقت أساطيله وغرق أهله وأكثر من كان معه من هؤلاء الفضلاء وغيرهم‏.‏وألقاه البحر ببعض الجزرهناك حتى استنفذه منه بعض أساطيله ونجا إلى الجزائر بعد أن تلف موجوده وهلك الكثير من عياله وأصحابه وكان من أمره ما مر في أخباره‏.‏وإما الآبلي واسمه محمد بن إبراهيم فمنشؤه بتلمسان وأصله من جالية الأندلس من أهل آبلة من بلاد الجوف منها أجاز أبوه وعمه أحمد فاستخدمهم بغمراسن بن زيان وولده في جندهم وأصهر إبراهيم منهما إلى القاضي بتلمسان محمد بن غلبون في ابنته فولدت له محمداً هذا‏.‏ونشأ بتلمسان في كفالة جده القاضي فنشأ له بذلك ميل إلى انتحال العلم عن الجندية التي كانت منتحل أبيه وعمه‏.‏فلما يفع وأدرك سبق إلى ذهنه محبة التعاليم فبرع فيها واشتهر‏.‏وعكف الناس عليه في تعلمها وهو في سن البلوغ‏.‏ثم أطل السلطان يوسف بن يعقوب على تلمسان وجثم عليها يحاصرها‏.‏وسير بعوثه إلى الأعمال فافتتح أكثرها‏.‏وكان إبراهيم الآبلي قائداً بهنين‏.‏مرسى تلمسان في لمة من الجند‏.‏فلما ملكها يوسف بن يعقوب اعتقل من وجد بها من شيع ابن زيان واعتقل إبراهيم الآبلي فيهم‏.‏وشاع الخبر في تلمسان بأن يوسف بن يعقوب يسترهن أبناءهم ويطلقهم فتشوف ابنه محمد إلى اللحاق به من أجل ذلك‏.‏وأغراه أهله بالعزم عليه فتسور الأسوار وخرج إلى أبيه فلم يجد خبر للاسترهان صحيحاً‏.‏واستخدمه يوسف بن يعقوب قائداً على الجند الأندلسيين بتاوريرت فكره المقام على ذلك ونزع عن طوره ولبس المسوح وسار قاصداً الحج‏.‏وانتهى إلى رباط العباد مختفياً في صحبة الفقراء فوجد هنالك رئيساً من كربلاء ثم من بني الحسين جاء إلى المغرب يروم إقامة دعوتهم فيه وكان معقلاً فلما رأى عساكر يوسف بن يعقوب وشدة هيبته غلب عليه اليأس من مرامه ونزع عن ذلك واعتزم الرجوع إلى بلده فسار شيخنا محمد بن إبراهيم في جملته‏.‏قال لي رحمه الله‏:‏ وبعد حين انكشف لي حاله وما جاء له واندرجت في جملة أصحابه وتابعه‏.‏قال‏:‏ وكان يتلقاه في كل بلد من أصحابه وأشياعه وخدمه من يأتيه بالأزواد والنفقات من بلده إلى أن ركبنا البحر من تونس إلى الإسكندرية‏.‏قال‏:‏ واشتدت علي الغلمة في البحر واستحييت من كثرة الاغتسال لكان هذا الرئيس فأشار علي بعض بطنته بشرب الكافور فاغترفت منه غرفة فشربتها فاختلطت‏.‏وقدم الديار المصرية على تلك الحال وبها يومئذ تقي الدين بن دقيق العيد وابن الرفعة وصفي الدين الهندي والتبريزي وابن البديع وغيرهم من فرسان المعقول والمنقول فلم يكن قصاراه إلا تمييز أشخاصهم إذا ذكرهم لنا لما كان به من الاختلاط‏.‏ثم في مع ذلك الرئيس وسار في جملته إلى كربلاء فبعث معه من أصحابه من أوصله إلى مأمنه من بلاد زواوة من أطراف المغرب‏.‏وقال لي شيخنا رحمه الله‏:‏ كان معي دنانير كثيرة تزودتها من المغرب واستبطنتها في جبة كنت ألبسها فلما نزل بي ما نزل انتزعها مني حتى إذا بعث أصحابه يشيعونني إلى المغرب دفعها إليهم حتى إذا أوصلوني إلى المأمن أعطوني إياها وأشهدوا علي بها في كتاب حملوه معهم إليه كما أمرهم‏.‏ثم قارن وصول شيخنا إلى المغرب مهلك يوسف بن يعقوب وخلاص أهل تلمسان من الحصار فعاد إلى تلمسان وقد أفاق من اختلاطه وانبعثت همته إلى تعلم العلم‏.‏وكان مائلاً إلى العقليات فقرأ المنطق على أبي موسى ابن الإمام وجملة من الأصلين وكان أبو حمو صاحب تلمسان يومئذ قد استفحل ملكه وكان ضابطاً لأموره وبلغه عن شيخنا تقدمه في علم الحساب فدفعه إلى ضبط أمواله ومشارفة عماله‏.‏وتفادى شيخنا من ذلك فأكرهه عليه فأعمل الحيلة في الفرار منه ولحق بفاس أيام السلطان أبي الربيع‏.‏وبعث فيه أبو حمو فاختفى بفاس عند شيخ التعاليم من اليهود خلوف المغيلي فاستوفى عليه فنونها وحذق‏.‏وخرج متوارياً من فاس فلحق بمراكش أعوام العشر والسبع مائة‏.‏ونزل على الإمام أبي العباس بن البناء شيخ المعقول والمنقول والمبرز في التصوف علماً وحالاً فلزمه وأخذ عنه‏.‏وتضلع من علم المعقول والتعاليم والحكمة‏.‏ثم استدعاه شيخ الهساكرة علي بن محمد بن تروميت ليقرأ عليه وكان ممرضاً في طاعته للسلطان فصعد إليه شيخنا وأقام عنده مدة قرأ عليه فيها وحصل‏.‏واجتمع طلبة العلم هنالك على الشيخ فكثرت إفادته واستفادته وعلي بن محمد في ذلك على تعظيمه ومحبته وامتثال إشارته فغلب على هواه وعظمت رياسته بين تلك القبائل‏.‏ولما استنزل السلطان أبو سعيد علي بن تروميت من جبله نزل الشيخ معه وسكن بفاس‏.‏وانثال عليه طلبة العلم من كل ناحية فانتشر علمه واشتهر ذكره فلما فتح السلطان أبو الحسن تلمسان ولقي أبا موسى ابن الإمام ذكره له بأطيب الذكر ووصفه بالتقدم في العلوم‏.‏وكان السلطان معنياً بجمع العلماء لمجلسه كما ذكرنا‏.‏فاستدعاه من مكانه بفاس ونظمه في طبقة العلماء بمجلسه وعكف على التدريس والتعليم ولازم صحابة السلطان وحضر معه واقعة طريف وواقعة القيروان بإفريقية‏.‏وكانت قد حصلت بينه وبين والدي رحمه الله صحابة كنت وسيلتي إليه في القراءة عليه فلزمت مجلسه وأخذت عنه‏.‏وافتتحت العلوم العقلية بالتعاليم‏.‏ثم قرأت المنطق وما بعده من الأصلين وعلوم الحكمة‏.‏وعرض أثناء ذلك ركوب السلطان أساطيله من تونس إلى المغرب وكان الشيخ في نزلنا وكفالتنا فأشرنا عليه بالمقام وثبطناه عن السفر فقبل وأقام‏.‏طالبنا به السلطان أبو الحسن فأحسنا له العذر‏.‏وتجافى عنه وكان من حديث غرقه في البحر ما قدمناه‏.‏وأقام الشيخ بتونس ونحن وأهل بلدنا جميعاً نتساجل هنتاتة وفرغ ابنه أبو عنان من شواغله وملك تلمسان من بني عبد الواد كتب فيه يطلبه من صاحب تونس وسلطانها يومئذ أبو إسحق إبراهيم ابن السلطان أبي يحيى في كفالة شيخ الموحدين أبي محمد بن تافراكين فأسلمه إلى سفيره وركب معه البحر في أسطول السلطان الذي جاء فيه السفير‏.‏ومر ببجاية ودخلها وأقام بها شهراً حتى قرأ عليه طلبة العلم بها مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه برغبتهم في ذلك منه ومن صاحب الأسطول‏.‏ثم ارتحل ونزل بمرسى هنين وقدم على السلطان بتلمسان وأحله محل التكرمة ونظمه في طبقة أشياخه من العلماء‏.‏وكان يقرأ عليه ويأخذ عنه إلى أن هلك بفاس سنة سبع وخمسين وسبعمائة‏.‏وأخبرني رحمه الله أن مولده بتلمسان سنة إحدى وثمانين وستمائة‏.‏وأما عبد المهيمن كاتب السلطان أبي الحسن فأصله من سبتة وبيتهم بها قديم ويعرفون ببني عبد المهيمن وكان أبوه محمد قاضيها أيام بني العزفي‏.‏ونشأ ابنه عبد المهيمن في كفالته وأخذ عن مشيختها‏.‏واختص بالأستاذ أبي إسحق الغافقي‏.‏ولما ملك عليهم الرئيس أبو سعيد صاحب الأندلس سبتة ونقل بني العزفي مع جملة أعيانها إلى غرناطة ونقل معهم القاضي محمد بن عبد المهيمن وابنه عبد المهيمن فأستكمل قراءة العلم هنالك وأخذ عن أبي جعفر بن الزبير ونظرائه وتقدم في معرفة كتاب سيبويه وبرز في علو الإسناد وكثرة المشيخة‏.‏وكتب له أهل المغرب والأندلس والمشرق فاستكتبه رئيس الأندلس يومئذ الوزير أبو عبد الله بن الحكيم الرندي المستبد على السلطان المخلوع من بني الأحمر فكتب عنه ونظمه في طبقة الفضلاء الذين كانوا بمجلسه مثل المحدث الرحالة أبي عبد الله بن رشيد الفهري وأبي العباس أحمد بن العزفي والعالم الصوفي المتجرد أبي عبد الله محمد بن خميس التلمساني وكانا لا يجاريان في البلاغة والشعر إلى غير هؤلاء ممن كان مختصاً به وقد ذكرهم ابن الخطيب في تاريخ غرناطة‏.‏فلما نكب الوزير ابن الحكيم وعادت سبتة إلى طاعة بني مرين عاد عبد المهيمن إليها واستقر بها ثم ولى السلطان أبو سعيد وغلب عليه ابنه أبو علي واستبد بحمل الدولة‏.‏تشوف إلى استدعاء الفضلاء وتجمل الدولة بمكانه فاستقدم عبد المهيمن من سبتة واستكتبه سنة اثنتي عشرة‏.‏ثم خالف على أبيه سنة أربع عشرة وامتنع بالبلد الجديد وخرج منها إلى سجلماسة بصلح عقده مع أبيه فتمسك السلطان أبو سعيد بعبد المهيمن واتخذه كاتباً إلى أن دفعه لرياسة الكتاب ورسم علامته في الرسائل والأوامر فتقدم لذلك سنة ثمان عشرة ولم يزل عليها سائر أيام السلطان أبي سعيد وابنه أبي الحسن‏.‏وسار مع أبي الحسن إلى إفريقية وتخلف عن واقعة القيروان بتونس لما كان به علة النقرس‏.‏فلما كانت الهيعة بتونس ووصل خبر الواقعة وتحيز أشياع السلطان إلى القصبة مع حرمه تسرب عبد المهيمن في المدينة منتبذاً عنهم وتوارى في بيتنا خشية أن يصاب معهم بمكروه‏.‏فلما انجلت تلك الغيابة‏.‏وخرج السلطان من القيراوان إلى سوسة وركب منها البحر إلى تونس أعرض عن عبد المهيمن لما سخط غيبته عن قومه بالقصبة وجعل العلامة لأبي الفضل ابن الرئيس عبد الله بن أبي مدين وقد كانت مقصورة من قبل على هذا البيت وأقام عبد المهيمن عطلاً من العمل مدة أشهر‏.‏ثم اعتبه السلطان ورضي عنه وأعاد إليه العلامة كما كان وهلك لأيام قلائل بتونس في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين‏.‏ومولده سنة خمس وسبعين من المائة قبلها وقد استوعب ابن الخطيب التعريف به في تاريخ غرناطة فليطالعه هناك من أحب الوقوف عليه‏.‏وإما ابن رضوان الذي ذكره الرحوي في قصيدته فهو أبو القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان النجاري أصله من الأندلس نشأ بمالقة وأخذ عن مشيختها وحنق في العربية والأدب وتفنن في العلوم ونظم ونثر وكان مجيداً في الترسيل وحسناً في كتابة الوثائق‏.‏وارتحل بعد واقعة طريف ونزل بسبتة ولقي بها السلطان أبا الحسن ومدحه وأجازه واختص بالقاضي إبراهيم بن أبي يحيى وهو يومئذ قاضي العساكر وخطيب السلطان وكان يستنيبه في القضاء والخطابة ثم نظمه في حلبة الكتاب بباب السلطان‏.‏واختص بخدمة عبد المهيمن رئيس الكتاب والأخذ عنه إلى أن رحل السلطان إلى إفريقية وكانت واقعة القيروان وانحصر بقصبة تونس من انحصر بها من أشياعه مع أهله وحرمه‏.‏وكان السلطان قد تخلف ابن رضوان هذا بتونس في بعض خدمه فجلى عند الحصار فيما عرض لهم من المكاتبات وتولى كبر ذلك فقام فيه أحسن قيام إلى أن وصل السلطان من القيروان فرعى له حق خدمته تأنيساً وقرباً وكثرة استعمال إلى أن ارتحل من تونس في الأسطول إلى المغرب سنة خمسين كما مر‏.‏واستخلف بتونس ابنه أبا الفضل وخلف أبا القاسم بن رضوان كاتباً له فأقام كذلك أياماً‏.‏ثم غلبهم على تونس سلطان الموحدين الفضل ابن السلطان أبي يحيى‏.‏ونجا أبو الفضل إلى أبيه ولم يطق ابن رضوان الرحلة معه فأقام بتونس حولاً ثم ركب البحر إلى الأندلس وأقام بالمرية مع جملة من هنالك من أشياع السلطان أبي الحسن كان فيهم عامر بن محمد بن علي شيخ هنتاتة كافلاً لحرم السلطان أبي الحسن وابنه‏.‏أركبهم السفين معه من تونس عندما ارتحل فخلصوا إلى الأندلس ونزلوا بالمرية وأقاموا بها تحت جراية سلطان الأندلس فلحق بهم ابن رضوان وأقام معهم‏.‏ودعاه أبو الحجاج سلطان الأندلس إلى أن يستكتبه فامتنع ثم هلك السلطان أبو الحسن وارتحل مخلفه الذين كانوا بالمرية‏.‏ووفدوا على السلطان أبي عنان‏.‏ووفد معهم ابن رضوان فرعى له وسائله في خدمة أبيه واستكتبه واختصه بشهود مجلسه مع طلبة العلم بحضرته‏.‏وكان محمد بن أبي عمرو يومئذ رئيس الدولة ونجي الخلوة وصاحب العلامة وحسبان الجباية والعساكر قد غلب على هوى السلطان واختص به فاستخدم له ابن رضوان حتى غلق منه بدمه‏.‏ولاية وصحبه وانتظاماً في السمر وغشيان المجالس الخاصة وهو من ذلك يدنيه من السلطان‏.‏وينفق سوقه عنده ويستكفي به في مواقف خدمته إذا غاب عنها لما هو أهم فحلي بعين السلطان ونفقت عنده فضائله‏.‏فلما سار ابن أبي عمرو في العساكر إلى بجاية سنة أربع وخمسين انفرد ابن رضوان بقلم الكتاب عن السلطان‏.‏ثم رجع ابن أبي عمرو وقد سخطه السلطان فأقصاه إلى بجاية وولاه عليها وعلى سائر أعمالها وعلى حرب الموحدين بقسنطيط‏.‏وأفرد ابن رضوان بالكتابة وجعل إليه العلامة كما كانت لابن أبي عمرو فاستقل بها موفر الاقطاع والإسهام والجاه‏.‏ثم سخطه آخر سبع وخمسين وجعل العلامة لمحمد بن أبي القاسم بن أبي مدين والإنشاء والتوقيع لأبي إسحق إبراهيم بن الحاج الغرناطي‏.‏فلما كانت دولة السلطان أبي لسالم جعل العلامة لعلي بن محمد بن سعود صاحب ديوان العساكر والإنشاء والتوقيع والسر لمؤلف الكتاب عبد الرحمن بن خلدون‏.‏ثم هلك أبو سالم سنة اثنتين وستين واستبد الوزير عمر بن عبد الله على من كفله من أبنائهم فجعل العلامة لابن رضوان سائر أيامه وقتله عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن واستبد بملكه فلم يزل ابن رضوان على العلامة وهلك عبد العزيز وولى ابنه السعيد في كفالة الوزير أبي بكر بن غازي بن الكاس وابن رضوان على حاله ثم غلب السلطان أحمد على الملك وانتزعه من السعيد وأبي بكر بن غازي وقام بتدبير دولته محمد بن عثمان بن الكاس مستبداً عليه والعلامة لابن رضوان كما كانت إلى أن هلك بأزمور في بعض حركات السلطان أحمد إلى مراكش لحصار عبد الرحمن بن بويفلوسن ابن السلطان أبي علي سنة‏.‏وكان في جملة السلطان أبي الحسن جماعة كبيرة من فضلاء المغرب وأعيانه هلك كثيرون منهم في الطاعون الجارف بتونس وغرق جماعة منهم في أسطوله لما غرق وتخطت النكبة منهم آخرين إلى أن استوفوا ما قدر من آجالهم‏.‏فممن حضر معه بإفريقية من العلماء شيخنا أبو العباس أحمد بن محمد الزواوي شيخ القراءات بالمغرب‏:‏ أخذ العلم والعربية عن مشيخة فاس وروى عن الرحالة أبي عبد الله محمد بن رشيد وكان إماماً في فن القراءات وصاحب ملكة فيها لا تجارى‏.‏وله مع ذلك صوت من مزامير آل داود وكان يصلي بالسلطان التراويح ويقرأ عليه بعض الأحيان حزبه‏.‏وممن حضر معه بإفريقية الفقيه أبو عبد الله محمد بن محمد بن الصباغ من أهل مكناسة‏.‏كان مبرزاً في المنقول والمعقول وعارفاً بالحديث وبرجاله وإماماً في معرفة كتاب الموطأ وإقرائه أخذ العلوم عن مشيخة فاس ولقي شيخنا أبا عبد الله الآبلي ولازمه وأخذ عنه العلوم العقلية فاستنفد بقية طلبه عليه فبرز آخراً واختاره السلطان لمجلسه فاستدعاه ولم يزل معه إلى أن هلك غريقاً في ذلك الأسطول‏.‏ومنهم القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد النور من أعمال ندرومة ونسبه في صنهاجة كان مبرزاً في الفقه على مذهب الإمام مالك بن أنس تفقه فيه على الأخوين أبي زيد وأبي موسى ابني الإمام وكان من جلة أصحابهما‏.‏ولما استولى السلطان أبو الحسن على تلمسان رفع من منزلة ابني الإمام واختصهما بالشورى في بلدهما‏.‏وكان يستكثر من أهل العلم في دولته ويجري لهم الأرزاق ويعمر بهم مجلسه فطلب يومئذ من ابن الإمام أن يختار له من أصحابه من ينظمه في فقهاء المجلس فأشاروا عليه بابن عبد النور هذا فأدناه وقرب مجلسه وولاه قضاء عسكره ولم يزل في جملته إلى أن هلك في الطاعون بتونس سنة تسع وأربعين‏.‏وكان قد خلف بتلمسان أخاه علياً رفيقه في دروس ابن الإمام إلا أنه أقصر باعاً منه في الفقه‏.‏فلما خلع السلطان أبو عنان طاعة أبيه السلطان أبي الحسن ونهض إلى فاس استنفره في جملته‏.‏وولاه قضاء مكناسة فلم يزل بها حتى إذا تغلب عمر بن عبد الله على الدولة كما مر نزع إلى قضاء فرضه فسرحه‏.‏وخرج حاجاً سنة أربع وستين فلما قدم على مكة وكان به بقية مرض هلك في طواف القدوم‏.‏وأوصى أمير الحاج على ابنه محمد وأن يبلغ وصيته به للأمير المتغلب على الديار المصرية يومئذ يلبغا الخاصكي فأحسن خلافته فيه وولاه من وظائف الفقهاء ما سد به خلته وصان عن سؤال الناس وجهه وكان له - عفا الله عنه - كلف بعمل الكيمياء تابعاً لمن غلظ في ذلك من أمثاله‏.‏فلم يزل يعاني من ذلك ما يورطه مع الناس في دينه وعرضه إلى أن دعته الضرورة للترحل عن مصر ولحق ببغداد‏.‏وناله مثل ذلك فلحق بماردين واستقر عند صاحبها وأحسن جواره إلى أن بلغنا بعد التسعين أنه هلك هنالك حتف أنفه والبقاء لله وحده‏.‏ومنهم شيخ التعاليم أبو عبد الله محمد بن النجار من أهل تلمسان أخذ العلم ببلده عن مشيختها وعن شيخنا الآيلي وبرز عليه‏.‏ثم ارتحل إلى المغرب فلقي بسبتة إمام التعاليم أبا عبد الله محمد بن هلال شارح المجصطي في الهيئة وأخذ بمراكش عن الإمام أبي العباس بن البناء وكان إماماً في علوم النجامة وأحكامها وما يتعلق بها ورجع إلى تلمسان بعلم كثير واستخلصته الدولة‏.‏فلما هلك أبو تاشفين وملك السلطان أبو الحسن نظمه في جملته وأجرى له رزقه فحضر معه بإفريقية وهلك في الطاعون‏.‏ومنهم أبو العباس أحمد بن شعيب من أهل فاس برع في اللسان والأدب والعلوم العقلية من الفلسفة والتعاليم والطب وغيرها ونظمه السلطان أبو سعيد في حلبة الكتاب وأجرى عليه الرزق مع الأطباء لتقدمه فيهم فكان كاتبه وطبيبه وكذا مع السلطان أبي الحسن بعده فحضر بإفريقية وهلك بها في ذلك الطاعون‏.‏وكان له شعر سابق به الفحول من المتقدمين والمتأخرين وكانت له إمامة في نقد الشعر وبصر به ومما حضرني الآن من شعره‏:‏ دار الهوى نجد وساكنها أقصى أماني النفس من نجد هل باكر الوسمي ساحتها واستن في قيعانها الجرد أو بات معتل النسيم بها مستشفياً بالبان الرند يتلو أحاديث الذين هم قصدي وإن جاروا عن القصد أيام سمر ظلالها وطني منها وزرق مياهها وردي ومطارح النظرات في رشإ أحوى المدامع أهيف القد حتى أجد على عجل ريث الخطوب وعاثر الجد فقدوا فلا وأبيك بعدهم ما عشت لا آسى على الفقد وغدوا‏:‏ دفينا قد تضمنه بطن الثرى وقرارة اللحد ومشرداً من دون رؤيته قذف النوى وتنوفة البعد أجرى علي العيش بعدهم أني فقدت جميعهم وحدي لا تلحني يا صاح في شجن أخفيت منه فوق ما أبدي بالغرب لي سكن تأوبني من ذكره سهد على سهد فرخان قد تركا بمضيعة زويت عن الرفداء والرفد ومنهم صاحبنا الخطيب أبو عبد الله بن أحمد بن مرزوق من أهل تلمسان كان سلفه نزلاء الشيخ أبي مدين بالعباد ومتوارثين خدمة تربته من لدن جدهم خادمه في حياته‏.‏وكان جده الخامس أو السادس واسمه أبو بكر بن مرزوق معروفاً بالولاية فيهم‏.‏ولما هلك دفنه يغواسن بن زيان سلطان تلمسان من بني عبد الواد ففي التربة بقصره ليدفن بإزائه متى قدر بوفاته‏.‏ ونشأ محمد هذا بتلمسان‏.‏ومولده - فيما أخبرني - سنة عشر وسبعمائة وارتحل مع أبيه إلى المشرق‏.‏وجاور أبوه بالحرمين الشريفين ورجع هو إلى القاهرة فأقام بها‏.‏وقرأ على برهان الدين الصفاقسي المالكي وأخيه‏.‏وبرع في الطب والرواية وكان يجيد الخطين ثم رجع سنة خمس وثلاثين إلى المغرب ولقي السلطان أبا الحسن بمكانه في تلمسان وقد شيد بالعباد مسجداً عظيماً وكان عمه محمد بن مرزوق خطيباً به على عادتهم بالعباد‏.‏وتوفي فولاه السلطان خطابة ذلك المسجد مكان عمه‏.‏وسمعه يخطب على المنبر ويشيد بذكره والثناء عليه فحلي بعينه واختصه وقربه وهو مع ذلك يلازم مجلس الشيخين ابني الإمام ويأخذ نفسه بلقاء الفضلاء والأكابر والأخذ عنهم والسلطان في كل يوم يزيده رتبة وحضر معه واقعة طريف التي كان فيها تمحيص المسلمين فكان يستعمله في السفارة عنه إلى صاحب الأندلس‏.‏ثم سفر عنه بعد أن ملك إفريقية إلى ابن أدفونش ملك قشتاله في تقرير الصلح واستنقاذ أبي عمر تاشفين‏.‏كان أسر يوم طريف فغاب في تلك السفارة عن واقعة القيروان‏.‏ورجع بأبي تاشفين مع طائفة من زعماء النصرانية جاءوا في السفارة عن ملكهم ولقيهم خبر واقعة القيروان بقسنطينة من بلاد إفريقية وبها عامل السلطان وحاميته فثار أهل قسنطينة بهم جميعاً ونهبوهم وخطبوا للفضل ابن السلطان أبي يحيى وراجعوا دعوة الموحدين واستدعوه فجاء إليهم وملك البلد‏.‏وانطلق ابن مرزوق عائداً إلى المغرب مع جماعة من الأعيان والعمال والسفراء عن الملوك‏.‏ووفد على السلطان أبي عنان بفاس مع أمه حظية أبي الحسن وأثيرته‏.‏كانت راحلة إليه فأدركها الخبر بقسنطينة‏.‏وحضرت الهيعة‏.‏واتصل بها الخبر بتوثب ابنها أبي عنان على ملك أبيه واستيلائه على فاس فرجعت إليه وابن مرزوق في خدمتها ثم طلب اللحاق بتلمسان فسرحوه إليها وأقام بالعباد مكان سلفه‏.‏وعلى تلمسان يومئذ أبو سعيد عثمان بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن بن زيان قد بايع له قبيله بنو عبد الواد بعد واقعة القيروان بتونس وابن تافراكين يومئذ محاصر للقصبة كما مر في أخبارهم‏.‏وانصرفوا إلى تلمسان فوجدوا بها أبا سعيد عثمان بن جرار من بيت ملوكهم قد استعمله عليها السلطان أبو عنان عند انتقاضه على أبيه ومسيره إلى فاس فانتقض ابن جرار من بعده ودعا لنفسه وصمد إليه عثمان بن عبد الرحمن ومعه أخوه أبو ثابت وقومهما فملكوا تلمسان من يد ابن جرار وحبسوه ثم قتلوه واستبد أبو سعيد بملك تلمسان وأخوه أبو ثابت يرادفه‏.‏وركب السلطان أبو الحسن البحر من تونس وغرق أسطوله ونجا هو إلى الجزائر فاحتل بها وأخذ في الحشد إلى تلمسان فرأى أبو سعيد أن يكف كربه عنهم بمواصلة تقع بينهما واختار لذلك الخطيب بن مرزوى فاستدعاه وأسر إليه بما يلقيه عنه للسلطان أبي الحسن وذهب لذلك على طريق الصحراء‏.‏واطلع أبو ثابت وقومهم على الخبر فنكروه على أبي سعيد وعاتبوه فبعثوا ضفير ابن عامر في اعتراض ابن مرزوق فجاء به وحبسوه أياماً‏.‏ثم أجازوه البحر إلى الأندلس فنزل على السلطان أبي الحجاج بغرناطة وله إليه وسيلة منذ اجتماعه به بمجلس السلطان أبي الحسن بسبتة إثر واقعة طريف فرعى له أبو الحجاج ذمة تلك المعرفة وأدناه واستعمله في الخطابة بجامعه بالحمراء فلم يزل خطيبه إلى إن استدعاه السلطان أبو عنان سنة أربع وخمسين بعد مهلك أبيه واستيلائه على تلمسان وأعمالها فقدم عليه ورعى له وسائله ونظمه في أكابر أهل مجلسه‏.‏وكان يقرأ الكتاب بين يديه في مجلسه العلمي ويدرس في نوبته مع من يدرس في مجلسه منهم‏.‏ثم بعثه إلى تونس عام ملكها سنة ثمان وخمسين ليخطب له ابنة السلطان أبي يحيى فردت تلك الخطبة واختفت بتونس‏.‏ووشي إلى السلطان أبي عنان أنه كان مطلعاً على مكانها فسخطه لذلك ورجع السلطان من قسنطينة فثار أهل تونس بمن كان بها من عماله وحاميته‏.‏واستقدموا أبا محمد بن تافراكين من المهدية فجاء وملك البلد‏.‏وركب القوم الأسطول ونزلوا بمراسي تلمسان‏.‏وأوعز السلطان أبو عنان باعتقال ابن مرزوق وخرج لذلك يحيى بن شعيب من مقدمي الجنادرة ببابه فلقيه بتاسالة فقيده هنالك‏.‏وجاء به فأحضره السلطان وقرعه ثم حبسه مدة وأطلقه بين يدي مهلكه واضطربت الدولة بعد موت السلطان أبي عنان وبايع بنو مرين لبعض الأعياص من بني يعقوب بن عبد الحق‏.‏وحاصروا البلد الجديد وبها ابنه السعيد ووزيره المستبد عليه الحسن بن عمر وكان السلطان أبو سالم بالأندلس غربه إليها أخوه السلطان أبو عنان مع بني عمهم ولد السلطان أبي علي بعد وفاة السلطان أبي الحسن وحصولهم جميعاً في قبضته‏.‏فلما توفى أراد أبو سالم النهوض لملكه بالمغرب فمنعه رضوان القائم يومئذ بملك الأندلس مستبداً على ابن السلطان أبي الحجاج فلحق هو بإشبيلية من دار الحرب ونزل على بطره ملكهم يومئذ فهيأ له السفين وأجازه إلى العدوة فنزل بجبل الصفيحة من بلاد غمارة وقام بدعوته بنو مثنى وبنو منير أهل ذلك الجبل منهم حتى تم أمره واستولى على ملكه في خبر طويل ذكرناه في أخبار دولتهم‏.‏وكان ابن مرزوق يداخله وهو بالأندلس ويستخدم له ويفاوضه في أموره وربما كان يكاتبه وهو بجبل الصفيحة ويداخل زعماء قومه في الأخذ بدعوته‏.‏فلما ملك السلطان أبو سالم رعى له تلك الوسائل أجمع ورفعه على الناس وألقى عليه محبته وجعل زمام الأمور بيده فوطئ الناس عقبه وغشي أشراف الدولة بابه وصرفوا الوجوه إليه فمرضت لذلك قلوب أهل الدولة ونقموه على السلطان وتربصوا به حتى توثب عمر ابن عبد الله بالبلد الجديد وافترق الناس عن السلطان‏.‏وقتله عمر بن عبد الله آخر اثنتين وستين وحبس ابن مرزوق وأغرى به سلطانه الني نصبه محمد بن عبد الرحمن بن أبي الحسن فامتحنه واستصفاه ثم أطلقه بعد أن رام كثير من أهل الدولة قتله فمنعه منهم‏.‏ولحق بتونس سنة أربع وستين ونزل‏.‏على السلطان أبي إسحق وصاحب دولته المستبد عليه أبي محمد بن تافراكين فأكرموا نزله وولوه الخطابة بجامع الموحدين بتونس‏.‏وأقام بها إلى أن هلك السلطان أبو إسحق سنة سبعين وولي ابنه خالد‏.‏وزحف السلطان أبو العباس حافد السلطان أبي يحيى مقره بقسنطينة إلى تونس فملكها وقتل خالداً سنة اثنتين وسبعين‏.‏وكان ابن مرزوق يستريب منه لما كان يميل وهو بفاس مع ابن عمه أبي عبد الله محمد صاحب بجاية ويؤثره عند السلطان أبي سالم عليه فعزله السلطان أبو العباس عن الخطبة بتونس فوجم لها وأجمع الرحلة إلى المشرق‏.‏وسرحه السلطان فركب السفين ونزل بالإسكندرية ثم ارتحل إلى القاهرة ولقي أهل العلم وأمراء الدولة ونفقت بضائعه عندهم وأوصلوه إلى السلطان وهو يومئذ الأشرف‏.‏فكان يحضر مجلسه وولوه الوظائف العلمية وكان ينتجع منها معاشه‏.‏وكان الذي وصل حبله بالسلطان إستداره محمد بن أقبغا آص لقيه أول قدومه فحلي بعينه واستظرف جملته فسعى له وأنجحت سعايته ولم يزل مقيماً بالقاهرة موقر الرتبة معروف الفضيلة مرشحاً لقضاء المالكية ملازماً للتدريس في وظائفه إلى إن هلك سنة إحدى وثمانين‏.‏هذا ذكر من حضرنا من جملة السلطان أبي الحسن من أشياخنا وأصحابنا وليس موضوع ولاية العلامة بتونس والرحلة إلى المغرب ولاية العلامة بتونس ثم الرحلة بعدها إلى المغرب والكتابة عن السلطان أبي عنان لم أزل منذ نشأت وناهزت مكباً على تحصيل العلم حريصاً على اقتناء الفضائل متنقلاً بين دروس العلم وحلقاته إلى أن كان الطاعون الجارف وذهب بالأعيان والصدور وجميع المشيخة وهلك أبواي رحمهما الله‏.‏ولزمت مجلس شيخنا أبي عبد الله الآبلي وعكفت على القراءة عليه ثلاث سنين إلى أن شدوت بعض الشيء واستدعاه السلطان أبو عنان فارتحل إليه واستدعاني أبو محمد بن تافراكين المستبد على الدولة يومئذ بتونس إلى كتابة العلامة عن سلطانه أبي إسحق‏.‏وقد نهض إليهم من قسنطينة صاحبها الأمير أبو زيد حافد السلطان أبي يحيى في عساكره ومعه العرب أولاد مهلهل الذين استنجدوه لذلك فأخرج ابن تافراكين سلطانه أبا إسحق مع العرب أولاد أبي الليل وبث العطاء في عسكره وعمر له المراتب والوظائف‏.‏وتعلل عليه صاحب العلامة أبو عبد الله بن عمر بالاستزادة من العطاء فعزله وأدالني منه فكتبت العلامة للسلطان وهي وضع الحمد لله والشكر لله بالقلم الغليظ مما بين البسملة وما بعدها من مخاطبة أو مرسوم وخرجت معهم أول سنة ثلاث وخمسين‏.‏وقد كنت منطوياً على مفارقتهم لما أصابني من الاستيحاش لذهاب أشياخي وعطلتي عن طلب العلم‏.‏فلما رجع بنو مرين إلى مراكزهم بالمغرب وانحسر تيارهم عن إفريقية وأكثر من كان معهم من الفضلاء صحابة وأشياخ فاعتزمت على اللحاق بهم‏.‏وصدني عن ذلك أخي وكبيري محمد رحمه الله فلما دعيت إلى هذه الوظيفة سارعت إلى الإجابة لتحصيل غرضي من اللحاق بالمغرب وكان كذلك فإنا لما خرجنا من تونس نزلنا بلاد هوارة وزحفت العساكر بعضها إلى بعض بفحص مرماجنة وانهزم صفنا ونجوت أنا إلى أبة فأقمت بها عند الشيخ عبد الرحمن الوشتاتي من كبراء المرابطين‏.‏ثم تحولت إلى تبسة ونزلت بها على محمد بن عبدون صاحبها فأقمت عنده ليالي حتى هيأ لي الطريق وبذرق لي مع رفيق من العرب وسافرت إلى قفصة وأقمت بها أياماً أترصد الطريق حتى قدم علينا بها الفقيه محمد بن الرئيس منصور بن مزني وأخوه يوسف يومئذ صاحب الزاب‏.‏وكان هو بتونس فلما حاصرها الأمير أبو زيد خرج إليه فكان معه‏.‏ثم بلغهم الخبر بأن السلطان أبا عنان ملك المغرب نهض إلى تلمسان فملكها وقتل سلطانها عثمان بن عبد الرحمن وأخاه أبا ثابت وأنه انتهى إلى المدية وملك بجاية من يد صاحبها الأمير أبي عبد الله من حفدة السلطان أبي يحيى راسله عندما أطل على بلده فسار إليه ونزل له عنها وصار في جملته وولى أبو عنان على بجاية عمر بن علي شيخ بني وطاس من بني الوزير شيوخهم‏.‏فلما بلغ هذا الخبر أجفل الأمير عبد الرحمن من مكانه على حصار تونس ومر بقفصة فدخل إلينا محمد بن مزني ذاهباً إلى الزاب فرافاقته إلى بسكرة ودخلت إلى أخيه هنالك‏.‏ونزل هو ببعض قرى الزاب تحت جراية أخيه إلى أن انصرم الشتاء‏.‏وكان أبو عنان لما ملك بجاية ولى عليها عمر بن علي بن الوزير من شيوخ بني وطاس وجاء فارح مولى الأمير أبي عبد الله لنقل حرمه وولده فداخل بعض السفهاء من صنهاجة في قتل عمر بن علي فقتله في مجلسه‏.‏ووثب هو على البلد وبعث إلى الأمير أبي زيد يستدعيه من قسنطينة فتمشت رجالات البلد فيما بينهم خشية من سطوة السلطان‏.‏ثم ثاروا بفارح فقتلوه وأعادوا دعوة السلطان كما كانت‏.‏وبعثوا عن عامل السلطان بتدلس يحياتن بن عمر بن عبد المؤمن شيخ بني ونكاسن من بني مرين فملكوه قيادهم‏.‏وبعثوا إلى السلطان بطاعتهم فأخرج لوقته حاجبه محمد بن أبي عمرو وأكثف له الجند وصرف معه وجوه دولته وأعيان بطانته‏.‏وارتحلت أنا من بسكرة وافداً على السلطان أبي عنان بتلمسان فلقيت ابن أبي عمرو بالبطحاء وتلقاني من الكرامة بما لم أحتسبه وردني معه إلى بجاية فشهدت الفتح‏.‏وتسايلت وفود إفريقية إليه فلما رجع السلطان وفدت معهم فنالني من كرامته وإحسانه ما لم أحتسبه إذ كنت شاباً لم يطر شاربي‏.‏ثم انصرفت مع الوفود ورجع ابن أبي عمرو إلى بجاية فأقمت عنده حتى انصرم الشتاء من أواخر أربع وخمسين وعاد السلطان أبو عنان إلى فاس وجمع أهل العلم للتحليق بمجلسه وجرى ذكري عنده وهو ينتقي طلبة العلم للمذاكرة في ذلك المجلس فأخبره الذين لقيتهم بتونس عني ووصفوني له فكتب إلى الحاجب يستقدمني فقدمت عليه سنة خمس وخمسين ونظمني في أهل مجلسه العلمي وألزمني شهود الصلوات معه ثم استعملني في كتابته والتوقيع بين يديه على كره مني إذ كنت لم أعهد مثله لسلفي‏.‏وعكفت على النظر والقراءة ولقاء المشيخة من أهل المغرب ومن أهل الأندلس الوافدين في غرض السفارة وحصلت من الإفادة منهم على البغية‏.‏وكان في جملته يومئذ الأستاذ أبو عبد الله محمد بن الصفار من أهل مراكش إمام القراءات لوقته أخذ عن جماعة من مشيخة المغرب كبيرهم شيخ المحدثين الرحالة أبو عبد الله محمد بن رشيد الفهري سند أهل المغرب وكان يعارض السلطان القرآن برواياته السبع إلى أن تولى‏.‏ومنهم‏:‏ قاضي الجماعة بفاس أبو عبد الله محمد المقري صاحبنا من أهل تلمسان‏.‏أخذ العلم بها عن أبي عبد الله السلاوي ورد عليها من المغرب خلواً من المعارف‏.‏ثم دعته همته إلى التحلي بالعلم فعكف في بيته على مدارسة القرآن فحفظه وقرأه بالسبع‏.‏ثم عكف على كتاب التسهيل في العربية فحفظه ثم على مختصري ابن الحاجب في الفقه والأصول فحفطهما ثم لزم الفقيه عمران المشدالي من تلاميذ أبي علي ناصر الدين وتفقه عليه وبرز في العلوم إلى حيث لم تلحق غايته‏.‏وبنى السلطان أبو تاشفين مدرسته بتلمسان فقدمه للتدريس بها يضاهي به أولاد الإمام‏.‏وتفقه عليه بتلمسان جماعة كان من أوفرهم سهماً في العلوم أبو عبد الله المقري هذا‏.‏ولما جاء شيخنا أبو عبد الله الآبلي إلى تلمسان عند استيلاء السلطان أبي الحسن عليها وكان أبو عبد الله السلاوي قد قتل يوم فتح تلمسان قتله بعض أشياع السلطان لذنب أسلفه في خدمة أخيه أبي علي بسجلماسة قبل انتحاله العلم وكان السلطان يعتده عليه فقتل بباب المدرسة فلزم أبو عبد الله المقري بعده مجلس شيخنا الآبلي ومجالس ابني الإمام واستبحر في العلوم وتفنن‏.‏ولما انتقض السلطان أبو عنان سنة تسع وأربعين وخلع أباه ندبه إلى كتاب البيعة فكتبها وقرأه على الناس في يوم مشهود‏.‏وارتحل مع السلطان إلى فاس فلما ملكها عزل قاضيها الشيخ المعمر أبا عبد الله بن عبد الرزاق وولاه مكانه فلم يزل قاضياً بها إلى أن سخطه لبعض النزعات الملوكية فعزل وأدال منه بالفقيه أبي عبد الله الفشتالي آخر سنة ست وخمسين ثم بعثه في سفارة إلى الأندلس فامتنع من الرجوع‏.‏وقام السلطان لها في ركائبه ونكر على صاحب الأندلس ابن الأحمر تمسكه به وبعث إليه فيه يستقدمه فلاذ منه ابن الأحمر بالشفاعة فيه واقتضى له كتاب أمان بخط السلطان أبي عنان وأوفده مع الجماعة من شيوخ العلم بغرناطة ومنهم‏:‏ القاضيان بغرناطة شيخنا أبو القاسم الشريف السبتي شيخ الدنيا جلالة وعلماً ووقاراً ورياسة وإمام اللسان حوكاً ونقداً في نظمه ونثره‏.‏وشيخنا الآخر أبو البركات محمد بن محمد بن إبراهيم بن الحاج البلفيقي من أهل المرية شيخ المحدثين والفقهاء والأدباء والصوفية والخطباء بالأندلس وسيد أهل العلم بإطلاق والمتفنن في إساليب المعارف وآداب الصحابة للملوك فمن دونهم فوفدا به على السلطان شفيعين على عظيم تشوقه للقائهما فقبلت الشفاعة وأنجحت الوسيلة‏.‏حضرت بمجلس السلطان يوم وفادتهما سنة سبع وخمسين وكان يوماً مشهوداً‏.‏واستقر القاضي المقري في مكانه بباب السلطان عطلاً من الولاية والجراية‏.‏وجرت عليه بعد ذلك محنة من السلطان بسبب خصومة وقدت بينه وبين أقاربه امتنع من الحضور معهم عند القاضي الفشتالي فتقدم السلطان إلى بعض أكابر الوزعة ببابه بأن يسحبه إلى مجلس القاضي حتى انفذ فيه حكمه فكان الناس يعدونها محنة‏.‏ثم ولاه السلطان بعد ذلك قضاء العساكر في دولته عندما ارتحل إلى قسنطينة‏.‏فلما افتتحها وعاد إلى دار ملكه بفاس آخر ثمان وخمسين اعتل ومنهم صاحبنا الإمام العالم الفذ فارس المعقول والمنقول صاحب الفروع والأصول أبو عبد الله محمد بن أحمد الشريف الحسني ويعرف بالعلوي نسبة إلى قرية من أعمال تلمسان تسمى العلوين وكان أهل بيته لا يدافعون في نسبهم وربما يغمز فيه بعض الفجرة ممن يزعه دينه ولا معرفته بالأنساب فيعد من اللغو ولا يلتفت إليه‏.‏نشأ هذا الرجل بتلمسان وأخذ العلم عن مشيختها واختص بأولاد الإمام وتفقه عليهما في الفقه والأصول والكلام ثم لزم شيخنا أبا عبد الله الآبلي‏.‏وتضلع من معارفه فاستبحر وتفجرت ينابيع العلوم من مداركه ثم ارتحل إلى تونس في بعض مذاهبه سنة أربعين ولقي شيخنا القاضي أبا عبد الله بن عبد السلام وحضر مجلسه وأفاد منه واستعظم رتبته في العلم‏.‏وكان ابن عبد السلام يصغي إليه ويؤثر محله ويعرف حقه حتى لزعموا أنه كان يخلو به في بجته فيقرأ عليه فصل التصوف من كتاب الإشارات لابن سينا بما كان هو قد أحكم ذلك الكتاب على شيخنا الآبلي وقرأ عليه كثيراً من كتاب الشفاء لابن سينا ومن تلاخيص كتب أرصطو لابن رشد ومن الحساب والهيئة والفرائض علاوة على ما كان يحمله من الفقه والعربية وسائر علوم الشريعة‏.‏وكانت له في كتب الخلافيات يد طولى وقدم عالية فعرف له ابق عبد السلام ذلك كله وأوجب حقه وانقلب إلى تلمسان وانتصب لتدريس العلم وبثه فملأ المغرب معارف وتلاميذ إلى اضطراب المغرب بعد واقعة القيروان ثم هلك السلطان أبو الحسن وزحف ابنه أبو عنان إلى تلمسان فملكها سنة ثلاث وخمسين فاستخلص الشريف أبا عبد الله واختاره لمجلسه العلمي مع من اختار من المشيخة‏.‏ورحل به إلى فاس فتبرم الشريف من الاغتراب وردد الشكوى فأحفظ السلطان بذلك وارتاب به‏.‏ثم بلغه أثناء ذلك أن عثمان بن عبد الرحمن سلطان تلمسان أوصاه على ولده وأودع له مالاً عند بعض الأعيان من أهل تلمسان وأن الشريف مطلع على ذلك فانتزع الوديعة وسخط الشريف بذلك ونكبه وأقام في اعتقاله أشهراً ثم أطلقه أول ست وخمسين وأقصاه ثم أعتبه بعد فتح قسنطينة وأعاده إلى مجلسه إلى أن هلك السلطان آخر تسع وخمسين‏.‏وملك أبو حمو بن يوسف بن عبد الرحمن تلمسان من يد بني مرين واستدعى الشريف من فاس فسرحه القائم بالأمر يومئذ الوزير عمر بن عبد الله فانطلق إلى تلمسان‏.‏وتلقاه أبو حمو براحتيه وأصهر له في ابنته فزوجها إياه وبنى له مدرسة جعل في بعض جوانبها مدفن أبيه وعمه‏.‏وأقام الشريف يدرس العلم إلى أن هلك سنة إحدى وسبعين‏.‏وأخبرني رحمه الله إن مولده سنة عشر‏.‏ومنهم صاحبنا الكاتب القاضي أبو القاسم محمد بن يحيى البرجي من برجة الأندلس‏.‏كان كاتب السلطان أبي عنان وصاحب الإنشاء والسر في دولته وكان مختصاً به وأثيراً لديه‏.‏وأصله من برجة الأندلس نشأ بها واجتهد في العلم والتحصيل وقرأ وسمع وتفقه على مشيخة الأندلس واستبحر في الأدب وبرز في النظم والنثر‏.‏وكان لا يجارى في كرم الطباع وحسن المعاشرة ولين الجانب وبذل البشر والمعروف وارتحل إلى بجاية في عشر الأربعين والسبعمائة وبها الأمير أبو زكرياء ابن السلطان أبي يحيى منفرداً بملكها على حين أقفرت من رسم الكتابة والبلاغة فبادرت أهل الدولة إلى اصطفائه وإيثاره بخطة الإنشاء والكتابة عن السلطان إلى أن هلك الأمير أبو زكرياء ونصب ابنه محمد مكانه فكتب عنه على رسمه ثم هلك السلطان أبو يحيى وزحف السلطان أبو الحسن إلى إفريقية واستولى على بجاية ونقل الأمير محمداً بأهله وحاشيته إلى تلمسان كما تقدم في أخباره‏.‏فنزل أبو القاسم البرجي تلمسان وأقام بها واتصل خبره بأبي عنان ابن السلطان أبي الحسن وهو يومئذ أميرها‏.‏ولقيه فوقع من قليه بمكان إلى أن كانت واقعة القيروان‏.‏وخلع أبو عنان واستبد بالأمر فاستكتبه وحمله معه إلى المغرب ولم يسم به إلى العلامة لأنه آثر بها محمد بن أبي عمرو بما كان أبوه يعلمه القرآن والعلم‏.‏وربي محمد بداره فولاه العلامة والبرجي مرادف له في رياسته إلى أن انقرضوا جميعاً‏.‏وهلك السلطان أبو عنان واستولى أخوه أبو سالم على ملك المغرب وغلب ابن مرزوق على هواه كما قدمناه فنقل البرجي من الكتابة واستعمله في قضاء العساكر فلم يزل على القضاء إلى أن هلك سنة‏.‏وثمانين‏.‏وأخبرني رحمه الله أن مولده سنة عشر‏.‏ومنهم شيخنا المعمر الرحالة أبو عبد الله محمد بن عبد الرزاق شيخ وقته جلالة وتربية وعلماً وخبرة بأهل بلده وعظمة فيهم‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-08-2011, 01:49 PM
نشأ بفاس وأخذ عن مشيختها

وارتحل إلى تونس فلقي القاضي أبا إسحق بن عبد الرفيع والقاضي أبا عبد الله النفراوي وأهل طبقتهما‏.‏وأخذ عنهم وتفقه عليهم ورجع إلى المغرب‏.‏ولازم سنن الأكابر والمشايخ إلى أن ولاه السلطان أبو الحسن القضاء بمدينة فاس فأقام على ذلك إلى أن جاء السلطان أبو عنان من تلمسان بعد واقعة القيروان وخلعه أباه فعزله بالفقيه أبي عبد الله المقري وأقام عطلاً في بيته‏.‏ولما جمع السلطان مشيخة العلم للتحليق بمجلسه والإفادة منهم استدعى شيخنا أبا عبد الله بن عبد الرزاق فكان يأخذ عنه الحديث ويقرأ عليه القرآن برواياته في مجلس خاص إلى أن هلك رحمه الله بين يدي مهلك السلطان أبي عنان‏.‏إلى آخرين وآخرين من أهل المغرب والأندلس كلهم لقيت وذاكرت وأفدت منه وأجازني بالإجازة العامة‏.‏كان اتصالي بالسلطان أبي عنان آخر سنة ست وخمسين وقربني وأدناني واستعملني في كتابته حتى تكدر جوي عنده بعد أن كان لا يعبر عن صفائه ثم اعتل السلطان آخر سبع وخمسين وكانت قد حصلت بيني وبين الأمير محمد صاحب بجاية من الموحدين مداخلة أحكمها ما كان لسلفي في دولتهم‏.‏وغفلت عن التحفظ في مثل ذلك من غيرة السلطان فما هو إلا أن شغل بوجعه حتى أنمى إليه بعض الغواة إن صاحب بجاية معتمل في الفرار ليسترجع بلده وبها يومئذ وزيره الكبير عبد الله بن علي فانبعث السلطان لذلك وبادر بالقبض عليه‏.‏وكان فيما أنمي إليه أني داخلته في ذلك فقبض علي وامتحنني وحبسني وذلك في ثامن عشر صفر سنة ثمان وخمسين‏.‏ثم أطلق الأمير محمداً وما زلت أنا في اعتقاله إلى أن هلك‏.‏وخاطبته بين يدي مهلكه مستعطفاً بقصيدة أولها‏:‏ على أي حال لليالي أعاتب وأي صروف للزمان أغالب كفى حزنا إني على القرب نازح وإني على دعوى شهودي غائب وأني على حكم الحوادث نازل تسالمني طوراً وطوراً تحارب ومنها في التشوق‏:‏ سلوتهم إلا اد كار معاهد لها في الليالي الغابرات غرائب وهي طويلة نحو مائتي بيتاً ذهبت عن حفظي فكان لها منه موقع وهش لها‏.‏وكان بتلمسان فوعد بالإفراج عني عند حلوله بفاس ولخمس ليال من حلوله طرقه الوجع‏.‏وهلك لخمس عشرة ليلة في رابع وعشرين في الحجة خاتم تسع وخمسين‏.‏وبادر القائم بالدولة الوزير الحسن بن عمر إلى إطلاق جماعة من المعتقلين كنت فيهم فخلع علي وحملني وأعادني إلى ما كنت عليه‏.‏وطلبت منه الانصراف إلى بلدي فأبى علي وعاملني بوجوه كرامته ومذاهب إحسانه إلى أن اضطرب أمره وانتقض عليه بنو مرين وكان ما قدمناه في أخبارهم‏.‏الكتابة عن السلطان أبي سالم في السر والإنشاء ولما أجاز السلطان أبو سالم من الأندلس لطلب مالكه ونزل بجبل الصفيحة من بلاد غماره‏.‏وكان الخطيب ابن مرزوق بفاس فبث دعوته سراً واستعان بي على أمره بما كان بيني وبين أشياخ بني مرين من المحبة والائتلاف فحملت الكثير منهم على ذلك وأجابوني إليه وأنا يومئذ أكتب عن القائم بأمر بني مرين منصور بن سليمان بن منصور بن عبد الواحد بن يعقوب بن عبد الحق وقد نصبوه للملك وحاصروا الوزير الحسن بن عمر وسلطانه السعيد ابن أبي عنان بالبلد الجديد فقصدني ابن مرزوق في ذلك وأوصل إلي كتاب السلطان أبي سالم‏.‏بالحض على ذلك وإجمال الوعد فيه‏.‏وألقى علي حمله فنهضت به وتقدمت إلى شيوخ بني مرين وأمراء الدولة بالتحريض على ذلك حتى أجابوا وبعث ابن مرزوق إلى الحسن بن عمر يدعو إلى طاعة السلطان أبي سالم وقد ضجر من الحصار فبادر إلى الإجابة‏.‏واتفق رأي بني مرين على الانفضاض عن منصور بن سليمان والدخول إلى البلد الجديدة فلما تم عقدهم على ذلك نزعت إلى السلطان أبي سالم في طائفة من وجوه أهل الدولة كان منهم محمد بن عثمان بن الكاس المستبد بعد ذلك بملك المغرب على سلطانه وكان ذلك النزوع مبدأ حظه وفاتحة رياسته بسعايتي له عند السلطان‏.‏فلما قدمت على السلطان بالصفيحة بما عندي من أخبار الدولة وما أجمعوا عليه من خلع منصور بن سليمان وبالموعد الذي ضربوه لذلك واستحثتته‏.‏فارتحل ولقينا البشير بإجفال منصور ابن سليمان وفراره إلى نواح بادس ودخول بني مرين إلى البلد الجديد وإظهار الحسن بن عمر دعوة السلطان أبي سالم‏.‏ثم لقيتنا بالقصر الكبير قبائل السلطان وعساكره على راياتهم ووزير منصور بن سليمان وهو مسعود بن رخو بن ماساي فتلقاه السلطان بالكرامة كما يجب له واستوزره نائباً للحسن بن يوسف بن علي بن محمد الورتاجني السابق إلى وزارته لقيه بسبتة وقد غربه منصور بن سليمان إلى الأندلس ولما اجتمعت العساكر عنده بالقصر صعد إلى فاس‏.‏ولقيه الحسن بن عمر بظاهرها فأعطاه طاعته ودخل إلى دار ملكه وأنا في ركابه لخمس عشرة ليلة من نزوعي إليه منتصف شعبان ستين وسبعمائة فرعى لي السابقة واستعملني في كتابة سره والترسيل عنه والإنشاء لمخاطباته وكان أكثرها يصدر عني بالكلام المرسل أن يشاركني أحد ممن ينتحل الكتابة في الاسجاع لضعف انتحالها وخفاء العالي منها على أكثر الناس بخلاف المرسل فانفردت به يومئذ وكان مستغرباً عندهم بين أهل الصناعة‏.‏ثم أخذت نفسي بالشعر فانثال علي منة بحور توسطت بين الإجاعة والقصور وكان مما أنشدته إياه ليلة المولد النبوي من سنة اثنتين وستين وسبعمائة‏:‏ أسرفن في هجري وفي تعذيبي وأطلن موقف عبرتي ونحيبي وأبين يوم البين وقفة ساعة لوداع مشغوف الفؤاد كئيب لله عهد الظاعنين وغادروا قلبي رهين صبابة ووجيب غربت ركائبهم ودمعي سافح فشرقت بعدهم بماء غروب يا ناقعاً بالعتب غلة شوقهم رحماك في عذلي وفي تأنيبي يستعذب الصب الملام وإنني ماء الملام لدي غير شروب أهفو إلى الأطلال كانت مطلعاً للبدر منهم أو كناس ربيب عبثت بها أيدي البلى وترددت في عطفها للدهر أي خطوب تبلى معاهدها وإن عهودها ليجدها وصفي وحسن نسيبي وإذا الديار تعرضت لمتيم هزته ذكراها إلى التشبيب إيه عن الصبر الجميل فإنه ألوى بدين فؤادي المنهوب لم أنسها والدهر يثني صرفه ويغض طرفي حاسد ورقيب والدار مونقة محاسنها بما لبست من الأيام كل قشيب يا سائق الأظعان يعتسف الفلا ويواصل الأسآد بالتأويب متهافتاً عن رحل كل مذلل نشوان من أين ومس لغوب تتجاذب النفحات فضل ردائه في ملتقاها من صباً وجنوب إن هام من ظمإ الصبابة صحبه نهلوا بمورد دمعه المسكوب أو تعترض مسراهم سدف الدجى صدعوا الدجى بغرامه المشبوب حيث النبوة أيها مجلوة تتلو من الآثار كل غريب سر عجيب لم يحجبه الثرى ما كان سر الله بالمحجوب ومنها بعد تعديد معجزاته صلى الله عليه وسلم والإطناب في مدحه‏:‏ إني دعوتك واثقاً بإجابتي يا خير مدعو وخير مجيب قرت في مدحي فإن يك طيباً فبما لذكرك من أريج الطيب ماذا عسى يبغي المطيل وقد حوى في مدحك القرآن كل مطيب يا هل تبلغني الليالي زورة تدني إلي الفوز بالمرغوب أمحو خطيئاتي بإخلاصي بها وأحط أوزاري وإصر ذنوبي في فتية هجروا المنى وتعودوا إنضاء كل نجيبة ونجيب يطوي صحائف ليلهم فوق الفلا ما شئت من خبب ومن تقريب إن رنم الحادي بذكرك رددوا أنفاس مشتاق إليك طروب أو غرد الركب الخلي بطيبة حنوا لمغناها حنين النيب والمانعين الجار حتى عرضه في منتددى الأعداء غير معيب تخشى بوادرهم ويرجى حلمهم والعز شيمة مرتجى ومهيب ومنها في ذكر إجازته البحر واستيلائه على ملكه‏:‏ سائل به طامي العباب وقد سرى تزجيه ريح العزم ذات هبوب تهديه سهب أسنة وعزائم يصدعن ليل الحادث المرهوب حتى انجلت ظلم الضلال بسعيه وسطا الهدى بفريقها المغلوب يا بن الألى شادوا الخلافة بالتقى واستأثروك بتاجها المغصوب جمعوا لحفظ الدين أي مناقب كرموا بها في مشهد ومغيب لله مجدك طارفاً أو تالداً فلقد شهدنا منهن كل عجيب كم رهبة أو رغبة بك والعلى تقتاد بالترغيب والترهيب لا زلت مسروراً بأشرف دولة يبدو الهدى من أفقها المرقوب تحيي المعالي غادياً أو رائحاً وحديد سعدك ضامن المطلوب ونبذت سلواني على ثقة بالقرب فاستبدلت بالبعد ولرب وصل كنت آمله فاعتضت منه بمؤلم الصد لا عهد عند الصبر اطلبه إن الغرام أضاع من عهدي يلحى العدول فما أعنفه وأقول ضل فأبتغي رشدي وأعارض النفحات أسألها برد الجوى فتزيد في الوقد يهدى الغرام إلى مسالكها لتعللي بضعيف ما تهدي يا سائق الأظعان معتسفاً طي الفلاة لطية الوجد أرح الركاب ففي الصبا نبأ يغني عن المستنة الجرد وسل الربوع برامة خبراً عن ساكني نجد وعن نجد ما لي تلام على الهوى خلقي وهي التي تأبى سوى الحمد لأبيت إلا الرشد مذ وضحت بالمستعين معالم الرشد نعم الخليفة في هدى وتقى وبناء عز شامخ الطود شهم يفل بواتراً قضباً وجموع أقيال أولي أيد أوريت زند العزم في طلبي وقضيت حق المجد من قصدي ووردت عن ظمأ مناهله فرويت من عز ومن رفد هي جنة المأوى لمن كلفت آمائه بمطالب المجد لو لم أعل بورد كوثرها ما قلت هذي جنة الخلد من فبلغ قومي ودونهم قذف النوى وتنوفة البعد أني أنفت على رجائهم وملكت عز جميعهم وحدي ورقيمة الأعطاف حالية موشية بوشائع البرد وحشية الأنساب ما أنست في فوحش البيداء بالقود تسمو بجيدٍ بالغ صعداً شرف الصروح بغير ما جهد طالت رءوس الشامخات به ولربما قصرت عن الوهد قطعت إليك تنائفاً وصلت إسآدها بالنص والوخد وافوك أنضاء تقلبهم أيدي السرى بالغور والنجد كالطيف يستقري مضاجعه أو كالحسام يسل من غمد يثنون بالحسنى التي سبقت من غير إنكار ولا جحد ويرون لحظك من وفادتهم فخراً على الأتراك والهند يا مستعيناً جل في شرف عن رتبة المنصور والمهدي جازاك ربك عن خليقته خير الجزاء فنعم ما يسدي وبقيت للدنيا وساكنها في عزة أبداً وفي سعد وأنشدته في سائر أيامه غير هاتين القصيدتين كثيراً لم يحضرني الآن شيء منه‏.‏ثم غلب ابن مرزوق على هواه وانفرد بمخالطته وكبح الشكائم عن قربه فانقبضت وقصرت الخطو مع البقاء على ما كنت فيه من كتابة سره وإنشاء مخاطباته ومراسمه‏.‏ثم ولاني آخر الدولة خطة المظالم فوفيتها حقها ودفعت للكثير مما أرجو ثوابه‏.‏ولم يزل ابن مرزوق آخذاً في سعايته بي وبأمثالي من أهل الدولة غيرة ومنافسة إلى أن انتقض الأمر على السلطان بسببه‏.‏وثار الوزير عمر بن عبد الله بدار الملك فصار إليه الناس ونبذوا السلطان وبيعته وكان في ذلك هلاكه على من ذكرناه في أخبارهم‏.‏ولما مقام الوزير عمر بالأمر أقرني على ما كنت عليه ووفر إقطاعي وزاد في جرايتي وكنت أسمو بطغيان الشباب إلى أرفع مما كنت فيه وأدل في ذلك بسابقة مودة معه منذ أيام السلطان أبي عنان وصحابة استحكم عقدها بيني وبينه وبين الأمير أبي عبد الله صاحب بجاية فكان ثالث أثافيتا ومصقلة فكاهتنا‏.‏واشتدت غيرة السلطان لذلك كما مر وسطا بنا وتغافل عن عمر بن عبد الله لمكان أبيه من ثغر بجاية ثم حملني الإدلال عليه أيام سلطانه وما ارتكبه في حي من القصور بي عما أسمو إليه إلى أن هجرته وقعدت عن دار السلطان مغاضبا له فتنكر لي وأقطعني جانباً من الأعراض فطلبت الرحلة إلى بلدي بإفريقية‏.‏وكان بنو عبد الواد قد راجعوا ملكهم بتلمسان والمغرب الأوسط فمنعني من ذلك أن يغتبط أبو حمو صاحب تلمسان بمكاني فأقيم عنده‏.‏ولج في المنع من ذلك وأبيت أنا إلا الرحلة واستجرت في ذلك برديفه وصديقه الوزير مسعود بن رحو بن ماساي ودخلت عليه يوم الفطر سنة ثلاث وستين‏.‏فأنشدته‏:‏ هنيئاً بصوم لا عداه قبول وبشرى بعيد أنت فيه منيل وهنئتها من عزةٍ وسعادةٍ تتابع أعوام بها وفصول سقى الله دهراً أنت إنسان عينه ولا مس ربعاً في حمال محول وجانبك المأمول للجود مشرع يحوم عليه عالم وجهول عساك وإن ضن الزمان منولي فرسم الأماني من سواك محيل أجرني فليس الدهر لي بمسالم إذا لم يكن لي في ذراك مقيل وأولني الحسنى بما أنا آمل فمثلك يولي راجياً وينيل ووالله ما رمت الترحل عن قلى ولا سخطة للعيش فهو جزيل ولا رغبة عن هذه الدار إنها لظل على هذا الأنام ظليل ولكن نأى بالشعب عني حبائب شجاهن خطب للفراق طويل يهيج بهن الوجد أني نازح وأن فؤادي حيث هن حلول عزيز عليهن الذي قد لقيته وأن اغترابي في البلاد يطول توارت بأنبائي البقاع كأنني تخطفت أو غالت ركابي غول ذكرتك يا مغنى الأحبة والهوى فطارت بقلبي أنة وعويل وحببت عن سوق رباك كأنما يمثل لي نؤي بها وطلول أجاذب فضل العمر يوماً وليلةً وساء صباح بينها وأصيل ويذهب بي ما بين يأس ومطمع زمان بنيل المعلوات بخيل تعللني عنه أمان خوادع ويؤنسني ليان منه مطول أما لليالي لا ترد خطوبها ويؤنسني ليان منه مطول يروعني من صرفها كل حادث تكاد له صم الجبال تزول أداري على الرغم العدى لا لريبة يصانع واش خوفها وعذول وأغدو بأشجاني عليلاً كأنما تجود بنفسي زفرة وغليل وإني وإن أصبحت في دار غربة تحيل الليالي سلوتي وتديل وصدتني الأيام عن خير منزل عهدت به أن لا يضام نزيل لأعلم أن الخير والشر ينتهي مداه وأن الله سوف يديل وأني عزيز بابن ماساي مكثر وإن هان أنصار وبان خليل فأعانني الوزير مسعود عليه حتى أذن لي في الانطلاق على شريطة العدول عن تلمسان في أي الله المخلوع حين وفد على السلطان أبي سالم بفاس وأقام عنده حصلت لي معه سابقة وصلة ووسيلة خدمة من جهة وزيره أبي عبد الله بن الخطيب وما كان بيني وبينه من الصحابة فكنت أقوم بخدمته وأعتمل في قضاء حاجاته في الدولة‏.‏ولما أجاز باستدعاء الطاغية لاسترجاع ملكه حين فسد ما بين الطاغية وبين الرئيس المتوثب عليه بالأندلس من قرابته خلفته فيمن ترك من عياله وولده بفاس خير خلف في قضاء حاجاتهم وإدرار أرزاقهم من المتولين لها والاستخدام لهم‏.‏ثم فسد ما بين الطاغية وبينه قبل ظفره بملكه برجوعه عما اشترطه له من التجافي عن حصون المسلمين التي تملكها بأجلابه ففارقه إلى بلد المسلمين ونزل بأسجة‏.‏وكتب إلى عمر بن عبد الله يطلب مصراً ينزله من أمصار الأندلس الغربية التي كانت ركاباً لملوك المغرب في جهادهم‏.‏وخاطبني أنا في ذلك فكنت له نعم الوسيلة عند عمر حتى تم قصده من ذلك‏.‏وتجافى عن رندة وأعمالها فنزلها وتملكها وكانت دار هجرته وركاب فتحه وملك منها الأندلس أواسط ثلاث وستين واستوحشت أنا من عمر إثر ذلك كما مر‏.‏وارتحلت إليه معولاً على سوابقي عنده فغرب في المكافأة كما نذكر إن شاء الله تعالى‏.‏الرحلة إلى الأندلس ولما أجمعت الرحلة إلى الأندلس بعثت بأهلي وولدي إلى أخوالهم بقسنطينة وكتبت لهم إلى صاحبها السلطان أبي العباس من حفدة السلطان أبي يحيى وأني أمر على الأندلس وأجيز إليه من هنالك‏.‏وسرت إلى سبتة فرضة المجاز وكبيرها يومئذ الشريف أبو العباس أحمد بن الشريف الحسني ذو النسب الواضح السالم من الريبة عند كافة أهل المغرب انتقل سلفه إلى سبتة من صقلية وأكرمهم بنو العزفي أولاً وصاهروهم‏.‏ثم عظم صيتهم في البلد فتنكروا لهم‏.‏وغربهم يحيى العزفي آخرهم إلى الجزيرة فاعترضتهم مراكب النصارى في الزقاق فأسروهم‏.‏وانتدب السلطان أبو سعيد إلى فديتهم رعاية لشرفهم فبعث إلى النصارى في ذلك فأجابوه‏.‏وفاس هذا الرجل وأباه على ثلاثة آلاف دينار ورجعوا إلى سبتة‏.‏وانقرض بنو العزفي ودولتهم وهل والد الشريف وصار هو إلى رياسة الشورى‏.‏ولما كانت واقعة القيروان وخلع أبو عنان أباه واستولى على المغرب وكان بسبتة عبد الله بن علي الوزير والياً من قبل السلطان أبي الحسن فتمسك بدعوته ومال أهل البلد إلى السلطان أبي عنان‏.‏وبث فيهم الشريف دعوته فثاروا بالوزير وأخرجوه ووفدوا على أبي عنان‏.‏وأمكنوه من بلدهم ة فولى عليها من عظماء دولته سعيد بن موسى العجيسي كافل تربيته في صغره‏.‏وأفرد هذا الشريف برياسة الشورى في سبتة فلم يكن يقطع أمر دونه‏.‏ووفد على السلطان بعض الأيام فتلقاه من الكرامة بما لا يشاركه فيه أحد من وفود الملوك والعظماء‏.‏ولم يزل على ذلك سائر أيام السلطان وبعد وفاته‏.‏وكان معظماً وقور المجلس هش اللقاء كريم الوفادة متحلياً بالعلم والأدب منتحلاً للشعر غاية في الكرم وحسن العهد وسذاجة النفس ولما مررت به سنة أربع وستين أنزلني ببيته إزاء المسجد الجامع وبلوت منه ما لا يقدر مثله من الملوك وأركبني الحراقة ليلة سفري يباشر دحرجتها إلى الماء بيده إغراباً في الفضل والمساهمة‏.‏وحططت بجبل الفتح وهو يومئذ لصاحب المغرب‏.‏ثم خرجت منه إلى غرناطة وكتبت إلى السلطان ابن الأحمر ووزيره ابن الخطيب بشأني‏.‏وليلة بت بقرب غرناطة على بريد منها لقيني كتاب ابن الخطيب يهنئني بالقدوم ويؤنسني ونصه‏:‏ حللت حلول الغيث بالبلد المحل على الطائر الميمون والرحب والسهل يميناً بمن تعنو الوجوه لوجهه من الشيخ والطفل المهذإ والكهل لقد نشأت عندي للقياك غبطة تنسي اغتباطي بالشبيبة والأهل وودي لا يحتاج فيه لشاهد وتقريري المعلوم ضرب من الجهل أقسمت بمن حجت قريش لبيته وقبر صرفت أزمة الأحياء لميته ونور ضربت الأمثال بمشكاته وزيته‏.‏لو خيرت أيها الحبيب الذي زيارته الأمنية السنية والعارفة الوارفة واللطيفة المطيفة بين رجع الشباب يقطر ماء ويرف نماء ويغازل عيون الكواكب فضلاً عن الكواعب إشارة وإيماء بحيث لا الوخط يلم بسياج لمته أو يقدح ذباله في ظلمته أو يقدم حواريه في ملته من الأحابش وأمته وزمانة روح وراح ومغدى في النعيم ومراح وقصف صراح ورقى وجراح وانتخاب واقتراح وصدور ما بها إلا انشراح ومسرات تردفها أفراح وبين قدومك خليع الرسن ممتعاً - والحمد لله - باليقظة والوسن محكماً في نسك الجنيد أو فتك الحسن ممتعاً بظرف المعارف مالئاً أكف الصيارف ماحياً بأنوار البراهين شبه الزخارف لما اخترت الشباب وإن شاقني زمنه وأعياني ثمنه وأجرت سحاب دمعي ثمنه‏.‏فالحمد لله الذي رقى جنون اغترابي وملكني أزمة آرابي وغبطني بمائي وترابي ومألف أترابي وقد أغصني بلذيذ شرابي ووقع على سطوره المعتبرة إضرابي‏.‏وعجلت هذه مغبطة بمناخ المطية منتهى الطية وملتقى للسعود غير البطية وتهني الآمال الوثيرة الوطية‏.‏فما شئت من نفوس عاطشة إلى ريك متجملة بزيك عاقلة خطا مهريك ومولى مكارمه نشيدة أمثالك ومظان مثالك وسيصدق الخبر ما هنالك ويسع فضل مجدك في التخلف عن الإصحار لا بل للقاء من وراء البحار والسلام‏.‏ثم أصبحت من الغد قادماً على البلد وذلك ثامن ربيع الأول عام أربعة وستين وقد اهتز السلطان لقدومي وهيأ لي المنزل من قصوره بفرشه وماعونه وأركب خاصته للقائي تحفياً وبراً وفجازاة بالحسنى ثم دخلت عليه فقابلني بما يناسب ذلك وخلع علي وانصرفت‏.‏وخرج الوزير ابن الخطيب فشيعني إلى مكان نزلي ثم نظمني في علية أهل مجلسه واختصني بالنجي في خلوته والمواكبة في ركوبه والمواكلة والمطايبة والفكاهة في خلوات أنسه وأقمت على ذلك عنده وسفرت عنه سنة خمس وستين إلى الطاغية ملك قشتالة يومئذ بتره بن الهنشه بن أذفونش لإتمام عقد الصلح ما بينه وبين ملوك العدوة بهدية فاخرة من ثياب الحرير والجياد المقربات بمراكب الذهب الثقيلة فلقيت الطاغية بإشبيلية وعاينت آثار سلفي بها وعاملني من الكرامة بما لا مزيد عليه وأظهر الاغتباط بمكاني وعلم أولية سلفنا بإشبيلية‏.‏وأثنى علي عنده طبيبه إبراهيم بن زررر اليهودي المقدم في الطب والنجامة وكان لقيني بمجلس السلطان أبي عنان وقد استدعاه يستطبه وهو يومئذ بدار ابن الأحمر بالأندلس‏.‏ثم نزع - بعد مهلك رضوان القائم بدولتهم - إلى الطاغية فأقام عنده ونظمه في أطبائه‏.‏فلما قدمت أنا عليه أثنى علي عنده فطلب الطاغية مني حينئذ المقام عنده وأن يرد علي تراث سلفي بإشبيلية وكان بيد زعماء دولته فتفاديت من ذلك بما قبله‏.‏ولم يزل على اغتباطه إلى أن انصرفت عنه فزودني وحملني واختصني ببغلة فارهة بمركب ثقيل ولجام ذهبيين أهديتهما إلى السلطان ثم حضرت المولد النبوي لخامسة قدومي وكان يحتفل في الصنيع فيها والدعوة وإنشاد الشعراء اقتداء بملوك المغرب فأنشدته ليلتئذ‏:‏ حي المعاهد كانت قبل تحييني بواكف الدمع يرويها ويظميني إن الألى نزحت داري ودارهم تحملوا القلب في آثارهم دوني وقفت أنشد صبراً ضاع بعدهم فيهم وأسأل رسماً لا يناجيني أمثل الربع من شوق فألثمه وكيف والفكر يدنيه ويقصيني وبنهب الوجد مني كل لؤلؤة ما زال قلبي عليها غير مأمون سقت جفوني مغاني الربع بعدهم فالدمع وقف على أطلاله الجون قد كان للقلب داعي الهوى شغل لو لأن قلبي إلى السلوان يدعوني أحبابنا هل لعهد الوصل مدكر منكم وهل نسمة عنكم تحييني ما لي وللطيف لا يعتاد زائره وللنسيم عليلاً يداويني يا أهل نجد وما نجد وساكنها حسناً سوى جنة الفردوس والعين أعندكم أنني مما مر ذكركم إلا انثنيت كأن الراح تثنيني أسلى هواك فؤادي عن سواك وما سواك يوماً بحال عنك يسليني ترى الليالي أنستك إدكاري يا من لم تكن ذكره الأيام تنسيني ومنها في وصف الإيوان الذي بناه لجلوسه بين قصوره‏:‏ يا مصنعاً شيدت منه السعود حمى لا يطرق الدهر مبناه بتوهين صرح يحار لديه الطرف مفتتناً فيما يروقك من شكل وتلوين بعداً لإيوان كسرى إن مشورك السامي لأعظم من تلك الاواوين ودع دمشق ومغناها فقصرك ذا أشهى إلى القلب من أبواب جيرون ومنها في التعريض بمنصرفي من العدوة‏:‏ من مبلغ عني الصحب الألى تركوا وفي وضاع حماهم إذ أضاعوني أني أويت من العليا إلى حرم كادت مغانيه بالبشرى تحييني وأنني ظاعناً لم ألق بعدهم دهراً أشاكي ولا خصماً يشاكيني لا كالتي أخفرت عهدي ليالي إذ أقلب الطرف بين الخوف والهون سقياً ورعياً لأيامي التي ظفرت يداي منها بحظ غير مغبون تلوح إن جليت دراً وإن تليت تثني عليك بأنفاس البساتين عانيت منها بجهدي كل شاردة لولا سعودك ما كادت تواتين يمانع الفكر عنها ما تقسمه من كل حزن بطي الصدر مكنون لكن بسعدك ذلت لي شواردها فرضت منها بتحبير وتزيين بقيت دهرك في أمن وفي دعة ودام ملكك في نصر وتمكين وأنشدته سنة خمس وستين في إعذار ولده والصنيع الذي احتفل لهم فيه ودعا إليه الجفلى من نواحي الأندلس ولم يحضرني منها إلا ما أذكره‏:‏ صحا الشوق لولا عبرة ونحيب وذكرى تجد الوجد حين تثوب وقلب أبى إلا الوفاء بعهده وإن نزحت دار وبان حبيب ولله مني بعد حادثة النوى فؤاد لتذكار العهود طروب يؤرقه طيف الخيال إذا سرى وتذكي حشاه نفحة وهبوب خليلي إلا تسعدا فدعا الأسى فإني لما يدعو الأسى لمجيب ألما على الأطلال يقض حقوقها من الدمع فياض الشئون سكوب فيمم منه الحفل لا متقاعس لخطب ولا نكس اللقاء هيوب وراح كما راح الحسام من الوغى تروق حلاه والفرند خضيب شواهد اهدتهن منك شمائل وخلق بصفو المجد منك مشوب ومنها في الثناء على ولديه‏:‏ هما النيران الطالعان على الهدى بآياتفتح شأنهن عجيب شهابان في الهيجا غمامان في الندى تسح المعالي منهما وتصوب يدان لبسط المكرمات نماهما إلى المجد فياض اليدين وهوب وأنشدته ليلة المولد الكريم من هذه السنة‏:‏ أبى الطيف أن يعتاد إلا توهما فمن لي بأن ألقى الخيال المسلما وقد كنت استهديه لو كان نافعي وأستمطر الأجفان لو تنقع الظما ولكن خيال كاذب وطماعة تعلل قلباً بالأماني متيما يا صاحبي نجواي والحب لوعة تبيح بشكواها الضمير المكتما خذا لفؤادي العهد من نفس الصبا وظبي النقا والبان من اجرع الحمى لمن دمن اقفرن إلا هواتفاً تردد في أطلالهن الترنما عرفت بها سيما الهوى وتنكرت فمجت على آياتها متوسما وذو الشوق يعتاد الربوع دوارساً ويعرف آثار الديار توهما تأوبني والليل بيني وبينه وميض بأطراف الثنايا تضرما أجد لي العهد القديم كأنه أشار بتذكار العهود فأفهما عجبت لمرتاع الجوانح خافق بكيت له خلف الدجى وتبسما وبت أرويه كؤوس مدامعي وبات بطاعني الحديث عن الحمى وصافحته عن رسم دار بذي عصا لبست بها ثوب الشبيبة معلما لعهدي بها تدني الظباء أو انسا وتطلع في آفاقها الغيد أنجما أحن إليها حيث سار بي الهوى وأنجد رحلي في البلاد وأتهما ولما استقر واطمأنت الدار وكان من السلطان الاغتباط والاستئثار وكثر الحنين إلى الأهل والتذكار أمر باستقدام أهلي من مطرح اغترابهم بقسنطينة فبعث عنهم من جاء بهم إلى تلمسان‏.‏وأمر قائد الأسطول بالمرية فسار لاجازتهم في أسطوله واحتلوا بالمرية‏.‏واستأذنت وكتب الوزير ابن الخطيب عندما قاربت الحضرة وقد كتبت إليه استأذنه في القدوم وما أعتمده في أحواله‏:‏ سيدي قدمت بالطير الميامين على البلد الأمين واستضفت الرفاء إلى البنين ومتعت بطول السنين‏.‏وصلتني البراءة المعربة عن كثب اللقاء ودنو المزار وذهاب البعد وقرب الدار واستفهم سيدي عما عندي في القدوم على المخدوم والحق أن يتقدم سيدي إلى الباب الكريم في الوقت الذي يجد المجلس الجمهوري لم يفض حجيجه ولا صوح بهيجه ويصل الأهل بعده إلى المحل الذي هيأته السعادة لاستقرارهم واختاره اليمن قبل اختيارهم والسلام‏.‏ثم لم يلبث الأعداء وأهل السعايات أن خيلوا الوزير ابن الخطيب من ملابستي للسلطان واشتماله علي وحركوا له جواد الغيرة فتنكر‏.‏وشممت منه رائحة الانقباض مع استبداده بالدولة وتحكمه في سائر أحوالها وجاءتني كتب السلطان أبي عبد الله صاحب بجاية بأنه استولى عليها في رمضان خمس وستين‏.‏واستدعاني إليه فاستأذنت السلطان ابن الأحمر في الارتحال إليه‏.‏وعميت عليه شأن ابن الخطيب إبقاء لمودته فارتمض لذلك ولم يسعه إلا الإسعاف فودع وزود وكتب لي مرسوم بالتشييع من إملاء الوزير ابن الخطيب نصه‏:‏ هذا ظهير كريم تضمن تشييعاً وترفيعاً وإكراماً وإعظاماً وكان لعمل الصنيعة ختاماً وعلى الذي أحسن تماماً وأشاد للمعتمد به بالاغتباط الذي راق قساماً وتوفر أقساماً وأعلن له بالقبول إن نوى بعد النوى رجوعاً أو آثر على الظعن المزمع مقاماً‏.‏أمر به وأمضى العمل بمقتضاه وحسبه الأمير عبد الله محمد ابن مولانا أمير المسلمين أبي الحجاج ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر أيد الله أمره وأعز نصره وأعلى ذكره للولي الجليس الحظي المكين المقرب الأود الأحب الفقيه الجليل الصدر الأوحد الرئيس العلم الفاضل الكامل المرفع الأسمى الأظهر الأرضى الأخلص الأصفى أبي زيد عبد الرحمن بن الشيخ الجليل الحسيب الأصيل الفقيه المرفع المعظم الصدر الأوحد الأسنى الأفضل الأكمل الموقر المبرور أبي يحيى أبي بكر ابن الشيخ الجليل الكبير الرفيع الماجد القائد الحظي المعظم الموقر المبرور المرحوم أبي عبد الله بن خلدون‏.‏وصل الله له أسباب السعادة وبلغه من فضله أقصى الإرادة أعلن بما عنده أيده الله من الاعتقاد الجميل في جانبه المرفع وإن كان غنياً في الإعلان‏.‏وأعرب عن معرفته بمقداره في الحسباء العلماء الرؤساء الأعيان وأشاد باتصال رضاه عن مقاصده البرة وشيمه الحسان من لدن وفد بابه وفادة العز الراسخ البنيان وأقام المقام الذي عين له رفعة المكان وإجلال الشان إلى أن عزم على قصد وطنه أبلغه الله ذلك في ظل اليمن والأمان وكفالة الرحمن بعد الاغتباط المربى على الخبر بالعيان والتمسك بجواره بجهد الإمكان ثم قبول عذره بما جبلت الأنفس عليه من الحنين إلى المعاهد والأوطان‏.‏وبعد أن لم يذخر عنه كرامة رفيعة ولم يحجب عنه وجه صنيعة فولاه القيادة والسفارة وأحله جليساً معتماً بالإشارة وألبسه من الحظوة والتقريب أبهى الشارة وجعل محله من حضرته مقصوداً بالمثل معنياً بالإشارة ثم أصحبه تشييعاً يشهد بالضنانة بفراقه ويجمع له بر الوجهة من جميع آفاقه ويجعله بيده رتيمة خنصر ووثيقة سامع أو مبصر فمهما لوى أخدعه إلى هذه البلاد بعد قضاء وطره وتمليه من نهمة سفره أو نزع به حسن العهد وحنين الود فصدر العناية به مشروح وباب الرضا والقبول مفتوح وما عهده من الحظوة والبر ممنوح‏.‏فما كان القصد في مثله من أمجاد الأولياء ليتحول ولا الاعتقاد الكريم ليتبدل ولا الأخير من الأحوال لينسخ الأول‏.‏على هذا فليطو ضميره وليرد متى شاء نميره ومن وقف عليه من القواد والأشياخ والخدام براً وبحراً على اختلاف الخطط والرتب وتباين الأحوال والنسب أن يعرفوا حق هذا الاعتقاد في كل ما يحتاج إليه من تشييع ونزول وإعانة وقبول واعتناء موصول إلى أن يكمل الغرض ويؤدى من امتثال هذا الأمر الواجب المفترض بحول الله وقوته‏.‏وكتب في التاسع عشر من جمادى الأولى عام ستة وستين وسبع مائة‏.‏وبعد التاريخ العلامة بخط السلطان ونصها‏:‏ صح هذا‏.‏

الشيخ عودة العقيلي
07-08-2011, 01:50 PM
ولاية الحجابة بها على الاستبداد

كانت بجاية ثغراً لإفريقية في دولة بني أبي حفص من الموحدين‏.‏ولما صار أمرهم للسلطان أي بكر بن يحيى منهم واستقل بملك إفريقية ولى في ثغر بجاية ابنه الأمير أبا زكرياء وفي ثغر قسنطينة ابنه الأمير عبد الله‏.‏وكان بنو عبد الواد ملوك تلمسان والمغرب الأوسط ينازعونه في أعماله ويحمرون العساكر على بجاية ويجلبون على قسنطينة إلى أن تمسك السلطان أبو بكر بذمة من السلطان أبي الحسن ملك المغرب الأقصى من بني مرين وله الشفوف على سائر ملوكهم‏.‏وزحف السلطان أبو الحسن إلى تلمسان فأخذ بمخنقها سنتين أو أزيد وملكها عنوة وقتل سلطانها أبا تاشفين وذلك سنة سبع وثلاثين‏.‏وخف ما كان على الموحدين من إصر بني عبد الواد واستقامت دولتهم‏.‏ثم هلك أبو عبد الله محمد ابن السلطان أبي يحيى بقسنطينة سنة أربعين وخلف سبعة من الولد كبيرهم أبو زيد عبد الرحمن ثم أبو العباس أحمد فولى الأمير أبا زيد مكان أبيه في كفالة نبيل مولاهم‏.‏ثم توفي الأمير أبو زكرياء ببجاية سنة ست وأربعين وخلف ثلاثة من الولد كبيرهم أبو عبد الله محمد وبعث السلطان أبو بكر ابنه الأمير أبا حفص عليها فمال أهل بجاية إلى الأمير أبي عبد الله بن أبي زكرياء وانحرفوا عن الأمير عمر وأخرجوه‏.‏وبادر السلطان فرقع هذا الخرق بولاية أبي عبد الله عليهم كما طلبوه‏.‏ثم توفي السلطان أبو بكر منتصف سبع وأربعين وزحف أبو الحسن إلى إفريقية فملكها ونقل الأمراء من بجاية وقسنطينة إلى المغرب‏.‏وأقطع لهم هنالك إلى أن كانت حادثة القيروان وخلع السلطان أبو عنان أباه‏.‏وارتحل من تلمسان إلى فاس فنقل معه هؤلاء الأمراء أهل بجاية وقسنطينة وخلطهم بنفسه وبالغ في تكرمتهم‏.‏ثم صرفهم إلى ثغورهم‏:‏ الأمير أبا عبد الله أولاً وإخوته من تلمسان وأبا زيد وإخوته من فاس ليستبدوا بثغورهم ويخذلوا الناس عن السلطان أبي الحسن فوصلوا إلى بلادهم وملكوها بعد أن كان الفضل ابن السلطان أبي بكر قد استولى عليها من يد بني مرين فانتزعوها منه‏.‏واستقر أبو عبد الله ببجاية حتى إذا هلك السلطان أبو الحسن بجبال المصامدة وزحف أبو عنان إلى تلمسان سنة ثلاث وخمسين فهزم ملوكها من بني عبد الواد وأبادهم ونزل المدية وأطل على بجاية‏.‏وبادر الأمير أبو عبد الله للقائه وشكا إليه ما يلقاه من زبون الجند والعرب وقلة الجباية‏.‏وخرج له عن ثغر بجاية فملكها وأنزل عماله بها‏.‏ونقل الأمير أبا عبد الله معه إلى المغرب فلم يزل عنده في حفاية وكرامة‏.‏ولما قدمت على السلطان أبي عنان آخر خمس وخمسين واستخلصني نبضت عروق السوابق بين سلفي وسلف الأمير أبي عبد الله واستدعاني للصحابة فأسرعت وكان السلطان أبو عنان شديد الغيرة من مثل ذلك‏.‏ثم كثر المنافسون ورفعوا إلى السلطان وقد طرقه مرض أرجف له الناس فرفعوا له أن الأمير أبا عبد الله اعتزم على الفرار إلى بجاية وأني عاقدته على ذلك على أن يوليني حجابته فانبعث لها السلطان وسطا بنا واعتقلني نحواً من سنتين إلى أن هلك‏.‏وجاء السلطان أبو سالم واستولى على المغرب ووليت كتابة سره‏.‏ثم نهض إلى تلمسان وملكها من يد بني عبد الواد وأخرج منها أبا حمو موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن ثم اعتزم على الرجوع إلى فاس وولى على تلمسان أبا زيان محمد بن أبي سعيد عثمان ابن السلطان أبي تاشفين وأمده بالأموال والعساكر من أهل وطنه ليدافع أبا حمو عن تلمسان ويكون خالصة له‏.‏وكان الأمير أبو عبد الله صاحب بجاية معه كما ذكرناه والأمير أبو العباس صاحب قسنطينة بعد أن كان بنو مرين حاصروا أخاه أبا زيد بقسنطينة أعواماً تباعاً‏.‏ثم خرج لبعض مذاهبه إلى بونة وترك أخاه أبا العباس بها فخلعه واستبد بالأمر دونه‏.‏وخرج إلى العساكر المجمرة عليها من بني مرين فهزمهم وأثخن فيهم‏.‏ونهض السلطان إليه من فاس سنة ثمان وخمسين فتبرأ منه أهل البلد وأسلموه فبعثه إلى سبتة في البحر واعتقله بها حتى إذا ملك السلطانأبو سالم سبتة عند إجازته من الأندلس سنة ستين أطلقه من الاعتقال وصحبه إلى دار ملكه ووعده برد بلده عليه‏.‏فلما ولى أبا زيان على تلمسان أشار عليه خاصته ونصحاؤه بأن يبعث هؤلاء الموحدين إلى ثغورهم‏:‏ فبعث أبا عبد الله إلى بجاية وقد كان ملكها عمه أبو إسحق صاحب تونس ومكفول بن تافراكين من يد بني مرين وبعث أبا العباس إلى قسنطينة وبها زعيم من زعماء بني مرين‏.‏وكتب إليه السلطان أبو سالم أن يفرج له عنها فملكها لوقته‏.‏وسار الأمير أبو عبد الله إلى بجاية فطال إجلابه عليها ومعاودته حصارها‏.‏ولج أهلها في الامتناع منه مع السلطان أبي إسحق‏.‏وقد كان لي المقام المحمود شي بعث هؤلاء الأمراء إلى بلادهم‏.‏وتوليت كبر ذلك مع خاصة السلطان أبي سالم وكبار أهل مجلسه حتى تم القصد من ذلك‏.‏وكتب لي الأمير أبو عبد الله بخطه عهداً بولاية الحجابة متى حصل على سلطانه ومعنى الحجابة - في دولنا بالمغرب - الاستقلال بالدولة والوساطة بين السلطان وبين أهل دولته لا يشاركه في ذلك أحد‏.‏وكان لي أخ اسمه يحيى أصغر مني فبعثته مع الأمير أبي عبد الله حافظاً للرسم ورجعت مع السلطان إلى فاس‏.‏ثم كان ما قدمته من انصرافي إلى الأندلس والمقام بها إلى أن تنكر الوزير ابن الخطيب وأظلم الجو بيني وبينه‏.‏وبينا نحن في ذلك وصل الخبر باستيلاء الأمير أبي عبد الله على بجاية من يد عمه في رمضان سنة خمس وستين وكتب الأمير أبو عبد الله يستقدمني فاعتزمت على ذلك ونكر السلطان أبو عبد الله بن الأحمر ذلك مني لا يظنه لسوى ذلك إذ لم يطلع على ما كان بيني وبين الوزير ابن الخطيب فأمضيت العزم ووقع منه الإسعاف والبر والألطاف‏.‏وركبت البحر من ساحل المرية منتصف ست وستين‏.‏ونزلت بجاية لخامسة من الإقلاع فاحتفل السلطان صاحب بجاية لقدومي وأركب أهل دولته للقائي‏.‏وتهافت أهل البلد علي من كل أوب يمسحون أعطافي ويقبلون يدي وكان يوماً مشهوداً‏.‏ثم وصلت إلى السلطان فحيا وفدى وخلع وحمل وأصبحت من الغد وقد أمر السلطان أهل الدولة بمباكرة بابي واستقلت بحمل ملكه واستفرغت جهدي في سياسة أموره وتدبير سلطانه وقدمني للخطابة بجامع القصبة وأنا مع ذلك عاكف بعد انصرافي من تدبير الملك غدوة إلى تدريس العلم أثناء النهار بجامع القصبة لا أنفك عن ذلك‏.‏ووجدت بينه وبين ابن عمه السلطان أبي العباس صاحب قسنطينة فتنة أحدثتها المشاحة في حدود الأعمال من الرعايا والعمال وشب نار هذه الفتنة عرب أوطانهم من الدواودة من رياح تنفيقاً لسوق الزبون يمترون به أموالهم‏.‏وكانوا في كل سنة يجمع بعضهم لبعض فالتقوا سنة ست وستين بفرجيوة وانقسم العرب عليهما‏.‏وكان يعقوب بن علي مع السلطان أبي العباس فانهزم السلطان أبو عبد الله ورجع إلى بجاية مفلولاً بعد أن كنت جمعت له أموالاً كثيرة أنفق جميعها في العرب‏.‏ولما رجع أعوزته النفقة فخرجت بنفسي إلى قبائل البربر بجبال بجاية المتمنعين من المغارم منذ سنين فدخلت بلادهم واستبحت حماهم وأخذت رهنهم على الطاعة حتى استوفيت منهم الجباية وكان لنا في ذلك مدد وإعانة ثم بعث صاحب تلمسان إلى السلطان أبي عبد الله يطلب منه الصهر فأسعفه بذلك ليصل يده به على ابن عمه وزوجه ابنته ثم نهض السلطان أبو العباس سنة سبع وستين وجاس أوطان بجاية وكاتب أهل البلد وكانوا وجلين من السلطان أبي عبد الله بما كان يرهف الحد لهم ويشد وطأته عليهم فأجابوه إلى الانحراف عنه‏.‏وخرج السلطان أبو عبد الله يروم مدافعته ونزل جبل ليزو معتصماً به فبيته السلطان أبو العباس في عساكره وجموع الأعراب من أولاد محمد بن رياح بمكانه ذلك بإغراء ابن صخر وقبائل سدويكش‏.‏وكبسه في مخيمه وركض هارباً فلحقه وقتله وسار إلى البلد بمواعده أهلها‏.‏وجاءني الخبر بذلك وأنا مقيم بقصبة السلطان وقصوره وطلب مني جماعة من أهل البلد القيام بالأمر والبيعة لبعض الصبيان من أبناء السلطان فتفاديت من ذلك وخرجت إلى السلطان أبي العباس فأكرمني وحباني وأمكنته من بلده وأجرى أحوالي كلها على معهودها‏.‏وكثرت السعاية عنده في والتحذير من مكاني‏.‏وشعرت بذلك فطلبت الإذن في الانصراف بعهد كان منه في ذلك فأذن لي بعد لأي وخرجت إلى العرب ونزلت على يعقوب بن علي‏.‏ثم بدا للسلطان في أمري وقبض على أخي واعتقله ببونة‏.‏وكبس بيوتنا يظن بها ذخيرة وأموالاً فأخفق ظنه‏.‏ثم ارتحلت من أحياء يعقوب بن علي وقصدت بسكرة لصحابة بيني وبين شيخها أحمد بن يوسف بن مزني وبين أبيه وساهم في الحادث بماله وتجاهه‏.‏مشايعة أبي حمو صاحب تلمسان كان السلطان أبو حمو قد التحم ما بينه وبين السلطان أبي عبد الله صاحب بجاية بالصهر في ابنته وكانت عنده بتلمسان‏.‏فلما بلغه مقتل أبيها واستيلاء السلطان أبي العباس ابن عمه صاحب قسنطينة على بجاية أظهر الامتعاض لذلك‏.‏وكان أهل بجاية قد توجسوا الخيفة من سلطاتهم بإرهاف حده وشده سطوته فانحرفوا عنه باطناً وكاتبوا ابن عمه بقسنطينة كما ذكرناه‏.‏ودسوا للسلطان أبي حمو بمثلها يرجون الخلاص من صاحبهم بأحدهما‏.‏فلما استولى السلطان أبو العباس وقتل ابن عمه رأوا أن جرحهم قد اندمل وحاجتهم قد قضيت فاعصوصبوا عليه وأظهر السلطان أبو حمو الامتعاض للواقعة يسر منه حسواً في ارتغاء ويجعله ذريعة للاستيلاء على بجاية بما كان يرى نفسه كفؤها بعده وعديده وما سلف من قومه في حصارها فسار من تلمسان بحر الشوك والمدر حتى خيم بالرشة من ساحتها ومعه أحياء زغبة بجموعهم وظعائنهم من لدن تلمسان إلى بلاد حصين من بني عامرة وبني يعقوب وسويد والديالم والعطاف وحصين‏.‏وانحجر أبو العباس بالبلد في شرذمة من الجند أعجله السلطان أبو حمو عن استيعاب الحشد ودافع أهل البلد أحسن الدفاع‏.‏وبعث السلطان أبو العباس عن أبي زيان ابن السلطان أبي سعيد عم أبي حمو من قسنطينة كان معتقلاً بها وأمر مولاه وقائد عسكره بشيراً أن يخرج معه في العساكر وساروا حتى نزلوا بني عبد الجبار قبالة معسكر أبي حمو وكانت رجالات زغبة قد وجموا من السلطان وأبلغهم النذير أنه إن ملك بجاية اعتقلهم بها فراسلوا أبا زيان وركبوا إليه واعتقدوا معه‏.‏وخرج رجل البلد بعض الأيام من أعلى الحصن ودفعوا شرذمة كانت مجمرة إزاءهم فاقتلعوا خباءهم‏.‏وأسهلوا من تلك العقبة إلى بسيط الرشة‏.‏وعاينهم العرب بأقصى مكانهم من المعسكر فأجفلوا وتتابع الناس في الانجفال حتى أفردوا السلطان في مخيمه فحمل رواحله وسار وكضت الطرق بزحامهم‏.‏وتراكموا بعض على بعض فهلك منهم عوالم‏.‏وأخذهم سكان الجبال من البربر بالنهب من كل ناحية وقد غشيهم الليل فتركوا أزودتهم ورحالهم‏.‏وخلص السلطان ومن خلص منهم بعد عصب الريق وأصبحوا على منجاة‏.‏وقذفت بهم الطرق من كل ناحية إلى تلمسان وكان السلطان أبو حمو قد بلغه خروجي من بجاية وما أحدثه السلطان بعدي في أخي وأهلي ومخلفي فكتب إلي يستقدمني قبل هذه الواقعة‏.‏وكانت الأمور قد اشتبهت فتفاديت بالأعذار وأقمت بأحياء يعقوب بن علي ثم ارتحلت إلى بسكرة فأقمت بها عند أميرها أحمد بن يوسف بن مزنى‏.‏فلما وصل السلطان أبو حمو إلى تلمسان وقد جزع للواقعة أخذ في استئلاف قبائل رياح ليجلب بهم مع عساكره على أوطان بجاية وخاطبني في ذلك لقرب عهده باستتباعهم وملك زمامهم ورأى أن يعول علي في ذلك واستدعاني لحجابته وعلامته وكتب بخطه مدرجة في الكتاب نصها‏:‏ الحمد لله على ما أنعم والشكر لله على ما وهب ليعلم الفقيه المكرم أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون حفظه الله على أنك تصل إلى مقامنا الكريم لما اختصصناكم به من الرتبة المنيعة والمنزلة الرفيعة وهو قلم خلافتنا والانتظام في سلك أوليائنا أعلمناكم بذلك‏.‏وكتب بخط يده عبد الله المتوكل على الله موسى بن يوسف لطف الله به وخار له‏.‏وبعده بخط الكاتب ما نصه‏:‏ بتاريخ السابع عشر من رجب الفرد الذي من عام تسعة وستين وسبعمائة عرفنا الله خيره‏.‏ونص الكتاب الذي هذه مدرجته وهو بخط الكاتب‏:‏ أكرمكم الله يا فقيه أبا زيد ووالى رعايتكم‏.‏إنا قد ثبت عندنا وصح لدينا ما انطويتم عليه من المحبة في مقامنا والانقطاع إلى جنابنا والتشيع قديماً وحديثاً لنا مع ما نعلمه من محاسن اشتملت عليها أوصافكم ومعارف فقتم فيها نظراءكم ورسوخ قدم في الفنون العلمية والآداب العربية‏.‏وكانت خطة الحجابة ببابنا العلي - أسماه الله - أكبر درجات أمثالكم وأرفع الخطط لنظرائكم قرباً منا واختصاصاً بمقامنا واطلاعاً على خفايا أسرارنا‏.‏آثرناكم بها إيثاراً وقدمناكم لها اصطفاء واختياراً فاعملوا على الوصول إلى بابنا العلي أسماه الله لما لكم فيه من التنويه والقدر النبيه حاجباً لعلي بابنا ومستودعاً لأسرارنا وصاحب الكريمة علامتنا إلى ما يشاكل ذلك من الأنعام العميم والخير الجسيم والاعتناء والتكريم‏.‏لا يشارككم مشارك في ذلك ولا يزاحمكم أحد وإن وجد من أمثالك فاعلموه وعولوا عليه والله تعالى يتولاكم ويصل سراءكم ويوالي احتفاءكم‏.‏والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏وتأدت إلي هذه الكتب السلطانية على يد سفير من وزرائه جاء إلى أشياخ الدواودة في هذا الغرض فقصت له في ذلك أحسن مقام وشايعته أحسن مشايعة وحملتهم على إجابة داعي السلطان والبدار إلى خدمته‏.‏وانحرف كبراؤهم عن خدمة السلطان أبي العباس إلى خدمته والاعتمال في مذاهبه واستقام غرضه من ذلك وكان أخي يحيى قد خلص من اعتقاله ببونة وقدم علي ببسكرة فبعثته إلى السلطان أبي حمو كالنائب عني في الوظيفة متفادياً عن تجشم أهوالها بما كنت نزعت عن غواية الرتب‏.‏وطال علي إغفال العلم فأعرضت عن الخوض في أحوال الملوك وبعثت الهمة على المطالعة والتدريس فوصل إليه الأخ فاستكفى به في ذلك ودفعه إليه‏.‏ووصلني مع هذه الكتب السلطانية كتاب رسالة من الوزير أبي عبد الله بن الخطيب من غرناطة يتشوق إلي وتأدى إلى تلمسان على يد سفراء السلطان ابن الأحمر فبعث إلي به من هنالك ونصه‏:‏ بنفسي وما نفسي علي بهينة فينزلني عنها المكاس بأثمان حبيب نأى عيني وصم لأنتي وراش سهام البين عمداً فأصماني وقد كان هم الشيب - لا كان - كافياً فقد ادني لما ترحل همان شرعت له من دمع عيني موارداً فكدر شربي بالفراق وأظماني وأرعيته من حسن عهدي جميمه فأجدب آمالي وأوحش أزماني حلفت على ما عنده لي من رضى قياساً بما عندي فأحنث أيماني وإني على ما نالني منه من قلى لأشتاق من لقياه نغبة ظمآن إذا ما دعا داع من القوم باسمه وثبت وما استثبت شيمة هيمان وتالله ما أصغيت فيه لعاذل تحاميته حتى ارعوى وتحاماني ولا استشعرت نفسي برحمة عابد تظلل يوماً مثله عبد رحمان ولا شعرت من قبله بتشوق تخلل منها بين روح وجثمان أما الشوق فحدث عن البحر ولا حرج وأما الصبر فاسأل به أية درج بعد لأن تجاوز اللوى والمنعرج لكن الشدة تعشق الفرج والمؤمن ينشق من روح الله الأرج وأنى بالصبر على إبر الدبر لا‏.‏بل الضرب الهبر ومطاولة اليوم والشهر تحت حكم القهر ومن للعين إن تسلو سلو المبصر عن إنسانها المبصر أو نذهل ذهول الزاهد عن سرها الرائي والمشاهد وفي الجسد بضعة يصلح إذا صلحت فكيف حاله إن رحلت عنه وإن نزحت وإذا كان الفراق هو الحمام الأول فعلام المعول أعيت مراوضة الفراق عمل الراق وكادت لوعة الاشتياق إن تفضي إلى السياق‏:‏ تركتموني بعد تشييعكم أوسع أمر الصبر عصيانا اقرع سني ندماً تارة واستميح الدمع أحيانا وربما تعللت بغشيان المعاهد الخالية وجددت رسوم الأسى بمباكرة الرسوم البالية اسأل نون النؤى عن أهليه وميم الموقد المهجور عن مصطليه وثاء الأثافي المثلثة عن منازل الموحدين وأحار وبين تلك الأطلال حيرة الملحدين لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين كلفت لعمر الله بسال عن جفوني المؤرقة ونائم عن همومي المتجمعة والمتفرقة‏.‏ظعن عن ملال لا متبرماً منا بشر خلال وكدر الوصل بعد صفائه وضرج النصل بعد عهد وفائه‏:‏ أقل اشتياقاً أيها القلب إنما رأيتك تصفي الود من ليس جازيا فها أنا أبكي عليه بدم أساله وأندب في ربع الفراق آسى له وأشكو إليه حال قلب صدعه وأودعه من الوجد ما أودعه لما خدعه ثم قلاه وودعه وأنشق رياه أنف ارتياح قد جدعه وأستعديه على ظلم ابتدعه‏.‏خليلي فيما عشتما هل رأيتما قتيلاً بكى من حب قاتله قبلي فلولا عسى الرجاء ولعله لا بل شفاعة المحل الذي حله لنشرت ألوية العتب وبثثت كتائبها كمناء في شعاب الكتب تهز من الألفات رماحاً خزر الأسنة وتوتر من النونات أمثال القسي المرنة وتقود من مجموع الطرس والنقس بلقاً تردي في الأعنة ولكنه آوى إلى الحرم الأمين وتفيأ ظلال الجوار المؤمن من معرة الغوار عن الشمال واليمين حرم الحلال المزنية والظلال اليزنية والهمم السنية والشيم التي لا ترضى بالدون ولا بالدنية حيث الرفد الممنوح والطير الميامين يزجر لها السنوح والمثوى الذي إليه مهما تقارع الكرام على الضيفان حول جوابي الجفان فهو الجنوح‏:‏ كتب كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عمودا ومن حل بتلك المثابة فقد اطمأن جنبه وتغمد بالعفو ذنبه ولله در القائل‏:‏ فوحقه لقد انتدبت لوصفه بالبخل لولا أن حمصاً داره بلد متى أذكره تهتج لوعتي وإذا قدحت الزند طار شراره اللهم غفراً وأين قراره النخيل من مثوى الأقلف البخيل ومكذبة المخيل وأين ثانية هجر من متبوأ من ألحد وفجر‏:‏ من أنكر غيثاً منشؤه في الأرض ينوء بمخلفها فبنان بنى مزني مزن تنهل بلطف مصرفها مزن مذ حل ببسكرة يوماً نطقت بمصحفها شكرت حتى بعبارتها وبمعناها وبأحرفها ضحكت بأبي العباس من ال أيام ثنايا زخرفها وتنكرت الدنيا حتى عرفت منه بمعرفها بل نقول‏:‏ يا محل الولد ‏"‏ لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ‏"‏ لقد حل بينك عرى الجلد وخلد الشوق بعدك يا بن خلدون في الصميم من الخلد فحيا الله زماناً شفيت في قربك زمانته واجتلت في صدف مجدك جمانته وقضيت في مرعى خلتك لبانته وأهلاً بروض أظلت أشتات معارفك بانته فحمائمه بعدك تندب فيساعدها الجندب ونواسمه ترق فتتغاشى وعشياته تتخافت وتتلاشى وأدواحه في ارتباك وحمائمه في مأتم ذي اشتباك كان لم تكن قمر هالات قبابه ولم يكن أنسك شارع بابه إلى صفوة الطرف ولبابه ولم يسبح إنسان عينك في ماء شبابه فلهفي عليك من درة اختلستها يد النوى ومطل بردها الدهر ولوى ونعق الغراب ببينها في ربوع الهوى ونطق بالزجر فما نطق عن الهوى وبأي شيء يعتاض منك أيتها الرياض بعد أن طما نهرك الفياض وفهقت الحياض ولا كان الشاني المشنوء والجرب المهنوء من قطع ليل أغار على الصبح فاحتمل وشارك في الذم الناقة والجمل واستأثر جنحه ببدر النادي لما كمل نشر الشراع فراع وواصل الإسراع فكأنما هو تمساح النيل ضايق الأحباب في البرهة واختطف لهم من الشط نزهة العين وعين النزهة ولجج بها والعيون تنظر والغمر عن الاتباع يحظر فلم يقدر إلا على الأسف والتماح الأثر المنتسف والرجوع بملء العيبة من الخيبة ووقر الجسرة من الحسرة إنما نشكو إلى الله البث والحزن ونستمطر من عبراتنا المزن وبسيف الرجاء نصول وإذا ما أقدر الله أن يدني على شحط من داره الحزن ممن داره صول فإن كان كلم الفراق رغيباً لما نويت مغيباً وجللت الوقت الهني تشغيباً فلعل الملتقى يكون قريباً وحديثه يروى صحيحاً غريباً‏.‏إيه سيدي‏!‏ كيف حال تلك الشمائل المزهرة الخمائل والشيم الهامية الديم هل يمر ببالها من راعت بالبعد باله وأخمدت بعاصف البين ذباله أو ترثي لشئون شأنها سكب لا يفتر وشوق يبت حبال الصبر ويبتر وضنى تقصر عن حلله الفاقعة صنعاء وتستر والأمر أعظم والله يستر وما الذي يضيرك صين من لفح السموم نضيرك بعد أن أضرمت وأشعلت وأوقدت وجعلت وفعلت فعلتك التي فعلت أن تترفق بذماء أو ترد بنغبة ماء أرماق ظماء وتتعاهد المعاهد بتحية يشم عليها شذا أنفاسك أو تنظر إلينا - على البعد - بمقلة حوراء من بياض قرطاسك وسواد أنفاسك فربما قنعت الأنفس المحبة بخيال زور وتعللت بنوال منزور ورضيت لما لم تصد العنقاء بزرزور‏:‏ يا من ترحل والرياح لأجله يشتاق إن هبت شذا رياها تحيا النفوس إذا بعثت تحية وإذا عزمت اقرأ ومن أحياها ولئن أحييت بها فيما سلف نفوساً تفديك والله إلى الخير أيهديك فنحن نقول معشر مواديك‏:‏ ثني ولا تجعليها بيضة لديك وعذراً فإني لم اجترئ على خطابك بالفقر الفقيرة وأدللت لدى حجراتك برفع العقيرة عن نشاط بعثت مرموسه ولا اغتباط بالأدب تغري بسياسته سوسة وانبساط أوحى إلي على الفترة ناموسه وإنما هو اتفاق جرته نفثة المصدور وهناء الجرب المجدور وإن تعلل به مخارق فثم قياس فارق أو لحن غنى به بعد البعد مخارق والذي هيأ هذا القدر وسببه وسهل المكروه إلي منه وحببه‏.‏ما اقتضاه الصنو يحيى - مد الله حياته وحرس من الحوادث ذاته - من خطاب ارتشف به لهذه القريحة بلالتها بعد أن رضي علالتها ورشح إلى الصهر الحضرمي سلالتها فلم يسع إلا إسعافه بما أعافه فأمليت نجيباً ما لا يعد في يوم الرهان نجيباً وأسمعته وجيباً لما ساجلت بهذه الترهات سحراً عجيباً حتى إذا ألف القلم العريان سبحه وجمح برذون الغزارة فلم أطق كبحه لم أفق من غمرة غلوه وموقف متلوه إلا وقد تحيز إلى فئتك معتزاً بل معتراً واستقبلها ضاحكاً مفتراً وهش لها براً وإن كان من الخجل مصفراً وليس بأول من هجر في التماس والوصل ممن هجر أو بعث التمر إلى هجر واي نسب بيني اليوم وبين زخرف الكلام وإجالة جياد الأقلام في محاورة الأعلام بعد أن حال القريض دون القريض وشغل المريض عن التعريض وغلب حتى الكسل ونصلت الشعرات البيض كأنها الأسل تروع برقط الحيات سرب الحياة وتطرق بذوات الغرر والشيات عند البيات والشيب الموت العاجل وإذا ابيض زرع صبحته المناجل والمعتبر الآجل وإذا اشتغل الشيخ بغير معاده حكم في الظاهر بأبعاده وأسره في ملكة عادة فاغص أبقاك الله واسمح لمن قصر عن المطمح وبالعين الكليلة فالمح واغتنم لباس ثوب الثواب واشف بعض الجوى بالجواب‏.‏تولاك الله فيما استضفت وملكت ولا بعدت ولا هلكت وكان لك آية سلكت ووسمك في السعادة بأوضح السمات وأتاح لقاءك من قبل الممات والسلام الكريم يعتمد حلال ولدي وساكن خلدي بل أخي وإن اتقيت عتبه وسيدي ورحمة الله وبركاته من فحبه المشتاق إليه محمد بن عبد الله بن الخطيب في الرابع عشر من شهر ربيع الثاني من عام سبعين وسبعمائة‏.‏وكان تقدم منه قبل هذه الرسالة كتاب آخر إلي بعث به إلى تلمسان فتأخر وصوله حتى بعث به الأخ يحيى عند وفادته على السلطان ونص الكتاب‏:‏ يا سيدي إجلالاً واعتداداً وأخي وداً واعتقاداً ومحل ولدي شفقة سكنت مني فؤاداً‏.‏طال علي انقطاع أنبائك واختفاء أخبارك فرجوت إن تبلغ النية هذا المكتوب إليك وتخترق به الموانع دونك وإن كنت في مياثتك كالعاطش الذي لا يروى والآكل الذي لا يشبع شأن من تجاوز الحدود الطبيعية والعوائد المألوفة فأنا الآن - بعد إنهاء التحية المطلولة الروض بماء الدموع وتقرير الشوق اللزيم وشكوى البعاد الأليم وسؤال إناحة القرب قبل الفوت من الله ميسر العسير ومقرب البعيد - أسفل عن أحوالك سؤال أبعد الناس محالاً في مجال الخلوص لك وأشدهم حرصاً على اتصال سعادتك وقد اتصل بي في هذه الأيام ما جرى به القدر من تنويع الحال لديك واستقرارك ببسكرة محل الغبطة بك باللجأ إلى تلك الرياسة الزكية الكريمة الأب الشهيرة الفضل المعروفة القدر على البعد حرسها الله ملجأ للفضلاء ومخيماً لرجال العلياء ومهباً لطيب الثناء بحوله وقوته وما كل وقت تتاح فيه السلامة فاحمدوا الله على الخلاص وقاربوا في معاملة الآمال وضنوا بتلك الذات الفاضلة عن المشاق وأبخلوا بها عن المتالف فمطلوب الحريص على الدنيا خسيس والموانع الحافة جمة والحاصل حسرة وبأقل السعي تحصل حالة العافية والعاقل لا يستنكحه الاستغراق فيما آخره الموت إنما ينال منه الضروري ومثلك لا يعجزه - مع التماس العافية - أضعاف ما يزجي به العمر من المأكل والمشرب وحسبنا الله‏.‏وإن تشوفت لحال المحب تلك السيادة الفذة والبنوة البرة فالحال الحال من جعل الزمام بيد القدر والسير في مهيع الغفلة والسبح في تيار الشواغل ومن وراء الأمور غيب محجوب وأمل مكتوب نؤمل فيه عادة الستر من الله إلا أن الضجر الذي تعلمونه حفضه اليأس لما عجزت الحيلة وأعوز المناص وسدت المذاهب والشأن اليوم شأن الناس فيما يقرب من الاعتدال‏.‏وفيما يرجع إلى السلطان - تولاه الله - على أضعاف ما باشر سيدي من الاغياء في البر ووصل وفيما يرجع إلى الأحباب والأولاد فعلى ما علمت إلا إن الشوق مخامر القلوب وتصور اللقاء مما يزهد في الوطن وحاضر النعم‏.‏سنى الله ذلك على أفضل حال ويسره قبل الارتحال عن دار المحال‏.‏وفيما يرجع إلى الوطن فأحلام النائم خصباً وهدنة وظهوراً على العدو وحسبك بافتتاح حصن آشر وبرغه القاطعة بين بلاد الإسلام ووبذة والعارين وبيغه وحصن السهلة في عام ثم دخول بلد إطريرة بنت إشبيلية عنوة والاستيلاء علي ما يناهز خمسة آلاف من السبي ثم فتح دار الملك ولدة قرطبة‏:‏ مدينة جيان عنوة في اليوم الأغر المحجل وقتل المقاتلة وسبي الذرية وتعفية الآثار حتى لا يلم بها العمران ثم افتتاح مدينة أبدة التي تلف جيان في ملاءتها‏:‏ دار التجر والرفاهية والبنى الحافلة والنعم الثرة نسأل الله - جل وعلا - أن يصل عوائد نصره ولا يقطع عنا سبب رحمته وإن ينفع بما أعان عليه من السعي في ذلك والإعانة عليه‏.‏ولم يتزيد من الحوادث إلا ما علمتم من أخذ الله لنسمة السوء وخبث الأرض المسلوب من أثر الخير‏:‏ عمر بن عبد الله وتحكم شر الميتة في نفسه وإتيان النكال على حاشيته والاستئصال على ذاته والاضطراب مستول على الوطن بعده إلا أن الغرب على علاته لا يرجحه غيره‏.‏والأندلس اليوم شيخ غزاتها الأمير عبد الرحمن بن علي ابن السلطان أبي علي بعد وفاة الشيخ أبي الحسن‏:‏ علي بن بدر الدين رحمه الله‏.‏وقد استتر بها - بعد انصراف - سيدي الأمير المذكور والوزير مسعود بن رحو وعمر بن عثمان بن سليمان‏.‏والسلطان ملك النصارى بطره قد عاد إلى ملكة بإشبيلية وأخوه مجلب عليه بقشتالة وقرطبة مخالفة عليه قائمة بطائفة من كبار النصارى الخائفين على أنفسهم داعين لأخيه والمسلمون قد اغتنموا هبوب هذه الريح‏.‏وخرق الله لهم عوائد في باب الطهور والخير لم تكن تخطر في الآمال‏.‏وقد تلقب السلطان - أيده الله - بعقب هذه المكيفات بالغني بالله وصدرت عنه مخاطبات بمجمل الفتوح ومفضلها يعظم الحرص على إيصالها إلى تلك الفضائل لو أمكن‏.‏وأما ما يرجع إلى ما يتشوف إليه ذلك الكمال من شغل الوقت فصدرت تقاييد وتصانيف يقال فيها - بعدما أعملته تلك السيادة من الانصراف - يا إبراهيم ولا إبراهيم اليوم‏.‏منها‏:‏ أن كتاباً رفع إلى السلطان في المحبة من تصنيف ابن أبي حجلة من المشارقة أشار الأصحاب بمعارضته فعارضته وجعلت الموضوع أشرف وهو محبة الله فجاء كتاباً أدعى الأصحاب غرابته‏.‏وقد وجه إلى المشرق صحبة كتاب‏:‏ تاريخ غرناطة وغيره من تآليفي‏.‏وتعرف تحبيسه بخانقاه سعيد السعداء من مصر وانثال الناس عليه وهو في لطافة الأغراض سلمت لمصر في الهوى من بلد يهديه هواؤه لدى استنشاقه من ينكر دعواي فقل عني له تكفي امرأة العزيز من عشاقه والله يرزق الإعانة في انتساخه وتوجيهه‏.‏وصدر عني جزء سميته‏:‏ الغيرة على أهل الحيرة وجزء سميته‏:‏ حمل الجمهور على السنن المشهور‏.‏والأكباب على اختصار كتاب التاج للجوهري ورد حجمه إلى مقدار الخمس مع حفظ ترتبيه السهل والله المعين على مشغلة تقطع بها هذه البرهة القريبة البداءة من التتمة ولا حول ولا قوة إلا بالله‏.‏والمطلوب المثابرة على تعريف يصل من تلك السيادة والبنوة إذ لا يتعذر وجود قافل من حج أو لاحق بتلمسان‏.‏يبعثها السيد الشريف منها فالنفس شديدة التعطش والقلوب قد بلغت - من الشوق والاستطلاع - الحناجر‏.‏والله أسأل أن يصون في البعد وديعتي منك لديه ويلبسك العافية ويخلصك وإياي من الورطة ويحملنا أجمعين على الجادة ويختم لنا بالسعادة‏.‏والسلام الكريم عوداً على بدء ورحمة الله وبركاته من المحب المتشوق الذاكر الداعي ابن الخطيب‏.‏في الثاني من جمادى الأولى من عام تسعة وستين وسبعمائة‏.‏ انتهى‏.‏ فأجبته عن هذه المخاطبات وتفاديت من السجع خشية القصور عن مساجلته فلم يكن شأوه يلحق‏.‏ونص الجواب‏:‏ سيدي مجداً وعلواً وواحدي ذخراً مرجواً ومحل والدي براً وحنواً‏.‏ما زال الشوق - مذ نأت بي وبك الدار واستحكم بيننا البعاد - يرعي سمعي أنباءك ويخيل إلي من أيدي الرياح تناول رسائلك حتى ورد كتابك العزيز على استطلاع وعهد غير مضاع وود في أجناس وأنواع فنشر بقلبي ميت السلو وحشر أنواع المسرات وقد للقائك زناد الأمل ومن الله أسأل الإمتاع بك قبل الفوت على ما يرضيك ويسني أماني وأمانيك‏.‏وحييته تحية الهائم لمواقع الغمائم والمدلج للصباح المتبلج وأمل على مقترح الأولياء خصوصاً فيك من اطمئنان الحال وحسن القرار وذهاب الهواجس وسكون النفرة وعموماً في الدولة من رسوخ القدم وهبوب ريح النصر والظهور على عدو الله باسترجاع الحصون التي استنقذوها في اعتلال الدولة وتخريب المعاقل التي هي قواعد النصرانية غربية لا تثبت إلا في الحلم وآية من آيات الله‏.‏وإن خبيئة هذا الفتح في طي العصور السابقة إلى هذه المدة الكريمة لدليل على عناية الله بتلك الذات الشريفة حين ظهرت على يدها خوارق العادة وما تجدد آخر الأيام من معجزات الملة ولكم فيها - والحمد لله - بحسن التدبير ويمن النقيبة من حميد الأثر وخالد الذكر طراز في حلة الخلافة النصرية وتاج في مفرق الوزارة‏.‏كتبها الله لكم فيما يرضاه من عباده‏.‏ووقفت عليه الأشراف من أهل هذا القطر المحروس وأذعته في الملأ سروراً بعز الإسلام وإظهاراً لنعمة الله واستطراداً لذكر الدولة المولوية بما تستحقه من طيب الثناء والتماس الدعاء والحديث بنعمتها والإشادة بفضلها على الدول السالفة والخالفة وتقدمها فانشرحت الصدور حباء وامتلأت القلوب إجلالاً وتعظيماً وحسنت الآثار اعتقاداً ودعاء‏.‏ وكان كتاب سيدي لشرف تلك الدولة عنواناً ولما عساه يستعجم من لغتي في مناقبها ترجماناً زاده الله من فضله وأمتع المسلمين ببقائه‏.‏وبثثته شكوى الغريب من السوق المزعج والحيرة التي تكاد تذهب بالنفس أسفاً للتجافي عن مهاد الأمن والتقويض عن دار العز بين المولى المنعم والسيد الكريم والبلد الطيب والإخوان البرة ‏"‏ ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ‏"‏‏.‏وإن تشوفت السيادة الكريمة إلى الحال فعلى ما علمتم سيراً مع الأمل ومغالبة للأيام على الحظ وإقطاعاً للغفلة جانب العمر‏:‏ هل نافعي والجد في صبب مري مع الآمال في صعد رجع الله بنا إليه‏.‏ولعل في عظتكم النافعة شفاء هذا الداء العياء إن شاء الله على أن لطف الله مصاحب وجوار هذه الرياسة المزنية - وحسبك بها علمية - عصمة وافية صرفت وجه القصد إلى ذخيرتي التي كنت أعتدها منهم كما علمتم على حين تفاقم الخطب وتلون الدهر والإفلات من مظان النكبة وقد رتعت حولها بعد ما جرته الحادثة بمهلك السلطان المرحوم على يد ابن عمه قريعه في الملك وقسيمه في النسب والتياث الجاه ولغير السلطان واعتقال الأخ المخلف واليأس منه لولا تكييف الله في نجائه والعيث بعده في المنزل والولد واغتصاب الضياع المقتناة من بقايا ما متعت به الدولة النصرية - أبقاها الله - من النعمة فآوى إلى الوكر وساهم في الحادث وأشرك في الجاه والمال وأعان على نوائب الدهر وطلب الوتر حتى رأى الدهر مكاني وأمل الملوك استخلاصي وتجاروا في إتحافي‏.‏والله المخلص من عقال الآمال والمرشد إلى نبذ هذه الحظوظ المورطة‏.‏وأنبأني سيدي بما صدر عنه من التصانيف الغريبة والرسائل البليغة في هذه الفتوحات الجليلة وبودي لو وقع الاتحاف بها أو بعضها فلقد عاودني الندم على ما فرطت‏.‏وأما أخبار هذا القطر فلا زيادة على ما علمتم من استقرار السلطان أبي إسحق ابن السلطان أبي يحيى بتونس مستبداً بأمره بالحضرة بعد مهلك شيخ الموحدين أبي محمد بن تافراكين القائم بأمره رحمة الله عليه مضايقاً في جبابة الوطن وأحكامه بالعرب المستظهرين بدعوته مصانعاً لهم بوفره على أمان الرعايا والسابلة لو أمكن حسن السياسة جهد الوقت ومن انتظام بجاية محل دولتنا في أمر صاحب قسنطينة وبونة غلاباً كما علمتم محفلاً الدولة بصرامته وقوة شكيمته فوق طوقها من الاستبداد والضرب على أيدي المستغلين من الأعراب منتقض الطاعة أكثر أوقاته لذلك إلا ما شمل البلاد من تغلب العرب ونقص الأرض من الأطراف والوسط وخمود ذبال الدول في كل جهة وكل بداية فإلى تمام‏.‏وأما أخبار المغرب الأقصى والأدنى فلديكم طلعه وأما المشرق فأخبار الحاج هذه السنة من اختلاله وانتقاض سلطانه وانتزاء الجفاة على كرسية وفساد المصانع والسقايات المعدة لوفد الله وحاج بيته ما يسخن العين ويطيل البث حتى لزعموا أن الهيعة اتصلت بالقاهرة أياماً وكثر الهرج في طرقاتها وأسواقها لما وقع بين أسندمر المتغلب بعد يلبغا الخاسكي وبين سلطانه ظاهر القلعة من الجولة التي كانت دائرتها عليه أجلت عن زهاء الخمسمائة قتلى من حاشية وموالي يلبغا وتقبض على الباقين فأودع منهم السجون وصلب الكثير وقتل أسندمر في محبسه وألقي زمام الدولة بيد كبير من موالي السلطان فقام بها مستبداً وقادها مستقلاً وبيد الله تصاريف الأمور ومظاهر الغيوب جل وعلا‏.‏ورغبتي من سيدي - أبقاه الله - أن لا يغب خطابه عني متى أمكن يصل بذلك مننه الجمة وأن يقبل عني أقدام تلك الذات المولوية ويعرفه بما عندي من التشيع لسلطانه والشكر لنعمته وأن تنهوا عني لحاشيته وأهل اختصاصه التحية المختلسة من أنفاس الرياض كبيرهم وصغيرهم‏.‏وقد تأدى مني إلى حضرته الكريمة خطاب على يد الحاج نافع - سلمه الله - تناوله من الأخ يحيى عند لقائه إياه بتلمسان بحضرة السلطان أبي حمو - أيده الله - فربما يصل وسيدي يوضح من ثنائي ودعائي ما عجز عنه الكتاب‏.‏والله يبقيكم ذخراً للمسلمين وملاذاً للآملين بفضله‏.‏والسلام عليكم وعلى من لاذ بكم من السادة الأولاد المناجيب والأهل والحاشية والأصحاب من المحب فيكم المعتد بكم شيعة فضلكم ابن خلدون ورحمة الله وبركاته‏.‏عنوانه‏:‏ سيدي وعمادي ورب الصنائع والأيادي والفضائل الكريمة الخواتم والمبادي إمام الأمة علم الأئمة تاج الملة فخر العلماء الجلة عماد الإسلام مصطفى الملوك الكرام نكتة الدول كافل الإمامة تاج الدول أثير الله ولي أمير المسلمين الغني بالله - أيده الله - الوزير أبو عبد الله بن الخطيب أبقاه الله وتولى عن المسلمين جزاءه‏.‏وكتب إلي من غرناطة‏:‏ يا سيدي ووليي وأخي ومحل ولدي‏!‏ كان الله لكم حيث كنتم ولا أعدمكم لطفه وعنايته‏.‏لو كان مستقركم بحيث يتأتى لي إليه ترديد رسول أو إيفاد متطلع أو توجيه نائب لرجعت على نفسي باللائمة في إغفال حقكم ولكن العذر ما علمتم واحمدوا الله على الاستقرار في كهف ذلك الفاضل الذي وسعكم كنفه‏.‏وشملكم فضله شكر الله حسبه الذي لم يخلف وإني اغتنمت سفر هذا الشيخ وافد الحرمين بمجموع الفتوح في إيصال كتابي هذا وبودي لو وقفتم على ما لديه من البضاعة التي أنتم رئيسها وصدرها فيكون لكم في ذلك بعض أنس وربما تأدى ذلك في بعضه مما لم يختم عليه وظاهر الأمور نحيل علية في لعريفكم بها وأما البواطن فمما لا يتأتى كثرة وضنانة وأخص بالصاد ما أظن تشوفكم إليه حالي‏.‏فاعملوا أني قد بلغ بي الماء الزبى واستولى علي سوء المزاج المنحرف وتوالت الأمراض وأعوز العلاج لبقاء السبب والعجز عن دفعه‏.‏وهي هذه المداخلة جعل الله العاقبة فيها إلى خير ولم أترك وجهاً من وجوه الحيلة إلا بذلته‏.‏فما أغنى ذلك عني شيئاً ولولا أنني بعدكم شغلت الفكر بهذر التأليف مع الزهد‏.‏وبعد العهد‏.‏وعدم الإلماع بمطالعة الكتب‏.‏لم يتمش حالي من طريق فساد الفكر إلى هذا الحد وآخر ما صدر عني كناش سميته باستنزال اللطف الموجود في أسر الوجود‏.‏أمليته في هذه الأيام التي أقيم بها رسم النيابة عن السلطان في سفره إلى الجهاد‏.‏بودي لو وقفتم عليه‏.‏وعلى كتابي في المحبة وعسى الله أن ييسر ذلك‏.‏ومع هذا كله‏.‏والله ما قصرت في الحرص على إيصال مكتوب إليكم‏.‏إما من جهة أخيكم أو من جهة السيد الشريف أبي عبد الله‏.‏حتى من المغرب إذا سمعت الركب يتوجه منه فلا أدري هل بلغكم شيء من ذلك أم لا‏.‏والأحوال كلها على ما تركتموها عليه‏.‏وأحبابكم بخير‏.‏على والله يحفظكم‏.‏ويكون لكم‏.‏ويتولى أموركم والسلام عليكم ورحمة الله‏.‏من المحب الواحش الشيخ ابن الخطيب‏.‏في غرة ربيع الثاني من عام إحدى وسبعين وسبعمائة‏.‏وبباطنه مدرجة نصها‏:‏ سيدي رضي الله عنكم‏.‏استقر بتلمسان‏.‏في سبيل تقلب ومطاوعة مزاج تعرفونه‏.‏صاحبنا المقدم في صنعة الطب أبو عبد الله الشقوري‏.‏فإن اتصل بكم فأعينوه على ما يقف عليه اختياره وهذا لا يحتاج معه إلى مثلكم‏.‏عنوانه‏:‏ سيدي ومحل أخي‏.‏الفقيه الجليل‏.‏الصدر الكبير المعظم‏.‏الرئيس الحاجب‏.‏العالم الفاضل الوزير ابن خلدون‏.‏وصل الله سعده‏.‏وحرس مجده‏.‏بمنه‏.‏وإنما طولت بذكر هذه المخاطبات‏.‏وإن كانت فيما يظهر‏.‏خارجة عن غرض الكتاب‏.‏لأن فيها كثيراً من أخباري‏.‏وشرح حالي‏.‏فيستوفي ذلك منها من يتشوف إليه من المطالعين للكتاب‏.‏ثم إن السلطان أبا حمو لم يزل معتملاً في الاجلاب على بجاية‏.‏واستئلاف قبائل رياح لذلك‏.‏ومعولا على مشايعتي فيه‏.‏ووصل يده مع ذلك بالسلطان أبي إسحاق ابن السلطان أبي بكر صاحب تونس من بني أبي حفص لما كان بينه وبين أبي العباس صاحب بجاية وقسنطينة وهو ابن أخيه من العداوة التي تقتضيها مقاسمة النسب والملك وكان يوفد رسله عليه في كل وقت ويمرون بي وأنا ببسكرة فأؤكد الوصلة بمخاطبة كل منهما وكان أبو زيان ابن عم السلطان أبي حمو بعد إجفاله عن بجاية واختلال معسكره قد سار في أثره إلى تلمسان وأجلب على نواحيها فلم يظفر بشيء وعاد إلى بلاد حصين فأقام بينهم واشتملوا عليه ونجم النفاق في سائر أعمال المغرب الأوسط واختلف أحياء زغبة على السلطان وانتبذ الكثير عنه إلى القفر‏.‏ولم يزل يستألفهم حتى اجتمع له الكثير منهم فخرج في عساكره في منتصف تسع وستين إلى حصين وأبي زيان واعتصموا بجبل تيطري وبعث إلي في استنفار الدواودة للأخذ بحجزتهم من جهة الصحراء وكتب يستدعي أشياخهم‏:‏ يعقوب بن علي كبير أولاد محمد وعثمان بن يوسف كبير أولاد سباع بن يحيى‏.‏وكتب إلى ابن مزنى قعيدة وطنهم بإمدادهم في ذلك فأمدهم وسرنا مغربين إليه حتى نزلنا القطفا قبلة تيطري وقد أحاط السلطان به من جانب التل على أنه إذا فرغ من شأنهم سار معنا إلى بجاية وبلغ الخبرإلى صاحب بجاية أبي العباس فاستألف من بقي من قبائل رياح وعسكر بطرف ثنية القصاب المفضية إلى المسيلة‏.‏وبينما نحن على ذلك اجتمع المخالفون من زغبة‏:‏ وهم خالد بن عامر كبير بني عامر وأولاد عريف كبراء سويد ونهضوا إلينا بمكاننا من القطفا فأجفلت أحياء الدواودة وتأخرنا إلى المسيلة ثم إلى الزاب‏.‏وسارت زغبة إلى تيطري واجتمعوا مع أبي زيان وحصين وهجموا على معسكر السلطان أبي حمو ففلوه ورجع منهزماً إلى تلمسان‏.‏ولم يزل من بعد ذلك على استئلاف زعبة ورياح يؤمل الظفر بوطنه وابن عمه والكرة على بجاية عاماً فعاماً وأنا على حال في مشايعته وإيلاف ما بينه وبين الدواودة والسلطان أبي إسحاق صاحب تونس وابنه خالد من بعده‏.‏ثم دخلت زغبة في طاعته واجتمعوا على خدمته ونهض من تلمسان لشفاء نفسه من حصين وبجاية وذلك في أخريات إحدى وسبعين فوفدت عليه بطائفة من الدواودة أولاد عثمان بن يوسف بن سليمان لنشارف أحواله ونطالعه بما يرسم لهم في خدمته فلقيناه بالبطحاء‏.‏وضرب لنا موعدا بالجزائر انصرف به العرب إلى أهليهم وتخلفت بعدهم لقضاء بعض الأغراض واللحاق بهم وصليت به عيد الفطر على البطحاء وخطبت به وأنشدته عند انصرافه من المصلى أهنيه بالعيد وأحرضه‏:‏ هذي الديار فحيهن صباحاً وقف المطايا بينهن طلاحا لا تسأل الأطلال إن لم تروها عبرات عينك واكفاً ممتاحا فلقد أخذن على جفونك موثقاً أن لا يرين مع البعاد شحاحا إيه عن الحي الجميع وربما طرب الفؤاد لذكرهم فارتاحا وهي طويلة ولم يبق في حفظي منها إلا هذا‏.‏وبينما نحن في ذلك بلغ الخبربأن السلطان عبد العزيز صاحب المغرب الأقصى من بني مرين قد استولى على جبل عامر بن محمد الهنتاتي بمراكش وكان آخذاً بمخنقه منذ حول‏.‏وساقه إلى فاس فقتله بالعذاب وإنه عازم على النهوض إلى تلمسان لما سلف من السلطان أبي حمو أثناء حصار السلطان عبد العزيز لعامر في جبلة من الأجلاب على ثغور المغرب ولحين وصول هذا الخبر أضرب السلطان أبو حمو عن ذلك الشأن الذي كان فيه وكر راجعاً إلى تلمسان‏.‏وأخذ في أسباب الخروج إلى الصحراء مع شيعة بني عامر من أحياء زغبة فاستألف وجمع وشد الرحال وقضى عيد الأضحى وطلبت منه الإذن في الانصراف إلى الأندلس لتعذر الوجهة إلى بلاد رياح وقد أظلم الجو بالفتنة وانقطعت السبل فأذن لي وحملني رسالة فيما بينه وبين السلطان ابن الأحمر‏.‏وانصرفت إلى المرسى بهنين وجاءه الخبر بنزول صاحب المغرب تازاً في عساكره فأجفل بعده من تلمسان ذاهباً إلى الصحراء عن طريق البطحاء‏.‏وتعذر علي ركوب البحر من هنين فأقصرت وتأدى الخبر إلى السلطان عبد العزيز بأني مقيم بهنين وإن معي وديعة احتملتها إلى صاحب بالأندلس تخيل ذلك بعض الغواة فكتب إلى السلطان عبد العزيز فأنفذ من وقته سرية من تازا تعترضني لاسترجاع تلك الوديعة واستمر هو إلى تلمسان ووافتني السرية بهنين وكشفوا الخبر فلم يقفوا على صحته وحملوني إلى السلطان فلقيته قريباً من تلمسان واستكشفني عن ذلك الخبر فأعلمته بيقينه‏.‏وعنفني على مفارقة دارهم فاعتذرت له بما كان من عمر بن عبد الله المستبد عليهم وشهد لي كبير مجلسه وولي أبيه وابن وليه‏:‏ ونزمار بن عريف ووزيره عمر بن مسعود بن منديل بن حمامة واحتفت الألطاف‏.‏وسألني في ذلك المجلس عن أمر بجاية وأفهمني أنه يروم تملكها‏.‏فهونت عليه السبيل إلى ذلك فسر به وأقمت تلك الليلة في الاعتقال‏.‏ثم أطلقني من الغد فعمدت إلى رباط الشيخ الولي أبي مدين ونزلت بجواره مؤثراً للتخلي والانقطاع للعلم لو تركت له‏.‏مشايعة السلطان عبد العزيز صاحب المغرب علم بني عبد الواد ولما دخل السلطان عبد العزيز تلمسان واستولى عليها وبلغ خبره إلى أبي حمو وهو بالبطحاء فأجفل من هنالك وخرج في قومه وشيعته من بني عامر ذاهباً إلى بلاد رياح فسرح السلطان وزيره أبا بكر بن غازي في العساكر لاتباعه‏.‏وجمه عليه أحياء زغبة والمعقل باستئلاف وليه ونزمار وتدبيره ثم أعمل السلطان نظره ورأى أن يقدمني أمامه إلى بلاد رياح لأوطد أمره وأحملهم على مناصرته وشفاء نفسه من عدوه بما كان السلطان آنس مني من استتباع رياح وتصريفهم فيما أريده من مذاهب الطاعة فاستدعاني من خلوتي بالعتاد عند رباط الولي أبي مدين‏.‏وأنا قد أخذت في تدريس العلم واعتزمت على الانقطاع فآنسني وقربني ودعاني إلى ما ذهب إليه من ذلك فلم يسعني إلا إجابته‏.‏وخلع علي وحملني وكتب إلى شيوخ الدواودة بامتثال ما ألقب إليهم من أوامره‏.‏وكتب إلى يعقوب بن علي وابن مزنى بمساعدتي على ذلك وأن يحاولوا على استخلاص أبي حمو من بين أحياء بني عامر ويحولوه إلى حي يعقوب بن علي فودعته وانصرفت في عاشوراء اثنين وسبعين فلحقت الوزير في عساكره وأحياء العرب من المعقل وزغبة على البطحاء‏.‏ولقيته ودفعت إليه كتاب السلطان وتقدمت أمامه‏.‏وشيعني ونزمار يومئذ وأوصاني بأخيه محمد‏.‏وقد كان أبوحمو قبض عليه عندما أحس منهم بالخلاف وأنهم يرومون الرحلة إلى المغرب‏.‏وأخرجه معه من تلمسان مقيداً واحتمله في معسكره فأكد علي ونزمار يومئذ في المحاولة على استخلاصه بما أمكن‏.‏وبعث معي ابن أخيه عيسى في جماعة من سويد يبذرق بي ويتقدم إلى أحياء حصين بإخراج أبي زيان من بينهم فسرنا جميعاً وانتهينا إلى أحياء حصين‏.‏وأخبرهم فرح بن عيسى بوصية عمه ونزمار إليهم فنبذوا إلى أبي زيان عهده وبعثوا معه منهم من أوصله إلى بلاد رياح‏.‏ونزل على أولاد يحيى بن علي بن سباع وتوغلوا به في القفر واستمريت أنا ذاهباً إلى بلاد رياح فلما انتهيت إلى المسيلة ألفيت السلطان أبا حمو وأحياء رياح معسكرين قريباً منها في وطن أولاد سباع بن يحيى من الدواودة وقد تساتلوا إليه وبذل فيهم العطاء ليجتمعوا إليه‏.‏فلما سمعوا بمكاني بالمسيلة جاؤوا إلي فحملتهم على طاعة السلطان عبد العزيز وأوفدت أعيانهم وشيوخهم على الوزير أبي بكر بن غازي فلقوه ببلاد الديالم عند نهر واصل فأتوه طاعتهم ودعوه إلى دخول بلادهم في اتباع عدوه‏.‏ونهض معهم وتقدمت أنا من المسيلة إلى بسكرة فلقيت بها يعقوب بن علي‏.‏واتفق هو وابن مزنى على طاعة السلطان وبعث ابنه محمداً للقاء أبي حمو وأمير بني عامر خالد بن عامر يدعوهم إلى نزول وطنه والبعد به عن بلاد السلطان عبد العزيز فوجده متدلياً من المسيلة إلى الصحراء‏.‏ولقيه على الدوسن وبات ليلته يعرض عليهم التحول من وطن أولاد سباع إلى وطنهم بشرقي الزاب‏.‏وأصبح يومه كذلك فما راعهم آخر النهار إلا انتشار العجاج خارجاً إليهم من أفواه الثنية فركبوا يستشرقون وإذا بهوادي الخيل طالعة من الثنية وعساكر بني مرين والمعقل وزغبة متتالية أمام الوزير أبي بكر بن غازي قد دل بهم الطريق وفد أولاد سباع الذين بعثتهم من المسيلة فلما أشرفوا على المخيم أغاروا عليه مع غروب الشمس فأجفل بنو عامر وانتهب مخيم السلطان أبي حمو ورحائله وأمواله‏.‏ونجا بنفسه تحت الليل وتمزق شمل ولده وحرمه حتى خلصوا إليه بعد أيام واجتمعوا بقصور مصاب من بلاد الصحراء وامتلأت أيدي العساكر والعرب من نهابهم‏.‏وانطلق محمد بن عريف في تلك الهيعة‏.‏أطلقه الموكلون به وجاء إلى الوزير وأخيه ونزمار وتلقوه بما يجب له‏.‏وأقام الوزير أبو بكر بن غازي على الدوسن أياماً أراح فيها‏.‏وبعث إليه ابن مزنى بطاعته وأرغد له من الزاد والعلوفة وارتحل راجعاً إلى المغرب وتخلفت بعده أياماً عند أهلي ببسكرة‏.‏ثم ارتحلت إلى السلطان في وفد عظيم من الدواودة يقدمهم أبو دينار أخو يعقوب بن علي وجماعة من أعيانهم فسابقنا الوزير إلى تلمسان وقدمنا على السلطان فوسعنا من حبائه وتكرمته ونزله ما بعد العهد بمثله‏.‏ثم جاء من بعدنا الوزير أبو بكر بن غازي على الصحراء بعد أن مر بقصور بني عامر هنالك فخربها وكان يوم قدومه على السلطان يوماً مشهوداً وأذن بعدها لوفود الدواودة بالانصراف إلى بلادهم‏.‏وقد كان ينتظر بهم قدوم الوزير ووليه ونزمار بن عريف فودعوه وبالغ في الإحسان إليهم وانصرفوا إلى بلادهم‏.‏ثم أعمل نظره في إخراج أبي زيان من بين أحياء الدواودة لما خشي من رجوعه إلى حصين فوامرني في ذلك وأطلقني إليهم في محاولة انصرافه عنهم فانطلقت لذلك‏.‏وكان أحياء حصين قد توجسوا الخيفة من السلطان وتنكروا له وانصرفوا إلى أهلهم بعد مرجعهم من غزاتهم مع الوزير وبادروا باستدعاء أبي زيان من مكانه عند أولاد يحيى بن علي وأنزلوه بينهم واشتملوا عليه وعاثوا إلى الخلاف الذي كانوا عليه أيام أبي حمو واشتعل المغرب الأوسط ناراً‏.‏ونجم صبي من بيت الملك في مغراوة وهو حمزة بن علي بن راشد فر من معسكر الوزير ابن غازي أيام مقامه عليها فاستولى على شلف وبلاد قومه‏.‏وبعث السلطان وزيره عمر بن مسعود في العساكر لمنازلته وأعيا داؤه وانقطعت أنا ببسكرة وحال ذلك ما بيني وبين السلطان إلا بالكتاب والرسالة‏.‏وبلغني في تلك الأيام وأنا ببسكرة مفر الوزير ابن الخطيب من الأندلس وقدومه على السلطان بتلمسان توجس الخيفة من سلطانه بما كان له من الاستبداد عليه وكثرة السعاية من البطانة فيه فأعمل الرحلة إلى الثغور المغربية لمطالعتها بإذن سلطانه‏.‏فلما حاذى جبل الفتح قفل الفرضة دخل إلى الجبل وبيده عهد السلطان عبد العزيز إلى القائد هنالك بقبوله‏.‏وأجاز البحر من حينه إلى سبتة وسار إلى السلطان بتلمسان وقدم عليهما في يوم مشهود‏.‏وتلقاه السلطان من الحظوة والتقريب وإدرار النعم بما لا يعهد مثله‏.‏وكتب إني من تلمسان يعرفني بخبره ويلم ببعض العتاب على ما بلغه من حديثي الأول بالأندلس‏.‏ولم يحضرني الآن كتابه فكان جوابي عنه ما نصه‏:‏ الحمد لله ولا قوة إلا بالله ولا راد لما قضاه الله‏.‏يا سيدي ونعم الذخر الأبدي والعروة الوثقى التي اعتلقتها يدي أسلم عليكم سلام القدوم على المخدوم والخضوع للملك المتبوع لا بل أحييكم تحية المشوق للمعشوق والمدلج للصباح المتبلج وأقرر ما أنتم أعلم بصحيح عقدي في من حبي لكم ومعرفتي بمقداركم وذهابي إلى أبعد الغايات في تعظيمكم والثناء عليكم والإشادة في الإنفاق بمنقاقبكم ديدناً معروفاً وسجية راسخة يعلم الله وكفى به شهيداً وبهذا كما في علمكم قسماً ما اختلف لي فيه أول وآخر ولا شاهد ولا غائب‏.‏وأنتم أعلم بما في نفسي وأكبر شهادة في خفايا ضميري‏.‏ولو كنت ذاك فقد سلف من حقوقكم وجميل أخذكم واجتلاب الحظ - لو هيأه القدر - بمساعيكم وإيثاري بالمكان من سلطانكم ودولتكم ما يستلين معاطف القلوب ويستل سخائم الهواجس فأنا أحاشيكم من استشعار نبوة أو إحقاق ظن ولو تعلق بقلب ساق حر ذرء وذرء فحاش لله أن يقدح في الخلوص لكم أو يرجح سوابقكم إنما هو خبيئة الفؤاد إلى الحشر أو اللقاء‏.‏ووالله وجميع ما يقسم به ما اطلع على مستكنه مني غير صديقي وصديقكم الملابس - كان - لي ولكم الحكيم الفاضل العلم أبي عبد الله الشقوري أعزه الله‏.‏نفثة مصدور ومباثة خلوص إذ أنا أعلم الناس بمكانه منكم وقد علم ما كان مني حين مفارقة صاحب تلمسان واضمحلال أمره من إجماع الأمر على الرحلة إليكم والخفوف إلى حاضرة البحر للإجازة إلى عدوتكم تعرضت فيها للتهم ووقفت بمجال الظنون حتى تورطت في الهلكة بما ارتفع عني مما لم آته ولا طويت العقد عليه لولا حلم مولانا الخليفة وحسن رأيه في وثبات بصيرته لكنت في الهالكين الأولين كل ذلك شوقاً إلى لقائكم وتمثلاً لأنسكم فلا تظنوا بي الظنون ولا تصدقوا في التوهمات فأنا من علمتم صداقة وسذاجة وخلوصاً واتفاق ظاهر وباطن أثبت الناس عهداً وأحفظهم غيباً وأعرفهم بوزن الإخوان ومزايا الفضلاء ولأمر ما تأخر كتابي من تلمسان فأني كنت أستشعر ممن استضافني ريباً بخطاب سواه خصوصاً جهتكم لقديم ما بين الدولتين من الاتحاد والمظاهرة واتصال اليد مع أن الرسول تردد إلي وأعلمني اهتمامكم واهتمام السلطان تولاه الله باستكشاف ما أنبهم من حالي فلم أترك شيئاً مما أعلم تشوفكم إليه إلا وكشفت له قناعه وأمنته على بلاغه ولم أزل بعد انتياش مولانا الخليفة لذمائي وجذبه بضبعي سابحاً في تيار الشواغل كما علمتم القاطعة حتى عن الفكر‏.‏وسقطت إلي بمحل خدمتي من هذه القاصية أخبار خلوصكم إلى المغرب قبل وصول راجلي إلى الحضرة غير جلية ولا ملتئمة ولم يتعين ملقي العصى ولا مستقر النوى فأرجيت الخطاب إلى استجلائها وأفدت في كتابكم العزيز علي الجاري على سنن الفضل ومذهب المجد غريب ما كيفه القدر من تنويع الحال لديكم‏.‏وعجبت من تأتي أملكم الشارد فيه كما كنا نستبعده عند المفاوضة فحمدت الله لكم على الخلاص من ورطة الدول على أحسن الوجوه وأجمل المخارج الحميدة العواقب في الدنيا والدين العائدة بحسن المآل في المخلف‏:‏ من أهل وولد ومتاع وأثر بعد أن رضتم جموح الأيام وتوقلتم قلل العز وقدتم الدنيا بحذافيرها وأخذتم بآفاق السماء على أهلها‏.‏وهنيئاً فقد نالت نفسكم التواقة أبعد أمانيها ثم تاقت إلى ما عند الله وأشهد لما ألهمتم للإعراض عن الدنيا ونزع اليد من حطامها عند الإصحاب والإقبال ونهى الآمال إلا جذباً وعناية من الله وحباً وإذا أراد الله أمراً يسر أسبابه‏.‏واتصل بي ما كان من تحفي المثابة المولوية بكم واهتزاز الدولة لقدومكم ومثل تلك الخلافة أيدها الله من يثابر على المفاخر ويستأثر بالأخاير‏.‏وليت ذلك عند إقبالكم على الحظ وأنسكم باجتلاب الآمال حتى يحسن المتاع بكم ويتجمل السرير الملوكي بمكانكم فالظن إن هذا الباعث الذي هزم الآمال ونبذ الحظوظ وهون المفارق العزيز يسومكم الفرار إلى الله حتى يأخذ بيدكم إلي فضاء المجاهدة ويستوي بكم على جودي الرياضة‏.‏والله يهدي للتي هي أقوم‏.‏وكأني بالأقدام تلت والبصائر بإلهام الحق صقلت والمقامات خلفت بعد أن استقبلت والعرفان شيمت أنواره وبوارقه والوصول انكشفت حقائقه لما ارتفعت عوائقه‏.‏وأما حالي والظن بكم الاهتمام بها والبحث عنها فغير خفية بالباب المولوي - أعلاه الله - ومظهرها في طاعته ومصدرها عن أمره وتصاريفها في خدمته والزعم إني قمت المقام المحمود في التشيع والانحياش واستمالة الكافة إلى المناصحة ومخالطة القلوب للولاية وما يتشوفه مجدكم ويتطلع إليه فضلكم واهتمامكم من خاصيها في النفس والولد فجهينة خبره مؤدي كتابي إليكم ناشئ تأديبي وثمرة تربيتي فسهلوا له الإذن وألينوا له جانب النجوى حتى يؤدي ما عندي وما عندكم وخذوه بأعقاب الأحاديث أن يقف عند مبادئها وائتمنوه على ما تحدثون فليس بظنين على السر‏.‏وتشوفي لما يرجع به إليكم سيدي وصديقي وصديقكم المغرب في المجد والفضل المساهم في الشدائد كبير المغرب وظهير الدولة أبو يحيى بن أبي مدين - كان الله له - في شأن الولد والمخلف تشوف الصديق لكم الضنين على الأيام بقلامة الظفر من ذات يدكم فأطلعوني طلع ذلك ولا يهمكم فالفراق الواقع حسن والسلطان كبير والأثر جميل والعدو الساعي قليل وحقير والنية صالحة والعمل خالص ومن كان لله كان الله له‏.‏واستطلاع الرياسة المزنية الكافلة - كافأ الله يدها البيضاء - عني وعنكم إلى مثله من أحوالكم استطلاع من يسترجح وزانكم ويشكر الزمان على ولاده لمثلكم‏.‏وقد قررت لعلومه من مناقبكم وبعد شأوكم وغريب منحاكم ما شهدت به آثاركم الشائعة الخالدة في الرسائل المتأدية وعلى ألسنة الصادر والوارد من الكافة من حمل الدولة وسلامي على سيدي وفلذة كبدي ومحل ولدي الفقيه الزكي الصدر أبي الحسن نجلكم أعزه الله وقد وقع مني موقع البشرى حلوله من الدولة بالمكان العزيز والرتبة النابهة والله يلحفكم جميعاً رداء العافية والستر ويمهد لكم محل الغبطة والأمن ويحفظ عليكم ما أسبغ من نعمته ويجريكم على عوائد لطفه وعنايته والسلام الكريم يخصكم من المحب الشاكر الداعي الشائق شيعة فضلكم‏:‏ عبد الرحمن بن خلدون ورحمة الله وبركاته في يوم الفطر عام اثنين وسبعين وسبع مائة‏.‏وكان بعث إلي مع كتابه نسخة كتابه إلى سلطانه ابن الأحمر صاحب الأندلس عندما دخل جبل الفتح وصار إلى إيالة بني مرين فخاطبه من هنالك بهذا الكتاب فرأيت أن أثبته هنا وإن لم يكن من غرض التأليف لغربته ونهايته في الجودة وإن مثله لا يهمل من مثل هذا الكتاب مع ما فيه من زيادة الاطلاع على أخبار الدول في تفاصيل أحوالها‏.‏ونص الكتاب‏:‏ بانوا فمن كان باكياً يبكي هذي ركاب السرى بلا شك فمن ظهور الركاب معملة إلى بطون الربى إلى الفلك تصدع الشمل مثلما انحدرت إلى صبوب جواهر السلك من النوى قبل لم أزل حذراً هذى النوى جل مالك الملك مولاي‏.‏كان الله لكم وتولى أمركم‏.‏أسلم عليكم سلام الوداع وأدعو الله في تيسير اللقاء والاجتماع بعد التفرق والانصداع وأقرر لديكم أن الإنسان أسير الأقدار مسلوب الاختيار متقلب في حكم الخواطر والأفكار وأن لا بد لكل أول من آخر وأن التفرق لما لزم كل اثنين بموت أو في حياة ولم يكن منه بد كان خير أنواعه الواقعة بين الأحباب ما وقع على الوجوه الجميلة البريئة من الشرور‏.‏ويعلم مولاي حال عبده منذ وصل إليكم من المغرب بولدكم ومقامه لديكم بحال قلق وقلعة لولا تعليلكم ووعدكم وارتقاب اللطائف في تقليب قلبكم وقطع مراحل الأيام حريصاً على استكمال سنكم ونهوض ولدكم واضطلاعهم بأمركم وتمكن هدنة وطنكم وما تحمل في ذلك من ترك غرضه لغرضكم وما استقر بيده من عهودكم وأن العبد الآن لما تسبب لكم في الهدنة من بعد الظهور والعز ونجح السعي وتأتى لسنين كثيرة الصلح ومن بعد أن لم يبق لكم بالأندلس مشغب من القرابة وتحرك لمطالعة الثغور الغربية وقرب من فرضة المجاز واتصال الأرض ببلاد المشرق طرقته الأفكار وزعزعت صبره رياح الخواطر وتذكر إشراف العمر على التمام وعواقب الاستغراق وسيرة الفضلاء عند شمول البياض فغلبته حال شديدة هزمت التعشق بالشمل الجميع والوطن المليح والجاه الكبير والسلطان القليل النظير وعمل بمقتضى قوله‏:‏ موتوا قبل أن تموتوا‏.‏فإن صحت هذه الحال المرجو من إمداد الله تنقلت الأقدام إلى أمام وقوي التعلق بعروة الله الوثقى وإن وقع العجز وافتضح العزم فالله يعاملنا بلطفه‏.‏وهذا المرتكب مرام صعب لكن سهله علي أمور‏:‏ منها أن الانصراف لما لم يكن منه بد لم يتعين على غير هذه الصورة إذ كان عندكم من باب المحال‏.‏ومنها أن مولاي لو سمح لي في غرض الانصراف لم تكن لي قدرة على موقف وداعه لا والله‏!‏ ولكان الموت أسبق إلي وكفى بهذه الوسيلة الحبية - التي يعرفها - وسيلة‏.‏ومنها حرصي على أن يظهر صدق دعواي فيما كنت أهتف به وأظن أني لا أصدق‏.‏ومنها اغتنام المفارقة في زمن الأمان والهدنة الطويلة والاستغناء إذ كان الانصراف المفروض ضرورياً قبيحاً في غير هذه الحال‏.‏ومنها - وهو أقوى الأعذار - إنني مهما لم أطق تمام هذا الأمر أو ضاق ذرعي به لعجز أو مرض أو خوف طريق أو نفاد زاد أو شوق غالب رجعت رجوع الأب الشفيق إلى الولد البر الرضي إذ لم أخلف ورائي مانعاً من الرجوع من قول قبيح أو فعل بل خلفت الوسائل المرعية والآثار الخالدة والسير الجميلة وانصرفت بقصد شريف فقت به أشياخي وكبار وطني وأهل طوري وتركتكم على أتم ما أرضاه مثنياً عليكم داعياً لكم‏.‏وإن فسح الله في الأمد وقضى الحاجة فأملي العودة إلى ولدي وتربتي وإن قطع الأجل فأرجو أن أكون ممن وقع أجره على فإن كان تصرفي صواباً وجارياً على السداد فلا يلام من أصاب وإن كان عن حمق وفساد عقل فلا يلام من اختل عقله وفسد مزاجه بل يعذر ويشفق عليه ويرحم وإن لم يعط مولاي أمري حقه من العدل وجلبت الذنوب وحشرت بعدي العيوب فحياؤه وتناصفه ينكر ذلك ويستحضر الحسنات من التربية والتعليم وخدمة السلف وتخليد الآثار وتسمية الولد وتلقيب السلطان والإرشاد للأعمال الصالحة والمداخلة والملابسة لم يتخلل ذلك قط خيانة في مال ولا سر ولا غش في تدبير‏.‏ولا تعلق به عار ولا كدره نقص ولا حمل عليه خوف منكم ولا طمع فيما بيدكم فإن لم تكن هذه دواعي الرعي والوصلة والإبقاء ففيم تكون بين بني آدم وأنا قد رحلت‏.‏فلا أوصيكم بمال فهو عندي أهون متروك ولا بولد فهم رجالكم وخدامكم وممن يحرص مثلكم على الاستكثار منهم ولا بعيال فهي من مربيات بيتكم وخواص داركم إنما أوصيكم بحظي العزيز كان علي بوطنكم وهو أنتم فأنا أوصيكم بكم فارعوني فيكم خاصة‏.‏أوصيكم بتقوى الله والعمل لغد وقبض عنان اللهو في موطن الجد والحياء من الله الذي محص وأقال وأعاد النعمة بعد زوالها ‏"‏ لينظر كيف تعملون ‏"‏‏.‏وأطلب منكم عوض ما وفرته عليكم من زاد طريق ومكافأة وإعانة زاداً سهلاً عليكم وهو أن تقولوا لي‏:‏ غفر الله لك ما ضيعت من حقي خطأ أو عمداً وإذا فعلتم ذلك فقد رضيت‏.‏واعلموا أيضاً على جهة النصيحة أن ابن الخطيب مشهور في كل قطر وعند كل ملك واعتقاده وبره والسؤال عنه وذكره بالجميل والإذن في زيارته نجابة منكم وسعة ذرع ودهاء فإنما كان ابن الخطيب بوطنكم سحابة رحمة نزلت ثم أقشعت وتركت الأزاهر تفوح والمحاسن تلوح ومثاله معكم مثال المرضعة أرضعت السياسة والتدبير الميمون ثم رقدتكم في مهد الصلح والأمان وغطتكم بقناع العافية وانصرفت إلى الحمام تغسل اللبن والوضر وتعود فإن وجدت الرضيع نائماً فحسن أو قد انتب فلم تتركه إلا في حد الفطام‏.‏وتختم لكم هذه الغزارة بالحلف الأكيد‏:‏ إني ما تركت لكم وجه نصيحة في دين ولا في دنيا إلا وقد وفيتها لكم ولا فارقتكم إلا عن عجز ومن ظن خلاف هذا فقد ظلمني وظلمكم والله يرشدكم ويتولى أمركم‏.‏ونقول‏:‏ خاطركم في ركوب البحر‏.‏انتهت نسخة الكتاب وفي طيها هذه الأبيات‏:‏ صاب مزن الدموع من جفن صبك عندما استروح الصبا من مهبك كيف يسلو يا جنتي عنك قلب كان قبل الوجود جن بحبك ثم قل كيف كان بعد انتشاء ال روح من أنسك الشهي وقربك لم يدع بيتك المنيع حماه لسواه إلا إلى بيت ربك وإذا ما ادعيت كرباً لفقدي أين كربي ووحشتي من كربك ولدي في ذراك وكري في دو حك لحدي وتربتي في تربك يا زماناً أغرى الفراق بشملي ليتني أهبتي أخذت لحربك أركبتني صروفك الصعب حتى جئت بالبين وهو أصعب صعبك وكتب آخر النسخة يخاطبني‏:‏ هذا ما تيسر والله ولي الخيرة لي ولكم من هذا الخباط الذي لا نسبة بينه وبين أولي الكمال‏.‏ردنا الله إليه وأخلص توكلنا عليه وصرف الرغبة إلى ما لديه‏.‏وفي طي النسخة مدرجة نصها‏:‏ رضي الله عن سيادتكم‏.‏أونسكم بما صدر مني أثناء هذا الواقع مما استحضره الولد في الوقت وهو يسلم عليكم بما يجب لكم وقد حصل من حظوة هذا المقام الكريم على حظ وافر وأجزل إحسانه ونوه بجرايته وأثبت الفرسان خلفه‏.‏والحمد لله انتهى‏.‏ثم اتصل مقامي ببسكرة والمغرب الأوسط مضطرب بالفتنة المانعة من الأتصال بالسلطان عبد العزيز وحمزة بن علي بن راشد ببلاد مغراوة والوزير عمر بن مسعود في العساكر يحاصره بحصن تاجحمومت وأبو زيان العبد الوادي ببلاد حصين وهم مشتملون عليه وقائمون بدعوته‏.‏ثم سخط السلطان وزيره عمر بن مسعود ونكر منه تقصيره في أمر حمزة وأصحابه فاستدعاه إلى تلمسان وقبض عليه وبعث به إلى فاس معتقلاً فحبس هناك وجهز العساكر مع الوزير أبي بكر بن غازي فنهض إليه وحاصره ة ففر من الحصن ولحق بمليانة مجتازاً عليها فأنذر به عاملها فتقبض عليه وسيق إلى الوزير في جماعة من أصحابه فضرب أعناقهم وصلبهم عظة ومزدجراً لأهل الفتنة‏.‏ثم أوعز السلطان إلى الوزير بالمسير إلى حصين وأبي زيان فسار في العسكر واستنفر أحياء العرب من زغبة فأوعبهم ونهض إلى حصين فامتنعوا بجبل تطري ونزل الوزير بعساكره ومن معه من أحياء زغبة على الجبل تيطري من جهة التل فأخذ بمخنقهم وكاتب السلطان أشياخ الدواودة من رياح بالمسير إلى حصار تيطري من جهة القبلة‏.‏وكاتب أحمد بن مزنى صاحب بسكرة بإمدادهم بأعطياتهم وكتب إلي يأمرني بالمسير بهم لذلك فاجتمعوا علي وسرت بهم أول سنة أربع وسبعين حتى نزلنا بالقطفة ووفدت في جماعة منهم على الوزير بمكانه من حصار تيطري فحد لهم حدود الخدمة وشارطهم على الجزاء‏.‏ورجعنا إلى أحيائهم بالقطفة فاشتدوا في حصار الجبل وألجأوهم بسوامهم وظهرهم إلى قنته فهلك لهم الخف والحافر وضاق ذرعهم بالحصار من كل جانب وراسل بعضهم في الطاعة خفية فارتاب بعضهم من بعض فانفضوا ليلاً من الجبل وأبو زيان معهم ذاهبين إلى الصحراء واستولى الوزير على الجبل بما فيه من مخلفهم‏.‏ولما بلغوا مأمنهم من القفر نبذوا إلى أبي زيان عهده‏.‏فلحق بجبال غمرة ووفد أعيانهم على السلطان عبد العزيز بتلمسان وفاءوا إلى طاعته فتقبل فيئتهم وأعادهم إلى أوطانهم‏.‏وتقدم إلي الوزير - عن أمر السلطان - بالمسير مع أولاد يحيى بن علي بن سباع للقبض على أبي زيان في جبل غمرة وفاء بحق الطاعة لأن غمرة من رعاياهم فمضينا لذلك نجده عندهم‏.‏وأخبرونا أنه ارتحل عنهم إلى بلد وأن كلا من مدن الصحراء فنزل على صاحبها أبي بكر بن سليمان فانصرفنا من هنالك‏.‏ومضى أولاد يحيى بن علي إلى أحيائهم ورجعت أنا إلى أهلي ببسكرة وخاطبت السلطان بما وقع في ذلك وأقمت منتظراً أوامره حتى جاءني استدعاؤه إلى حضرته فارتحلت إلي